Полный текст (547 стр.). Показаны 526–547 · переход к 531.
стр. 526
ثَانِياً بَقِيَّةَ الأَوَّلِينَ - عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَقَدِّرِ الْمَيِّتَ الثَّانِيَ عَدَماً (١) - كَثَلاثَةِ بَنِينَ مَاتَ أَحَدُهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُمْ وَارِثٌ مِنَ الأَوَّلِ خَاصَّةً كَزَوْجٍ مَعَهُمْ لَيْسَ بِأَبِيهِمْ، وَإِلا فَصَحِّحِ [الأَوَّلَ] ثُمَّ الثَّانِيَةَ، فَإِنِ انْقَسَمَ نَصِيبُ الثَّانِي عَلَى وَرَثَتِهِ صَحَّتَا مَعاً كَابْنٍ وَبِنْتٍ مَاتَ وَتَرَكَ أُخْتَهُ وَعَاصِباً وَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمْ نَصِيبُهُ وَفَّقْتَْ بَيْنَ نَصِيبِهِ وَمَا صَحَّتْ مِنْهُ مَسْأَلَتُهُ وَضَرَبْتَ وَفْقَهُ لا وَفْقَ نَصِيبِهِ، فِيمَا صَحَّتْ مِنْهُ الأُولَى كَابْنَيْنِ وَابْنَتَيْنِ مَاتَ أَحَدُ الابْنَيْنِ وَتَرَكَ امْرَأَةً وَبِنْتاً وَثَلاثَةً بَنِي ابْنِ فَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الأُولَى يَأْخُذُهُ (٢) مَضْرُوباً فِي وَفْقِ الثَّانِيَةِ، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّانِيَةِ يَأْخُذُهُ مَضْرُوباً فِي وَفْقِ سِهَامِ الْمَيِّتِ الثَّانِي، فَإِنْ لَمْ يَتَوَافَقَا ضَرَبْتَ مَا صَحَّتْ مِنْهُ مَسْأَلَتُهُ فِيمَا صَحَّتْ مِنْهُ الأُولَى كَابْنَيْنِ وَبِنْتَيْنِ مَاتَ أَحَدُ الابْنَيْنِ وَتَرَكَ ابْناً وَبِنْتاً، وَكَذَلِكَ ثَالِثٌ وَرَابِعٌ وَخَامِسٌ.
وَفِي قِسْمَةِ التَّرِكَةِ عَلَى السِّهَامِ طُرُقٌ أَقْرَبُهَا: أَنْ تَنْظُرَ نِسْبَةَ سِهَامِ كُلِّ وَارِثٍ مِنَ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ تَأْخُذَ نِسْبَتَهَا مِنَ التَّرِكَةِ كَزَوْجٍ وَأُمِّ وَأُخْتٍ لأَبٍ مِنْ ثَمَانِيَةٍ لِلزَّوْجِ ثَلاثَةٌ وَالتَّرِكَةُ عِشْرُونَ، فَنِسْبَةُ الثَّلاثَةِ مِنَ الثَّمَانِيَةِ رُبُعٌ وَثُمُنٌ، فَيَأْخُذُ رُبُعَ وَثُمُنَ الْعِشْرِينَ وَهُوَ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ.
فَإِنْ كَانَ مَعَ التَّرِكَةِ عَرْضٌ فَأَخَذَهُ وَارِثٌ بِحِصَّتِهِ فَأَرَدْتَ مَعْرِفَةَ نِسْبَتِهِ فَاجْعَلِ الْمَسْأَلَةَ سِهَامَ غَيْرِ الآخِذِ ثُمَّ اجْعَلْ لِسِهَامِهِ مِنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ فَمَا حَصَلَ فَهُوَ ثَمَنُ الْعَرْضِ فَإِذَا أَخَذَ الزَّوْجُ الْعَرْضَ بِحِصَّتِهِ فَاجْعَلِ الْمَسْأَلَةَ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ لِكُلِّ سَهْمٍ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ اجْعَلْ لِلزَّوْجِ أَرْبَعَةً فِي ثَلاثَةٍ تَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ وَهُوَ ثُمُنُهُ فَتَكُونُ التَّرِكَةُ اثْنَيْنِ وَثَلاثِينَ فَإِنْ زَادَ مَعَ الْعَرْضِ خَمْسَةٌ فَزِدْهَا عَلَى الْعِشْرِينَ (٣) ثُمَّ اقْسِمْهَا كَذَلِكَ فَيَكُونُ لِكُلِّ سَهْمٍ خَمْسَةٌ ثُمَّ اجْعَلْ لِلزَّوْجِ خَمْسَةً فِي ثَلاثَةٍ ثُمَّ زِدْ стр. 527
عَلَيْهَا (١) خَمْسَةً فَيَكُونُ (٢) عِشْرِينَ فَيَكُونُ ثُمُنَ الْعَرْضِ، فَإِذَا أَخَذَ الزَّوْجُ مَعَ الْعَرْضِ خَمْسَةً فَأَنْقِصْهَا ثُمَّ اقْسِمْ كَذَلِكَ فَتَكُونَ لَكَ سَهْمُ ثَلاثَةٍ ثُمَّ اجْعَلْ لِلزَّوْجِ ثَلاثَةً فِي ثَلاثَةٍ بِتِسْعَةٍ وَهُوَ نَصِيبُهُ ثُمَّ انْقُصْ مِنْهَا خَمْسَةً تَبْقَى أَرْبَعَةٌ وَهُوَ ثُمُنُ الْعَرْضِ.
وَإِذَا أَقَرَّ وَارِثٌ بِوَارِثٍ وَأَنْكَرَهُ آخَرُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَمْ يُعْطَ الْمُقَرُّ بِهِ إِلا مَا أَوْجَبَهُ الإِقْرَارُ مِنَ النَّقْصِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَطَرِيقُهُ أَنْ تُعْمِلَ فَرِيضَةَ الإِنْكَارِ وَفَرِيضَةَ الإِقْرَارِ ثُمَّ يُنْظَرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّمَاثُلِ وَالتَّدَاخُلِ وَالتَّوَافُقِ وَالتَّبَايُنِ ثُمَّ اقْسِمْ عَلَى فَرِيضَةِ الإِنْكَارِ، فَمَا زَادَ عَلَى الإِقْرَارِ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ بِهِ.
التَّمَاثُلُ: أُمٌّ، وَأُخْتٌ لأَبٍ، وَعَمٌّ أَقَرَّتِ الأُخْتُ بِأُخْتٍ شَقِيقَةٍ.
التَّدَاخُلُ: أُخْتَانِ شَقِيقَتَانِ وَعَاصِبٌ أَقَرَّتْ إِحْدَاهُمَا بِأُخْتٍ شَقِيقَةٍ فَتَسْتَغْنِي بِالتِّسْعَةِ.
التَّوَافُقُ: ابْنٌ وَابْنَتَانِ أَقَرَّ الابْنُ بِابْنٍ آخَرَ فَتَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي سِتَّةٍ.
التَّبَايُنُ: أُخْتَانِ شَقِيقَتَانِ وَعَاصِبٌ أَقَرَّتْ إِحْدَاهُمَا بِأَخٍ شَقِيقٍ فَتَضْرِبُ ثَلاثَةً فِي أَرْبَعَةٍ، لِلْمُقِرَّةِ فِي الإِنْكَارِ أَرْبَعَةٌ، وَفِي الإِقْرَارِ ثَلاثَةٌ فَالزَّائِدُ (٣) سَهْمٌ لِلْمُقَرِّ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَدَّدَ الْمُقِرُّ أَوِ الْمُقَرُّ بِهِ أَوِ الْقَبِيلانِ كَابْنٍ وَبِنْتٍ أَقَرَّ الابْنُ بِبِنْتٍ وَأَقَرَّتِ الْبِنْتُ مِنْ خَمْسَةٍ بِعِشْرِينَ ثُمَّ فِي ثَلاثَةٍ بِسِتِّينَ فَيَرُدُّ الابْنُ عَشَرَةً لِلْمُقَرِّ بِهَا، وَالْبِنْتُ ثَمَانِيَةً لِلْمُقَرِّ بِهِ. وَسُئِلَ أَصْبَغُ عَنْ أَخَوَيْنِ وَامْرَأَةٍ حَامِلٍ أَقَرَّتْ هِيَ وَأَحَدُهُمَا أَنَّهَا وَلَدَتِ ابْناً حَيّاً - فَقَالَ: مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ. الإِنْكَارُ يَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَالإِقْرَارُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ فَتَسْتَغْنِي بِأَحَدِهِمَا وَفَرِيضَةُ الابْنِ عَلَى الإِقْرَارِ مِنْ ثَلاثِةٍ فَتَضْرِبُهَا فِي ثَمَانِيَةٍ لِلْمُنْكِرِ تِسْعَةٌ وَلِلْمُقِرِّ فِي الإِنْكَارِ تِسْعَةٌ وَفِي الإِقْرَارِ سَبْعَةٌ стр. 528
فَيَرُدُّ (١) اثْنَيْنِ، وَلِلأُمِّ ثَمَانِيَةٌ، وَإِذَا أَوْصَى بِجُزْءٍ شَائِعٍ كَنِصْفٍ أو (٢)
ثُلُثٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْ إِحْدَى عَشَرَ فَصَحِيحُ الْمِيرَاثِ ثُمَّ خُذْ عَدَدَ مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، وَأَخْرِجِ الْوَصِيَّةَ فَإِنْ كَانَ مَا بَقِيَ مُنْقَسِماً وَإِلا فَوَفِّقْ بَيْنَ مَا بَقِيَ وَبَيْنَ مَا صَحَّ مِنْهُ ثُمَّ اضْرِبِ الْوَفْقِ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ كَابْنَيْنِ وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ فَيَصِحُّ فِي الْمِيرَاثِ مِنِ اثْنَيْنِ، وَمَخْرَجُ الْوَصِيَّةِ مِنْ ثَلاثَةٍ فَتَسْتَغْنِي فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً ضَرَبْتَ اثْنَيْنِ فِي ثَلاثَةٍ. فَلَوْ أَوْصَى بِسُدُسٍ وَسُبُعٍ فَاضْرِبْ سِتَّةً فِي سَبْعَةٍ بِاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَالْبَاقِي تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ (٣) لا يَصِحُّ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَلا يُوَافِقُ فَاضْرِبِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فِي أَرْبَعَةٍ بِمِئَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسِتِّينَ.
الْمَوَانِعُ:
مِنْهَا - اخْتِلافُ الدِّينِ: كَالْمُسْلِمِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا، وَأَمَّا مَنْ يُظْهِرُ الإِسْلامَ ثُمَّ اطُّلِعَ عَلَى إِسْرَارِهِ زَنْدَقَةً أَوْ كُفْراً أَوْ غَيْرَهُمَا فَقُتِلَ بِهَا أَوْ مَاتَ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَرَوَى ابْنُ نَافِع كَالْمُرْتَدِّ وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ، وَإِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْنَا وَرَثَةُ كَافِرٍ وَتَرَاضَوْا كُلُّهُمْ حَكَمْنَا لَهُمْ بِحُكْمِ الإِسْلامِ، فَإِنْ أَبَى بَعْضُهُمْ لَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ إِلا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ أَسْلَمَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحْكَمُ لَهُمْ بِحُكْمِهِمْ عَلَى مَوَارِيثِهِمْ إِذَا كَانُوا كِتَابِيِّينَ وَإِلا فَبِحُكْمِ الإِسْلامِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: بِحُكْمِ الإِسْلامِ، وَالتَّظَالُمُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَحْكُمُ السُّلْطَانُ بَيْنَهُمْ فِيهِ:
وَمِنْهَا: الرِّقُّ: فَلا يَرِثُ رَقِيقٌ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَمَنْ بَعْضُهُ стр. 529
حُرٌّ كَالْقِنِّ لا يَرِثُ وَلا يُورَثَ، وَمَالُهُ لِمَنْ يَمْلِكُ الرِّقَّ مِنْهُ.
وَمِنْهَا: الْقَتْلُ: فَلا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ (١) مِنْ مَالٍ وَلا دِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ خَطَأً وَرِثَ مِنَ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ.
وَمِنْهَا: اللِّعَانُ: وَيَبْقَى الإِرْثُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ أُمِّهِ، وَالتَّوْءَمَانِ شَقِيقَانِ بِخِلافِ تَوْءَمَيِ الزِّنَى فَإِنَّهُمَا لأُمٍّ، وَفِي تَوْءَمَيِ الْمُغْتَصَبَةِ: قَوْلانِ. وَمِنْهَا: اسْتِبْهَامُ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ (٢) كَالْمَوْتَى فِي سَفَرٍ، وَهَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ (٣) فَيُقَدَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ، وَلَوْ عُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ، وَجُهِلَ الْمُتَعَيِّنُ كَانَ كَذَلِكَ.
وَمِنْهَا: مَا يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ عَاجِلاً: وَهُوَ الإِشْكَالُ فِي الْوُجُودِ أَوْ فِي الذُّكُورِيَّةِ أَوْ فِيهِمَا.
الأَوَّلُ: الْمُنْقَطِعُ خَبَرُهُ فَيُعَمَّرُ مُدَّةً لا يَعِيشُ إِلَيْهَا غَالِباً، قِيلَ: سَبْعُونَ، وَثَمَانُونَ، وَتِسْعُونَ، وَمِئَةٌ وَيُقَدَّرٌ حِينَئِذٍ مَيِّتاً، فَلَوْ مَاتَ مَوْرُوثٌ لَهُ قُدِّر حَيّاً وَمَيِّتاً، وَوُقِفَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ، فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةُ التَّعْمِيرِ وَلَمْ يَسْتَبِنْ فَكَالْمَوْتَى فِي الْهَدْمِ. فَإِذَا تَرَكَتْ زَوْجاً وَأُمّاً وَأُخْتاً وَأَباً مَفْقُوداً، فَعَلَى أَنَّهُ حَيٌّ مِنْ سِتَّةٍ، وَعَلَى أَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُولُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ فَتَضْرِبُ الْوَفْقَ فِي الْكَامِلِ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ: لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ، وَلِلأُمِّ أَرْبَعَةٌ، وَيُوقَفُ أَحَدَ عَشَرَ فَإِنْ ثَبَتَ حَيَاتُهُ أَخَذَ الزَّوْجُ ثَلاثَةً، وَالأَبُ ثَمَانِيَةً، وَإِنْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ أَوْ مَضَى التَّعْمِيرُ أَخَذَتِ الأُخْتُ تِسْعَةً، وَالأُمُّ اثْنَيْنِ.
الثَّانِي: الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَإِنْ قَالَ: مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ كَانَ أَكْثَرَ أَوْ أَسْبَقَ أَوْ نَبَتَتْ لِحْيَةٌ أَوْ خَرَجَ ثَدْيٌ أَوْ حْيَضٌ أَوْ مَنِيٌّ فَلَيْسَ بِمُشْكَلٍ إِلا أَنْ يُجْمَعَ، وَحَيْثُ حُكِمَ стр. 530
بِالإِشْكَالِ فَمِيرَاثُهُ نِصْفُ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فَصَحِّحِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى التَّقْدِيرِ (١)، ثُمَّ اضْرِبِ الْوَفْقَ، أَوِ الْكُلَّ إِنْ تَبَايَنَتْ ثُمَّ فِي حَالِ الْخُنْثَى ثُمَّ خُذْ مِنْ كُلِّ نَصِيبٍ جُزْءاً يُسَمَّى مُفْرَدُ التَّقْدِيرَاتِ مِنَ الاثْنَيْنِ النِّصْفَ، وَمِنَ الثَّلاثَةِ الثُّلُثُ فَمَا اجْتَمَعَ فَهُوَ نَصِيبُ كُلِّ وَارِثٍ - كَوَلَدَيْنِ ذَكَرٍ وَخُنْثَى فَالذَّكَرُ مِنِ اثْنَيْنِ وَالتَّأْنِيثُ مِنْ ثَلاثَةٍ فَاضْرِبْ ثَلاثَةً فِي اثْنَيْنِ بِسِتَّةٍ ثُمَّ فِي حَالِ الْخُنْثَى بِاثْنَيْ عَشَرَ لَهُ فِي الذُّكُورِيَّةِ سِتَّةٌ وَفِي الأُنُوثَةِ أَرْبَعَةٌ نِصْفُهَا خَمْسَةٌ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ. فَلَوْ تَرَكَ خُنْثَيَيْنِ وَعَاصِباً فَأَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ تَنْتَهِي إِلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَحَدَ عَشَرَ وَلِلْعَاصِبِ سَهْمَانِ.
الثَّالِثُ: فِي حَمْلِ الزَّوْجَةِ فَقِيلَ: يُوقَفُ الْجَمِيعُ وَوَصَايَاهُ حَتَّى تَضَعَ، وَقِيلَ: يُتَعَجَّلُ [بِتَعْجِيلِ] الْمُتَحَقِّقِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: وَهُوَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وَعَلَيْهِ يُوقَفُ مِيرَاثُ أَرْبَعَةِ ذُكُورٍ لأَنَّهُ غَايَةُ مَا وَقَعَ وَلَدَتْ أُمُّ وَلَدِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ - مُحَمَّداً، وَعَمْراً، وَعَلِيّاً، وَإِسْمَاعِيلَ، [بَلَغَ الأَوَّلُونَ] الثَّمَانِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ (تَمَّ وَكَمُلَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بُكْرَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّابِعِ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ الْحَرَامِ افْتِتَاحِ عَامِ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ وَثَمَانِمِئَةٍ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) (٢). стр. 531
[كِتَابُ] الْجَامِعِ: لِلْمَعَانِي الْمُفْرَدَةِ عَنِ الشَّرِيعَةِ نَوْعَانِ:
الأَوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقِيدَةِ وَالأَفْعَالِ.
فَأَمَّا الْعَقِيدَةُ فَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ لا إِلَهَ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلا نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ إِلَهِيَّتِهِ، وَلا قَسِيمَ لَهُ فِي أَفْعَالِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ صِدْقٌ.
وَأَمَّا الأَقْوَالُ فَكَالتَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهٍ مُنَزَّهٍ عَنِ الأَلْحَانِ الْمُطْرِبَةِ الْمُشَبَّهَةِ لِلأَغَانِي إِعْظَاماً لَهُ وَتَفْخِيماً، وَتَجْدِيدُ التَّوْبَةِ عِنْدَ سَمَاعِ مَوَاعِظِهِ وَالاعْتِبَارِ بِبَرَاهِنِهِ وَقِصَصِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَالتَّشْوِيقِ إِلَى وَعْدِهِ، وَالْخَوْفِ مِنْ وَعِيدِهِ، وَإِظْهَارِ الرِّقَّةِ وَالْحُزْنِ عَلَى حَسَبِ الْمَوَاعِظِ الْمَقْرُوءَةِ وَالْحَالِ الْمَقْرُوءِ لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وَلِقَوْلِهِ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، وَلِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وَدِرَاسَةِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ فِي الدِّينِ، وَالْحَثِّ عَلَى الْخَيْرِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالإِصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ.
ثُمَّ مِنَ الأَقْوَالِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ - كَالنَّمِيمَةِ، وَالْبُهْتَانِ، وَالْكَذِبِ، وَالْقَذْفِ، وَفُحْشِ الْكَلامِ، وَإِطْلاقِ مَا لا يَحِلُّ إِطْلاقُهُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، أَوْ أَنْبِيَائِهِ، أَوْ مَلائِكَتِهِ، أَوِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي قَتْلِ مَنْ كَفَّرَ عَلِيّاً أَوْ عُثْمَانَ أَوْ غَيْرَهُمَا، أَوْ وَجَعِهِ جَلْداً: قَوْلانِ لابْنِ دِينَارٍ وَسَحْنُونٍ، فَإِنْ شَتَمَ غَيْرَ
стр. 532
الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ، فَعَلَيْهِ النَّكَالُ الشَّدِيدُ.
وَأَمَّا الأَفْعَالُ فَلِلْقَلْبِ وَلِلْجَوَارِحِ، فَأَمَّا الْقَلْبُ: فَيُؤْمَرُ - بِالإِخْلاصِ، وَالْيَقِينِ، وَالتَّقْوَى، وَالصَّبْرِ، وَالرِّضَا، وَالْقَنَاعَةِ، وَالزُّهْدِ، وَالْوَرَعِ، وَالتَّوَكُّلِ وَالتَّفْوِيضِ، وَسَلامَةِ الصَّدْرِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ، وَسَخَاوَةِ النَّفْسِ، وَرُؤْيَةِ الْمِنَّةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَيَنْهَى عَنِ الْغِلِّ، وَالْحَسَدِ، وَالْبَغْيِ، وَالْغَضَبِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالْغِشِّ وَالْكِبْرِ، وَالرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، وَالْبُخْلِ، وَالإِعْرَاضِ عَنِ الْحَقِّ اسْتِكْبَاراً، وَالْخَوْضِ فِيمَا لا يَعْنِي، وَمَيْلِ الطَّمَعِ، وَخَوْفِ الْفَقْرِ، وَسُخْطِ الْمَقْدُورِ، وَالْبَطَرِ، وَالتَّعْظِيمِ لِلأَغْنِيَاءِ لِغِنَاهُمْ، وَالاسْتِهَانَةُ بِالْفُقَرَاءِ لِفَقْرِهِمْ، وَالْفَخْرِ، وَالْخُيَلاءِ، وَالتَّنَافُسِ فِي الدُّنْيَا، وَالْمُبَاهَاةِ وَالتَّزَيُّنِ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَالْمُدَاهَنَةِ، وَحُبِّ الْمَدْحِ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ وَالاشْتِغَالِ بِعُيُوبِ الْخَلْقِ عَنْ عُيُوبِ النَّفْسِ، وَنِسْيَانِ النِّعْمَةِ، وَالْحَمِيَّةِ، وَالرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْجَوَارِحِ فَمِنْهُ - الأَكْلُ، وَيُكْرَهُ مُتَّكِئاً وَلْيُسَمِّ فِي الابْتِدَاءِ وَيَحْمَدُ فِي الانْتِهَاءِ، وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِيَمِينِهِ، وَمِمَّا يَلِيهِ إِلا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ أَلْوَاناً مُخْتَلِفَةً، أَوْ يَكُونَ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَإِنْ لَزِمَهُمُ الأَدَبُ مَعَهُ بِخِلافِهِ مَعَهُمْ وَإِذَا أُدِيرَ لَبَنٌ أَوْ مَاءٌ فَيَأْخُذُهُ الْجَمَاعَةُ بَعْدَ الأَوَّلِ الأَيْمَنُ فَالأَيْمَنُ، وَإِنْ أَكَلَ مَعَهُمْ سَاوَاهُمْ فِي تَصْغِيرِ اللُّقْمَةِ وَإِطَالَةِ الْمَضْغِ، وَالتَّرَسُّلِ فِي الأَكْلِ وَإِنْ خَالَفَ عَادَتَهُ وَلا يَنْهَمُ، وَلْيَجْعَلْ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلطَّعَامِ وَثُلُثَهُ لِلْمَاءِ وَثُلُثَهُ لِلنَّفَسِ فَإِنَّهَا شَرُّ وِعَاءٍ، وَلا يَنْفُخُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَلا يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ بَلْ يُنَحِّيهِ وَيُعِيدُهُ بَعْدَ التَّنَفُّسِ، وَيَغْسِلُ يَدَهُ وَفَاهُ مِنَ الدَّسَمِ وَاللَّبَنِ، وَيُكْرَهُ غَسْلُهَا لِلأَكْلِ، وَلا يَشْرَبْ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ، وَلا بَأْسَ بِالشُّرْبِ قَائِماً، وَلا يَقْرِنُ التَّمْرَ إِذَا لَمْ يَقْرِنِ الآكِلُ مَعَهُ وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُطْعِمَ إِلا أَنْ يَكُونَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، وَلا يَقْرَبُ الْمَسَاجِدَ بِرِيحِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِتْيَانُ مَا يَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ إِخْوَانِهِ وَجِيرَانِهِ وَيُجِيبُ إِلَى طَعَامِ الْوِلادَةِ وَهُوَ الْخُرْسُ وَالْعَقِيقَةُ، وَالإِعْذَارِ وَهُوَ طَعَامُ الْخِتَانِ،
стр. 533
وَالْوَكِيرَةِ.
هُوَ لِبِنَاءِ الدَّارِ، وَالنَّقَيِعةِ لِلْقَادِمِ مِنَ السَّفَرِ، وَلا يُجِيبُ لِمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّطَاوُلُ وَالْمَحْمَدَةُ وَالشُّكْرُ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُولُ هَدِيَّةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَالْوَاجِبُ مِنَ اللِّبَاسِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ - حَقّاً لِلَّهِ تَعَالَى -، وَما يَقِي الْحَرَّ وَالْبَرْدَ حَقّاً لِلْمَخْلُوقِينَ، وَيُنْدَبُ إِلَى سَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَإِلَى التَّجَمُّلِ وَالتَّطَيُّبِ فِي الأَعْيَادِ، وَيَنْبَغِي لأَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلاحِ تَحْسِينُ الزِّيِّ دَائِماً لِقَوْلِهِ ﵇: [إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ] وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلاةِ بِخِلافِ الاحْتِزَامِ وَتَشْمِيرِ الْكُمَّيْنِ، وَلا يَشْتَهِرُ بِلِبَاسِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ عَادَتِهِ كَالصُّوفِ، وَيَحْرُمُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا يَخْرُجُ بِهِ إِلَى الْخُيَلاءِ وَالْبَطَرِ وَمِنْهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَالْحَبْوُ عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ فَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا ثَوْبٌ جَازَ وَيَحْرُمُ تَشْبِيهُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَبِالْعَكْسِ فِي التَّخَتُّمِ وَاللِّبَاسِ، وَيُلْعَنُ فَاعِلُهُ كَالْمَخَانِيثِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وَيُكْرَهُ الاكْتِحَالُ بِالإِثْمِدِ لِلرِّجَالِ لأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ، وَيَحْرُمُ عليهُمْ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشُهُ وَالالْتِحَافُ بِهِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِلْجِهَادِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا بَأْسَ بِالرَّايَةِ مِنْهُ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَبِيبٍ السِّتْرَ مِنْهُ يُعَلَّقُ، وَتَحْرُمُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ وَإِضَافَةُ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَى الثِّيَابِ وَإِنْ كَانَ يَسِيراً كَالطِّرَازِ وَالْجَيْبِ مِنْهُ
مَمْنُوعٌ بِخِلافِ الطَّوْقِ وَاللَّبِنَةِ عِنْدَ بَعْضِ الأَصْحَابِ، وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ اسْتِثْنَاءُ الْعِلْمِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: لا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ عَظُمَ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ كَرَاهَةَ أُصْبُعٍ وَأُصْبُعَيْنِ ثَلاثَةٍ، وَجَوَازَ الْخَطِّ الرَّقِيقِ مِنْهُ.
وَيُكْرَهُ مَا سِوَاهُ حَرِيرٌ، وَفِي جَوَازِ الْخَزِّ وَكَرَاهَتِهِ لِمَالِكٍ: قَوْلانِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ جَوَازَهُ عَنْ
стр. 534
خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيّاً مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ تَابِعِيّاً وَذُكِرَ فِي الْوَاضِحَةِ جَوَازُهُ اتِّفَاقاً، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ التَّعَمُّمَ بِغَيْرِ قِنَاعٍ أَوْ تَحْنِيكٍ، قَالَ: لأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ النَّبَطِ، وَقَالَ: إِنْ صَلَّى بِهِ كَذَلِكَ لا بَأْسَ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ إِلا أَنْ تَكُونَ قَصِيرَةً لا تَبْلُغُ، وَيَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ لِبَاسُ مَا يَصِفُ أَوْ يَشِفُّ وَيُؤْمَرْنَ بِسَدْلِ أَثْوَابِهِنَّ مِنْ شِبْرٍ إِلَى ذِرَاعٍ لِلسَّتْرِ، وَلا يُجَاوِزُ الرِّجَالُ ثِيَابُهُمُ الْكَعْبَيْنِ، وَجَرُّ الثَّوْبِ خُيَلاءَ مُصِيبَةٌ مَمْنُوعَةٌ عَلَيْهَا، وَيَحْرُمُ التَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ وَبِمَا فِيهِ ذَهَبٌ وَلَوْ حَبَّةً بِخِلافِ الْفِضَّةِ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ أَفْضَلُ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْيَمِينِ، وَلا بَأْسَ أَنْ يُنْقَشَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُمْنَعُ لابِسُهُ أَنْ يُلاقِيَ بِهِ النَّجَاسَةَ، أَبُو مُحَمَّدٍ: نَقْشُ خَاتَمِ مَالِكٍ - حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلْيَبْتَدِئْ فِي الانْتِعَالِ بِالْيُمْنَى، وَفِي الْخَلْعِ بِالْيُسْرَى، وَلا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ وَلا يَقِفُ فِيهِ إِلا أَنْ يَكُونَ مُتَشَاغِلاً بِإِصْلاحِ الآخَرِ بَلْ يَلْبَسُهَا جَمِيعاً أَوْ يَنْزِعُهَا جَمِيعاً، وَالسَّتْرُ بِغَيْرِ جِدَارِ الْكَعْبَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ دُخُولُ الْحَمَّامِ خْلَوَةً، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوْ مَعَ مَسْتُورِينَ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ،
وَقَالَ: مَا دُخُولُ الْحَمَّامِ بِصَوَابٍ، وَيَحْرُمُ مَعَ مَنْ لا يَسْتَتِرُ اتِّفَاقاً. قَالَ مَالِكٌ: وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ دَخَلَهُ، وَشُرُوطُ دُخُولِهِ لِلْمُسْتَتِرِ عَشَرَةٌ:
الأَوَّلُ: التَّدَاوِي أَوِ التَّطَهُّرُ عَنِ الرَّحْضَاءِ.
الثَّانِي: اعْتِمَادُ الْخَلْوَةِ أَوْ قِلَّةُ النَّاسِ.
الثَّالِثُ: الاسْتِتَارُ بِإِزَارِهِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَطْرُقَ بِبَصَرِهِ الأَرْضَ أَوْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ الْحَائِطَ.
الْخَامِسُ: أَنْ يُغَيِّرَ مَا يُنْكِرُهُ بِرِفْقٍ أَوْ يَقُولُ: اسْتَتِرْ ستَرَكَ اللَّهُ.
السَّادِسُ: أَلا يُمَكِّنَ مُدَلِّكَهُ مِنْ عَوْرَتِهِ إِلا امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ، وَفِي كَوْنِ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةً: خِلافٌ.
السَّابِعُ: أَنْ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ.
стр. 535
الثَّامِنُ: أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ.
التَّاسِعُ: إِنْ عَجَزَ عَنْ دُخُولِهِ وَحْدَهُ اتَّفَقَ مَعَ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ أَدْيَانَهُمْ عَلَى كِرَائِهِ. الْعَاشِرُ: أَنْ يَتَذَكَّرَ بِهِ عَذَابَ جَهَنَّمَ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَلْيَدْخُلْ وَلْيَجْتَهِدْ فِي غَضِّ الْبَصَرِ، وَإِنْ حَضَرَ وَقْتُ صَلاةٍ فِيهِ اسْتَتَرَ وَصَلَّى فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلا سَبِيلَ إِلَى دُخُولِهِنَّ لأَنَّ جَمِيعَ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى دُخُولِهِ لِغُسْلٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ فَلْتَدْخُلْهُ مَعَ زَوْجِهَا، وَقِيلَ: الْمَنْعُ إِنَّمَا كَانَ لأَجْلِ حَمَّامَاتٍ لا يَنْفَرِدْنَ بِهِنَّ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَحُكْمُهُنَّ فِي دُخُولِهِ الْكَرَاهَةُ لا التَّحْرِيمُ، وَيَلْزَمُ الْمَرْأَةَ مِنَ السَّتْرِ مَعَ النِّسَاءِ مَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ سَتْرُهُ مَعَ الرِّجَالِ لأَنَّهُنَّ يُبَاحُ لَهُنَّ غَسْلُهُنَّ. قَالَ مَالِكٌ: وَلا بَأْسَ أَنْ يَتَدَلَّكَ فِيهِ بِالْجُلْبَانِ وَالْفُولِ، وَيَتَوَضَّأَ مِنْهُ، وَسُئِلَ عَنِ الدَّقِيقِ - فَقَالَ: غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْساً.
وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ مَتَى كَانَتْ مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ بِهَا الرَّائِيَ، وَلا يَضُرُّهُ إِذَا امْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الاسْتِعَاذَةِ وَالتَّفْلِ عَنْ يَسَارِهِ، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ وَيَقُولُ: أَعُوذُ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتُ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ سُوءٌ أَكْرَهُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلْيَتَحَوَّلْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ.
وَالسَّفَرُ قِسْمَانِ: هَرَبٌ وَطَلَبٌ، فَالْهَرَبُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمِنْ دَارِ الْبِدْعَةِ، وَمِنْ أَرْضٍ غَلَبَ عَلَيْهَا الْحَرَامُ وَمِنَ الْغُمَّةِ إِلَى الأَرْضِ التُّرَّهَةِ عِنْدَ الاحْتِوَاءِ وَمِنَ الإِذَايَةِ فِي الْبَدَنِ كَخُرُوجِ الْخَلِيلِ ﵇، وَمِنَ الْخَوْفِ عَلَى الأَهْلِ وَالْمَالِ إِذْ حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ.
وَأَمَّا الطَّلَبُ فَلِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ وَالْمَعَاشِ كَاحْتِطَابٍ أَوِ احْتِشَاشٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ لِتِجَارَةٍ أَوْ لِكَسْبٍ أَوْ لِقَصْدِ بَرَكَةِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ وَمَوَاضِعِ الرِّبَاطِ وَتَفَقُّدِ الإِخْوَانِ أَوْ لِطَلَبِ الِعْلِمِ، وَلْيَقُلْ حِينَ بِدَايَتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، وَاللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ.
وَلْيَنْظُرْ فِي الرَّفِيقِ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ خَيْرَ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ، وَأَقَلُّ الرُّفْقَةِ ثَلاثَةٌ وَلا يَحِلُّ
стр. 536
لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ إِلا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ، فَإِنْ عَدِمَتْهُمَا فَنِسَاءٌ مَأْمُونَاتٌ أَوْ رِجَالٌ مَأْمُونُونَ لا تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا مَعَهُمْ، وَيُكْرَهُ لِلْمُسَافِرِ تَعْلِيقُ الأَجْرَاسِ، وَتَقْلِيدُ الأَوْتَارِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُمُ الرِّفْقُ بِدَوَابِّهِمْ وَإِنْزَالُهَا مَنَازِلَهَا فِي الْخِصْبِ وَالنَّجَا عَلَيْهَا بِبَعْثِهَا فِي الْحَرْبِ وَلا يُعَرِّسُوا عَلَى طَرِيقٍ لأَنَّهَا مَأْوَى الْحَيَّاتِ، وَأَنْ يَقُولُوا حَالَ نُزُولِهِمْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَقَدْ ضَمِنَ عَدَمَ الضَّرَرِ بِهَا، ثُمَّ يُعَجِّلُ الرُّجُوعَ إِذَا قَضَى نَهَمَتَهُ مِنْهُ، وَلْيَدْخُلْ صَدْرَ النَّهَارِ، وَلا يَأْتِي أَهْلَهُ طُرُوقاً، وَلا بَأْسَ بِالإِسْرَاعِ فِي السَّيْرِ وَطَيِّ الْمَنَازِلِ فِيهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، فَقَدْ سَارَ ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَلا يُسَافَرُ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ.
وَخِصَالُ الْفِطْرَةِ عَشَرَةٌ: خَمْسَةٌ فِي الرَّأْسِ وَهِيَ - الْمَضْمَضَةُ، وَالاسْتِنْشَاقُ، وَقَطُّ إِطَارِ الشَّارِبِ، وَفَرْقُ الشَّعْرِ، وَتَرْكُ الأَخْذِ مِنَ اللِّحْيَةِ إِلا إِنْ تَطُولَ جِدّاً، وَحَلْقُ الشَّارِبِ مَكْرُوهٌ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ، وَهِيَ - حَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الإِبِطَيْنِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَالاسْتِنْجَاءُ، وَالْخِتَانُ وَهُوَ سُنَّةٌ فِي الرِّجَالِ، وَمَكْرَمَةٌ فِي النِّسَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ خِتَانُ الصَّبِيِّ إِذَا أُمِرَ بِالصَّلاةِ مِنَ السَّبْعِ إِلَى الْعَشْرِ وَيُكْرَهُ في: السَّابِعِ مِنْ وِلادَتِهِ، وَفِي الْكَبِيرِ إِذَا خَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ: قَوْلانِ لابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَحْنُونٍ. وَيَسْقُطُ عَمَّنْ وُلِدَ مَخْتُوناً، وَقِيلَ: يُجَزُّ الْمُوسَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُقْطَعُ قُطِعَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ جُمَّةً وَهِيَ مَا أَحَاطَ بِنَبَاتِ الشَّعْرِ، وَوَفْرَةً وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ شَحْمَةَ الأُذُنَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ لأَنَّ الشَّعْرَ عَلَى الرَّأْسِ زِينَةٌ، وَتَرْكَهُ سُنَّةٌ، وَحَلْقَهُ بِدْعَةٌ وَحَالَهُ مَذْمُومَةٌ جَعَلَهَا النَّبِيُّ ﵇ شِعَارَ الْخَوَارِجِ، وَفِي الصَّحِيحِ: [سِيمَاهُمُ التَّسْبِيدُ]
стр. 537
وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ، وَهُوَ حَلْقُ الْبَعْضِ.
وَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ، وَالنَّصُّ عَلَى كَرَاهَةِ الشِّطْرَنْجِ وَما يُضَاهِيهَا مِنَ الأَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ: خِلافٌ، وَيَحْرُمُ الإِدْمَانُ عَلَى الشِّطْرَنْجِ، وَلا يَحِلُّ لَعِبُهَا لِلْمُحْتَرَمِ عَلَى وَجْهٍ يَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ مَعَ الأَوْبَاشِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِنْ لَعِبَهَا مَعَ الأَمْثَالِ وَالنُّظَرَاءِ مِنْ غَيْرِ إِدْمَانٍ وَلا حَالٍ يُلْهِي عَنِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُهِمَّاتِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ.
وَيَحْرُمُ صُوَرُ التَّمَاثِيلِ عَلَى صِفَةِ الإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي شَيْءٍ أَصْلاً، فَإِنْ كَانَتْ رَسْماً فِي حَائِطٍ أَوْ رَقْماً فِي سِتْرٍ أَوْ بِبُسُطٍ أَوْ وَسَائِدَ يُتَرَفَّقُ بِهِنَّ وَيُتَّكَأُ عَلَيْهِنَّ فَفِي كَرَاهَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ: قَوْلانِ، وَقِيلَ: بِجَوَازِ مَا يُمْتَهَنُ مِنَ الصُّوَرِ وَمَنْعِ مَا يُعَلَّقُ لأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تُعَظِّمُ الصُّوَرَ، وَفِي امْتِهَانِهَا خِلافُ تَعْظِيمِهَا، وَرَسْمُ الدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ قَصْداً لِمَعْرِفَتِهَا فِي غَيْرِ الْوَجْهِ رُخْصَةٌ، وَنُهِيَ عَنْهُ فِي الْوَجْهِ إِلا فِي أَذَانِ الْغَنَمِ لَعَدَمِ الانْتِفَاعِ بِهِ فِي غَيْرِهَا لِسَتْرِ الشَّعْرِ لَهُ، وَيُبَاحُ الْخِصَاءُ فِي الْغَنَمِ لأَنَّهُ يُطَيِّبُ لَحْمَهَا، وَيُمْنَعُ فِي الْخَيْلِ لأَنَّهُ يُضْعِفُهَا عَنْ مَقْصُودِهَا الأَعْظَمِ وَهُوَ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ وَيَقْطَعُ نَسْلَهَا وَقَدْ رُغِّبَ فِي تَرْبِيَتِهَا، وَحُضَّ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا.
وَتُقْتَلُ حَيَّاتُ الصَّحَارَى وَالطُّرُقَاتِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ بِخِلافِ حَيَّاتِ الْمَدِينَةِ، وَفِي إِلْحَاقِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ بِحَيَّاتِ بُيُوتِهَا فِي تَقْوِيمِ الاسْتِئْذَانِ عَلَى الْقَتْلِ: خِلافٌ، وَالاسْتِئْذَانُ ثَلاثاً مَشْرُوعٌ فِي غَيْرِ ذِي الطُّفْيَيْنِ وَالأَبْتَرِ فِي خَرْجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ: بَلْ فِي كُلِّ خَرْجَةٍ، وَرَوَى: أَرَى أَنْ تُنَادَى ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ بَدَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مِرَاراً، وَقَدْ سُئِلَ ﵇: كَيْفَ تُنْشَدُ؟ فَقَالَ: قُولُوا: أَنْشُدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ ﵇ أَلا تُؤْذِينَا أَوْ تَظْهَرِي لَنَا، وَعَنْ مَالِكٍ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلا تُؤْذِينَا وَلا تُرَوِّعْنَا وَلا تَبْدُو لَنَا فَإِنَّكَ إِنْ تَبْدُو بَعْدَ ثَلاثٍ قَتَلْتُكَ. ابْنُ الْقَاسِمِ: يَخْرُجُ عَلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لا تَبْدُو لَنَا، وَقَالَ أَيْضاً: أُحَرِّجُ عَلَيْكَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ أَلا تَبْدُوَ لَنَا، وَتُقْتَلُ الْوَزَغُ حَيْثُ وُجِدَتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لأَمْرِهِ ﵇، وَنُهِيَ عَنْ قَتْلِ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ
стр. 538
وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ إِلا أَنْ يُؤْذِيَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ لإِيذَائِهِ، وَيُقْتَلُ كُلُّ مُؤْذٍ كَالْبُرْغُوثِ وَالْقَمْلَةِ وَغَيْرِهِمَا بِغَيْرِ النَّارِ لأَنَّ قَتْلَهُ بِالنَّارِ تَعْذِيبٌ وَتَمْثِيلٌ.
الثَّانِي: الْمُخَالَطَةُ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَأْمُورَاتٍ وَمَنْهِيَّاتٍ، أَمَّا الْمَأْمُورَاتُ فَالسَّلامُ وَيَنْتَهِي فِيهِ إِلَى الْبَرَكَاتِ وَالابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ، وَرَدُّهُ آكَدُ مِنِ ابْتِدَائِهِ، وَيُجْزِئُ الْوَاحِدُ مِنَ الْجَمَاعَةِ عَنْهُمْ فِيهِمَا وَيُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالدَّاخِلُ عَلَى شَخْصٍ وَالْمَارُّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْمُتَجَالَّةِ بِخِلافِ الشَّابَّةِ، وَالْمُصَافَحَةُ حَسَنَةٌ لِذَهَابِ الْغِلِّ، وَكَرِهَهَا مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ - رَوَاهَا أَشْهَبُ - وَتُكْرَهُ الْمُعَانَقَةُ، وَتَقْبِيلُ الْيَدِ فِي السَّلامِ وَلَوْ مِنَ الْعَبْدِ وَيَزْجُرُهُ السَّيِّدُ عَنْ ذَلِكَ إِلا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ كَافِراً، وَلا يُبْتَدَأُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِهِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ إِذَا بَدَؤُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ وَاوٍ، وَقِيلَ بِإِثْبَاتِهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَيَجُوزُ بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ السَّلامِ وَيَنْوِي بِهِ مَوْضُوعَهُ لُغَةً - الْحِجَارَةَ، وَتَأْوِيلُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ فِي تَرْكِ السَّلامِ وَالرَّدِّ يُرَادُ بِهَا أَلا يُرَدَّ عَلَيْهِمْ كَمَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبَادِئُ الذِّمِّيِّ لا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِقَالَةٍ، وَلا يُسَنُّ عَلَى الْمُصَلِّي، وَيُكْرَهُ عَلَى مَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ، وَلا يُسَلَّمُ عَلَى أَهْلِ الْقَدَرِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، وَلا عَلَى أَهْلِ الأَبَاطِيلِ وَاللَّهْوِ حَالَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ، أَوِ الْمُسْتَحَبُّ هِجْرَةُ الْفَرِيقَيْنِ رَدْعاً لَهُمْ وَزَجْراً لَهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ، وَغَضَباً لِلَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ فِي مُوَاصَلَةِ مَنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ، وَرَوَى إِبَاحَةَ السَّلامِ عَلَى اللاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ، وَقَالَ: هُمْ مُسْلِمُونَ، وَيُسَلِّمُ الدَّاخِلُ مَنْزِلَهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَلْيَقُلْ إِذَا كَانَ خَالِياً: السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، مِنْهَا الاسْتِئْذَانُ، وَصِيغَتُهُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ أَوِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ لا يَزِيدُ، رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ نَافِعٍ، وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُسَلِّمُ ثَلاثاً فَإِنْ أُذِنَ لَهُ وَإِلا انْصَرَفَ، وَلا يَجُوزُ لِلأَجْنَبِيِّ أَوِ الْغَرِيبِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أَحَدٍ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، وَلْيَسْتَأْذِنْ عَلَى كُلِّ مَنْ لا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَتِهَا كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَغَيْرِهِمَا، وَلا يَزِيدُ فِيهِ عَلَى الثَّلاثِ إِلا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ السَّمَاعِ، وَيَنْصَرِفُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّمَاعُ وَعَدَمُ الإِذْنِ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ: مَنْ هَذَا، فَلْيُسَمِّ نَفْسَهُ أَوْ مَا يُعْرَفُ بِهِ، وَلا يَقُلْ: أَنَا، وَيُسْتَحَبُّ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَهُوَ الدُّعَاءُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَجَوَابُهُ: هُوَ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْهُدَى وَصَلاحِ الْبَالِ وَبِالْمَغْفِرَةِ لَهُمَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَحْسَنُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهَلْ يُجْزِئُ الْوَاحِدُ عَنْهُمْ كَرَدِّ السَّلامِ
стр. 539
أَوْ لا: قَوْلانِ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ وَابْنِ مُزَيْنٍ، وَلا يَسْتَحِقُّهُ قَبْلَ الْحَمْدِ وَسَمَاعِهَا مِنْهُ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهَا لِيُسْمَعَ فَيُشَمَّتَ، وَمَنْ عَطَسَ فِي الصَّلاةِ مُنِعَ مِنْهَا إِلا فِي نَفْسِهِ وَقِيلَ: مُطْلَقاً، وَمَنْ تَوَالَى عُطَاسُهُ فَلا يُشَمَّتُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ.
وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ:
أَوَّلُهَا: كَوْنُهُ عَالِماً بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْمَأْمُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لا يُؤَدِّي إِلَى مُنْكَرٍ أَكْبَرَ مِنْهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إِنْكَارَهُ بِالْمُنْكَرِ مُزِيلٌ وَأَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ وَنَافِعٌ، وَفَقْدُ الأَوَّلِينَ يَمْنَعُ الْجَوَازَ، وَالثَّالِثُ يُسْقِطُ الْوُجُوبَ. وَأَقْوَى مَرَاتِبِهِ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِاللِّسَانِ إِنِ اسْتَطَاعَ بِرِفْقٍ وَلِينٍ وَوَعْظٍ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا فَبِقَلْبِهِ هِيَ أَضْعَفُهَا وَلَيْسَ وَرَاءَهَا مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلَةٍ.
وَالتَّمْرِيضُ: فَرْضُ كِفَايَةٍ يَقُومُ بِهِ الْقَرِيبُ وَالصَّاحِبُ ثُمَّ الْجَارُ ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ، وَمِنَ الْمُعَالَجَةِ الْجَائِزَةِ حِمْيَةُ الْمَرِيضِ وَلا خِلافَ فِي التَّدَاوِي بِمَا عَدَا الْكَيَّ وَالْحِجَامَةَ وَقَطْع الْعِرْقِ، وَأَخْذُ الدَّوَاءِ مُبَاحٌ غَيْرُ مَحْظُورٍ، وَقَدِ احْتَجَمَ ﵇ وَشَاوَرَ الأَطِبَّاءَ، وَالتَّدَاوِي بِسَائِرِ النَّجَاسَاتِ جَائِزٌ، وَفِي التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ مِنْ غَيْرِ شُرْبٍ: قَوْلانِ، الْبَاجِيُّ: تُغْسَلُ الْقُرْحَةُ بِالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ إِذَا غُسِلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُكْرَهُ التَّعَالُجُ بِالْخَمْرِ وَإِنْ غَسَلَهَا بِالْمَاءِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ الْخَمْرَ فِي الدَّوَاءِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: الْبَوْلُ عِنْدِي أَخَفُّ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُدْخِلُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ مَنْ يُرِيدُ الطَّعْنَ فِي الدِّينِ، وَأَبَاحَ شُرْبَ بَوْلِ الأَنْعَامِ دَوَاءً، وَقَالَ: وَلا خَيْرَ فِي بَوْلِ الأُتُنِ، وَالأَكْثَرُ مِنَ السَّلَفِ عَلَى إِجَازَةِ التَّدَاوِي بِالْكَيِّ لِكَيِّهِ ﵇ سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ، وَمِنْ حُقُوقِ الْمَرِيضِ زِيَارَتُهُ، وَتَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِالْقُرْآنِ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَا رَقَى بِهِ ﵇ وَبِمَا جَانَسَهُ، وَيُؤْمَرُ الْعَائِنُ بِالْوُضُوءِ فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةِ إِزَارِهِ وَهُوَ الطَّرَفُ الأَيْسَرُ مِنْ طَرَفَيْهِ اللَّذَيْنِ يُسْتَبَدُّ بِهِمَا فِي إِنَاءٍ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى الْمَعِينِ.
стр. 540
وَلا تَحِلُّ هِجْرَةُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا أَنْ يَكُونَ مُبْتَدِعاً أَوْ فَاسِقاً فَتَجِبُ هِجْرَتُهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، ابْنُ زَيْدٍ: وَالسَّلامُ يَخْرُجُ مِنَ الْمُهَاجَرَةِ إِذَا كَانَ مُتَمَادِياً عَلَى إِذَابَتِهِ وَالسَّبَبِ الَّذِي هَجَرَهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ فَلا يُخْرِجُهُ مِنْهَا حَتَّى تَجُوزَ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَيَعُودَ إِلَى مَا كَانَ قَبْلَهَا قَالَ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: وَالتَّآخِي فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مَأْمُورٌ بِهِ، وَجَاءَ النَّهْيُ عَنِ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ، وَهُوَ أَنْ تُعْرِضَ بِوَجْهِكَ عَنْ أَخِيكَ فَتُوَلِّيَهُ دُبُرَكَ اسْتِقْلالاً لَهُ بَلْ أَقْبِلْ عَلَيْهِ، وَابْسُطْ لَهُ وَجْهَكَ مَا اسْتَطَعْتَ، وَلا يَتَنَاجَى بَعْضُ الْجَمَاعَةِ دُونَ بَعْضٍ، وَلا اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ لأَنَّهُ يَحْزُنُهُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يُكْرَهُ فِي السَّفَرِ حَيْثُ لا يُعْرَفُ الْمُتَنَاجِيَانِ وَلا يُوثَقُ بِهِمَا، وَيُخْشَى الْغَدْرُ مِنْهُمَا.
وَلا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصِلَ شَعْرَهَا وَلا تَشِمَ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا وَلا تَنْشُرَ أَسْنَانَهَا لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ تُخَضِّبَ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا بِالْحِنَّاءِ.
وَفِي التَّطْرِيفِ: خِلافٌ، وَفِي جَوَازِهِ بِالسَّوَادِ وَكَرَاهِيَتِهِ: قَوْلانِ، وَيُحَضُّ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْحَرْبِ لإِيهَامِ الْعَدُوِّ، وَنَتْفُ الشَّيْبِ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ قُصِدَ بِهِ التَّلْبِيسُ عَلَى النِّسَاءِ فَهُوَ أَشَدُّ فِي الْمَنْعِ.
وَلا يَحِلُّ خَلْوَةُ الرَّجُلِ بِامْرَأَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجاً وَلا مَحْرَماً، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا إِلا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ مِنَ الْمُتَجَالَّةِ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ فَلا يُنْظَرُ إِلَيْهَا إِلا لِضَرُورَةٍ - لِتُحْمَلَ شَهَادَةٌ أَوْ عِلاجٌ وَإِرَادَةُ نَكَاحٍ، وَيَجُوزُ لِذِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَرَى مِنْهَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَكَذَلِكَ لِعَبْدِهَا إِلا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْظَرٌ فَيُكْرَهُ أَنْ يَرَى مَا عَدَا وَجْهَهَا، وَلهَا أَنْ تُؤَاكِلَهُ إِنْ كَانَ وَغْداً، وَاسْتُخِفَّ فِي عَبْدِ زَوْجِهَا لِلْمَشَقَّةِ عَلَيْهَا فِي اسْتِتَارِهَا.
стр. 541
وَلا تَجْتَمِعُ امْرَأَتَانِ وَلا رَجُلانِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مُتَجَرِّدَيْنِ، وَقَدْ نَهَى ﵇ عَنِ الْمُكَامَعَةِ، وَهِيَ: الْمُضَاجَعَةُ وَالْمُعَاكَمَةُ، وَهِيَ: ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ، وَكَذَلِكَ يُفَرَّقُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْمَضَاجِعِ - قِيلَ: لِسَبْعٍ، وَقِيلَ: لِعَشْرٍ.
وَإِذَا اكْتَسَبَ مَالاً مِنْ رِباً أَوْ غُلُولٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ خَمْرٍ وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْحَلالَ فَالْمَشْهُورُ جَوَازُ مُعَامَلَتِهِ وَاسْتِقْرَاضُهُ، وَقَبْضُ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِ، وَهِبَتِهِ، وَأَكْلُ طَعَامِهِ، وَأبى ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ، وَحَرَّمَهُ أَصْبَغُ جَرْياً عَلَى أَصْلِهِ، وَقَالَ: يُتَصَّدَقُ بِجَمِيعِهِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَرَامَ فَمَنَعَ أَصْحَابُنَا مِنْ مُعَامَلَتِهِ وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِ - وَهَلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ كَمَا لابْنِ الْقَاسِمِ، أَوِ التَّحْرِيمِ كَمَا لأَصْبَغَ إِلا أَنْ يَبْتَاعَ سِلْعَةً حَلالاً فَلا بَأْسَ أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَأَنْ تَقْبَلَ هِبَتَهُ إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ بِيَدِهِ مَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ مِنَ التِّبَاعَاتِ، وَقُلْنَا بِكَرَاهَةِ مُعَامَلَتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا فَخِلافٌ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ حَرَاماً فَهَلْ تُمْنَعُ مُعَامَلَتُهُ وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِ وَأَكْلُ مَا اشْتَرَاهُ إِلا أَنْ يُوهَبَ لَهُ أَوْ يَرِثَهُ فَيَجُوزُ إِلا أَنْ يَسْتَغْرِقَهُ مَا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْحَرَامِ فَيُمْنَعُ، أَوْ تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ دُونَ هِبَتِهِ وَمُحَابَاتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَفِيمَا ابْتَاعَهُ أَوْ وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ، وَإِنِ اسْتَغْرَقَهُ التِّبَاعَاتُ إِذَا عَامَلَهُ بِالْقِيمَةِ وَلَمْ يُحَابِهِ أَوْ يَمْنَعْ مِنْ مُعَامَلَتِهِ إِلا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْمَالِ سِلَعاً فَيَجُوزُ شِرَاؤُهَا مِنْهُ، وَأَنْ تُقْبَلَ هِبَتُهُ، وَكَذَلِكَ مَا وَرِثَ أَوْ وُهِبَ لَهُ وَإِنِ اسْتَغْرَقَتْهُ التِّبَاعَاتُ كَمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَجَوَّزَ ابْنُ
حَبِيبٍ هَدِيَّةَ الْعُمَّالِ. أَوْ يَجُوزُ مُبَايَعَتُهُ مُطْلَقاً فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَفِيمَا اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وَرِثَهُ وَإِنِ اسْتَغْرَقَهُ مَا عَلَيْهِ مِنَ التِّبَاعَاتِ -
стр. 542
أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَعَلَى غَيْرِ الرَّابِعِ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ الْمِيرَاثُ دُونَ الْهِبَةِ أَوْ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ كَمَا يَلْزَمُ الْمَوْرُوثَ: قَوْلانِ.
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحَلالَ بِعَرْضٍ حَرَامٍ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَيْنٍ فَهَلْ يَجُوزُ - مَعَ عِلْمِ صَاحِبِهِ أَنْ بِخُبْثِ الثَّمَنَ، وَجَهْلِهِ - كَمَا لأَصْحَابِنَا وَابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، أَوْ يُكْرَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ وَالْجَهْلِ كَمَا لِسَحْنُونٍ، أَوْ يَجُوزُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ دُونَ الْجَهْلِ كَمَا لابْنِ عُبْدُوسٍ - قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَنْ بَاعَ شَيْئاً حَرَاماً بِشَيْءٍ حَلالٍ كَانَ مَا أَخَذَهُ حَرَاماً، وَيَبْقَى الْحَرَامُ حَرَاماً بِيَدِ آخِذِهِ إِنْ عَلِمَ ذَلِكَ. قَالَ: وَلا تَجُوزُ وَصَايَا الْمُتَسَلِّطِينَ بِالظُّلْمِ بِالْمَالِ الْمُسْتَغْرِقِ لِلذِّمَّةِ وَلا عِتْقُهُمْ، وَأَلا تُورَثَ أَمْوَالُهُمْ وَيُسْلَكَ بِهَا سَبِيلَ الْفَيْءِ.
وَأَمَّا الْوَرَعُ: فَلا خَفَاءَ أَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ -: الرِّبَا، وَالسُّحْتُ، وَالرِّشَا، وَأُجْرَةُ الْكَهَانَةِ وَالنِّيَاحَةُ وَالْغِنَاءُ وَادِّعَاءُ الْغَيْبِ، وَاللَّعِبُ الْبَاطِلُ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ الْغَصْبُ، وَالسَّرِقَةُ، وَما لا تَطِيبُ بِهِ نَفْسُ مَالِكِهِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ يَجِبُ تَرْكُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، ثُمَّ يَتَرَقَّى إِلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ اسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، فَإِنَّهُ مَنْ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ.
وَالْمُكَلَّفُ مُتَعَّبِدٌ بِطَهَارَةِ قَلْبِهِ وَجِسْمِهِ، وَأَكْثَرُ الْمَذَامِّ إِنَّمَا تَنْبَعِثُ مِنَ الْقَلْبِ، وَصَلاحُهُ صَلاحٌ لِجُمْلَةِ الْجِسْمِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
وَالأَحْكَامُ وَالْعِبَادَاتُ الَّتِي يَتَصَرَّفُ الإِنْسَانُ عَلَيْهَا بِقَلْبِهِ وَجِسْمِهِ تَقَعُ فِيهَا مُشْكِلاتٌ وَأُمُورٌ مُلْتَبِسَاتٌ - التَّسَاهُلُ فِيهَا وَتَعْوِيدُ النَّفْسِ الْجُرْأَةَ عَلَيْهَا يُكْسِبُ
стр. 543
فَسَادَ الدِّينِ وَالْعِرْضِ، وَقَدْ ضَرَبَ ﵇ لِذَلِكَ مَثَلاً مَحْسُوساً أَنَّ الْمُلُوكَ لَهُمْ أَحْمِيَةٌ لا يُتَجَاسَرُ عَلَيْهَا وَلا يُدْنَى مِنْهَا مَهَابَةً مِنْ سَطْوَتِهِمْ، وَخَوْفاً مِنَ الْوُقُوعِ فِي حَوْزَتِهِمْ، وَأَنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمَهُ، فَمَنْ تَرَكَ مِنْهَا مَا قَرُبَ فَهُوَ مِنْ تَوَسُّطِهَا أَبْعَدُ، فَالْمُؤْمِنُ يَكُونُ عَلَى حَذَرٍ وَيُجَانِبُ كُلَّ مَا كَرِهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ فِعَالٍ وَمَقَالٍ، وَلا يَضِيعُ مَا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِي قَلْبٍ أَوْ جَارِحَةٍ.
وَسِتٌّ فِي جَمِيعِ الأَفْعَالِ قَبْلَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَيَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنَ الإِمْسَاكِ عَنِ الْفَرْضِ، وَيُسَارِعُ إِلَى أَدَائِهِ.
الْوَاجِبُ: تَرْكُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الْعَقْدِ بِالْقَلْبِ عَلَى الضَّلالِ وَالْبِدَعِ وَالْغُلُوِّ فِي الْقَوْلِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلا يَعْتَقِدُ إِلا الصَّوَابَ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَتْرُكَ بَعْضَ الْحَلالِ الَّذِي يَكُونُ سَبَباً وَذَرِيعَةً إِلَى الْحَرَامِ لِقَوْلِهِ ﵇: "لا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَراً مِمَّا بِهِ بَأْسٌ" فَيَتْرُكُ فُضُولَ الْكَلامِ لِئَلا يُخْرِجَهُ إِلَى الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَتْرُكَ بَعْضَ الْمَكَاسِبِ مِمَّا تَقِلُّ فِيهِ السَّلامَةُ لِلْمُكْتَسِبِينَ، وَيَدَعُ طَلَبَ الإِكْثَارِ مِنَ الْمَالِ خَوْفاً أَلا يَسْلَمَ وَيَكُفَّ عَنْ بَعْضِ الْمَطْعَمِ إِذَا خَشِيَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُبَطِّرُهَا، وَأَنْ يَدَعَ أَنْ يَحْلِفَ صَادِقاً وَهُوَ لَهُ حَلالٌ فَمَا مَخَافَةُ أَنْ يُعَوِّدُ لِسَانَهُ الْيَمِينَ فَيَحْلِفَ كَاذِباً، وَيَدَعُ النُّصْرَةَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَعْتَدِيَ، فَمَا زَالَ التَّقْوَى بِالْمُتَّقِينَ حَتَّى تَرَكُوا كَثِيراً مِنَ الْحَلالِ مَخَافَةَ الْحَرَامِ.
وَأَمَّا تَصْفِيَةُ الْقُوتِ، وَتَرْكُ الاجْتِهَادِ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) قَالَ ابْنُ عُبْدُوسٍ: قِوَامُ الدِّينِ طَيِّبُ الْمَطْعَمِ، فَمَنْ طَابَ مَكْسَبُهُ زُكِّيَ عَمَلُهُ وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْ فِي طِيبِ
стр. 544
مَكْسَبِهِ خِيفَ عَلَيْهِ أَلا تُقْبَلَ صَلاتُهُ وَصِيَامُهُ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ وَجَمِيعُ عَمَلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنِ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: الَّذِي إِذَا أَمْسَى يَسْأَلُ مِنْ أَيْنَ قُرْصَاهُ، قُلْتُ: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ لَتَكَلَّفُوهُ، فَقَالَ: عَلِمُوهُ وَلَكِنَّهُمْ غَشِمُوا الْمَعِيشَةَ يَعْنِي تَعَسَّفُوا تَعَسُّفاً، وَقَالَ عُمَرُ: الدِّينُ الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْكَفُّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَالْعَمَلُ بِحَلالِ اللَّهِ وَحَرَامِهِ، وَقَالَ ﵇: " مَنْ بَاتَ وَانِياً مِنْ مَكْسَبٍ حَلالٍ بَاتَ مَغْفُوراً لَهُ ".
وَالذِّكْرُ بِاللِّسَانِ حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ أَدَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلالِ وَلا آخُذُ مِنْهَا، فَعَلَيْكُمُ النَّظَرَ فِي طَيِّبِ مَكَاسِبِكُمْ وَالاجْتِهَادِ لأَنْفُسِكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَيْهَا عَلَى الْغِشِّ فَإِنَّكُمْ تُفْضُونَ بِأَعْمَالِكُمْ إِلَى مَنْ لا تَخْفَى عَلَيْهِ ضَمَائِرُكُمْ، فَقَدْ بَانَ أَنَّ رَأْسَ دِينِكُمُ الْوَرَعُ، وَمَلاكَ أَمْرِكُمْ طَيِّبُ الْمَكْسَبِ، فَقَدْ قَالَ ﵇ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "يَا كَعْبُ إِنَّهُ لا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّباً، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ"؟
وَأَمَّا بَيَانُ الاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ فَبِسُلُوكِ طَرِيقِ الْوَرَعِ، قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: وَهُوَ أَلا يَكُونَ فِي الشَّيْءِ الْمُقْتَنَى مَغْمَزٌ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ النَّظَرُ فِي الْمَعِيشَةِ أَلا يَغْشُمَهَا الْعَبْدُ، وَلَمَّا عَزَّ تَحْصِيلُ الطَّيِّبِ فِي وَقْتِنَا هَذَا مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ كَانَ
стр. 545
الأَمْرُ فِيهِ كَمَا قَالَ الْقَاسِمُِ بْنُ مُحَمَّدٍ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا حَرَاماً لَمَا كَانَ بُدٌّ مِنَ الْعَيْشِ، وَمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ قُوتِهِ فَلْيَتَلَطَّفْ جَهْدَهُ فِي شِرَاءِ الطَّيِّبِ، فَإِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ وَاسْتَفْرَغَ طَاقَتَهُ وَقَعَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَصْلِهِ فَبِشِرَاءِ الْخَيْرِ، وَمَا يَقِلُّ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ خَيْرٌ مِنْ شِرَاءِ مَا خَالَطَهُ غَصْبٌ أَوْ رِباً أَوْ بَيْعٌ فَاسِدٌ، ثُمَّ يَبْقَى قَائِماً بِعَيْنِهِ إِلَى حِينِ شِرَاءِ مَا أُفِيتَ بِوَجْهٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ لَيْسَ مِنَ الْوَرَعِ بِسَبِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَاخِلٌ فِيمَا لا يَنْقُضُ عَلَى مَنْ بَاعَهُ أَوِ اشْتَرَاهُ، وَإِنَّ ذِمَّةَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِمَّنْ أَفَاتَهُ خَالِيَةٌ مِنَ التَّبِعَاتِ، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فَتَرْكُهُ وَإِنْ أُفِيتَ، كَمَا كَرِهَ مَالِكٌ سَلَفَ السَّلْمِ مِنْ نَصْرَانِيٍّ مَا بَاعَ بِهِ خَمْراً، وَأَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ النّصْرَانِيُّ بِذَلِكَ، يَعْنِي بَاعَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْراً وَذِمَّةُ النَّصْرَانِيِّ خَالِيَةٌ فَكَيْفَ بِمَنْ أَفَاتَ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ بِمِثْلِهِ لإِفَاتَتِهِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ لَهُ، وَلأَنَّه اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِداً وَقَدْ كَرِهَ
مَالِكٌ شِرَاءَ طَعَامٍ مِنْ مُكْتَرِي الأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُهُ أَنَّ الطَّعَامَ كُلَّهُ لَهُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ كِرَاءُ الأَرْضِ عَيْناً، وَطَرِيقُ الْوَرَعِ يَشُقُّ طَلَبُهُ، وَيَعْسُرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَوْقَاتِ وُجُودُهُ إِلا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلكن يُجْتَزَأُ بِالأَشْبَهِ مِنَ الْمَوْجُودِ فَالأَشْبَهُ فَهُوَ الْمُمْكِنُ فِي كُلِّ حِينٍ، وَاللَّوْمُ عَلَى الْكَفَافِ مُرْتَفِعٌ إِذْ لا حَرَجَ فِي الدِّينِ، وَلَيْسَ الْمُتَحَدِّي بِحُدُودِ الإِسْلامِ كَاللاعِبِ الْمَازِحِ، وَاخْتِبَارُ الْبَائِعِ الثِّقَةِ عَمَّا بَاعَهُ أَنَّهُ طَيِّبٌ مَقْبُولٌ، وَقَبُولُ قَوْلِ مَنْ هُوَ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ حَقِيقَةَ الْوَرَعِ لَكِنْ هُوَ خَيْرٌ مِمَّنْ يَقُولُ: لا أَدْرِي شَأْنَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الأَخْذِ بِالأَشْبَهِ، وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الأَقْوَاتُ فِي الأَسْوَاقِ وَعُلِمَ اسْتِقَامَةُ أَصْلِهِ مِنْهَا أَوْ سَتْرُهُ عَنِ الحَرَام حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ إِذَا جُهِلَتْ حَقِيقَتُهُ وَتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ، وَما غَلَبَ عَلَيْهِ الرِّيبَةُ عُمِلَ عَلَى اجْتِنَابِ مَا جُهِلَ مِنْهُ حَتَّى يَنْكَشِفَ صِحَّةُ أَصْلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُتَحَرِّي مَا يَتَحَرَّى بِهِ إِلا سُؤَالَ الْبَاعَةِ فَلْيَخْتَبِرْ مِنْهُمْ بِأَحْسَنِهِمْ تَوَقُّفاً وَأَصْدَقِهِمْ قَوْلاً.
قَالَ: وَلا يُقَالُ فِي الْغَلَّةِ: إِنَّهُ لا شُبْهَةَ فِيهَا إِنْ كَانَتِ الأُصُولُ رَدِيئَةً، وَإِنْ كَانَتْ مِلْكاً لِمَنِ اعْتَلَّهَا كَمَا أَخْبَرْتُكَ فِي طَعَامٍ بِكِرَاءِ الأَرْضِ بِالطَّعَامِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَقَدْ مَنَعَ سَحْنُونٌ رَجُلاً كَسْبُهُ مِنْ بَلَدِ السُّودَانِ أَنْ يَعْمَلَ مِنْهُ قَنْطَرَةً بِقُرْبِ دَارِهِ، وَإِنْ كَانَ لا مَطْعَنَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِي نَفْسِ السَّفَرِ لِوُجُوهٍ أُخَرَ، وَلَوْ كَانَتِ الْغَلَّةُ لا شُبْهَةَ فِيهَا، يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ طَعَامٍ مِنْ حَرْثِ الأَرْضِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ بِبَقَرٍ مَغْصُوبَةٍ وَزَرِيعَةٍ مَغْصُوبَةٍ، وَنَحْنُ لا نَأْمُرُ بِهَذَا ابْتِدَاءً وَلا نَنْقُضُهُ إِنْ
стр. 546
وَقَعَ إِلا أَنَّ الْغَلَّةَ تُخْتَارُ عَلَى مَا لَيْسَ بِغَلَّةٍ، وَهَكَذَا هَذَا الْبَابُ، كَمَا اشْتَرَيْتُ لَكَ إِنَّمَا يُرْجَعُ إِلَى الأَمْثَلِ فَالأَمْثَلِ عَلَى قَدْرِ الإِمْكَانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ لِئَلا تُخِلَّ بِوَجْهِ التَّحَرِّي رِفْعَةٌ، وَلِيَسْلَمَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْغَاشِمِينَ الْخَابِطِينَ الْعَشْوَاءَ فِي مَعِيشَتِهِمْ لا يَسْأَلُونَ وَلا يَتَحَرَّجُونَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي تَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَاعْتِزَالِ شُرُورِ النَّاسِ، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ، وَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَلا يُرَى إِلا سَاعِياً فِي تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمٌ لِمَعَاشِهِ فَكَيْفَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُؤْمِناً عَالِماً بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ؟!
وَيَحِقُّ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي عِلْمِهِ، وَيَحْتَرِسَ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَقِفَ عَلَى مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ وَيُقِلَّ الرِّوَايَةَ جُهْدَهُ وَيُنْصِفَ جُلَسَاءَهُ وَيُلِينَ لَهُمْ جَانِبَهُ، وَيُثِيبَ سَائِلَهُ، وَيُلْزِمَ نَفْسَهُ الصَّبْرَ، وَيَتَوَقَّى الضَّجَرَ وَيَصْفَحَ عَنْ زَلَّةِ جَلِيسِهِ، وَلا يُؤَاخِذَهُ بِعَثْرَتِهِ. وَمَنْ جَالَسَ عَالِماً فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الإِجْلالِ وَلْيُنْصِتْ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ، فَإِنْ رَاجَعَهُ فَتَفَهُّماً لا تَعَنُّتاً، وَلا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ سَاءَلَهُ، فَإِنَّهُ يُلْبِسُ بِذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ وَيُزْرِي بِالْمَسْئُولِ وَيُنْتَظَرُ بِالْعَالِمِ فَيْئُهُ وَلا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ عَثْرَتُهُ، وَبِقَدْرِ إِجْلالِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ عِلْمِهِ، وَمَنْ نَاظَرَهُ فِي عِلْمٍ فَبِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَتَرْكِ الاسْتِعْلاءِ، فَحَسَنُ التَّأَنِّي وَجَمِيلُ الأَدَبِ مُعَيَّنَانِ عَلَى الْعِلْمِ، وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ، وَالأُولَى بِالْعِلْمِ صِيَانَتُهُ عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ وَعَيْبٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْثَماً، وَذَوُو الْعِلْمِ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُرُوءَةِ وَالأَدَبِ وَصِيَانَةِ الدِّينِ وَنَزَاهَةِ النَّفْسِ.
وَحَقِيقٌ عَلَى الْعَالِمِ أَلا يَخْطُوَ خُطْوَةً لا يَنْبَغِي فِيهَا ثَوَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلا يَجْلِسُ مَجْلِساً يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ، فَإِنِ ابْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فَلْيَقُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِوَاجِبِ حَقِّهِ، وَإِرْشَادِ مَنِ اسْتَخَارَهُ وَوَعْظِهِ، وَلا يُجَالِسُهُ بِمُوَافَقَتِهِ فِيمَا يُخَالِفُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي مَرْضَاتِهِ، وَلا يَتَعَرَّضُ فِيهِ خَاصَّةً لِنَفْسِهِ وَلا أَحْسَبُهُ وَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ أَنْ يَنْجُوَ، وَلا يُعْلِمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمِنْ إِجْلالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِجْلالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ، وَإِجْلالُ الإِمَامِ الْمُقْسِطِ.
وَمِنْ شِيَمِ الْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ عَارِفاً بِزَمَانِهِ، مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظاً لِلِسَانِهِ، مُحْتَرِزاً مِنْ إِخْوَانِهِ، فَلَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيماً إِلا مَعَارِفُهُمْ، وَالْمَغْرُورُ مِنِ اغْتِرَارِهِ
стр. 547
يَمْدَحُهُمْ، وَالْجَاهِلُ مِنْ صِدْقِهِمْ عَلَى خِلافِ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلإِقْبَالِ عَلَى امْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَالإِحْجَامِ عَنِ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِهِ، وَيُلْهِمَنَا مَا يُقَرِّبُنَا مِنْ أَجْرِهِ، وَيُوَارِينَا مِنْ سُخْطِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ