← Адаб

Адаб · id 621

جمع الجواهر في الملح والنوادر

الحصري القيرواني

Полный текст (139 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، فعرفنا بلذة الفرح شدة الترح، وبحلاوة الحياة مرارة الوفاة. قال الطائي: أوما رأيت منازل ابنة مالكٍ ... رسمت له كيف الزفير رسومها والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أدراك كيف نعيمها وقال: إساءة دهرٍ أذكرت حسن فعله ... ولولا الشري لم يعرف الشهد ذائقه وصلى الله على خير مبعوث، وأكرم وارث وموروث، محمد الذي أخرجنا من الضيق إلى الفسحة، وبعث إلينا بالحنيفية السمحة، ليضع عن ولد إسماعيل أغلال بني إسرائيل، بل ليرفع عن كل من دخل في السلم، من جملة العرب والعجم، ما أضلع حمله وأظلع ثقله، صلى الله عليه صلاةً تزلف لديه، وتصعد في الكلم الطيب إليه، وعلى آله وصحبه وسلم. سبب وضع الكتاب سألت أطال الله بقاءك، وحرس إخاءك، من زكا بسقي مودتك زرعه ونما، وعلا برعي محبتك فرعه وسما، فانقاد إليك قلبه بغير زمام، وصح فيك حبه بغير سقام أن يجمع لك كتاباً في جواهر النوادر ولمح الملح، وفواكه الفكاهات، ومنازه المضحكات، ترتاح إليه الأرواح، وتطيب له القلوب، وتفتق فيه الآذان، وتشحذ به الأذهان، ويطلق النفس من رباطها، ويعيد إليها عادة نشاطه إذا انقبضت بعد انبساطها، فقد قيل: القلب إذا أكره عمي. وقال بكر بن عبد الله المزني: لا تكدوا هذه القلوب ولا تهملوها. وخير الكلام ما كان عقيب جمام، ومن أكره بصره عشي، وعاودوا الفكرة عند نبوات القلوب، وأشحذوها بالمذاكرة، ولا تيأسوا من إصابة الحكمة إذا امتحنتم ببعض الاستغلاق؛ فإن من أدمن قرع الباب ولج. وقال أبو الدرداء ﵁: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل ليكون أقوى لها على الحق. وقال الحسن البصري ﵀: حادثوا هذه القلوب بذكر الله؛ فإنها سريعة الدثور، واقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة؛ وإنكم إن لم تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية. وقال أردشير بن بابك: إن للقلوب محبة، وللنفوس مللاً؛ ففرقوا بين الحكمين يكون ذلك استجماماً. وقال في حكة آل داود: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من أربع؛ من عدة لمعاد، وإصلاح لمعاش، وفكر يقف به على ما يصلحه لما يفسده، ولذة في غير محرم يستعين بها على الحالات الثلاث. وقال أبو الفتح كشاجم: عجبي للمرء تعالت حاله ... وكفاه الله ذلات الطلب كيف لا يقسم شطري عمره ... بين حالين نعيم وأدب ساعة يمتع فيها نفسه ... من غذاء وشراب منتخب ودنوٍّ من دمىّ هنّ له ... حين يشتاق إلى اللعب لعب فإذا ما زال من ذا حظّه ... فنشيدٌ وحديث وكتب ساعةً جدّاً وأخرى لعباً ... فإذا ما غسق الليل انتصب فقضى الدنيا نهاراً حقّها ... وقضى لله ليلاً ما يجب تلك أعمالٌ متى يعمل بها ... عاملٌ يسعد ويرشد ويصب منهج الكتاب فأجبتك إلى ملتمسك بكتاب كللت نظامه، وثقلت أعلامه، بذهب يروق سبك إبريزه، ويرق حوك تطريزه، من نوادر المتقدمين والمتأخرين، وجواهر العقلاء والمجانين، وغرائب السقاط والفضلاء، وعجائب الأجواد والبخلاء، وطرف الجهال والعلماء، وتحف المغفلين والفهماء، ونتف الفلاسفة والحكماء، وبدائع السؤال والقصاص، وروائع العوام والخواص، وفواكه الأشراف والسفلة، ومنازه الطفيليين والأكلة، وأخبار المخانيث والخصيان، وآثار النساء والصبيان. وأتيت به على سبيل الاختصار، وطريق الاختيار؛ وجعلته بتنويع الكلام، كالمائدة الجامعة لفنون الطعام؛ إذ همم الناس مفترقة، وأغراضهم غير متفقة، ولا أعلم حقيقة ما تستندره، ولا محض ما تؤثره؛ إذ لا يحيط بذلك إلا علام الغيوب، المطلع على ما في القلوب. وقد تجنبت أن أهدي إليك، وأورد عليك، ما يخرج به قائله في الدين عن اتباع سبيل المؤمنين، فمن أهل الإلحاد والأهواء، من يسر حسواً في ارتغاء، ويطلب ما يشفى به من دائه، ويضحك خاصة أودائه، ويغر به من ضعفت نحيزته، وهفت غريزته، بألطف ما يمكنه، كمون الأفعوان، في أصول الريحان، إذا قابله بشمه، قتله بسمه.

стр. 2

كما حكى الجاحظ عن الشرقي بن القطامي أن ابن أبي عتيق لقي عائشة ﵂ على بغلة. فقال: إلى أين يا أماه؟ فقالت له: أصلح بين حيين تقاتلا، فقال: عزمت عليك إلا ما رجعت، فما غسلنا أيدينا من يوم الجمل حتى نرجع إلى يوم البغلة. وهذه حكاية أوردها الشرقي لغله ودغله على وجه النادرة؛ لتحفظ ويضحك منها، ويتعلق بها من ضعف عمله، وقل عزمه؛ فيكون ذلك أنجع وأنفع لما أراد من التعرض لعرض أم المؤمنين ﵂. ومثل هذا كثير مما لو ذكرته لدخلت فيما أنكرته. فقد قيل: الراوية أحد الشاتمين، كما قيل: السامع أحد القائلين. وقد قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وقد مر به عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد بن أبي بكر فلم يسلما عليه: مساء تراب الأرض منها خلقتما ... فيها المعاد والرجوع إلى الحشر ولا تعجبا أن ترجعا فتسلّما ... فما حشي الإنسان شرّاً من الكبر وقال آخر: إن كنت لا ترهب ذمّي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل فاخش سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموع خنا القائل فسامع السوء شريكٌ له ... ومطعم المأكول كالآكل ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدرٍ سائل وقد رام ابن قتيبة تسهيل السبيل في مثل هذا، فقال: مهما مر بك من كلام تنفر عنه نفسك، فلا تعرض عنه بوجهك، فالقول منسوب إلى قائله، والفعل عائد إلى فاعله. قلت: وليت شعري ما اللذة فيما يضحك منه من هو معرض عنه، إلا أن يدخل في حد المستهزئين، وحيز المتلاعبين. نعوذ بالله من الحور بعد الكور. وأنشد أبو نواس الجماز شعراً من أعابيثه ومجونه كفر فيه، وقال للجماز: أين أنت من أهل الطراز؟ قال: أنا لا أتعرض لمن أعضائي جنده يحرك علي منها ساكناً أو يسكن متحركاً فأهلك. وقد طرد الجماز أصله في التحرز مما تعلق عليه من شناعة، أو تلزمه فيه بباعة، فقال يمدح: أقول بيتاً واحداً أكتفي ... بذكره من دون أبيات إنّ عليّ بن أبي جعفر ... أكرم أهل الأرض من آت فقد سلم مما كاد يقع فيه أبو الخطاب عمرو بن عامر السعدي، وقد أنشد موسى الهادي: يا خير من عقدت كفّاه حجزته ... وخير من قلّدته أمرها مضر فانقلبت عيناه في رأسه، واحمر وجهه، وقال: إلا من؟ ويحك! ولم يكن أبو الخطاب استثنى أحداً، وإنما جرى على مذهب الشعراء في تفضيل الممدوح على أهل العصر؛ فلما رأى ما بوجه الهادي من إرادة الإيقاع به قال ارتجالاً: إلاّ النبيّ رسول الله إنّ له ... فخراً وأنت بذاك الفخر تفتخر فسري عنه ووصله. تدرج الكتاب ولذة الانتقال من حال إلى حال وقد جعلت ما عملت مدبجاً مدرجاً، لتلذ النفس بالانتقال من حال إلى حال، فقد جبلت على محبة التحول، وطبعت على اختيار التنقل. وقد قيل: إن عبد الله بن طاهر لما أسر نصر بن شبث بكيسوم، وأنفذه إلى المأمون، جلس مجلساً أنصف فيه من وجوه القواد، ومن أمراء الأجناد، وضرب الأعناق، وقطع الأيدي، ورد كبار المظالم، ثم قام وقد دلكت الشمس؛ فتلقاه الخدم، فأخذ هذا سيفه، وهذا قباءه، هذا إزاره. فلما دخل دعا بنعل رقيقة فلبسها، ثم رفع ثوبه على عاتقه وتوجه نحو البستان وهو يتغنى: النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم قال عيسى بن يزيد: وكنت جرياً عليه، فجذبت ثوبه من عاتقه وقلت له: أتقعد بالغداة قعود كسرى أو قيصر أو ذي القرنين، ثم تعمل الساعة عمل علويه ومخارق؟ فرد ثوبه على عاتقه وهو يقول: لا بدّ للنفس إن كانت مصرّفة ... من أن تنقّل من حالٍ إلى حال قال أبو القاسم بن جدار: كأنه ذهب إلى ما فعله أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ حين قام من بعض مجالسه الجليلة التي كان يدون فيها الدواوين ويمصر الأمصار، ويقمع الأعداء، ويؤيد الإسلام، فدخل منزله ثم رفع صوته وهو يقول: وكيف ثوائي بالمدينة بعدما ... قضى وطراً منها جميل بن معمر

стр. 3

فلحقه عبد الرحمن بن عوف فاستأذن عليه، فقيل: عبد الرحمن يا أمير المؤمنين بالباب. فلما دخل عليه، قال: ما صوت سمعته منك آنفاً يا أمير المؤمنين؟ فقال: يا أبا محمد، إيهاً عنك! فإن الناس إن أخلوا قالوا. وقد قلت: فرّقت في التأليف معتمداً ... ما كان لو قد شئت يأتلف والعقد ما اختلفت جواهره ... إلاّ ليشرق حين يختلف إن كان الشيء مع نظيره يذهب بنوره، ويغض من بهائه؛ ويخلق من روائه؛ فقد زعموا أن المجرة كواكب مضيئة مجتمعة؛ فكسف بعضها نور بعض؛ فصارت طريقاً في السماء بيضاء. وقال ابن الرومي: وبيضاء يخبو درّها من بياضها ... ويذكو بها ياقوتها والزبرجد إلا أن تندرج الحكاية في الحكايات، ويتسلسل البيت مع الأبيات، فيكون الجمع أزين من القطع، والتوصيل أحسن من التفصيل، فأقرنها بأشكالها، وأجملها مع أمثالها. لاختيار المطايبات والمداعبات أصول ولاختيار المطايبات والمداعبات وما انخرط في سلكها من الملح والمزح أصول لا يخرج فيها عنها، وفصول لا يخرج بها منها، وقد يستندر الحار المنضج، والبارد المثلج؛ لأن إفراط البرد، يعود به إلى الضد. ولذلك قول أبو نواس: قل للزّهيريّ إن حدا وشدا ... أقلل وأكثر فأنت مهذار سخنت من شدة البرودة ح ... تى صرت عندي كأنك النار لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج باردٌ حار وفي كليلة ودمنة: لا ينبغي اللجاج في إسقاط ذي الهمة والرأي وإزالته؛ فإنه إما شرس الطبيعة كالحية إن وطئت فلم تلسع لم يغتر بها فيعاد لوطئها، وإما سبح الطبع كالصندل البارد، إن أفرط في حكه عاد حاراً مؤذياً. وقالوا: إنما ملح القرد عند الناس لإفراط قبحه. وقد قال ابن الرومي في الخصيان: معشراً أشبهوا القرود ولكن ... خالفوها في خفّة الأرواح لأن العبد إذا خصي استرخت معاقد عصبه، وحدث في طبعه نشاط في الخدمة؛ فيحصل بين حالين لا يطيق المبالغة فيهما فيضيق صدره، وتثقل روحه. وقد قال أبو تمام: أمن عمىً نزل الناس الربى فنجوا ... وأنتم نصب سيل القنّة العرم أم ذاك من هممٍ جاشت وكم صفة ... حدا إليها غلوّ القوم في الهمم وكان يقال: من التوقي ترك الإفراط في التوقي، وإنما الموت المحبب والسقم المغيب، أن تقع النادرة فاترة فتخرج عن رتبة الهزل والجد، ودرجة الحر والبرد، فيكون بها جهد الكرب على القلب؛ كما قال أبو بكر الخوارزمي: أثقل من عذاب الفراق، وكتاب الطلاق، وموت الحبيب، وطلعة الرقيب، وقدح اللبلاب في كف المريض، ونظرة الذل إلى البغيض، وأشد من خراج بلا غلة، ودواء بلا علة، وطلعة الموت في عين الكافر، وقد ختم عمره في الكبائر، وأعظم من ليلة المسافر، في عين كانون الآخر، على إكاف يابس، تحت مطر وبرد قارس. ومن أمثال البغداديين: هو أثقل من مغن وسط، ومن مضحك وسط. وقال ابن الرومي يهجو أحمد بن طيفور: فقدتك يا بن أبي طافر ... وأطعمت فقدك من شاعر فلت بسخن ولا بارد ... وما بين ذين سوى الفاتر وأنت كذاك تغثّي النفو ... س بغثية الفاتر الخاثر شرط المسامر والمنادر ومن شرط المسامر والمنادر أن يكون خفيف الإشارة، لطيف العبارة، ظريفاً رشيقاً، لبقاً رفيقاً، غير فدم ولا ثقيل، ولا عنيف ولا جهول؛ قد لبس لكل حالة لباسها، وركب لكل آلة أفراسها، فطبق المفاصل، وأصاب الشواكل، وكان برائق حلاوته، وفائق طلاوته، يضع الهناء مواضع النقب، ويعرف كيف يخرج مما يدخل فيه، إذا خاف ألا يتسحسن ما يأتيه. كما ذكر عن الفتح بن خاقان أنه كان مع المتوكل فرمى المتوكل عصفوراً فأخطأه. فقال: أحسنت يا أمير المؤمنين! فنظر إليه نظرة منكرة. فقال: إلى الطائر حتى سلم؛ فضحك المتوكل. وذكر لبعض ولاة البصرة لما وليها حلاوة الجماز، وأن أكثر نوادره على الطعام، فأحضره، وقدمت المائدة، فأتى بنادرة فاخرة وأتبعها بأخرى فلم تستملح. فقال: لعل الأمير أنكر برد ما أتيت به؟ وإنما احتذيت حذوه في تقديم البوارد قبل الحوار. كلما طال كلامه انحل نظامه

стр. 4

ولا يحب أن يكون كلما طال كلامه انحل نظامه؛ بل يأتي في آخر ما أحكمه بما ينسي ما تقدمه، وإلا كان كما ذكر الجاحظ: أن الرشيد أحب أن ينظر إلى شعيب القلال كيف يعمل؟ فأدخل القصر، وأتي بكل ما يحتاج إليه من آلة العمل؛ فبينما هو يعمل إذ بصر بالرشيد فنهض قائماً. فقال له: دونك وما دعيت له؛ فإني لم آتك لتقوم إلي؛ بل لتعمل بين يدي. فقال: وأنا أصلحك الله لم آتك ليسوء أدبي؛ وإنما أتيتك لأزداد أدباً؛ فأعجب الرشيد به، وقال له: بلغني أنك إنما تعرضت لي حين كسدت صناعتك؟ فقال: يا سيدي، وما كساد عملي في خلال وجهك! فضحك الرشيد حتى غطى وجهه. وقال: ما رأيت أنطق منه ولا أعيا منه! ينبغي أن يكون أعقل الناس وأجهل الناس. وكذلك كان. سر النادرة دون مطمطة ومجمجة ويجب إذا حكى النادرة الظريفة، والحكمة اللطيفة، ألا يعربها فتثقل، ولا يمجمجها فتجهل، ولا يمطمطها فتبرد، ولا يقطعها فتجمد. ولو أن قائلاً حكى قول مزيد المدني، وقد أكل طعاماً فأثقله. فقيل له: تقيأه يذهب ما بك. فقال: خبز نقي، ولحم جدي، والله لو وجدته قياً لأكلته. فلو أعطاه حقه من الإعراب فقال: خبز نقي، ولحم جدي، والله لو وجدته قيئاً لأكلته، لخرج عن حده، وأفلج من برده. وكذلك لو ذهب بما يحتاج إلى الإعراب من كلام الفصحاء والأعراب إلى اللحن لاستغث واسترث. كما ذكروا أن الحجاج بعث إلى ولي البصرة أن اختر لي من عندك عشر فصحاء، فاختار رجالاً فيهم كثير بن أبي كثير وكان عربياً فصيحاً قال كثير: فقلت: بم أفلت من الحجاج؟ ثم قلت في نفسي: باللحن؛ فلما دخلت عليه دعاني فقال: ما اسمك؟ قلت: كثير. قال: ابن من؟ فقلت: إن قلت: ابن أبو كثير خفت أن يتجاوزها. فقلت: ابن أبا كثير. فقال: اذهب فعليك لعنة الله وعلى من بعث بك، جروا في عنقه! فأخرجت. وقال رجل للحسن البصري ﵀: ما تقول في رجل مات وترك أبيه وأخيه؟ فقال: أغيلمة إن فهمناهم لم يفهموا، وإن علمناهم لم يعلموا، قل: ترك أباه وأخاه، فقال له: فما لأباه وأخاه؟ فقال الحسن: قل لأبيه ولأخيه، قال: أرى كلما تابعتك خالفتني. ولكل صناعة آلة، ولكل بضاعة حالة. وذم رجل رجلاً فقال: أقداحه محاجم ودعواته ملاوم، وكئوسه محابر، ونوادره بوارد. وقال الزبير: رؤي الغاضري ينازع أشعب الطمع عند بعض الولاة فقال: أيها الأمير، إنه يريد أن يدخل علي في صناعتي، ويشاركني في بضاعتي، وهيئته هيأة قاض، والأمير يضحك. وقال عمرو بن عثمان: واشتياقي إلى أبي الخطاب ... وأحاديثه الرقاق العذاب وإشارته التي استعارت ... حركات المهجور عند العتاب ويجب على اللبيب المطرب ألا يطيل فيمل، ولا يقصر فيخل، فللكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، قال أحمد بن الطيب السرخسي تلميذ أحمد بن إسحاق الكندي: كنت يوماً عند العباس بن خالد، وكان ممن حبب إليه أن يتحدث، فأقبل يحدثني، وينتقل من حديث إلى حديث، وكان في صحن منزله، فلما بلغتنا الشمس انتقلنا من موضع إلى موضع آخر حتى صار الظل فيئاً. فلما أكثر وأضجر، ومللت حسن الأدب في حسن الاستماع، وذكرت قول الأوزاعي: إن حسن الاستماع قوة للمحدث، فقلت له: إذا كنت وأنا أسمع قد عييت مما لا كلفة علي فيه؛ فكيف بك وأنت المتكلم؟ فقال: إن الكلام يحلل الفضول الغليظة التي تعرض في اللهوات وأصل اللسان، ومنابت الأسنان؛ فوثبت وقلت: ما أراني معك في إلا أيارج الفيقرا إذ أنت تتغرغر بي منذ اليوم، والله لا أجلس، واجتهد بي فلم أفعل. وقال أحمد بن الطيب: كنا مرة عند بعض إخواننا، فتكلم فأعجبه من نفسه الكلام، ومنا حسن الاستماع، حتى أفرط؛ فعرض لبعض من حضر ملل؛ فقال: إذا بارك الله في شيء لم يفن، وقد جعل الله في حديث أخينا هذه البركة. وقال عبد الله بن سالم في رجل كثير الكلام: لي صاحبٌ في حديثه بركه ... يزيد هذا السكون والحركه لو قال لا في قليل أحرفها ... لردّها بالحروف مشتبكه والتحفظ في هذا الباب من أكبر الأسباب؛ لأن المنادر والمهاتر والمسامر قد تمر له النادرة المضحكة، والطيبة المحركة؛ فيستغرب المجلس، وتطرب الأنفس؛ فيدعوه ما استحسن منه، واستندر عنه، أن يعود إلى مثلها فينقص من حيث ظن أنه زاد، ويفسد عليه ما أراد.

стр. 5

وقد كتب أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري لما استحضره عضد الدولة للمنادمة: وقفت على ما وصفته من بر الأمير بك، وتوفره عليك، وليس العجب أن يتناهى مثله في الكرم إلى أبعد غاياته؛ وإنما العجب أن يقصر في مساعيه عن نيل المجد كله، وحيازة الفضل بأجمعه؛ وقد رجوت أن يكون ما يغرسه أجدر غرس بالزكاء، وأضمنه للريع والنماء؛ فأرع ذلك، واركب في الخدمة طريقة تبعدك من الملال، وتوسطك في الحضور بين الإكثار والإقلال، ولا تسترسل كل الاسترسال، فلأن تدعى من بعيد مرات، خير من أن تقصى من قريب مرة. وليكن كلامك جواباً تتحرز فيه من الخطل والإسهاب، ولا تعجبن بتأتي كلمة محمودة، فيلح بك الإطناب توقعاً لمثلها، فربما هدمت ما بنته الأولى. وبضاعتك في الشرب مزجاة، وبالعقل يزم اللسان، ويلزم السداد؛ فلا تستفزنك طربة الكرم على ما يفسد تمييزك. والشفاعة لا تعرض لها فإنها مخلقة للجاه، فإن اضطررت إليها فلا تهجم عليها حتى تعرف موقعها، وتطالع موضعها، فإن وجدت النفس بالإجابة سمحة، وإلى الإسعاف هشة، فأظهر ما في نفسك غير مخفف؛ ولا توهم أن في الرد عليك ما يوحشك، ولا في المنع ما يغيظك. وليكن انطلاق وجهك إذا دفعت عن حاجتك، أكثر منه عند نجاحها على يدك؛ ليخف كلامك ولا يثقل على مستمعيه منك، أقول ما أقوله غير واعظ ولا مرشد، فقد كمل الله خصالك، وفضلك على كل حالك، لكن أنبه تنبيه المشارك، وأعلم للذكرى موقعاً لطيفاً. وذكر لعبد الله بن طاهر رجل يصلح للمنادمة، فأحضره فأقبل يأتي بالأشياء في غير مواضعها. فقال: يا هذا، إما أقللت فضولك أو دخولك. الحاجة إلى الهزل وهذه النوادر أكرمك الله وإن وقع عليها اسم الهزل، وأسقطت من عين العقل، عند من لا يعلم مواقع الكلم، ولا يفهم مواضع الحكم، فليس ذلك بمروجها، ولا بمبهرجها عند أهل العقول وأولي التحصيل العارفين بمعاقد المعاني، وقواعد المباني، وهل يستندر من المغمورين والمشهورين، ويستظرف من المغفلين والمعقلين، إلا ما خرج عن قدر أشكالهم، وبعد من فكر أمثالهم، وإنما يذكر ما يستظرف، لخروجه عما يعرف. ومنها ما يدخل في باب الطيب والاستندار، وقد قال الجاحظ: ليس شيء من الكلام يسقط البتة، فسخيف الألفاظ يحتاج إلى سخيف المعاني. وقد قيل: لكل مقام مقال، وقيل لبشار بن برد، كم بين قولك: أمن طللٍ بالجزع لن يتكلّما ... وأقفر إلا أن ترى مذمما في نظائر هذه القصيدة من شعرك، ومن قولك: لبابة ربّة البيت ... تبيع الخلّ بالزيت لها سبع دجاجاتٍ ... وديكٌ حسن الصوت فقال: إنما القدرة على الشعر أن يوضع الجد والهزل في موضعه، ولبابة هذه جارة لي تنفعني بما تبعث لي من بيض دجاجها، وهذا الشعر أحسن موضعاً عندها من: قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ولما استقرت الخلافة للمعتز بالله شخص إليه أبو العبر من ولد عبد الصمد بن علي فهنأه بالخلافة وتعرض لصلته بالجد، وهجا المستعين كما فعل البحتري في قصيدته التي أولها: يجانبنا في الحبّ من لا نجانبه ... ويبعد منّا في الهوى من نقاربه فلم يقبل عليها، فعمل أبو العبر قصيدة مزدوجة كلها هزل من غير تقويم ولا إعراب منها قوله: أيا أحمد الرقيع، ومن أكلك الرجيع، أتنسى من كان، نصيرك قهرمان، فيأتيك بالسويق، من السوق والدقيق، فصرت الآن في الدار، على رتبة البزار، أما تعلم يا فار، بأن الله يختار، ويعطي غيرك الملك، عزيزاً يركب الفلك. وفيها ما لا يذكر من حماقات واختلال، وبرد وانحلال، وكلام مرذول، غث مهزول؛ فضحك المعتز منها، وأمر له بألف دينار، فألح على جعفر بن محمود الإسكافي في الاقتضاء، وهو حينئذ وزير المعتز، فألط عليه. فقال له جعفر: عهدي ببني هاشم يأخذون الصلات بشرفهم وعلومهم وجدهم، وأنت تأخذ بالمحال والهزل؛ فأنت عجيب من بينهم!! فقال أبو العبر: صدقت أنا عجيب من بينهم، كما أنت عجيب في أهل إسكاف، كلهم نواصب وأنت من بينهم رافضي، وكان جعفر ينسب إلى ذلك. ثم أنشد أبو العبر قول جميل: بثينة قالت يا جميل أربتنا ... فقلت كلانا يا بثين مريب وأريبنا من لا يؤدّي أمانةً ... ومن لا يفي بالعهد حين يغيب

стр. 6

فدفع إليه الألف دينار، واستعفاه أن يعاود مثل هذا. وكانت لأبي العبر مع موسى بن عبد الملك قصة مثل هذه في أيام المتوكل: رفع إليه كتاباً بأرزاقه وأرزاق جماعة من أهله ليوقع فيه ويختمه؛ فدافعه به موسى مدةً، فوقف له يوماً فلما ركب أنشده: موسى إلى كم تتبرّد ... وكم وكم تتردّد موسى أجزني كتابي ... بحقّ ربّك الأسود يريد محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ﵃، والإمامية تزعم أنه إمام وقته، فجزع موسى وسأله كتم ما كان عليه ومعاودة مثله: وأنشد أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري المتوكل قصيدته: من أيّ ثغرٍ تبتسم ... وبأيّ طرفٍ تحتكم حسن يضنّ بحسنه ... والحسن أشبه بالكرم أفديه من ظلكم الوشا ... ة وإن أساء وإن ظلم وهي حلوة الروي، مليحة العروض، حسنة الطبع، فكان البحتري فيه كبر وإعجاب. فإذا أنشد، قال: ما لكم لا تعجبون، أما حسن ما تسمعون؟! فقام إليه أبو العنبس الصيمري وقد قال ذلك فقال: عن أيّ سلح تلتقم ... وبأيّ كفّ تلتطم ذقن الوليد البحتريّ ... أبي عبادة في الرّحم أدخلت رأسك في الرحم فولى البحتري مغضباً، فقال أبو العنبس: وعلمت أنك تنهزم. فضحك المتوكل حتى فحص برجليه وأمر بالجائزة لأبي العنبس. وقد يحتاج العاقل المميز، والفاضل المبرز، إلى الهزل كاحتياجه إلى الجد، ويفتقر إلى الجور كافتقاره إلى القصد؛ وعلم الفتى في غير موضعه جهل. وصحب الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁ قوماً في سفره فكان يجاريهم على أخلاقهم، ويخالطهم في أحوالهم، وهم لا يعرفونه، فلما دخل مصر حضروا الجامع، فوجدوه يفتي في حلال الله وحرامه، ويقضي في شرائعه وأحكامه، والناس مطرقون لإجلاله، فرآهم فاستدعاهم، فلما انصرفوا سئل عنهم فأنشد: وأنزلني طول النّوى دار غربةٍ ... إذا شئت لاقيت امرأً لا أشاكله أُحامقه حتى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله وقد يخرج الفطن اللبيب، وينتج الطبن الأديب، من الهزل السخيف، غرائب الجد الشريف، فالنار قد تلتظى من ناضر السلم. ولما قال بشار بن برد: كأن فؤاده كرة تنزّى ... حذار البين لو نفع الحذار جفت عيني عن التغميض حتى ... كأنّ جفونها عنها قصار يروّعه السّرار بكل شيء ... مخافة أن يكون به السّرار قيل له: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أشعب الطماع: ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننتهم يأمران لي بشيء. ومر مزيد المديني مزبد المدني بجرة مغطاة، فقال له بعض جيرانه: ما هذا؟ فقال له: يا أحمق، فلم سترناه!! أخذه ابن الرومي، فقال لمن سأله: لم تلزم العمة؟ يأيها السائلي لأُخبره ... عني لم لا أزال معتجرا أستر شيئاً لو كان يمكنني ... تعريفه السائلين ما سترا وكان ابن الرومي أقرع الرأس، وقد أخبر بعلة ذلك في قوله: تعمّمت إحصاناً لرأسي برهةً ... من القرّ يوماً والحرور إذا سفع فلما دهى طول التعمّم لّمتي ... فأزرى بها بعد الأصالة والفرع عزمت على لبس العمامة حيلةً ... لتستر ما جرّت عليّ من الصّلع فيا لك من جانٍ عليّ جنايةً ... جعلت إليه من جنايته الفزع وأعجب شيء كان دائي جعلته ... دوائي على عمدٍ وأعجب بأن نفع الهزل من الجد وقد يستجلب من الجديات الصريحة، ظرائف الهزليات المليحة، فقد قيل على وجه الذم: من حفر لأخيه حفرةً وقع فيها، وقيل: من سل سيف البغي قتل به، وقال ابن المعتز في الفصول القصار: لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله. وأنشدوا لبعض الأعراب: رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي ... بريّاً ومن جال الطويّ رماني

стр. 7

والذي أنشده سيبويه: ومن أجل، والجال والجول: الناحية. والطوي: البئر. يريد رماني بما عاد عليه ضره وشره، كمن يرمي من بئر فيعود رميه عليه. فانظر إلى هذا المعنى كيف أخذه عبادة المخنث لما نكب المتوكل محمد بن عبد الملك الزيات ورماه في تنور كان ابن الزيات اتخذه لابن أسباط المصري، وجعله كله مسامير، فإذا وقف الواقف لم يقدر يتحرك إلى ناحية إلا ضربته المسامير، فلا يزال قائماً حتى يموت. فاطلع عليه عبادة المخنث فقال له: أردت أن تخبز في هذا التنور، فخبزت فيه، فضحك المتوكل. فقال عبادة: هذا يا أمير المؤمنين مثل رجل كان حفاراً للقبور مات، فمرت به واحدة من أصحابنا فقالت: أما علمت أنه من حفر لأخيه حفرةً يسقط فيها. الظريف من الخطاب يخلص من الهلاك وكم ظريفة من الخطاب، ومليحة من الجواب، خلصت من الهلاك، من نصبت له الأشراك، وسلمت من الحتوف، من أصلتت له السيوف. قال الأصمعي: خرج الحجاج متصيداً، فوقف على أعرابي يرعى إبلاً وقد انقطع عن أصحابه، فقال: يا أعرابي، كيف سيرة أميركم الحجاج؟ فقال الأعرابي: غشوم ظلوم لا حياه الله ولا بياه. قال الحجاج: فلو شكوتموه إلى أمير المؤمنين؟ فقال الأعرابي: هو أظلم منه وأغشم، عليه لعنة الله! قال: فبينا هو كذلك إذ أحاطت به جنوده، فأومأ إلى الأعرابي فأخذ وحمل، فلما صار معهم قال: من هذا؟ قالوا: الأمير الحجاج، فعلم أنه قد أحيط به، فحرك دابته حتى صار بالقرب منه، فناداه: أيها الأمير: قال: ما تشاء يا أعرابي؟ قال: أحب أن يكون السر الذي بيني وبينك مكتوماً؛ فضحك الحجاج وخلى سبيله. وخرج مرة أخرى فلقي رجلاً. فقال: كيف سيرة الحجاج فيكم؟ فشتمه أقبح من شتم الأول حتى أغضبه، فقال: أتدري من أنا؟ قال: ومن عسيت أن تكون؟ قال: أنا الحجاج، قال: أوتدري من أنا؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا مولى بني عامر، أجن في الشهر مرتين هذه إحداهما. فضحك وتركه. المهدي وأحد المصلين وقدم المهدي المدينة، فخرج ليلةً إلى مسجد رسول الله ﷺ مستخفياً ليصلي، فبينما هو كذلك إذ جاء مدني فقام إلى جانبه يصلي، فلما قضى صلاته قال للمدني: أقدم خليفتكم؟ قال: نعم! فعل الله به وفعل وأراحنا منه، وجعل يدعو على المهدي وانصرف؛ فدخل عليه الربيع؛ فقال: يا ربيع؛ جلس إلى جانبي البارحة مدني فما ترك دعاءً إلا ودعا به علي. فقال: أتعرفه؟ قال: نعم، إذا رأيته! ثم ركب المهدي واجتمع أهل المدينة ينظرون، فوقعت عينه على الرجل؛ فقال: يا ربيع؛ ألا ترى الرجل الذي صفته كذا وكذا! هو ذاك صاحبي، فأمر به الربيع فأخذ، فلما رجع المهدي دعا به. فقال: يا هذا، هل أسأت إليك قط؟ قال: لا؛ قال: فهل لك مظلمة تطالبني بها؟ قال: لا، قال: فما دعاؤك علي حين صليت إلى جانبي؟ فقال المدني: فديتك والله! وعتق ما أملك؛ وامرأتي طالق إن لم أكن أغير كنيتي في اليوم مرتين وثلاثاً للملال. فضحك المهدي وأحسن صلته. حسن التخلص وخرج ابن أحمد المدني أيام العصبية إلى أذربيجان، فلقيه فرسان، فسقط في يده، فقال: الساعة يسألونني من أنا؟ وأخاف أن أقول مضري وهم يمانية، أو يماني وهم مضرية، فيقتلونني؛ فقربوا منه، وقالوا: يا فتى، ممن أنت؟ قال: ولد زنا، عافاكم الله! فضحكوا منه، وأعطوه الأمان، فأخبرهم بنفسه، فأرسلوا معه من يوصله إلى مقصده.

стр. 8

وخرج الربيع من عند أبي جعفر عبد الله المنصور فقال: أمير المؤمنين يسأل من يعرف من يشبهه من خلفاء بني أمية أن يذكر ما عنده، فقال أبو بكر بن عياش المنتوف: أنا أعرف ذلك، ولكن لا أقول إلا مشافهة، فدخل ثم خرج فقال: أمير المؤمنين يقول لك: قد علمت أنك إنما تطلب الدخول لتتوسل إلى أموالنا، فأدخل. فدخل فقال له: من أشبه من خلفاء بني أمية؟ فقال: عبد الملك بن مروان. قال: كيف قلت ذلك؟ قال: لأن أول اسمك عين وهو أول اسمه عين، وأول اسم أبيه ميم، وأول اسم أبيك ميم، وقتل ثلاثة أول أسمائهم عين وكذلك أنت، قال: ومن قتل؟ قال: عبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وعمرو بن سعيد بن العاص، وقتلت يا أمير المؤمنين عبد الرحمن بن مسلم يريد أبا مسلم الخراساني وعبد الجبار بن عبد الرحمن الخارجي، قال: وأردت أن أقول، وقتلت عبد الله بن علي عمك، فعرفت أنه يكره ذلك؛ لأنه أسقط عليه البيت الذي كان فيه، وادعى أن البيت سقط، وقد كان عيسى بن موسى يسام في نزع البيعة، وهو مضيق عليه، فقلت: وسقط الحائط على عبد الله بن علي. قال: فالحائط سقط عليه فما علينا؟ فقلت: لا شيء يا أمير المؤمنين. وها هنا حائط آخر مائل على عين أخرى وهو عيسى بن موسى إن لم تدعموه بفضلكم خفت أن يسقط. فضحك ثم قال: أولى لك. وخرج المأمون منفرداً فإذا بأعرابي فسلم عليه. فقال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: الرجاء لهذا الخليفة، وقد قلت أبياتاً أستمطر بها فضله، قال: أنشدنيها، قال: يا ركيك، أويحسن أن أنشدك ما أنشد الملوك؟ فقال: يا أعرابي، إنك لن تصل إليه ولن تقدر مع امتناع أبوابه وشدة حجابه، ولكن هل لك أن تنحلنيها، وهذه ألف دينار فخذها وانصرف ودعني أتوسل، لعلي أتوصل؟ قال: لقد رضيت، فبينما هما في المراجعة إذ أحدقت الخيل به وسلم عليه بالخلافة، فعلم الأعرابي أنه قد وقع، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين؛ أتحفظ من لغات اليمن شيئاً؟ قال: نعم! قال: فمن يبدل القاف كافاً؟ قال: بنو الحارث بن كعب، قال: لعنها الله من لغة لا أعود إليها بعد اليوم. فضحك المأمون وأمر له بألف دينار. المأمون ومخارق وغنى مخارق بحضرة المأمون أبيات مسكين الدارمي وذهب عنه معناها وفيمن قيلت، وهي: على الطائر الميمون والسعد إنّه ... لكلك أناسٍ أنجمٌ وسعود ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر ... ومروان أم ماذا يقول سعيد إذا المنبر الغربيّ خلّى مكانه ... فإنّ أمير المؤمنين يزيد وابن عامر هو عبد الله بن عامر بن كريز، ومروان بن الحكم بن أبي العاص، وسعيد بن العاص، وهؤلاء شيوخ بني أمية والمترشحون للخلافة بعد معاوية، وعمرو بن سعيد بن العاص هو الأشدق، وطلب الخروج على عبد الملك بن مروان فقتله. فلما بلغ مخارق إلى آخر البيت الأخير وهم أن يقول يزيد استيقظ، فقال: مخارق، فضحك المأمون وقال: لو قلت يزيد ما عشت. الملح تصرف المخاوف وتنقذ الملهوف وكم صرفت الملح من مخوف، وأنقذت من ملهوف. قال عيسى بن يزيد بن دأب: أرسل يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن جعفر في جارية له مغنية يسأله إياها؛ فقال له الرسول: أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: فلانة أعجبتني، ويجب أن تؤثرني بها. فقال عبد الله لمولاه بديح المليح: أي شيء يقول؟ قال بديح: فقلت له: يقرئك السلام، ويقول: كيف بت في ليلتك هذه؟ قال: يقول عبد الله: أقرئ أمير المؤمنين السلام. فقال الرسول: ليس كذا قلت ولا له جئت. فقال: ما يقول؟ فأعاد بديح القول، فخرج الرسول مغضباً ومضى إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، بلغت ابن جعفر رسالتك وإلى جنبه رجل مجنون ما أدري كيف هو يحكي خلاف ما أقول! فقال: علي به، قال بديح: فذهب بي إليه، فلما دخلت شتمني وقال: تصنع هذا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، متى عهدك بابن جعفر لا يسمع؟ إقباله علي يسألني منع لجاريته وبخل بها؛ كره أن يعطيكها لمحبته لها فما ذنبي أنا؟! فضحك يزيد وقال: لعل الشيخ ضنين بجاريته. المأمون يشدد في الغناء

стр. 9

وكان المأمون قد حرم الغناء وشدد فيه فلقي علي بن هشام إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الجسر، فقال إسحاق لعلي بكلام يخفيه: قد زارتني اليوم فلانة، وهي أطيب الناس غناءً، فبحياتي إلا كنت اليوم عندي. فوعده بالحضور وتفرقا، وإذا بطفيلي يسمع كلامهما فمضى من وقته، فلبس ثياباً حسنة؛ واستعار من بعض إخوانه بغلة فارهة بسرجها ولجامها، فركبها وأتى باب علي بن هشام بعد أن نزل من الركوب بساعة، فقال للحاجب: عرف الأمير أن رسول صاحبه إسحاق بن إبراهيم بالباب؛ فدخل الحاجب وخرج مسرعاً وقال: ادخل جعلت فداك، فدخل على علي فرحب به، فقال له: يا سيدي يقول لك أخوك: تعلم ما اتفقنا عليه فلم تأخرت عني؟ فقال له: الساعة وحياتك نزلت من الركوب، والساعة أغير ثيابي وأوافيه، فاستوى على دابته ووافى منزل إسحاق؛ فقال للحاجب: عرف الأمير أني رسول علي بن هشام؛ فدخل الحاجب وخرج فقال: ادخل! جعلني الله فداك؛ فدخل فسلم وقال: أخوك يقرئك السلام ويقول لك: الساعة نزلت من الركوب، وقد غيرت ثيابي وتأهبت للمسير فما ترى؟ فقال: قل له يا سيدي قتلتنا جوعاً، فبحياتي إلا ما حضرت. فرجع إلى باب علي وقال للحاجب: تعرفه أن الأمير أمرني ألا أبرح أو يجيء معي. فغير علي بن هشام ثيابه، وركب دابته، وتبعه الطفيلي حتى نزل بباب إسحاق بن إبراهيم، ونزل الطفيلي معه، ودخلا جميعاً فسلما وجلسا، وجيء بالطعام فأكلوا، وإسحاق لا يشك أنه أخص الناس بعلي، وعلي لا يشك أنه أخص الناس بإسحاق، ثم غسلوا أيديهم وقدموا الشراب، وخرجت جارية من أحسن الناس وجهاً وزياً، فجلست وأتيت بعود، فغنت أحسن غناء، ودارت الأقداح فلم يزالوا على ذلك إلى بعد العصر، وأخذ الطفيلي البول حتى كاد يأتي على ثيابه فصبر جهده؛ فلما عيل صبره قام فدخل الخلاء، فقال علي لإسحاق: يا سيدي، ما أخف روح هذا الفتى وأحل نوادره! فمن أي وقع لك؟ قال أوليس هو صاحبك؟! قال: لا وحياتك ولا رأيته قبل يومي هذا، قال: فإنه جاءني برسالتك وقص قصته؛ وقص إسحاق مثلها، وداخله من الغيظ ما لم يملك معه نفسه؛ وقال: طفيلي يستجرىء علي وعلى النظر إلى حرمي والدخول إلى داري! يا غلمان: السياط والعقابين، المقارع والجلادين. فقامت في الدار جلبة، وأحضروا جميع ذلك، والطفيلي يسمع وهو في الخلاء، ثم إنه خرج رافعاً ثيابه غير مكترث بما فعلوه، وهو مقبل على تكة لباسه يشدها، ويتمشى في صحن الدار وهو يقول: جعلت فداك! إيش بي من جهدك! فهل عرفتني مع هذا كله؟ فقال إسحاق: ومن أنت؟ فقال: أنا صاحب خبر أمير المؤمنين، وعينه على سره، والله لولا تحرمي بطعامك وممالحتي لتركتكما في عمىً من أمري، حتى كنت تعرف عاقبة حالك وإقدامك على ما فيه هلاكك وفساد أمرك! فقام إليه إسحاق وعلي يسكتانه وقالا له: يا هذا، إننا لم نعرفك ولم نعلم حالك، ولك الفضل علينا، وأنت المحسن المجمل إلينا؛ ولكن تمم إحسانك بسترك ما نحن عليه. ثم قال إسحاق: يا غلام، الخلع! فأتي بثياب فاخرة فصبت عليه، وتقدم بإسراج دابة هملاج بسرج مخفف ولجام حسن؛ ولم يزالا به حتى طابت نفسه، ووعدهما كتمان أمرهما، وحضر وقت الانصراف فودعهما وانصرف، فأتبعه إسحاق بخادمه معه صرة فيها ثلاثمائة دينار، فأخذها وركب الدابة ومضى. فلما كان من الغد دخل علي بن هشام على المأمون. فقال: يا علي؛ كيف كان خبرك أمس؟ على حسب ما يجري السؤال عنه فتغير لونه، ولم يشك في أن الحديث رفع إليه؛ فأكب على البساط يقبله وقال: يا أمير المؤمنين، العفو، يا أمير المؤمنين، الأمان. قال: لك الأمان. فأخبره بالقصة من أولها إلى آخرها. فضحك المأمون حتى كاد يغشى عليه، وقال: ما في الدنيا أملح من هذا. ووجه خلف إسحاق، فلما حضر قال: هيه يا إسحاق؟ كيف كان خبرك أمس؟ فأخبره كخبر علي بن هشام والمأمون يضحك. ثم قال: يا إسحاق؛ بحياتي أطلب الرجل وجئني به، فلم يزل يطلبه حتى وجده، فكان أحد ندماء المأمون. الجنابي وصاحب الأحمال

стр. 10

ولما ظفر سليمان بن حسن الجنابي يوم الهبير بالحجاج وقتلهم فأخذ أموالهم، كان في جملة ما أخذ أحمال فيها من رفيع البز والثقل وظريف الوشي والمصمت ما أعجبه وأبهته. فقال: علي بصاحب هذه الأحمال. قال صاحبها: فأتيته فقال: ما منعك أن يكون ما جئت به أكثر من هذا؟ فقلت: لو علمت أن السوق بهذا النفاق لفعلت، فاستظرفني ودفع إلي مالاً وجميع ما أخذ لي، وأرسل معي من يحفظني حتى وصلت. وكان أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات الوزير المعروف بابن حنزابة وحنزابة: أمه رومية، ولها من العقل والحزم ما نوه باسمها قد اقتطع في أيام الإخشيد قيمة مائة دينار في أمور تولاها له، فحاسب أبا زكريا النصراني، المعروف بحبوسة، وكان على الخراج، فألزمه عشرة آلاف دينار وطالبه بها، فقال: أعز الله الأمير! وهل قامت علي حجة يلزمني بها الأداء؟ قال: هو ما أقول لك يا لص! فقال: إنما هو لصيص، فضحك وتركه. الملح تبلغ المطالب وترفع من لا قدم لقومه وكم أفادت من الرغائب، وبلغت من المطالب، ورفعت من لا قدم لقومه، ولا أمس ليومه. كما حكى أبو الحسن المدائني قال: كان بالبصرة ثلاثة إخوان يتعاشرون ولا يفترقون؛ اثنان شاعران والآخر منجم لا يحسن شيئاً، ففني ما بأيديهم، فخرج الشاعران إلى بغداد، فمدحا من بها من الأشراف؛ فرجعا وقد اعتقدا أموالاً نفيسة، وبقي صاحبهما في فقره؛ فقالا له: لو ذهبت فتسببت؟ فقال: ما لي صناعة ولا عندي بضاعة. فقالا: على كل حال معك ظرف ولك لطف. فخرج إلى بغداد واتصل بيقطين بن موسى وقال: ما أتيت إليك بشيء، غير أني أكذب الناس، فضحك وخف على قلبه؛ فكان في جملة حاشيته. فغضب المهدي على عبد الله بن مالك الخزاعي؛ فأتاه الرجل وهو من المهدي في أشد السخط، وقد ألزمه داره؛ فقال للحاجب: استأذن على الأمير، وقل له: رسول الأمير يقطين بالباب، فدخل وخرج له بالإذن فدخل. وقال: الأمير يقول لك: اليوم كنت عند أمير المؤمنين فدكرته سالف حقوقك وقديم خدمتك؛ فعفا عنك، وأمرك بالركوب غداً ليخلع عليك ويجدد الرضا عنك بمحضر الناس. فسر عبد الله بذلك، ودفع إلى الرجل مالاً، وبكر إلى دار المهدي، فاستأذن عليه. فلما دخل قال: ما جاء بك؟ قبحك الله! وقد أمرناك بلزوم دارك؟ قال: أوما رضيت عني يا أمير المؤمنين، وأمرت يقطيناً بإحضاري؟ فقال: إذاً لا رضي الله عني، ولا خطر هذا بقلبي. قال: فرسوله أتاني بذلك. قال: علي بيقطين: فأتي به فقال: أتكذب علي وتحكي علي ما لم أقله؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: زعمت أني رضيت عن هذا. فقال يقطين: وأيمان البيعة يا أمير المؤمنين إن كنت سمعت بشيء من هذا أو قلته. قال عبد الله: بل أتاني رسولك فلان. فبعث خلف الرجل بحضرة المهدي، فلما حضر قال: ما هذا الذي فعلت؟ قال: يا سيدي، هذا بعض ذلك المتاع، بدأت في نشره خوفاً عليه من السوس. فقال المهدي: ما يقول؟ فأخبره يقطين بأول أمره معه، فضحك المهدي وجدد الرضا عن عبد الله بن مالك، ووصل الرجل بصلة جزيلة، ووصله عبد الله بأوفر صلة؛ فانصرف إلى صاحبيه واسع النعمة عظيم المال. حاجة أهل الأدب إلى ظريف المضحكات وهل يستغني أهل الأدب وأولو الأرب عن معرفة ظريف المضحكات، وشريف المفاكهات، إذا لاطفوا ظريفاً، أو مازحوا شريفاً؟ فقد قال الأصمعي: بالعلم وصلنا وبالملح نلنا. وروى أبو هفان قال: دخل أبو نواس على يحيى بن خالد فقال له: يا أبا علي؛ أنشدني بعض ما قلت؛ فأنشده: كم من حديثٍ معجب لي عندكا ... لو قد نبذت به إليك لسرّكا إني أنا الرجل الحكيم بطبعه ... ويزيد في علمي حكاية من حكى أتتّبع الظرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدث من أحبّ فيضحكا فقال له يحيى: يا أبا علي؛ إن زندك ليوري بأول قدحة. فقال ارتجالاً في معنى قول يحيى: أما زند أبي عليّ إنه ... زندٌ إذا استوريت سهل قد حكى إنّ الإله لعلمه بعباده ... قد صاغ جدّك للسماح ومزحكا تأبى الصنائع همّتي وقريحتي ... من أهلها وتعاف إلاّ منحكا وحضر الجماز مع أبي نواس مجلس قينة، فأقبل الجماز يمالحها ويمازحها وأبو نواس ساكت؛ فمالت إليه، فقال الجماز:

стр. 11

أبو نواس جذره شعره ... وجذرنا حسن الحكايات فجذرنا أكثر من جذره ... مدّاً على أهل المروءات فقال أبو نواس: صدقت لا ننكر هذا كما ... أمّك رأس في المناحات فأقبلت القينة على أبي نواس وغنت، فقال لها الجماز: ما سمعت والله أحسن من هذا، فقال أبو نواس: ولا نواح أمك إلا أن يكون عليك فإنه والله أحسن. وكان يصطحبان وهما حدثان، وأمه أذين النائحة وله يقول أبو نواس: اسقني يابن أذين ... من سلاف الزّرجون وقال أبو ذؤيب في الملح: وسرب يطلّى بالعبير كأنه ... دماء ظباءٍ بالنّحور ذبيح بذلت لهنّ القول إنك واجدٌ ... لما شئته حلو الكلام مليح فأمكنّه ممّا يقول وبعضهم ... شقيّ لدى خيراتهن نطيح يريد أن الملاحة نفعته عندهنّ حتى أمكنّه مما يريد: وقال أعرابي: ألا زعمت عفراء بالشام أنني ... غلام جوارٍ لا غلام حروب وإني لأهدى بالأوانس كالدّمى ... وإني بأطراف القنا للعوب وإني على ما كان من عنجهيّتي ... ولوثة أعرابيتي لأديب كأن الأدب غريبة عند العرب؛ فافتخر بما عنده منه، وأنه يرجو به القربى ويأمل به الزلفى. من فقدت مؤانسته ثقل ظلمه ورب مجلس فض فيه ختام النشاط، ونشر بساط الانبساط، وفيه بغيض لا يفيض، بقدح في مزح، قد ثقل ظله، وركد نسيمه، وجمد هواه، وغارت نجومه؛ فاستثقله من حضر، وعاد صفوهم إلى كدر، وأنكرت مجالسته؛ إذ فقدت مؤانسته، ولو كانت له دراية، أو معه رواية، أو عنده حكاية، ما كان كما قال الشاعر: مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه بغضاً لحظة الرّامق يظلّ في مجلسنا جالساً ... أثقل من واشٍ على عاشق ولا كما قال الحمدوني لبعض الثقلاء: سألتك بالله إلاّ صدقت ... وعلمي بأنّك لا تصدق أتبغض نفسك من بغضها ... وإلاّ فأنت إذاً أحمق وقال أبو علي العتابي: حدثني الحمدوني قال: بعث إلي أحمد بن حرب المهلبي في غداة السماء فيها مغيمة، فأتيته والمائدة مغطاة موضوعة، وقد وافت عجاب المغنية قبلي، فأكلنا جميعاً وجلسنا على شرابنا، فما راعنا إلا داق يقرع الباب. فأتاه الغلام فقال: بالباب فلان. فقال لي: إنه فتى ظريف من آل المهلب؛ فقلت: ما نريد غير ما نحن فيه، فأذن له، فجاء يخطر وقدامي قدح فيه شراب فكسره، وإذا رجل آدم أدلم ضخم، فتكلم فإذا به أعيا الناس، وتخطى وجلس بيني وبين عجاب، فدعوت بدواة وقرطاس وكتبت: كدّر الله عيش من كدّر العي ... ش وقد كان سائغاً مستطابا جاءنا والسماء تؤذن بالغي ... ث وقد طابق السماع الشرابا كسر الكأس وهي كالكوكب الدرّ ... ي ضمّت من المدام لعابا قلت لما رميت منه بما أك ... ره والدّهر ما أفاد أصابا عجّل الله غارةً لابن حرب ... تدع الدار بعد شهرٍ خرابا ودفعت لرقعة إلى أحمد، فقرأها وقال: ويحك! هلا نفست؟ فقلت: بعد حول؟ قال: قلت: إنما أردت أن أقول بعد يوم، ولكن خلفت أن تلحقني مضرته. وفطن الثقيل فنهض. فقال لي: آذيته، فقلت: بل هو آذاني. وهذا لعمري وإن أساء في قدومه وإقدامه، فقد أحسن في نهوضه وقيامه، وقد قال الشاعر: ولما تخوفت ولا لوم أن ... تدبر من ودّك بالمقبل أقللت من إتيانكم إنّه ... من خاف أن يثقل لم يثقل وكان يجالس أبا عبيدة معمر بن المثنى رجل ثقيل اسمه زنباع، فكان كالشجا المعترض في حلقه يتناكده ويسيء خلقه؛ فلا يتكلم أبو عبيدة بكلمة إلا عارضه بكثرة جهله، وقلة عقله. فقال رجل لأبي عبيدة: مم اشتقت الزنبعة في كلام العرب؟ فقال: من التثاقل والتباغض، ومنه سمي جليسنا هذا زنباعاً. وامتحن أبو عبد الرحمن العتبي بمثل ذلك من رجل، فلما طال عليه أنشده: أما والذي نادى من الطور عبده ... وأنزل فرقاناً وأوحى إلى النّحل لقد ولدت حوّاء منك بليّةً ... عليّ أقاسيها وثقلاً من الثقل

стр. 12

وانحدر خالد بن صفوان مع بلال بن أبي بردة إلى البصرة، فلما اقتربا من البطيحة قال بلال لخالد: أتستثقل عكابة النميري؟ قال: كدت والله أيها الأمير تصدع قلبي؛ حين دنونا من آجام البطيحة، وعكر البصرة، وغثاء البحر، ذكرت لي رجلاً هو أثقل على قلبي من شارب الأيارج بماء البحر بعقب التخمة، وساعة الحجامة. وكان عكابة بن غيلة هذا أهوج جاهلاً، ودخل على بلال فرأى ثوراً مجللاً ناحية الدار فقال: ما أفره هذا البغل إلا أن حوافره مشققة. وترك بعض الظرفاء النبيذ، فتحاماه معاشروه خوفاً أن يكون ما أحدث من الترك دعاه إلى زيادة النسك، وأوجب له الانقباض والإعراض عما كانوا معه فيه يفيضون ويخوضون فقال: تحاموني لتركي شرب راحٍ ... وقالوا يشرب الماء القراحا وما انفردوا بها دوني لفضلٍ ... إذا ما كنت أكثرهم مزاحا وأرقصهم على وترٍ وصنجٍ ... وأظرفهم وألطفهم مراحا إذا شقّوا الجيوب شققت جيبي ... وإن صاحوا علوتهم صياحا الفكاهة من أسباب الاقتراب وقال الفتح بن خاقان: ما رأيت أحلى من ابن أبي دواد، كنت يوماً ألاعب المتوكل الشطرنج فاستؤذن له، وهو يومئذ قاضي القضاة، لم يتغير عما كان عليه أيام الواثق بعد، وله جلالة الشرف والعلم؛ فأمرنا بعض الغلمان برفعها استحياء منه، فقال له المتوكل: والله ما ترفع، وما كنت لأستتر من ابن أبي دواد بشيء لا أستتر به من الله ؛ فدخل وهي بين أيدينا، فقال له المتوكل: أيها القاضي؛ إن الفتح استحيا منك، فأراد رفع الشطرنج، فقال: ما استحيا مني؛ إنما كره أن أعلم عليه، فاستحلاه المتوكل، وخف على قلبه. ورب مستثقل ازور له الجناب، وطال به الاجتناب، كانت له الفكاهة من أسباب الاقتراب. وذكر أن روح بن زنباع بعد ما بينه وبين عبد الملك بن مروان حتى استثقل جانبه؛ وأحس روح منه التغير؛ فقال لبعض جلساء عبد الملك: إذا حضرنا مجلس الأنس عند أمير المؤمنين فسلني: هل كان ابن عمر يسمع المزاح؟ فلما اجتمعوا سأل الرجل روحاً فقال: نعم! وإن أذن أمير المؤمنين تحدثت. فقال عبد الملك: قل، فقال: إن ابن أبي عتيق كان صاحب لهو وغزل وعلى عفافه وشرفه؛ وكانت له امرأة من أشراف قريش، فغاضبته في بعض الأمر، فقالت: ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت مالك أيّما قمر أنفقت مالك غير متّئدٍ ... في كل زانيةٍ وفي الخمر فكتب ابن أبي عتيق الشعر وخرج به في يده، فلقي ابن عمر فقال: ما ترى فيمن هجاني في هذا الشعر؟ فقال: أرى أن تعفو وتصفح، قال: والله لئن لقيت قائلهما لأ ... فأخذ ابن عمر الأفكل، ولبط به الأرض، وقال: لا أكلمك أبداً، ثم لقيه بد ذلك؛ فلما أبصره ابن عمر أعرض عنه، فقال له: بالقبر ومن فيه إلا سمعت مني حرفين، فولاه قفاه، وأنصت له، فقال: علمت يا أبا عبيد الرحمن أني لقيت قائل ذلك الشعر و ... ؟ فصعق عبد الله وسقط على الأرض، فلما رأى ابن أبي عتيق ما حل به دنا من أذنه، فقال: إنها امرأتي أعزك الله. فقام ابن عمر فقبله بين عينيه. فقال عبد الملك: ما أملحك يا روح! إنك كل يوم لتأتينا بطريفة. جبن روح وكان روح مفرطاً في الجبن، فلما ولى عبد الملك أخاه بشراً على الكوفة أصحبه روحاً، وقال له: يا بني، روح مثل عمك فلا تقطع أمراً دونه لصدقه وعفافه وصحبته لنا أهل البيت. وقال لروح: اخرج مع ابن أخيك. فخرج معه وكان بشر ظريفاً أديباً، يحب الشعر والسمر والسماع والشرب؛ فراقب روحاً، وقال لأصحابه: أخاف أن يكتب بأخبارنا إلى أمير المؤمنين، فضمن له بعض ندمائه أن يكفيه أمره من غير سخط ولا لائمة، وكان روح غيوراً إذا خرج من منزله أغلقه ثم ختمه بخاتمه حتى يعود فيفضه بيده، فأخذ الفتى دواة وقلماً، وأتى ممسياً فقعد بالقرب من دار روح مستخفياً، وخرج روح إلى الصلاة، فتوصل الفتى حتى دخل الدهليز وكمن تحت درجة فيه وكتب في الحائط: يا روح من لبنيّات وأرملة ... إذا نعاك لأهل المشرق الناعي إن ابن مروان قد حانت منيّته ... فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع فلا تغرنّك أبكار منعّمة ... فاسمع هديت مقال الناصح الداعي

стр. 13

ثم رجع إلى مكانه من الدهليز، فلما خرج روح من الغلس، وتبعه غلمانه خرج الفتى في جملتهم متنكراً وخلص. فلما أسفر الصبح دخل روح فتأمل الكتابة فراعه وقال: ما كتب هذا إنسي، وما يدخل هذه الدار سواي، ولا حظ في المقام بالعراق؛ ثم نهض من ساعته ودخل على بشر وقال: يابن أخي، أوصني بما أحببت من حاجة أو سبب عند أمير المؤمنين. فقال له: هل رأيت منا ما تكره؛ أو أنكرت شيئاً من سيرتنا فلم يسعك المقام؟ فقال: لا والله، جزاك الله عن نفسك وعن سلطانك خيراً، ولكن حدث أمر لا بد لي من الشخوص فيه. فأقسم عليه ليخبرنه بالخبر. فقال: إن أمير المؤمنين قد مات أو هو ميت. فقال بشر: ومن أين علمت ذلك؟ فأخبره بخبر الكتابة، وقال: ليس يدخل داري أحد غيري، وما كتبه إلا الملائكة أو الجن. فقال بشر: أقم فإني لأرجو ألا يكون لهذا حقيقة. فأبى. وقدم على عبد الملك فقال له: ما أقدمك؟ أنكرت شيئاً من حال بشر؟ قال: لا والله، وذكر حسن سيرته، وقال: إنما جئت في أمر لا يمكنني ذكره إلا خالياً. فقال عبد الملك: إن شئتم، وخلا بروح فأخبره القصة، وأنشد الأبيات؛ فضحك عبد الملك حتى فحص برجليه، وقال: ثقلت والله على بشر؛ فاحتال عليك ليخلوا له أمره. من مزح الجادين قال إسحاق: حدثني رجل من قريش قال: قال لي محمد بن خالد القرشي: ذكرت لي جارية عند أبي فلان القاضي، فامض بنا إليه. قال: فصرنا إليه واستأذنا فإذا هو يصلي؛ فلما فرغ من صلاته قال: لأمر ما جئتم؟ قلت: فلانة. قال لغلامه: يا غلام، علي بفلانة لتخرج، فخرجت علينا جارية كأنها مها تتثنى في مشيتها؛ فلما قعدت وضع عود في حجرها، فجسته واندفعت تغني: عوجي عليّ وسلّمي جبر ... كيف الوقوف وأنتم سفر ما نلتقي إلا ثلاث منى ... حتى يفرّق بيننا النّفر فقام القاضي على أربعة، قال: انحروني فإني بدنة، أهدوني فإني بدنة، والله لا أبيعها بمال يكال، ولا بمال يوزن، ولا بالخلافة، ولا بالدنيا، انصرفوا. وأتى إسحاق بن إبراهيم الموصلي باب الفضل بن يحيى فحجبه خادم اسمه نافذ مرات؛ فلقيه الفضل فقال: ما لك لا تأتينا يا إسحاق؟ فقال: أتيت أعز الله الأمير فحجبني نافذ. قال: ف ... ، قال: لا يمكنني، فأتى بعد ذلك فحجبه فكتب إلى الفضل: جعلت فداءك من كل سوءٍ ... إلى حسن رأيك أشكو أناسا يحولون بيني وبين السلام ... فلست أسلّم إلا اختلاسا وأنفذت أمرك في نافذٍ ... فما زاده ذاك إلاّ شماسا فلقيه بعد ذلك فقال: يا إسحاق، أكان ما ذكرت؟ فقال: بعض ذلك أصلح الله الأمير، فضحك وتقدم ألا يحجبه أحد إن أراد الدخول، وإنما كان الفضل استثقل إسحاق لبأو كان فيه، وكان الفضل أكبر الناس كبراً، وأعظمهم تعاظماً. وقال بعض الشعراء: وما على المرء ما لم يأت فاحشةً ... في لذة العيش لا عارٌ ولا حرج يأيها اللائمي فيما لهوت به ... عرّج بلومك إني عنه منعرج بعض من كرهوا المزاح فإن كره قوم المزاح فلقول أكثم بن صيفي: المزاح يزيح بهجة الأشراف. وقال أبو سليمان الداراني: أنا أكره المزاح لأنه مزاح عن الحق. وقال الحسن البصري: المزاح اختراع من الهواء. وقال زياد: من كثر مزاحه قل إلى النباهة ارتياحه. وقال عمر بن عبد العزيز: إياك والمزاح فإنه يجر القبيحة، ويورث الضغينة. وقال الأحنف: لن يسود مزاح، ولن يعظم مفاكه. وقال سعيد بن العاص لابنه: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فيجترىء عليك. وقال أبو نواس: صار جدّاً ما مزحت به ... رب جدّ ساقه اللعب متى يكون المزاح مكروهاً وقال ابن المعتز: من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به، أو حقد عليه. فإنما ذلك إذا كان المزاح غالباً على المرء، وكان المرء فيه غالباً يجريه في كل مكان ومع كل إنسان. وقد قال عمر ﵁ للأحنف: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر مزاحه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل ورعه، وذهب حياؤه، ومن ذهب حياؤه مات قلبه. أو ينزله الممازح تعريضاً بالمعايب، وتنبيهاً على المثالب؛ فذلك المكروه الذميم وصاحبه الملوم.

стр. 14

وقد قال خالد بن صفوان: يسعط أحدكم أخاه بمثل الخردل، ويقرعه بمثل الجندل، ويفرغ عليه بمثل المرجل، ويقول: إنما كنت أمزح. وقال محمود الوراق: تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه ... في لحن منطقه بما لا يذكر ويقول كنت ممازحاً ومداعباً ... هيهات نارك في الحشا تتسعّر أوما علمت وكان جهلك غالباً ... أنّ المزاح هو السباب الأصغر وقال ابن الرومي: حبذا حشمة الصديق إذا ما ... حجزت بينه وبين العقوق حين لا حبّا انبساطٌ يؤدي ... هـ إلى ترك واجبات الحقوق أين منجاتنا إذا ما لقينا ... من مسيغ الشجا شجىً في الحلوق من حسنوا المزاح وإلا فقد قالوا: لا بأس في المزاح بغير ريبة. وكان يقال: المزاح من أخلاق ذوي الدماثة. روي أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من كانت فيه دعاة فقد برىء من الكبر. وقد قيل: الممازح يقرب من ذي الحاجة إليه، ويمكن من الدالة عليه. وما زال الأشراف يمزحون ويسمحون بما لم يغض من دياناتهم، ولا يقدح من مروءاتهم، وقد قال النبي ﷺ : بعثت بالحنيفية السمحة. وقال ﵊: إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً. من مزاح النبي ﷺ فمن مزاحه ﷺ ما روى أنس بن مالك قال: كان لنا أخ يكنى أبا عمير. وكان له نغر يلعب به. فدخل رسول الله ﷺ فرآه حزيناً فقال: مال له؟ قالوا: مات نغره، فكان إذا رآه بعد ذلك قال: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ وكان رجل من أشجع يقال له زاهر بن حرام لا يزال يأتي النبي ﷺ بالهدية من البادية والطرفة، وكان رسول الله ﷺ يقول: إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه. فبينما هو في بعض أسواق المدينة إذ أتاه النبي ﷺ من ورائه فاحتضنه وقال: من يشتري مني هذا العبد؟ فالتفت الرجل فإذا هو برسول الله ﷺ . فقبل يده وقال: تجدني كاسداً يا رسول الله. فقال: لا، لكنك عند الله ربيح. وأتت إليه ﷺ امرأة فذكرت زوجها بشيء. فقال: زوجك الذي في عينه بياض. قال: فمضت فجعلت تتأمل زوجها فقال: ما لك؟ قالت: قال لي النبي ﷺ : إن في عينك بياضاً. فقال: بياض عيني أكثر من سوادها. سماع النبي ﷺ للمزاح وأما سماعه ﷺ لذلك فقد روي: أن صهيباً دخل عليه وعينه وجعة وبين يديه تمر، فأقبل صهيب يأكل؛ فقال: أتأكل التمر وعينك وجعة؟ فقال: إنما آكل بحذاء العين الصحيحة، فتبسم ﷺ . وذكروا أن أعرابياً أتاه فألفاه مغموماً ممتقع اللون؛ فقيل له: لا تكلمه وهو على هذه الحالة، فقال: لا أدعه أو يضحك. ثم جثا بين يديه فقال: يا رسول الله؛ بأبي أنت وأمي! إن الدجال يخرج وقد هلك الناس جوعاً فيأتيهم بالثريد، فترى أن آكل من ثريده حتى إذا تضلعت كذبته؟ فضحك ﷺ وقال: يغنيك الله بما يغني به المؤمنين حينئذ. وقالت أم سلمة: خرج أبو بكر ﵁ في تجارة إلى البصرة، قبل وفاة النبي ﷺ ، ومعه سويبط بن حرملة وكان قد شهد بدراً ونعيمان، وكان سويبط على الزاد، وكان نعيمان مزاحاً، فقال له نعيمان: أطعمني، فقال: حتى يجيء أبو بكر، فقال: أما لأغيظنك، فمروا بقوم فقال نعيمان: أتشترون مني عبداً؟ فقالوا: نعم! فقال: إنه عبد له كلام وهو قائل لكم: إنه حر، فإذا قال هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا علي عبدي. فقالوا: بل نشتريه. قال: فاشتروه مني بعشر قلائص، ثم أخذوه فوضعوا في عنقه حبلاً، فقال سويبط: إني حر ولست بعبد وهذا يستهزىء بكم. فقالوا له: قد خبرنا خبرك، فانطلقوا به، فجاء أبو بكر فأخبروه الخبر، فاتبع القوم فرد عليهم القلائص وأخذ منهم سويبطاً. ولما قدموا على النبي ﷺ فأخبروه الخبر، ضحك ﷺ وأصحابه حوله.

стр. 15

وكان سويبط قد كف بصره بعد رسول الله ﷺ ، فلقيه نعيمان في المسجد وهو يقول: من يخرجني حتى أبول؟ قال: أنا، وأخذ بيده فمضى به إلى زاوية في المسجد عامرة بالناس، فقال له: بل ههنا، فلما كشف ثوبه صاح الناس عليه من كل ناحية. فقال: من غرني؟ قالوا: نعيمان، فقال: لله علي لئن لقيته لأضربنه بعصاي؛ فلقيه بعد أيام فقال: أتحب أن أدلك على نعيمان لتوفي نذرك؟ قال: نعم، لله أبوك! فأخذ بيده حتى أتى عثمان بن عفان ﵁ وهو يصلي فقال: هذا هو. فرفع عصاه وضربه؛ فصاح به الناس وقالوا: أوجعت أمير المؤمنين، فقال: من قادني؟ قالوا: نعيمان، قال: لا يغرني بعدها. وابتاع عبد الله بن رواحة جاريةً وكتم ذلك امرأته؛ فبلغا ذلك فالتمست كونه عندها فأخبرت بذلك؛ فلما جاءها قالت له: بلغني أنك ابتعت جاريةً وأنك الساعة خرجت من عندها، وما أحسبك إلا جنباً؟ قال: ما فعلت، قالت: فاقرأ آيات من القرآن فقال: شهدت بأنّ وعد الله حقٌ ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ ... وفوق العرش ربّ العالمينا وتحمله ملائكةٌ شدادٌ ... ملائكة الإله مقربينا فقالت: أما إذ قد قرأت القرآن فقد علمت أنك مكذوب عليك. وافتقدته ليلةً أخرى فلم تجده على فراشها، فلم تزل تطلبه حتى قدرت عليه في ناحية الدار، فقالت: الآن صدقت ما بلغني فجحدها. فقالت: اقرأ آيات من القرآن، فقال: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... كما انشقّ معروفٌ من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا أثقلت بالمشركين المضاجع وأعلم علماً ليس بالظنّ أنني ... إلى الله محشورٌ هناك فراجع فقالت: آمنت بالله وكذبت ظني. فأخبر بذلك النبي ﷺ ؛ فضحك وقال: هذا لعمري من معاريض الكلام، يغفر الله يابن رواحة خياركم خيركم لنسائكم. وقال العجاج: أنشدت أبا هريرة: طاف الخيالان فهاجا سقماً ... خيال سلمى وخيالٌ تكتّما قامت تريك رهبة أن تصرما ... ساقاً بخنداةً وكعباً أدرما فقال أبو هريرة: قد كان يحدي بها ونحن مع رسول الله ﷺ فلا ينكر. زعم قوم أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء وقيل لابن سيرين: إن قوماً يرون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء؛ فقال: نبّثت أن فتاةً كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطّول ثم قال: الله أكبر ودخل في الصلاة. وسئل عن ذلك مرة أخرى وقد استفتح الصلاة فأنشد للأعشى: وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحاً بها الكلب إلاّ هريرا وتبرد برد رداء العرو ... س بالصيف رقرقت فيه العبيرا ثم كبر وصلى. وقال جرير بن حازم: كنت في مسجد الجهاضم فقرضت بيت شعر، فقالوا: ما نراك إلا قد أحدثت فتوضأ، فذعرني قولهم؛ فأتيت ابن سيرين وقد قام إلى الصلاة فقلت: رويدك يا أبا بكر! فقال: مهيم؟ فعرفته، فقال: هلا رددت عليهم: ديارٌ لرملة إذ عيشنا ... بها عيشة الأنعم الأفضل وإذ ودّها فارغٌ للصدي ... ق لم تتغيّر ولم تتبدّل كأنّ الثلوج وماء السحا ... ب والقرقفيّة بالفلفل وماء القرنفل والزنجبي ... ل شيب به ثمر السنبل يصبّ على برد أنيابها ... قبيل الصباح ولم ينجل ثم قال: الله أكبر. وقيل لابن سيرين: أنشد القذع من الشعر وأصلي؟ فقال: وأنت لو باكرت مشمولةً ... صفراء مثل الفرس الأشقر رحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر مساجلة بين ابن الأنباري وابن المعتز وها هنا مساجلة جرت بين أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري وأبي العباس عبد الله بن المعتز، لها في هذا الموضع موقع وهي طويلة اختصرت منها موضع الحاجة:

стр. 16

كتب ابن الأنباري إليه: جرى في مجلس الأمير ذكر الحسن بن هانىء والشعر الذي قاله في المجون وأنشده وهو يؤم قوماً في صلاة؛ وهو إن لكل ساقطة لاقطة، وإن لكلام القوم رواة، وكل مقول محمول. فكان حق شعر هذا الخليع ألا يتلقاه الناس بألسنتهم؛ ولا يدونونه في كتبهم، ولا يحمله متقدمهم إلى متأخرهم؛ لأن ذوي الأقدار والأسنان يجلون عن روايته، والأحداث يغشون بحفظه، ولا ينشد في المساجد، ولا يتحمل بذكره في المشاهد؛ فإن صنع فيه غناء كان أعظم لبليته؛ لأنه إنما يظهر في غلبة سلطان الهوى، فيهيج الدواعي الدنيئة، ويقوي الخواطر الرديئة؛ والإنسان ضعيف يتنازعه على ضعفه سلطان القوى؛ ونفسه الأمارة بالسوء، والنفس في انصبابها إلى لذاتها بمنزلة كوة منحدرة من رأس رابية إلى قرار فيه نار، إن لم تحبس بزواجر الدين والحياء أداها انحدارها إلى ما فيه هلكتها. والحسن بن هانىء ومن سلك سبيله من الشعر الذي ذكرناه شطار كشفوا للناس عوارهم، وهتكوا عندهم أسرارهم، وأبدوا لهم مساويهم ومخازيهم، وحسنوا ركوب القبائح. فعلى كل متدين أن يذم أخبارهم وأفعالهم، وعلى كل متصور أن يستقبح ما استحسنوه، ويتنزه من فعله وحكايته. وقول هذا الخليع: ترك ركوب المعاصي إزراء بعفو الله تعالى حض على المعاصي أن يتقرب إلى الله بها تعظيماً للعفو، وكفى بهذا مجوناً وخلعاً داعياً إلى التهمة لقائله في عظم الدين، وأحسن من هذا وأوضح قول أبي العتاهية: يخاف معاصيه من يتوب ... فكيف ترى حال من لا يتوب جواب ابن المعتز فأجابه ابن المعتز: لم يقل أبو نواس ترك المعاصي إزراء بعفو الله تعالى، وإنما حكى ذلك عن متكلم غيره، والبيت الذي أنشد له بحضرتنا: لا تحظر العفو إن كنت امرأً حرجاً ... فإن حظركه بالدين إزراء وهذا بيت يجوز للناس جميعاً استحسانه والتمثل به، ولم يؤسس الشعر بانيه على أن يكون المبرز في ميدانه من اقتصر على الصدق ولم يغو بصبوة، ولم يرخص في هفوة، ولم ينطق بكذبة، ولم يغرق في ذم، ولم يتجاوز في مدح، ولم يزور الباطل ويكسبه معارض الحق؛ ولو سلك بالشعر هذا المسلك لكان صاحب لوائه من المتقدمين أمية ابن أبي الصلت الثقفي، وعدي بن زيد العبادي؛ إذ كانا أكثر تذكيراً وتحذيراً ومواعظ في أشعارهما من امرىء القيس والنابغة. فقد قال امرؤ القيس: سموت إليها بعدما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالاً على حال فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها ... عليه القتام سيّىء الظنّ والبال يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتّال وقال النابغة: وإذا لمست لمست أخثم رابياً ... متحيّزاً بمكانه ملء اليد وإذا طعنت طعنت في مستهدفٍ ... وابي المجسّة بالعبير مقرمد وهل يتناشد الناس أشعار امرىء القيس والأعشى والفرزدق وعمر بن أبي ربيعة وبشار وأبي نواس على تعيهرهم، ومهاجاة جرير والفرزدق إلا على ملأ الناس وفي حلق المساجد؟ وهل يروي ذلك إلا العلماء الموثوق بصدقهم. وقد نفى حسان بن ثابت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فما بلغنا أن النبي ﷺ أنكر ذلك عليه في هجائه حيث يقول: وأنت ربيط نيط في آل هاشمٍ ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وقد زعم بعض الرواة أن النبي ﷺ قال للحارث: أنت من خير أهلي. وما نهى النبي ﷺ ولا السلف الصالح من الخلفاء المهديين بعده عن إنشاد شعر عاهر ولا فاجر. ولقد أنشد سعيد بن المسيب وغيره من نظرائه تهاجي جرير وعمر بن لجأ فجعل يقول: أكله أكله. يعني أكله جرير ولم ينكر شيئاً مما سمعه. رد ابن الأنباري

стр. 17

فأجابه ابن الأنباري: قد صدق سيدنا أيده الله في كل ما قاله من الأشعار التي عدل قائلوها عن سنن المؤمنين المتقين، ولم أكن أجهل أكثر ذلك، إلا أنه لم يخطر ببالي ذكر ما كنت أعرف منه في وقت كتابتي ما كتبت به، وما كل ما يعرف الإنسان يحضره، ولا تتواتى كل وقت خواطره؛ على أن الذي جرى في هذا الأمر إنما هو على سبيل التعلم والتفهم. يذكر الذاكر شيئاً قد تقدم صوابه. فيحتج له، وعليه فيه حجة قد تركها، فيكشف السامع لها غطاءه مستبصراً أو مذكراً، فإن كان الحق ضالته وجد ما ابتغى، وغنم ما وجد، وإن أنف من الرجوع، واشتد عليه النزوع، جحد ما علم، واحتج لما جهل؛ لأن كل مطالب بباطل لا يخلو من جهل بما يدعي، أو جهل بما يعرف، ولم يعقد أعز الله الأمير مجلس لمناظرة في علم يعطى النظر فيه حقه إلا فاز المرء فيه باستفادة صواب كان يجهله، ورجوع عن خطأ كان يعتقده. ولست أعز الله الأمير بمعصوم، ومن لم يكن معصوماً لم يكن صوابه بمضمون، ولا زلله بمأمون، وعلى حسب ما جرى تعلق قلبي بمعرف ما تضمنته رقعتي هذه من الأمير، فإن كان لامتنانه بتعريفي ذلك في جواب عنها وجيه جرى فيه على عادة طوله وفضله إن شاء الله. جواب ابن المعتز فأجابه ابن المعتز: إنما أحببت أعزك الله أن تكون من الإخوان الذين يتجانون ثمر التناصح فيتذاكرون فيتذكرون، ويتدارسون فيفيدون ويستفيدون، ففتحت بيني وبينك هذا الباب آذناً بالولوج علي منه، واثقاً بكمال عقلك في المسارعة إليه، وصنت مودتنا على استحسان مزور، وتعمد الجحد في إقراره، وملق مكاشر يظهر التصديق بلا إنكار. ولا يزال الإخوان يسافرون في المودة حتى يلقوا الثقة فتلقى عصا التسيار، وتطمئن بهم الدار، وتقبل وفود النصائح، وتؤمن خبايا الضمائر، وتلقى ملابس التخلق، وتحل عقد التحفظ، وقد أبعدك الله تعالى من الخطأ لما أشرق نور الصواب، ولم لا وبلى يصطرعان على الحق، وبالتعب وطىء فراش الراحة، وبالبحث تستخرج دفائن العلوم، ولا فرق بين إنسان يقاد وبهيمة تنقاد. ولولا أن الناس اختلفوا متفرقين لاختلفوا متشاحين، ولما قصدوا بالسكنى إلا بقعةً من الدنيا يتنافسون فيها، ويتفانون عليها؛ وخير الاختلاف ما اجتنب معنى التمادي على الباطل فاهتدي فيه بالتبصير. كما روي أن علياً ﵁ حاج عمر ﵁ في المرأة التي وضعت لستة أشهر، فأراد عمر رجمها فقال له: قد قال الله تعالى: " وَحَمْلُه وفِصَالُه ثلاثون شهراً ". فرجع عن ذلك عمر وأمضاه. وبالتقليد هلك مترفو الكفار القائلون: " إنّا وجَدْنَا آباءنا على أُمَّةٍ وإنَّا على آثارهم مُقْتَدُون ". وقال بعضهم: إذا سرك أن تعرف خطأ مؤدبك فجالس غيره. وقال عمر ﵁: ليس شيء أضر بالمرء من لجاجة في جهل. وإنما كان يكره رسول الله ﷺ المسائل والبحث لشفقته على أمته من نزول معترض يثقل عليهم فيما يسألون عنه، ثم كره عمر وعلي رضوان الله عليهما ما كان يجري على سبيل التعنت، ويفارق سبيل التفقه. ولذلك قال علي ﵁ لابن الكوا: سل تفقهاً ولا تسل تعنتاً. ظرف أهل المدينة وقال مالك: ما رأيت أشبه بأهل المدينة من ابن سيرين، وأهل المدينة أرق الناس أدباً، وأحلاهم طرباً، وأبرعهم شيماً، وأطبعهم كرماً، ويقال: دل حجازي، وعشق يماني. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: إنّ قلبي بالتلّ تلّ عزازٍ ... مع ظبي من الظباء الجوازي شادن لم ير العراق وفيه ... مع ظرف العراق دلّ الحجا وقال أبو تمام: من شاعرٍ وقف الكلام ببابه ... واكتنّ في كنفي ذراه المنطق قد ثقّفت منه الشآم وسهّلت ... منه الحجاز ورقّقته المشرق وكان عبد الملك بن الماجشون يقول: لقد كنا بالمدينة وإن الرجل يحدثني بالحديث من الفقه فيمله علي، ويذكر الخبر من الملح فأستعيده فلا يفعل. ويقول: لا أعطيك ملحي، وأهبك ظرفي وأدبي. وقال ابن الماجشون: إني لأسمع الكلمة المليحة وما لي إلا قميص واحد فأدفعه إلى صاحبها وأستكسي الله . وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحداً لا يتمنى النسيب؟ قال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا. أبو السائب وفكاهاته

стр. 18

وكان أبو السائب كثير الطرب، غزير الأدب، وله فكاهات مذكورة، وأخبار مشهورة. وكان جده يكنى أبا السائب أيضاً، وكان خليطاً للنبي ﷺ قبل الإسلام؛ وأقبل الإسلام فكان النبي ﷺ إذا ذكره يقول: نعم الخليط كان أبو السائب لا يداري ولا يماري. واسم أبي السائب عبد الله، وكان أشراف المدينة يقدمونه ويعظمونه لشرف منصبه، وحلاوة طربه. قال الزبير بن بكار: كانت سليمة المشاوبية عاشقة لأفلح مولى الزهريين، فأتاها يوماً أبو السائب المخزومي فقال: حدثيني، هل أتاك من حبيبك رسول؟ قالت: لا. قال: فهل قلت في ذلك شعراً؟ قالت: نعم، ثم أنشدته: ألا ليت لي نحو الحبيب مبلّغاً ... يبلّغه التسليم ثمّ يقول سليمة نضوٌ ما ترجّى حياتها ... من الشوق والشوق الشديد قتول تعالج أحزاناً وتبكي صبابةً ... وأنت لما تلقاه فيك جهول فقال أبو السائب: أنا والله رسولك؛ فحفظ الشعر وتوجه نحو أفلح في يوم صائف شديد حره، فلقيه رجل من الأنصار فقال: يا أبا السائب؛ من أين أقبلت؟ قال: من عند سليمة المشاوبية. قال: وإلى أين تريد؟ قال: أريد أفلح مولى الزهريين أبلغه رسالتها. قال: أفي مثل هذا الوقت؟ قال: إليك يابن أخي؟ فإن الجنة حفت بالمكاره؛ وما عبد الله إلا بالصبر على ما ترى. وقال الزبير: حدثني جدي قال: أتاني أبو السائب المخزومي في ليلة بعدما رقد الناس، فأشرفت عليه وقلت: هل من حاجة؟ فقال: سهرت فذكرت أخاً لي أستمتع به فلم أجد أحداً سواك، فلو مضيت بنا إلى العقيق فتناشدنا وتحدثنا؟ قلت: نعم! فنزلت فما زال في حديث إلى أن أنشدته في بعض ذلك بيتي العرجي: باتا بأنعم ليلةٍ حتى بدا ... صبحٌ تلوّح كالأغرّ الأشقر فتلازما عند الفراق صبابةً ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فقال: أعده، فأعدته فقال: أحسنت والله! وامرأتي طالق إن نطقت بحرف حتى أرجع إلى بيتي غيره، فمضينا فتلقانا عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب وهو منصرف من ماله يريد المدينة. فقال: كيف أنت يا أبا السائب؟ فقال: فتلازما عند الفراق صبابةً ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فالتفت إلي، وقال: متى أنكرت عقل صاحبك؟ قلت: منذ الليلة، قال: لله أي كهل أصيبت به قريش. ثم مضينا فلقينا محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة يريد مالاً له على بغلة، وكان أثقل الناس جسماً، ومعه غلام له على عنقه مخلاة فيها قيد البغلة، فسلم عليه ثم قال: كيف أنت يا أبا السائب؟ فقال: فتلازما عند الفراق صبابةً ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فالتفت إلي وقال: متى أنكرت عقل صابحك؟ قلت: آنفاً؛ فتركني وانصرف، فقلت: أفتدعه هكذا؟ ما آمن أن يتهور في بعض آبار العقيق، قال: صدقت، يا غلام، هات قيد البغلة، فوضعه في رجله وهو ينشد البيت ويدافع بيده؛ فلما أطال نزل الشيخ عن البغلة وقال: يا غلام، احمله على بغلتي وألحقه بأهله؛ فلما كان بحيث علمت أنه قد فاته أخبرته الخبر فضحك. وقال: قبحك الله ماجناً فضحت شيخاً من قريش وعذبتني وأنا لا أقدر أن أتحرك. وروى مصعب بن الزبير عن عبد الله، قال: كان عروة بن أذينة نازلاً في دارى بالعقيق فسمعته ينشد لنفسه: إنّ التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوىً لها فيك الذي زعمت بها فكلاكما ... أبدى لصاحبه الصبابة كلّها ولعمرها إن كان حبّك فوقها ... يوماً وقد ضحيت إذاً لأظلّها فإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلّها بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقةٍ فأدقّها وأجلّها لما عرضت مسلّماً لي حاجةً ... أخشى صعوبتها وأرجو ذلّها منعت تحيّتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها فدنا وقال لعلّها معذورةٌ ... في بعض رقبتها فقلت لعلّها

стр. 19

فأتاني أبو السائب المخزومي فقلت له بعد الترحيب والبشر: ألك حاجة؟ قال: نعم! أبيات لعروة بلغني أنك سمعته ينشدها؟ فلما بلغت إلى قوله: فدنا وقال لعلها معذورة، طرب وصاح، وقال: هذا والله الصادق العهد، الدائم الود، لا الذي يقول: إن كان أهلك يمنعونك رغبةً ... عني فأهلي بي أضنّ وأرغب أوليس لي قربى إذا أقصيتني ... حدبوا عليّ وعندي المستعتب فلئن دنوت لأدنونّ بعفّةٍ ... ولئن نأيت لما ورائي أرحب يأبى وعيشك أن أكون مقصّراً ... رأيٌ أعيش به وقلب قلّب لقد عدا هذا الأعرابي طوره، وتجاوز قدره، وإني لأرجو أن يغفر الله لصاحب الأبيات الأولى لحسن الظن بها، وطلب العذر لها. فعرضت عليه الطعام فقال: سبحان الله! أويحسن الظن بمثلي أن يأكل طعاماً بعد سماع هذه الأبيات؟ والله ما كنت لأخلط بها طعاماً حتى الليل، وانصرف. والأبيات التي أنشدها أبو السائب لبعض الهذليين هي من مليح الشعر أولها: طرقتك زينب والركاب مناخةٌ ... بحطيم مكّة والنّدى يتصبّب بثنيّة العلمين وهناً بعدما ... خفق السّماك وعارضته العقرب وتحية وكرامة لخيالها ... ومع التحية والكرامة مرحب أنى اهتديت ومن هداك ودوننا ... حمل فقّلة عاذب فالمرقب ارتياح أهل المدينة إلى المزاح وانقطاعهم إلى السماع ولأهل المدينة من الارتياح إلى المزاح، والانقطاع للسماع ما هو مشهور عندهم، مأثور منهم. قال عبد الله بن جعفر: أنا لي عند السماع هزة لو سئلت عندها لأعطيت، ولو قاتلت معها لأبليت. وقال أبو العيناء: قال الأصمعي: مررت بدار الزبير بالبصرة، فإذا بشيخ من أهل المدينة من ولد الزبير يكنى أبا ريحانة جالس بالباب وعليه شملة تستره؛ فسلمت عليه وجلست إليه؛ فبينا أنا كذلك إذ طلعت علينا سوداء تحمل قربةً، فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها وقال لها: غنني صوتاً، فقالت: إن موالي أعجلوني، قال: لا بد من ذلك، قالت: أما والقربة على كتفي فلا، قال: فأنا أحملها: فأخذ القربة منها فحملها واندفعت تغني: فؤادي أسيرٌ لا يفكّ ومهجتي ... تقضّى وأحزاني عليك تطول ولي مقلةٌ قرحى لطول اشتياقها ... إليك وأجفاني عليك همول فديتك، أعدائي كثيرٌ وشقّتي ... بعيد وأشياعي لديك قليل وكنت إذا ما جئت جئت بعلّة ... فأفنيت علاّتي فكيف أقول! فطرب وصرخ، وضرب بالقربة فشقها؛ وقامت الجارية تبكي، وقالت: ما هذا بجزائي منك، شفعتك في حاجتك، فعرضتني لما أكره من موالي! فقال: لا تغتمي فالمصيبة علي حصلت، ونزع الشملة، ووضع يداً من قدام ويداً من خلف، وباعها وابتاع لها قربة وقعد بتلك الحال؛ فاجتاز به رجل من ولد علي ﵁، فعرف حاله فقال: يا أبا ريحانة؛ أحسبك من الذين قال الله فيهم: " فما ربحَتْ تجارتهم وما كانوا مهتدين ". قال: لا، يابن رسول الله، ولكني من الذين يقول الله لهم: " فبشِّرْ عبادي الذين يستمعون القولَ فيتبعونَ أحسنَه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب ". فضحك وأمر له بألف درهم. وقال رجل لابن جعدبة: يا أبا الحكم؛ الرجل الذي يشدو بالأصوات ما ترى فيه؟ قال: سبحان الله! كنا إذا أتت على الرجل أربعون سنة لا يحسن عشرة أصوات عددناه من أهل بقيع الغرقد يعني الموتى. ومر بالأوقص المخزومي وهو قاضي المدينة يتغنى بليل فأشرف عليه، وقال: يا هذا؛ شربت حراماً، وأيقظت نياماً، وغنيت خطأ، خذ عني وأصلح له الغناء. غناء في مسجد الرسول ﷺ

стр. 20

وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: حدثت أن مدنياً كان يصلي مذ طلعت الشمس إلى أن قارب النهار أن ينتصف، ومن ورائه رجل يتغنى، وهما في مسجد رسول الله ﷺ ، فإذا برجل من الشرط قد قبض على الرجل فقال: أترفع عقيرتك بالغناء في مسجد رسول الله ﷺ ! فأخذه؛ فانفتل المدني من صلاته، فلم يزل يطلب إليه فيه حتى استنقذه، ثم أقبل عليه فقال: أتدري لم شفعت فيك؟ قال: لا، ولكني إخالك رحمتني، قال: إذاً فلا رحمني الله. قال: فأحسبك عرفت قرابةً بيننا. قال: إذاً قطعها الله، قال: فليد تقدمت مني إليك، قال: والله ولا عرفتك قبلها. قال: فأخبرني. قال: سمعتك تغنيت آنفاً فأقمت واوات معبد، أما والله لو أسأت التأدية لكنت أحد الأعوان عليك. قال: والصوت الذي ينسب إلى واوات معبد شعر الأعشى الذي يعاتب فيه يزيد بن مسهر الشيباني وهو: هريرة ودّعها وإن لام لائمٌ ... غداة غدٍ أم أنت للبين واجم لقد كان في حولٍ ثواء ثويته ... تقضّى لباناتٌ ويسأم سائم ويروى أن معبداً بلغه أن قتيبة بن مسلم فتح خمس مدائن؛ فقال: لقد غنيت بخمسة أصوات هن أشد من فتح المدائن التي فتحها قتيبة. والأصوات قال المبرد: أحدها، للأعشى يعاتب يزيد بن مسهر الشيباني: هريرة ودعها وإن لام لائم. فأنشد البيتين. والثاني: قوله يعاتبه: ودّع هريرة إنّ الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرّجل غيداء فرعاء مصقولٌ عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل والثالث، للشماخ بن ضرار بن مرة بن غطفان يقوله لعرابة بن أوس: رأيت عرابة الأوسي ينمى ... إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقّاها عرابة باليمين إذا بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين والرابع، لعمر بن أبي ربيعة: ودّع أمامة قبل أن تترحّلا ... واسأل فإنّ قليله أن تسألا أمكث لعمرك ساعةً فتأنّها ... فعسى الذي بخلت به أن يبذلا لسنا نبالي حين ندرك حاجةً ... إن بات أو ظلّ المطيّ معقّلا قال أبو العباس: والشعر الخامس لا أعرف قائله. قلت: وهو لعروة بن أذينة الليثي: غرابٌ وظبيٌ أعصب القرن نادباً ... ببين وصردان العشيّ تصيح لعمري لئن شطّت بعثمة دارها ... لقد كنت من خوف الفراق أليح وكتب سليمان بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان المرى: أحص المخنثين، فوقعت فوق الحاء نقطة فأخذهم وخصاهم وفيهم الدلال؛ فبلغ ذلك ابن أبي عتيق وقد قام إلى الصلاة فقال: أوقد خصي الدلال؟ إنا لله! لقد كان يحسن أن يغني: لمن طللٌ بذات الجي ... ش أمسى دارساً خلقا ثم دخل في الصلاة؛ فلما فرغ من قراءة أم الكتاب قال: السلام عليكم، وكان يحسن خفيف هذا الشعر ولا يحسن ثقيله. من طرف ابن أبي عتيق ولابن أبي عتيق عجائب ظريفة، أذكر لك منها ما يصلح ويملح؛ منها أنه سمع وهو بالمدينة قول ابن أبي ربيعة: فما نلت منها محرماً غير أنّنا ... كلانا من الثوب المطارف لابس فقال: أبنا يلعب ابن أبي ربيعة؟ فأي محرم بقي؟ فركب بغلته متوجهاً إلى مكة، ودخل أنصاب الحرم، وقيل له: أحرم! قال: إن ذا الحاجة لا يحرم. فلقي ابن أبي ربيعة؛ فقال: أما زعمت أنك لم تركب محرماً قط؟ قال: بلى! قال: فما قولك: كلانا من الثوب ... البيت؟ فقال له: إني أخبرك؛ خرجت بعلة المسجد، وخرجت زينب تريده، فالتقينا فاتعدنا، فصرنا إلى بعض الشعاب، فأخذتنا السماء، فأمرت بمطرفي فسترنا الغلمان لئلا يروا بها بلة فيقولوا لها: هلا استترت بسقائف المسجد؟ فقال له ابن أبي عتيق: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى حاضنة؟ وابن أبي عتيق الذي سمع قول ابن أبي ربيعة: قال لي صاحبي ليعلم ما بي ... أتحبّ القتول أخت الرّباب قلت وجدي بها كوجدك بالما ... ء إذا ما فقدت برد الشراب أزهقت أُمّ نوفلٍ إذ دعتها ... مهجتي، ما لقاتلي من متاب أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمسٍ كواعبٍ أتراب

стр. 21

وهي مكنونةٌ تحيّر منها ... في أديم الخدّين ماء الشباب ثم قالوا تحبّها قلت بهراً ... عدد الرمل والحصى والتراب من رسولي إلى الثريّا بأني ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب فلما سمع هذا البيت قال: إياي أراد وبي هتف ونوه؛ والله لا ذقت طعاماً أو أشخص إليها وأصلح بينهما. قال مولى لبني تميم: فنهض ونهضت معه حتى خرج إلى سوق الضمرتين، فأتى قوماً من بني الديل من حنيفة يكرون النجائب، فقال: بكم تكرونني راحلتين إلى مكة؟ قالوا: بكذا وكذا، فقلت لبعض التجار: استوضعوا شيئاً؛ فقال ابن أبي عتيق: ويحك! إن المكاس ليس من أخلاق الناس، ثم ركب واحدة وركبت الأخرى وأجد السير، فقلت: ارفق بنفسك. فقال: ويحك: أبادر حبل الوصل أن يقتضبا وما أملح الدنيا إذا تم الوصل بين عمر والثريا. فقدمنا مكة، وأتى باب الثريا، فقالت: والله ما كنت لنا زواراً. قال: أجل! ولكني جئت برسالة؛ يقول لك ابن عمك عمر: ضقت ذرعاً بهجرك والكتاب. فلامه عمر. فقال ابن أبي عتيق: إنما رأيتك مبادراً تلتمس رسولاً فخففت في حاجتك، فإنما كان ثوابي أن أشكر. وسمع ابن أبي عتيق قول العرجي: وما ليلةٌ عندي وإن قيل ليلة ... ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر معادلة الإثنين عندي وبالحري ... يكون سواءً مثلها ليلة القدر وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... لخادمها قومي سلي لي عن الوتر فجاءت تقول الناس في تسع عشرة ... ولا تعجلي عنه فإنّك في أجر فقال: هذه أفقه من ابن شهاب، وهي حرة لله من مالي إن أجاز أهلها ذلك. مع الحسن بن علي وقال له مروان بن الحكم يوماً: إني مشغوف ببغلة للحسن بن علي، قال له: فإن دفعتها إليك أتقضي لي ثلاثين حاجةً؟ ومروان يومئذ أمير المدينة، قال: فإذا اجتمع الناس عندك في العشية فإني آخذ في مآثر قريش، فأمسك عن الحسن فلمني على ذلك. فلما أخذوا في مجالسهم أفاض في أولية قريش؛ فقال له مروان: أما تذكر أولية أبي محمد، وله في هذا ما ليس لأحد؟ فقال: إنما كنا في ذكر الأشراف ولو كنا في ذكر الأنبياء لقدمنا لأبي محمد. فلما خرج الحسن ليركب البغلة تبعه ابن أبي عتيق: فقال له الحسن وتبسم: ألك حاجة؟ قال: نعم! ذكرت البغلة؟ فنزل الحسن ودفعها إليه. ومن ظريف أخباره أن عثمان بن حيان المري لما دخل المدينة والياً عليها اجتمع إليه الأشراف من قريش والأنصار. فقالوا: إنك لا تعمل عملاً أجدى ولا أولى من تحريم الغناء والرثاء. ففعل وأجلهم ثلاثاً، فقدم ابن أبي عتيق في الليلة الثالثة فحط رحله بباب سلامة الزرقاء، فقال لها: بدأت بك قبل أن أصير إلى منزلي. فقالت: أو ما تدري ما حدث؟ وأخبرته الخبر. فقال: أقيمي إلى السحر حتى ألقاه، ولا بأس عليك. ثم مضى إلى عثمان بن حيان فاستأذن عليه، وأخبره أن أجل ما أقدمه حب التسليم عليه، وقال له: من أفضل ما عملت به تحريم الغناء والرثاء. فقال: إن أهلك أشاروا علي بذلك. قال: فإنك قد وفقت، ولكني رسول امرأة إليك تقول: كانت هذه صناعتي فبنت منها، وأنا أسألك أيها الأمير ألا تحول بيني وبين مجاورة قبر رسول الله ﷺ . فقال عثمان: إذاً أدعها لك. قال: إذاً لا تدعك الناس. ولكن تدعوها فتنظر إليها فإن كانت ممن يترك تركتها. قال: فادع بها. فأمرها ابن أبي عتيق فتقشفت وأخذت سبحة في يديها، وصارت إليه، فحدثته عن مآثر آبائه، ففكه لها. فقال ابن أبي عتيق: اقرئي للأمير، ففعلت فأعجب بذلك. فقال لها: فاحدي للأمير ففعلت، فأعجب بحدائها. ثم قال لها: غبري للأمير، فجعل يعجب بذلك، فقال له ابن أبي عتيق: فكيف لو سمعتها في صناعاتها؛ فقال: قل لها فلتقل! فأمرها فغنت: سددن خصاص الخيم لمّا دخلنه ... بكلّ بنانٍ واضحٍ وجبين فنزل عثمان عن سريره حتى جلس بين يديها، ثم قال: والله ما مثلك يخرج عن المدينة. فقال له ابن أبي عتيق: يقول الناس أذن لسلامة في المقام ومنع غيرها! فقال عثمان: قد أذنت لهم جميعاً.

стр. 22

وابن أبي عتيق: هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵃، وكان أجل أهل زمانه، وذكر أنه دخل على عائشة وهي لم بها، فقال: كيف أنت يا أماه؟ جعلت فداك! قالت: في الموت، قال: فلا إذاً، إنما ظننت أن في الأمر فسحةً، فضحكت وقالت: ما تدع مزحك بحال! معاوية يداوي أذنه بالغناء وقال ابن جريج: كان عبد الله بن جعفر إذا قدم على معاوية أنزله داره وأظهر له من إكرامه وبره ما يستحقه؛ فكان ذلك يغيظ فاختة بنت قرظة بن عبد بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف زوج معاوية، فسمعت ذات ليلة عند عبد الله غناء، فجاءت إلى معاوية فقالت: هلم فاسمع ما في منزل هذا الذي جعلته بين لحمك ودمك، وأنزلته مع حرمك! قال: فجاء معاوية سمع وانصرف، فلما كان آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله، فجاء فأيقظ فاختة وقال: اسمعي مكان ما أسمعتني!! ثم إنه أرق ذات ليلة فقال لجريج خادمه: اذهب فانظر من عند عبد الله وأخبره أني في أثرك، فأتاه فأعلمه ذلك، فأقام عبد الله من عنده، ثم دخل معاوية فلم ير في المجلس أحداً، فقال لعبد الله: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان، قال: فمره أن يرجع إليه، ثم قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان، قال: فمره أن يرجع إليه؛ فرجعوا حتى لم يبق إلا مجلس واحد، قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس واحد يداوي الآذان. قال: مره فليرجع فإن بأذني علةً، فأمر عبد الله بديحاً المليح فخرج؛ فأدناه معاوية منه وأراه أذنه. وقال: أنظر ما ترى فيها؟ قال: هي مسدودة وتحتاج إلى فتح وتنقية، قال: شأنك أمكنتك منها، ولا تضع يدك عليها إن كنت غير حاذق بعلاجها. قال عبد الله: يا أمير المؤمنين؛ هو حاذق، ما يعالج في دارنا غيره. فقال معاوية: وشهد شاهد من أهلها، فاندفع يغني من شعر زهير بن أبي سلمى: أمن أمّ أوفى دمنةٌ لم تكلّم ... بحومانة الدرّاج فالمتثلّم فجعل عبد الله بن جعفر يلحظ معاوية وهو يحرك يديه ورجليه، فقال: يعيرك الجهل يا أمير المؤمنين، فقال: إن الجهل مني لعلى بعد يابن جعفر، قبح الله ضيافة يكون الضيف فيها بحيث لا يساعد المضيف على أخلاقه، ثم قال لبديح: لقد فتحت جارحة لا تألم أبداً؛ ثم نهض وخرج. من طرف بديح وكان بديح أحلى الناس وأذكاهم، وهو الذي قال له الوليد بن يزيد: يا بديح؛ خذ بنا في الأماني، فإني أغلبك فيها، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أغلبك لأني فقير وأنت خليفة، وإنما يتمنى المرء ما عسى أن يبلغ إليه وأنت قد بلغت الآمال. قال: لا تتمنى شيئاً إلا تمنيت ما هو أكثر منه. قال: فإني أتمنى كفلين من العذاب وأن يلعنني الله لعناً وبيلاً، فقال: اعزب لعنك الله دون خلقه. ودخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان وقد اشتى عرق النسا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن مولاي بديحاً أحذق الناس برقيته، قال: أتجيئني به؟ فجاءه به فرقاً؛ فبات تلك الليلة هادئاً، فلما أصح سأله عبد الله بن جعفر عن حاله، فأخبره بما وجد من العافية؛ ثم قال لبديح: اكتب لنا هذه الرقية لتكون عندنا، قال: لا أفعل، قال: أقسمت عليك لتفعلن، قال اكتب: ألا إنّ أيامي وأيامك التي ... مضين لنا لم أدر ما ألم الهجر مضين وما شيء مضى لك عائدٌ ... فهل لك فيها إن تولّين من عذر دعي ما مضى واستقبلي العيش إنني ... رأيت لذيذ العيش مستقبل العمر فما نازع الدهر امرأً في انقلابه ... فأعتبه إلاّ بقاصمة الظّهر فقال عبد الملك: فأي شيء هذا؟ قال: امرأتي طالق إن كنت رقيتك إلا بهذه! قال: ويحك! استر علينا، قال: كيف أستر ما سارت به الركبان! يتغنى في مسجد الأحزاب قال أبو مسلم الهلالي المكي: حدثني أبي عن أبيه قال: أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجن للنبي ﷺ بمسجد الأحزاب وما كان بدؤها؟ فوجدته مستلقياً يتغنى: فما روضة بالحزن معشبة الثرى ... يمجّ الندى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزّة موهناً ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وفي الحسب المكنون صافٍ نجارها

стр. 23

إذا خفيت كانت لعينك قرّةً ... وإن تبد يوماً لم يعمّك عارها فقلت له: مثلك أصلحك الله يتغنى؟ أما والله لأحدون بها ركبان نجد، فعاود يتغنى: فما ظبيةٌ أدماء خفّاقة الحشا ... تجوب بطفليها متون الخمائل بأحسن منها إذ تقول تدلّلاً ... وأدمعها يجرين حشو المكاحل تمتّع بذا اليوم القصير فإنّه ... رهينٌ بأيام الشهور الأطاول فندمت على قولي وقلت: أتحدثني في هذا بشيء؟ قال: نعم! حدثني أبي أنه دخل على سالم بن عبد الله وأشعب الطماع يغنيه: مغيريّة كالبدر سنة وجهها ... مطهرة الأثواب والدين وافر من الخفرات البيض لم تلق ريبةً ... ولم يستزلها عن تقى الله شاعر لها حسبٌ زاكٍ وعرض مهذّب ... وعن كل مكروهٍ من الأمر زاجر فقال سالم: زدني، فغنى: ألّمت به والليل داجٍ كأنه ... جناح غرابٍ عندما نفض القطرا فقلت أعطّار ثوى في رحالنا ... وما حملت ليلى نشرها عطرا فقال له سالم: أما والله لولا أن تداوله الرواة لأحسنت جائزتك؛ لأنك من هذا الأمر بمكان. غناء ومزاح في مسجد رسول الله ﷺ وقال إبراهيم الحراني: حججت مع أمير المؤمنين الرشيد فدخلت مسجد رسول الله ﷺ ؛ فبينا أنا بين القبر والمنبر إذ أنا برجل حسن الهيئة خاضب، ومعه رجل في مثل حاله؛ فحانت مني التفاتة فإذا هو يقوس حاجبه ويفتح فاه، ويلوي عنقه ويشير بعينه، فتجوزت في صلاتي ثم سلمت فقلت: أفي مسجد رسول الله ﷺ تتغنى؟! فقال: قنعك الله خزية، ما أجهلك! أما في الجنة غناء؟ قلت: بلى لعمري فيها ما تشتهي النفس وتلذ الأعين، قال: أما نحن في روضة من رياض الجنة؟ قلت: لا! قال: واحرباه! أترد على رسول الله ﷺ قوله: بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة! فنحن في تلك الروضة. قلت: قبح الله شيخاً ما أسفهه! قال: بالقبر والمنبر لما أنصت إلي؟ فتخوفت ألا أنصت؛ فاندفع يغني بصوت يخفيه: فليست عشيات الحمى برواجعٍ ... إليك، ولكن خلّ عينيك تدمعا بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا الشعر للصمة بن عبد الله القشيري. فوالله إن قمت إلى الصلاة لما دخل قلبي؛ فلما رأى ما نزل بي قال: يا بن أم، أرى نفسك قد استجابت وطابت، فهل لك في زيادة؟ قلت: ويحك! في مسجد رسول الله ﷺ !! قال: أنا والله أعرف بالله ورسوله منك، فدعنا من جهلك؛ ثم تغنى: فلو كان واشٍ بالمدينة داره ... وداري بأقصى حضرموت اهتدى ليا وماذا لهم لا أحسن الله حفظهم ... من الشأن في تصريم ليلى حباليا الشعر لمجنون بني عامر الملوح. فقال له صاحبه: يا بن أم؛ أحسنت والله، وعتق أهلك، لو كان أمير المؤمنين الرشيد في هذا الموضع لخلع عليك ثيابه طرباً. قال: فقمت وهما لا يعلمان من أنا، فدخلت على أمير المؤمنين فأعلمته الخبر؛ فقال: أدركهما لا يفوتانك. فوجهت من جاء بهما، فلما دخلا عليه دخلا بوجوه قد ذهب ماؤها، وأنا قائم على رأسه، فقال: يا إبراهيم؛ هذان هما؟ قلت: نعم. فنظر إلي المغني منهما وقال: سعاية في جوار رسول الله ﷺ ؟ فسري عن أمير المؤمنين بعض غضبه، وتبسم فقال: ما كنتما فيه؟ قالا: في خير. قال: فماذا الخير؟ فسكتا. فقال للمغني منهما: من أنت؟ فابتدره جماعة فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذا ابن جريج فقيه مكة، فقال: فقيه مكة يتغنى في مسجد رسول الله ﷺ !! قال: يا أمير المؤمنين؛ لم يكن ذلك مني بالقصد للغناء ولكني كنت أسمعت هذا المخزومي يعني صاحبه صوتين، فلم يزالا في قلبي حتى التقينا، فأحببت أن يأخذهما عني، فأخذهما، وحلف أني قد أحسنت، وأنه لو كان في الموضع أمير المؤمنين لخلع علي وسكت. فقال الرشيد: تركت من الحديث شيئاً؟ قال: ما تركت شيئاً يا أمير المؤمنين. قال: والله لتقولن. قال: يا أمير المؤمنين، زعم أنك لو كنت في موضعه لخلعت علي ثياباً مشقوقةً طرباً.

стр. 24

فتبسم وقال: أما هذا فلا، ولكن نخلعها عليك صحيحةً فهي خير لك. ثم دعا بثياب فلبسها ونبذ ثيابه، وأمر له بعشرين ألف درهم ولصاحبه بعشرة آلاف درهم. وقال: لا تعودن لهذا. فقال صاحبه: إلا أن يحج أمير المؤمنين ثانية. فضحك وقال: ألحقوه بصاحبه في الجائزة. في سوق القسي قال إبراهيم الحراني: ثم قدمنا مكة فإني لفي سوق القسي أساوم بقوس عربية بكنانتها، إذ بإنسان عن يميني يقول: نعم القوس في يدك. قلت: أريد أبسط منها قليلاً؟ قال: فعندي بغيتك إئت المنزل، فصرت إليه، فأخرج إلي قوساً جيدةً لينةً حسنة الصنعة، قلت: نعم! هذه أريد، فكم ثمنها؟ قال: عشرة دنانير، قلت: يا هذا، أغرقت في النزع، قال: هذا سومي، فهات سومك أنت. قلت بدينارين. فأحد النظر، وقال: وآتيك؛ فالذي كان يجب للطبيعة أن تأتي به تحول فصار ضحكاً. فقلت: غضب الله عليك، تطلق لسانك في حرم الله وأمنه في أيام عظيمة؛ فأنت بمثل هذه السن تتكلم بهذا الكلام!! فقال: هو ما قلت لك، إنما هو بيع وشراء، فلا تغضب؛ فإني لم أغضب من عطيتك. قال: ففارقته، ودخلت على أمير المؤمنين، فقلت: يا سيدي؛ ههنا خبر أعجب من خبر ابن جريج! وحدثته الحديث، فقال: ارجع وجئني به، فوجهت غلاماً كان معي وأنا أساومه ومعه أعوان؛ فجاءوا به، فلما دخل عليه قال: هذا صاحبك يا إبراهيم؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! فقال الرشيد: ماذا قلت لهذا حين ساومك بالقوس؟ قال: قد دار بيني وبينه كلام. قال: أخبرني به. قال: لست مني على سوم فأخبرك. قال: فماذا قال لك؟ قال: هو أعلم بما قال. فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين؛ أخرج إلي قوساً عربية بكنانتها، فقلت: بكم هذه؟ قال: بعشرة دنانير. قلت: أسرفت فخذ مني دينارين. قال: وآتيك. قال الرشيد: كذا كان؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ إنما هذا شراء وبيع ولم يتم لي بيعها بما أعطاني، وظننت أن بضاعته قليلة فقلت: آخذ دينارين وعروضاً بالباقي. فضحك الرشيد حتى تبسط. ثم قال: قاتلك الله! فما أقبح مجونك! ووصله. قال إبراهيم: فلما انصرفنا خارجين عن مكة مررت به، فوقفت عليه وسلمت عليه. فقال: ما ترى في تيك القوس؟ ألك فيها رأي؟ قلت: أما على شريطتك الأولى فلا. قال: فلا بأس فخذها مني بدينارين وغن لي ثلاثة أصوات، أو خذها بخمسة وأغنيك أربعة أصوات، ثلاثة لمعبد، وواحد لابن عائشة كان يفعل فيه ما أحل الله وحرم، قلت: هذا وحده. فاندفع يغني: وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي ... وردّا على عيني فضل ردائيا الشعر لمالك بن الريب المازني فأجاده ما شاء وحسنه. فقلت: لولا أن أمير المؤمنين قد قدمت له دابته لوقفت عليك. فقال: امض عليك السلام وإن كان في القلب ما فيه؛ إذ بخلت على أخيك بضمة أو ضمتين. قلت: ما لك لعنك الله! وفارقته، وحدثت أمير المؤمنين بما قال فقال: يا إبراهيم، تجد بالعراق طولاً وعرضاً واحداً له ما لأهل الحرمين من الذكاء والظرف؟ قلت: لا أعرف موضعه. الأشراف تعجبهم الملح وقال الأصمعي: أنشدت محمد بن عمران قاضي المدينة وكان أعقل من رأيته: يأيها السائل عن منزلي ... نزلت بالخان على نفسي يغدو عليّ الخبز من خابزٍ ... لا يقبل الرهن ولا ينسي آكل من كيسي ومن كسوتي ... حتى لقد أوجعني ضرسي فقال: اكتب لي الأبيات. فقلت: أصلحك الله؛ هذا لا يشبه مثلك، إنما يروي مثل هذا الأحداث، قال: اكتبها لي، فالأشراف تعجبهم الملح. وقد قال الطائي في عمرو بن طوق التغلبي: الجد شيمته وفيه فكاهة ... سمحٌ ولا جدٌّ لمن لم يلعب شرسٌ ويتبع ذاك لين خليقةٍ ... لا خير في الصهباء ما لم تقطب وقال في الحسن بن وهب: لله أيامٌ خطبنا لينها ... في ظله بالخندريس السلسل بمدامةٍ نغم السماع خفيرها ... لا خير في المعلول غير معلّل يعشو عليها وهو يجلو مقلتي ... بازٍ ويغفل وهو غير مغفل لا طائشٌ تهفو خلائقه ولا ... خشن الوقار كأنه في محفل فكهٌ يجمّ الجدّ أحياناً وقد ... ينضى ويهزل عيش من لم يهزل وقال أبو الفتح علي بن محمد البستي:

стр. 25

أفد طبعك المكدود بالهمّ راحةً ... براحٍ وعلّله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح بدء الكتاب وهذا حين أبتدىء متصرفاً بك من بلاغة خطاب، إلى براعة جواب، وصريح منادرة، إلى مليح مهاترة، وغريب مراجعة، إلى عجيب منازعة، وتشبيه واقع، إلى مثل صادع، وغير ذلك مما يحي موات القلوب، ويشفي نجي الكروب، مما تجذل له الخواطر، وترتاح إليه السرائر، وتنفتح به الأسماع، وتنشرح له الطباع. فما مر به من هذه النوادر فلا تنظر إليها نظر المنكر فتعرض عنها صفحاً، وتطوي دونها كشحاً، إذا وقعت فيها كلمة قذف، أو لفظة سخف. وتقول: قد قال عمر بن عبد العزيز ﵀ لغلامه ورأى روث دابة: نح ذلك النقيل تصوناً عن اسم الروث. وقال: عرضت لي دمل تحت يدي فآلمتني، ولم يقل تحت إبطي. وكان الحجاج على قبح أفعاله، وسوء أحواله، يتنزه عن أن ينطق بلفظة سخيفة. وقد قال لمن اتهمه بمال ابن الأشعث: لو خبأته تحت، حتى قال: تحت ذيلك، لم يكن بد من إخراجه. وإنما أراد أن يقول تحت استك. وأكثر القاذورات وردت بالكنايات؛ كالغائط وهو المطمئن من الأرض. وكانا إذا أرادوا قضاء الحاجة ذهبوا إلى ذلك الموضع؛ فسمي ما يخرج من الإنسان باسم موضعه. وكذلك الاستنجاء أيضاً مأخوذ من النجو، وهو المكان المرتفع؛ لاستتارهم وراءه. والحش: البستان. والعذرة: فناء الدار. وكذلك وصفهم لطيب الأردان، وهي الأكمام، وإنما يراد ما تحتها، وإنما ذلك كله للفرار من النطق بأسماء الأقذار. وليس في كل موضع أعزك الله تحسن الكنايات عن لفظ فحش، ولا بكل مكان يجمل الإعراض عن معنى وحش. فيكون كما حكى الجاحظ: أن رجلاً بعث غلامه إلى غريم له، فأساء الغلام خطابه، فخرق الغريم ثيابه؛ فرجع إلى مولاه، فقال: ما لك؟ قال: شتمك يا مولاي، فلم أحتمل الصبر، فرددت عله، فحل بي ما ترى، قال؛ وما كان شتمه؟ قال: قال لي: أدخل هن الحمار في حر أم من أرسلك. فقال له مولاه: دعني عنك مما جرى، ولكن لم لم تجعل لي من الوقار ما جعلته لأير الحمار حين كنيت عن ذا ولم تكن عن ذا! فلو صرح بالجميع لكان أسلم له من الذنب، وآمن من العتب. وقد قال أبو فراس الحمداني لرسول أرسله إلى من يهواه، فجفا في جوابه، فلطف الرسول رسالته فتبين أبو فراس ذلك فأنشده: وكنى الرسول عن الجواب تظرّفاً ... ولئن كنى فلقد علمنا ما عنى قل يا رسول ولا تحاش، فإنّه ... لا بدّ منه أساء بي أم أحسنا الذنب لي فيما جناه لأنني ... مكّنته من مهجتي فتمكّنا أخذه بعض المتأخرين فقال: يا رسولي خلّ عنك الظّ ... رف إن كنت رسولا لا تقل ما لم يقله ... واشف بالصدق الغليلا وهذا وإن لم يكن من محض هذا الباب، إذ كان إنما يستطاب، لأنه من الأحباب، كقول الآخر: أتاني عنك شتمك لي وسبّي ... أليس جرى بفيك اسمي فحسبي وكما قال منصور النمري: لا يطيب الهوى ولا يحسن الح ... بّ لخلقٍ إلاّ بخمس خصال بسماع الهوى وعذل نصيحٍ ... وعتابٍ وهجرةٍ وتقال وكقول الآخر: دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبه ... فإنّ الأذى ممن يحبّ سرور غبار قطيع الشاء في عين ربّها ... إذا ما تلا آثارهن ذرور وقول الآخر: لولا طراد الخيل لم تك لذّةٌ ... فتطاردي لي بالوصال قليلا هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذةٍ حتى يصيب غليلا فهو يلم ببعض جهاته، ويتطرف بإحدى جنباته. وفي مثل التهاتر يمكن قول العتبي فيما سهل سبيله من ترك الإعراض عما كان مثله بالقول لقائله كالولد لناجله: ما على مبصره أن يراه شريراً فاتكاً، دون أن يراه وقوراً ناسكاً. وإنما تلزم عمدته، وتعود عهدته، في سخفه وجهله، على نفسه وأهله. وقد قال بعض الظرفاء: إنما للناس منّا ... حسن خلقٍ ومزاح ولنا ما كان فيا ... من فسادٍ أو صلاح

стр. 26

ولو كنت هنا إنما آتي بما فيه ركانة وأصالة، دون ما فيه سخافة ورذالة، لزال عن الملح اسمها، وارتفع عنها وسمها، وخرجت عن حدودها، وأفلتت من قيودها. ولا بد من توشيحه بلطئاف من الجد، وظرائف من القصد، تتعلق بأغصانه، وتتشبث بأفنانه؛ ليكون استراحة للناظر، وإجماماً للخاطر؛ وكما يمل الجد، فيدخل فيه الهزل؛ كذلك يمل الرقيق فيحتاج إلى الجزل. والله أستغفر مما شغل به الخاطر، وأتعب له الناظر، وصرف إليه الفكر، واستخدم فيه السر، مما غيره أعم فائدة، وأتم عائدة؛ فهو الرؤوف الرحيم، والجواد الكريم. من ملح أشعب قيل لأشعب الطماع: لقد لقيت التابعين وكثيراً من الصحابة، فهل رويت مع علو سنك حديثاً عن النبي ﷺ ؟ فقال: نعم، حدثني عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: خلتان لا تجتمعان في مؤمن. قيل: وما هما؟ قال: نسيت واحدةً، ونسي عكرمة الأخرى. وقيل له: كم كان أصحاب النبي ﷺ يوم بدر؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر رطلاً. وهذا كما قيل لطفيلي: كم اثنين في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة. وسألته صديقة له خاتماً وقالت له: أذكرك به. قال: اذكري أنك سألتني فمنعتك. وساوم بقوس بندق، فقال صاحبها: بدينار، فقال: والله لو كنت إذا رميت بها طائراً وقع مشوياً بين رغيفين ما اشتريتها بدينار. وأهدى رجل من ولد عامر بن لؤي إلى إسماعيل الأعرج فالوذجة وأشعب حاضر فقال: كل يا أشعب، فأكل منها، فقال له: كيف تراها؟ قال: الطلاق يلزمه إن لم تكن عملت قبل أن يوحي ربك إلى النحل، أي ليس فيها حلاوة. وبأشعب هذا يضرب المثل في الطمع. قال الشاعر: إني لأعجب من مطالك أعجب ... من طول تردادي إليك وتكذب وتقول لي تأتي وتحلف كاذباً ... فأجيء من طمعٍ إليك وأذهب فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلسٍ ... قالوا مسيلمة وهذا أشعب وقيل له: أرأيت أطمع منك؟ قال: نعم كلبة آل أبي فلان، رأت شخصاً يمضغ علكاً، فتبعته فرسخاً تظن أنه يرمي لها بشيء من الخبز. ومر أشعب برجل يعمل طبقاً من الخيزران؛ فقال له: أريد أن تزيد فيه طوقاً أو طوقين. قال: فما فائدتك؟ قال: لعل أحداً من أشراف المدينة يهدي لنا فيه شيئاً. وكان أشعب يعشق امرأة بالمدينة ويتحدث فيها حتى عرف بها، فقال لها جاراتها: لو سألته شيئاً؟ فأتاها يوماً فقالت: إن جاراتي يقلن ما يصلك بشيء. فخرج عنها ولم يقربها شهرين. ثم أتاها فأخرجت له قدحاً فيه ماء، فقالت له: اشرب هذا للفزع! فقال: بل أنت اشربيه للطمع، ومضى فلم يعد إليها. وأشعب هذا: هو أشعب بن جبير مولى عبد الله بن الزبير، وكان أحلى الناس مفاكهةً. قال الزبير بن بكار: أهل المدينة يقولون: تغير كل شيء من الدنيا إلا ملح أشعب، وخبز أبي الغيث، ومشية برة. وكان أبو الغيث يعالج الخبز بالمدينة؛ وبرة بنت سعد بن الأسود؛ وكانت من أجمل النساء وأحسنهن مشية. وكان أشعب قد نشأ في حجر عائشة بنت عثمان بن عفان ﵁ مع أبي الزناد. قال أشعب: فلم يزل يعلو وأسفل حتى بلغنا الغاية. قال: وأسلمته عائشة إلى من يعلمه البز؛ فسألته بعد سنة أين بلغت؟ قال: نصف العمل وبقي نصفه، قالت له: كيف؟ قال: تعلمت النشر وبقي الطي. وكان أشعب أطيب الناس غناء، وأكثرهم ملحاً، ونسك في آخر عمره ومات على ذلك رحمه الله تعالى. وكان يوم قتل عثمان غلاماً يسقي الماء وبقي إلى خلافة المهدي. وخرج سالم بن عبد الله متنزهاً إلى ناحية من نواحي المدينة ومعه أهله وحرمه، فبلغ أشعب الخبر، فوافاهم يريد التطفيل؛ فصادف الباب مغلقاً، فتسور الحائط عليهم. فقال له سالم: ويلك يا أشعب! معي بناتي وحرمي! فقال له أشعب: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد. فضحك منه وأمر له بطعام أكله وحمل منه إلى منزله. وكان يقول: ما أحسست قط بجار لي يطبخ قدراً إلا غسلت الغضار، وكسرت الخبز، وانتظرته يحمل إلي قدره.

стр. 27

وقال له بعض أصحابه: لو صرت إلي العشية نتحدث؟ فقال: أخاف أن يجيء ثقيل، قال: ليس معنا ثالث فمضى معه. قال: فلما صلينا الظهر ودعونا بالطعام إذا بشخص يدق الباب، فقال أشعب: ترى أنا قد صرنا إلى ما نكره؟ قال فقلت له: إنه صديق وفيه عشر خصال إن كرهت واحدةً منهن لم آذن له. قال: هات. قلت: الأولى أنه لا يأكل ولا يشرب، قال: التسع لك، إئذن له. وهذا نظير حديث الغاضري وقد أتى الحسن بن زيد وهو أمير المدينة. فقال: جعلت فداك! إني عصيت الله ورسوله، قال: بئس ما صنعت! وكيف ذاك؟ قال: لأن الله يقول " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " وقال رسول الله ﷺ : لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأةً. وأنا أطعت امرأتي فاشتريت غلاماً فأبق، فقال الحسن: اختر واحدةً من ثلاث؛ إن شئت ثمن الغلام، فقال: بأبي أنت! قف عند هذه فلا تجاوزها. قال: أعرض عليك الخصلتين؟ قال: لا، حسبي هذه. وغاضبت مصعب بن الزبير زوجه عائشة بنت طلحة، فاشتد ذلك عليه وشكا أمره إلى خاصته. فقال له أشعب: فما لي إذا هي كلمتك؟ قال: عشرة آلاف درهم؛ فأتى إليها فقال: يابنة عم رسول الله ﷺ ، تفضلي بكلام الأمير؛ فقد استشفع بي عندك، وأجزل لي العطية إن أنت كلمته. قالت: لا سبيل إلى ذلك يا أشعب؛ وانتهرته. فقال: جعلت فداك! كلميه حتى أقبض عشرة آلاف درهم، ثم ارجعي إلى ما عودك الله من سوء الخلق، فضحكت فقامت فصالحته. عبد الملك بن مروان وعمر بن بلال والشيء يذكر بالشيء، أي بما قاربه. كان عبد الملك بن مروان محباً لعاتكة بنت يزيد بن معاوية؛ فغاضبته يوماً، وسدت الباب الذي بينها وبينه؛ فساءه ذلك وتعاضله، وشكا إلى من يأنس به من خاصته، فقال له عمر بن بلال الأسدي: إن أنا أرضيتها لك حتى ترى فما الثواب؟ قال: حكمك. فأتى إلى بابها، وقد مزق ثوبه وسوده؛ فاستأذن عليها وقال: أعلموها أن الأمر الذي جئت فيه عظيم. فأذنت له؛ فلما دخل رمى بنفسه وبكى. فقالت: ما لك يا عم؟ قال: لي ولدان هما من الإحسان إلي في الغاية، وقد عدا أحدهما على أخيه فقتله، وفجعني به؛ فاحتسبته وقلت: يبقى لي ولد أتسلى به؛ فأخذه أمير المؤمنين وقال: لا بد من القود، وإلا فالناس يجترئون على القتل، وهو قاتله إلا أن يغيثني الله بك! ففتحت الباب ودخلت على عبد الملك وأكبت على البساط تقبله وتقول: يا أمير المؤمنين؛ قد تعلم فضل عمر بن بلال، وقد عزمت على قتل ابنه؛ فشفعني فيه؟ فقال عبد الملك: ما كنت بالذي أفعل؛ فأخذت في التضرع والخضوع حتى وعدها العفو عنه وصلح ما بينهما؛ فوفى لعمر بما وعده به. إفهام من الفتى وفهم من المنصور وعلى ذكر عاتكة بنت يزيد، قال المدائني: لما حج أبو جعفر المنصور قال للربيع: ابغني فتى من أهل المدينة أديباً ظريفاً عالماً بقديم ديارها، ورسوم آثارها فقد بعد عهدي بديار قومي، وأريد الوقوف عليها؛ فالتمس له الربيع فتىً من أعلم الناس بالمدينة، وأعرفهم بظريف الأخبار، وشريف الأشعار؛ فعجب المنصور منه؛ وكان يسايره أحسن مسايرة، ويحاضره أزين محاضرة، ولا يبتدئه بخطاب إلا على وجه الجواب؛ فإذا سأله أتى بأوضح دلالة، وأفصح مقالة؛ فأعجب به المنصور غاية الإعجاب، وقال للربيع: ادفع إليه عشرة آلاف درهم؛ وكان الفتى مملقاً مضطراً؛ فتشاغل الربيع عنه واضطرته الحاجة إلى الاقتضاء، فاجتاز مع المنصور بدار عاتكة؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ هذا بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية الذي يقول فيه الأحوص بن محمد: يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل فقال المنصور: ما هاج منه ما ليس هو طبعه: من أن يخبر بما لم يستخبر عنه، ويجيب بما لم يسأل عنه؟ ثم أقبل يردد أبيات القصيدة في نفسه إلى أن بلغ إلى آخرها وهو: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل فدعا بالربيع وقال له: هل دفعت للمدني ما أمرنا له به؟ فقال: أخرته علة كذا يا أمير المؤمنين، قال: أضعفها له وعجلها. وهذا أحسن إفهام من الفتى، وأدق فهم من المنصور، ولم أسمع في التعريض بألطف منه.

стр. 28

ولقول الأحوص هذا سبب ذكره عبد الله بن عبيدة بن عمار بن ياسر. قال: خرجت أنا والأحوص بن محمد مع عبد الله بن الحسن إلى الحج، فلما كنا بقديد قلنا لعبد الله بن الحسن: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل الخزاعي، فأنشدنا من رقيق شعره؟ فأرسل إليه، فأنشدنا قصيدةً له يقول فيها: يا بيت خنساء الذي أتجنّب ... ذهب الزمان وحبّها لا يذهب أصبحت أمنحت الصدود وإنما ... قسماً إليك مع الصدود لأجنب ما لي أحنّ إذا جمالك قرّبت ... وأصدّ عنك وأنت مني أقرب لله درّك هل إليك معوّل ... لمتيّم أم هل لودّك مطلب؟ فلقد رأيتك قبل ذاك وإنني ... لموكّل بهواك لو يتجنّب إذ نحن في الزمن الرجيّ وأنتم ... متجاورون، كلاكما لا يرقب تبكي الحمامة شجوها فتهيجني ... ويروح عازب همّي وتخصب وأرى السميّة باسمكم فيزيدني ... شوقاً إليك سميّك المتقرب وأرى العدو يودّكم فأودّه ... إن كان ينبىء عنك أو يتنسّب وأحالف الواشين فيك تجمّلاً ... وهم عليّ ذوو ضغائن دوّب ثم اتخذتهم عليّ وليجةً ... حتى غضبت ومثل ذلك يغضب فلما كان من قابل حج أبو بكر بن عبد العزيز، فلما مر بالمدينة دخل عليه الأحوص بن محمد فاستصحبه ففعل. فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده: ما تريد بنفسك؟ تقدم الشام بالأحوص وفيها من تبعك من بني أبيك وهو من السفه على ما علمت! فلما رجع أبو بكر من الحج دخل عليه الأحوص منتجزاً ما وعده من الصحابة، فدعا له بمائة دينار وأثواب وقال: يا خال؛ إني نظرت فيما ضمنت لك من الصحابة، فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين. فقال الأحوص: لا حاجة لي بعطيتك، ولكني سعيت عندك، ثم خرج، فأرسل عمر بن عبد العزيز إلى الأحوص وهو أمير المدينة فلما دخل عليه أعطاه مائة دينار وكساه ثياباً، ثم قال له: يا خال؛ هب لي عرض أخي، قال: هو لك، ثم خرج الأحوص وهو يقول في عروض قصيدة سليمان بن أبي دباكل يمدح عمر: يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل هل عيشنا بك في زمانك راجعٌ ... فلقد تفاحش بعدك المتعلّل أصبحت أمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل فصددت عنك وما صددت لبغضة ... أخشى مقالة كاشحٍ لا يغفل وتجنّبي بيت الحبيب أزوره ... أرضي البغيض به حديثٌ معضل إنّ الزمان وعيشنا ذاك الذي ... كنّا بلذّته نسرّ ونجذل ذهبت بشاشته وأصبح ذكره ... أسفاً يعلّ به الفؤاد وينهل حتى انتهى إلى قوله: فسموت عن أخلاقهم وتركتهم ... لنداك، إنّ الحازم المتوكّل ووعدتني في حاجتي فصدقتني ... ووفيت إذ كذبوا الحديث وبدّلوا ولقد بدأت أريد ودّ معاشرٍ ... وعدوا مواعد أُخلفت إذ حصّلوا حتى إذا رجع اليقين مطامعي ... يأساً وأخلفني الذين أؤمّل زايلت ما صنعوا إليك برحلة ... عجلى وعندك عنهم المتحوّل وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل فقال عمر بن عبد العزيز: ما أراك أعفيتني مما استعفيك. والأحوص وإن كان ممن أغار على قصيدة سليمان، فقد أربى عليه في الإحسان، وكان كما قال ابن المرزبان؛ وقد أنشد لابن المعتز قصيدته في مناقضة ابن طباطبا العلوي التي أولها: دعوا الأُسد تكنس في غابها ... ولا تدخلوا بين أنيابها قال: قد أخذه من قول بعض العباسيين: دعوا الأسد تسكن أغيالها ... ولا تقربوها وأشبالها أخذ ساجاً ورده عاجاً، وغل قطيفة، ورد ديباجاً. طرف مستملحة قال سذابة المغني لأبي العباس المبرد: صر إلي اليوم لنأنس بك. قال: أي شيء عندك آكل؟ قال: أنت وأنا عليك. يريد لحماً مبرداً وعليه سذاب.

стр. 29

ولقي برد الخيار الكاتب أبا العباس المبرد على الجسر في يوم بارد. فقال: أنت المبرد، وأنا برد الخيار، واليوم بارد؛ اعبر بنا لئلا يصيب الناس الفالج. وقال عون بن محمد: لقيت باذروجة المغني وسكباج الراقص بسر من رأى، فصحت: يا غلام، المائدة؛ فقد وافت الألوان، فضحكوا؛ وأقسم علينا باذروجة؛ فكنا يومنا عنده في أطيب عيش. من طرف ابن جدار وشعره وكان ابن جدار كاتب العباس بن أحمد بن طولون بارد المشاهدة، فعاد أبا حفص بن أبي أيوب ابن أخت الوزير، فوافاه وقد أصابته قشعريرة. فقال: ما تجد؟ جعلت فداك! قال: أجدك. وكان أبو حفص أديباً شاعراً بليغاً ولهاً، وقد رأى ورداً قريباً من أقحوان فقال: أرى أقحواناتٍ يطفن بناصعٍ ... من الورد مخضرّ النبات نضيد يميّله ريح الصّبا فكأنه ... ثغور دنت شوقاً للثم خدود وكان ابن جدار ينقل أخبار أبي حفص إلى العباس بن أحمد بن طولون، فصار إليه يوماً فقال: أعزك الله؛ إنما مجلس المدام حرمة أنس، ومسرح لبانة، ومذاد هم، ومرتع لهو، ومهد سرور؛ وإنما توسطته عند من لا يتهم غيبه، وقد بلغني ما تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل من أخبار مجالسي. وأنشد: ولقد قلت للأخلاّء يوماً ... قول ساعٍ بالنصح لو سمعوه إنّما مجلس المدام بساطٌ ... للمودّات بينهم وضعوه فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من نعيمٍ ولذةٍ رفعوه فاعتذر إليه وحلف أنه ما فعل، وقام عن مجلسه. وأنشد: كم من أخٍ أوجست منه خيفة ... فأنست بعد وداده بفراقه لم أحمد الأيّام منه خليقةً ... فتركته مستمتعاً بخلاقه وكان ابن جدار قبل تعلقه بالعباس يتكسب بالشعر ويقنع باليسير، فصار إلى دار إسحاق بن دينار بن عبد الله وامتدحه، فلم يهب له شيئاً؛ فقال فيه: عجب الناس أن مدحت ابن دينا ... ر فلم يجزني على مدحيه قلت لا تعجبوا فما قدم اللّؤ ... م عجيباً منه ولا منه أخيه إنّ ديناره أبوه، ومن جا ... د من الناس لامرىءٍ بأبيه؟ وهو القائل في القلم: وعاشقٍ تحت رواق الدجى ... أغرى به الحيرة فقدان أهيف ممشوق بتحريكه ... يحلّ عقد السرّ إعلان يحوك وشياً لم يحك مثله ... بلاغةٌ تحكى وبرهان وربّما أحيا وأهدى الرّدى ... ففيه ماذيٌّ وخطبان وفيه للناظر أٌعجوبة ... يكسو عراة وهو عريان تجري به خمسٌ مطايا له ... مختلفات القدّ أقران له لسانٌ مرهفٌ حدّه ... من ريقة الكرسف ريّان في دقّة المعنى إذا أغرقت ... للقول في التدقيق أذهان إذا احتسى كأساً كلون الدّجا ... حرّك منه الرأس نشوان كأنّما ينثر من لفظه ... درٌّ وياقوتٌ ومرجان ترى بسيط الفكر في نظمه ... شخصاً له حدٌّ وجثمان كأنّما يسحب في إثره ... ذيلاً من الحكمة سحبان لولا ما قام منار الهدى ... ولا سما بالملك ديوان بين ابن مكرم وأبي العيناء قدم محمد بن مكرم من الجبل؛ فقال له أبو العيناء: ما لك لم تهد إلينا شيئاً؟ فقال: والله ما قدمت إلا في خف، قال: كذبت، ولو قدمت في خف خفت روحك. وأكثر عليه أبو العيناء من المهاترة، فقال: إن زدت علي قمت، قال: أراك تتهددنا بالعافية. وكانا يشربان يوماً عند صديق لهما، فقال ابن مكرم لصاحب الدار: أقوم إلى الخلاء؛ فقال أبو العيناء: إذاً لا يعود إلينا منك شيء. وولد لأبي العيناء مولود فأتاه ابن مكرم مهنئاً، فوضع بين يدي أبي العيناء حجراً وانصرف. فجسه أبو العيناء فوجده حجراً. فقال: من وضع هذا؟ فقالوا: تركه ابن مكرم لما قدم، قال: لعنه الله؛ إنما عرض بقول النبي ﷺ : الولد للفراش وللعاهر الحجر.

стр. 30

وأتى محمد بن مكرم شاعر فقال: إني قد هجوتك بشعر؟ فقال: قل، فوالله لئن أحسنت لأخلعن عليك خلعةً، فأنشده: يا فتى مكرم تنحّ عن الفخ ... ر فما مكرمٌ وما دينار لا تفاخر إذا فخرت بهذي ... ن فذا كودن وذاك حمار فقال: أحسنت، ولكني أكسوك من ثيابنا، يا غلام، ارم عليه جلاً وبرذعةً. عود إلى الطرف المتفرقة دخل بعض أبناء الملوك على المبرد وعنده سلة حلوى قد أعدها لبعض إخوانه، فوجد ابنه الفرصة في اشتغال أبيه فأقبل يأكل منها. فنظر إليه المبرد فأنشده: الناس في غفلاتهم ... ورحى المنيّة تطحن ودخل أبو الحارث حمير على بعض الملوك فرأى بين يديه سلة حلوى. فقال: ما في هذا أيها الأمير؟ قال: باذنجان. وكان أبو الحارث يكره الباذنجان كراهية شديدة. وأصلح محمد بن يحيى بن خالد دعوةً، وأمر الطباخ أن يجعل الباذنجان في جميع الطعام، وحضر أبو الحارث فكلما قدم لون وهم بالأكل منعه ما يراه إلى أن ضاق فأقبل يأكل بدقة المائدة فعطش فقال: اسقوني ماءً لا باذنجان فيه. ودخل على محمد بن يحيى وبين يديه مزورات وكان محمياً، فأكل معه وخرج من عنده، فلقيه بعض إخوانه، فغطى رأسه منهم واستخفى فقالوا: ما لك يا أبا الحارث؟ قال: أكلت عند محمد بن يحيى بقولاً كثيرة. قالوا: فما تخاف؟ قال: أخاف أن يمر المساح فيمسحني خضراء فلا يقبلوا مني مظلمةً. وهذا كما حكي عن الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل: أنه مر ببعض إخوانه بعقبة النجارين، وهو يعدو بأكثر مما يقدر عليه، فقال له: قف علي، فخاف أن تكون نزلت به نزلة، فأتاه إلى الدار فخرج مستخفياً. فقال: ما لك يا أبا عبد الله؟ قال: أما علمت أن السخرة وقعت في الجمال؟ فما يؤمنني أن يقال هذا الجمل، فأؤخذ فلا أتخلص إلا بشفاعة. وكان الجمل حلواً ظريفاً. ابن المدبر يجيز بالصلاة وكان أبو الحسن أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر فلم يحسن وكل به من يمضي معه إلى الجامع فلا يفارقه حتى يصلي مائة ركعةً؛ فتحاماه الشعراء، فأتاه الجمل فأنشده: أردنا في أبي حسن مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة فقلنا أكرم الثفلين طرّاً ... ومن كفّاه دجلة والفرات فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه إلى الناس الصّلاة فقلت لهم: وما تغني صلاتي ... عيالي! إنّما الشأن الزكاة فأمّا إذ أبى إلاّ صلاتي ... وعاقتني الهموم الشاغلات فيأمر لي بكسر الصاد منها ... لعليّ أن تنشّطني الصّلات فيصلح لي على هذي حياتي ... ويصلح لي على هذي الممات فأمر له بمائة دينار. وقيل له: من أين اهتديت إلى هذا؟ قال: من قول أبي تمام: هنّ الحمام فإن كسرت عيافةً ... من حائهنّ فإنّهن حمام برمكي بخيل وكان محمد بن يحيى البرمكي يبخل، ولم يكن بخيلاً إلا بالإضافة إلى أخويه الفضل وجعفر؛ وكان أبو الحارث حمير يكثر وصفه بذلك، فقيل له يوماً: كيف مائدة محمد؟ فقال: أما خوانه فعدسة، وأما صحافه فمنقورة من خشب الخشخاش، وبين الرغيف والرغيف فترة. قيل: فمن يحضرها؟ قال: أكرم الخلق وألأمهم يريد الملائكة ﵈ والذباب. وقد ذكر غير هذا والحكايات تختلف. وقيل له: كيف كنت عنده؟ قال: عليه الطلاق إن لم يكن أقام ثلاثة أيام وبطنه يظن أن رأسه قطع؛ لأنه لم يدخل إليه آثار طعام ولا شراب. من مستجاد ما قيل في البخل ومن مستجاد ما قيل في البخل مما جمع إلى الخلاعة براعة قول أبي نواس في إسماعيل بن نيبخت: على خبز إسماعيل واقية البخل ... فقد حلّ في دار الأمان من الأكل وما خبزه إلا كآوى يرى ابنها ... ولسنا نراها في الحزون ولا السّهل وما خبزه إلاّ كالعنقاء مغرب ... تصوّر في بسط الملوك وفي المثل يحدّث عنها الناس من غير رؤيةٍ ... سوى صورة ما إن تمر ولا تجلي وما خبزه إلا كليب بن وائل ... لبالي يحمي عزّه منبت البقل وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجدٍّ ولا هزل

стр. 31

فإن خبز إسماعيل حلّ به الذي ... أصاب كليباً لم يكن ذاك عن ذلّ ولكن قضاءٌ ليس يسطاع ردّه ... بحيلة ذي دهي ولا مكر ذي عقل قال الجاحظ: وأبيات أبي نواس على أنه مولد شاطر أشعر من شعر المهلهل في إطراق المجلس بكليب أخيه إذ يقول: نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس وتحدّثوا في أمر كلّ عظيمةٍ ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا وكان كليب إذا جلس في ناديه لم يرفع أحد طرفه، ولا ينطق بكلمة إجلالاً له. وقال أبو نواس: رأيت قدور الناس سوداً من الصّلى ... وقدر الرقاشيّين زهراء كالبدر يضيق بحيزوم البعوضة صدرها ... ويخرج ما فيها على طرف الظفر يبيّنها للمعتفي بفنائهم ... ثلاثٌ كخطّ الثاء من نقط الحبر إذا ما تنادوا للرحيل سعى بها ... أمامهم الحوليّ من ولد الذّرّ وهذا القدر ضد قدر القائل: وبوّأت قدري موضعاً فوضعتها ... برابيةٍ ما بين ميثٍ وأجرع جعلت لها هضب الرّجام وطخفةً ... وغولاً أثافيّ دونها لم تنزّع بقدرٍ كأنّ الليل شحنة قعرها ... ترى الفيل فيها طافياً لم يقطّع ويجب أن يأكل ما في هذا القدر من ذكر الفرزدق في قوله: لعمرك ما الأرزاق حين اكتيالها ... بأكثر خيراً من خوان العذافر ولو ضافه الدّجّال يلتمس القرى ... وحلّ على خبّازه بالعساكر بعدّة يأجوج ومأجوج كلّهم ... لأشبعهم يوماً غداء عذافر طرف مليحة ودخل رجل على المتوكل فقال له: ما اسمك؟ قال: قطان. قال: وما صناعتك؟ قال: حمدان. قال: لعل اسمك حمدان وصناعتك قطان؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ولكني دهشت لهيبتك. وقال رجل لآخر معه كلب: ما اسمك؟ قال: وثاب. قال: وما اسم كلبك؟ قال: عروة، قال: واخلافاه! وقال ابن قادم: كنا نماشي ابن المغتاب القاضي، فمررنا بمقبرة، فإذا عليها مكتوب: بركة من الله صاحبها. وكنا في إملاك فإذا على منارة مكتوب: كل نفس ذائقة الموت. فقلت: هذه بتلك. وممن وقع له هذا على الغلط فأحسن الاستدراك مطيع بن إياس الحارثي، فإنه دخل على الهادي في حياة المهدي وهو ولي عهد، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقيل له: مه! فقال: بعد أمير المؤمنين. يتعمدان المقلوب وأما أبو العبر ومحمد بن حكيم الكنتجي فقد كانا يتعمدان المقلوب رقاعةً ومجانةً، وأبو العبر هو الذي كتب لبعض أصحابه: أما قبل فأحكم بنيانك على الرمل، واحبس الماء في الهواء، حتى يغرق الناس من العطش؛ فإنك إذا فعلت ذلك أمرت لك كل يوم بسبعة آلاف درهم ينقص كل درهم سبعة دوانيق. وكتب يوم إلا تسعاً لخمس وأربعين ليلةً خلت من شهر ربيع الأوسط سنة عشرين إلا مائتين. وله مثل هذا كثير من منظوم ومنثور. وهو القائل: الخوخ يعشق وكنة الرّمّان ... والطيلسان قرابة الخفّان يا من رمى قلبي فعرقب أذنه ... فشممت منه حموضة الكتّان وقال أبو العبر: كنا نختلف ونحن أحداث إلى رجل يعلمنا الهزل، فكان يقول: أول ما تريدون قلب الأشياء، فكنا نقول إذا أصبح: كيف أمسيت؟ وإذا أمسى: كيف أصبحت؟ وإذا قال: تعال نتأخر إلى خلف؛ وكانت له أرزاق تعمل كتابتها في كل سنة، فعمل مرة وأن معه الكتاب، فلما فرغ من التوقيع وبقي الختم. قال: أتربه وجئني به، فمضيت فصببت عليه الماء فبطل، فقال: ويحك! ما صنعت؟ قلت: ما نحن فيه طول النهار من قلب الأشياء! قال: والله لا تصحبني بعد اليوم فأنت أستاذ الأستاذين. وكان نقش خاتم أبي العبر توفي جحا يوم الأربعاء. وتعرض للمتوكل والمتوكل مشرف على مظهر في قصره الجعفري وقد جعل في رجليه قلنسوتين وعلى رأسه خفاًن وقد جعل سراويله قميصاً، وقميصه سراويل، فقال: علي بهذا المثلة؛ فدخل عليه فقال: أنت شارب؟ قال: ما أنا إلا عنفقة. قال: إني أضع الأدهم في رجليك وأنفيك في فارس، قال: ضع في رجلي الأشهب وانفني إلى راجل! قال: أتراني في قتلك مأثوم؟ قال: بل ماء بصل يا أمير المؤمنين، فضحك ووصله.

стр. 32

وأبو العبر القائل في الجد: ليس لي مال ولي كرمٌ ... فبه أقوى على عدمي لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متّهم قنعت نفسي بما رزقت ... وتمشّت في العلا هممي ولبست الصبر سابغةً ... فهي من فرقي إلى قدمي فإذا ما الدهر عاتبني ... لم تجدني كافر النعم وله في الرقيق: رقّ حتى يكاد خدّك يجري ... رقةً والجفون ترنو بسحر يا قليل الشبه مستظرف الشك ... ل بديع الجمال مغرىً بهجر كفّ عني الصدود يا واحد الحس ... ن فقد عيل من صدودك صبري وله أيضاً: أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيت ... بكيت عند الرضا خوفاً من الغضب فالموت إن رضيت والموت إن غضبت ... أنّى يرجّى سلوٌّ، عشت في تعب وهذا قريب من قول فضل الشاعرة، وقيل سعيد بن حميد: ما كنت أيام كنت راضيةً ... عني بذاك الرضا بمغتبط علماً بأنّ الرضا سيتبعه ... منك التجنّي وكثرة السّخط فكلّ ما ساءني فعن خلقٍ ... منك وما سرّني فعن غلط هذا البيت الأخير كقول أبي العيناء، وقد سأله المتوكل عن ميمون بن إبراهيم صاحب ديوان البريد وكان يبغضه فقال: يد تسرق، مثله مثل يهودي سرق نصف جزيته، فله إقدام بما أدى، وإحجام بما بقي، إساءته طبيعة، وإحسانه تكلف. أبو محجن الثقفي وطرف من أدبه ولما مات أبو محجن الثقفي وقف رجل على قبره، فقال: رحمك الله أبا محجن! فوالله لقد كنت قليل المراء، جيد الغناء، غير نعاس، ولا عباس، ولا حابس للكاس. واسم أبي محجن عروة بن حبيب، وكان فارساً شاعراً، وكان مشتهراً بالشراب كثيراً يقول فيه؛ فحده عمر ﵁ مرات، ثم أخرجه إلى العراق، فشرب، فحده سعد بن أبي وقاص وسجنه في قصر العذيب، وكان سعد مريضاً في القصر، وأقام المسلمون في حرب القادسية أياماً، فوجهت الأعاجم قوماً إلى القصر ليأخذوا من فيه، فاحتال أبو محجن حتى ركب فرس سعد من غير علمه فخر فأوقع بهم؛ فرآه سعد، فلما انصرف بالظفر خلى سبيله. وقال: لا أضربك بعدها في الشرب، قال: فإني لا أذوقها أبداً. ودخل ابن أبي محجن على معاوية فقال له: أبوك الذي يقول؟ إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمةٍ ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفننّي في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما متّ ألاّ أذوقها فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو شئت لذكرت من شعره ما هو أحسن من هذا وأنشد: لا تسألي القوم عن مالي وكثرته ... وسائلي القوم عن بأسي وعن خلقي القوم أعلم أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرّعديدة الفرق أُعطى السنان غداة الروع حصّته ... وعامل الرمح أرويه من العلق وأطعن الطعنة النّجلاء عن عرضٍ ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق فقال: لئن كنا أسأنا المقال، لا نسيء الفعال؛ وأمر له بصلة. الحجاج يضحك في جنازة رجل من أهل الشام وقال ابن عائشة: مات رجل من أهل الشام، فحضر الحجاج جنازته، وكان عظيم القدر، وله عز وجاه؛ فصلى عليه وجلس على شفير قبره، وقال: لينزل قبره بعض إخوانه، فنزل نفر منهم، فقال أحدهم وهو يسوي التراب عليه: رحمك الله يا أبا فلان؛ فإن كنت ما علمت لتجيد الغناء، وتسرع رد الكأس، ولقد وقعت بموضع سوء لا تخرج منه إلا يوم الدكة. قال: فما تمالك الحجاج أن ضحك، وكان لا يضحك في جد ولا في هزل، ثم قال للرجل: هذا موضع هذا الأمر. ويلك؟ قال: أصلح الله الأمير، فرسي حبيس في سبيل الله لو سمعه الأمير يتغنى: يا لبينى أوقدي النارا ... إنّ من تهوين قد جارا ربّ نارٍ بتّ أرمقها ... تقضم الهنديّ والغارا عندها ظبيٌ يؤججها ... عاقدٌ في الخصر زنّارا وكان الميت يسمى سعنة. فقال: أخرجوه من القبر يا أهل الشام، ما أبين حجة أهل العراق في جهلكم! وكان الميت أقبح خلق الله وجهاً، فلم يبق أحد ممن حضر إلا استغرق ضحكاً. أهل الشام

стр. 33

وأهل الشام غاية في الجهل والغباوة. ودخل رجل من أهل العراق الشام في أيام عبد الملك في حوائج له، فحجب عنه، فدخل في غمار الناس، فقال عبد الملك لجلسائه: ما معنى قول الشاعر: إذا ما المواشط باكرنها ... وأتبعن بالظّفر وحفاً طويلا تخذن القرون فعقّلنها ... كعقل العسيف غرابيب ميلا يصف شعر امرأة، والوحف: البشام، والعسيف: الأجير، والغرابيب الشديدة السواد؛ يريد عناقيد الكرم. وروي عراجين ميلاً فسكتوا عن آخرهم. فقال العراقي لرجل من أهل الشام له بزة وهيئة: أرأيتك إن أخبرتك بمعناه وحصل لك الحظ عند أمير المؤمنين أتقربني منه حتى أسأله حاجتي؟ قال: لك ذلك. قال: إنما يصف البطيخ، فوثب الشامي، وقال ذلك، فافتضح وانقلب المجلس ضحكاً. فقال له عبد الملك: من أين لك هذا العلم؟ قال: هذا العراقي ابن اللخناء قال لي ذلك. فقال عبد الملك: ما أدخلك؟ أذكر حاجتك؟ فذكرها فقضاها له وقال: أخرج من الشام لا تفسدها علي بمجاورتك. مما جمع التصرف في الإحسان ومما جمع التصرف في الإحسان وبديع الافتنان، قول مسلم بن الوليد الأنصاري: أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلةٍ ... كأنّ دجاها من قرونك ينشر نصبت لها حتى تجلّت بغرّةٍ ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر يريد يحيى بن خالد بن برمك وجعفراً ابنه. وقال ابن المعتز: سقتني في ليلٍ شبيهٍ بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب فأمسيت في ليلين بالشّعر والدّجى ... وشمسين من خمرٍ وخدّ حبيب وقال أبو الطيب: نشرت ثلاث ذوائبٍ من شعرها ... في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقتٍ معا من أعجب ما قيل في وصف الشعر ومن أعجب ما قيل في وصف الشعر ما جمع فيه وصف سواده وتمامه، وأتى بالتشبيه الواقع، والوصف الرائع؛ قول أبي الحسن علي بن العباس الرومي: وفاحمٍ وارد يقبّل مم ... شاه إذا اختال مسبلاً غدره أقبل كاللّيل من مفارقه ... منحدراً لا يذمّ منحدره حتى تناهى إلى مواطئه ... يلثم من كلّ موطىءٍ عفره كأنّه عاشقٌ دنا شغفاً ... حتّى قضى من حبيبه وطره يغشى غواشي قرونه قدماً ... بيضاء للناظرين مقتدره مثل الثرّيا إذا بدت سحراً ... بعد غمامٍ وحاسرٍ حسره وقد أخذه منه بعض أهل العصر وهو محمد بن مطران فقاربه في الإحسان: ظباءٌ أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبّلت ... مواطىء من أقدامهنّ الضفائر بنو أمية وأهل العراق وكان بنو أمية يكرهون أهل العراق لفطنتهم ورقتهم؛ إذ سياسة الأغبياء أسهل عليهم؛ فقد قال الإسكندر لأرسطا طاليس: قد أعياني أهل العراق، ما أجري عليهم حيلةً إلا وجدتهم قد سبقوني إلى الخلاص، فتخلصوا قبل إيقاعها بهم؛ وقد عزمت على قتلهم عن آخرهم. فقال: إذا قتلتهم فهل تقدر على قتل الهواء الذي غذى طباعهم وخصهم بهذا الذكاء؟ فإن ماتوا ظهر في موضعهم من يشاكلهم. فقال: ما الرأي؟ قال: من كان فيه هذا العقل كانت فيه أنفة وحمية وشراسة خلق، وقلة رضاً بالضيم؛ فاقسمها طوائف، وول على كل طائفة أميراً، فإنهم يختلفون، فإذا اختلفوا فلت شوكتهم فغفلوا. فأقاموا مختلفين أربعمائة عام حتى جمعهم أردشير بن بابك وقال: إن كلمةً فرقت بيننا أربعمائة سنة لمشؤومة. إياس بن معاوية أمام القاضي ودخل إياس بن معاوية بن قرة الشام وهو صغير؛ فخاصم شيخاً إلى القاضي وأقبل يصول عليه، فقال القاضي: اسكت يا صبي. فقال: فمن ينطق بحجتي؟ قال: إنه شيخ كبير، قال: إن الحق أكبر منه. قال القاضي: ما أراك تقول حقاً؛ فقال: لا إله إلا الله. فركب القاضي من وقته إلى عبد الملك فأخبره فقال: عجل بقضاء حاجته وأخرجه من الشام لئلا يفسدها. وبإياس يضرب المثل في الذكاء قال الطائي: إقدام عمروٍ في سماحة حاتمٍ ... في حلم أحنفي في ذكاء إياس أحزم الملوك

стр. 34

خرج بعض ملوك الفرس متنزهاً، فلقيه بعض الحكماء فسأله عن أحزم الملوك؟ فقال: من ملك جده وهزله، وقهر لبه هواه، وأعرب لسانه عن ضميره، ولم يختدعه رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن صدقه. فقال الملك: لا، بل أحزم الملوك من إذا جاع أكل، وإذا عطش شرب، وإذا تعب استراح. فقال له: أيها الملك؛ قد أجدت الفطنة، أهذا لك علم مستفاد أم غريزي؟ قال: كان لي معلم من حكماء الهند، وكان هذا نقش خاتمه. قال: فهل علمك غير هذا؟ قال: ومن أين يوجد هذا عند رجل واحد. ثم قال الملك: علمني من حكمتك أيها الحكيم. قال: نعم! احفظ عني ثلاث كلمات؛ قال: صدقت، فهات، قال: صقلك لسيف ليس له جوهر من طبعه خطأ، وبذرك الحب في الأرض السبخة ترجو نباته جهل، وحملك الصعب السير على الرياضة عناء. ومن هنا أخذ أبو تمام قوله: في دولة غرّاء معتصميّة ... ميمونة الإدبار والإقبال فتعمّق الوزراء يطفو فوقها ... طفو القذى وتعقّب العذّال والسيف ما لم يلف فيه صقلٌ ... من طبعه لم ينتفع بصقال من نوادر الملوك والعمال والقضاة وكان القلهمان أحد حكماء الهند وفيلسوف أطبائهم وترجمان علومهم، وكان ترجمان ملك من ملوكهم يقال له ياكهثر بن شبرام، وكان ركيكاً إلا أنه من أهل بيت المملكة، فقال يوماً للقلهمان: ما العلم الأكبر؟ قال: معرفة الطب. قال: فإني أعلم من الطب أكثره. قال: فما دواء المبرسم أيها الملك؟ قال: الموت حتى تقل حرارة صدره ثم يعالج بعد بالأدوية الباردة. قال القلهمان: أيها الملك، من يحييه بعد الموت؟ قال: ليس هذا من الطب. هذا علم آخر يوجد في كتاب النجوم. ولم أنظر في شيء منه إلا في باب الحياة، فإني وجدتها خيراً للإنسان من الموت. قال القلهمان: أيها الملك، على كل حال خير للجاهل. قال: لو نظر الجاهل في باب الموت لعلم أني قلت الحق. وسألت أبو عون رجلاً عن مسألة فقال: على الخبير سقطت، سألت عنها أبي فقال: سألت أبي فقال: لا أدري. قال أزهر: استعدت امرأة على زوجها عند ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك وهو قاض فادعت مهرها ألف درهم، فقال: ألك بينة؟ قالت: لا، قال: أفأحلفه لك؟ قالت: إنه فاجر يحلف؛ ولكن ابعث إلى إسحاق بن سويد الفقيه فسله أن يحلف لي عنه. قال فأرسل إلى إسحاق بن سويد فلما حضر. قال له: احلف لهذه المرأة ما لها على زوجها ألف درهم؟ قال إسحاق: ما أنا وهذا! قال: فيبطل حق هذه المرأة؟ لتحلفن لها أو لأحبسنك، فلم يحلف فحبسه. فأتاه ابن سيرين فقال: لا ألومك على حبسك إسحاق، ولكن لم وليت القضاء؟ قال: أكرهني عليه السلطان. قال: كنت تعلمه أنك لا تحسنه. قال: كنت أنا أكذب؟ وكان نصر بن مقبل بن الوزير على الرقة عاملاً لهارون الرشيد، فأخذ بعض أصحابه رجلاً ينكح شاة، وأجمعوا الذهاب به إلى نصر، وكان الرجل ظريفاً فقال: يا قوم؛ إنها والله ملك يميني. فضحوا منه وخلوا سبيله، وذهبوا بالشاة إلى نصر؛ فأمر أن تضرب الحد، فإن ماتت تصلب، قالوا: إنها بهيمة؟ قال: وإن كانت بهيمة؛ فإن الحدود لا تعطل، وإن عطلتها فبئس الوالي أنا. فانتهى حديثه إلى الرشيد ولم يكن رآه، وكان نبيل القد، حسن المنظر، جليل القدر؛ فدعا به فوقف بين يديه، فقال: من أنت؟ قال: مولى لبني الكلب يا أمير المؤمنين، فضحك. ثم قال: كيف بصرك في الحكم؟ قال: البهائم يا أمير المؤمنين والناس عندي سواء، ولو وجب الحكم على بهيمة وكانت أمي أم أختي لحددتها، ولم تأخذني في الله لومة لائم. فأمر هارون ألا يستعمل، فلم يزل معطلاً حتى ولي المأمون، فرفع يسأله الاستعانة به، فولاه طبرناباذ، وأمره أن يكون على العصير بها، فلم يزل على ذلك حتى مات. وكان مقاتل بن حسان على قضاء البصرة، فسأله رجل عن مسألة. فقال: لا أعرف الجواب، فقال: أنت قاض ولا تحسن المسألة؟ قال: نعم! لأن الثور أعظم من الحمار ولا يحسن أن يركض ركض الحمار. قال: أيها القاضي؛ فهذا مثلك؟ قال: بل هذا مثلي ومثلك. قال: فأيهما أنت؟ قال: أنبلهما وأعظمهما يعني الثور. حسن مظهر وسوء مخبر

стр. 35

قال أبو الهذيل العلاف: كان يختلف إلي فتىً من أهل الموصل حسن السمت، نير الوجه، تقي الثياب؛ فكان يصمت في المجلس، وإذا أتاه النهوض قال: أستغفر الله لي وللمتكلم، ثم يمضي. قال: فنبل في عيني، ولاط بقلبي، وحلا في صدري؛ فذكرت قول الحكيم في كتاب جاودان خرد: يحرم على السامع تكذيب القائل إلا في ثلاث هن غير الحق؛ صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن إليه، وحماة أحبت كنة. فقال الفتى: لولا حفظي لنظير هذه الكلمات وسماعهن من ثقة! فاشرأببنا إليه وقلنا: ماذا ذاك؟ يرحمك الله! وظننا أنه سيأتي بأحسن منهن. فقال: حدثني أبي عن جدي أنه قرأ في بعض كتب الحكماء: ليس الجائع كالشبعان، ولا المكسي كالعريان، ولا النائم كاليقظان. فطأطأت رأسي، وجعل أصحابي ينظرون إلي وإليه، وكرهت أن أسأله عن شيء بعد هذا. فقال له بعضهم: من أنت يا فتى؟ قال: من فوق الأرض ومن تحت السماء. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: من أوسطهما، قال: فما الاسم؟ قال: لجام، قال: فما الكنية؟ قال أبو السراج، قال: فما بالك لا تنهض؟ فوالله ما أنت إلا حمار، فوثب قائماً. وقال: ليس البحث منكم، ولكن مني حيث أجلس إلى أمثالكم ولا تعرفون ما طحاها. من كتب الفرس وكتاب جاودان خرد من أجل كتب الفرس، وكان سببه على ما ذكر الجاحظ أن بعض الأكاسرة كان زاهداً في كتب الأدب، راغباً في التكبر عن النظر فيهما، والتعظم عن الاشتغال بشيء منها، وكان له وزير يقال له كنجور بن أسفنديار، فصنع ترجمة لكتاب لم يعلمها أحد، وجعلها في ورقة، وألقاها إلى الملك وكانت الترجمة: هذا كتاب تصفية الأذهان، ونقاء الفكر، وسراج القلوب، من كتاب واضح عمود الحكمة. فلما نظر الملك إلى هذه الترجمة شغفه حسنها، فقال لكنجور: لقد غلبت هذه الترجمة على هواي، وقادت عزمي، وبعثت رأيي على هذا الكتاب؛ فسل عنه سؤالاً حفياً يرجع بجلية الخبر، وابعث الحكماء الأدلاء، على تفتيش منازل الحكماء، فإن وجدته في شيء من مملكتي، كنت أولى الناس باصطناع صاحبه، وإن وصف أنه في شيء من أقاليم الهند، كتبت إلى ملك ذلك الإقليم، وسألته المن علي بدفع نسخة منه، وكافأته بهدية مكافأة مثلي على وجود طلبته. فقال كنجور: أيها الملك، لست أفزع باستفراغ مجهودي والله المعين. وصار إلى منزله ولم يخرج منه حتى صنع كتابه المعروف بجاودان خرد. قال الجاحظ: حدثني الواقدي قال: قال الفضل بن سهل: لما دعي للمأمون بكور خراسان بالخلافة جاءتنا هدايا الملوك سروراً بمكانه من الخلافة، ووجه ملك كابلستان شيخاً يقال له ذوبان، وكتب يذكر أنه وجه بهدية ليس في الأرض أسنى ولا أرفع ولا أنبل ولا أفخر منها. فعجب المأمون وقال: سل الشيخ ما معه من الهدية؟ فقال: ما معي شيء أكثر من علمي، فقلت: وأي شيء علمك؟ قال: رأي ينفع، وتدبير يقطع، وجلالة تجمع. فسر المأمون به وأمر بإنزاله وإكرامه وكتمان أمره؛ فلما أجمع على التوجه إلى العراق لقتال محمد الأمين أخيه دعا بذوبان، فقال: ما ترى في التوجه إلى العراق؟ قال: رأي دقيق، وحزم مصيب، وملك حريب، والسبب ماض، فاقض ما أنت قاض. قال: فمن نوجه؟ قال: الفتى الأعور، الطاهر الأطهر، الظاهر الأظهر، يستر ولا يفتر؛ قوي مرهوب، مقاتل غير مغلوب. قال: فمن نوجه معه من الجند؟ قال: أربعة آلاف، صوارم الأسياف، لا ينقصن في العدد، ولا يحتجن إلى مدد. قال: فما رأيت المأمون سر كسروره ذلك اليوم. فوجه بطاهر؛ فلما تهيأ له الخروج سأل ذوبان: في أي وقت يخرج من النهار؟ قال: مع طلوع الفجر يجمع لك الأمر، وتصير إلى النصر. فخرج في ذلك الوقت، فلما كتب بذكر مقدمه الري دعا المأمون بذوبان فقال: قد قرب صاحبنا من العدو وقربوا منه، فما عندك دلالة أبو بينة تكون لنا أو علينا؟ قال: قد تعرفت شانه، إذ أتى فسطاطه، كان نصر سريع، وقتل ذريع، وتفرقت تلك الجموع، والنصر له لا عليه، ثم يرجع الأمر إليك وإليه.

стр. 36

فكتب المأمون بذلك إلى طاهر ليقوي عزمه، فلما كتب بقتله علي بن عيسى ابن ماهان واستيلائه على عسكره وأمواله، وخبر ما أولى الله المأمون في أوليائه؛ من النصر والظفر بأعدائه، دعا ذوبان وأمر له بمائة ألف درهم فلم يقبلها. وقال: أيها الملك؛ إن ملكي لم يوجهني إليك هدية لينقصك مالك؛ فلا تجعل ردي نعمتك سخطاً؛ فليس عن استخفافٍ بقدرها؛ وسوف أقبل ما يفي بهذا المال ويزيد، وهو كتاب يوجد في العراق فيه مكارم الأخلاق، وعلوم الآفاق، وهو كتاب عظيم للفرس، فيه شفاء النفس، به من صنوف الآداب، ما لا يوجد في كتاب، عند عاقل لبيب، ولا فطن أريب، يوجد في خزائن، عند الإيوان بالمدائن. فلما قدم المأمون بغداد، واستقر بها ملكه اقتضاه ذوبان حاجته، وأمر أن تكتب القصة والموضع الذي يشير إليه، فكتب: سر إلى وسط الإيوان، من غير زيادة ولا نقصان، واجعل القسمة بالذرعان، ثم احفر المدر، فاقلع الحجر؛ فإذا وصلت إلى الساجة، فاقتلعها تجد الحاجة، فخذها ولا تعرض لغيرها، فيلزمك غب ضيرها. فوجه المأمون في ذلك رسولاً حصيفاً، فسار إلى الموضع، ففعل ما قيل له؛ فوجد صندوقاً صغيراً من زجاج أسود عليه قفل منه، فحمله ورد الحفرة إلى حالها الأول. قال عمرو بن بحر: فحدثني الحسن بن سهل قال: إني لعند المأمون إذ وصل ذلك الصندوق، فجعل يتعجب منه، ثم دعا بذوبان فقال له: هذه بغيتك؟ قال: نعم! أيها الملك، لست ممن تنقض رغبته ذمام عهده، ولا يحل طمعه عقدة وفائه، ثم تكلم بلسانه، ونفخ في القفل فانفتح، فأدخل يده وأخرج منه خرقة ديباج فنشرها فسقط منها أوراق، فرد الأوراق في الخرقة ونهض. ثم قال: أيها الملك، هذا الصندوق يصلح لرفيع خبيات خزائنك، فأمر به فرفع. قال الحسن بن سهيل: فقلت: ترى يا أمير المؤمنين أن أسأله ما في هذا الكتاب؟ قال: يا حسن، أفر من اللؤم ثم أرجع إليه؟ أمرته ألا يفتحه بين يدي قطعاً للطمع فيه، وصمتةً بالمسألة عنه، وتحرياً للرغبة فيه، والله لا كان هذا أبداً. فلما خرج صرت إلى منزله فسألته عنه مسألة راغب فيه، فقال: هذا كتاب جاودان خرد تأليف كنجور ملك سبراشهرا، فقلت: أعطني ورقةً منه أنظر فيها. فأعطاني فوقعت عليها عيني. وأسرجت لها ذهني، وأجلت فيها فكري؛ فلم أزدد منه إلا بعداً؛ فدعوت بالخضر بن علي، وذلك في صدر النهار، فلم ينتصف حتى فرغ من قراءتها بينه وبين نفسه؛ ثم جعل يفسرها وأنا أكتب، ثم رددت الورقة وأخذت منه نحو ثلاثين ورقة، فدخلت عليه يوماً فقلت: يا ذوبان؛ يكون في الدنيا من يحسن مثل هذا الكتاب؟ قال: يجوز أن يكون فيها من يحسن ترجمة هذا الكتاب، ولا يجوز أن يكون فيها من يحسن مثل هذا الكتاب. قلت: فهل تعرف من يترجمه؟ قال: نعم، وأصفه لك، هو طوال أنزع، إن تكلم تتعتع، يفوق أهل زمانه، بما يكون من شأنه، اسمه خضير، يقوم بأمر خطر، لو كان له عمر، ولولا أن العلم سبيل الدنيا والآخرة، وهو الكرامة الفاخرة، ومن معرفة قدره الضن به، لرأيت أن أدفعه إليك بتمامه، ولكن لا سبيل إلى أكثر مما أخذت. ولم تكن الأوراق التي أخذتها على التأليف؛ لأنا أصبنا ورقة فيها علامات فيها الكنوز، وآخر الورقة مكتوب: دليل هذا الباب في الورقة التي تليها؛ ولم نجد غير هذا بتاً؛ غير أنا وجدنا أبواباً من الحكمة تشهد لها القلوب بحقيقة الصحة، وتحلف طيها الألسن بغاية النهاية. هذا من كلام الحسن بن سهل كقول أبي تمام يصف شعره: ومحلفةٍ لمّا ترد أُذن سامعٍ ... فتصدر إلاّ عن يمينٍ وشاهد

стр. 37

قال الجاحظ: وحدثني الحسن بن سهل قال: قال لي المأمون: أي كتب العرب أنبل؟ قال قلت المبتدأ؟ قال: لا. قلت: فالتاريخ؟ قال: لا، فسكت، فقال: تفسير القرآن، لأنه لا شبه له، وتفسيره لا شبه له. ثم قال: أي كتب العجم أنبل؟ فاستعرضتها فقلت: هذا كتاب ذوبان، وقد كتبت بعضه، فقال: إيتني به معجلاً. فوجهت في حمله، فوافاني الرسول وقد نهض يريد الصلاة. فقال: فلما رآني مقبلاً والكتاب معي انحرف عن القبلة، وأخذ الكتاب وجعل ينظر فيه، فإذا فرغ من باب قال: لا إله إلا الله، فلما طال ذلك عليه قعد وجعل يقرأ؛ فقلت: الصلاة تفوت وهذا لا يفوت. قال: صدقت غير أني أخاف السهو في الصلاة لاشتغال قلبي بلذيذ ما في هذا الكتاب، وما أجد للسهو حائلاً غير ذكر الموت فجعل يقرأ: " إنك ميت وإنهم ميتون ". ثم وضع الكتاب. وقام فكبر؛ فلما فرغ من صلاته نظر فيه حتى أتى على آخره. ثم قال: أين تمامه؟ قلت: عند ذوبان لم يدفعه إلي. فقال: لولا أن العهد حبل أحد طرفيه بيد الله والآخر بأيدينا لأخذته منه، فهذا والله الكلام، لا ما نحن فيه من لي ألسنتنا في فجوات أشداقنا. من الحكم قال الحسن بن سهل: قرأت في هذا الكتاب: ثلاث لا يصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في العقول. وثلاث لا يستفسد صلاحهن بنوع من المكر: العبادة في العلماء، والقنوع في المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار. وثلاث لا يشبع منهن: الحياة، والعافية، والمال. وثلاث تبطل مع ثلاث: الشدة مع الحيلة، والعجلة مع التأني، والإسراف مع القصد. وهذا كما قال الخضر بن علي: رأيت بعدن حجراً مكتوباً عليه بالحميرية: يأيها الشديد؛ احذر الحيلة، ويأيها العجول؛ احذر التأني، ويأيها المحارب؛ لا تأمن من التفكر في العاقبة، ويأيها الرائد موجوداً لا تقطع أملك عن بلوغ مثله. أما قوله للمحارب، فقد قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: من فكر في العواقب لم يشجع. شجاعة وحسن بلاء وقال سعد بن ناشب الغنوي: عليكم بداري فاهدموها فإنّها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا إذا همّ ألقى بين عينيه همّه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا وقد قال معاوية ﵁: هممت مرات كثيرةً بصفين أن أخيس فلم يردني إلا أبيات ابن الإطنابة: أبت لي عفّتي وأبى بلائي ... وأخذي المجد بالثمن الربيح وقولي كلّما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح لأدفع من مآثر صالحاتٍ ... وأمنع بعد عن نسبٍ صريح وابن الإطنابة هو عمرو بن عامر بن زيد مناة بن مالك بن الأغر الخزرجي، وهو فارس مشهور معروف، والإطنابة أمه. وقد أحسن قطري بن الفجاءة في هذا المعنى حيث قال: وقولي كلّما جاشت لنفسي ... من الأعداء ويحك لا تراعي فإنك لو سألت مزيد يومٍ ... أبى الأجل المقدّر أن تطاعي وقال بعض الغزاة: فتحنا حصناً من بلاد الروم، فرأينا فيه صورة أسد من حجر عليه مكتوب: الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب أحزم من العقل، والتفكر في العاقبة من أمارة الجزع. ووجه ملك الروم إلى الرشيد بثلاثة أسياف مع هدايا كثيرة، على سيف منها مكتوب: أيها المقاتل؛ احمل تغنم، ولا تفكر في العاقبة تهزم. وعلى الثاني: التأني فيما لا تخاف عليه الفوت، أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل. وعلى الآخر: إن لم تصل ضربة سيفك، فصلها بإلقاء خوفك. وهذا كقول كعب بن مالك الأنصاري: نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدماً ونحلقها إذا لم تلحق وكقول نهشل بن حري: إذا الكماة تأبّوا أن ينالهم ... حدّ السيوف وصلناها بأيدينا وأعطى بعض الأمراء سيفاً لرجل فقال له: صله بخطواتك. فقال له: الصبر أقرب من تلك الخطوة. وأعطى آخر لرجل سيفاً فسأله بدله، وقال: هو غير ماض. قال: خذه، فالسيوف مأمورة، قال: فهذا أمر ألا يقطع.

стр. 38

وانهزم رجل، فدخل على أميره فشتمه وقال: أعطيت بيدك وهربت، ولم توغل ولا صبرت! فقال: لئن تشتمني أصلحك الله وأنا حي خير من أن تترحم علي وأنا ميت. وقيل لأعرابي: اخرج إلى الغزو! فقال: أنا والله أكره الموت على فراشي، فكيف أمشي إليه ركضاً؟!. أخذ هذا المعنى أحمد بن أبي فنن فقال مستطرداً يمدح أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي والاستطراد أن يريك الفارس أنه ولى، وإنما ولى لتتبعه فيكر عليك كذلك الشاعر يريك أنه يصف شيئاً، ثم يعن له معنىً فيأتي به، وكأنه ليس من قصده ولم يقصد غيره: ما لي وما لك قد كلّفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدارعين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أُمسي وأُصبح مشتاقاً إلى التلف أرى المنايا على غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف؟ أخلت أنّ سواد الليل غيّرني ... أو أنّ قلبي في جنبي أبي دلف؟ لأنه كان شديد السواد. ولما دخل على المعتز قال: هذا الشاعر الأسود؟ قال: لا يضره سواده، أعزكم الله تعالى؛ فإن بيض أباديكم عنده. وقال المنصور لبعض الخوارج وقد أتي به أسيرا: أخبرني أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتكم؟ فقال: ما أعرف وجوههم مقبلين، وإنما أعرف أقفاءهم؛ فمرهم أن يدبروا لأعرفك أشدهم إدباراً. أخذه ابن الرومي فقال في سليمان بن عبد الله بن طاهر وكان قد خرج في بعض الوجوه فهزم: قرن سليمان قد أضرّ به ... شوقٌ إلى وجهه سيدنفه أعرض عن قرنه وفرّ فما ... أصبح شيءٌ عليه يعطفه كم يعد القرن باللقاء وكم ... يكذب في وعده ويخلفه لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخٍ فيعرفه وله في هذا المعنى أهاج كثيرة فمن ظريفها: سليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنّه حتمٌ عليه الهزائم ألا عوّذوه من توالي فتوحه ... عسى أن تردّ العين عنه التمائم وقال: جاء سليمان بني طاهر ... فاجتاح معتزّ بني المعتصم كأنّ بغداد لدن أبصرت ... طلعته نائحةٌ تلتدم مستقبل منه ومستدبر ... وجه بخيلٌ وقفاً منهزم من ملح أبي دلامة وقال روح بن حاتم لأبي دلامة: اخرج معي وهذه عشرة آلاف درهم. فقال: إني أعوذ بروحٍ أن يقرّبني ... إلى الحمام فتشقى بي بنو أسد إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم ... وما ورثت اختيار الموت من أحد وكان أبو دلامة شاعراً فصيحاً، وماجناً مليحاً، واسمه زند بن الجون الأزدي. ودخل على أبي جعفر المنصور فأنشده وذكر زوجته: فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبةٌ ... أأنت تتلو كتاب الله يالكع؟! قم كي تبيع لنا نخلاً ومزدرعاً ... كما لجارتنا نخلٌ ومزدرع خادع خليفتنا عنها بمسألةٍ ... إنّ الخليفة للسؤّال ينخدع قال: قد أمرنا لك بمائة جريب عامر، ومائة جريب غامر. فقال: وما الغامر يا أمير المؤمنين؟ قال: الذي لا ينبت، قال: فإني أقطعك عشرة آلاف جريب من فيافي بني أسد. فضحك وأمر له بالجميع عامراً، فقال: إئذن لي في تقبيل يدك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أما هذه فدعها، فقال: ما منعت عيالي شيئاً أسهل عليهم من هذه. ودخل أبو دلامة يوماً على أبي جعفر المنصور فأنشده: إنّي رأيتك في المنا ... م وأنت تعطيني خياره مملوءةً بدراهم ... وعليك تأويل العباره فقال له المنصور: امض فأتني بخيارة أملؤها لك دراهم. فمضى فأتى بأعظم دباءة توجد. ما هذا؟ قال: يلزمني الطلاق إن كنت رأيت إلا دباءة، ولكني نسيت، فلما رأيت الدباءة في السوق ذكرتها. وهذا إنما أخذه من ابن عبدل الأسدي، وقد دخل على بعض بني مروان، فقال: تأذن لي أصلحك الله أن أقص عليك رؤيا رأيتها؟ فقال: هات؛ فأنشد: أغفيت قبل الصبح نوم مسهّدٍ ... في ليلةٍ ما كنت قبل أنامها فرأيت أنّك رعتني بوليدةٍ ... فتذانةٍ حسن عليّ قيامها

стр. 39

وببدرةٍ حملت إليّ وبغلةٍ ... دهماء ناجيةٍ يصلّ لجامها فدعوت ربي أن يثيبك جنّةً ... عوضاً يصيبك بردها وسلامها فقال: عندي كل شيء إلا البغلة فإنها عندنا شهباء. فقال: امرأتي طالق إن كنت رأيتها إلا شهباء، ولكني غلطت. ولابن عدل ظريفة مع بشر بن مروان: وذلك أنه كان متصلاً به، منقطعاً إليه، فأغفله، فغاب عنه أياماً ثم أتاه فقال: أين غبت، فقد طلبتك فلم أقدر عليك؟ قال: خرجت أيها الأمير إلى البادية أطلب التزوج بابنة عم لي أيم فقالت: لي أموال متفرقة على الناس، وأنا امرأة لا قيم لي، فاقتضها لي وأنا أتزوجك؛ فاقتضيت لها جميع أموالها، فلما فرغت كتبت إلي: سيخطئك الذي أمّلت منّي ... بقطع حبال وصلك من حبالي كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعدّ ذلك رأس مال فضحك وقال: ما أحسن ما تلطفت. ودخل أبو دلامة يوماً على المنصور وبين أصبعيه خرقة، فقال له: ما هذا يا أبا دلامة؟ فقال: ولدت لي الباحة صبية وقد قلت فيها: فما ولدتك مريم أُمّ عسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم ولكن قد ولدت لأمّ سوءٍ ... يقوم بأمرها بعلٌ لئيم فضحك المنصور وقال: ما تريد؟ قال: ملء هذه الخرقة أستعين بها على تربيتها. فقال المنصور: أملأوها دراهم، ففتحوها فإذا هي رداء رقيق كبير، فملأوه؛ فأخذ عشرة آلاف درهم. وكان المنصور بخيلاً، وإنما كان أبو دلامة يستنزله بالملح لشدة بخله، فقد كان يتجاوز الغاية في ذلك. بخل المنصور وكان المنصور قبل أن يلي الخلافة ينزل على أزهر السمان، فلما استخلف صار إليه أزهر. فقال: ما أقدمك؟ قال: حاجة أمير المؤمنين؛ علي أربعة آلاف درهم، ولي دار متهدمة، وأريد البناء لابني محمد. فأمر له باثني عشر ألف درهم. وقال: يا أزهر؛ لا تأتنا طالب حاجة. قال: أفعل. فلما كان بعد قليل عاد فقال: يا أزهر؛ ما جاء بك؟ قال: جئت مسلماً على أمير المؤمنين، قال: إنه ليقع في نفسي أن ما أتيت إلا لما أتيت له في المرة الأولى، وأمر له باثني عشر ألف درهم. وقال: لا تأتنا طالب حاجة ولا مسلماً. قال: نعم! ثم ما لبث أن عاد فقال: يا أزهر؛ ما جاء بك؟ قال: دعاء كنت سمعت أمير المؤمنين يدعو به فجئت مستملياً لآخذه عن أمير المؤمنين. فقال: لا تكتبه فإن غير مستجاب، لأني دعوت الله به أن يرحني منك فلم يستجب لي. ثم صرفه ولم يعطه شيئاً. ابن هرمة يمدح المنصور فيجيزه ولما دخل عليه إبراهيم بن علي بن هرمة أنشده قصيدته التي يقول فيها: له لحظاتٌ في حفافيّ سريره ... إذا كرّها فيها عقابٌ ونائل فأمّ الذي أمّنت آمنة الردى ... وأمّ الذي حاولت بالثكل ثاكل فرفع الحجاب له، وأقبل عليه وأمر له بعشرة آلاف درهم. ثم قال: يا إبراهيم: لا تتلفا طمعاً في مثلها، فما كل وقت تصل إلينا، ولا يصلك منا مثلها. فقال: ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم العرض بختم الجهبذ. فضحك. وقال: اذكر حوائجك؟ فقال: تكتب لي إلى عامل المدينة ألا يحدني إذا أتي بي إليه وأنا سكران، فقال: هذا حد من حدود الله لا يمكن تعطيله. فقال: تحتال لي يا أمير المؤمنين، فكتب إلى عامر المدينة؛ من أتاك بابن هرمة وهو سكران فاضربه الحد، واضرب الذي يأتيك به مائة. فتحاماه الشرط. فكانوا يمرون به مطروحاً في سكك المدينة فيقولون: من يشتري ثمانين بمائة؟! مدحة وعطاء وقال المؤمل بن أميل: قدمت على المهدي وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه، فامتدحته فأمر لي بعشرين ألف درهم، فكتب ذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره أن الأمير أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه يعذله ويلومه، ويقول: إنما كان ينبغي لك أن تعطي الشاعر إذا أقام ببابك سنة أربعة آلاف درهم، وكتب إلى كاتبه أن يوجه إليه بالشاعر، فطلب فلم يقدر عليه، فكتب إليه أن قد توجه إلى مدينة السلام.

стр. 40

فأجلس قائداً من قواده على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح الناس رجلاً رجلاً، فجعل لا يمر به قافلة إلا تصفحهم، فمرت القافلة التي فيها المؤمل، فقال له: من أنت؟ قال: المؤمل بن أميل من زوار المهدي، قال: إياك أردت، قال المؤمل: فكاد والله قلبي ينصدع خوفاً من أبي جعفر، فقبض علي، وقال: سر، فسرت معه فسلمني إلى الربيع، فدخل الربيع على المنصور فقال له: هذا الشاعر قد ظفرنا به. قال: أدخلوه. قال: فدخلت عليه فسلمت فرد السلام. فقلت: ليس ههنا إلا الخير، فقال: أنت المؤمل بن أميل؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، أنا المؤمل، فقال: أتيت غلاماً غراً فجدعته فانخدع!! فقلت: بل أتيت كريماً فخدعته فانخدع، والكريم يخدع، قال: فكأن ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشدته: هو المهديّ إلاّ أنّ فيه ... مشابه صورة القمر المنير تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير فهذا في الضياء سراج عدلٍ ... وهذا في الظلام سراج نور ولكن فضّل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير وبالملك العزيز فذا أميرٌ ... وماذا بالأمير ولا الوزير ونقص الشهر يخمد ذا، وهذا ... منيرٌ عند نقصان الشهور فيابن خليفة الله المصفّى ... به تعلو مفاخرة الفخور لئن فتّ الملوك وقد توافوا ... إليك من السهولة والوعور لقد سبق الملوك أبوك حتّى ... أتوا ما بين كابٍ أو حسير وجئت وراءه تجري حثيثاً ... وما بك حين تجري من فتور فقال الناس ما هذان إلاّ ... كما بين الخليق من الجدير لئن فات الكبير مدى الصغير ... فذا فضل الكبير على الصغير وإن بلغ الصغير مدى الكبير ... فقد خلق الصغير من الكبير فقال: والله لقد أحسنت، ولكن لا تساوي عشرين ألف درهم، فأين المال؟ قلت: هوذا، قال: يا ربيع، انزل معه فأعطه عشرة آلاف درهم وخذ الباقي. فلما صارت الخلافة إلى المهدي وولي ابن ثوبان المظالم، وكان يجلس للناس بالرصافة، فإذا ملأ ثوبه رقاعاً دفعها إلى المهدي؛ فدفعت إليه رقعةً، فلما دخل بها ابن ثوبان وجعل المهدي ينظر في الرقاع حتى نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين، ما رأيتك ضحكت من شيء إلا من هذه الرقعة؟ فقال: هذه رقعة أعرف سببها، ردوا عليه العشرة آلاف، فردت. أخذ قوله في القمر علي بن الجهم فقال: رأيت الهلال على وجهه ... فلم أدر أيّهما أنور سوى أنّ ذاك بعيد المحلّ ... وهذا قريبٌ لمن ينظر وذاك يغيب وذا حاضر ... وما من يغيب كمن يحضر وقال إبراهيم بن العباس: وعابك أقوامٌ فقالوا شبيهةً ... لبدر الدجى حاشاك أن تشبهي البدرا لئن شبّهوك البدر ليلة تمّه ... لقد قارفوا الشّنعاء واقترفوا الوزرا أيشبه بدرٌ آفلٌ نصف شهره ... ضياءً منيراً يطلع الشهر والدهرا؟ وإنما نقل المؤمل في موازنة المهدي بالمنصور قول زهير بن أبي سلمى: قال الربيع بن يونس الحاجب: كنا وقوفاً على رأس المنصور في يوم عيد وقد طرحت وسادةٌ بين يديه؛ فجلس المهدي عليها، والناس سماطان على مراتبهم، إذ أقبل صالح بن المنصور الملقب بالمسكين وهو حدث فوقف بين السماطين فسلم وأحسن ثم استأذن في الكلام فأذن له فتكلم. قال الربيع: فلم يبلغه ذلك اليوم خطيب؛ فمد المنصور يده فقال: إلي يا بني، فلما دنا منه اعتنقه وأقعده قدامه، ثم نظر في وجوه القوم هل منهم أحد يصف كلامه وما كان منه! فكلهم هاب المهدي، فقال عقال بن شبة فقال: لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، وأبين بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأغمض عروقه، وأسهل طريقه! وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير: هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهلٍ ... فبالذي قدّما من صالحٍ سبقا
следующие страницы →