Полный текст (292 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
تَرْجَمَة الْمُؤلف
هُوَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن أَحْمد بن جزي الْكَلْبِيّ الغرناطي من ذَوي الْأَصَالَة والوجاهة والنباهة وَالْعَدَالَة الإِمَام الْحَافِظ الْعُمْدَة المتفنن أَخذ عَن ابْن الزبير ولازم ابْن رشد وَأَبا الْمجد بن أبي الْأَحْوَط وَالْقَاضِي ابْن برطال وَأَبا الْقَاسِم بن الشَّاط وانتفع بِهِ وَابْن الكماد وَالْوَلِيّ الطنجالي وَغَيرهم وَمِنْه أبناؤه مُحَمَّد وَأَبُو بكر أَحْمد وعبد الله وأمان الدّين بن الْخَطِيب وَإِبْرَاهِيم الخزرجي وَغَيرهم ألف فِي فنون من الْعلم مِنْهَا وَسِيلَة الْمُسلم فِي تَهْذِيب صَحِيح مُسلم والأقوال السّنيَّة فِي الْكَلِمَات السّنيَّة والدعوات والأذكار المخرجة من صَحِيح الْأَخْبَار والقوانين الْفِقْهِيَّة فِي تَلْخِيص مَذْهَب الْمَالِكِيَّة والتنبيه على مَذْهَب الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة والحنبلية وتقريب الْوُصُول إِلَى علم الْأُصُول والنور الْمُبين فِي قَوَاعِد عقائد الدّين والمختصر البارع فِي قِرَاءَة نَافِع وأصول الْقُرَّاء السِّتَّة غير نَافِع والفوائد الْعَامَّة فِي لحن الْعَامَّة وَغير ذَلِك مِمَّا قَيده من التَّفْسِير وَالْقِرَاءَة وفهرسة كَبِيرَة اشْتَمَلت على كثير من أهل الْمشرق وَالْمغْرب توفّي شَهِيدا فِي وَاقعَة طريف سنة ٧٤١ وَكَانَ مولده سنة ٦٩٣
стр. 2
مُقَدّمَة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم قَالَ عبد الله خديم الْكتاب وَالسّنة مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن جزي الْكَلْبِيّ تَابَ الله عَلَيْهِ آمين الْحَمد لله ذِي الْجلَال الَّذِي عجزت عَن إِدْرَاك كنهه عقول العارفين والكمال الَّذِي قصرت عَن إحصاء ثنائه أَلْسِنَة الواصفين وَالْقُدْرَة الَّتِي وجلت من رهبتها قُلُوب الْخَائِفِينَ وَالْعَظَمَة الَّتِي عنت لعزتها وُجُوه الطائعين والعاكفين وَالْعلم الَّذِي أحَاط بِمَا فَوق الْعَرْش إِلَى أطباق الثرى وَالْحكمَة الَّتِي ظهر أَثَرهَا فِي كل مَا نَشأ وبرأ وذرأ مِمَّا نرى وَمِمَّا لَا نرى وَالرَّحْمَة الواسعة الَّتِي شملت أكنافها فِي جَمِيع الورى وَالنعْمَة السابغة وَالْحجّة الْبَالِغَة والسطوة الدامغة لمن كذب وافترى سُبْحَانَهُ من مليك لم يخلق عباده عبثاولم يتركهم سدى بل أرسل الرُّسُل مبشرين ومنذرين وداعين إِلَى الْحق وَالْهدى وَنهى وَأمر وحذر وَبشر ووعد من اهْتَدَى وأوعد من اعْتدى ثمَّ ختم الرسَالَة بنبينا مُحَمَّد ﷺ صَاحب الدعْوَة التَّامَّة والرسالة الْعَامَّة إِلَى الْإِنْس والجان وَالْملَّة الناسخة لجَمِيع الْأَدْيَان والشريعة الْبَاقِيَة إِلَى آخر الزَّمَان والآيات الْبَينَات والأدلة القاطعة الساطعة الْبُرْهَان وَأنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن هدى للنَّاس وبينات من الْهدى وَالْفرْقَان وَجعله معْجزَة ظَاهِرَة للعيان متجددة مَا اخْتلف الملوان وتعاقب الْأَزْمَان فَمَا قَبضه الله إِلَيْهِ حَتَّى أكمل بِهِ الدّين وأوضح السَّبِيل المستبين وأقامه حجَّة الله على الْخلق أَجْمَعِينَ وَظهر فِي الْوُجُود مصداق قَوْله تَعَالَى ((وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين)) ف ﷺ وتبارك وترحم وَشرف وكرم وعَلى آله الطاهرين وَأَصْحَابه الأكرمين (أما بعد) فَهَذَا كتاب فِي
стр. 3
قوانين الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة ومسائل الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة على مَذْهَب إِمَام الْمَدِينَة أبي عبد الله مَالك بن أنس الأصبحي ﵁ إِذْ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أهل بِلَادنَا بالأندلس وَسَائِر الْمغرب اقْتِدَاء بدار الْهِجْرَة وتوفيقا من الله تَعَالَى وَتَصْدِيقًا لقَوْل الصَّادِق المصدوق ﷺ (لَا يزَال أهل الْمغرب ظَاهِرين على الْحق حَتَّى تقوم السَّاعَة) ثمَّ زِدْنَا إِلَى ذَلِك التَّنْبِيه على كثير من الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف الَّذِي بَين الإِمَام الْمُسَمّى وَبَين الإِمَام أبي عبد الله أَحْمد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَالْإِمَام أبي حنيفَة النُّعْمَان ابْن ثَابت وَالْإِمَام أبي عبد الله بن حَنْبَل لتكمل بذلك الْفَائِدَة ويعظم الِانْتِفَاع فَإِن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة هم قدوة الْمُسلمين فِي أقطار الأَرْض وأولو الأتباع والأشياع وَرُبمَا نبهت على مَذْهَب غَيرهم من أَئِمَّة الْمُسلمين كسفيان الثَّوْريّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وعبد الله بن الْمُبَارك وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأبي ثَوْر وَالنَّخَعِيّ وداوود بن عَليّ إِمَام الظَّاهِرِيَّة وَقد أكثرنا من نقل مذْهبه وَاللَّيْث بن سعد وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْأَوْزَاعِيّ وَغَيرهم ﵃ أَجْمَعِينَ فَإِن كل وَاحِد مِنْهُم مُجْتَهد فِي دين الله ومذاهبهم طرق موصلة إِلَى الله وَاعْلَم أَن هَذَا الْكتاب ينيف على سَائِر الْكتب بِثَلَاث فَوَائِد (الْفَائِدَة الأولى) أَنه جمع بَين تمهيد الْمَذْهَب وَذكر الْخلاف العالي بِخِلَاف غَيره من الْكتب فَإِنَّهَا فِي الْمَذْهَب خَاصَّة أَو فِي الْخلاف العالي خَاصَّة (الْفَائِدَة الثَّانِيَة) إِنَّا لمحناه يحسن التَّقْسِيم وَالتَّرْتِيب وسهلناه بالتهذيب والتقريب فكم فِيهِ من تَقْسِيم قسيم وتفصيل أصيل يقرب الْبعيد ويلين الشريد (الْفَائِدَة الثَّالِثَة) إِنَّا قصدنا إِلَيْهِ الْجمع بَين الإيجاز وَالْبَيَان على أَنَّهُمَا قَلما يَجْتَمِعَانِ فجَاء بعون الله سهل الْعبارَة لطيف الْإِشَارَة تَامّ الْمعَانِي مُخْتَصر الْأَلْفَاظ حَقِيقا بِأَن يلهج بِهِ الْحفاظ وَإِلَى الله نرغب فِي أَن يَجعله مُوجبا لغفرانه وموصلا لرضوانه وفاتحا لخزائن إحسانه وامتنانه إِنَّه ذُو فضل عَظِيم
стр. 4
بَيَان اصْطِلَاح الْكتاب
إِذا تكلمنا فِي مَسْأَلَة قيدنَا أَولا بِمذهب مَالك ثمَّ نتبعه بِمذهب غَيره إِمَّا نصا وَتَصْرِيحًا وَإِمَّا إِشَارَة وتلويحا وَإِذا سكتنا عَن حِكَايَة الْخلاف فِي مَسْأَلَة فَذَلِك مُؤذن فِي الْأَكْثَر بِعَدَمِ الْخلاف فِيهَا وَإِذا ذكرنَا الْإِجْمَاع والإتفاق فنعني إِجْمَاع الْأمة وَإِذا ذكرنَا الْجُمْهُور فنعني إتفاق الْعلمَاء إِلَّا من شَذَّ قَوْله وَإِذا ذكرنَا الْأَرْبَعَة فنعني مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ وَأَبا حنيفَة وَابْن حَنْبَل وَفِي ذَلِك إِشْعَار بمخالفة بعض الْعلمَاء لَهُم وَرُبمَا صرحنا بذلك وَإِذا قُلْنَا قَالَ قوم أَو خلافًا لقوم فنعني خَارج الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَإِذا ذكرنَا الثَّلَاثَة فنعني مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ وَأَبا حنيفَة وَفِي ذَلِك إِشْعَار بمخالفة أَحْمد بن حَنْبَل لَهُم أَو أَنه لم ينْقل لَهُ مَذْهَب فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة وَإِذا ذكرنَا الْإِمَامَيْنِ فنعني مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ وَإِذا ذكرنَا ضمير الْإِثْنَيْنِ كَقَوْلِنَا عِنْدهمَا أَو خلافًا لَهما فنعني الشَّافِعِي وَأَبا حنيفَة وَإِذا ذكرنَا ضمير الْجَمَاعَة فَقُلْنَا عِنْدهم أَو خلافًا لَهُم وَشبه ذَلِك فنعني الشَّافِعِي وَأَبا حنيفَة وَابْن حَنْبَل وَإِذا قُلْنَا الْمَذْهَب فنعني مَذْهَب مَالك وَفِي ذَلِك إِشْعَار بمخالفة غَيره وَإِذا قُلْنَا الْمَشْهُور فنعني مَشْهُور مَذْهَب مَالك وَفِي ذَلِك إِشْعَار بِخِلَاف فِي الْمَذْهَب وَإِذا قُلْنَا قيل كَذَا أَو اخْتلف فِي كَذَا أَو فِي كَذَا قَولَانِ فَأكْثر فنعني فِي الْمَذْهَب وَإِذا قُلْنَا رِوَايَتَانِ فنعني عَن مَالك وَأكْثر مَا نقدم القَوْل الْمَشْهُور
بَيَان تَرْتِيب الْكتاب
اعْلَم أنني افتتحته بعقيدة سنية وجيزة تَقْدِيمًا للأهم فَلَا جرم أَن الْأُصُول أهم من الْفُرُوع وَمن الْحق تَأْخِير التَّابِع وَتَقْدِيم الْمَتْبُوع ثمَّ قسمت الْفِقْه إِلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا فِي الْعِبَادَات وَالْآخر فِي الْمُعَامَلَات وضمنت كل قسم عشرَة كتب على مائَة بَاب فانحصر الْفِقْه فِي عشْرين كتابا ومائتي بَاب (الْقسم الأول) فِيهِ من الْكتب كتاب الطَّهَارَة كتاب الصَّلَاة كتاب الْجَنَائِز كتاب الزَّكَاة كتاب الصّيام والإعتكاف كتاب الْحَج كتاب الْجِهَاد كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور كتاب الْأَطْعِمَة والأشربة وَالصَّيْد والذبائح كتاب الضَّحَايَا والعقيقة والختان (الْقسم الثَّانِي) فِيهِ من الْكتب كتاب النِّكَاح كتاب الطَّلَاق وَمَا يتَّصل بِهِ كتاب الْبيُوع كتاب الْعُقُود
стр. 5
المشاكلة للبيوع كتاب الْأَقْضِيَة والشهادات كتاب الْأَبْوَاب الْمُتَعَلّقَة بالأقضية كتاب الدِّمَاء وَالْحُدُود كتاب الهبات وَمَا يجانسها كتاب الْعتْق وَمَا يتَعَلَّق بِهِ كتاب الْفَرَائِض والوصايا (ثمَّ ختمته) بِكِتَاب الْجَامِع وَهُوَ يحتوي على عشْرين بَابا وَإِنَّمَا انحصرت الْكتب والأبواب فِي هَذَا الْعدَد لأنني ضممت كل شكل إِلَى شكله وألحقت كل فرع بِأَصْلِهِ وَرُبمَا جمعت فِي تَرْجَمَة وَاحِدَة مَا يفرقه النَّاس فِي تراجم كَثِيرَة رعيا للمقاربة والمشاكلة ورغبة فِي الإختصار وَالله الْمُسْتَعَان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم (الْفَاتِحَة) فِيمَا يجب فِي الإعتقادات من أصُول من أصُول الديانَات ويشتمل على عشرَة أَبْوَاب خَمْسَة الإلهيات وَخَمْسَة فِي السمعيات
الْبَاب الأول فِي وجود الْبَارِي ﷻ وَعز نواله
اعْلَم أَن الْعَالم الْعلوِي والسفلي كُله مُحدث بعد الْعَدَم شَاهد على نَفسه بالحدوث ولخالقه بالقدم وَذَلِكَ لما يَبْدُو عَلَيْهِ من تَغْيِير الصِّفَات وتعاقب الحركات والسكنات وَغير ذَلِك من الْأُمُور الطارئات وكل مُحدث فَلَا بُد لَهُ من مُحدث أوجده وخالق خلقه إِذْ لَا بُد لكل فعل من فَاعل فَجَمِيع الموجودات من الأَرْض وَالسَّمَاوَات والحيوانات والجمادات من الْجبَال والبحار والأنهار وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار والأزهار والرياح والسحاب والأمطار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وكل صَغِير وكبير فِيهِ آثَار الصَّنْعَة ولطائف الْحِكْمَة وَالتَّدْبِير فَفِي كل شَيْء دَلِيل قَاطع وبرهان سَاطِع على وجود الصَّانِع وَهُوَ الله رب الْعَالمين وخالق الْخلق أَجْمَعِينَ الْملك الْحق الْمُبين الَّذِي احتجب عَن الْأَبْصَار بكبريائه وعلو شَأْنه وَظهر للبصائر بِقُوَّة سُلْطَانه ووضوح برهانه فَمَا أعظم برهَان الله وَمَا أَكثر الدَّلَائِل على الله ((أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض)) وحسبك الْفطْرَة الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا وَمَا يُوجد فِي النُّفُوس ضَرُورَة من افتقار الْعُبُودِيَّة وَمَعْرِفَة الربوبية ((وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله))
الْبَاب الثَّانِي فِي صِفَات الله تَعَالَى عز شَأْنه وبهر سُلْطَانه
جرت عَادَة الْمُتَكَلِّمين بِإِثْبَات سبع صِفَات وَهِي الْحَيَاة وَالْقُدْرَة والإرادة وَالْعلم والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام (فَأَما الْحَيَاة) فَإِن الله هُوَ الأول الْقَدِيم الَّذِي لم يزل فِي أزل الْأَزَل قبل وجود الْأَزْمَان وَلم يكن مَعَه شَيْء غَيره وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ وَأَنه الْحَيّ الْبَاقِي ((الآخر)) الَّذِي لَا يَمُوت وكل من عَلَيْهَا فان (وَأما الْقُدْرَة) فَإِنَّهُ قدير على كل شَيْء لَا يعجزه شَيْء وَلَا يصعب عَلَيْهِ شَيْء وَبِيَدِهِ
стр. 6
ملكوت كل شَيْء أَلا ترى أثر قدرته فِي اختراع الموجودات وإمساك الأَرْض وَالسَّمَاوَات ونفوذ أمره فِي التَّصَرُّف فِي الْمَخْلُوقَات فَفِي كل يَوْم يُمِيت ويحيي ويخلق ويفني ويفقر ويغني وَيهْدِي ويضل ويعز ويذل وَيُعْطِي وَيمْنَع ويخفض وَيرْفَع ويسعد ويشقي ويعافي ويبتلي ((إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون)) (وَأما الْإِرَادَة) فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ المريد لجَمِيع الكائنات الْمُدبر للحادثات الْمُقدر المقدورات الفعال لما يُرِيد فَكل نفع وضر وحلو وَمر وَكفر وإيمان وَطَاعَة وعصيان وَزِيَادَة ونقصان وَربح وخسران فبإرادته الْقَدِيمَة وقضائه وَقدره ومشيئته الحكيمة لَا راد لأَمره وَلَا معقب لحكمه وَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي فعله ((لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون)) كل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل اقْتضى ذَلِك ملكه وحكمته فالمالك يفعل مَا يَشَاء فِي ملكه وَالْملك يحكم بِمَا أَرَادَ على مماليكه والحكيم أعلم بِمَا تَقْتَضِيه حكمته ((وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ)) قدر أرزاق الْخلق وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم ((كل فِي كتاب مُبين)) خلق قوما للجنة فيسرهم لليسرى وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ وَخلق قوما للنار فيسرهم للعسرى وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ ((وَمَا رَبك بظلام للعبيد)) (وَأما الْعلم) فَإِنَّهُ ﵎ اسْمه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات مُحِيط بِمَا تَحت الأَرْض السُّفْلى إِلَى مَا فَوق السَّمَاوَات أحَاط بِكُل شَيْء علما وأحصى كل شَيْء عددا وَعلم مَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لَا يكون لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون وَهُوَ حَاضر بِعِلْمِهِ فِي كل مَكَان ورقيب على كل إِنْسَان ((يعلم سركم وجهركم وَيعلم مَا تكسبون)) قد اسْتَوَى عِنْده الظَّاهِر وَالْبَاطِن واطلع على مخبآت السرائر ومكنونات الضمائر حَتَّى أَنه يعلم مَا يهجس فِي نفوس الْحيتَان فِي قعور الْبحار ((إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور)) (وَأما السّمع وَالْبَصَر) فَإِنَّهُ تَعَالَى سميع بَصِير لَا يعزب عَن سَمعه مسموع وَإِن خَفِي وَلَا يغيب عَن رُؤْيَته مرأى وَإِن دق ((يعلم السِّرّ وأخفى)) حَتَّى دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء ((لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء)) وَمَا أحسن تعقيب هَذَا ببرهان ((هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء)) (وَأما الْكَلَام) فَإِنَّهُ جلّ وَعز مُتَكَلم بِصفة أزلية لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَلَا يقبل الْعَدَم وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ من السُّكُوت وَلَا التَّبْعِيض وَلَا التَّقْدِيم وَلَا التَّأْخِير الَّذِي لَا يشبه كَلَام المخلوقين كَمَا لَا تشبه ذَاته ذَوَات المخلوقين لَا تنفذ كَلِمَاته كَمَا لَا تحصى معلوماته وَلَا تَنْحَصِر مقدوراته ((قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي لنفذ الْبَحْر قبل أَن تنفذ كَلِمَات رَبِّي وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا)) وَالدَّلِيل على ثُبُوت هَذِه الصِّفَات ثَلَاثَة أوجه (الْوَجْه الأول) أَنَّهَا صِفَات كَمَال فَوَجَبَ وصف الله بهَا وأضدادها صِفَات نقص فَوَجَبَ تنزيهه عَنْهَا ((وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى)) (الْوَجْه الثَّانِي) أَنَّهَا تدل عَلَيْهَا آثَار حكمته فَإِن اتقان الصَّنْعَة دَلِيل على حَيَاة الصَّانِع وَقدرته وَعلمه وَسَائِر صِفَاته (الْوَجْه الثَّالِث) مَا ورد من النُّصُوص الصَّرِيحَة فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة
стр. 7
الْبَاب الثَّالِث فِي أَسمَاء الله تَعَالَى الْحسنى
قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من أحصاها دخل الْجنَّة) وَقد وَردت مَعْدُودَة مُعينَة فِي حَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي هُرَيْرَة ﵁ وَاخْتلف النَّاس فِي تِلْكَ الْأَسْمَاء الْمعينَة فِيهِ هَل هِيَ فِيهِ مَرْفُوعَة إِلَى النَّبِي ﷺ كأصل الحَدِيث أَو هِيَ مَوْقُوفَة على أبي هُرَيْرَة لِأَن لله تَعَالَى أَسمَاء زَائِدَة على تِلْكَ الْمعينَة مِنْهَا مَا ورد فِي الْقُرْآن والْحَدِيث وَمِنْهَا مَا هِيَ أَسمَاء مُشْتَقَّة من أَفعاله وَاعْلَم أَن أَسمَاء الله وَصِفَاته تَنْقَسِم على الْجُمْلَة إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام مِنْهَا مَا يرجع إِلَى الذَّات وَإِلَى صِفَات الذَّات وَإِلَى صِفَات الْفِعْل وتنقسم على التَّفْصِيل بِالنّظرِ إِلَى مَعَانِيهَا عشرَة أَقسَام (الأول) اسْم يدل على الذَّات وَهُوَ قَوْلنَا (الله) وَقد قيل أَنه اسْم الله الْأَعْظَم (الثَّانِي) أَسمَاء تدل على الوحدانية كإسمه الْوَاحِد الصَّمد وَالْوتر (الثَّالِث) أَسمَاء تدل على الْحَيَاة كالحي وَالْأول وَالْآخر (الرَّابِع) أَسمَاء تدل على اختراع الْمَخْلُوقَات وَذَلِكَ أخص صِفَات الربوبية كالخالق والباري والفاطر (الْخَامِس) أَسمَاء تدل على الْقُدْرَة كالقدير والمنتقم والقهار (السَّادِس) أَسمَاء تدل على الْإِرَادَة كالمريد والفعال لما يُرِيد والقابض والباسط (السَّابِع) أَسمَاء تدل على الْإِدْرَاك كالعليم والسميع والبصير (الثَّامِن) أَسمَاء تدل على العظمة والجلال كالعظيم وَالْكَبِير والعلي (التَّاسِع) أَسمَاء تدل على الْملك والتملك كالملك وَالْمَالِك والغني (الْعَاشِر) أَسمَاء تدل على الرَّحْمَة كالرحمن الرَّحِيم والغفار والتواب والوهاب
الْبَاب الرَّابِع فِي تَوْحِيد الله تَعَالَى
وَهُوَ محصول قَوْلنَا ((لَا إِلَه إِلَّا الله)) وَهُوَ أَن تؤمن بِأَنَّهُ إِلَه وَاحِد أحد فَرد صَمد لم يتَّخذ صَاحِبَة وَلَا ولدا وَلَا يُشَارِكهُ فِي حكمه أحد لَيْسَ لَهُ فِي ربوبيته شريك وَلَا نَظِير وَلَيْسَ لَهُ فِي ملكه ضد وَلَا ند وَلَا مُنَازع وَلَا ظهير والبرهان الْوَاضِح على الوحدانية مَعْقُول أَربع آيَات (الأولى) قَوْله تَعَالَى ((لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا)) وَمِنْه أَخذ المتكلمون دَلِيل التمانع إِلَّا أَن الْقُرْآن أفْصح وأوضح (وَالثَّانيَِة) قَوْله تَعَالَى ((قل لَو كَانَ مَعَه آلِهَة كَمَا تَقولُونَ إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا)) فَإِن عدم النزاع دَلِيل دَلِيل على عدم المنازع (وَالثَّالِثَة) قَوْله تَعَالَى ((مَا اتخذ الله من ولد وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض)) فكون الْوُجُود كُله مرتبطا بعضه بِبَعْض دَلِيل على أَن مَالِكه وَاحِد (وَالرَّابِعَة) مَعْقُول قَوْله تَعَالَى ((وَاتَّخذُوا من دون الله آلِهَة لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون)) فَإِن
стр. 8
من صِفَات الْإِلَه كَونه خَالِقًا وَلَا خَالق إِلَّا الله فَلَا إِلَه إِلَّا الله وَغَيره مَخْلُوق والمخلوق لَا يكون شَرِيكا لخالقه ((أَفَمَن يخلق كمن لَا يخلق أَفلا تذكرُونَ)) تَكْمِيل الطوائف الْمُخَالفَة فِي التَّوْحِيد النَّصَارَى وَالْمَجُوس والصابئة والمنجمون والطبائعيون فَأَما النَّصَارَى فَكَفرُوا بأقوالهم الْفَاسِدَة ومذاهبهم الضَّالة فِي عِيسَى وَأمه ﵉ وأبلغ الرَّد عَلَيْهِم مَضْمُون خمس آيَات (الأولى) قَوْله ((كَانَا يأكلان الطَّعَام)) فَذَلِك صفة الْحُدُوث والعبودية لَا صفة الربوبية (الثَّانِيَة) قَوْله ((إِن مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم)) أَي من قدر على خلق الْإِنْسَان من غير أم وَلَا ولد قَادر على خلق آخر بِأم دون وَالِد (الثَّالِثَة) قَوْله ((قُولُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيّ)) فَإِن الْغَنِيّ الْمُطلق لَا يحْتَاج إِلَى زَوْجَة وَلَا ولد وَلَا إِلَى أحد (الرَّابِعَة) قَوْله ((وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا إِن كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا)) فَإِن الربوبية والعبودية لَا يَجْتَمِعَانِ (الْخَامِسَة) قَول عِيسَى ﵇ ((إِنِّي عبد الله)) وَقَوله ((يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم)) فاعترافه على نَفسه بالعبودية بَيَان كذب من وَصفه بالربوبية وَأما الْمَجُوس فَكَفرُوا بِعبَادة النُّور وَالرَّدّ عَلَيْهِم قَوْله ((وَجعل الظُّلُمَات والنور)) فَإِن الْمُحدث الْمَخْلُوق لَا يكون إِلَهًا وَأما الصابئة فَكَفرُوا فَكَفرُوا بِعبَادة الْمَلَائِكَة ونسبتهم إِلَى الله وَالرَّدّ عَلَيْهِم قَوْله ((بل عباد مكرمون)) وَأما المنجمون فأثبتوا للكواكب تَأْثِيرا فِي الْوُجُود وَالرَّدّ عَلَيْهِم قَوْله ((وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره)) والمسخر مَمْلُوك مقهور وَقَوله ((لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ)) فَكيف يُشَارك مَخْلُوق خالقه وَأما الطبائعيون فنسبوا الْأَفْعَال للطبيعة وَالرَّدّ عَلَيْهِم قَوْله ((ثَمَرَات مُخْتَلفَة ألوانها)) وَقَوله ((تسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل)) فَإِن اخْتِلَاف الأشكال والألوان والروائح والطعوم وَالْمَنَافِع والمضار دَلِيل على الْفَاعِل الْمُخْتَار إِشَارَة صوفية التَّوْحِيد نَوْعَانِ عَام وخاص فالعام عدم الْإِشْرَاك الْجَلِيّ وَهُوَ مقَام الْإِيمَان الْحَاصِل لجَمِيع الْمُؤمنِينَ وَالْخَاص عدم الْإِشْرَاك الْخَفي وَهُوَ مقَام الْإِحْسَان وَهُوَ خَاص بالأولياء العارفين ﵃ أَجْمَعِينَ
الْبَاب الْخَامِس فِي تَنْزِيه اله تَعَالَى
وَهُوَ معنى قَوْلنَا سُبْحَانَ الله وَذَلِكَ أَن تؤمن بِأَنَّهُ لَيْسَ كمثله شَيْء وَلَا هُوَ مثل شَيْء لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء تَعَالَى أَن يكون لَهُ شَبيه أَو مثيل أَو عديل أَو نَظِير أَو قرين وَأَنه لَا يفْتَقر إِلَى شَيْء وَإِن كل شَيْء إِلَيْهِ فَقير وَأَنه لَا يَلِيق بِهِ نقص وَلَا عيب بل تقدس عَن كل نقص وتبرأ من جَمِيع الْعُيُوب وَأَنه لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَلَا تلْحقهُ آفَة وَلَا يُصِيبهُ عجز وَلَا نصب وَلَا لغوب وَأَنه لَا تَنْفَعهُ طَاعَة الْعباد وَلَا تضره الذُّنُوب وَأَنه لَا يَمُوت وَلَا يفنى وَلَا يضل وَلَا ينسى وَلَا يكون فِي
стр. 9
ملكه إِلَّا مَا يَشَاء فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَإنَّهُ لَا يظلم أحدا وَإنَّهُ لَا تنقص خزائنه وَلَا يبيد مَا عِنْده أبدا (تَنْبِيه) ورد فِي الْقُرْآن والْحَدِيث أَلْفَاظ يُوهم ظَاهرهَا التَّشْبِيه كَقَوْلِه تَعَالَى ((على الْعَرْش اسْتَوَى)) و ((يَدَاهُ مبسوطتان)) وكحديث نزُول الله كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَغير ذَلِك وَهِي كَثِيرَة تفرق النَّاس فِيهَا ثَلَاث فرق (الْفرْقَة الأولى) السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين آمنُوا بهَا وَلم يبحثوا عَن مَعَانِيهَا وَلَا تأولوها بل أَنْكَرُوا على من تكلم فِيهَا ((والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ أمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا)) وَهَذِه طَريقَة التَّسْلِيم الَّتِي تعود إِلَى السَّلامَة وَبهَا أَخذ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر الْمُحدثين (الْفرْقَة الثَّانِيَة) قوم حملوها على ظَاهرهَا فلزمهم التجسيم ويعزى ذَلِك إِلَى الحنبلية وَبَعض الْمُحدثين (الْفرْقَة الثَّالِثَة) قوم تأولوها وأخرجوها على ظَاهرهَا إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ أَدِلَّة الْعُقُول وهم أَكثر الْمُتَكَلِّمين وَالله أعلم
الْبَاب السَّادِس فِي الْإِيمَان بملائكة الله وَكتبه وَرُسُله
اعْلَم أَن (الْمَلَائِكَة) عباد الله مكرمون عِنْده يعبدونه ويسبحونه ويطيعونه وَلَا يعصونه وَلَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ فَمنهمْ حَملَة الْعَرْش وسكان السَّمَوَات وحفظة على بني آدم وموكلون بالأمطار والنبات والنطف والأرحام والتماس مجَالِس الذّكر وَلَا يُحِيط بعددهم إِلَّا الله وَإِن الله بعث الْأَنْبِيَاء وَأرْسل الرُّسُل مبشرين ومنذرين وَمِنْهُم من سَمَّاهُ الله فِي الْقُرْآن وَمِنْهُم من لم يسمه وأولهم آدم أَبُو الْبشر وَآخرهمْ سيدهم (مُحَمَّد) ﷺ النَّبِي الْأُمِّي خَاتم النَّبِيين وَإِن الله أنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل الْأمين بِالْقُرْآنِ الْمُبين كَمَا أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى وَأنزل الْإِنْجِيل على عِيسَى وَأنزل الزبُور على دَاوُود وَأنزل صحفا على غَيرهم من الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَقَالَ تَعَالَى ((قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبهم لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ)) وَأَن الله أوجب على جَمِيع الْأُمَم بِالدُّخُولِ فِي دين الْإِسْلَام ((وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين)) وَأَن الله آتى كل نَبِي من الْآيَات مَا مثله آمن عَلَيْهِ الْبشر وَلما كَانَت رِسَالَة نَبينَا ﷺ أَعم وشريعته ناسخة لما تقدم اقْتضى ذَلِك أَن تكون براهينه أظهر وآياته أبهر وَدَلَائِل صدقه أكبر وَأكْثر مُبَالغَة فِي إِقَامَة الْحجَّة وإيضاحا لسلوك المحجة فَلَقَد أيده الله بأنواع من الْآيَات الباهرة والعلامات الظَّاهِرَة فِيهَا عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب وَمَا أَحْوَاله وأقواله وأفعاله إِلَّا الْعجب العجاب وَلَقَد أحصى لَهُ عُلَمَاؤُنَا رضوَان الله عَلَيْهِم ألف معْجزَة وَهِي ترجع إِلَى خَمْسَة أَنْوَاع (أَحدهَا) الْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أعجز الْإِنْس وَالْجِنّ على الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا وتضمن من الْعُلُوم الالهية وَالْحكم
стр. 10
الربانية والأسرار الَّتِي كَانَت محجوبة عَنْهَا عقول الْبَريَّة مَا يدل قطعا على أَنه تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم (وَالثَّانِي) مَا ظهر على يَدَيْهِ ﷺ من المعجزات الخوارق للعادات وَهِي كَثِيرَة جدا (وَالثَّالِث) مَا سبق قبله من الْإِعْلَام بِهِ والمبشرات (الرَّابِع) مَا ظهر لسَائِر أمته من الكرامات فَإِنَّهَا دَلِيل على صِحَة دينهم وَصدق متبوعهم ﷺ وَانْظُر ظُهُور دينه فِي الْمَشَارِق والمغارب وَحفظه من التَّغْيِير والتبديل مُنْذُ أَزِيد من سَبْعمِائة عَام يظْهر لَك أَن ذَلِك بِأَمْر سماوي واعتقاد رباني (وَالْخَامِس) مَا وهبه الله من الْأَخْلَاق الْعَظِيمَة وَالشَّمَائِل الْكَرِيمَة الَّتِي لَا يجمعها الله إِلَّا لأحب عباده وَأكْرمهمْ عَلَيْهِ وحسبك قَوْله سُبْحَانَهُ ((وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم)) وَاعْلَم أَن معجزاته ﷺ بِالنّظرِ إِلَى نقلهَا تَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام (الأول) مَا نقطع بِصِحَّتِهِ فتقوم بِهِ الْحجَّة وَإِن كَانَ وَاحِدًا على انْفِرَاده كالقرآن الْعَظِيم وكانشقاق الْقَمَر لوروده فِي الْقُرْآن وكنبع المَاء من بَين أَصَابِعه ﷺ وتكثير الطَّعَام الْقَلِيل لاشتهار ذَلِك وانتشاره وعدول رُوَاته ووقوعه فِي مشَاهد عَظِيمَة ومحافل كَثِيرَة (الثَّانِي) مَا نقطع بِصِحَّة نَوعه لِكَثْرَة وُقُوعه وَإِن لم نقطع بِصِحَّة آحاده كالأخبار بالغيوب وَإجَابَة الدَّعْوَات فَإِن ذَلِك كثر مِنْهُ ﷺ حَتَّى صَار مَجْمُوعَة مَقْطُوعًا بِهِ (الثَّالِث) مَا نقل نَوعه وأشخاصه نقل الْآحَاد وَلَكِن إِذا جمع إِلَى غَيره أَفَادَ الْقطع بِوُقُوع المعجزات
الْبَاب السَّابِع فِي الْإِيمَان بِالدَّار الْآخِرَة وتشمل على اثْنَتَيْ عشرَة مَسْأَلَة
(الْمَسْأَلَة الأولى) الْإِيمَان بالبرزخ وَعَذَاب من شَاءَ فِي الْقُبُور وَذَلِكَ من الْقُرْآن قَوْله ((برزخ إِلَى يَوْم يبعثون)) وَقَوله ((النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب)) فَذَلِك دَلِيل على عَذَاب قبل يَوْم الْقِيَامَة وَمن السّنة أَخْبَار صَحِيحَة (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) سُؤال الْملكَيْنِ وَقد وَردت بِهِ الْأَحَادِيث الصِّحَاح وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله ((يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة)) (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) قيام الْخلق من قُبُورهم وحشرهم إِلَى الْحساب وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فدليل جَوَازه قدرَة الله عَلَيْهِ ((وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ)) ((مَا خَلقكُم وَمَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة)) وَدَلِيل وُقُوعه وُرُود الشَّرَائِع ونطق الرُّسُل والكتب بِهِ وَلَا سِيمَا شريعتنا فقد أبلغت فِي النذارة والبشارة لتقوم الْحجَّة على الْعَالمين ثمَّ أَن الْحِكْمَة تَقْتَضِي مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ((ليجزي الله كل نفس مَا كسبت)) وَإِنَّمَا يظْهر ذَلِك فِي الدَّار الْآخِرَة لَا فِي الدُّنْيَا وَلَوْلَا الْجَزَاء الأخروي لاستوى الْمُؤمن وَالْكَافِر والمطيع والعاصي ((أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين)) (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) الْحساب على الْأَعْمَال وَقد نطق بِهِ الْكتاب وَالسّنة (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) الْقصاص بَين الْعباد
стр. 11
وَقد نطق بِهِ أَيْضا الْكتاب وَالسّنة (الْمَسْأَلَة السَّادِسَة) وزن الْأَعْمَال وَقد نطق بِهِ أَيْضا الْكتاب وَالسّنة (الْمَسْأَلَة السَّابِعَة) إِعْطَاء الْكتاب إِمَّا بِالْيَمِينِ وَإِمَّا بالشمال وَقد ورد أَيْضا فِي الْكتاب وَالسّنة (الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة) جَوَاز النَّاس على الصِّرَاط وَهُوَ جسر مَمْدُود على جَهَنَّم وَالنَّاس متفاوتون فِي سرعَة الْجَوَاز على قدر أَعْمَالهم وَمِنْهُم من يكب فِي نَار جَهَنَّم دَلِيله من الْقُرْآن قَوْله ((فأهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم)) وَمن السّنة أَحَادِيث صِحَاح (الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة) حَوْض النَّبِي ﷺ ترده أمته لَا يظمأ من شرب مِنْهُ أبدا وَيُزَاد عَنهُ من بدل أَو غير وَدَلِيله من الْقُرْآن قَوْله ((إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر)) وَقد جَاءَ تَفْسِيره بالحوض فِي الحَدِيث الصَّحِيح وَمن السّنة أَحَادِيث صَحِيحَة كَثِيرَة (الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة) شَفَاعَة النَّبِي ﷺ فِي أمته ودليلها من الْقُرْآن قَوْله ((عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا)) وَمن السّنة أَحَادِيث صَحِيحَة والشفاعة فِي خَمْسَة مَوَاطِن (أَحدهَا) فِي إراحة النَّاس من الْموقف وتعجيل الْفَصْل وَهِي مُخْتَصَّة بنبينا ﷺ (الثَّانِيَة) فِي إنقاذ من وَجَبت عَلَيْهِ النَّار (الثَّالِثَة) فِي إِخْرَاج من دخل النَّار من المذنبين (الرَّابِعَة) فِي تَعْجِيل دُخُول الْجنَّة (الْخَامِسَة) فِي رفْعَة الدَّرَجَات فِي الْجنَّة (الْحَادِيَة عشرَة) فِي دُخُول النَّار ويدخلها صنفان (الصِّنْف الأول) الْكفَّار كلهم ويعذبون بأنواع الْعَذَاب وَبَعْضهمْ أَشد عذَابا من بعض وهم فِيهَا خَالدُونَ ((لَا يفتر عَنْهُم وهم فِيهِ مبلسون)) (الصِّنْف الثَّانِي) من شَاءَ الله من عصاة الْمُسلمين ثمَّ يخرجُون مِنْهَا برحمة الله تَعَالَى وشفاعة الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة وَالشُّهَدَاء الصَّالِحين وَسَائِر الْمُؤمنِينَ
تَحْقِيق
إِنَّمَا يدْخل من الْمُؤمنِينَ النَّار من اجْتمعت فِيهِ سَبْعَة أَوْصَاف (أَحدهَا) أَن تكون لَهُ ذنُوب تَحَرُّزًا من الْمُتَّقِينَ (الثَّانِي) أَن يَمُوت غير تائب من ذنُوبه فَإِن التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ (الثَّالِث) أَن تكون ذنُوبه كَبَائِر فَإِن الصَّغَائِر تغْفر باجتناب الْكَبَائِر (الرَّابِع) أَن لَا تثقل حَسَنَاته فَلَو رجحت على سيآته وَلَو بِوَزْن ذرة نجا من النَّار (الْخَامِس) أَن لَا يكون مِمَّن لَهُ النجَاة بِعَمَل سَابق كَأَهل بدر وبيعة الرضْوَان (السَّادِس) أَن لَا يشفع فِيهِ أحد (السَّابِع) أَن لَا يغْفر لَهُ الله (الثَّانِيَة عشرَة) دُخُول الْجنَّة وَلَا يدخلهَا إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ وينعمون فِيهَا بأنواع النَّعيم وَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجه الله الْكَرِيم بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ((وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة)) وَأَحَادِيث صَحِيحَة صَرِيحَة وهم فِيهَا خَالدُونَ جعلنَا الله مِنْهَا بفضله وَرَحمته
الْبَاب الثَّامِن فِي الْإِمَامَة وَفِيه مَسْأَلَتَانِ
(الْمَسْأَلَة الأولى) فِي إِثْبَات إِمَامَة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃ وَالدَّلِيل على
стр. 12
إِمَامَة جَمِيعهم من ثَلَاثَة أوجه (أَحدهَا) أَن كل وَاحِد مِنْهُم جمع شُرُوط الْإِمَامَة على الْكَمَال (وَالْآخر) أَن كل وَاحِد مِنْهُم أجمع الْمُسلمُونَ فِي زَمَانه على بيعَته وَالدُّخُول تَحت طَاعَته وَالْإِجْمَاع حجَّة (وَالثَّالِث) مَا سبق لكل وَاحِد مِنْهُم من الصُّحْبَة وَالْهجْرَة والمناقب الجليلة وثناء الله عَلَيْهِم وَشَهَادَة الصَّادِق ﷺ لَهُم بِالْجنَّةِ ثمَّ إِن أَبَا بكر وَعمر أَشَارَ رَسُول الله ﷺ إِلَى خِلَافَتهمَا وَأمر بالإقتداء بهما وَقدم أَبَا بكر على حجَّة الْوَدَاع وعَلى الصَّلَاة بِالنَّاسِ فِي مرض مَوته وَذَلِكَ دَلِيل على استخلافه ثمَّ اسْتخْلف أَبُو بكر عمر ثمَّ جعل عمر الْأَمر شُورَى بَين سِتَّة وَاتَّفَقُوا على تَقْدِيم عُثْمَان إِلَى أَن قتل مَظْلُوما بِشَهَادَة النَّبِي ﷺ بذلك ووعده لَهُ بِالْجنَّةِ على ذَلِك ثمَّ ثمَّ كَانَ أَحَق النَّاس بهَا بعده عَليّ لرتبته الشَّرِيفَة وفضائله المنيفة وَأما مَا شجر بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة وَمن كَانَ مَعَ كل مِنْهُمَا من الصَّحَابَة فَالْأولى الْإِمْسَاك عَن ذكره وَأَن يذكرُوا بِأَحْسَن الذّكر ويلتمس لَهُم أحسن التَّأْوِيل فَإِن الْأَمر كَانَ فِي مَحل الإجتهاد فَأَما عَليّ وَمن كَانَ مَعَه فَكَانُوا على الْحق لأَنهم اجتهدوا فَأَصَابُوا فهم مأجورون وَأما مُعَاوِيَة وَمن كَانَ مَعَه فاجتهدوا فأخطأوا فهم معذورون وَيَنْبَغِي توقيرهم وتوقير سَائِر الصَّحَابَة ومحبتهم لما ورد فِي الْقُرْآن من الثَّنَاء عَلَيْهِم ولصحبتهم لرَسُول الله ﷺ فقد قَالَ ﷺ ((الله الله فِي أَصْحَابِي لَا تجعلوهم غَرضا بعدِي فَمن أحبهم فبحبي أحبهم وَمن أبْغضهُم فببغضي أبْغضهُم وَمن آذاهم فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله) (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي شُرُوط الْإِمَامَة وَهِي ثَمَانِيَة الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل والذكورة والعدول وَالْعلم والكفاءة وَأَن يكون نسبه من قُرَيْش وَفِي هَذَا خلاف فَإِن اجْتمع النَّاس على من لم تَجْتَمِع الشُّرُوط فِيهِ جَازَ خوفًا من إِيقَاع الْفِتْنَة وَلَا يجوز الْخُرُوج على الْوُلَاة وَإِن جاروا حَتَّى يظْهر مِنْهُم الْكفْر الصراح وَتجب طاعتهم فِيمَا أحب الْإِنْسَان وَكره إِلَّا أَن أمروا بِمَعْصِيَة فَلَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق
الْبَاب التَّاسِع فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَفِيه مَسْأَلَتَانِ
(الْمَسْأَلَة الأولى) فِي مَعْنَاهُمَا أما الْإِسْلَام فَمَعْنَاه فِي اللُّغَة الإنقياد مُطلقًا وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَة الإنقياد لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ بالنطق بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالجوارح وَأما الْإِيمَان فَمَعْنَاه فِي اللُّغَة التَّصْدِيق مُطلقًا وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَة التَّصْدِيق بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فالإسلام وَالْإِيمَان على هَذَا متباينان وعَلى ذَلِك قَوْله تَعَالَى ((قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا)) وَقد يستعملان مترادفين كَقَوْلِه ((فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين)) وَقد يستعملان متداخلين بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوص فَيكون الْإِسْلَام أَعم إِذا كَانَ الإنقياد بِاللِّسَانِ وَالْقلب والجوارح لِأَن الْإِيمَان خَاص
стр. 13
بِالْقَلْبِ وَيكون الْإِيمَان أَعم إِذا قُلْنَا أَنه قَول اللِّسَان واخلاص بِالْقَلْبِ وَعمل بالجوارح وَهُوَ قَول كثير من السّلف وَإِذا قُلْنَا أَن الْإِسْلَام بِاللِّسَانِ والجوارح خَاصَّة (المسأة الثَّانِيَة) فِي أحكامهما وَفِي ذَلِك أَربع صور (الأولى) أَن يجمع بَينهمَا وَهُوَ أَن يكون العَبْد مُؤمنا بِقَلْبِه منقادا بجوارحه فَهَذَا مخلص عِنْد الله (الثَّانِيَة) عكسهما وَهُوَ أَن يعْدم الوصفين فَهَذَا كَافِر مخلد فِي النَّار (الثَّالِثَة) الانقياد بالجوارح دون الْإِيمَان بِالْقَلْبِ فَهَذَا مخلد فِي النَّار وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُسمى فِي زمن النبوءة منافقا وَسمي بعد ذَلِك زنديقا (الرَّابِعَة) عكسها) وَهِي الْإِيمَان بِالْقَلْبِ دون النُّطْق وَالْعَمَل فَإِذا كَانَ ذَلِك لإكراه ولضيق الْوَقْت كمن أسلم ثمَّ مَاتَ بأثر ذَلِك قبل أَن يَسعهُ نطق وَلَا عمل فَهُوَ مَعْذُور مخلص عِنْد الله وان كَانَ لغير ذَلِك فَاخْتلف فِيهِ
الْبَاب الْعَاشِر فِي الِاعْتِصَام بِالسنةِ وَفِيه مَسْأَلَتَانِ
(الْمَسْأَلَة الأولى) فِي ترك الْبدع قَالَ رَسُول الله ﷺ (تركت فِيكُم أَمريْن لن تضلوا مَا تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي) وَقَالَ ﷺ (أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بأهيم اقْتَدَيْتُمْ) وحض على الِاقْتِدَاء بالخلفاء الرَّاشِدين فالخير كُله فِي التَّمَسُّك بِالْكتاب وَالسّنة والاقتداء بالسلف الصَّالح وتجنب كل مُحدث وبدعة وَقد كَانَ المتقدمون يذمون الْبدع على الاطلاق وَقَالَ الْمُتَأَخّرُونَ أَنَّهَا خَمْسَة أَقسَام وَاجِبَة كتدوين الْعلم ومندوبة كَصَلَاة التَّرَاوِيح وَحرَام كالمكوس وَغَيرهَا ومكروه كتخصيص بعض الْأَيَّام بِبَعْض الْعِبَادَات ومباح كَمثل مَا أحدثه النَّاس من المطاعم والملابس فقد قَالَت عَائِشَة ﵂ لم يكن فِي زمن النَّبِي ﷺ مناخل (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي النّظر والتقليد وَذَلِكَ أَن الِاعْتِقَاد يحصل إِمَّا بِالنّظرِ وَإِمَّا بالتقليد فَأَما التَّقْلِيد فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فمذهب الْمُتَكَلِّمين أَنه لَا يجوز وَلَا يجزأ وَقَالَ أَكثر الْمُحدثين أَنه جَائِز يخلص عِنْد الله وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن رَسُول الله ﷺ قنع من النَّاس بِحُصُول الْإِيمَان بِأَيّ وَجه حصل من تَقْلِيد أَو نظر وَلَو أوجب عَلَيْهِم الِاسْتِدْلَال أَو النّظر لعسر الدُّخُول فِي الدّين على كثير من النَّاس كَأَهل الْبَوَادِي وَغَيرهم وَإِنَّمَا النّظر وَالِاسْتِدْلَال شأنذوي الْعُقُول الراجعة والأذهان الثَّابِتَة وَفِيه تَتَفَاوَت دَرَجَات الْعلمَاء وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء ثمَّ إِن خير الِاسْتِدْلَال مَا كَانَ على طَريقَة السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِكِتَاب الله وتدبر آيَاته وَالِاعْتِبَار فِي بديع مخلوقاته وعجائب مصنوعاته والاقتداء بأخبار الْمُصْطَفى ﷺ وجمي لسيرته وباهر علاماته ثمَّ إخلاص الْمحبَّة لَهُ وَلأَهل بَيته الطاهرين وأزواجه وَأُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَأَصْحَابه الْأَبْرَار الأكرمين وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين وَرَضي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ آمين))
стр. 14
الْقسم الأول من القوانين الْفِقْهِيَّة فِي الْعِبَادَات وفيهَا عشرَة كتب
= الْكتاب الأول فِي الطَّهَارَة وفيهَا مُقَدّمَة وَعشرَة أَبْوَاب =
الْمُقدمَة وفيهَا مَسْأَلَتَانِ
(الْمَسْأَلَة الأولى) فِي أَنْوَاع الطَّهَارَة الطَّهَارَة فِي الشَّرْع معنوية وحسية فالمعنوية طَهَارَة الْجَوَارِح وَالْقلب من دنس الذُّنُوب والحسية هِيَ الْفِقْهِيَّة الَّتِي ترَاد للصَّلَاة وَهِي على نَوْعَيْنِ طَهَارَة حدث وطهارة خبث فطهارة الْحَدث ثَلَاث كبرى وَهِي الْغسْل وصغرى وَهِي الْوضُوء وَبدل مِنْهُمَا عِنْد تعذرهما وَهُوَ التَّيَمُّم وطهارة الْخبث ثَلَاث غسل وَمسح ونضح (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي شُرُوط وجوب الطَّهَارَة وَإِنَّمَا تجب الطَّهَارَة على من وَجَبت عَلَيْهِ الصَّلَاة وَذَلِكَ بِعشْرَة شُرُوط (الأول) الْإِسْلَام وَقيل بُلُوغ الدعْوَة فعلى الأول لَا تجب على الْكَافِر وعَلى الثَّانِي تجب عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَبْنِيّ على الْخلاف فِي مُخَاطبَة الْكفَّار بالفروع وَلَا تصح الصَّلَاة من كَافِر بِإِجْمَاع وَإِذا أسلم الْمُرْتَد لم يلْزمه قَضَاء مَا فَاتَهُ من الصَّلَوَات فِي ردته خلافًا للشَّافِعِيّ (الثَّانِي) الْعقل فَلَا تجب على الْمَجْنُون والمغمى عَلَيْهِ إِلَّا إِذا أَفَاق فِي بَقِيَّة الْوَقْت بِخِلَاف السَّكْرَان فَإِنَّهَا لَا تسْقط عَنهُ (الثَّالِث) الْبلُوغ وعلاماته خمس الِاحْتِلَام والانبات وَالْحيض وَالْحمل وبلوغ السن وَهُوَ خَمْسَة عشر عَاما وَقيل سَبْعَة عشر عَاما فَلَا تجب على الصَّبِي وَيُؤمر بهَا لسبع وَيضْرب عَلَيْهَا لعشر وان صلى ثمَّ بلغ فِي بَقِيَّة الْوَقْت أَو فِي أثْنَاء الصَّلَاة لَزِمته الْإِعَادَة خلافًا للشَّافِعِيّ (الرَّابِع) ارْتِفَاع دم الْحيض وَالنّفاس (الْخَامِس) دُخُول
стр. 15
الْوَقْت (السَّادِس) عدم النَّوْع (السَّابِع) عدم النسْيَان (الثَّامِن) عدم الْإِكْرَاه وَيَقْضِي النَّائِم وَالنَّاسِي وَالْمكْره اجماعا (التَّاسِع) وجود المَاء أَو الصَّعِيد فَمن عدمهما فَاخْتلف هَل يُصَلِّي أم لَا وَهل يقْضِي أم لَا (الْعَاشِر) الْقُدْرَة على الْفِعْل بِقدر الْإِمْكَان
الْبَاب الأول فِي الْوضُوء وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول
(الْفَصْل الأول) فِي أَنْوَاع الْوضُوء وَهُوَ على خَمْسَة أَنْوَاع وَاجِب ومستحب وَسنة ومباح وممنوع وَلَا يُصَلِّي إِلَّا بِالْوَاجِبِ وَهُوَ الْوضُوء لصَلَاة الْفَرْض والتطوع وَسُجُود الْقُرْآن بِإِجْمَاع ولصلاة الْجِنَازَة عِنْد الْجُمْهُور ولمس الْمُصحف خلافًا للظاهرية وللطواف خلافًا لأبي حنيفَة فَمن تَوَضَّأ لشَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء جَازَ لَهُ فعل جَمِيعهَا وَأما السّنة فوضوء الْجنب للنوع وأوجبه ابْن حبيب والظاهرية وَأما الْمُسْتَحبّ فالوضوء لكل صَلَاة عِنْد الْجُمْهُور خلافًا لمن أوجبه ووضوء الْمُسْتَحَاضَة وَصَاحب السلس لكل صَلَاة خلافًا لَهُم فِي وُجُوبه وَالْوُضُوء للقربات كالتلاوة وَالذكر وَالدُّعَاء وَالْعلم وللمخاوف كركوب الْبَحْر وَالدُّخُول على السُّلْطَان وَالْقَوْم وَأما الْمُبَاح فللتنظيف والتبرد وَأما الْمَمْنُوع فالتجديد قبل أَن تقع بِهِ عبَادَة (الْفَصْل الثَّانِي) فِي فَرَائض الْوضُوء وَهِي سِتَّة النِّيَّة وَغسل الْوَجْه وَغسل الْيَدَيْنِ وَمسح الرَّأْس وَغسل الرجلَيْن والفور فَأَما النِّيَّة فَهِيَ الْقَصْد وَتجب فِي كل قربَة بأَرْبعَة أَوْصَاف وَهِي أَن تكون فعلا لَا تركا سوى الصّيام وَأَن تكون من حُقُوق الله تَعَالَى تَحَرُّزًا من أَدَاء الدُّيُون وَشبهه وَأَن تكون فِيمَا يَفْعَله الْمَرْء بِنَفسِهِ تَحَرُّزًا من غسل الْمَيِّت وَمن يوضىء غَيره وَأَن تكون معقولة الْمَعْنى فَلهَذَا لَا تجب فِي إِزَالَة النَّجَاسَة بِإِجْمَاع وَتجب فِي التَّيَمُّم عِنْد الْأَرْبَعَة وَتجب فِي الْوضُوء وَالْغسْل عِنْد الْإِمَامَيْنِ خلافًا لأبي حنيفَة (فرعان) (الأول) يَنْوِي المتطهر أَدَاء الْفَرْض أَو رفع حكم الْحَدث أَو اسْتِبَاحَة مَا تجب الطَّهَارَة لَهُ سَوَاء أطلق أَو عين (الثَّانِي) مَحل النِّيَّة فِي أول الطَّهَارَة وَقيل فِي أول فروضها وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل يستصحب ذكرهَا من أول الطَّهَارَة إِلَى أول فرض فَإِن تَأَخَّرت عَن محلهَا أَو تقدّمت بِكَثِير بطلت وَإِن تقدّمت بِيَسِير فَقَوْلَانِ وَلَا يشْتَرط بَقَاؤُهَا ذكرا بل حكما وَفِي تَأْثِير رفضها قَولَانِ وَأما الوجبه فحده طولا من أول منابت شعر الرَّأْس الْمُعْتَاد إِلَى آخر الذقن فَلَا يدْخل الصلع وَلَا النزعتان وَحده عرضا من الْأذن إِلَى الْأذن وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل من العذار إِلَى العذار وَقيل ببالأول فِي نقي الخد وَبِالثَّانِي فِي الملتحى وَانْفَرَدَ القَاضِي عبد الوهاب بقوله مَا بَين الصدغ وَالْأُذن سنة وَيجب تَخْلِيل مَا على الْوَجْه من شعر خَفِيف وَاخْتلف فِي الكثيف وَيجب إمرار الْيَد على اللِّحْيَة وَفِي وجوب تخليلها قَولَانِ وَأما اليدان فَمن أَطْرَاف الْأَصَابِع إِلَى الْمرْفقين وَيجب غسل الْمرْفقين والكعبين على الْمَشْهُور وفَاقا
стр. 16
لَهُم وَفِي تَخْلِيل أَصَابِع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ قَولَانِ الْوُجُوب وَالنَّدْب وَفِي إجالة الْخَاتم ثَلَاثَة أَقْوَال يفرق فِي الثَّالِثَة فيجال الضّيق دون الْوَاسِع وَبِه قَالَ ابْن حَنْبَل وَأما الرَّأْس فَيجب مسح جَمِيعه وَحده من أول منابت الشّعْر فَوق الْجَبْهَة إِلَى آخرهَا فِي الْقَفَا خلافًا لِابْنِ مسلمة فِي قَوْله يَجْزِي مسح الثُّلثَيْنِ وَلأبي الْفرج فِي الثُّلُث وَلأبي حنيفَة فِي الرّبع وَللشَّافِعِيّ بشعرة وَلَا يمسح على حَائِل خلافًا لِابْنِ حَنْبَل وَلَا فَضِيلَة فِي تكْرَار الْمسْح خلافًا للشَّافِعِيّ وَالِاخْتِيَار فِي صفة الْمسْح أَن يبْدَأ من مقدم الرَّأْس ويمر إِلَى مؤخره ثمَّ يرجع إِلَى حَيْثُ بَدَأَ وَالرُّجُوع سنة وَيجب مسح مَا طَال من الشّعْر فِي الْمَشْهُور وَأما الرّجلَانِ فالفرض غسلهمَا إِلَى الْكَعْبَيْنِ عِنْد الْجُمْهُور وَقَالَ الطَّبَرِيّ يمسحان والكعبان هما اللَّذَان فِي جَانِبي السَّاق فَفِي كل رجل كعبان وَقيل اللَّذَان عِنْد معقد الشرَاك فَفِي كل رجل كَعْب وَأما الْفَوْر فَوَاجِب مَعَ الذّكر وَالْقُدْرَة فِي الْمَشْهُور وعَلى ذَلِك أَن فرق نَاسِيا أَو عَاجِزا بنى أَو عَامِدًا ابْتَدَأَ وَقيل هُوَ سنة وأسقطه الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة (الْفَصْل الثَّالِث) فِي سنَنه وَهِي سِتّ غسل الْيَدَيْنِ قبل ادخالهما فِي الْإِنَاء والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والاستنثار وَمسح الْأُذُنَيْنِ وَالتَّرْتِيب فَأَما غسل الْيَدَيْنِ قبل إدخالهما الْإِنَاء فمسنون عِنْد الثَّلَاثَة لكل متوضىء أَو مغتسل طَاهِر الْيَدَيْنِ من النَّجَاسَة وأوجبه الظَّاهِرِيَّة عِنْد الْقيام من النّوم وَابْن حَنْبَل من نوم اللَّيْل خَاصَّة وَهل غسلهمَا للتعبد أَو للنظافة فِي ذَلِك قَولَانِ يبْنى عَلَيْهِمَا فرعان وهما هَل يغسلهما مجموعتين أَو متفرقتين وَهل يُعِيد غسلهمَا إِذا أحدث فِي أثْنَاء الطَّهَارَة أَولا وَفِي كل وَاحِد مِنْهُمَا قَولَانِ وَأما الْمَضْمَضَة فَسنة فِي الْوضُوء عِنْد الْأَرْبَعَة وَأما الِاسْتِنْشَاق والاستنثار فسنتان عِنْد الثَّلَاثَة فِي الْوضُوء وأوجبهما ابْن حَنْبَل وَصفَة الْمَضْمَضَة أَن يخضخض المَاء فِي فَمه ثمَّ يمجه وَصفَة الِاسْتِنْشَاق أَن يَجْعَل إبهامه وسبابته على أَنفه ثمَّ ينثر برِيح الْأنف وَيجوز أَن يتمضمض ويستنشق من غرفَة وَاحِدَة أَو من غرفتين فَأكْثر وَأما الأذنان فتمسحان عِنْد الْأَرْبَعَة وَقَالَ قوم تغسلان مَعَ الْوَجْه ومسحهما سنة عِنْد الْإِمَامَيْنِ وأوجبه أَو حنيفَة ويجدد المَاء لَهما خلافًا لأبي حنيفَة وَأما التَّرْتِيب فسنع فِي الْمَشْهُور وفَاقا لأبي حنيفَة وَقيل وَاجِب وفَاقا للشَّافِعِيّ (الْفَصْل الرَّابِع) فِي فَضَائِل الْوضُوء ومكروهاته أما فضائله فست (الأولى) السِّوَاك قيل وأوجبه الظَّاهِرِيَّة وَالْعود الْأَخْضَر أحسن الا للصَّائِم فَإِن لم يجد عودا استاك بإصبعه (الثَّانِيَة) التَّسْمِيَة فِي أَوله وَقيل بإنكارها وأوجبها قوم خلافًا للأربعة (الثَّالِثَة) تكْرَار المغسولات مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَالثَّلَاث أفضل (الرَّابِعَة) الِابْتِدَاء بالميامن قبل المياسر (الْخَامِسَة) الِابْتِدَاء بِمقدم الرَّأْس (السَّادِسَة) ذكر الله فِي أثْنَاء الْوضُوء وَأَن يَقُول فِي آخِره أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من اتوابين واجعلني من المتطهرين وَزَاد الشَّافِعِي مسح الرَّقَبَة وَأما جعل الْإِنَاء على الْيَمين
стр. 17
فَذَلِك أمكن لَهُ وَأما مكروهاته فست وَهِي الْوضُوء فِي الْخَلَاء وَالْكَلَام بِغَيْر ذكر الله تَعَالَى والاكثار من صب المَاء والاقتصار على مرّة وَاحِدَة فِي المغسولات إِلَّا للْعَالم بِالْوضُوءِ وَالزِّيَادَة على الثَّلَاث وَالْوُضُوء فِي أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وَقيل فِي هَذَا أَنه حرَام وَالْمسح بالمنديل جَائِز وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي تَركه ((تَنْبِيه)) لَا بُد فِي غسل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ من نقل المَاء إِلَيْهِمَا والتدليك بِالْيَدِ مَعَ المَاء فَلَا يجوز أَن يُرْسل المَاء من يَده قبل وُصُوله إِلَى الْعُضْو لِأَن ذَلِك مسح وَلَا أَن يوصله من غير تدلك وَلَا أَن يدلكه بعد ذهَاب المَاء عَنهُ وَيجب أَن يتفقد الْمَوَاضِع الْخفية كأسارير الْجَبْهَة ومارن الْأنف وَمَا غَار من الأجفان وشقاق الْيَد وَالرجل وَتَحْت أَصَابِع الرجل وأطراف الْأَظْفَار ((فرع)) من نسي شَيْئا من فَرَائض الْوضُوء فَإِن ذكر بعد أَن جف وضوؤه فعل مَا ترك خَاصَّة وَأَن ذكر قبل أَن يجِف وضوؤه ابْتَدَأَ الْوضُوء قَالَ الطليطلي أَنه يُعِيد الَّذِي نسي وَمَا بعده وَلَا يبتدىء الْوضُوء وَهُوَ الصَّحِيح وَالله أعلم وَكَذَلِكَ أَن تَركه عَامِدًا وان كَانَ صلى أعَاد الصَّلَاة فِي الْعمد وَالنِّسْيَان وَمن ترك سنة نَاسِيا صحت صلَاته وَفعل مَا نسي لما يسْتَقْبل فَإِن تَركهَا عَامِدًا فَهُوَ كالناسي وَقيل تبطل صلَاته لتهاونه وان ترك فَضِيلَة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ
الْبَاب الثَّانِي فِي نواقض الْوضُوء وَفِيه فصلان
((الْفَصْل الأول)) فِي النواقض فِي الْمَذْهَب وَهِي ثَلَاثَة الْأَحْدَاث والأسباب والارتداد فَأَما الْأَحْدَاث فَهِيَ الْخَارِج الْمُعْتَاد من السَّبِيلَيْنِ وَذَلِكَ خَمْسَة أَشْيَاء الْبَوْل وَالْغَائِط وَالرِّيح بِصَوْت وَبِغير صَوت والوادي وَهُوَ مَاء أَبيض خاثر يخرج بأثر الْبَوْل والمنى وَهُوَ مَاء أَبيض رَقِيق يخرج عِنْد الالتذاذ فروع ثَلَاثَة ((الْفَرْع الأول)) إِن خرج الْحَدث من أحد المخرجين على وَجه الصِّحَّة نقض الْوضُوء إِجْمَاعًا وَإِن خرج من غير المخرجين فَفِيهِ قَولَانِ وَإِن خرج خَارج غير مُعْتَاد كالحصى والدود من أَحدهمَا لم ينْقض الْوضُوء خلافًا لِابْنِ عبد الحكم وَله ((الْفَرْع الثَّانِي)) إِن خرج الْبَوْل والمني على وَجه السلس الملازم لم ينْقض خلاقا لَهما فَإِن قدر صَاحب السلس على رَفعه بمداواة أَو نِكَاح فَفِي نقضه قَولَانِ وَإِذا مذى صَاحب السلس أَو بَال بَوْل الْعَادة وَجب عَلَيْهِ الْوضُوء وَيعرف ذَلِك بِأَن مذي الْمَادَّة بِشَهْوَة وَبَوْل الْمَادَّة يكثر وَيُمكن إِمْسَاكه ((الْفَرْع الثَّالِث)) من تَيَقّن الطَّهَارَة ثمَّ شكّ فِي الْحَدث فَعَلَيهِ الْوضُوء خلاقا لَهُم وَإِن تَيَقّن الْحَدث وَشك فِي الطَّهَارَة فَعَلَيهِ الْوضُوء وَأما أَسبَاب الْأَحْدَاث فَمِنْهَا السكر وَالْجُنُون والاغماء تنقض الْوضُوء بِإِجْمَاع سَوَاء كَانَت قَليلَة أَو كَثِيرَة وَمِنْهَا النَّوْع وَفِيه طريقتان (الأولى) النّظر إِلَى هيأة النَّائِم فَإِن كَانَت لَا يتهيأ مَعهَا خُرُوج الْحَدث كالجالس لم ينْقض بِخِلَاف المضطجع وفَاقا لَهما (الثَّانِيَة) النّظر إِلَى النّوم وَهُوَ أَرْبَعَة
стр. 18
أَقسَام فالطويل الثقيل ينْقض وَعَكسه لَا ينْقض وَفِي الطَّوِيل الْخَفِيف وَفِي عَكسه قَولَانِ وَمِنْهَا لمس النِّسَاء فَإِن كَانَ بلذة نقض وَإِن كَانَ دونهَا لم ينْقض سَوَاء كَانَ من وَرَاء ثوب أم لَا وَسَوَاء كَانَ لزوجته أَو أَجْنَبِيَّة وَيَسْتَوِي فِي اعْتِبَار اللَّذَّة اللامس والملموس وينقض الْوضُوء عِنْد الشَّافِعِي مُطلقًا وَلَا ينْقض الْوضُوء عِنْد أبي حنيفَة مُطلقًا فَإِن قصد اللَّذَّة وَلم يجدهَا فَقَوْلَانِ مبنيان على الرَّفْض وَلَا يشْتَرط وجودهَا فِي الْقبْلَة على الْمَشْهُور وَمنا مس الذّكر والمراعى فِيهِ بَاطِن الْكَفّ والأصابع وَقيل اللَّذَّة وينقض عِنْد الشَّافِعِي مُطلقًا وَلَا ينْقض عِنْد أبي حنيفَة مُطلقًا وَفِي مَسّه من وَرَاء حَائِل خلاف وَلَا ينْقض مس ذكر صبي خلافًا للشَّافِعِيّ وَلَا بَهِيمَة وَمِنْهَا مس الْمَرْأَة فرجهَا وَفِيه ثَلَاث رِوَايَات فَقيل ينْقض وفَاقا للشَّافِعِيّ وَعَدَمه وفَاقا لأبي حنيفَة وَالْفرق بَين أَن تلطف أم لَا وَأما مس الدبر فَلَا ينْقض خلافًا لحمديس وَالشَّافِعِيّ وَأما الانعاظ دون مذي فَفِيهِ قَولَانِ وَأما الارتداد فينقض فِي الْمَشْهُور وَقيل لَا ينْقض وفَاقا للشَّافِعِيّ (الْفَصْل الثَّانِي) فِي النواقض خَارج الْمَذْهَب ينْقض الْقَيْء والقلس والرعاف والحجامة وَخُرُوج الْقَيْح عِنْد أبي حنيفَة وَابْن حَنْبَل والقهقة فِي الصَّلَاة عِنْد أبي حنيفَة وَأكل لُحُوم الْإِبِل نيا أَو مطبوخا عِنْد ابْن حَنْبَل وَأكل مَا مست النَّار عِنْد بعض السّلف ثمَّ أجمع على نسخه وَحمل الْميتَة عِنْد ابْن حَنْبَل وَذبح الْبَهَائِم عِنْد الْحسن الْبَصْرِيّ وَلم يَصح عَنهُ وَمَسّ الْأُنْثَيَيْنِ عِنْد عُرْوَة بن الزبير وَمَسّ الإبطين عِنْد ابْن عمر وَلم يَصح عَنهُ
الْبَاب الثَّالِث فِي الِاغْتِسَال وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول
(الْفَصْل الأول) فِي أَنْوَاع الْغسْل وَهُوَ وَاجِب وَسنة ومستحب فَالْوَاجِب من الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس والاسلام وَالسّنة الْغسْل للْجُمُعَة وأوجبه الظَّاهِرِيَّة وللعيدين وللإحرام بِالْحَدِّ ولدخول مَكَّة وَغسل الْمَيِّت وَقيل بِوُجُوبِهِ وَالْمُسْتَحب الْغسْل للطَّواف وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وللوقوف بِعَرَفَة والمزدلفة وَالْغسْل من دم الِاسْتِحَاضَة واغتسال من غسل الْمَيِّت (الْفَصْل الثَّانِي) فِي فَرَائِضه وَهِي خَمْسَة النِّيَّة خلافًا لأبي حنيفَة وتعميم الْبدن بِالْمَاءِ إِجْمَاعًا والتدلك فِي الْمَذْهَب خلاقا لَهُم والفور مَعَ الذّكر وَالْقُدْرَة خلافًا لَهما وتخليل اللِّحْيَة وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل سنة (الْفَصْل الثَّالِث) فِي سنَنه وَهِي خمس غسل الْيَدَيْنِ قبل ادخالهما فِي الْإِنَاء والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق وأوجبهما فِي الْغسْل أَو حنيفَة وَمسح دَاخل الْأُذُنَيْنِ وتخليل شعر الرَّأْس وَقيل فَضِيلَة وأوجبه الشَّافِعِي (الْفَصْل الرَّابِع) فِي فضائله وَهِي خمس التَّسْمِيَة والغرف على الرَّأْس ثَلَاثًا وَتَقْدِيم الْوضُوء والبداءة بِإِزَالَة الْأَذَى قبل الْوضُوء والبداءة بالأعالي
стр. 19
والميامن ومكروهاته خمس الْإِكْثَار من صب المَاء والتنكيس فِي عمله وتكرار غسل الْجَسَد إِذا أوعب والاغتسال فِي الْخَلَاء وَالْكَلَام بِغَيْر ذكر الله وَصفته أَن يبْدَأ بِغسْل يَدَيْهِ ثمَّ يزِيل مَا على يَدَيْهِ من الْأَذَى ثمَّ يغسل فرجه من الْجَنَابَة لِئَلَّا يمسهُ بعد الْوضُوء ثمَّ يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة وَيجوز أَن يُؤَخر غسل رجلَيْهِ إِلَى آخر غسله ثمَّ يخلل أصُول الشّعْر بِيَدِهِ ثمَّ يفِيض عرى رَأسه ثَلَاث غرفات وتضغث الْمَرْأَة شعر رَأسهَا المظفور وَلَيْسَ علها حل عقاصها خلافًا للشَّافِعِيّ ثمَّ يغسل سَائِر جسده فروع خَمْسَة (الْفُرُوع الأول) يجب أَن يتفقد الْمَوَاضِع الْخفية كتحت الذن والإبطين وأصول الفخذين وَتَحْت الرُّكْبَتَيْنِ وعمق السُّرَّة وَغير ذَلِك (الْفَرْع الثَّانِي) من انْتقض وضوءه أثْنَاء غعسله أعَاد الْوضُوء وَاخْتلف هَل ينويه أم لَا (الْفَرْع الثَّالِث) يجزىء الْحَائِض الْجنب غسل وَاحِد للْحيض والجنابة وتنوب نِيَّة الْغسْل عَن الْوضُوء لدُخُوله تَحْتَهُ بِخِلَاف الْعَكْس (الْفَرْع الرَّابِع) إِذا اغْتسل لجنابة وَالْجُمُعَة فَفِي ذَلِك صور الأولى أَن يَنْوِي الْجَنَابَة ويتبعها الْجُمُعَة ليجزيه عَنْهُمَا اتِّفَاقًا (الْفَرْع الْخَامِس) تَغْتَسِل الذمسة تَحت الْمُسلم من الْحيض لحق الزَّوْج وَإِن لم تكن لَهَا نِيَّة ويجبرها الزَّوْج أَو السَّيِّد على الْغسْل من الْحيض لَا من الْجَنَابَة عِنْد ابْن الْقَاسِم وَقَالَ أَشهب لَا يجبرها
الْبَاب الرَّابِع فِي مُوجبَات الْغسْل
وَهِي الْجَنَابَة وَالدُّخُول فِي الْإِسْلَام وَانْقِطَاع دم الْحيض وَالنّفاس وَسَيَأْتِي فِي بَابه فَأَما الْجَنَابَة فَثَلَاثَة أَنْوَاع الْإِنْزَال فِي الْيَقَظَة ومغيب الْحَشَفَة والاحتلام فَأَما الْإِنْزَال فَهُوَ خُرُوج المنى والمنى المَاء الدافق وَهُوَ أَبيض خاثر رَائِحَته كرائحة الطّلع أَو الْعَجِين فَإِن خرج بلذة مُعْتَادَة من الْجِمَاع فَمَا دونه وَجب الْغسْل إِجْمَاعًا وَإِن خرج بِغَيْر لَذَّة أَو بلذة غير معتاذة كحك الْجَسَد والاغتسال بِالْمَاءِ الْحَار أَو بِأَمْر مؤلم كالضرب لم يجب الْغسْل وَقيل يجب وفَاقا للشَّافِعِيّ ونفيه والتفرقة بَين أَن يكون جَامع واغتسل لَهُ قبل خُرُوج المنى فَلَا يُعِيد الْغسْل وَبَين وَأَن يكون لم يغْتَسل فيغتسل وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يجب الْغسْل فَفِي وجوب الْوضُوء واستحبابه قَولَانِ وَأما مغيب الْحَشَفَة أَو قدرهَا فِي قبل أَو دبر من بَهِيمَة أَو آدَمِيّ فموجب للْغسْل أنزل أم لم ينزل إِجْمَاعًا بعد خلاف بَين السّلف إِذْ قد نسخ إِنَّمَا المَاء من المَاء
стр. 20
فَوَائِد
أعلم أَن مغيل الْحَشَفَة أَو قدرهَا كَمَا يُوجب الْغسْل يُوجب الْحَد فِي الزِّنَى ويحصن الزَّوْجَيْنِ وَيفْسد الصّيام الْوَاجِب والتطوع وَيُوجب الْكَفَّارَة فِي رَمَضَان وَيُوجب على الرجل الْكَفَّارَة عَن الْمَرْأَة إِذا أكرهها وَيفْسد تتَابع الصَّوْم فِي الْكَفَّارَة وَيفْسد الْحَج إِذا كَانَ قبل الْوُقُوف بِعَرَفَة وَيُوجب الْعمرَة وَالْهَدْي إِذا كَانَ بعد جَمْرَة الْعقبَة وَقبل الْإِفَاضَة وَيُوجب الْهَدْي إِذا كَانَ بعد الْإِفَاضَة وَقبل جَمْرَة الْعقبَة لمن أخر رميها وَيفْسد الِاعْتِكَاف وَيفْسد الْعمرَة وَيُوجب إحجاج الْمَرْأَة إِذا أكرهها وَيُوجب بر من حلف أَن يطَأ وَيُوجب حنث من حلف أَن لَا يطَأ وَيُوجب الْقيمَة على الْأَب فِي وَطْء جَارِيَة ابْن ابْنه وَيُوجب الْقيمَة على الْغَاصِب لرقبة الْجَارِيَة وَيُوجب الْقيمَة على أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذا وطأ الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة وَيقطع عصمَة الزَّوْج الْمَفْقُود إِذا دخل بهَا الثَّانِي وَيقطع رَجْعَة الزَّوْج الأول الَّذِي ارتجعها وَلم يعلم وَيصِح بِهِ نِكَاح الزَّوْج الثَّانِي إِذا زَوجهَا وليان من رجلَيْنِ وَلم يعلم أَحدهمَا بِالْآخرِ وَيصِح بِهِ شِرَاء المُشْتَرِي الثَّانِي إِذا بَاعهَا سَيِّدهَا أَو وَكيله من رجلَيْنِ وَلم يعلم أَحدهمَا بِالْآخرِ وَيُوجب تَحْرِيم الربيبة وَيُوجب فسخ نِكَاح الْبِنْت إِذا تزوج الْأُم وأولج فِيهَا وَيُوجب تَحْرِيم الْأُخْت الثَّانِيَة بِملك الْيَمين وَتَحْرِيم الْعمة على بنت أَخِيهَا بِملك الْيَمين وَتَحْرِيم الْخَالَة على بنت أُخْتهَا بِملك الْيَمين وَيُوجب تَحْرِيم الْمَنْكُوحَة فِي الْعدة وَيُوجب الصَدَاق كَامِلا وَيُوجب الصَدَاق على الْغَاصِب وَالزَّانِي وَيصِح بِهِ النِّكَاح إِذا عقد بِصَدَاق فَاسد وَيُوجب استيمار الْبِنْت إِذا زَوجهَا أَبوهَا بعده وَيُوجب الْعدة وَيُوجب اسْتِبْرَاء الْأمة وَيُوجب الْخِيَار للَّتِي يشرط لَهَا زَوجهَا أَن لَا يتسى عَلَيْهَا وَيقطع خِيَار الْأمة إِذا عتقت تَحت العَبْد وَيُوجب كَفَّارَة الظِّهَار وَيُوجب ابْتِدَاء كَفَّارَة الظِّهَار إِذا وطأ بعد أَن شرع فِيهَا وَيسْقط الْإِيلَاء عَن الْمولى وَيُوجب إِسْقَاط اللّعان وَيُوجب الْحَد على الْملَاعن إِذا وطأ بعد الدَّعْوَى وَيسْقط نَفَقَة الْبِنْت عَن أَبِيهَا إِذا طلقت وَيصِح بِهِ البيع الْفَاسِد فِي الْجَارِيَة وَيسْقط بِهِ الْخِيَار فِي بيع الْأمة وَيسْقط الْقيام بِالْعَيْبِ فِي الْأمة وَيسْقط اعتصار الْأَب فِي الْهِبَة وَيُوجب الْقيمَة فِي هَدِيَّة الثَّوَاب فَذَلِك خَمْسُونَ حكما تَلْخِيص أَحْكَام الْوَطْء أَرْبَعَة أَقسَام قسم يتَعَلَّق بِالْوَطْءِ الْحَلَال فِي النِّكَاح لَا بِالشُّبْهَةِ وَلَا بالحرام كالإحلال والإحصان وَقسم يتَعَلَّق بالحلال وبالشبهة لَا بالحرام كالنسب وَالْعدة والصدق الْكَامِل وَتَحْرِيم الْمُصَاهَرَة وَنَحْو ذَلِك وَقسم يتَعَلَّق بالحرام الْمَحْض كالحدود والآثام وَقسم بالحلال وَالْحرَام والشبهة كوجوب الْغسْل وَفَسَاد الْعِبَادَات من الصّيام وَالْحج وَالِاعْتِكَاف وَنَحْو ذَلِك وَأما الِاحْتِلَام فَيجب الْغسْل من خورج الْمَنِيّ فِي النّوم من رجل أَو امْرَأَة إِجْمَاعًا وَلَا يجنب من الِاحْتِلَام دون الْإِنْزَال إِجْمَاعًا فَإِن انتبه وَوجد بللا وَلَا يدْرِي أمني هُوَ أَو مذي وَلم يذكر احتلاما فَفِي وجوب غسله قَولَانِ وَلَو رأى فِي ثَوْبه احتلاما وَشك فِي زمن خُرُوجه فَإِن كَانَ طريا أعَاد الصَّلَاة من أقرب نومَة نامها وَإِن كَانَ يَابسا أعَاد
стр. 21
من أول نومَة نامها فِي ذَلِك الثَّوْب وَقيل من أقرب نومَة مَسْأَلَة تمنع الْجَنَابَة من الصَّلَاة كلهَا إِجْمَاعًا وَسُجُود التِّلَاوَة إِجْمَاعًا وَمن مس الْمُصحف عِنْد الْأَرْبَعَة خلافًا للظاهرية وَمن الطّواف وَالِاعْتِكَاف اجماعا وَمن قِرَاءَة الْقُرْآن عَن ظهر قلب عِنْد الْأَرْبَعَة خلافًا لقوم وَرخّص مَالك فِي الْآيَات الْيَسِيرَة للتعوذ خلافًا للشَّافِعِيّ وَمن دُخُول الْمَسْجِد وَأَجَازَ الشَّافِعِي الْمُرُور فِيهِ وَأَجَازَ ابْن حَنْبَل الْجُلُوس فِيهِ للْجنب وَأما الْإِسْلَام فَيجب على الْكَافِر إِذا أسلم أَن يغْتَسل وفَاقا لِابْنِ حَنْبَل وَقيل يسْتَحبّ وفَاقا للشَّافِعِيّ وَاخْتلف هَل يغْتَسل إِذا اعْتقد الْإِسْلَام بِقَلْبِه قبل أَن يظهره وَهل يتَيَمَّم إِذا لم يجد المَاء
الْبَاب الْخَامِس فِي الْمِيَاه وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
(الْفَصْل الأول) فِي أَقسَام الْمِيَاه وَهِي خَمْسَة (الأول) الماس الْمُطلق وَهُوَ الْبَاقِي على أَصله فَهُوَ طَاهِر مطهر إِجْمَاعًا سَوَاء كَانَ عذبا أَو مالحا أَو من بَحر أَو سَمَاء أَو أَرض وَيلْحق بِهِ مَا تغير بطول مكثه أَو بِمَا يجْرِي عَلَيْهِ أَو بِمَا هُوَ متولد عَنهُ كالطحلب أَو بِمَا لَا يَنْفَكّ عَنهُ غَالِبا أَو بالمجاورة وَلَا يُؤثر تغيره بِالتُّرَابِ الْمَطْرُوح على الْمَشْهُور وَفِي تغيره بالملح ثَلَاثَة أَقْوَال يفرق فِي الثَّالِث بَين المعدني والمصنوع وَفِي تغيره بِسُقُوط الْوَرق ثَلَاثَة أَقْوَال يفرق فِي الثَّالِث بَين زمَان كثرته فيفتقر للْمَشَقَّة وَبَين زمَان قلته (الثَّانِي) مَا خالطه شَيْء طَاهِر فَإِن لم يُغير لَونه وَلَا طعمه وَلَا رِيحه فَهُوَ كالمطلق وَإِن غير أحد الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة فَهُوَ عِنْد الْإِمَامَيْنِ طَاهِر غير مطهر وَعند أبي حنيفَة طَاهِر مطهر مَا لم يطْبخ أَو يغلب على أَجْزَائِهِ) الثَّالِث) مَا خالطه شَيْء نجس فَإِن غَيره فَهُوَ غير طَاهِر وَلَا مطهر إجماعاولو زَالَ تغير النَّجَاسَة فَقَوْلَانِ وَإِن لم يُغَيِّرهُ فَإِن كَانَ المَاء كثيرا فَهُوَ بَاقٍ على أَصله وَلَا حد للكثرة فِي الْمَذْهَب وَحده الشَّافِعِي بقلتين من قلال هجر وهما نَحْو خمس قرب وَحده أَبُو حنيفَة بأنهإذا حرك طرفه لم يَتَحَرَّك الطّرف الآخر وَإِن كَانَ قَلِيلا وَلم يتَغَيَّر فَهُوَ نجس وفَاقا للشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَقيل مَكْرُوه وَقيل مَشْكُوك فَيجمع بَينه وَبَين التَّيَمُّم (الرَّابِع) المَاء الْمُسْتَعْمل فِي الْوضُوء أَو الْغسْل إِذا لم يُغَيِّرهُ الِاسْتِعْمَال فَهُوَ طَاهِر مطهر وَلَكِن يكره مَعَ وجود غَيره وَقيل طَاهِر غير مطهر وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل مَشْكُوك فيتوضأ بِهِ وَيتَيَمَّم وَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ نجس وَفضل الْجنب وَالْحَائِض طَاهِر مطهر وَيجوز أَن يتَطَهَّر الرجل بِفضل الْمَرْأَة خلافًا لِابْنِ حَنْبَل وَيجوز الْعَكْس خلافًا لقوم (الْخَامِس) المَاء الَّذِي نبذ فِيهِ تمر أَو غَيره إِن أسكر فَهُوَ نجس وَإِن لم يسكر وَتغَير فَهُوَ طَاهِر غير مطهر وَحكي عَن أبي حنيفَة أَنه أجَاز الْوضُوء بالنبيذ وَحكي أَنه رَجَعَ عَنهُ (الْفَصْل الثَّانِي) فِي الاسئار وفيهَا خمس مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) سُؤْر ابْن آدم فَإِن كَانَ مسلمالا يشرب الْخمر فسؤره طَاهِر مطهر بِإِجْمَاع وَإِن كَانَ كَافِرًا أَو
стр. 22
شَارِب خمر فَإِن كَانَ فِي فَمه نَجَاسَة فَهُوَ كَالْمَاءِ الَّذِي خالطته النَّجَاسَة وَإِن لم يكن فِي فَمه نَجَاسَة فَهُوَ طَاهِر مطهر عِنْد الْجُمْهُور وَقَالَ قوم فِي سُؤْر الْكَافِر أَنه نجس وَكَذَلِكَ مَا أَدخل يَده فِيهِ (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) فِي سُؤْر الْكَلْب وَيغسل الْإِنَاء سبع مَرَّات من ولوغه فِي المَاء عِنْد الْأَرْبَعَة وَزَاد الشَّافِعِي التعفير بِالتُّرَابِ وَفِي وجوب هذاالغسل واستحبابه قَولَانِ وَفِي إراقه مَا ولغَ فِيهِ قَولَانِ وَفِي غسله سبعا من الولوغ فِي الطَّعَام قَولَانِ وَفِي تكْرَار الْغسْل لجَماعَة الْكلاب ولتكرار الْكَلْب الْوَاحِد قَولَانِ وَفِي غسله سبعا من ولوغ الْكَلْب الْمَأْذُون فِي اتِّخَاذه قَولَانِ (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) سُؤْر الْخِنْزِير وَهُوَ طَاهِر خلافًا للشافعيوفي غسل الْإِنَاء مِنْهُ سبعا قَولَانِ (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) فِي سُؤْر مَا يسْتَعْمل النَّجَاسَة كالهر والفأرة فَإِن ريء فِي أقواهها نَجَاسَة كَانَ كَالْمَاءِ الَّذِي خالطته النَّجَاسَة فَإِن تحقق طَهَارَة أفواهها فطاهر وَإِن لم يعلم فيغتفر مَا يعسر التَّحَرُّز مِنْهُ وَفِي تنجيس مَا يتحرز مِنْهُ قَولَانِ (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) سُؤْر الدَّوَابّ وَالسِّبَاع طَاهِر عِنْد الْإِمَامَيْنِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة الاسئار تَابِعَة للحوم (الْفَصْل الثَّالِث) فِي الْأَوَانِي وَفِيه أَربع مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) يجوز اتِّخَاذ الْأَوَانِي من جلد المذكى الْجَائِز الْأكل إِجْمَاعًا وَاخْتلف فِي جلد المذكى الْمحرم الْأكل كالسباع وَأما جلد الْخِنْزِير فنجس على الْإِطْلَاق وَأما جلد الْميتَة فَإِن لم يدبغ فَهُوَ نجس وَإِن دبغ فَالْمَشْهُور أَنه نجس وفَاقا لِابْنِ حَنْبَل لَكِن يجوز فِي الْمَذْهَب اسْتِعْمَاله فِي ابيابسات وَفِي المَاء وَحده من الْمَائِعَات وَلَا يجوز بَيْعه وَلَا الصَّلَاة عَلَيْهِ وَلَا فِيهِ وَقيل هُوَ طَاهِر وفَاقا للشَّافِعِيّ (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) يجوز اتِّخَاذ الْأَوَانِي من الفخار وَمن الْحَدِيد وَمن الرصاص والصفر وَمن النّحاس وَمن الخشل وَمن الْعِظَام الطاهرة إِجْمَاعًا وَفِي طَهَارَة الفخار من نجس غواص كَالْخمرِ قَولَانِ (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِي أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة واستعمالها حرَام على الرِّجَال وَالنِّسَاء وَاخْتلف فِي جَوَاز اتخاذها من غير اسْتِعْمَال وَفِي الحاق غير الذَّهَب وَالْفِضَّة من الْجَوَاهِر النفيسة كالياقوت واللؤلؤ بهما وَفِي أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة إِذا غشيت بِرَصَاصٍ وَشبهه وَفِي الْأَوَانِي الْجَائِزَة إِذا موهت بِالذَّهَب وَالْفِضَّة أَو ضبب بهما (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) فِي اخْتِلَاط الْأَوَانِي وَإِذا اشْتبهَ إِنَاء طَاهِر بِنَجس وَلم يُمَيّز الطَّاهِر مِنْهُمَا وَلم يكن لَهُ غَيرهمَا فَقيل يتَيَمَّم ويتركهما وفَاقا لِابْنِ حَنْبَل وَقيل يتحَرَّى وَاحِدًا وَيتَوَضَّأ بِهِ وفَاقا لَهما وَقيل يتَوَضَّأ بِالْوَاحِدِ وَيُصلي ثمَّ يتَوَضَّأ بِالْآخرِ وَيُصلي وَزَاد مُحَمَّد بن مسلمة وَيغسل أعضاءه بِالثَّانِي قبل أَن يتَوَضَّأ بِهِ
الْبَاب السَّادِس فِي النَّجَاسَات وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
(الْفَصْل الأول) فِي تَمْيِيز النَّجَاسَات والأشياء على أَرْبَعَة أَنْوَاع جماد وحيوان وفضلات الْحَيَوَان وأجزاء الْحَيَوَان فَأَما الجماد فطاهر إِلَّا الْمُسكر
стр. 23
وَأما الْحَيَوَان فَإِن كَانَ حَيا فَهُوَ طَاهِر مُطلقًا وَقيل بِنَجَاسَة الْكَلْب وَالْخِنْزِير والمشرك وَإِن كَانَ مَيتا فَلَا يخلوا من أَن يَمُوت حتف أَنفه أَو بِذَكَاة فَإِن مَاتَ بِذَكَاة فالمذكى الْجَائِز الْأكل طَاهِر بِاتِّفَاق والمذكى الْمحرم الْأكل مُخْتَلف فِيهِ فَإِن مَاتَ حتف أَنفه فَإِن كَانَ بحريا فَهُوَ طَاهِر خلافًا لأبي حنيفَة وَإِن كَانَ بريا لَيْسَ لَهُ نفس سَائِلَة فَهُوَ طَاهِر خلافًا للشَّافِعِيّ وَإِن كَانَ بريا ذَا نفس سَائِلَة فَهُوَ نجس اتِّفَاقًا وَأما أَجزَاء الْحَيَوَان فَإِن قطعت مِنْهُ فِي حَال حَيَاته فَهِيَ نَجِسَة إِجْمَاعًا إِلَّا الشّعْر وَالصُّوف والوبر وَإِن قطعت بعد مَوته فَإِن حكمنَا بِالطَّهَارَةِ فأجزاؤه كلهَا طَاهِرَة وَإِن حكمنَا بِالنَّجَاسَةِ فلحمه نجس وَأما الْعظم وَمَا فِي مَعْنَاهُ كالقرن وَالسّن والظلف فَهِيَ نَجِسَة من الْميتَة خلافًا لأبي حنيفَة وَأما الصُّوف والوبر وَالشعر فَهِيَ طَاهِرَة من الْميتَة خلافًا للشَّافِعِيّ وَقد تقدم الْكَلَام فِي الْجُلُود وَأما فضلات الْحَيَوَان فَإِن كَانَت مِمَّا لَيْسَ لَهُ مقرّ كالدمع والعرق واللعاب فَهِيَ طَاهِرَة من كل حياون إِلَّا أَنه اخْتلف فِي لعاب الْكَلْب وعرق مَا يسْتَعْمل النَّجَاسَات كشارب الْخمر وَالْجَلالَة وَإِن كَانَت مِمَّا لَهُ مقرّ فَأَما الأبوال والرجيع فَذَلِك من ابْن آدم نجس إِجْمَاعًا إِلَّا أَنه اخْتلف فِي بَوْل الصَّبِي الَّذِي لَا يَأْكُل الطَّعَام وأبوال سَائِر الْحَيَوَانَات تَابِعَة للحومها فِي الْمَذْهَب فبول الْحَيَوَان الْمحرم الْأكل نجس وَبَوْل الْحَلَال طَاهِر وَبَوْل الْمَكْرُوه مَكْرُوه وَقَالَ الشَّافِعِي الْبَوْل والرجيع نجس من كل حَيَوَان وَأما الدِّمَاء فالدم الْكثير من الْحَيَوَان الْبري نجس والقليل مِنْهُ مَعْفُو عَنهُ وخده الدِّرْهَم البغلي وَقَالَ ابْن وهب قَلِيل دم الْحيض وكثيرة نجس وَفِي نَجَاسَة دم الْحُوت والذباب قَولَانِ والمسك طَاهِر إِجْمَاعًا وَأما الصديد والقيح فَقيل يُعْفَى عَن قَلِيله كَالدَّمِ وَقيل هُوَ كالبول وَأما الألبان فلبن الْآدَمِيَّة وَمَا يُؤْكَل لَحْمه طَاهِر وَلبن الْخِنْزِير نجس إِجْمَاعًا وَفِي لبن غَيره من الْمُحرمَات الْأكل قَولَانِ وَفِي لبن مَا يسْتَعْمل النَّجَاسَة قَولَانِ وَأما الْمَذْي والودي فنجسان بِاتِّفَاق وَأما مني ابْن آدم فنجس خلافًا للشَّافِعِيّ وَابْن حَنْبَل تَلْخِيص النَّجَاسَات الْمجمع عَلَيْهَا فِي الْمَذْهَب ثَمَانِيَة عشر بَوْل ابْن آدم الْكَبِير ورجيعه والمذي والودي وَلحم الْميتَة وَالْخِنْزِير وعظمهما وَجلد الْخِنْزِير مُطلقًا وَجلد الْميتَة إِن لم يدبغ وَمَا قطع من الْحَيّ فِي حَال حَيَاته إِلَّا الشّعْر وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَلبن الخنزيرة والمسكر وَبَوْل الْحَيَوَان الْمحرم الْأكل ورجيعه والمني وَالدَّم الكثية والقيح الْكَثِيرَة والمختلف فِيهَا فِي الْمَذْهَب ثَمَانِيَة عشر بَوْل الصَّبِي الَّذِي لَا يَأْكُل الطَّعَام وَبَوْل الْحَيَوَان الْمَكْرُوه الْأكل وَجلد الْميتَة إِذا دبغ وَجلد المذكى الْمحرم الْأكل ولحمه وعظمه ورماد الْميتَة وناب الْفِيل وَدم الْحُوت والذباب والقليل من دم الْحيض والقليل من الصديد ولعاب الْكَلْب ولبت مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه غير الْخِنْزِير وَلبن مُسْتَعْمل النَّجَاسَة وعرق مُسْتَعْمل النَّجَاسَة وَشعر الْخِنْزِير وَالْخمر إِذْ خللت ((الْفَصْل الثَّانِي)) فِي أَحْكَام النَّجَاسَات وَفِيه عشر مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) إِزَالَة النَّجَاسَة وَاجِبَة مَعَ الذّكر وَالْقُدْرَة على الْمَشْهُور فَمن صلى بهَا أعَاد أَن كَانَ ذَاكِرًا قَادِرًا وَلم يعد إِن كَانَ نَاسِيا أَو عَاجِزا وَقيل وَاجِبَة مُطلقًا وفَاقا لَهما فَمن
стр. 24
صلى بهَا أشاد مُطلقًا وَقيل سنة فِي الْوَقْت اسْتِحْبَابا (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) يرخص فِي الصَّلَاة بِالنَّجَاسَةِ حَيْثُ لَا يُمكن الإحتراز عَنْهَا أَو يشق كالجرح والدمل يسيل وَالْمَرْأَة ترْضع وَصَاحب السلس وَفِي إمامتهم قَولَانِ وكالغازي يفْتَقر إِلَى إمْسَاك فرسه (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) يجب إِزَالَة النَّجَاسَة عَن جَسَد الْمُصَلِّي وَمَوْضِع الصَّلَاة وَالثَّوْب الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ وكل مَا يحملهُ أَو مَا يتَعَلَّق بِهِ (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) إِزَالَة النَّجَاسَة بِثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِي الْغسْل وَالْمسح والنضح فالنضح للثوب إِذا شكّ فِي نَجَاسَته وَاخْتلف فِي نضح الْبدن والموضع إِذا شكّ فِي نَجَاسَته وَفِي افتقار النَّضْح إِلَى نِيَّة وَالْمسح فِيمَا يفْسد بِالْغسْلِ كالسيف والنعل والخف وَالْغسْل فِيمَا سوى ذَلِك (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) لَا يَكْفِي فِي غسل النَّجَاسَة إمرار المَاء بل لَا بُد من إِزَالَة عين النَّجَاسَة وأثرها حَتَّى تنفصل الغسالة غير متغيرة فَإِن انفصلت متغيرة فَهِيَ نَجِسَة والموضع نجس (الْمَسْأَلَة السَّادِسَة) إِذا ميز مَوضِع النَّجَاسَة من الثَّوْب وَالْبدن غسله وَحده وَإِن لم يُمَيّز غسل الْجَمِيع (الْمَسْأَلَة السَّابِعَة) لَا يجوز إِزَالَة النَّجَاسَة بمائع غير المَاء وَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة بِكُل مَائِع كالخل وَمَاء الْورْد (الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة) إِذا مشت الْمَرْأَة بذيلها الطَّوِيل على نَجَاسَة يابسة يطهره مَا بعده وَاخْتلف فِي الرّطبَة وَمثلهَا من مَشى بِرَجُل مبلولة على نَجَاسَة ثمَّ على مَوضِع طَاهِر جَاف ويعفى عَن طين الْمَطَر مَا لم تكن النَّجَاسَة غالبة أَو عينهَا قَائِمَة (الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة) إِذا وَقعت دَابَّة نَجِسَة فِي بِئْر وغيرت المَاء وَجب نزح جَمِيعه فَإِن لم تغيره اسْتحبَّ أَن ينْزح مِنْهُ بِقدر الدَّابَّة وَالْمَاء (الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة) إِذا وَقعت نَجَاسَة فِي مَائِع غير المَاء تنجس سَوَاء تغير أَو لم يتَغَيَّر وَإِن وَقعت فَأْرَة فِي سمن ذائب فَمَاتَتْ فِيهِ طرح جَمِيعه وَإِن كَانَ جَامِدا طرحت هِيَ وَمَا حولهَا خَاصَّة قَالَ سَحْنُون إِلَّا أَن يطول مقَامهَا فِيهِ ((الْفَصْل الثَّالِث)) فِي الرعاف وَمن رعف وَعلم أَن الدَّم لَا يَنْقَطِع صلى حَاله وَإِن رجا انْقِطَاعه فَإِن أَصَابَهُ قبل الصَّلَاة انْتظر حَتَّى يَنْقَطِع فَإِن لم يَنْقَطِع إِلَى آخر الْوَقْت صلى وَإِن أَصَابَهُ فِي الصَّلَاة فتله بأصابعه وَتَمَادَى فَإِن قطر أَو سَالَ خرج لغسله وَجَاز لَهُ أَن يقطع الصَّلَاة بِسَلام أَو كَلَام ثمَّ يغسلهُ ويبتديء وَأَن يَبْنِي على صلَاته بعد غسل الدَّم وَالْقطع اخْتِيَار ابْن الْقَاسِم وَالْبناء اخْتِيَار مَالك وَلَا يجوز الْبناء فِي غير الْمَذْهَب وَإِنَّمَا يجوز الْبناء فِي الْمَذْهَب بِخَمْسَة شُرُوط وَهِي أَن لَا يتَكَلَّم وَلَا يمشي على نَجَاسَة وَلَا يُصِيب الدَّم جسده وَلَا ثِيَابه وَأَن يغسل الدَّم فِي أقرب الْمَوَاضِع وَأَن يكون قد عقد رَكْعَة بسجدتيها على خلاف فِي هَذَا وَالْبناء جَائِز فِي الْمَذْهَب للْإِمَام وَالْمَأْمُوم وَاخْتلف فِي الْمُنْفَرد وَإِذا رعف الْمَسْبُوق فَأَرَادَ الْبناء فَاخْتلف هَل يبتديء بِالْبِنَاءِ أَو بِالْقضَاءِ
الْبَاب السَّابِع فِي الإستنجاء وَمَا يتَّصل بِهِ وَفِيه فصلان
(الْفَصْل الأول) فِي آدَاب الاحداث وَهِي أَن يتباعد عَن النَّاس ويستتر مِنْهُم
стр. 25
وَأَن يجْتَنب الْملَاعن وَهِي الطرقات ومواضع جُلُوس النَّاس وظلال الْجدر وَالشَّجر وشاطيء النَّهر وَأَن لَا يَبُول فِي الْحجر وَلَا فِي المَاء الدَّائِم وَلَا مهب الرِّيَاح وَأَن يذكر الله عِنْد دُخُوله فَيَقُول أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث وَعند خُرُوجه فَيَقُول الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني أَو يَقُول غفرانك وَأَن لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها إِلَّا إِن كَانَ بَين الْبُنيان وفَاقا للشَّافِعِيّ وَمنعه ابْن حَنْبَل مُطلقًا وَأَن لَا يتَكَلَّم وَأَن يعد مَا يقْلع الْحَدث وَأَن لَا يَبُول قَائِما إِلَّا أَن يكون الْموضع رخوا (الْفَصْل الثَّانِي) فِي الإستنجاء بِالْمَاءِ والإستجمار بالأحجار وَفِيه خمس مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) الْأَفْضَل الْجمع بَين الإستجمار والإستنجاء وَيقدم الإستجمار ثمَّ الِاقْتِصَار على الإستنجاءثم الِاقْتِصَار على الإستجمار وَيجوز مَعَ عدم المَاء ووجوده وَقَالَ ابْن حبيب لَا يجوز إِلَّا مَعَ عدم المَاء وَلَا يجوز الإستجمار من الْمَنِيّ وَلَا من الْمَذْي وَلَا أَن تعدت النَّجَاسَة المخرجين أَو مَا قرب مِنْهُمَا (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) صفة الإستنجاء أَن يفرغ على يَده الْيُسْرَى قبل أَن يلاقي بهَا الْأَذَى ثمَّ يغسل الْقبل فَإِن كَانَ من الْبَوْل أَجزَأَهُ غسل الْمخْرج خَاصَّة وَإِن كَانَ من الْمَذْي فَيغسل الذّكر كُله وَقيل كالبول ثمَّ يغسل الْقبل ثمَّ يغسل الدبر ويوالي صب المَاء ويدلكه بِالْيَدِ الْيُسْرَى ويسترخي قَلِيلا ويجيد العرك حَتَّى ينقى وَلَا يستنجي باليمنى وَلَا يمس بهَا ذكره (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) يجوز عِنْد الْأَرْبَعَة الإستجمار بالأحجار وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَهُوَ كل جامد منق طَاهِر لَيْسَ بمطعوم وَلَا ذِي حُرْمَة وَلَا فِيهِ سرف وَلَا حق للْغَيْر وَلَيْسَ بروث وَلَا عظم وَلَا فَحم للنَّهْي عَن ذَلِك فَإِن استجمر بِمَا لَا يجوز أَجزَأَهُ خلافًا لِابْنِ عبد الحكم وَقَالَ الظَّاهِرِيَّة لَا يجوز بِغَيْر الْأَحْجَار (الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة) الْوَاجِب فِي الإستجمار الإنقاء وَلَو بِحجر وَاحِد وَالْمُخْتَار ثَلَاثَة وَقيل تجب فَإِن لم ينق بهَا زَاد إِلَى عدد وتر (الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة) يجب الإستبراء قبل الإستنجاء وَهُوَ استفراغ مَا فِي المخرجين من الْأَذَى وَلَيْسَ لَهُ حد بل يرجع إِلَى عوائد النَّاس وَقَالَ الشَّافِعِي يحلب الْقَلَم ثَلَاث مَرَّات
الْبَاب الثَّامِن فِي التَّيَمُّم وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول
(الْفَصْل الأول) فِي شُرُوط جَوَازه وَهِي على الْجُمْلَة شَرْطَانِ عدم المَاء أَو تعذر اسْتِعْمَاله وَأما على التَّفْصِيل فَهِيَ عدم المَاء فِي السّفر وَالْمَرَض إِجْمَاعًا وَفِي الْحَضَر من غير مرض خلافًا لأبي حنيفَة وَأَن يجد من المَاء مَا لَا يَكْفِيهِ خلافًا للشَّافِعِيّ وَعدم الْآلَة الموصلة إِلَى المَاء كالدلو أَو الرشاء وَأَن يخَاف الْعَطش على نَفسه أَو على غَيره من آدَمِيّ أَو بَهِيمَة وَأَن يخَاف إِن خرج إِلَى المَاء لصوصا أَو سباعا وَأَن يجد المَاء غَالِبا يجحف بِهِ شِرَاؤُهُ وَأَن يخَاف فَوَات الْوَقْت إِن ذهب إِلَى المَاء أَو انتظره أَو اسْتَعْملهُ خلافًا للشَّافِعِيّ وَأَن يخَاف الْمَوْت من الْبرد أَو حُدُوث
стр. 26
مرض أَو زِيَادَته أَو تَأَخّر برْء أَو يكون مَرِيضا لَا يجد من يناوله المَاء أَو يكون قد استوعب الْجراح أَو القروح أَكثر جَسَد الْجنب أَو أَعْضَاء الْوضُوء من الْمُحدث (الْفَصْل الثَّانِي) فَرَائض التَّيَمُّم فعله بعد دُخُول الْوَقْت وَطلب المَاء خلافًا لأبي حنيفَة فيهمَا وَالنِّيَّة عِنْد الْأَرْبَعَة وَمسح الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ إِجْمَاعًا والفور خلافًا لَهما والصعيد هُوَ التُّرَاب وَيجوز التَّيَمُّم بِمَا صعد على الأَرْض من أَنْوَاعهَا كالحجارة والحصى والرمل والجص خلافًا للشَّافِعِيّ (وسننه) تَقْدِيم الْوَجْه على الْيَدَيْنِ وتجديد ضَرْبَة لِلْيَدَيْنِ ومسحهما إِلَى الْمرْفقين وَقيل يجب وفَاقا للشَّافِعِيّ وَغَيره (وفضائله) البدء بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالتَّسْمِيَة أَوله كَيْفيَّة مسح الذراعين أَن يمر الْيَد الْيُسْرَى على الْيُمْنَى من فَوق الْكَفّ إِلَى الْمرْفق ثمَّ بَاطِن الْمرْفق إِلَى الْكُوع ثمَّ يمر الْيُمْنَى على الْيُسْرَى كَذَلِك وكيفما فعل أَجزَأَهُ إِذا أوعب (الْفَصْل الثَّالِث) التَّيَمُّم يَنُوب عَن الْوضُوء وَعَن الْغسْل من الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس إِلَّا أَنه لَا يجوز لزوج الْحَائِض أَن يَطَأهَا حَتَّى تَغْتَسِل بِالْمَاءِ على الْمَشْهُور وينقضه نواقض الْوضُوء وَالْغسْل وينقضه أَيْضا وجود المَاء قبل الصَّلَاة اتِّفَاقًا وَلَا ينْقضه بعد الدُّخُول فِي الصَّلَاة خلافًا لأبي حنيفَة وَابْن حَنْبَل وَلَا بعد الْفَرَاغ مِنْهَا فَلَا يُعِيدهَا إِجْمَاعًا (الْفَصْل الرَّابِع) يستباح بِالتَّيَمُّمِ مَا يستباح بِالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَلَا يجمع بِهِ بَين صَلَاتَيْنِ مكتوبتين خلافًا لأبي حنيفَة وَيجمع بَين نوافل وَبَين فَرِيضَة ونافلة ان قدم الْفَرِيضَة وَقَالَ الشَّافِعِي يتَنَفَّل قبل الْمَكْتُوبَة وَبعدهَا
الْبَاب التَّاسِع فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ والجبائر
أما الخفان فَيجوز الْمسْح عَلَيْهِمَا عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي السّفر والحضر بِسِتَّة شُرُوط وَهِي أَن يكون الْخُف من جلد تَحَرُّزًا من الجورب وَأَن يكون ساترا إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَأَن يكون صَحِيحا أَو بخرق يسير والخرق الْكَبِير مَا لَا يُمكن بِهِ مُتَابعَة الْمَشْي وَعند أبي حنيفَة ظُهُور ثَلَاثَة أَصَابِع وَأَن يكون مُنْفَردا وَفِي مسح خف من فَوق خف قَولَانِ وَأَن يكون قد لبسه على طَهَارَة بِالْمَاءِ كَامِلَة ون يكون لبسه مُبَاحا تَحَرُّزًا من الْمحرم وغاصب الْخُف وَالْوَاجِب مسح أَعلَى الْخُف وَيسْتَحب أَسْفَله وَقيل يجب ويتمادى على الْمسْح من غير تَوْقِيت بِزَمَان مَا لم يخلعه أَو يحدث لَهُ مَا يُوجب الإغتسال فَإِن خلعه انْتقض الْمسْح وَوَجَب غسل الرجل وان وَجب الِاغْتِسَال لم يسمح لِأَن الْمسْح إِنَّمَا هُوَ فِي الْوضُوء وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة يمسح الْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها والمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة وَأما الجبائر فَهِيَ الَّتِي تشد على الْجراح والقروح والفصادة فَيجوز الْمسْح عَلَيْهَا وعَلى العصائب المشدودة فَوْقهَا سَوَاء كَانَت فِي أَعْضَاء الْوضُوء أَو الْغسْل أَو كَانَت على الْموضع وَحده أَو انتشرت عَنهُ وَلَا يشْتَرط شدها على طَهَارَة وَلَا يُعِيد الصَّلَاة إِذا صَحَّ نَزعهَا للمداواة
стр. 27
ثمَّ ردهَا أعَاد الْمسْح وَإِذا صَحَّ فنزعها غسل الْموضع على الْفَوْر وَإِن سَقَطت الْجَبِيرَة وَهُوَ فِي الصَّلَاة قطع الصَّلَاة لِأَن طَهَارَة الْموضع قد انتقضت بظهوره
الْبَاب الْعَاشِر فِي الْحيض وَالنّفاس وَالطُّهْر والإستحاضة
أما الْحيض فَهُوَ الدَّم الْخَارِج من فرج الْمَرْأَة الَّتِي يُمكن حملهَا عَادَة من غير ولادَة وَلَا مرض وَلَا زِيَادَة على الأمد وَفِيه مَسْأَلَتَانِ (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي مِقْدَاره وَلَا حد لأقله فِي الْعِبَادَات بِخِلَاف الْعدة والاستبراء بل الدفعة حيض وَقَالَ الشَّافِعِي أَقَله يَوْم وَلَيْلَة وَأَبُو حنيفَة ثَلَاثَة أَيَّام وَأما أَكْثَره فمختلف باخْتلَاف النِّسَاء وَهن أَرْبَعَة مُبتَدأَة ومعتادة وحامل ومختلطة فالمبتدأة تعْتَبر أَيَّام لداتها فَإِن تَمَادى بهَا الدَّم اغْتَسَلت وَكَانَت مُسْتَحَاضَة وَقيل تستظهر على ذَلِك بِثَلَاثَة أَيَّام وَقيل تكمل خَمْسَة عشر يَوْمًا وَأما الْحَامِل إِذا رَأَتْ الدَّم فَهُوَ حيض عِنْد الْإِمَامَيْنِ خلافًا لأبي حنيفَة ثمَّ أَنَّهَا لم تَتَغَيَّر عَادَتهَا فَهِيَ كَغَيْر الْحَامِل وَإِن تَغَيَّرت عَادَتهَا فَفِيهَا الْأَقْوَال الثَّلَاثَة الَّتِي فِي الْمُعْتَادَة وَقَالَ ابْن الْقَاسِم تمكث بعد ثَلَاثَة أشهر خَمْسَة عشر يَوْمًا وَبعد سِتَّة أشهر عشْرين يَوْمًا وَآخر الْحمل ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَنَحْو ذَلِك وَقيل تمكث ضعف أَيَّام عَادَتهَا وَأما المختلطة وَهِي الَّتِي ترى الدَّم يَوْمًا أَو أَيَّامًا وَالطُّهْر يَوْمًا أَو أَيَّامًا حَتَّى لَا يحصل لَهَا طهر كَامِل فَإِنَّهَا عِنْد الْإِمَامَيْنِ تلفق أَيَّام الدَّم فتعدها حَتَّى يكمل لَهَا مِقْدَار أَكثر أَيَّام الْحيض وتلغي أَيَّام الطُّهْر الَّتِي بَينهَا فَلَا تعدها فَإِذا أكمل لَهَا من أَيَّام الدَّم مُدَّة أَكثر الْحيض كَانَت مُسْتَحَاضَة وَإِن تخَلّل بَين أَيَّام الدَّم مِقْدَار أقل استأنفت حَيْضَة أُخْرَى وَتَكون فِي طول مُدَّة التلفيق تَغْتَسِل فِي كل يَوْم لَا ترى فِيهِ الدَّم رَجَاء أَن يكون طهرا كَامِلا وتجتنب فِي كل يَوْم ترى فِيهِ الدَّم مَا تجتنبه الْحَائِض (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) يمْنَع الْحيض وَالنّفاس اثْنَي عشر شَيْئا مِنْهَا السَّبْعَة الَّتِي تمنعها الْجَنَابَة وَهِي الصَّلَوَات كلهَا وَسُجُود التِّلَاوَة وَمَسّ الْمُصحف وَدخُول الْمَسْجِد وَالطّواف والإعتكاف وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَقيل يجوز لَهَا الْقِرَاءَة عَن ظهر قلب وتزيد خمْسا وَهِي الصّيام إِلَّا أَن تقضيه وَلَا تقضي الصَّلَاة إِجْمَاعًا وَالطَّلَاق وَالْجِمَاع فِي الْفرج قبل انْقِطَاع الدَّم بِإِجْمَاع وَالْجِمَاع بِمَا دون الْفرج قبل انْقِطَاع الدَّم خلافًا لَا صبغ والظاهرية وَإِنَّمَا يجوز أَن يتمتع عِنْد الْأَرْبَعَة فِي أَعلَى جَسدهَا بعد أَن تشد إزَارهَا وَالْجِمَاع بعد انْقِطَاع الدَّم وَقبل الإغتسال خلافًا لأبي حنيفَة فَإِن وطأ فِي الْحيض فليستغفر الله وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن حَنْبَل يتَصَدَّق بِدِينَار أَو نصف دِينَار وجسد الْحَائِض وعرقها وسؤرها طَاهِر وَكَذَلِكَ الْجنب وَأما دم النّفاس فَهُوَ الْخَارِج من الْفرج بِسَبَب الْولادَة وَلَا حد لأقله وَقَالَ أَبُو حنيفَة خَمْسَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَأَكْثَره سِتُّونَ يَوْمًا وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْأَرْبَعَة فَإِن انْقَطع دم النّفاس ثمَّ عَاد بعد مُضِيّ طهر تَامّ فَهُوَ حيض وَإِن عَاد قبل طهر فَهُوَ من النّفاس وَإِن تَمَادى أَكثر من
стр. 28
مدَّته صَار اسْتِحَاضَة وَأما الطُّهْر فَهُوَ زمَان نقاء الْمَرْأَة مندم الْحيض وَالنّفاس وَلَا حد لأكثره اجماعا وَأقله خَمْسَة عشر يَوْمًا وفَاقا لَهما وَقيل عشرَة وَقيل ثَمَانِيَة وَقيل خَمْسَة وَقيل ترجع إِلَى الْعَادة وللطهر علامتان الجفوف من الدَّم والقصة الْبَيْضَاء وَهِي مَاء أَبيض رَقِيق يَأْتِي فِي آخر الْحيض فَإِذا رَأَتْ الْحَائِض أَو النُّفَسَاء عَلامَة طهرهَا اغْتَسَلت من ساعتها وَجَاز لَهَا كل مَا تمنع مِنْهُ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء وَأما دم الإستحاضة فَهُوَ الْخَارِج من الْفرج على وَجه الْمَرَض فَلَا تنْتَقل الْمُسْتَحَاضَة إِلَى حكم الحائضة إِلَّا بِثَلَاثَة شُرُوط (أَحدهَا) أَن يمْضِي لَهَا من الْأَيَّام فِي الإستحاضة مِقْدَار أقل الطُّهْر (الثَّانِي) أَن يتَغَيَّر الدَّم عَن صفة الإستحاضة إِلَى الْحيض فَإِن دم الْحيض أسود غليظ وَدم الإستحاضة أَحْمَر رَقِيق والصفرة والكدرة حيض (الثَّالِث) أَن تكون الْمَرْأَة مُمَيزَة وَلَا تمنع الإستحاضة شَيْئا مِمَّا يمْنَع مِنْهُ الْحيض وَيسْتَحب للمستحاضة أَن تتوضأ لكل صَلَاة وأوجبه الشَّافِعِي وَاخْتلف هَل تَغْتَسِل إِذا انْقَطع دم الإستحاضة
стр. 29
= الْكتاب الثَّانِي فِي الصَّلَاة وَفِيه ثَلَاثُونَ بَابا =
الْبَاب الأول
فِي أَنْوَاع الصَّلَوَات وَهِي خَمْسَة فرض عين وَفرض كِفَايَة وَسنة وفضيلة ونافلة فَفرض الْعين الصَّلَوَات الْخمس بِإِجْمَاع وَهِي صَلَاة الصُّبْح وَهِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الظّهْر وَصَلَاة الْعَصْر وَصَلَاة الْمغرب وَصَلَاة الْعشَاء وَقد نهى عَن تَسْمِيَتهَا بالعتمة وَالصَّلَاة الْوُسْطَى هِيَ صَلَاة الصُّبْح عِنْد مَالك وَأهل الْمَدِينَة وَالْعصر عِنْد عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَالظّهْر عِنْد زيد بن ثَابت وَفرض الْكِفَايَة الصَّلَاة على الْجَنَائِز فِي الْمَشْهُورَة وَقيل هِيَ سنة وَأما السّنة فَهِيَ عشر صلوَات الْوتر وَهِي أكد السنين وأوجبها أَبُو حنيفَة وركعتا الْفجْر وَصَلَاة عيد الْفطر وَصَلَاة عيد الْأَضْحَى وَصَلَاة كسوف الشَّمْس وخسوف الْقَمَر وَصَلَاة الإستسقاء وَسُجُود التِّلَاوَة إِنَّهَا من الْفَضَائِل وَأما الْفَضَائِل فَإِنَّهَا عشر وَهِي رَكْعَتَانِ بعد الْوضُوء وتحية الْمَسْجِد رَكْعَتَانِ وأوجبهما الظَّاهِرِيَّة وَصَلَاة الضُّحَى وَقد اخْتلف فِيهَا من اثْنَتَيْ عشر رَكْعَة إِلَى رَكْعَتَيْنِ وَقيام اللَّيْل وَقيام رَمَضَان وَهُوَ آكِد وإحياء مَا بَين العشاءين وَأَرْبع رَكْعَات قبل الظّهْر وركعتان بعْدهَا وَقيل أَربع رَكْعَات وركعتان قبل الْعَصْر وَقيل أَربع وركعتان بعد الْمغرب وَقيل سِتّ وَقد قيل فِي هَذِه كلهَا أَنَّهَا سنَن وَأما النَّوَافِل فَهِيَ على قسمَيْنِ مِنْهَا مَا لَا سَبَب لَهُ وَهِي التَّطَوُّع فِي الْأَوْقَات الْجَائِزَة وَمِنْهَا مَا لَهُ سَبَب وَهِي عشر الصَّلَاة عِنْد الْخُرُوج إِلَى السّفر وَعند الرُّجُوع مِنْهُ وَعند دُخُول الْمنزل وَعند الْخُرُوج مِنْهُ وَصَلَاة الإستخارة رَكْعَتَانِ وخرجها البُخَارِيّ وَصَلَاة الْحَاجة رَكْعَتَانِ خرجها التِّرْمِذِيّ وَصَلَاة التَّسْبِيح أَربع رَكْعَات خرجها التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن أبي وَضعف سَنَده وَأَبُو دَاوُد وركعتان بَين الاذان وَالْإِقَامَة وَأَرْبع رَكْعَات بعد الزَّوَال وركعتان عِنْد التَّوْبَة وَزَاد بَعضهم رَكْعَتَيْنِ عِنْد الدُّعَاء وَرَكْعَتَيْنِ لمن قدم للْقَتْل اقْتِدَاء بخبيب
стр. 30
فصل تَارِك الصَّلَاة إِن جحد وُجُوبهَا فَهُوَ كَافِر بِإِجْمَاع وَإِن أقرّ بِوُجُوبِهَا وَامْتنع من فعلهَا فَيقْتل حدا لَا كفرا وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقَالَ ابْن حبيب وَابْن حَنْبَل يقتل كفرا وَقَالَ أَبُو حنيفَة يضْرب ويسجن حَتَّى يَمُوت أَو يرجع
الْبَاب الثَّانِي فِي الْأَوْقَات وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
(الْفَصْل الثَّانِي) فِي وَقت الِاخْتِيَار أما الظّهْر فَأول وَقتهَا زَوَال الشَّمْس اتفافا وَهُوَ انحطاط الشَّمْس عَن نِهَايَة ارتفاعها وَيعرف ذَلِك بابتداء الظل فِي الزِّيَادَة بعد انتهائه فِي النُّقْصَان وَآخر وَقتهَا إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله بعد الْقدر الَّذِي زَالَت عَلَيْهِ الشَّمْس وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ وَأما الْعَصْر فَأول وَقتهَا آخر وَقت الظّهْر وَهُوَ مُشْتَرك بَينهمَا والاشتراك فِي آخر الْقَامَة الأولى وَقيل فِي أول الثَّانِيَة وَقيل لَيْسَ بَينهمَا اشْتِرَاك وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة أول وَقتهَا بعد القامتين وَأما آخر وَقتهَا فَهُوَ إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل اصفرار الشَّمْس وفَاقا لِابْنِ حَنْبَل وَقَالَ أهل الظَّاهِر إِلَى غرُوب الشَّمْس وَأما الْمغرب فَأول وَقتهَا غرُوب الشَّمْس اجماعا وَهُوَ ضيق غير متد وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل إِلَى مغيب الشَّفق وفَاقا لأبي حنيفَة وَابْن حَنْبَل وَأما الْعشَاء فَأول وَقتهَا مغيب الشَّفق الْأَحْمَر عِنْد الْإِمَامَيْنِ والأبيض عِنْد أبي حنيفَة وَآخره ثلث اللَّيْل وفَاقا لَهما وَقَالَ ابْن حبيب والظاهرية نصف اللَّيْل وَأما الصُّبْح فَأول وَقتهَا طولع الْفجْر الصَّادِق إِجْمَاعًا وَآخره طُلُوع الشَّمْس وفَاقا لَهُم وَقَالَ ابْن الْقَاسِم الْأَسْفَار الْبَين قبل الطُّلُوع فرع الْأَفْضَل عِنْد الشَّافِعِي تَقْدِيم الصَّلَوَات فِي أول الْوَقْت إِلَّا الظّهْر فِي شدَّة الْحر وَالْأَفْضَل عِنْد أبي حنيفَة تَأْخِيرهَا إِلَى آخر الْوَقْت إِلَّا الْمغرب وَأما فِي الْمَذْهَب فَالْأَفْضَل على الْمَشْهُور تَأْخِير الظّهْر إِلَى ربع الْقَامَة وَتَأْخِير الْعشَاء فِي الْمَسَاجِد وقتديم الصُّبْح وَالْعصر وَالْمغْرب (الْفَصْل الثَّانِي) فِي أَوْقَات الضَّرُورَة وَهِي تمتد أكقر من الْوَقْت الِاخْتِيَارِيّ عِنْد الثَّلَاثَة خلافًا للظاهرية وَذَلِكَ الظّهْر وَالْعصر مشتركتان بَينهمَا وَالْمغْرب وَالْعشَاء مشتركتان بَينهمَا وَلَيْسَ للصبح وَقت ضَرُورَة على الْمَشْهُور وتختص الضرائر بِأَهْل الْأَعْذَار وَهِي الْحيض وَالنّفاس وَالْجُنُون وَالْإِغْمَاء وَالْكفْر وَالصبَا وَالنِّسْيَان فَأَما النسْيَان فَلهُ حكم يَخُصُّهُ وَأما سَائِر الْأَعْذَار فلهَا حالتان حَالَة ارتفاعها وَحَالَة حدوثها فَأَما ارتفعاها فَإِن ارْتَفَعت وَقد بَقِي من الْوَقْت مَا يسع أقل من رَكْعَة سَقَطت الصَّلَاتَان وَإِن بَقِي رَكْعَة فأكقر إِلَى تَمام صَلَاة وَاحِدَة أما تَامَّة فِي الْحَضَر وَأما مَقْصُورَة فِي السّفر وَجَبت الْأَخِيرَة وَسَقَطت الأولى وَإِن بَقِي زِيَادَة إِلَى ذَلِك بِمِقْدَار رَكْعَة من الصَّلَاة الْأُخْرَى إِمَّا تَامَّة حضرية وَإِمَّا مَقْصُورَة سفرية وَجَبت الصَّلَاتَان وَبَيَان ذَلِك أَنه إِذا طهرت الْحَائِض أوأفاق الْمَجْنُون أَو بلغ الصَّبِي أَو
стр. 31
أسلم الْكَافِر وَقد بَقِي إِلَى غرُوب الشَّمْس خمس رَكْعَات فِي الْحَضَر وَثَلَاث فِي السّفر وَجَبت عَلَيْهِمَا لظهر وَالْعصر وَإِن بَقِي أقل من ذَلِك إِلَى رَكْعَة وَجَبت الْعَصْر وَحدهَا وَإِن بَقِي أقل من رَكْعَة سَقَطت الصَّلَاتَان وَفِي الْمغرب وَالْعشَاء إِن بَقِي إِلَى طُلُوع الْفجْر بعد ارْتِفَاع الْأَعْذَار خمس رَكْعَات وَجَبت الصَّلَاتَان وَإِن بَقِي ثَلَاث سَقَطت الْمغرب وَإِن بَقِي أَربع فَقيل تسْقط الْمغرب لِأَنَّهُ أدْرك قدر الْعشَاء خَاصَّة وَقيل تجب الصَّلَاتَان لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْمغرب كَامِلَة وَيدْرك الْعشَاء بِرَكْعَة وَأما حُدُوث الْأَعْذَار فيتصور فِي الْجُنُون وَالْإِغْمَاء وَالْحيض ولانفاس وَلَا يتَصَوَّر فِي الْكفْر وَالصبَا فَإِذا حدث فِي وَقت مُشْتَرك بَين الصَّلَاتَيْنِ سَقَطت الصَّلَاتَان وَإِن حدث فِي وَقت مُخْتَصّ بِإِحْدَاهُمَا سَقَطت المختصة بِالْوَقْتِ وتقضى الْأُخْرَى وَذَلِكَ أَن أول الزَّوَال مُخْتَصّ بِالظّهْرِ إِلَى أَربع رَكْعَات فِي الْحَضَر وَرَكْعَتَيْنِ فِي السّفر ثمَّ تشترك الصَّلَاتَان إِلَى أَن تخْتَص الْعَصْر بِأَرْبَع رَكْعَات قبل الْغُرُوب فِي الْحَضَر وَرَكْعَتَيْنِ فِي السّفر خلافًا للشَّافِعِيّ فِي قَوْله أَن الِاشْتِرَاك الضَّرُورِيّ منالزوال إِلَى الْغُرُوب فَلَو حَاضَت المرألة فِي وَقت الِاشْتِرَاك سَقَطت الظّهْر وَالْعصر وَلَو حَاضَت فِي وَقت الِاخْتِصَاص بالعصر وَكَانَت لم تصل الظّهْر وَلَا الْعَصْر سقط عَنْهَا قَضَاء الْعَصْر وَحدهَا وَلَو حَاضَت فِي وَقت الِاخْتِصَاص بِالظّهْرِ سَقَطت وَإِن تَمَادى الْحيض إِلَى وَقت الِاشْتِرَاك سَقَطت الْعَصْر فَإِن ارْتَفع قبله وَجَبت وَمثل ذَلِك فِي سَائِر الْأَعْذَار فِي الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء وَأما النسْيَان فَإِنَّمَا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب إِذا نسي إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ المشتركتين وَهُوَ فِي الْحَضَر ثمَّ سَافر فَذكرهَا أَو بِالْعَكْسِ هَل يتم أَو يقصر والقانون فِي ذَلِك أَنه إِذا ذكر الصَّلَاة قبل خُرُوج وَقتهَا الضَّرُورِيّ صلاهَا على حسب مَا يكون وَقت ذكرهَا من حضر أَو سفر فيقصرها إِن ذكرهَا فِي السّفر ويتمها إِن ذكرهَا فِي الْحَضَر وَإِن لم يذكرهَا حَتَّى خرج وَقتهَا الضَّرُورِيّ صلاهَا على حسب مَا كَانَ فِي وَقتهَا من حضر أَو سفر وَمِثَال ذَلِك لَو نسي الظّهْر وَالْعصر فِي الْحَضَر ثمَّ سَافر فذكرهما فِي السّفر قبل الْغُرُوب لثلاث رَكْعَات قصرهَا وَإِن أدْرك رَكْعَتَيْنِ أَو رَكْعَة أتم الظّهْر وَقصر الْعَصْر وَإِن ذكرهمَا بعد الْغُرُوب أتمهما فَلَو نسيهما فِي السّفر ثمَّ ذكرهمَا فِي الْحَضَر قبل الْغُرُوب بِخمْس رَكْعَات أتمهما ولدون ذَلِك رَكْعَة قصر الظّهْر وَأتم الْعَصْر وَإِن ذكر بعد الْغُرُوب قصرهما وَلَو نسي الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْحَضَر ثمَّ ذكرهمَا فِي السّفر قبل الْفجْر بِأَرْبَع رَكْعَات قصر الْعشَاء ولدون ذَلِك إِلَى رَكْعَة فَاخْتلف هَل يقصرها أَو يُتمهَا وَإِن ذكر بعد الْفجْر أتمهما وَلَو نسيهما فِي السّفر ثمَّ ذكر فِي الْحَضَر قبل الْفجْر بِأَرْبَع أتم الْعشَاء ولدون ذَلِك إِلَى رَكْعَة فَاخْتلف هَل يُتمهَا أَو يقصرها وَإِن ذكر بعد الْفجْر قصرهَا فروع ثَلَاثَة (الْفُرُوع الأول) إِنَّمَا تدْرك الصَّلَاة بِإِدْرَاك رَكْعَة بسجدتيها وَقَالَ أَشهب بِإِدْرَاك الرُّكُوع خَاصَّة وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة بِإِدْرَاك تَكْبِيرَة الْإِحْرَام (الْفَرْع الثَّانِي) يعْتَبر إِدْرَاك أَصْحَاب الْأَعْذَار بعد زَوَال الْأَعْذَار وَفعل الطَّهَارَة وَقَالَ ابْن الْقَاسِم لَا تعْتَبر الطَّهَارَة فِي الْكَافِر (الْفَرْع الثَّالِث) لَا تُؤخر الصَّلَاة
стр. 32
إِلَى وَقت الضَّرُورَة وَمن فعل ذَلِك من غير ذَوي الْأَعْذَار فَهُوَ آثم وَاخْتلف هَل هُوَ مؤد أَو قَاض (الْفَصْل الثَّالِث) فِي أَوْقَات النَّهْي عَن الصَّلَاة وَهِي عشرَة فَمِنْهَا طُلُوع الشَّمْس وغروبها وَبعد الصُّبْح إِلَى الطُّلُوع وَبعد الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب فَيجوز فِي هَذِه الْأَرْبَعَة صبح الْيَوْم أَو عصره لمن فَاتَهُ إِجْمَاعًا وَيجوز قَضَاء الْفَرَائِض الْفَائِتَة فِيهَا وَفِي غَيرهَا خلافًا لأبي حنيفَة وَيمْتَنع مَا عدا ذَلِك لِأَنَّهُ يجوز فِي الْمَذْهَب الصَّلَاة على الْجَنَائِز بعد الصُّبْح مَا لم يسفر وَبعد الْعَصْر مَا لم تصفر الشَّمْس وَكَذَلِكَ سُجُود الْقُرْآن فِي الْمُدَوَّنَة وفَاقا للشَّافِعِيّ بِخِلَاف مَا فِي الْمُوَطَّأ خلافًا لِابْنِ حَنْبَل وَزَاد الشَّافِعِي جَوَاز النَّوَافِل الَّتِي لَهَا أَسبَاب كتحية الْمَسْجِد وركعتي الطّواف وَالْحرَام وَمِنْهَا بعد طُلُوع الْفجْر قبل صَلَاة الصُّبْح فَتجوز فِيهِ الْفَوَائِت وركعتا الْفجْر وَالْوتر وَإِن يخلف حزبه من اللَّيْل من فَاتَهُ وَاخْتلف فِي تَحِيَّة الْمَسْجِد فِيهِ وَمِنْهَا عِنْد الزَّوَال وَلَيْسَ بِوَقْت نهي فِي الْمَشْهُور وَهُوَ عِنْد الشَّافِعِي وَقت نهي إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة وَمِنْهَا بعد الْغُرُوب قبل الْمغرب على الْمَشْهُور وَمِنْهَا التَّنَفُّل يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام على الْمِنْبَر فِي الْخطْبَة وَقبلهَا وَأَجَازَ الشَّافِعِي وَغَيره تَحِيَّة الْمَسْجِد لمن دخل فِي ذَلِك الْوَقْت للْحَدِيث الصَّحِيح وَمِنْه التَّنَفُّل بعد الْجُمُعَة فِي الْمَسْجِد فَيمْتَنع فِي الْمَذْهَب خلافًا لأبي حنيفَة وَغَيره وَمِنْهَا الصَّلَاة بعد صَلَاة الْعِيد وَقبلهَا فتمنع فِي الْمصلى دون الْمَسْجِد وَتجوز فيهمَا عِنْد الشَّافِعِي وتمتنع قبل لَا بعد عِنْد ابْن حَنْبَل وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
الْبَاب الثَّالِث فِي الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَفِيه خَمْسَة فُصُول
(الْفَصْل الأولة) فِي حكم الْأَذَان وَهُوَ سنة مُؤَكد وفَاقا للشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَقيل فرض كِفَايَة وَقيل على خَمْسَة أَنْوَاع وَاجِب وَهُوَ أَذَان الْجُمُعَة ومندوب وَهُوَ لسَائِر الْفَرَائِض فِي الْمَسَاجِد وَحرَام وَهُوَ أَذَان الْمَرْأَة وَأَجَازَ الشَّافِعِي أَن تؤذن النِّسَاء ومكروه وَهُوَ الْأَذَان للنوافل وللفوائت وَأَجَازَهُ للفوائت ابْن حَنْبَل وَأَبُو حنيفَة ومباح وَهُوَ أَذَان الْمُنْفَرد وَقيل مَنْدُوب (الْفَصْل الثَّانِي) فِي صفة الْأَذَان وَفِيه أَرْبَعَة مَذَاهِب (الأول) أَذَان الْمَدِينَة لمَالِك وَهُوَ تَثْنِيَة التَّكْبِير وترجيع الشَّهَادَتَيْنِ أَذَان مَكَّة للشَّافِعِيّ وَهُوَ تربيع التَّكْبِير والشهادتين (الثَّالِث) أَذَان الْكُوفَة لأبي حنيفَة وَهُوَ تربيع التَّكْبِير وتثنية الشَّهَادَتَيْنِ وَاتفقَ الثَّلَاثَة على تَثْنِيَة الحيعلتين وَالتَّكْبِير بعدهمَا وأفراد التهليل بعدهمَا وإفراد التهليل بعده (الرَّابِع) أَذَان الْبَصْرَة لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ وَهُوَ تربيع التَّكْبِير وتثنية الحيعلتين والشهادتين فكلمات الْأَذَان فِي الْمذَاهب سَبْعَة عشر وَيزِيد فِي الصُّبْح بعد الحيعلتين التثويب وَهُوَ ((الصَّلَاة خير من النَّوْع)) مرَّتَيْنِ وَمرَّة لِابْنِ وهب وَيسْقط لأبي حنيفَة
стр. 33
((فرع)) الترجيع هُوَ إعغادة الشَّهَادَتَيْنِ مرَّتَيْنِ بِأَعْلَى صَوت من الْمَرَّتَيْنِ أولين (الْفَصْل الثَّالِث) فِي صفة الْمُؤَذّن وآدابه فصفاته الْوَاجِبَة سِتَّة الْإِسْلَام وَالْعقل والذكورية وَالْبُلُوغ بِخِلَاف فِي الْمَذْهَب وَالْعَدَالَة والمعرفة بالأوقات وَيسْتَحب حسن الصَّوْت وجهارته وآدابه عشرَة أَن يُؤذن على وضوء قَائِما على مَوضِع مُرْتَفع مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَيجوز لَهُ الاستدارة إِلَى غَيرهَا فِي الحيعلتين وَلَا يتَكَلَّم فِي الْأَذَان بِسَلام وَلَا رد وَلَا غير ذَلِك وَلَا ينكسه وَلَا يقطعهُ بل يواليه ويرتله وَيقف على كَلِمَاته بِالسُّكُونِ بِخِلَاف الْإِقَامَة ويجتنب التطريب وإفارط الْمَدّ وَيجوز أَن يَجْعَل أَصَابِعه فِي أُذُنَيْهِ واستحبه أَبُو حنيفَة وَابْن حَنْبَل وَأَن يُؤذن غير من يُقيم وَأَن يُؤذن أكقر من وَاحِد إِلَّا فِي الْمغرب وَلَا يُؤذن لصَلَاة قبل وَقتهَا إِلَّا الصُّبْح فيؤذنها لَهَا قبل طُلُوع الْفجْر خلافًا لأبي حنيفَة (الْفَصْل الرَّابِع (فِيمَا يَقُول من سمع الْمُؤَذّن وَيُؤمر أَن يَقُول مثل مَا يَقُول ويعوض الحيعلتين بِلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقيل يقْتَصر فِي الْحِكَايَة على الشَّهَادَتَيْنِ ويحكيهما مرَّتَيْنِ وَقيل مرّة فَإِن سَمعه وَهُوَ فِي صلَاته فَقيل يحكيه فِي النَّافِلَة دون الْفَرِيضَة وَقيل لَا يحكيه فيهمَا وَلَا يتَجَاوَز الشَّهَادَتَيْنِ فَإِن زَاد عَلَيْهِمَا فَفِي بطلَان صلَاته قَولَانِ وَيَنْبَغِي لسامع الْأَذَان أَن يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ وَيسْأل لَهُ من الله الْوَسِيلَة ثمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ (الْفَصْل الْخَامِس) فِي الْإِقَامَة وَهِي سنة مُؤَكدَة فِي الْفَرَائِض الوقتية والفائتة على الْمُنْفَرد وَالْجَمَاعَة للرِّجَال وَالنِّسَاء وَقيل لَيْسَ على الْمَرْأَة إِقَامَة وكلماتها وتر إِلَّا التَّكْبِير فَإِنَّهُ مثنى وعددها فِي الْمَذْهَب عشر كَلِمَات وَمذهب الشَّافِعِي وَابْن حَنْبَل تَثْنِيَة التَّكْبِير وَقَوله (قد قَامَت الصَّلَاة) وَمذهب أبي حنيفَة تَثْنِيَة جَمِيع كلماتها
الْبَاب الرَّابِع فِي الْمَسَاجِد ومواضع الصَّلَاة وَفِيه فصلان
(الْفَصْل الأول) فِي الْمَسَاجِد وَفِيه ثَلَاث مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) الْمَسَاجِد أفضل بقاع الأَرْض وَأفضل الْمَسَاجِد مَسْجِد الْمَدِينَة وَالْمَسْجِد الْحَرَام بِمَكَّة وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى وَأفضل الثَّلَاثَة عِنْد مَالك مَسْجِد الْمَدِينَة وَعند الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة مَسْجِد مَكَّة كَمَا أَن مَالِكًا فضل الْمَدِينَة على مَكَّة خلافًا لَهما وَوَافَقَهُمَا ابْن رشد (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) يُقَال عِنْد دُخُول الْمَسْجِد (اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك) وَعند الْخُرُوج (اللَّهُمَّ إِنَّنِي أَسأَلك من فضلك) وَذَلِكَ بعد الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وَقد ورد أَن يُقَال عِنْد الدُّخُول (أعوذ بِاللَّه الْعَظِيم وبوجهه الْكَرِيم وسلطانه الْقَدِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم) (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِيمَا تنزه عَنهُ الْمَسَاجِد وَذَلِكَ البيع وَسَائِر أَبْوَاب المكاسب وإنشاد الضَّالة وَرفع الصَّوْت حَتَّى بِالْعلمِ وَالْقُرْآن والبزاق وكفارته دَفنه وإنشاد الشّعْر إِلَّا مَا يجوز شرعا وَكره سَحْنُون الْوضُوء فِيهِ ويخفف النّوم فِيهَا نَهَارا للمقيم وَالْمُسَافر وَالْمَبِيت فِيهِ للغريب وَلَا يَنْبَغِي أَن يتَّخذ مسكنا إِلَّا
стр. 34
لمن تجرد لِلْعِبَادَةِ ويرخص فِي الْأكل الْيَسِير فِيهِ وَيمْنَع مِنْهُ الصّبيان والمجانين وَمن أكل الثوم والبصل ويرخص للنِّسَاء الصَّلَاة فِيهِ إِذا أَمن الْفساد وَيكرهُ للشابة الْخُرُوج إِلَيْهِ وَلَا يتَّخذ الْمَسْجِد طَرِيقا وَلَا يسل فِيهِ سيف وَإِنَّمَا يفعل فِيهِ مَا بني لَهُ وَلَا يجوز دُخُول الْمُشرك الْمَسْجِد وَجوزهُ الشَّافِعِي إِلَّا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَأَبُو حنيفَة فِي كل مَسْجِد (الْفَصْل الثَّانِي) فِي مَوَاضِع الصَّلَاة وَتجوز فِي كل مَوضِع طَاهِر وَنهي عَن الصَّلَاة فِي سَبْعَة مَوَاطِن المزبلة لقذرها والمجزرة للدماس والمقببرة فَقيل على الْعُمُوم وَقيل يخْتَص النَّهْي بمقبرة الْمُشْركين ومحجة الطَّرِيق لِأَنَّهُ لَا يُؤمن من الْمُرُور وَلَا النَّجَاسَة وَالْحمام للأوساخ فَإِن طهر فِيهِ مَوضِع جَازَ وَمَعَان الْإِبِل وَهُوَ غير مُعَلل على الْأَصَح وَظهر الْكَعْبَة وَقيل أَن كَانَ بَين يَدَيْهِ جُزْء من بنائها جَازَ وتمنع فِي الْمَذْهَب الْفَرَائِض دَاخل الْكَعْبَة خلافًا لَهما وَتكره فِي الْمَذْهَب الصَّلَاة على غير الأَرْض وَمَا تنبته
الْبَاب الْخَامِس فِي خِصَال الصَّلَاة وَفِيه فَرَائض وَسنَن وفضائل ومفسدات ومكروهات وكل وَاحِد مِنْهَا عشرُون
فَأَما (الْفَرَائِض) فَمِنْهَا عشرَة شُرُوط وَهِي الطَّهَارَة من الْحَدث وَالطَّهَارَة من النَّجس وَمَعْرِفَة دُخُول الْوَقْت وَستر الْعَوْرَة واستقبال الْقبْلَة وَالنِّيَّة وَالتَّرْتِيب فِي أَدَاء الصَّلَاة وموالاة فعلهَا وَترك الْكَلَام إِلَّا بِمَا هُوَ من جِنْسهَا أَو مصلح لَهَا وَترك الْفِعْل الْكَثِيرَة من غير جنس الصَّلَاة وَمِنْهَا عشرَة أَرْكَان وَهِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَالْقِيَام لَهَا وَقِرَاءَة أم الْقُرْآن وَالْقِيَام لَهَا وَالرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ وَالسُّجُود والفصل بَين السَّجْدَتَيْنِ وَالسَّلَام وَالْجُلُوس لَهُ وَزيد عَلَيْهَا الطُّمَأْنِينَة والخشوع وَأما (السّنَن) فَهِيَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَالصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة وَقِرَاءَة السُّورَة مَعَ أم الْقُرْآن وَالْقِيَام لَهَا وَتَقْدِيم أم الْقُرْآن عَلَيْهَا والجهر فِي مَوضِع الْجَهْر والأسرار فِي مَوضِع الْأَسْرَار وَقَول (سمع الله لمن حَمده رَبنَا وَلَك الْحَمد) وَالتَّكْبِير سوى تكبرة الْإِحْرَام وترتيل الْقِرَاءَة وَالسُّجُود على سَبْعَة آرَاب وَالتَّشَهُّد الأول وَالْجُلُوس لَهُ وَالتَّشَهُّد الثَّانِي وَالْجُلُوس لَهُ وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ والاعتدال فِي الْأَركان والتيامن بِالسَّلَامِ وَقد قيل فِي كثير مِنْهَا أَنَّهَا فَضَائِل وَإِنَّمَا يسْجد سُجُود السَّهْو لثمانية مِنْهَا وَهِي السُّورَة والجهر والإسرار وَالتَّكْبِير والتحميد والتشهدان وَالْجُلُوس لَهما وَأما (الْفَضَائِل) فَهِيَ الصَّلَاة أول الْوَقْت وَأخذ الرِّدَاء والسترة أَمَام الْمُصَلِّي وَرفع الْيَدَيْنِ مَعَ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام والترويح بَين الْقَدَمَيْنِ فِي الْوُقُوف وَجعل الْيَد الْيُمْنَى على الْيُسْرَى والتأمين وَمِقْدَار السُّورَة فِي الطول وَالْقصر
стр. 35
والتوسط والقنوت فِي الصُّبْح وَوضع الْيَدَيْنِ على الرُّكْبَتَيْنِ فِي الرُّكُوع وَالتَّسْبِيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالدُّعَاء فِي السُّجُود وَفِي الْجُلُوس الْأَخير والانفراج فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود ومباشرة الأَرْض باليدين فِي السُّجُود وهيئة الْجُلُوس وتقصير الجلسة الْوُسْطَى وَأَن لَا يكبر فِي الْقيام للثالثة حَتَّى يَسْتَوِي قَائِما ورد السَّلَام على من على الْيَسَار وَسُجُود التِّلَاوَة وَقيام الإِمَام من مَوْضِعه سَاعَة يسلم وَقد عد كَثِيرَة من هَذِه فِي السّنَن وَقَالَ بَعضهم أَفعَال الصَّلَاة كلهَا فَرَائض إِلَّا ثَلَاثَة رفع الْيَدَيْنِ والجلسة الْوُسْطَى والتيامن بِالسَّلَامِ وأقوال الصَّلَاة كلهَا لَيست بفرائض إِلَّا ثَلَاثَة تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَقِرَاءَة أم الْقُرْآن وَالسَّلَام وَأما (المفسدات) فَهِيَ ترك النيبة أَو قطعهَا أَو ترك ركن من أَرْكَانهَا كالقراءة وَالرُّكُوع أَو غير ذَلِك من الْفَرَائِض أَو مَا قدر عَلَيْهِ مِنْهَا أَن كَانَ لَهُ عذر عَن اسْتِيفَائه عمدا ترك ذَلِك أَو جهلا أهـ أفهو مُفسد لَهَا إِلَّا الْقبْلَة وَإِزَالَة النَّجَاسَة وَستر الْعَوْرَة فَإِن تَركهَا سَهوا يُخَفف ويعاد مِنْهُ فِي الْوَقْت وَكَذَا الْجَهْل بالقبلة وَكَذَلِكَ إِسْقَاط الجلسة الأولى من السّنَن وَترك ثَلَاث تَكْبِيرَات أَو سمع الله لمن حَمده مثلهَا يفْسد الصَّلَاة إِن فَاتَ جبرها بسجود السَّهْو وَكَذَلِكَ الزِّيَادَة عمدا أَو جهلا وكثيرها سَهوا وَالرِّدَّة والقهقهة كَيفَ كَانَت وَالْكَلَام لغير إصلاحها وبالأكل وَالشرب فِيهَا وَالْعَمَل الْكثير من غير جِنْسهَا وَغَلَبَة الحقن والقرقرة وَشبههَا وَكَذَلِكَ الْهم الْكثير حَتَّى يشْغلهُ عَنْهَا وَلَا يفقه مَا يُصَلِّي وبالاتكاء حَال قِيَامه على حَائِط أَو عَصا لغير عذر بِحَيْثُ لَو أزيل عَنهُ متكؤه لسقط وَذكر صَلَاة فرض يجب ترتيبها عَلَيْهِ وَالصَّلَاة فِي الْكَعْبَة أَو على ظهرهَا وتذكر الْمُتَيَمم المَاء فِيهَا وَاخْتِلَاف نِيَّة الْمَأْمُوم وَالْإِمَام وَكَذَلِكَ فَسَاد صَلَاة الإِمَام بِغَيْر سَهْو وَالْحَدَث وَالنَّجس أوإقامة الإِمَام عَلَيْهِ صَلَاة أُخْرَى وَكَذَلِكَ ترك سنة من سننها المكورة عمدا يُفْسِدهَا عِنْد بَعضهم وَأما (المكروهات) فَهِيَ صَلَاة الرجل وَهُوَ يدافع الأخبثين الْبَوْل وَالْغَائِط والالتفات وتحدث النَّفس بِأُمُور الدُّنْيَا وتشبيك الْأَصَابِع وفرقعتها والعبث بهَا أَو بلحيته أَو خَاتمه أَو تَسْوِيَة الْحَصَا والاقعاء وَهُوَ جُلُوسه على قَدَمَيْهِ أوعند الْقيام من السُّجُود بل يعْتَمد على يَدَيْهِ عِنْد قِيَامه والصفد وَهُوَ ضم الْقَدَمَيْنِ فِي الْقيام كالمكبل والصفن وَهُوَ رفع إِحْدَاهمَا كَمَا تفعل الدَّابَّة عِنْد الْوُقُوف والصلب وَهُوَ ضم الْيَدَيْنِ على الخاصرتين ويجافي بَين العضدين فِي الْقيام كصفة المصلوب والاختصار وَهُوَ وضع الْيَد على الخاصرة فِي الْقيام أَيْضا وَأَن يُصَلِّي وَهُوَ متلثم أَو كافت شعره أَو ثَوْبه لأجل الصَّلَاة أَو حَامِل فِي فِيهِ أَو غَيره مَا يشْغلهُ أَو يُصَلِّي وَهُوَ غَضْبَان أَو جَائِع أَو بِحَضْرَة الطَّعَام أَو ضيق الْخُف أَو شبه ذَلِك مِمَّا يشْغلهُ عَن فهمالصلاة أَو يُصَلِّي بطرِيق من يمر بَين يَدَيْهِ أَو يقتل برغوثا أَو قملة أَو يَدْعُو فِي رُكُوعه أَو قبل الْقِرَاءَة فِي قِيَامه أَو يقْرَأ فِي رُكُوعه أَو سُجُوده أَو يجْهر بالتشهد أَو يرفع رَأسه أَو يخفضه فِي رُكُوعه أَو يرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فِي صلَاته أَو يسْجد على الْبسط والطنافس أَو على مَا لَا تنبته الأَرْض أَو مِمَّا هُوَ سرف أَو فِيهِ رفاهية وَالصَّلَاة بِثَوْب لَيْسَ على
стр. 36
أكتافه مِنْهُ شَيْء وكذلن مَا هُوَ ضد للفضائل والمستحبات وَكَذَلِكَ مَا يشْغلهُ عَن حُضُور الْقلب فِي الصَّلَاة أَو يصرف فكره عَنْهَا تَلْخِيص تَنْقَسِم خِصَال الصَّلَاة بِالنّظرِ إِلَى الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف عشرَة أَقسَام (الأول) مَا اتّفق على وُجُوبه وَهُوَ الطَّهَارَة من الْحَدث واستقبال الْقبْلَة وترتيب أَدَاء الصَّلَاة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وزالرفع مِنْهُ (الثَّانِي) مَا اخْتلف فِي وُجُوبه وَهُوَ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَقِرَاءَة أم الْقُرْآن والبسملة وَالسَّلَام وَالرَّفْع من الرُّكُوع (الثَّالِث) مَا اخْتلف هَل هُوَ فرض أَو سنة وَهُوَ إِزَالَة النَّجَاسَة وَستر العروة والتشهدان وَالْجُلُوس لَهما وَالتَّكْبِير غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام والاعتدال (الرَّابِع) مَا اخْتلف هَل هُوَ فرض أَو مُسْتَحبّ وَهُوَ الطُّمَأْنِينَة وَالتَّسْبِيح فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود والاستعاذة من الْأَرْبَع فِي الْجُلُوس (الْخَامِس) مَا اخْتلف هَل هُوَ فرض أَو سنة أَو مُسْتَحبّ وَهُوَ رفع الْيَدَيْنِ (السَّادِس) مَا اتّفق على أَنه سنة وَهُوَ قِرَاءَة السُّورَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين (السَّابِع) مَا اتّفق على أَنه مُسْتَحبّ وَهُوَ تَرْتِيب السُّورَة وَتَطْوِيل الأولى والمجافاة بالمرفقين (الثَّامِن) مَا اخْتلف هَل هُوَ سنة أَو مُسْتَحبّ وَهُوَ الْقُنُوت وربنا وَلَك الْحَمد وتأمين الْمَأْمُوم (التَّاسِع) مَا اخْتلف هَل يسْتَحبّ أم لَا وَهُوَ التَّوَجُّه والتعوذ وَنظر مَوضِع السُّجُود وَالصَّلَاة أول الْوَقْت وتأمين الإِمَام وتحريك السبابَة فِي التَّشَهُّد وتقصير الجلسة الْوُسْطَى وَوضع الْيَدَيْنِ على الرُّكْبَتَيْنِ فِي الرُّكُوع وَسبق الْيَدَيْنِ إِلَى الأَرْض قبل الرُّكْبَتَيْنِ فِي السُّجُود وَالْجُلُوس بعد السَّجْدَة الثَّانِيَة (الْعَاشِر) مَا اخْتلف هَل يسْتَحبّ أَو يكره وَهُوَ الإقعاء وَوضع الْيَد الْيُمْنَى على الْيُسْرَى فِي الْقيام وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك فِي موَاضعه وَالله أعلم
الْبَاب السَّادِس فِي اللبَاس فِي الصَّلَاة وَالنَّظَر فِي المستور والساتر
أما المستور فَهُوَ الْعَوْرَة وَيجب سترهَا عَن أعين النَّاس إِجْمَاعًا وَفِي وجوب السّتْر فِي الخلوات قَولَانِ وَأما الصَّلَاة فَالصَّحِيح من الْمَذْهَب وُجُوبهَا وفَاقا لَهُم إِلَّا أَنه اخْتلف فِي إِعَادَة من صلى مَكْشُوف الْعَوْرَة هَل يُعِيد فِي الْوَقْت أَو فِي الْوَقْت وَبعده وعورة الرجل من السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة وفَاقا لَهما وَاخْتلف هَل تدخل السُّرَّة وَالركبَة أم لَا وَقيل السوأتان خَاصَّة وَأَقل مَا يجزىء من اللبَاس فِي الصَّلَاة ستر الْعَوْرَة وَالْأَفْضَل تَغْطِيَة سَائِر جسده وَلَو بِثَوْب وَاحِد على كَتفيهِ والأكمل زِيَادَة الرِّدَاء وتتأكد للْإِمَام وَأما الْحرَّة فَكلهَا عَورَة إِلَّا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وَزَاد أَبُو حنيفَة الْقَدَمَيْنِ وَلم يسْتَثْن ابْن حَنْبَل وَأَقل مَا يجزيها ثوب يستر جَسدهَا حَتَّى ظُهُور الْقَدَمَيْنِ وقناع فِي رَأسهَا وَأما الْأمة فعورتها كَالرّجلِ إِلَّا أَن فَخذهَا عَورَة بِاتِّفَاق فَيجوز لَهَا الصَّلَاة بِغَيْر قناع وتستر سَائِر جَسدهَا وَمثلهَا الْمُكَاتبَة والمدبرة وَالْمُعتق بَعْضهَا بِخِلَاف أم الْوَلَد فَإِنَّهَا كَالْحرَّةِ وَأما السَّاتِر فَيجب أَن يكون صفيقا كثيفا فَإِن ظهر مَا تَحْتَهُ فَهُوَ كَالْعدمِ وَإِن وصف فَهُوَ مَكْرُوه وَنهى عَن
стр. 37
اشْتِمَال الصماء وَهُوَ أَن يلتوي فِي ثوب وَاحِد وَلَا يكون لَهُ من أَيْن يخرج يَدَيْهِ إِلَّا من أَسْفَله وَمن لم يجد ثوبا صلى وَحده عُريَانا قَائِما يرْكَع وَيسْجد وَقَالَ أَبُو حنيفَة يُصَلِّي جَالِسا فَإِن جَاءَهُ الثَّوْب وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَاخْتلف هَل يستر ويتمادى أَو يقطع ويبتدي وَإِن اجْتمع عُرَاة فِي الظلام صلوا كالمستورين وَإِن كَانُوا فِي الضَّوْء تباعدوا وصلوا أفذاذا وَإِلَّا صلوا جُلُوسًا وَقيل قيَاما ويغضون أَبْصَارهم وَمن لم يجد ثوبا نجسا صلى بِهِ وَإِن لم يجد إِلَّا ثوب حَرِير فَفِيهِ قَولَانِ وَإِن لم يجد إِلَّا ثوبي حَرِير ونجس فَاخْتلف بِأَيِّهِمَا يُصَلِّي تَكْمِيل حكم الْمَرْأَة فِي النّظر إِلَى الْمَرْأَة كَحكم الرجل فِي النّظر إِلَى الرجل فَيمْنَع النّظر إِلَى الْعَوْرَة وَيجوز مَا عدا ذَلِك وَحكم الْمَرْأَة فِي النّظر إِلَى ذَوي محارمها كَحكم الرجل فِي النّظر إِلَى الرجل وَحكمهَا فِي النّظر إِلَى الْأَجْنَبِيّ كَحكم الرجل مَعَ ذَوَات مَحَارمه وَهُوَ النّظر إِلَى الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَقَط على الْأَصَح وَقيل كنظر الرجل إِلَى الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وَيُبَاح للْعَبد أَن يرى من سيدته مَا يرَاهُ ذَوُو الْمحرم مِنْهَا وَلها أَن تؤاكله إِلَّا إِذا كَانَ وَغدا دنيئا وَلَا ينظر الْخصي إِلَى امْرَأَة إِلَّا إِذا كَانَ عَبدهَا وَقَالَ قوم يجوز لِأَنَّهُ من التَّابِعين غير أولي الأربة من الرِّجَال وَإِنَّمَا هم عِنْد مَالك الأحمق وَالْمَعْتُوه وكل من منع من النّظر إِلَى امْرَأَة لم يجز لَهُ أَن يَخْلُو مَعهَا وَلَا يجوز أَن يجْتَمع امْرَأَتَانِ وَلَا رجان متجردين فِي لِحَاف وَاحِد وَيفرق بَين الصّبيان فِي الْمضَاجِع لسبع وَقيل لعشر وَالله أعلم
الْبَاب السَّابِع فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
(الْفَصْل الأول) الِاسْتِقْبَال شَرط فِي الْفَرَائِض إِلَّا فِي صَلَاة المسايفة وللراكب فِي السّفر يخَاف أَن نزل لصا أَو سبعا فَتجوز الصَّلَاة حِينَئِذٍ على الدَّابَّة إِلَى الْقبْلَة وَغَيرهَا وَهُوَ أَيْضا شَرط فِي النَّوَافِل إِلَّا فِي السّفر فَيصَلي حَيْثُ مَا تَوَجَّهت بِهِ رَاحِلَته ويومي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود وَيجْعَل السُّجُود أخف من الرُّكُوع وَلَا يتَكَلَّم وَلَا يلْتَفت وَذَلِكَ بِشَرْط أَن يكون السّفر طَويلا وَأَن يكون رَاكِبًا وَيُصلي من فِي السَّفِينَة إِلَى الْقبْلَة فَإِن دارت اسْتَدَارَ وروى ابْن حبيب أَنه يتنقل حَيْثُ سَارَتْ بِهِ كالدابة (الْفَصْل الثَّانِي) المصلون ثَلَاثَة مُتَيَقن للْقبْلَة ومجتهد ومقلد وَهِي مرتبَة فَلَا يجوز الِانْتِقَال عَن وَاحِد إِلَى مَا بعده إِلَّا بعد الْعَجز عَنهُ فالقطع لمن صلى فِي مَكَّة ومحراب النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ بِمَنْزِلَة الْكَعْبَة بِمَكَّة وَالِاجْتِهَاد لمن صلى فِي سَائِر الأقطار أَن قدر عَلَيْهِ والتقليد لمن عجز عَن الِاجْتِهَاد فَيسْأَل مُسلما عَاقِلا عَارِفًا بالقبلة ويقلده فَإِن عدم من يقلده فَقيل يُصَلِّي إِلَى حَيْثُ شَاءَ وَقيل يُصَلِّي أَربع صلوَات إِلَى أَربع جِهَات فروع ثَلَاثَة (الْفَرْع الأول) الْفَرْض اسْتِقْبَال الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام فَقيل عينهَا
стр. 38
وَقيل جِهَتهَا فقبلة أهل الْمغرب إِلَى الْمشرق وَبِالْعَكْسِ وقبلة أهل الْمَدِينَة وَالشَّام وَأهل الأندلس إِلَى ميزاب الْكَعْبَة وَذَلِكَ مَا بَين الْمشرق والجنوب وَقَالَ بعض المعدلين قبْلَة قرطبة وَمَا حولهَا على ثَلَاثِينَ دَرَجَة من الرّبع الشَّرْقِي الجنوبي (الْفَرْع الثَّانِي) يسْتَدلّ على الْقبْلَة بِطُلُوع الشَّمْس وغروبها وَقيل بالجهة الَّتِي يبْدَأ الظل بِالزِّيَادَةِ فِيهَا وَقت الزَّوَال ويستدل عَلَيْهَا لَيْلًا بالقمر فَإِنَّهُ يكون طرفاه أَو الشَّهْر إِلَى الْمشرق وَآخر الشَّهْر إِلَى الْمغرب ووسط الشَّهْر يكون فِي أول اللَّيْل إِلَى الْمشرق وَفِي آخِره إِلَى الْمغرب وَقد يسْتَدلّ عَلَيْهَا بالجبال والرياح وَغير ذَلِك (الْفَرْع الثَّالِث) من صلى ثمَّ تبين لَهُ الخطأفي الْقبْلَة أعَاد فِي الْوَقْت على الْمَشْهُور وَقَالَ سَحْنُون فِي الْوَقْت وَبعده وفَاقا لَهما (الْفَصْل الثَّالِث) فِي الستْرَة قُدَّام الْمُصَلِّي وَيُؤمر بهَا الإِمَام والفذ وسترة الإِمَام ستْرَة للْمَأْمُوم وأقلها طول الذِّرَاع فِي غلط الرمْح وشروطها أَن تكون بِشَيْء ثَابت طَاهِر لَا يشوش الْقلب فَلَا يستر بصبي لَا يثبت وَلَا بِامْرَأَة وَلَا إِلَى الْمُتَكَلِّمين وَيجوز الاستتار بِالْإِبِلِ وَالْبَقر وَالْغنم لَا يصمد إِلَى الستْرَة بل يتيامن عَنْهَا قَلِيلا أَو يتياسر وَيجْعَل بَينهَا وَبَينه قدر ممر الشَّاة وَقيل ثَلَاثَة أَذْرع فَإِن لم يجد ستْرَة صلى دونهَا ويخط خطا فِي الأَرْض فَيصَلي إِلَيْهِ خلافًا لِابْنِ حَنْبَل وَلَا يقطع الصَّلَاة مُرُور شَيْء بَين يَدي الْمُصَلِّي أَن يتَعَرَّض للمرور وَلَا لأحد أَن يمر بَين يَدَيْهِ فَإِن فعل فليدفعه دفعا خَفِيفا
الْبَاب الثَّامِن فِي النِّيَّة وَالْإِحْرَام وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
(الْفَصْل الأول) فِي النِّيَّة وَهِي وَاجِبَة فِي الصَّلَاة إِجْمَاعًا والكمال أَن يستشعر الْمُصَلِّي الْإِيمَان وَيَنْوِي التَّقَرُّب إِلَى الله بِالصَّلَاةِ ويعتقد وُجُوبهَا وأداءها فِي ذلكاليوم ويعينها وَيَنْوِي عدد ركعاتها وَيَنْوِي الْإِمَامَة والأمومية والانفراد ثمَّ يَنْوِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فروع أَرْبَعَة (الْفَرْع الأول) تجب نِيَّة المأمومية والإفراد وَلَا تجب نِيَّة الإمامية إِلَّا فِي الْجُمُعَة وَالْجمع وَالْخَوْف والاستخلاف لكَون الإِمَام شرطا فِيهَا وَزَاد ابْن رشد الْجَنَائِز (الْفَرْع الثَّانِي) اخْتلف فِي وجوب نِيَّة عدد الرَّكْعَات وَيَنْبَنِي على ذَلِك الْخلاف فِي صِحَة صَلَاة من افْتتح بنية الْقصر فَأَتمَّ وَبِالْعَكْسِ وَمن دخل فِي صَلَاة الْجُمُعَة فيظنها ظهرا أَو بِالْعَكْسِ (الْفَرْع الثَّالِث) يجب أَن تكون النِّيَّة مُقَارنَة لتكبيرة الْإِحْرَام فَإِن تَأَخَّرت النِّيَّة أَو تقدّمت بِكَثِير بطلت بِاتِّفَاق وَإِن تقدّمت بِيَسِير فَقيل تصح وفَاقا لأبي حنيفَة وَقيل تبطل وفَاقا للشَّافِعِيّ (الْفَرْع الرَّابِع) مَحل النِّيَّة الْقلب وَلَا يلْزم النُّطْق بهَا وَتَركه أولى خلافًا للشَّافِعِيّ (الْفَصْل الثَّانِي) فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَهِي وَاجِبَة خلافًا لأبي حنيفَة وَالتَّكْبِير سواهَا لَيْسَ بِوَاجِب عِنْد الْجُمْهُور ولفظها الله أكبر لَا يجزىء غَيره خلافًا للشَّافِعِيّ
стр. 39
فِي جَوَاز الله الْأَكْبَر وَلأبي حنيفَة فِي جَوَاز كل مَا فِيهِ تَكْبِير أَو تَعْظِيم فرعان (الْفَرْع الأول) من عجز عَن التَّكْبِير إِن كَانَ أبكم دخل بِالنِّيَّةِ وَإِن كَانَ جَاهِلا باللغة فَكَذَلِك فِي الْأَصَح وَقيل يكبر بِلِسَانِهِ (الْفَرْع الثَّانِي) من قَالَ (الله أكبار) بِالْمدِّ لم يجزه وَمن قَالَ (الله وأكبر) بإبدال الْهمزَة وأوا جَازَ (الْفَصْل الثَّالِث) فِي رفع الْيَدَيْنِ وَهُوَ مَنْدُوب عِنْد الْجُمْهُور إِمَّا سنة أَو فَضِيلَة وَهُوَ الْمَشْهُور وأوجبه الظَّاهِرِيَّة وَيرْفَع مَعَ تَكْبِيرَة الإحترام خَاصَّة عِنْد ابْن الْقَاسِم وفَاقا لأبي حنيفَة وَعند الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ عِنْد أَشهب وفَاقا للشَّافِعِيّ وَتَكون يَدَاهُ قائمتين عِنْد الْجُمْهُور وَقَالَ سَحْنُون مبسوطتين ظهورهما إِلَى السَّمَاء كَهَيئَةِ الراهب ويجعلهما حَذْو أُذُنَيْهِ وَقيل حَذْو مَنْكِبَيْه وَقيل حَذْو صَدره وَجمع بَين الْأَقْوَال بِأَن يُحَاذِي بالكوع الصَّدْر وبطرف الْكَفّ الْمَنْكِبَيْنِ وبطرف الاصابع الْأُذُنَيْنِ
الْبَاب التَّاسِع فِي الْقيام وَفِيه فصلان
(الْفَصْل الأول) فِي آدابه وَهُوَ أَن يقف على الْقَدَمَيْنِ مَعًا وَأَن لَا يفرق بَينهمَا وَأَن لَا يرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء وَأَن لَا يَجْعَل يَده على خِنْصره وَهُوَ الِاخْتِصَار وَأَن ينظر إِلَى مَوضِع سُجُوده عِنْدهم وَكَرِهَهُ مَالك وَأَن يضع يَده الْيُمْنَى على الْيُسْرَى وَكَرِهَهُ فِي الْمُدَوَّنَة وَقيل إِنَّمَا يكره فِي الْفَرِيضَة أَو إِذا أَرَادَ الإعتماد (الْفَصْل الثَّانِي) فِي صَلَاة الْمَرِيض وَفِيه أَحْوَال أَن يُصَلِّي قَائِما غير مُسْتَند فَإِن لم يقدر أَو قدر بِمَشَقَّة فادحة صلى قَائِما مُسْتَندا مُسْتقِلّا ثمَّ جَالِسا مُسْتَندا ثمَّ مُضْطَجعا على جنبه الْأَيْمن مُسْتَقْبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ ثمَّ مُسْتَلْقِيا على ظَهره مُسْتَقْبل الْقبْلَة برجليه وَقيل يقدم الإستلقاء على الِاضْطِجَاع ثمَّ مُضْطَجعا على جنبه الْأَيْسَر ويومي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود فِي الِاضْطِجَاع والإستلقاء فَإِن لم يقدر على شَيْء نوى الصَّلَاة بِقَلْبِه وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل تسْقط عَنهُ وفَاقا لأبي حنيفَة فروع خَمْسَة (الْفَرْع الأول) من انْتقل عَن هَيْئَة وَهُوَ قَادر عَلَيْهَا أعَاد أبدا (الْفَرْع الثَّانِي) إِذا جلس بَدَلا من الْقيام تربع فِي الْمَشْهُور وَقيل كجلوس التشههد وَقَالَ الشَّافِعِي كالمحتبي (الْفَرْع الثَّالِث) من بِهِ رمد لَا يبرأ إِلَّا بإضطجاع صلى مُضْطَجعا وَاخْتلف فِي قَادِح المَاء من عينه (الْفَرْع الرَّابِع) إِذا تغير حَال الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاة بنى على مَا مضى لَهُ وَأتم على حسب مَا آل إِلَيْهِ (الْفَرْع الْخَامِس) اخْتلف فِي جَوَاز التَّنَفُّل جَالِسا لمن قدر على الْقيام فَإِن افتتحها بِالْجُلُوسِ جَازَ لَهُ أَن يُتمهَا جَالِسا وَقَائِمًا وَإِذا افتتحها بِالْقيامِ فَاخْتلف يجوز أَن يُتمهَا جَالِسا وَالله أعلم
стр. 40
الْبَاب الْعَاشِر فِي الْقِرَاءَة وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
(الْفَصْل الأول) فِي أم الْقُرْآن وَفِيه ثَلَاث مسَائِل (الْمَسْأَلَة الأولى) فِي حكمهَا وَهِي وَاجِبَة خلافًا لأبي حنيفَة وَتجب فِي كل رَكْعَة وفَاقا للشَّافِعِيّ وَقيل فِي رَكْعَة وَاحِدَة وَقيل فِي نصف الصَّلَاة فَأكْثر وَمن لم يحسنها إِن كَانَ أبكم لم يجب عَلَيْهِ شَيْء وَإِن كَانَ يتعلمها وَجب عَلَيْهِ تعلمهَا وَالصَّلَاة وَرَاء من يحسنها فَإِن لم يجد فَقيل يذكر الله وَقيل يسكت وَلَا يجوز ترجمتها خلافًا لأبي حنيفَة (الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة) لَا يقدم قبل الْقِرَاءَة دُعَاء وَلَا توجها للشَّافِعِيّ فِي تَقْدِيم ((وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض)) الخ وَخِلَافًا لأبي حنيفَة فِي تَقْدِيم (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك تبَارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك) وَلَا تعوذا خلافًا لَهُم وَلَا يبسمل سرا وَلَا جَهرا خلافًا للشَّافِعِيّ فِي الْبَسْمَلَة سرا مَعَ السِّرّ وجهرا مَعَ الْجَهْر وَلأبي حنيفَة فِي الْبَسْمَلَة سر على كل حَال وَلَا بَأْس بالبسملة فِي التَّطَوُّع عِنْد الْأَرْبَعَة وَلَيْسَت الْبَسْمَلَة آيَة من الْفَاتِحَة وَلَا من غَيرهَا سوى النَّمْل خلافًا للشَّافِعِيّ (الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة) فِي التَّأْمِين وَيجوز آمين بِالْمدِّ وبالقصر مَعَ تَخْفيف الْمِيم وَهُوَ مُسْتَحبّ للفذ وَالْمَأْمُوم مُطلقًا وَللْإِمَام إِذا أسر اتِّفَاقًا وَإِذا جهر وفَاقا للشَّافِعِيّ وَالْمَشْهُور لَا يُؤمن فِي الْجَهْر وفَاقا لأبي حنيفَة وَيسر التَّأْمِين خلافاللشافعي (الْفَصْل الثَّانِي) فِي السُّورَة وتقرأ فِي الْأَوليين إِجْمَاعًا وَلَا تقْرَأ فِي الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة خلافًا للشَّافِعِيّ وتقرأ فِي التوعات إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر على الْمَشْهُور وَيسْتَحب أَن تطول فِي الصُّبْح فَيقْرَأ بطوال الْمفصل وَمَا زَاد عَلَيْهِ وَدون ذَلِك فِي الظّهْر ودونها فِي الْعشَاء ودونهما فِي الْعَصْر ودونها فِي الْمغرب فرع يسْتَحبّ إِكْمَال السُّورَة وَأَن ترَتّب تَرْتِيب الْمُصحف وَأَن تكون فِي الرَّكْعَة الأولى أطول وَيجوز أَن يُكَرر السُّورَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَيكرهُ تكريرها فِي رَكْعَة وَاحِدَة (الْفَصْل الثَّالِث) فِي الْجَهْر والإسرار وَحكم الفرائضمعروف وَأما المتطوع فيجهر بهَا فِي الْعِيدَيْنِ والإستسقاء وَيسر فِي سائرها نَهَارا وَيُخَير لَيْلًا بَين الْجَهْر والإسرار والسر أَن يسمع نَفسه وَمن يَلِيهِ وَالْمَرْأَة فِي الْجَهْر دون الرجل وَيقْرَأ الْمَأْمُوم فِي السِّرّ فَإِن لم يقْرَأ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَب وَلَا يقْرَأ فِي الْجَهْر سمع أَو لم يسمع وَقَالَ الشَّافِعِي يقْرَأ إِن لم يسمع وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يقْرَأ مُطلقًا وَإِن فرغ الإِمَام من الْقِرَاءَة قبل الإِمَام فَهُوَ مُخَيّر بَين زِيَادَة قِرَاءَة أَو دُعَاء أَو سكُوت وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
الْبَاب الْحَادِي عشر فِي الْقُنُوت وَفِيه فصلان
(الْفَصْل الأول) فِي لَفظه ويختار فِي الْمَذْهَب ((اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك
следующие страницы →