Полный текст (139 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فكتب المأمون بذلك إلى طاهر ليقوي عزمه، فلما كتب بقتله علي بن عيسى ابن ماهان واستيلائه على عسكره وأمواله، وخبر ما أولى الله المأمون في أوليائه؛ من النصر والظفر بأعدائه، دعا ذوبان وأمر له بمائة ألف درهم فلم يقبلها. وقال: أيها الملك؛ إن ملكي لم يوجهني إليك هدية لينقصك مالك؛ فلا تجعل ردي نعمتك سخطاً؛ فليس عن استخفافٍ بقدرها؛ وسوف أقبل ما يفي بهذا المال ويزيد، وهو كتاب يوجد في العراق فيه مكارم الأخلاق، وعلوم الآفاق، وهو كتاب عظيم للفرس، فيه شفاء النفس، به من صنوف الآداب، ما لا يوجد في كتاب، عند عاقل لبيب، ولا فطن أريب، يوجد في خزائن، عند الإيوان بالمدائن.
فلما قدم المأمون بغداد، واستقر بها ملكه اقتضاه ذوبان حاجته، وأمر أن تكتب القصة والموضع الذي يشير إليه، فكتب: سر إلى وسط الإيوان، من غير زيادة ولا نقصان، واجعل القسمة بالذرعان، ثم احفر المدر، فاقلع الحجر؛ فإذا وصلت إلى الساجة، فاقتلعها تجد الحاجة، فخذها ولا تعرض لغيرها، فيلزمك غب ضيرها.
فوجه المأمون في ذلك رسولاً حصيفاً، فسار إلى الموضع، ففعل ما قيل له؛ فوجد صندوقاً صغيراً من زجاج أسود عليه قفل منه، فحمله ورد الحفرة إلى حالها الأول.
قال عمرو بن بحر: فحدثني الحسن بن سهل قال: إني لعند المأمون إذ وصل ذلك الصندوق، فجعل يتعجب منه، ثم دعا بذوبان فقال له: هذه بغيتك؟ قال: نعم! أيها الملك، لست ممن تنقض رغبته ذمام عهده، ولا يحل طمعه عقدة وفائه، ثم تكلم بلسانه، ونفخ في القفل فانفتح، فأدخل يده وأخرج منه خرقة ديباج فنشرها فسقط منها أوراق، فرد الأوراق في الخرقة ونهض. ثم قال: أيها الملك، هذا الصندوق يصلح لرفيع خبيات خزائنك، فأمر به فرفع.
قال الحسن بن سهيل: فقلت: ترى يا أمير المؤمنين أن أسأله ما في هذا الكتاب؟ قال: يا حسن، أفر من اللؤم ثم أرجع إليه؟ أمرته ألا يفتحه بين يدي قطعاً للطمع فيه، وصمتةً بالمسألة عنه، وتحرياً للرغبة فيه، والله لا كان هذا أبداً.
فلما خرج صرت إلى منزله فسألته عنه مسألة راغب فيه، فقال: هذا كتاب جاودان خرد تأليف كنجور ملك سبراشهرا، فقلت: أعطني ورقةً منه أنظر فيها. فأعطاني فوقعت عليها عيني. وأسرجت لها ذهني، وأجلت فيها فكري؛ فلم أزدد منه إلا بعداً؛ فدعوت بالخضر بن علي، وذلك في صدر النهار، فلم ينتصف حتى فرغ من قراءتها بينه وبين نفسه؛ ثم جعل يفسرها وأنا أكتب، ثم رددت الورقة وأخذت منه نحو ثلاثين ورقة، فدخلت عليه يوماً فقلت: يا ذوبان؛ يكون في الدنيا من يحسن مثل هذا الكتاب؟ قال: يجوز أن يكون فيها من يحسن ترجمة هذا الكتاب، ولا يجوز أن يكون فيها من يحسن مثل هذا الكتاب. قلت: فهل تعرف من يترجمه؟ قال: نعم، وأصفه لك، هو طوال أنزع، إن تكلم تتعتع، يفوق أهل زمانه، بما يكون من شأنه، اسمه خضير، يقوم بأمر خطر، لو كان له عمر، ولولا أن العلم سبيل الدنيا والآخرة، وهو الكرامة الفاخرة، ومن معرفة قدره الضن به، لرأيت أن أدفعه إليك بتمامه، ولكن لا سبيل إلى أكثر مما أخذت.
ولم تكن الأوراق التي أخذتها على التأليف؛ لأنا أصبنا ورقة فيها علامات فيها الكنوز، وآخر الورقة مكتوب: دليل هذا الباب في الورقة التي تليها؛ ولم نجد غير هذا بتاً؛ غير أنا وجدنا أبواباً من الحكمة تشهد لها القلوب بحقيقة الصحة، وتحلف طيها الألسن بغاية النهاية.
هذا من كلام الحسن بن سهل كقول أبي تمام يصف شعره:
ومحلفةٍ لمّا ترد أُذن سامعٍ ... فتصدر إلاّ عن يمينٍ وشاهد
стр. 37
قال الجاحظ: وحدثني الحسن بن سهل قال: قال لي المأمون: أي كتب العرب أنبل؟ قال قلت المبتدأ؟ قال: لا. قلت: فالتاريخ؟ قال: لا، فسكت، فقال: تفسير القرآن، لأنه لا شبه له، وتفسيره لا شبه له. ثم قال: أي كتب العجم أنبل؟ فاستعرضتها فقلت: هذا كتاب ذوبان، وقد كتبت بعضه، فقال: إيتني به معجلاً. فوجهت في حمله، فوافاني الرسول وقد نهض يريد الصلاة. فقال: فلما رآني مقبلاً والكتاب معي انحرف عن القبلة، وأخذ الكتاب وجعل ينظر فيه، فإذا فرغ من باب قال: لا إله إلا الله، فلما طال ذلك عليه قعد وجعل يقرأ؛ فقلت: الصلاة تفوت وهذا لا يفوت. قال: صدقت غير أني أخاف السهو في الصلاة لاشتغال قلبي بلذيذ ما في هذا الكتاب، وما أجد للسهو حائلاً غير ذكر الموت فجعل يقرأ: " إنك ميت وإنهم ميتون ". ثم وضع الكتاب. وقام فكبر؛ فلما فرغ من صلاته نظر فيه حتى أتى على آخره. ثم قال: أين تمامه؟ قلت: عند ذوبان لم يدفعه إلي. فقال: لولا أن العهد حبل أحد طرفيه بيد الله والآخر بأيدينا لأخذته منه، فهذا والله الكلام، لا ما نحن فيه من لي ألسنتنا في فجوات أشداقنا.
من الحكم
قال الحسن بن سهل: قرأت في هذا الكتاب: ثلاث لا يصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في العقول. وثلاث لا يستفسد صلاحهن بنوع من المكر: العبادة في العلماء، والقنوع في المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار. وثلاث لا يشبع منهن: الحياة، والعافية، والمال. وثلاث تبطل مع ثلاث: الشدة مع الحيلة، والعجلة مع التأني، والإسراف مع القصد.
وهذا كما قال الخضر بن علي: رأيت بعدن حجراً مكتوباً عليه بالحميرية: يأيها الشديد؛ احذر الحيلة، ويأيها العجول؛ احذر التأني، ويأيها المحارب؛ لا تأمن من التفكر في العاقبة، ويأيها الرائد موجوداً لا تقطع أملك عن بلوغ مثله.
أما قوله للمحارب، فقد قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: من فكر في العواقب لم يشجع.
شجاعة وحسن بلاء
وقال سعد بن ناشب الغنوي:
عليكم بداري فاهدموها فإنّها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا
إذا همّ ألقى بين عينيه همّه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا
وقد قال معاوية ﵁: هممت مرات كثيرةً بصفين أن أخيس فلم يردني إلا أبيات ابن الإطنابة:
أبت لي عفّتي وأبى بلائي ... وأخذي المجد بالثمن الربيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
لأدفع من مآثر صالحاتٍ ... وأمنع بعد عن نسبٍ صريح
وابن الإطنابة هو عمرو بن عامر بن زيد مناة بن مالك بن الأغر الخزرجي، وهو فارس مشهور معروف، والإطنابة أمه.
وقد أحسن قطري بن الفجاءة في هذا المعنى حيث قال:
وقولي كلّما جاشت لنفسي ... من الأعداء ويحك لا تراعي
فإنك لو سألت مزيد يومٍ ... أبى الأجل المقدّر أن تطاعي
وقال بعض الغزاة: فتحنا حصناً من بلاد الروم، فرأينا فيه صورة أسد من حجر عليه مكتوب: الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب أحزم من العقل، والتفكر في العاقبة من أمارة الجزع.
ووجه ملك الروم إلى الرشيد بثلاثة أسياف مع هدايا كثيرة، على سيف منها مكتوب: أيها المقاتل؛ احمل تغنم، ولا تفكر في العاقبة تهزم. وعلى الثاني: التأني فيما لا تخاف عليه الفوت، أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل. وعلى الآخر: إن لم تصل ضربة سيفك، فصلها بإلقاء خوفك.
وهذا كقول كعب بن مالك الأنصاري:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدماً ونحلقها إذا لم تلحق
وكقول نهشل بن حري:
إذا الكماة تأبّوا أن ينالهم ... حدّ السيوف وصلناها بأيدينا
وأعطى بعض الأمراء سيفاً لرجل فقال له: صله بخطواتك. فقال له: الصبر أقرب من تلك الخطوة.
وأعطى آخر لرجل سيفاً فسأله بدله، وقال: هو غير ماض. قال: خذه، فالسيوف مأمورة، قال: فهذا أمر ألا يقطع.
стр. 38
وانهزم رجل، فدخل على أميره فشتمه وقال: أعطيت بيدك وهربت، ولم توغل ولا صبرت! فقال: لئن تشتمني أصلحك الله وأنا حي خير من أن تترحم علي وأنا ميت.
وقيل لأعرابي: اخرج إلى الغزو! فقال: أنا والله أكره الموت على فراشي، فكيف أمشي إليه ركضاً؟!.
أخذ هذا المعنى أحمد بن أبي فنن فقال مستطرداً يمدح أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي والاستطراد أن يريك الفارس أنه ولى، وإنما ولى لتتبعه فيكر عليك كذلك الشاعر يريك أنه يصف شيئاً، ثم يعن له معنىً فيأتي به، وكأنه ليس من قصده ولم يقصد غيره:
ما لي وما لك قد كلّفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدارعين قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أُمسي وأُصبح مشتاقاً إلى التلف
أرى المنايا على غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف؟
أخلت أنّ سواد الليل غيّرني ... أو أنّ قلبي في جنبي أبي دلف؟
لأنه كان شديد السواد.
ولما دخل على المعتز قال: هذا الشاعر الأسود؟ قال: لا يضره سواده، أعزكم الله تعالى؛ فإن بيض أباديكم عنده.
وقال المنصور لبعض الخوارج وقد أتي به أسيرا: أخبرني أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتكم؟ فقال: ما أعرف وجوههم مقبلين، وإنما أعرف أقفاءهم؛ فمرهم أن يدبروا لأعرفك أشدهم إدباراً.
أخذه ابن الرومي فقال في سليمان بن عبد الله بن طاهر وكان قد خرج في بعض الوجوه فهزم:
قرن سليمان قد أضرّ به ... شوقٌ إلى وجهه سيدنفه
أعرض عن قرنه وفرّ فما ... أصبح شيءٌ عليه يعطفه
كم يعد القرن باللقاء وكم ... يكذب في وعده ويخلفه
لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخٍ فيعرفه
وله في هذا المعنى أهاج كثيرة فمن ظريفها:
سليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنّه حتمٌ عليه الهزائم
ألا عوّذوه من توالي فتوحه ... عسى أن تردّ العين عنه التمائم
وقال:
جاء سليمان بني طاهر ... فاجتاح معتزّ بني المعتصم
كأنّ بغداد لدن أبصرت ... طلعته نائحةٌ تلتدم
مستقبل منه ومستدبر ... وجه بخيلٌ وقفاً منهزم
من ملح أبي دلامة
وقال روح بن حاتم لأبي دلامة: اخرج معي وهذه عشرة آلاف درهم. فقال:
إني أعوذ بروحٍ أن يقرّبني ... إلى الحمام فتشقى بي بنو أسد
إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم ... وما ورثت اختيار الموت من أحد
وكان أبو دلامة شاعراً فصيحاً، وماجناً مليحاً، واسمه زند بن الجون الأزدي.
ودخل على أبي جعفر المنصور فأنشده وذكر زوجته:
فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبةٌ ... أأنت تتلو كتاب الله يالكع؟!
قم كي تبيع لنا نخلاً ومزدرعاً ... كما لجارتنا نخلٌ ومزدرع
خادع خليفتنا عنها بمسألةٍ ... إنّ الخليفة للسؤّال ينخدع
قال: قد أمرنا لك بمائة جريب عامر، ومائة جريب غامر. فقال: وما الغامر يا أمير المؤمنين؟ قال: الذي لا ينبت، قال: فإني أقطعك عشرة آلاف جريب من فيافي بني أسد. فضحك وأمر له بالجميع عامراً، فقال: إئذن لي في تقبيل يدك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أما هذه فدعها، فقال: ما منعت عيالي شيئاً أسهل عليهم من هذه.
ودخل أبو دلامة يوماً على أبي جعفر المنصور فأنشده:
إنّي رأيتك في المنا ... م وأنت تعطيني خياره
مملوءةً بدراهم ... وعليك تأويل العباره
فقال له المنصور: امض فأتني بخيارة أملؤها لك دراهم. فمضى فأتى بأعظم دباءة توجد. ما هذا؟ قال: يلزمني الطلاق إن كنت رأيت إلا دباءة، ولكني نسيت، فلما رأيت الدباءة في السوق ذكرتها.
وهذا إنما أخذه من ابن عبدل الأسدي، وقد دخل على بعض بني مروان، فقال: تأذن لي أصلحك الله أن أقص عليك رؤيا رأيتها؟ فقال: هات؛ فأنشد:
أغفيت قبل الصبح نوم مسهّدٍ ... في ليلةٍ ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنّك رعتني بوليدةٍ ... فتذانةٍ حسن عليّ قيامها
стр. 39
وببدرةٍ حملت إليّ وبغلةٍ ... دهماء ناجيةٍ يصلّ لجامها
فدعوت ربي أن يثيبك جنّةً ... عوضاً يصيبك بردها وسلامها
فقال: عندي كل شيء إلا البغلة فإنها عندنا شهباء. فقال: امرأتي طالق إن كنت رأيتها إلا شهباء، ولكني غلطت.
ولابن عدل ظريفة مع بشر بن مروان: وذلك أنه كان متصلاً به، منقطعاً إليه، فأغفله، فغاب عنه أياماً ثم أتاه فقال: أين غبت، فقد طلبتك فلم أقدر عليك؟ قال: خرجت أيها الأمير إلى البادية أطلب التزوج بابنة عم لي أيم فقالت: لي أموال متفرقة على الناس، وأنا امرأة لا قيم لي، فاقتضها لي وأنا أتزوجك؛ فاقتضيت لها جميع أموالها، فلما فرغت كتبت إلي:
سيخطئك الذي أمّلت منّي ... بقطع حبال وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعدّ ذلك رأس مال
فضحك وقال: ما أحسن ما تلطفت.
ودخل أبو دلامة يوماً على المنصور وبين أصبعيه خرقة، فقال له: ما هذا يا أبا دلامة؟ فقال: ولدت لي الباحة صبية وقد قلت فيها:
فما ولدتك مريم أُمّ عسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد ولدت لأمّ سوءٍ ... يقوم بأمرها بعلٌ لئيم
فضحك المنصور وقال: ما تريد؟ قال: ملء هذه الخرقة أستعين بها على تربيتها. فقال المنصور: أملأوها دراهم، ففتحوها فإذا هي رداء رقيق كبير، فملأوه؛ فأخذ عشرة آلاف درهم.
وكان المنصور بخيلاً، وإنما كان أبو دلامة يستنزله بالملح لشدة بخله، فقد كان يتجاوز الغاية في ذلك.
بخل المنصور
وكان المنصور قبل أن يلي الخلافة ينزل على أزهر السمان، فلما استخلف صار إليه أزهر. فقال: ما أقدمك؟ قال: حاجة أمير المؤمنين؛ علي أربعة آلاف درهم، ولي دار متهدمة، وأريد البناء لابني محمد. فأمر له باثني عشر ألف درهم. وقال: يا أزهر؛ لا تأتنا طالب حاجة. قال: أفعل.
فلما كان بعد قليل عاد فقال: يا أزهر؛ ما جاء بك؟ قال: جئت مسلماً على أمير المؤمنين، قال: إنه ليقع في نفسي أن ما أتيت إلا لما أتيت له في المرة الأولى، وأمر له باثني عشر ألف درهم. وقال: لا تأتنا طالب حاجة ولا مسلماً. قال: نعم! ثم ما لبث أن عاد فقال: يا أزهر؛ ما جاء بك؟ قال: دعاء كنت سمعت أمير المؤمنين يدعو به فجئت مستملياً لآخذه عن أمير المؤمنين. فقال: لا تكتبه فإن غير مستجاب، لأني دعوت الله به أن يرحني منك فلم يستجب لي. ثم صرفه ولم يعطه شيئاً.
ابن هرمة يمدح المنصور فيجيزه
ولما دخل عليه إبراهيم بن علي بن هرمة أنشده قصيدته التي يقول فيها:
له لحظاتٌ في حفافيّ سريره ... إذا كرّها فيها عقابٌ ونائل
فأمّ الذي أمّنت آمنة الردى ... وأمّ الذي حاولت بالثكل ثاكل
فرفع الحجاب له، وأقبل عليه وأمر له بعشرة آلاف درهم. ثم قال: يا إبراهيم: لا تتلفا طمعاً في مثلها، فما كل وقت تصل إلينا، ولا يصلك منا مثلها. فقال: ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم العرض بختم الجهبذ. فضحك. وقال: اذكر حوائجك؟ فقال: تكتب لي إلى عامل المدينة ألا يحدني إذا أتي بي إليه وأنا سكران، فقال: هذا حد من حدود الله لا يمكن تعطيله. فقال: تحتال لي يا أمير المؤمنين، فكتب إلى عامر المدينة؛ من أتاك بابن هرمة وهو سكران فاضربه الحد، واضرب الذي يأتيك به مائة. فتحاماه الشرط. فكانوا يمرون به مطروحاً في سكك المدينة فيقولون: من يشتري ثمانين بمائة؟!
مدحة وعطاء
وقال المؤمل بن أميل: قدمت على المهدي وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه، فامتدحته فأمر لي بعشرين ألف درهم، فكتب ذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره أن الأمير أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه يعذله ويلومه، ويقول: إنما كان ينبغي لك أن تعطي الشاعر إذا أقام ببابك سنة أربعة آلاف درهم، وكتب إلى كاتبه أن يوجه إليه بالشاعر، فطلب فلم يقدر عليه، فكتب إليه أن قد توجه إلى مدينة السلام.
стр. 40
فأجلس قائداً من قواده على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح الناس رجلاً رجلاً، فجعل لا يمر به قافلة إلا تصفحهم، فمرت القافلة التي فيها المؤمل، فقال له: من أنت؟ قال: المؤمل بن أميل من زوار المهدي، قال: إياك أردت، قال المؤمل: فكاد والله قلبي ينصدع خوفاً من أبي جعفر، فقبض علي، وقال: سر، فسرت معه فسلمني إلى الربيع، فدخل الربيع على المنصور فقال له: هذا الشاعر قد ظفرنا به. قال: أدخلوه. قال: فدخلت عليه فسلمت فرد السلام. فقلت: ليس ههنا إلا الخير، فقال: أنت المؤمل بن أميل؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، أنا المؤمل، فقال: أتيت غلاماً غراً فجدعته فانخدع!! فقلت: بل أتيت كريماً فخدعته فانخدع، والكريم يخدع، قال: فكأن ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشدته:
هو المهديّ إلاّ أنّ فيه ... مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الضياء سراج عدلٍ ... وهذا في الظلام سراج نور
ولكن فضّل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير
وبالملك العزيز فذا أميرٌ ... وماذا بالأمير ولا الوزير
ونقص الشهر يخمد ذا، وهذا ... منيرٌ عند نقصان الشهور
فيابن خليفة الله المصفّى ... به تعلو مفاخرة الفخور
لئن فتّ الملوك وقد توافوا ... إليك من السهولة والوعور
لقد سبق الملوك أبوك حتّى ... أتوا ما بين كابٍ أو حسير
وجئت وراءه تجري حثيثاً ... وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس ما هذان إلاّ ... كما بين الخليق من الجدير
لئن فات الكبير مدى الصغير ... فذا فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى الكبير ... فقد خلق الصغير من الكبير
فقال: والله لقد أحسنت، ولكن لا تساوي عشرين ألف درهم، فأين المال؟ قلت: هوذا، قال: يا ربيع، انزل معه فأعطه عشرة آلاف درهم وخذ الباقي.
فلما صارت الخلافة إلى المهدي وولي ابن ثوبان المظالم، وكان يجلس للناس بالرصافة، فإذا ملأ ثوبه رقاعاً دفعها إلى المهدي؛ فدفعت إليه رقعةً، فلما دخل بها ابن ثوبان وجعل المهدي ينظر في الرقاع حتى نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين، ما رأيتك ضحكت من شيء إلا من هذه الرقعة؟ فقال: هذه رقعة أعرف سببها، ردوا عليه العشرة آلاف، فردت.
أخذ قوله في القمر علي بن الجهم فقال:
رأيت الهلال على وجهه ... فلم أدر أيّهما أنور
سوى أنّ ذاك بعيد المحلّ ... وهذا قريبٌ لمن ينظر
وذاك يغيب وذا حاضر ... وما من يغيب كمن يحضر
وقال إبراهيم بن العباس:
وعابك أقوامٌ فقالوا شبيهةً ... لبدر الدجى حاشاك أن تشبهي البدرا
لئن شبّهوك البدر ليلة تمّه ... لقد قارفوا الشّنعاء واقترفوا الوزرا
أيشبه بدرٌ آفلٌ نصف شهره ... ضياءً منيراً يطلع الشهر والدهرا؟
وإنما نقل المؤمل في موازنة المهدي بالمنصور قول زهير بن أبي سلمى: قال الربيع بن يونس الحاجب: كنا وقوفاً على رأس المنصور في يوم عيد وقد طرحت وسادةٌ بين يديه؛ فجلس المهدي عليها، والناس سماطان على مراتبهم، إذ أقبل صالح بن المنصور الملقب بالمسكين وهو حدث فوقف بين السماطين فسلم وأحسن ثم استأذن في الكلام فأذن له فتكلم. قال الربيع: فلم يبلغه ذلك اليوم خطيب؛ فمد المنصور يده فقال: إلي يا بني، فلما دنا منه اعتنقه وأقعده قدامه، ثم نظر في وجوه القوم هل منهم أحد يصف كلامه وما كان منه! فكلهم هاب المهدي، فقال عقال بن شبة فقال: لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، وأبين بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأغمض عروقه، وأسهل طريقه! وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهلٍ ... فبالذي قدّما من صالحٍ سبقا
стр. 41
قال الربيع: فقال لي أبو عبد الله وكان إلى جانبي ما رأيت مثل عقال بن شبة قط؛ أرضى أمير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من مذمة المهدي.
فقال المنصور للربيع: لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألف درهم.
قال أبو بكر الصولي: وأبيات المؤمل حسان لا أعرف له خيراً منها، ولو قلت: إنه لا يعد شاعراً إلا بها ما أبعدت، وما كان يعرفها الناس، وإنما شهر بقصيدته التي أولها:
شفّ المؤمّل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمّل لم يخلق له بصر
ويقال: إنه لما قال هذا عمي، فرأى في منامه إنساناً يقول له: هذا ما تمنيت في شعرك. ومن أحسن ما قاله المؤمل قوله:
أبهار قد هيجت لي أوجاعاً ... وتركتني صبّاً بكم مطواعا
بحديثك الحسن الذي لو حدّثت ... وحش الفلاة به لجئن سراعا
والله لو علم البهار بأنها ... أضحت سميّته لطال ذراعا
أبو دلامة والمنصور
وكان المنصور قد أخذ الناس بلباس قلانس طوال، وأن يكتبوا في ظهور ثيابهم: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم "، وأن يطيلوا حمائل سيوفهم. فدخل أبو دلامة عليه في ذلك الزي، فقال: كيف حالك يا أبا دلامة؟ فقال: ما حال من صار وجهه في وسطه، وسيفه في استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره!! فأمر المنصور بتغيير ذلك الزي.
ودخل أبو دلامة على أم سلمة بنت يعقوب بن مسلمة المخزومية زوجة أبي العباس السفاح يعزيها عنه فبكى وأنشد قصيدةً منها:
أمسيت بالأنبار يابن محمّدٍ ... لا تستطيع من البلاد حويلا
ويلي عليك وويل أهلي كلّهم ... ويلاً وهولاً في الحياة طويلا
فلتبكينّ لك النساء بعبرةٍ ... وليبكينّ لك الرجال عويلا
مات النّدى إذ متّ يابن محمد ... فجعلته لك في التراب عديلا
إن أجملوا في الصبر عنك فلم يكن ... صبري ولا جلدي عليك جميلا
يجدون منك خلائفاً وأنا امرؤٌ ... لو عشت دهري ما وجدت بديلا
إني سألت النّاس بعدك كلّهم ... فوجدت أسمح من وجدت بخيلا
ألشقوتي أُخّرت بعدك للذي ... يدع العزيز من الرجال ذليلا
ألشقوتي أُخّرت بعدك للذي ... يدع السمين من العيال هزيلا
فقالت له أم سلمة: يا زند، ما أصيب أحد بأمير المؤمنين غيري وغيرك؟ قال: ولا سواي، أنت لك ولد منه تتسلين به، وأنا لا ولد لي مه. فضحكت أم سلمة ولم تكن ضحكت منذ مات أبو العباس، وقالت: يا زند، ما تدع أحداً إلا أضحكته!.
وأنشد أبو دلامة المنصور هذه القصيدة فأبكى الناس جميعاً، وغضب المنصور غضباً شديداً. وقال: لئن سمعتك بعد اليوم تنشدها لأقطعن لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن أبا العباس كان لي مكرماً وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء يوسف ﵇ بإخوته، فقل كما قال الله " لا تثريبَ عليكم اليوم يغفرُ الله لكم وهو أرحمُ الراحمين ".
فسري عن المنصور وضحك، وقال: قد أقلناك فسل حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس قد كان أمر لي بعشرة آلاف درهم وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ قال: هؤلاء كلهم، وأشار إلى جماعة ممن حضر. فوثب سليمان بن مجاهد وأبو الجهم، فقالا: نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب المورياني: ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية يعني عبد الله بن علي، وكان قد خرج وأظهر الخلاف عليه بناحية الشام، وجمع جمعاً كثيراً من بقايا بني أمية وقوادهم، وأهل البأس والنجدة.
فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين؛ إني أعيذك بالله أن أخرج معهم، فإني والله مشؤوم. فقال المنصور: إن يمني يغلب شؤمك، فاخرج مع الجيش. فقال: والله ما أحب يا أمير المؤمنين، ولا أرى أن تجرب؛ فإني لا أدري على أي المنزلتين تكون. فقال: دعني فلا بد من مسيرك. فقال: يا أمير المؤمنين؛ والله لأصدقنك، إني حضرت تسعة عساكر هزمتها كلها، وإن شئت بينتها لك؛ فاستفرغ المنصور ضحكاً، وأمره بالتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.
стр. 42
وأراد موسى بن داود الخروج إلى الحج، فقال لأبي دلامة: تأهب حتى تخرج معي في هذا الوجه، وأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال له: خلف لعيالك ما يكفيهم واخرج؛ وإنما أراد أن يأنس به في طريقه بحديثه وأشعاره ونوادره.
فلما حضر خروج موسى هرب أبو دلامة إلى سواد الكوفة، فجعل يشرب من خمرها ويتمتع في نزهها، فسأل عنه فأخبروها باستتاره، فطلبه فلم يقدر عليه، وخاف أن يفوته الحج؛ فلما يئس منه قال: دعوه إلى النار وحر سقر وأليم عذابه. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى، فبصر به. فقال: ائتوني بعدو الله الكذاب، فر من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حانات الخمارين، قيدوه وألقوه في بعض المحامل. ففعل ذلك به، فلما ولت الإبل، صاح أبو دلامة بأعلى صوته:
يأيها الناس قولوا أجمعين معي ... صلّى الإله على موسى بن داود
كأنّ ديباجتي خدّيه من ذهبٍ ... إذا تشرّف في أثوابه السود
أما أبوك فعين الجود نعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود
نبّئت أنّ طريق الحجّ معطشةٌ ... من الطلاء وما شربي بتصريد
والله ما فيّ من خيرٍ فتطلبه ... في المسلمين وما ديني بمحمود
إني أعوذ بداودٍ وتربته ... من أن أحجّ بكرهٍ يابن داود
فقال موسى: ألقوه عن المحمل، فعليه لعنة الله، ودعوه يذهب إلى سقر وحر نارها، فألقوه.
ومضى موسى لوجهه، فما زال أبو دلامة يتمتع بالنزه، ويشرب الخمر حتى أتلف العشرة آلاف رهم، وانصرف موسى من حجه، فدخل أبو دلامة يهنئه، فلما رآه قال: أتدري ما فاتك من الخير؟ فقال: والله ما فاتني خير ليلاً ولا نهاراً يريد الشرب والقصف فضحك ووصله.
ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده عيسى بن موسى، والعباس بن محمد، وناس من بني هاشم، فقال المهدي: يا أبا دلامة. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: اهج من شئت ممن ضمه هذا المجلس ولك الجائزة؛ فنظر في القوم فلم ير إلا شريفاً قريباً من المهدي، فقال: أنا أحد من في المجلس ثم أنشده:
ألا أبلغ إليك أبا دلامه ... فليس من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة قلت قردٌ ... وخنزيرٌ إذا نزع العمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامه
قال: فضحك المهدي، وسر القوم، إذ لم يسود بأحد منهم، فقال له المهدي: تمن. فقال: يا أمير المؤمنين؛ تأمر لي بكلب صيد، فقال: يابن الفاعلة؛ وما تصنع به؟ فقال: إن كانت الحاجة لي فليس لك أن تعرض فيها. فقال: صدقت أعطوه كلباً، فأعطي. فقال: يا أمير المؤمنين: لا بد لهذا الكلب من كلاب. فأمر له بغلام مملوك، فقال: يا أمير المؤمنين، أو يتهيأ لي أن أصيد راجلاً؟ فقال: أعطوه دابةً، فقال: ومن يسوس الدابة؟ فقال: أعطوه غلاماً سائساً. فقال: ومن ينحر الصيد ويصلحه؟ فقال: أعطوه طباخاً. فقال: ومن يأويهم؟ فقال: أعطوه داراً، فبكى أبو دلامة وقال: ومن يمون هؤلاء كلهم؟ فقال: يكتب له إلى البصرة بمائة جريب عامرة، ومائتي جريب غامرة. فقال: وما الغامرة؟ قال: التي لا نبات فيها. قال: فأنا أعطيك مائتي ألف جريب من فيافي بني أسد، فضحك وقال: ما تريد؟ قال: بيت المال. قال: على أن أخرج المال منه. قال: فإذاً يصير غامراً، فاستفرغ ضاحكاً وقال: اذهب فقد جعلناها لك كلها عامرة. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ائذن لي أن أقبل يدك، قال: أما هذه فدعا. فقال: والله ما تمنع عيالي شيئاً أهون عليهم من هذا، فناوله يده فقبلها. وقد تقدم له بعض هذا حكاية مع المنصور، والرواة يختلفون، وهو أدب لا يخطب أبكاره بالنسب.
وخرج أبو دلامة مع المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فعن لهم ظبي؛ فرماه المهدي فأصابه، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلب الصيد، فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: قل في هذا شيئاً فأنشد:
قد رمى المهديّ ظبياً ... شكّ بالسهم فؤاده
وعليّ بن سليما ... ن رمى كلباً فصاده
فهنيئاً لهما ك ... لّ امرىءٍ يأكل زاده
فاستفرغ المهدي ضحكاً وأمر له بجائزة.
стр. 43
وكان أبو العباس السفاح مولعاً بأبي دلامة، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً لكثرة نوادره وجودةً شعره، ومعرفته بأيام الناس وأخبارهم؛ وكان أبو دلامة يهرب منه جهده، ويأتي حانات الخمارين فيشرب مع إخوانه من الشعراء، وكان يحب مجالستهم وتهرب من مؤانستنا؟ فقال: والله يا أمر المؤمنين؛ إن الفضل والشرف والعز والخير كله في الوقوف ببابك ولزوم خدمتك، ولكن نكره كما ذكرت، ولا مللتك قط، وإنك لتعلم ذلك، ولكنك قد اعتدت حانات الخمارين، ومجالسة أهل المجون. ثم أمره بلزوم قصره، ووكل به من يمنعه الخروج، وأمره بملازمة المسجد الذي يصلي فيه السفاح، حتى أضر به فقال:
ألم تعلموا أنّ الخليفة لزّني ... بمسجده والقصر، ما لي وللقصر!
أُصلّي به الأولى مع العصر آيساً ... فويلي من الأولى وويلي من العصر
ويحبسني عن مجلسٍ أستلذّه ... أعلّل فيه بالسماع وبالخمر
ووالله ما لي نيّةٌ في صلاته ... ولا البرّ والإحسان والخير من أمري
وما ضرّه، والله يصلح أمره ... لو أنّ ذنوب العالمين على ظهري
فلما بلغت الأبيات السفاح قال: دعوه وشأنه، فوالله ما أفلح قط.
وشرب أبو دلامة مع حماد عجرد، فأتى المهدي بأبي دلامة فقال: استنكهوه؛ ففعلوا فوجدوا رائحة الخمر، فأحب أن يعبث به؛ فأمر الربيع أن يحبسه في بيت الدجاج ويطين عليه الباب، ففعل؛ ثم أمر بعد يومين فأخرج ملبباً بطيلسانه، فأقيم بين يديه، فقال: يا عدو الله؛ أتشرب الخمر؟ أما إني لأقيمن عليك الحد، ولا تأخذني فيك لومة لائم، فأنشأ أبو دلامة:
أمير المؤمنين، فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي
أُقاد إلى السجون بغير جرمٍ ... كأني بعض عمّال الخراج
ولو معهم حبست لكان خيراً ... ولكني حبست مع الدّجاج
أمن صهباء! ريح المسك فيها ... ترقرق في الإناء لدى المزاج
عقار مثل عين الديك صرفٌ ... كأنّ شعاعها لهب السّراج
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النّطف النّضاج
وقد كانت تحدّثني ذنوبي ... بأنّي من عقابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شرّاً ... لخيرك، بعد ذاك الشر، راجي
فأمر به فأقيم عليه الحد، ثم أمر له بأربعة آلاف درهم، فلما ولى قال الربيع: يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله:
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النّطف النّضاج
قال: بلى، فما يعني بذلك؟ قال: يعني به الشمس. قال: ردوه نسأله عن ذلك. فلما حضر قال له المهدي: ما تعني بنار الله؟ أتعني بها الشمس؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن: نار الله الموقدة، التي تطلع على فؤاد الربيع مؤصدة، وعلى من أخبرك أني عنيت بها الشمس مطبقة؛ فضح المهدي وجلساؤه وعفا عنه، فذهب.
وخرج الربيع إلى أصحاب المنصور وهم بالباب، وقد هرب منه سلم غلامه، فقال لهم: أمير المؤمنين يقرئكم السلام، ويقول لكم: إن غلامي سلماً قد هرب، ومحال أن يهرب أحد من غلماني إلا وقد أسند أمره إلى واحد منكم.
فقام أبو دلامة فقال: بلغ عنا أمير المؤمنين كما بلغتنا عنه. قال: نعم! قال: أما سلم فلا نعرف خبره ولا قصته، ولكن هذا بديع يريد الهروب، فرأي أمير المؤمنين في أخذه، وكان بينه وبين بديع تباعد، فبلغ ذاك المنصور فهرب.
وماتت حمادة بنت علي بن عبد الله بن عباس، فصار المنصور إلى شفير قبرها ينتظر الجنازة، وكان أبو دلامة حاضراً فقال: ما أعددت لهذه الحفرة يا أبا دلامة؟ فقال: عمة أمير المؤمنين يؤتى بها الساعة.
أخذت امرأة في زنا وطيف بها على جمل، فمرت ببعض المجان فقال لها: كيف خلفت الحاج؟ قالت: بخير، وقد كانت أمك معنا، فخرجت في النفر الأول.
من ملح الجماز
وقال رجل للجماز: أشتهي أن أرى الشيطان. فقال له: انظر في المرآة فإنك تراه.
وقال له رجل: أنا وجع من دمل فيّ. قال له: وأين هي؟ قال: في أخس موضع مني. قال: كذبت؛ لأني لا أرى في وجهك شيئاً.
стр. 44
وقال له رجل: يا أبا عبد الله؛ أنا رجل جامد العين، لو مات أبي ما بكيت، ولكن إذا سمعت الصوت الفريح من الوجه المليح، بكيت حتى أغمي علي. فعلام يدل هذا؟ قال: على أنك لا تلفح أبداً.
وقال له رجل: أردت أن أحمل أمي إلى بغداد، فخفت إن حملتها في البحر أن تعطب، وإن حملتها في البر أن تتعب. قال: فخذها في سفتجة.
قال بعض جلساء المتوكل: كنا نكثر عنده ذكر الجماز حتى اشتاقه، فكتب في حمله من البصرة. فلما دخل عليه أفحم. فقال له المتوكل: تكلم فإني أحب أن أستبرئك. فقال: بحيضة أم بحيضتين يا أمير المؤمنين؟ فضحك المتوكل. ثم قال له الفتح: قد ولاك أمير المؤمنين على الكلاب والقردة. قال: فاسمع لي وأطع، فأنت من رعيتي. فقال له: إذا وهب لك أمير المؤمنين جارية، فما تصنع بها؟ فقال: أنا أعرف من نفسي ما تحتاج والله جارية إلا أن أقود عليها. فضحك المتوكل، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فمات فرحاً ولم يصل إلى البصرة.
وكان الجماز لا يدخل بيته أكثر من ثلاثة لضيقه، فدعا ثلاثةً من إخوانه فأتاه ستة، ووقف كل واحد على رجل وقرعوا الباب، فنظر من كوة أسفل الباب وكذلك كان يعمل فعد ستة أرجل، فلما فتح الباب دخلوا؛ فقال: اخرجوا عني فإني دعوت أناساً ولم أدع كراكي.
والجماز هو أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، وكانوا يزعمون أنهم من حمير صليبة نالهم سباء في خلافة أبي بكر وهم مواليه، وسلم الخاسر عمه. وكان الجماز صاحباً لأبي نواس حتى ماتا. ووصف أبا نواس، فقال: كان أظرف الناس منطقاً، وأغزرهم أدباً، وأقدرهم على الكلام، وأسرعهم جواباً، وأكثرهم حياءً؛ وكان أبيض اللون، جميل الوجه، مليح النغمة والشارة، ملتف الأعضاء، بين الطويل والقصير، مسنون الوجه، قائم الأنف، حسن العينين والمضحك حلو الصورة، لطيف الكف والأطراف، وكان فصيح اللسان، جيد البيان، كثير النوادر؛ وكان راويةً للأشعار، وعلامة بالأخبار، وكان كلامه شعراً غير موزون.
وأقبل أبو شراعة والجماز في حديثه وكانت يد أبي شراعة كأنها كربة نخل وكان أقبح الناس وجهاً، فقال الجماز: فلو كانت أطرافه على أبي شراعة لتم حسنه.
فغضب أبو شراعة، فبصق الناس في وجهه.
من أدب أبي شراعة
وأبو شراعة شاعر مجيد وهو القائل:
بني رياح أعاد الله نعمتكم ... خير المعاد وأسقى ربعكم ديما
فكم به من فتىً حلو شمائله ... يكاد ينهلّ من أعطافه كرما
لم يلبسوا نعمةً لله مذ خلقوا ... إلا تلبّسها إخوانهم نعما
قال أبو العباس المبرد: وكان أبو شراعة حليماً مألوفاً، جميل الخلق، كريم العشرة، وكان يقول من الشعر ما يجانب به مذاهب المحدثين، ويقترف طريق الماضين وأهل البادية؛ فشعره عربي محض، واسمه أحمد بن محمد بن شراعة القيسي ومن شعره:
تقول ابنة البكريّ حين أؤوبها ... هزيلاً وبعض الآيبين سمين
لك الخير لا يدخل لأهلك رحله ... فإنّك في القوم الكرام مكين
ذريني أمت من قبل حلّي محلّة ... لها في وجوه السائلين غضون
وأفدي بمالي ماء وجهي فإنني ... بما فيه من ماء الحياة ضنين
فقالت: لحاك الله لا تنأ جانباً ... فقلت: لإخواني الكرام عيون
وله يهجو أحمد بن المدبر وأخاه إبراهيم:
حجاب ابن المدبّر كسرويٌّ ... كذاك حجاب كسرى أردشير
شهدت بأنّه من آل كسرى ... سلوه هل شهدت له بزور
كفاك شهادتي بالحقّ لولا ... تضاحك من أرى حول السرير
فإن يكن المدبّر جرمقيّاً ... فلست بذاكرٍ أهل القبور
وكتب إلى سعيد بن موسى بن سيد بن سلم الباهلي، يستهديه نبيذاً، ووجه إليه بقرابة في غلاف:
إليك ابن موسى الخير أعملت ناقتي ... مجلّلةً يضفو عليها جلالها
كتوم الوجى لا تشتكي ألم السرى ... سواء عليها موتها واعتلالها
إذا سقيت أبصرت ما جوف بطنها ... وإن ظمئت لم يبد منها هزالها
وإن حملت حملاً تكلّفت حملها ... وإن حطّ عنها لم أبل كيف حالها
стр. 45
بعثنا بها تسمو العيون وراءها ... إليك وما يخشى عليها كلالها
وغنّى مغنّينا بصوتٍ فشاقني ... متى راجعٌ من أُمّ عمرو خيالها
أحب لكم قيس بن عيلان كلها ... ويعجبني فرسانها ورجالها
وما لي لا أهوى بقاء قبيلةٍ ... أبوك لها بدرٌ وأنت هلالها
من مليح شعر الجماز
وللجماز مقطعات ملاح، في ضروب الهجاء والامتداح، منها قوله في خصي كان يكايده على قينة؛ يسمى رباح:
ما للخصيّ رباح ... وللغواني الملاح
أليس زانٍ خصيٌّ ... غازٍ بغير سلاح
وفي مثله يقول ابن الرومي:
معشرٌ أشبهوا القرود ولكن ... خالفوها في خفّة الأرواح
نمشة فوق صفرة فتراه ... كونيم الذباب في اللّفّاح
قال الجاحظ: في الخصي عشرة أحوال متضادة: لم يخرج من ظهره مؤمن، ولا خرج من ظهر مؤمن، وهو أكثر الناس غيرة، وأشدهم قيادة، وهو أضعف الناس معدة، وأشرههم على طعام، وهو أسوأ الناس أدباً، وهو يعلم الأدب، وهو أغزر الناس دمعة، وأقساهم قلباً، وما خلا قط مع امرأة إلا حدثته نفسه أنه رجل، ولا خلا مع رجل إلا حدثته نفسه أنه امرأة.
وقال الجماز لبعض المسجديين:
تركت المسجد الجامع ... والتّرك له ريبه
فلا نافلة تأتي ... ولا تشهد مكتوبه
وأخبارك تأتينا ... على الأعلام منصوبه
فإن زدت من الغيب ... زدناك من الغيبه
ومثله قول أبي القاسم إسماعيل بن عباد، في مغن يعرف بابن عذاب:
أقول قولاً بلا احتشام ... يقبله كل من يعيه
ابن عذابٍ إذا تغنّى ... فإنني منه في أبيه
وقال الجماز في المتوكل:
قالوا امتدحت الإمام قلت لهم ... أخاف ألا أحدّه بصفه
وكيف يعطي على المدائح من ... كان أبو السّمط عنده طرفه
كأنّ إنشادنا مدائحه ... أنصاف كتب ليست بمؤتلفه
أخذه من قول أبي تمام:
أذكت عليك شهاب نارٍ في الحشا ... بالعذل وهناً أخت آل شهاب
عذلاً شبيهاً بالجنون كأنّما ... قرأت به الورهاء نصف كتاب
بين علي بن الجهم وأبي السمط
وكان أبو السمط بن أبي حفصة أثيراً عند المتوكل؛ وكان علي بن الجهم يقع فيه لمنزلته عند المتوكل وحسده له؛ فأغرى بينهما يوماً فقال لحمدون النديم: أيهما أشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ طرحتني بين لحيي أسدين. قال: لتقولن. قال: أعرقهما بالشعر أشعرهما. فقال المتوكل: يا علي، قد حكم حمدون عليك. قال: علم رأيك فيه فساعدك. فقال المتوكل: تهاجيا. فقال علي: قد كظني الشراب، فإذا أفقت قلت؛ فقال أبو السمط بديهاً:
إنّ ابن جهمٍ في المغيب يسبّني ... ويقول لي حسناً إذا لاقاني
إنّ ابن جهمٍ ليس يرحم أمّه ... لو كان يرحمها لما عاداني
فضحك المتوكل، وانخذل ابن الجهم؛ فقال أبو السمط:
لعمرك ما جهم بن بدرٍ بشاعرٍ ... وهذا عليٌّ بعده يصنع الشّعرا
ولكن أبي قد كان جراً لإمّه ... فلما تعاطى الشعر أمرا
ولما أفاق عليّ بن الجهم من سكره قال:
بلاءٌ ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسبٍ ودين
يبيحك منه عرضاً لم يصنه ... ويرتع منك في عرضٍ مصون
العجم والشعر
ودخل الضبي على عبد الله بن طاهر، فأنشد شعراً حسناً وبحضرته أعرابي؛ فقال الأعرابي: ممن تكون؟ قال: من العجم. قال: وما للعجم والشعر وإنما الشعر للعرب، وكل من قاله من العجم فإنما نزا على أمه أعرابي. فقال: وكذلك من لا يقول الشعر منكم، فإنما نزا على أمه أعجمي إذاً؟ فأفحمه.
من شعر الجماز
ودخل الجماز على بعض ولاة البصرة فأنشده:
أثكلتني البرّ وعنّيتني ... ما كان هذا أملي فيكا
لا تتفنّي بعد ما رشتني ... فإنني بعض أياديكا
فضحك، ثم قال: ثم ماذا؟ فقال: ثوب سمرقندي هو، أنشدك إياه مزارعة.
стр. 46
وقيل لعقيل بن علفة: لم تقصر شعرك؟ فقال: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. وقيل لآخر مثل ذلك. فقال: لم أر المثل السائر إلا بيتاً واحداً.
ولم يكن للجماز حظ في التطويل، وإنما كان يقول البيتين والثلاثة، وإنما قال بيتاً واحداً:
وقعنا من أبي خزيٍ ... على خزيٍ من الخزي
لم يقل غير هذا، وكذلك ابن بسام، ومنصور بن إسماعيل الفقيه. والمصريون يقولون: احذر منصوراً إذا رمح بالروح. وهو القائل لما ذهب بصره وجفاه الإخوان والرفقاء:
من قال مات ولم يستوف مدّته ... بعظم نازلةٍ نالته مضرور
وليس في الحقّ أن يحيا فتىً بلغت ... به نهاية ما يخشى المقادير
فقل له غير مرتابٍ بفعلته ... أو سوء مذهبه قد عاش منصور
ومن ظريف شعره:
تكاد تضيق الأرض عنه برحبها ... إذا نحن قلنا خيرنا الباذل السّمح
فإن قيل من هذا البغيض أقل لكم ... على شرط كتمان الحديث هو الفتح
وقال منصور:
يا من يرى المتعة في دينه ... جلاًّ وإن كانت بلا مهر
ولا يرى تسعين تطليقةً ... تبين منها ربّة الخدر
من ههنا طابت مواليكم ... فاجتهدوا في الحمد والشكر
وقال:
أبى الناس أن يدعوا موسراً ... سليم الأديم سليم النسب
وقد خبّروك فإن لم تطب ... بعرضك نفساً فطب بالذهب
وقال:
يا من تولّى فأبدى ... لنا الجفا وتبدّل
أليس منك سمعنا ... من لم يمت فسيعزل
وأتى باب بعض الأشراف الرئيسيين، فحجبه خادم اسمه شقيف فقال:
إذا وقع الضرير على خصيّ ... فقد وقع المصاب على مصاب
وكانت أم هذا الشريف أمةً ثمنها ثمانية عشر ديناراً؛ فعتب على منصور فقال:
من فاتني بأبيه ... ولم يفتني بأمّه
ورام شتمي ظلماً ... سكتّ عن نصف شتمه
فدفع إليه مائة دينار. وقال: اسكت عن الجميع.
فانظر أعزك الله البليغ إذا شاء كيف يجعل الجد هزلاً، والمعرى محلىً.
هذا المعنى إنما اهتدى إليه من قول عنترة بن شداد العبسي وأمه أمة سوداء اسمها زبيبة:
إني امرؤٌ من خير عبسٍ منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
وسأستقل إن شاء الله، ذكر ابن بسام، ونقل ظريف ما له في غير هذا الموضع.
طرف وأخبار متفرقة
وكتب ابن الكلبي صاح الخبر إلى المتوكل أن المعروف بابن المغربي القائد اجتاز البارحة بالجسر سكران، فشخر ونخر، وبربر وزمجر وجرجر، وبأبأ بفيه، وخرق الشريحة، ومر منصلتاً، وقال: أنا الكركدن فاعرفوني.
فضحك المتوكل حتى استلقى، وقال: قد عرفنا ما كتب به البغيض إلا حرفاً واحداً فعلي به.
فلما جاء قال: ما معنى قولك: بأبأ بفيه؟ قال: يا مولاي؛ لما توسط الجسر قال بفيه: بب بب. فقال له المتوكل: انصرف في غير حفظ الله.
وركب المأمون ليلاً فإذا بثمامة بن أشرس سكران، فلما علم بالمأمون توارى عنه، فقصده المأمون حتى وقف عليه. فقال: ثمامة؟ قال: إي والله. قال: أسكران؟ قال: لا والله. قال: فمن أنا؟ فال: لا أدري والله. قال: عليك لعنة الله. قال: تترى إن شاء الله. فضحك وتركه.
فراسة المهدي
ولما فرغ المهدي من قصره بعيساباذ ركب في جماعة للنظر إليه، فدخله مفاجأة، وأخرج كل من هناك من الناس، وبقي رجلان خفيا عن أبصار الأعوان؛ فرأى المهدي أحدهما وهو دهش لا يعقل. فقال: من أنت؟ قال: أنا أنا أنا أنا. فقال: من أنت؟ ويلك! قال: لا أدري لا أدري لا أدري لا أدري. قال: ألك حاجة؟ قال: لا لا لا لا. قال: أخرجوه، أخرج الله روحه. فلما خرج قال المهدي لغلامه: اتبعه إلى منزله، وسل عنه، فإني أراه حائكاً، فخرج الغلام يقفوه.
стр. 47
ثم رأى الآخر فاستنطقه فأجابه بقلب جريء، ولسان طلق؛ وقال: رجل من أبناء دعوتك. قال: فما جاء بك إلى هنا؟ قال: جئت لأنظر إلى هذا البناء، وأتمتع بالنظر إليه، وأكثر الدعاء لأمير المؤمنين بطول البقاء، وتمام النعمة، ونماء العز، والسلامة. قال: أفلك حاجة؟ قال: نعم! خطبت ابنة عمي فردني أبوها وقال لي: لا مال لك، والناس إنما يرغبون في الأموال، وأنا لها وامق، وإليها تائق. قال: قد أمرت لك بخمسين ألفاً. قال: يا أمير المؤمنين؛ قد وصلت فأجزلت الصلة، وأعظمت المنة؛ فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه، وآخر أيامك خيراً من أولها، وأمتعك بما أنعم به عليك، وأمتع رعيتك بك.
فأمر بتعجيل صلته، ووجه بعض خدمه فقال: سل عن مهنته، فإني أراه كاتباً، فرجع الرسولان بحصة ما تفرسه المهدي.
بدن بلا رأس
وأخذ رجل من لحية مديني شيئاً، فانتظر أن يقول له: قطع الله عنك القذى، فقال له: لم لم تقل لي قلع الله عنك الأسواء؟ قال المديني: بأبي أنت وأمي! إني نظرت فلم أر شيئاً أقبح من وجهك، فكرهت أن أقول: قلع الله عنك الأسواء؛ فأكون قد دعوت عليك فيتركك الله بدناً بلا رأس.
قال أبو العيناء: استودع رجل عند إمام حلته قارورة زنبق فجحده إياها، وقام يصلي بهم شهر رمضان وقرأ: " قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون " وكررها. فقال الرجل: قارورة زنبق.
المهدي ينفرد من عسكره
انفرد المهدي من عسكره فاجتاز برجل على ماء، فقال: ألك طعام؟ قال: نعم! وقدم إليه سفرة كانت معه، فأكل المهدي ثم غسل يده. فقال له الرجل: أصلحك الله! معي شراب فهل لك فيه؟ قال: نعم! فشرب، فلما انتشى قال للرجل: أتعرفني؟ قال: لا. قال: أنا صديق لوزير أمير المؤمنين، وسأسأله في أن يسبب لك أسباباً تنتفع بها؛ ثم شرب قدحاً ثانياً، وقال: أتعرفني من أنا؟ فقال: لقد قلت إنك صديق لوزير أمير المؤمنين. فقال: أنا وزير أمير المؤمنين. ثم شرب ثالثاً. وقال: أتدري من أنا؟ فقال: قل لكي أرى. قال: أنا أمير المؤمنين. فسد الرجل ركوته ونحاها ناحيةً، فقال له المهدي: ما لك عجلت برفعها؟ قال: شربت ثلاثة أقداح فادعيت الخلافة؛ فإن شربت الرابعة ادعيت النبوة، فليس بيني وبينك عمل. فضحك المهدي وأدركته الخيل فجعلوا يترجلون ويسلمون عليه بالخلافة، ثم ركب المهدي وأمرهم بالتحفظ على الرجل؛ فلما تيقن الرجل الأمر سألهم أن يقربوه من أمير المؤمنين، فقربوه منه. فقال: يا أمير المؤمنين، نصيحة، فأدناه، فقال: ما رأيت أصدق منك في دعواك، وغن ادعيت الرابعة، فأنا أول مؤمن بك. فضحك المهدي منه وأمر له بصلة وضمه إلى ندمائه.
من شعر إسماعيل بن جامع
قال سفيان بن عيينة وقد رأى إسماعيل بن جامع السهمي وعليه بزة وأثواب حسان؛ فقال: لقد أثرى هذا الفتى، فعلام يحيا ويعطى؟ قالوا: إنه يغني هؤلاء الملوك، قال: بماذا يغنيهم؟ أتحفظون شيئاً مما يقول؟ فأنشده بعضهم:
أطوف نهاري مع الطائفين ... وأرفع من مئزري المسبل
قال: أحسن، ثم ماذا؟ فأنشدوه:
وأسجد بالليل حتى الصّباح ... وأتلو من المحكم المنزل
قال: أجاد والله. ثم ماذا؟ فأنشدوه:
عسى فارج الكرب عن يوسفٍ ... يسخّر لي ربّة المحمل
فقال: آه آه آه! أمسك عليك، اللهم لا تسخرها له.
ابن جامع أطيب الناس غناء
وكان ابن جامع أطيب الناس غناءً، فاعتقد بغنائه عقداً نفيسة، وأموالاً جزيلة. حكى عن نفسه قال: ضمني الدهر ضماً شديداً وأنا بمكة، فانتقلت بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوماً وما أملك إلا ثلاثة دراهم، فهي في كمي، وأنا جالس مع بعض أهل المدينة على مناقشة ومذاكرة إذ قال بعضنا: إنه ليبلغنا أن الرشيد يتشوق إليك وأنت ضائع في بلدنا. قال: فما لي من نهوض. قالوا: نحن ننهضك. فقمت مولياً فإذا بجارية حميراء على رأسها جرة تريد الركي، وهي تسعى بين يدي وتترنم بصوت شج في غنائها وتقول:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقال لنا ما أقصر اللّيل عندنا
إذا أقبل الليل المضرّ بذي الهوى ... جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
وذاك لأنّ النوم يغشى عيونهم ... سريعاً ولا يغشى لنا النوم أعينا
стр. 48
فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما ... نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
فأخذ غناؤها بمجامع قلبي، ولم أدرك منه حرفاً. فقلت: يا جارية؛ ما أدري أوجهك أحسن أم صوتك؟ فلو شئت أعدت علي الوصف. قالت: حباً وكرامة. ثم أسندت ظهرها إلى الحائط ثم غنته، فوالله ما دار لي منه حرف. فقلت: يا جارية؛ فلو شئت أعدت علي الصوت مرة أخرى. قالت: حباً وكرامة، ثم أسندت ظهرها إلى الجدار ووضعت الجرة ثم غنته؛ فوالله ما دار لي منه حرف. فقلت: يا جارية؛ لقد أحسنت وتفضلت، فلو شئت أعدت الصوت مرة أخرى؛ فغضبت وكلحت وقالت: ما أعجب أحدكم يأتي إلى الجارية عليها غلة فيقول: أعيدي علي، فضربت بيدي إلى الثلاثة دراهم فدفعتها إليها فأخذتها شبيهة المتكرهة؛ وقالت: أنت تريد أن تأخذ مني صوتاً أحسبك تأخذ عليه ألف دينار وألف دينار وألف دينار. فقلت: أرجو أن يؤول الأمر إلى ما تحسبين، فانبعثت تغني، وأعملت فكري في غنائها حتى داري لي الصوت وفهمته، فانصرفت مسروراً إلى منزلي أردده حتى خلف على لساني، ثم أقبلت أريد بغداد، فنزل بي المكاري على باب المحول أولاً ولا أدري أين أتوجه، ولا من أقصد؟ حتى انتهى بي السير إلى الجسر، فرأيت الناس يعبرون؛ فعبرت معهم، حتى انتهيت إلى شارع الميدان، إلى باب الفضل بن الربيع. فرأيت هناك مسجداً مرتفعاً. فقلت: هذا مسجد قوم سراة، وحضر المغرب فلم ألبث أن جاء المؤذن، فأذن وأقام الصلاة فصليت، ثم أقمت مكاني حتى عاد المؤذن للعشاء، فأقام الصلاة فصليت على تعب وجوع، ثم انصرف الناس وبقي في المسجد رجل، فصلى خلفه جماعة، وجماعة من الخدم جلوس، وقوم ينتظرون فراغه، فصلى ملياً ثم انصرف إلي بجمع جسده، وقال لي: أحسبك غريباً. قلت: أجل، وليس لي بهذا البلد معرفة، وليست صناعتي من الصنائع التي يتيمم بها إلى أهل الخير. قال: وما صناعتك؟ قلت: الغناء. فوثب مبادراً ووكل بي بعض من معه، فقلت للموكل بي: من هذا؟ قال: سلام الأبرش. ثم انتهى إلى دار من دور الخلافة؛ فمشى بي في دهليزها ساعةً، حتى انتهى إلى مقصورة من مقاصيرها، فأدخلني فيها، ودعا لي بطعام؛ فأتينا بمائدة عليها من كل طعام، فأقبلت على الأكل حتى ترادت نفسي إلي؛ ثم سمعت ركضاً في الدهليز، وإذا إنسان يقول: أين الرجل؟ فقيل: هوذا. فقال: ادعوا له بغسول وطيب وخلعة حسنة، ففعل ذلك بي وخلقت. وأخذ بيدي الرجل وحملني على دابته، وأتى بي إلى دار الخلافة، فلم يزل يجاور بي داراً بعد دار، حتى انتهى إلى دار قوراء، فيها أسرة منصوبة بعضها إلى بعض، فلما انتهى بي إلى تلك الأسرة، أمرني بالصعود فصعدت، وإذا رجل جالس وعن يمينه ثلاث جوار في حجورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود، فرحب بي ذلك الرجل، وإذا مجالس قد كان فيها قوم فقاموا عنها، ثم لم ألبث أن أخرج خادم من وراء الستر؛ فقال للرجل: تغن؛ فغنى الصوت فوالله ما أحسن الغناء ولا أحسن الصوت، وهو هذا:
لم تمش ميلاً ولم تركب على جملٍ ... ولم تر الشمس إلاّ دونها الكلل
فقام الخادم إلى الجارية التي تلي الرجل، فقال: تغني؛ فغنت بصوت لين كانت فيه أحسن من الرجل حالاً، ثم قال للثانية فغنت، وللثالثة فغنت بصوت لحنين؛ ثم عاد الخادم فقال لي: تغن رحمك الله! فغنيت بصوت الرجل على غير ما غناه، فإذا نحو من خمسين خادماً يحضرون إلى الأسرة، فقال لي: ويحك! لمن هذا الغناء؟ قلت: لي، فانصرفوا وخرج الخادم فقال: كذبت، هذا الغناء لإسماعيل بن جامع. قال: فسكت، ثم دار الدور، فلما انتهى إلي خرج الخادم فقال: تغن رحمك الله! فقلت في نفسي: أي شيء أنتظر، فاندفعت أغني بصوت لا يعرف إلا لي:
عوجي عليّ فسلّمي جبر ... كيف الوقوف وأنتم سفر
ما نلتقي إلاّ ثلاث منى ... حتى يفرّق بيننا الدّهر
стр. 49
قال: فزلزلت عليهم الدار، وخرج الخادم فقال: لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي. فقال: كذبت، هذا غناء إسماعيل بن جامع، فما شعرت إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم. فقال لي الربيع: هذا أمير المؤمنين قد أقبل عليك. فلما صعد السرير وثبت على قدم أمير المؤمنين أقبلها، فقال: ابن جامع؟ قلت: ابن جامع، جعلني الله فداك. قال: اجلس يابن جامع، وجلس أمير المؤمنين وجعفر في المواضع الخالية. فقال لي: يابن جامع؛ أبشر وابسط أملك؛ فدعوت له. ثم قال لي: غنّ يابن جامع، فخطر ببالي صوت الجارية المدنية فغنيته، فنظر أمير المؤمنين إلى جعفر، وقال: أسمعت كذا قط؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما خرق سمعي مثل هذا. فرفع الرشيد رأسه إلى خادم وقال له: كيس فيه ألف دينار، فمضى الخادم فلم يلبث أن جاء بكيس فيه ألف دينار، فصيرته تحت فخذي. ثم قال: يا إسماعيل؛ غنّ ما حضرك؛ فأقبلت أقصد إلى الصوت بعد الصوت، فلم أزل كذلك إلى أن عسعس الليل. فقال: يا إسماعيل، قد أتعبناك هذه الليلة للسرور بغنائك؛ فأعد على أمير المؤمنين الصوت الذي تغنيت أولاً، فغنيته؛ فرفع رأسه إلى الخادم، فقال له: كيس فيه ألف دينار، فذكرت قول الجارية لي: إني أحسبك تأخذ فيه ألف دينار وألف دينار وألف دينار. ثم قال: انصرف، فبقيت لا أدري أين أقصد في ذلك الوقت؛ فما هو إلا أن نزلت عن الأسرة حتى وثب إلي فراشان فأخذ أحدهما بيدي، فمضيا بي ولا أدري إلى أين يتوجهان، حتى وقفا على باب داري هذه، فإذا أمير المؤمنين قد أمر سلاماً الأبرش فابتاع داراً، وحشاها بالجواري والخدم والوصفاء والفرش والطعام والشراب. ورفع إلي أحدهما إضبارة مفاتيح. فقال: ادخل، بارك الله لك. هذا مفتاح بيت مالك، وهذا مفتاح حجر جواريك، وهذا مفتاح بيت فرشك وآنيتك؛ فدخلت الدار وأنا أيسر أهل بغداد وأحسنهم حالاً، والحمد لرب العالمين.
من مليح ما جاء في المغنيات والغناء
ومن مليح ما جاء في المغنيات والغناء قول بشار بن برد:
وصفراء مثل الزعفران شربتها ... على وجه صفراء الترائب رود
حسدت عليها كلّ شيءٍ يمسّها ... وما كنت لولا حسنها بحسود
كأنّ مليكاً جالساً في ثيابها ... تؤمّل رؤياه عيون وفود
من البيض لم تسرح على أهل ثلّةٍ ... سواماً ولم ترتفع حداج قعود
إذا نطقت صحنا وصاح لها الصّدى ... صياح جنودٍ وجّهت لجنود
تميت به ألبابنا وقلوبنا ... مراراً وتحييهنّ بعد همود
ظللنا بذاك الديدن اليوم كلّه ... كأنّا من الفردوس تحت خلود
ولا بأس إلاّ أننا عند أهلها ... شهودٌ وما ألبابنا بشهود
وقال:
لعمر أبي زوّارها الصّيد إنّنا ... لفي منظرٍ منها وحسن سماع
تصلّي لها آذاننا وعيوننا ... إذا ما التقينا والقلوب دواعي
وقال:
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش ... ببؤسٍ ولم تركب مطيّة راعي
جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها ... لزوّارها من مزهرٍ ويراع
إذا قلّدت أطرافها العود زلزلت ... قلوباً دعاها للوساوس داع
كأنهم في جنّةٍ قد تلاحقت ... محاسنها من روضةٍ ويفاع
يروحون من تغريدها وحديثها ... نشاوى وما تسقيهم بصواع
لعوبٌ بألباب الرجال إذا رنت ... أُضيع التقى والغيّ غير مضاع
والشعر في هذا المعنى واسع الذرع، سابغ الدرع؛ ولأبي الفتح كشاجم فيه كل شيء مليح، فمن ذلك قوله:
جاءت بعودٍ كأنّ الحبّ أنحله ... فما يرى فيه إلاّ الوهم والشبح
فحرّكته وغنّت في الثقيل لنا ... صوتاً به النار في الأحشاء تنقدح
بيضاء يحضر طيب العيش إن حضرت ... وإن نأت عنك غاب اللهو والفرح
كلّ اللّباس عليها معرضٌ حسنٌ ... وكلّ ما تتغنّى فيه مقترح
وهذا مقول عبد الله بن المعتز:
وغنّت فأغنت عن المسمعي ... ن وارتجّ بالطرب المجلس
стр. 50
محاسنها نزهةٌ للعيون ... ومعرضها كلّ ما تلبس
ولأبي الفتح:
جاءت بعودٍ كأنّ نغمته ... صوت فتاةٍ تشكو فراق فتى
محفّفٍ حفّت النفوس به ... كأنّما الزهر حوله نبتا
دارت ملاويه فيه واختلفت ... مثل اختلاف اليدين شبّكتا
لو حرّكته وراء منهزمٍ ... على بريدٍ لعاج والتفتا
يا حسن صوتيهما كأنهما ... أُختان في صنعةٍ تراسلتا
تراه عنها ينوب إن سكتت ... طوراً وعنه تنوب إن سكتا
وله:
آه من بحّةٍ بغير انقطاع ... لفتاةٍ موصولة الإيقاع
أتعبت صوتها وقد يجتنى من ... تعب الصوت راحة الأسماع
فغدت تكثر الشّحاج وحطّت ... طبقات الأوتار بعد ارتفاع
كأنين المحبّ ضعّف منه ... صوت شكواه شدّة الأوجاع
وله:
أشتهي في الغناء بحّة حلقٍ ... ناعم الصوت متعبٍ مكدود
لا أُحبّ الأوتار تعلو كما لا ... أشتهي الضرب لازماً للعمود
وأحبّ المجنبات كحبّي ... للمبادي موصولةً بالنشيد
كهبوب الصّبا توسّط حالاً ... بين حالين شدةٍ وركود
وله أيضاً:
غنّت فخلت أظنّني طرباً ... أسمو إلى الأفلاك أو أرقى
لو لم تحرّكه أناملها ... كان الهواء يعيده نطقا
جسّته عالمةً بجسّتها ... جسّ الطبيب لمدنفٍ عرقا
فحسبت يمناها، وقد ضربت ... رعداً وخلت يسارها برقا
وأبو الفتح كشاجم هذا اسمه محمود بن الحسن بن السندي، من أهل هذه الصناعة، وله في الغناء كتاب مليح. وقد دل على فعاله بمقاله:
أفدي التي كلف الفؤاد من أجلها ... بالعود حتى شفّني إطرابا
باهت بجمع صناعتين فأظهرت ... كبراً لذاك وأُعجبت إعجابا
قالت فضلتك بالغناء وأنت لا ... تشدو، وكنّا مثلكم كتّابا
فعبثت بالأوتار حتى لم أدع ... نغماً ولم أعقل لهنّ حسابا
وألفتها فأغار ذاك على يدي ... قلمي وعاتبها عليه عتابا
فجعلت للقرطاس جانب صدره ... وجعلت جانب عجزه مضرابا
وكان كامل آلات الظرف، جامعاً لخلال الأدب واللطف، وله تآليف ملاح، تدل على معرفته وتوسعه، وقد ذكروا أنه سمى نفسه كشاجم لما يعلمه؛ فالكاف من كاتب، والشين من شاعر، والألف من أديب، والجيم من منجم، والميم من مغن.
وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم:
لقد جاد من عابثٍ ضربها ... وزاد كما زاد تغريدها
إذا نوت الصوت قبل الغنا ... ء أنشدنا شعرها عودها
وقد قال أستاذه ابن الرومي في نحوه:
ضربك في عودك لم يخرجا ... عن حاله، والعود في الضرب
كأنّما وقعهما في الحشا ... وقع الحيا في زمن الجدب
أخذ هذا أبو الحسن المنجم بن يونس المصري فقال:
غنّت فأخفت صوتها في عودها ... فكأنّما الصوتان صوت العود
غيداء تأمر عودها فيطيعها ... أبداً ويتبعها اتباع ودود
أندى من النّوّار صبحاً صوتها ... وأرقّ من نشر الثنا المعهود
فكأنّما الصوتان حين تمازجا ... ماء الغمامة وابنة العنقود
ومثل هذا:
سلامة بن سعيد ... يجيد حثّ الراح
إذا تغنّى زمرنا ... عليه بالأقداح
وقال الناجم:
تأتي أغاني عابث ... أبداً بأفراح النفوس
تشدو فترقص الرؤو ... س لها وتزمر الكؤوس
وقال:
وما صدحت عابث ومزهرها ... إلاّ وثقنا باللهو والفرح
لها غناءٌ كالبرء في جسد ... أضناه طول السّقام والتّرح
تعبدها الراح فهي ما صدحت ... إبريقنا ساجداً إلى القدح
وقال:
إذا أنت ميّزت بين الغنا ... ء ميّزتها الأحذق الأطيبا
تهزّ القريض بألحانها ... كما هزّت الغصن ريح الصّبا
وقال:
стр. 51
ما تغنّت إلاّ تكشّف همٌّ ... عن فؤادٍ وأقلعت أحزان
تفضل المسمعين حسناً وطيباً ... مثل ما يفضل السماع العيان
وقال:
ما نطقت عابث ومزهرها ... إلاّ ظللنا للراح نعملها
تطلب أوتارها الهموم بأو ... تارها فما تستفيق تقتلها
وقال:
لها غناء مطرب معجب ... يفعل ما تفعله الخمره
تشوق الأُذن إلى شدوها ... تشوّق العين إلى الخضره
كأنما فرحة من زارها ... فرحة من طارت له القمره
لو أن إسحاق شدا شدوها ... لخلت من يسمع في سحره
مندرةٌ في كل ألحانها ... لا كالتي تحسن في النّدره
وقال:
لقد برعت عابث في الغنا ... وزادت فأربت على البارع
يسبّح سامعها معجباً ... وأصواتها سبحة السامع
وقال:
شدوٌ ألذّ من ابتدا ... ء العين في إغفائها
أحلى وأشهى من منى ... نفسٍ وصدق رجائها
وقال ابن الرومي في بستان جارية أم علي بنت الراسبي:
واهاً لذاك الغناء من طبق ... على جميع الأنام مقتدر
أضحت من الساكني حفائرهم ... سكنى الغوالي مداهن السرر
يا مشرباً كان لي بلا كدرٍ ... يا سمراً كان لي بلا سهر
أصبحت بالترب غير راجحة ... عنه وقد ترجحين بالبدر
وتبعه الناجم، فقال في عجاب جارية أبي مروان:
أضحى الثرى بجوارها ... عطر المسالك والمسارب
حلّت حفيرتها حلو ... ل المسك في سرر الكواعب
يا درّة كانت تضي ... ء لناظري من كلّ جانب
وهذا من قول بشار:
درّةٌ حيثما أديرت أضاءت ... ومشمٌّ من حيث ما شمّ فاحا
وجنانٌ قال الإله لها كو ... ني فكانت روحاً وروحاً وراحا
وله:
تلقى بتسبيحةٍ من حسن ما خلقت ... وتستفزّ حشا الرائي بإرعاد
كأنّما صوّرت من ماء لؤلؤة ... فكلّ جارحةٍ وجهٌ بمرصاد
والبيت الأول من هذين قد تقدم نظيره من قول الناجم.
من ظن به خير فانكشف عن شر
رجع ما انقطع: ممن ظن به خير فانكشف عن شر، قال يزيد بن هارون: كنت بالحيرة فرأيت شيخاً عليه طيلسان، وعلى رأسه طويلة، وله سمت حسن، فرجوت أن يكون عنده حديث فقلت: يا شيخ؛ عندك حديث؟ فقال: أما حديث فلا، ولكن عندي قديم طيب؛ فإذا هو خمار.
وسال العقيق في بعض السنين، فخرج الناس إلى الصحراء وفيهم سفيان الثوري؛ فلما كثر الناس انكفأ يريد منزله، فبصر بشيخ ضرير قد أهدف على المائة وبيده عصاً يخترق صفوف النساء، وهو يبكي بكاءً شديداً؛ فظن سفيان أن بكاءه لما فرط له معهن، فنظر إليه حتى إذا صار في آخر الصفوف جنح على محجته واستقبلهن بوجهه، وكفكف عن عبرته وأنشأ:
عليكنّ السلام فليس منّي ... لكنّ فدعنني غير السلام
تحالفت العصا لتشدّ ظهري ... وتجبر عثري عند القيام
فقال له سفيان: أما كان لك فيما مضى من عمرك عظة عن معاصي الله ؟ فقال: بأبي أنت! تمنعني من تلك الحوراء الطرف، الوافية الردف، الحسنة التبختر، الوانية التكسر، كالظبي الغرير، والمهاة عند الغدير، التي يقول في صويحباتها الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما يرى ... فإذا عطلن فهنّ خير عواطل
يرمينني لا يستترن بجنّةٍ ... إلاّ الصّبا أين مقاتلي
يلبسن أردية الشباب لأهلها ... ويجرّ باطلهنّ حبل الباطل
فمضى سفيان يستعيذ بالله منه.
ومثل قوله قول كشاجم:
يقولون تب والكاس في يد أغيد ... وصوت المثاني والمثالث عالي
فقلت لهم لو كنت عاينت توبةً ... وعاينت هذا في المنام بدا لي
من ظريف الصفات
وما جرى ههنا شوطاً في ظريف الصفات، يطيب مغناه ويحسن معناه. قال أشجع بن عمرو:
وماجت كموج البحر بين ثيابها ... يميل بها شطرٌ ويعدلها شطر
إذا وصفت ما فوق مجرى وشاحها ... غلائلها ردّت شهادتها الأزر
стр. 52
البحتري:
رددن ما خفقت منها الخصور إلى ... ما في المآزر فاستثقلن أردافا
إذا نضون شغوف الريط آونةً ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا
ابن الرومي:
النار في خدّيه تتّقد ... والماء من برديه يطّرد
ضدّان قد جمعا كأنّهما ... دمعي يسحّ ولوعتي تقد
وقال:
صدور فوقهنّ حقاق عاجٍ ... ودرٌّ زانه حسن اتّساق
يقول القائلون إذا رأوه ... أهذا الدرّ من تلك الحقاق؟
أخذه من قوله عبد الله بن السمط:
كأن الثدي إذا ما بدت ... وزان العقزد بهنّ النحورا
حقاقٌ من العاج مكنونةٌ ... حملن في الدرّ شيئاً يسيرا
أبو النجم الكاتب:
فيا عجبي من صورةٍ آدميّةٍ ... علاها بياض الشمس في صفرة القمر
فجاءت كمثل الدرّ يشرق لونها ... وريحانة البستان للشمّ والنظر
يذكرني رؤياك ريحاً مريضة ... جرت بنسيم الروض في غلس السّحر
ابن الرومي:
فالعين لا تنفكّ من نظرٍ ... والقلب لا ينفكّ من فكر
ومحاسن الأشياء فيك معاً ... فملالتيك ملالتي بصري
وقال:
لا شيء إلاّ وفيه أحسنه ... فالعين منه إليه تنتقل
فوائد العين فيه طارفة ... كأنما أخرياتها الأول
وقال عبد القادر بن شعيب السلمي:
يا حصن مسلمة الذي أهدى لنا ... حور الظباء سقيت صوب الماطر
قد كان يبلغني فكنت مكذباً ... عن حسن أهلك في الزمان الغابر
حتى رأيت الشمس أشرق نورها ... في الحيّ بين خلاخلٍ وأساور
ورأيت غزلان الخدور سوافراً ... يبسمن عن كالأقحوان الزاهر
فجنيت من ثمر الصبابة والهوى ... وشممت من ورق السرور الناضر
فرمين منّي مقتلاً فقتلنني ... يا من رأى ليثاً قتيل جآذر
ومر أعرابي بأبي نواس وهو ينشد بعض الأمراء:
ويلي على نجل العيو ... ن النّهد والقبّ البطون
الكاتبات عن الضمي ... ر لنا بألسنة الجفون
فقال الأعرابي: ويلك أنت وحدك من هذا؟ بل ويلي أنا وويلي أبي وأمي وبني عمي، وهذا الفاعل القائم بين يديك.
التقعر في الكلام
كان رجل من التجار له ولد يتقعر في كلامه، ويستعمل الغريب؛ فجفاه أبوه استثقالاً له وتبرماً به، ومما كان يأتي به، فاعتل أبوه علةً شديدة أشرف منها على الموت. فقال: أشتهي أن أرى ولدي، فأحضروهم بين يديه وأخر هذا ثم أخر حتى لم يبق سواه، فقالوا له: ندعو لك بأخينا فلان؟ فقال: هو والله يقتلني بكلامه، فقالوا: قد ضمن ألا يتكلم بشيء تكرهه؛ فأذن لهم. فلما دخل قال: السلام عليك يا أبت، قل أشهد أن لا إله إلا الله، وإن شئت قل أشهد أن لا إله إلا الله؛ فقد قال الفراء: كلاهما جائز، والأولى أحب إلى سيبويه. والله يا أبتي ما شغلني غير أبي علي، فإنه دعاني بالأمس، فأهرس وأعدس، وأرزز وأوزز، وسكبج وسبج، وزربج وطبهج، وأبصل وأمصل، ودجدج وافلوذج ولوزج.
فصاح أبوه العليل: السلاح السلاح، صيحوا لي بجارنا الشماس لأوصيه أن يدفنني مع النصارى وأستريح من كلام هذا البندق.
وهاج بأبي علقمة النحوي دم فأتوه بحجام؛ فقال له: اشدد قصب المحاجم، وأرهف ظبات المشارط، وأسرع الوضع، وعجل النزع، وليكن شرطك وخزاً، ومصك نهزاً، ولا تكرهن أبياً، ولا تردن أتياً.
فقال الحجام: ابعث خلفي عمرو بن معديكرب، وأما أنا فلا طاقة لي بالحرب.
وهاج به مرار فسقط فأقبل قوم يعضون إبهامه، ويؤذنون في أذنه؛ فقام من غمرات غشيته، فقال: ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة؛ افرنقعوا عني. فقال بعضهم: اتركوه فإن جنيته تتكلم بالهندية.
стр. 53
وقال أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن اليتيم: كنت أماشي أبا جعفر بن النحاس حتى وقفنا على بائع تمر، فقال له أبو جعفر: كيف تبيعني؟ قال: ثلاثة ونص بدرهم. قال له: قل ثلاثة ونصف بدرهم. قال: ثلاثة ونصف بدرهم. فقال له: قل ثلاثة ونصف بالكسر، فضجر وقال: ونصف، أفرغ لسانك فنحن في بيع وشراء لسنا في نحو. قال: فاجعله أربعة؟ قال: أفعل يا بغيض، فوزن له بدرهم؛ فقال له أبو جعفر: أدر الصنجة من الكفة إلى الكفة، فقال: أنا أعرف ابن النحاس فإنه أحمقكم، قال ابن اليتيم فقلت له: أبيت أن تنصرف إلا مصفوعاً.
وكان أبو العباس مليح الشعر وهو القائل:
لا لأني أنساك أُكثر ذكرا ... ك ولكن بذاك يجري لساني
أنت في القلب والجوانح والرو ... ح وأنت المنى وأنت الأماني
كل عضوٍ منّي يراك من الشو ... ق بعينٍ غنيةٍ عن عياني
ودخل بستان حسين بن الماذرائي فعلق بثوبه غصن ورد فقال:
علق الورد بي وقال إلى أي ... ن وعندي روائح الأحباب
قلت آليت لا أشمّك حتّى ... أتروّى من الثنايا العذاب
وقال:
يا زائري في ظلمة ال ... ليل البهيم على وجل
حافٍ وقد جعل القنا ... ع على النهار من الخجل
هلاّ انتعلت بوجنت ... يّ فكان يضرب بي المثل
سبحان من جعل الخدو ... د عذاب قلبي والمقل
الفرزدق وخالد بن صفوان
قال خالد بن صفوان للفرزدق: يا أبا فراس، لو رأتك صويحبات يوسف لما أكبرنك ولا قطعن أيديهن؟ فقال: وأنت يا خالد، لو رأتك صاحبة موسى لما قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين.
ووهب رجل لابن سيابة ديناراً، ثم بعث إليه ليأنس به، فكتب إليه: شغلتنا أموالنا وأهلونا.
وجاور ابن سيابة قوماً فأزعجوه. فقال: ولم تخرجوني من جواركم؟ قالوا: أنت مريب، قال: فمن أذل من مريب وأحسن جواراً.
وفيه يقول عتبة الأعور:
يابن الذي عاش غير مهتضمٍ ... يرحمه الله أيّما رجل
له رقاب الملوك خاضعةٌ ... ما بين حافٍ منهم ومنتعل
أبوك أوهى النّجاد عاتقه ... كم من كميّ أردى ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من دائر على وجل
في كفّه صارمٌ يقلّبه ... يقدّ أعناق سادةٍ نبل
وهذا بديع في وصف حجام.
وقال آخر يصف حجاماً:
له جونةٌ فيها ثلاثون مخلباً ... مناقيرها بيضٌ وأجوافها حمر
إذا عوّج الكتّاب يوماً سطورهم ... فليس بمعوجّ له أبداً سطر
وصف بعض المزينين
وقد قال بعض المزينين:
قصصت بموسى الغدر ناصية العهد ... وأجريت شرط البين في جبهة الودّ
قططت بمقراض الجفا طرّة الوفا ... فجبهة وجه الودّ مكشوفة الجلد
وما زلت مصّاصاً بجمجمة القلى ... أخا النأي في العتبى على القرب والبعد
كلام مستطرف لأهل الصناعات من طريق صناعاتهم
ولأهل الصناعات من طريق صناعاتهم كلام مستظرف؛ وربما اتفقت الاستعارة مطردة للشاعر على معنى في صناعة، حتى كأنه عانى تلك الصناعة بما جرى على لسانه من البراعة، في وصف حقائقها، ونعت طرائقها؛ كقول عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع.
غرست الهوى حتى إذا أورق الهوى ... فأينع في أغصانه ثمر الوصل
وحفّت به أنهاره في غياضه ... فأصبح ملتفّ الحدائق بالحمل
ولم يبق إلا المجتنى من ثماره ... سرور التصافي والمودة والبذل
أطاف بنا ريح الوشاة فهيّجت ... سحابة هجران تكفّ على رسل
فمالت عزاليها عليه فأحرقت ... غصون الهوى والودّ منّا بلا دخل
ودبّت سيول الهجر حول أصوله ... فأغصانه فاستقلعته من الأصل
وقال علي بن هشام:
حصد الحبيب وصالنا بمناجلٍ ... طبع المناجل من حديد البين
والشوق يطحنه بأرحية الهوى ... والعين تعجنه بماء العين
والقلب يخبزه بنيران الأسى ... والنفس تأكله بلونٍ لون
стр. 54
قال الجاحظ: سألت وراقاً عن حاله؟ فقال: عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، ووجهي عند الناس أشد سواداً من الحبر بالزاج، وحظي أخفى من شق القلم، وجسمي أضعف من قصبة، وطعامي أمض من الحبر، وشرابي أمر من العفص؛ وسوء الحال ألزم بي من الصمغ. فقلت: لقد عبرت ببلاء عن بلاء.
وللجاحظ في هذا النوع رسالة كتب بها إلى المعتصم، وقيل إلى المتوكل في الحض على تعليم أولاده ضروب العلوم وأنواع الأدب وهي: يا أمير المؤمنين: علم بنيك من أنواع الأدب ما أمكن؛ فإنك إن أفردتهم بشيء واحد ثم سئلوا عن غيره لم يعرفوه؛ وذلك أن حزاماً صاحب خيلك حين سألته عن الوقعة ببلاد الروم، قال: لقيناهم في مقدار الإصطبل، فما كان إلا بمقدار ما يحس الرجل دابته حتى قتلناهم؛ فتركناهم في مثل نثير السرجين، فلو طرحت روثة لما سقطت إلا على ذنب برذون.
وكان قد أنشد في الغزل:
غن يهدم الصدّ عن قلبي مذاوده ... فإنّ قلبي بقتّ الصبر معمور
ويح امرىءٍ في وثاق الحبّ يكبحه ... لجام هجرٍ على الأسقام مقرور
أنل خليلك نيلاً من وصالك أو ... حسن الرقاد فإنّ النوم مأسور
أمنت فتل شكالي حين ودّعني ... ومبضع الحب في كفيه مطرور
لبست برقع هجر بعد ذلك في ... إصطبل ودّ فروث الحبّ منثور
وسألت بختيشوع الطبيب عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار ساحة البيمارستان؛ فما كان إلا بمقدار ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركناهم في محقنة ثم قتلناهم، فلو طرحت مبضعاً لما وقع إلا على أكحل رجل.
وكان قد قال في الغزل:
شرب الوصل بجنح الهجر فاستط ... لق بطن الوصال بالإسهال
ففؤاد المحبّ ينحله السّه ... د وقلبي معلّقٌ بالمطال
وفؤادي مبرسمٌ ذو زحيرٍ ... يابن ماسويه ضاق احتيالي
لو ببقراط بعض ما بي وجالي ... نوس ماتا منه بأسوأ حال
وسألت جعفر الخياط عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مثل سوق الخلقان؛ فما كان إلا بقدر ما يخيط الرجل درزاً، حتى تركناهم في أضيق من جربان، فلو طرحت إبرة لما وقعت إلا على درز رجل.
وكان قد قال في الغزل:
فتقت بالهجران درز الهوى ... بإبرة من إبر الصدّ
فالقلب من ضيق سراويله ... يعثر بي في تكّة الجهد
حسدتني يا طيلسان الهوى ... منه على سوءٍ شقا جدّي
أزرار عيني فيك موصولةٌ ... بعروة الدّمع على خدّي
يادستبان القلب يا زيقه ... عذّبني الدركنز بالوعد
قد قصّ ما أعرف من وصله ... مقراض بين مرهف الحدّ
يا حجزة النفس ويا ذيلها ... ما لي من وصلك من بدّ
ويا جرّبان سروري ويا ... جيب غرامي حلت عن عهدي
وسألت إسحاق بن إبراهيم عن ذلك وكان زارعاً فقال: لقيناهم في مثل جريب من الأرض؛ فما كان إلا بقدر ما يسقي الرجل مشارة حتى قتلناهم عن آخرهم، فلو طرحت منجلاً لما سقط إلا على رأس رجل؛ فصاروا مثل أكوام التبن إذا خرج عن الحب.
وكان قد قال في الغزل:
زرعت هواه في جريبٍ مثلّثٍ ... وأسقيته ماء الدوام على العهد
فلما تعالى النبت واخضرّ يانعاً ... وأفرك حبّ الحبّ في سنبل الودّ
أتته أكفّ الهجر فيها مناجلٌ ... فأسرعن فيه حين أدرك بالحصد
فيا شؤم مالي إذ يعطل للشقا ... ويا ويح ثوري صار معلفه كبدي
وسألت فرجاً الرخجي عن مثل ذلك وكان خبازاً فقال: لقيناهم في مثل مقدار جفنة، فما كان إلا بقدر ما يعجن الرجل قفيزاً أو يخبز أرغفة، حتى صيرناهم في أضيق من جحر التنور، فلو طرحت جردقاً لما وقع إلا في خوان الخبز على كثرة القتلى.
وقد كان أنشد في الغزل:
قد عجن الهجر دقيق الهوى ... في جفنةٍ من خشب الصدّ
فاختمر البين فنار الهوى ... تزجي بشوك الهجر من بعدي
وأقبل الصدّ بهجرانه ... يفحص عن أرغفة الوجد
جرادقاً للوعد مسمومةً ... مثرودةً في قصعة الجهد
стр. 55
وسألت عبد الله بن عبد الصمد عن مثل ذلك وكان مؤدباً فقال: لقيناهم في مقدار كنف، فما كان إلا بمقدار ما يقرأ الصبي إمامة، حتى تركناهم في أضيق من فم الرقم، فلو طرحت دواةً لما سقطت إلا على حجر قتيل.
وقد كان قال في الغزل:
قد أمات الهجران صبيان قلبي ... ففؤادي مولّهٌ ذو خبال
كسر البين لوح وصلي فما أط ... مع ممن هويته في وصال
وقع الرقم عن دواتي فمذ أطل ... ق مولاي حبله من حبالي
مشق الحبّ من فؤادي لوحي ... ن فأغرى جوانحي بالسلال
لاق كبدي دواته فمداد ال ... عين مذ صدّ مالكي ذو انهمال
وسألت الجهم بن بدر عن مثل ذلك وكان صاحب حمام ت فقال: لقيناهم في مثل بيت الابتذال، فقاتلناهم بقدر ما تخلف النورة، ثم ألجأناهم إلى أضيق من الأبزن، فهزمناهم بقدر ما يغسل الرجل وجهه؛ فلو طرحت ليفة لما وقعت إلا على ظهر رجل.
وقد كان قال في الغزل:
يا نورة الهجر غلفت الصفا ... بما بدا من ليفة الصدّ
يا مبذر الأسقام حتّى متى ... تنقع في حوضٍ من الجهد
انقل ذيول الوصل لي مرة ... منك بزنبيلٍ من الودّ
فالبين مذ أوقد حمّامه ... هيّج قلبي مشلّح الوجد
أفسد خطمي الهوى والصفا ... بحاله الناقض للعهد
وسألت الحسن بن أبي قماش وكان أبوه كناساً فقال: لقيناهم بقدر ما يكنس الرجل زنبيلاً، حتى تركناهم في أضيق من جحر المخرج، فلو رميت بنت وردان لما وقعت إلا على ظهر قتيل.
وكان قد قال في الغزل:
أصبح قلبي للهوى مخرجاً ... تسلح فيه فقحة الهجر
خنافس الهجران أثكلنني ... نومي فولّى معرضاً صبري
وبنت وردان الهوى تيّمت ... عقلي فما أعقل ما أمري
وسألت أحمد الشرابي، فقال: لقيناهم في مقدار بيت شراب، فلم يكن إلا بمقدار ما يبزل الرجل دنا، حتى تركناهم في أضيق من رطلية، ثم سالت دماؤهم كالدردي، فلو طرحت كأساً لما وقع إلا في كف رجل.
وكان قد قال في الغزل:
شربت بكأس اللهو من راحة الهوى ... ورقرقت خمر الوصل في قدح البين
فسالت دنان الحبّ يدفقها الصبا ... وكرّت قرابات دمعي على عيني
وسألت عبد الله الطاهري وكان طباخاً فقال: لقيناهم في مقدار مطبخ أمير المؤمنين، فما كان إلا بمقدار ما يشوي الرجل حملاً أو جدباً، أو يفرغ من طبخ ثلاثة ألوان، أو يعقد فالوذجةً، حتى تركناهم في أضيق من أثافي القدر، فلو طرحت ملعقة لما وقعت إلا على بطن قتيل.
وكان قد قال في الغزل:
شبه الفالوذج في حمرة الخ ... دّ ولوزينج النفوس الظماء
أنت جوزينج الفؤاد وفي اللي ... ن كلين الخبيصة الصفراء
أنت مستهترٌ بسكباج ودّ ... بعد جوزابة بجنب شواء
يا قتار القدور في يوم عرسٍ ... وشبيهاً بشهدةٍ بيضاء
أنت أشهى إلى الفؤاد من الزب ... د مع البرسيان وقت الغداء
أطعم الحاسدين ألوان غمّ ... في قصاع الأحزان والضراء
قد غلا القلب مذ خلت منك داري ... غليان القدور بعد الصّلاء
هام لمّا كسرت فيك غضارا ... ت سروري مفارق الشّحناء
إنّ إسفيداج وجهك يشفي ... من رقيق الأحزان أي شفاء
فتفضل على العميد بماء ... ورد يكبت قلوب العداء
وسألت داود الفراش عن مثل ذلك قال: لقيناهم في مثل تربيع الفسطاط، فما كان إلا بقدر ما يفرش الرجل بيتاً أو بيتين، حتى تركناهم في أضيق من صاريات ثم قتلناهم، فلو رأيت نجار التراب عليهم وقد سالت دماؤهم في حمرة الأرمني.
وكان قد أنشدني في الغزل:
كنس الهجر ساحة الوصل لمّا ... عثر البين في وجوه صفائي
فلقد بثّ في فراش همومي ... تحت خدّي وسائداً لضنائي
حين هيأت بيت حسن من الوص ... ل لأثوابه ستور إخاء
стр. 56
فرش الهجر لي بيوت مسوحٍ ... متّكاها مطارح الحصباء
رقّ للصبّ من بواعث وجدٍ ... قد تخالسنه صباح مساء
يا أمير المؤمنين: إنما ينطق اللسان بما يتصور الجنان، ويظهر في الكلام ما يخطر على الأوهام، فمن لم يعرف إلا شيئاً واحداً لم يتكلم إلا عليه، ومن كثر علمه كثرت خواطره، واتسعت مذاهبه، ورب هزل أنفع من جد؛ إذا أصيب به موضع الحاجة إليه، ووضع بحيث تقع همم النفوس عليه، والسلام.
والجاحظ صنع هذه الأشعار لما وضع هذه الأخبار، وكان قديراً على الشعر سراقاً له. روى أبو مسلم الكشي قال: حدثني إبراهيم بن رباح قال: مدحني حماد بن أبان اللاحقي بشعر فيه هذان البيتان:
بدا حين أثرى بإخوانه ... ففلّل فيهم شباة العدم
وذكّره الحزم غبّ الأمور ... فبادر قبل انتقال النعم
فروي هذا الشعر وعرف بالبصرة، ثم جاءني الجاحظ فمدحني بشعر أدخل فيه هذين البيتين، فاحتملت ذلك وأثبته؛ فبينما أنا جالس يوماً في مجلس أحمد بن أبي دواد والجاحظ في مجلسه، إذ قال لي أحمد ما وصفت بشيء أحسن مما مدحني به أبو عثمان، وأنشدني البيتين. فقلت: إن مادحك أعزك الله يجد فيك مقالاً والجاحظ ملأ عينيه مني ولا يستحي مني.
وله في رسالة إلى أبي الفرج محمد بن نجاح قصيدة مستحسنة أولها:
أقام يداً والخفض راضٍ بحظّه ... وذو الحظّ يسري حيث لا أحد يسري
يظنّ الرضا بالقوت شيئاً مهوّناً ... ودون الرضا كأسٌ أمرّ من الصبر
وقد طعن أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني بديع الزمان على بلاغة الجاحظ فقال: هو في أحد شقي البلاغة يقف، وفي الآخر يقتطف، والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره ولم يزر كلامه بشعره، أفترون للجاحظ شعراً رائقاً؟ قالوا: لا. قال: فهلموا إلى نثره تجدوه قريب العبارات، بعيد الإشارات، قليل الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من بديعه يهمله.
وليس هذا موضع الكلام على بلاغته، وإلا فكنت أنبه على معايب كلامه ومقابحه، ومحاسن خطابه وممادحه.
وهذه أوصاف بليغة في البلاغات، على ألسنة قوم من أهل الصناعات
اجتمع قوم من أهل البلاغات، فوصفوا بلاغاتهم من طريق صناعاتهم: فقال الجوهري: أحسن الكلام نظاماً ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، ونضد جوهر معانيه في سموط ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة.
وقال العطار: أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه؛ ففاح نسيم نشقه، وسطت رائحة عبقه؛ فتعلقت به الرواة، وتعطرت به السراة.
وقال الصائغ: خير الكلام ما أحميته بكور الفكرة، وسبكته بمشاعل النظر، وخلصته من خبث الإطناب، فبرز بروز الإبريز في معنىً وجيز.
وقال الصيرفي: خير الكلام ما نفدته يد البصيرة، واجتلته عين الروية، ووزنته بمعيار الفصاحة، فلا نظر يزيفه، ولا سماع يبهرجه.
وقال الحداد: خير الكلام ما نصبت عليه منفخة الروية، وأشعلت فيه نار البصيرة، ثم أخرجته من فحم الإفحام، ورققته بفطيس الإفهام.
وقال النجار: خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير، ونشرته بمنشار التدبير، فصار باباً لبيت البيان، وعارضةً لسقف اللسان.
وقال النجاد: أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه، وحسنت مطارح معانيه؛ فتنزهت في زرابي محاسنه عيون الناظرين، وأصاخت لنمارق بهجته آذان السامعين.
وقال الماتح: أبين الكلام ما علقت وذم ألفاظه بكرب معانيه، ثم أرسلته بقليب الفطن، فمنحت به سقاءً يكشف الشبهات، واستنبطت به معنى يروي من ظمأ المشكلات.
وقال الخياط: البلاغة قميص فجربانه البيان، وجيبه المعرفة، وكماه الوجازة، ودخاريصه الإفهام، ودروزه الحلاوة، ولابسه جسد اللفظ، وروحه المعنى.
وقال الصباغ: أحسن الكلام ما لم تنصل بهجة إيجازه، ولم تكشف صبغة إعجازه، وقد صقلته يد الروية من كمود الإشكال، فراع كواعب الآداب، وألف عذارى الألباب.
وقال البزاز: أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه، وحسن نشر معانيه، فلم يستعجم عنك نشر، ولم يستبهم عليك طي.
وقال الحائك: أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه، فخرج مفوفاً منيراً، وموشى محبراً.
стр. 57
وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج عن حد التخليع إلى منزلة التقريب إلا بعد الرياضة؛ وكان كالمهر الذي أطمع أول رياضته، في تمام ثقافته.
وقال الجمال: البليغ من أخذ بخطام كلامه فأناخه في مبرك المعنى، ثم جعل الاختصار له عقالاً، والإيجاز له مجالاً، لم يند عن الأذهان، ولم يشذ عن الآذان.
وقال المخنث: خير الكلام ما تكسرت أطرافه، وتثنت أعطافه، وكان لفظه حلةً، ومعناه حليةً.
وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم، وصفاه راووق الفهم، وضمته دنان الحكمة، فتمشت في المفاصل عذوبته، وفي الأفكار رقته، وفي العقول حدته.
وقال الفقاعي: خير الكلام ما روحت ألفاظه غباوة الشك، ورفعت رقته فظاظة الجهل، فطاب حساء فطنته، وعذب مص جرعته.
وقال الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر بيانه سقم الشبهة، استطلقت طبيعة الغباوة؛ فشفي من سوء التفهم، وأورث صحة التوهم.
وقال الكحال: كما أن الرمد قذى الأبصار، فالشبهة قذى الأبصار، فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة، واجل رمص الغفلة بمرود اليقظة.
ثم قال: أجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام، ما إذا أشرقت شمسه، انكشف لبسه، وإذا صدقت أنواؤه، اخضرت أحماؤه.
وهذا المعنى كثير، وإنما آخذ من كل فن اليسير.
من مستطرف الأخبار
وقال رجل لغلامه: التمس لي داراً لا تكون بجوار مسجد فإني أحب الأفراح، فاكترى له داراً بين مسجدين. فقال له: ما هذا؟! قال: يا مولاي، لا تدري المعنى؛ أهل هذا المسجد يظنونك في هذا، وأهل ذا يظنونك في ذا، وأنت قد ظفرت بما تحب.
وقال أبو الجهم أحمد بن بدر للمتوكل وذكر نجاح بن سلمة أو غيره:
إمام الهدى وابن الدعاة إلى الهدى ... ومنهج خير العالمين محمّد
أعنّي على والٍ يجوز تعبّداً ... عليّ عسوف الظلم غير مؤيّد
وما لي ذنبٌ عنده غير أنني ... عليم بما يختار لليوم والغد
ولا خير للطّرار في قرب نائب ... ولا للمريب الفعل في قرب مسجد
صحب الغاضري رجلاً من قريش من مكة إلى المدينة فقال القرشي: يا غلام؛ أطعمنا دجاجةً، فأتى بها باردة، فقال: ويحك أسخنها. ورفع غداؤهم ولم يؤت بالدجاجة، فلما كان العشاء قال: يا غلام، عشاءنا. فلما أتاهم العشاء قال: هات تلك الدجاجة، فأتى بها باردة، فقال: أسخنها. فقال الغاضري: أخبروني عن دجاجتكم هذه أمن آل فرعون هي؟ فإني أراها تعرض على النار غدوةً وعشياً.
فقال: ويحك يا غاضري اكتمها علي، ولك مني مائة دينار. فقال: والله مما كنت لأبيعها بشيء.
طيلسان ابن حرب
أخذه الحمدوني فقال في طيلسان ابن حرب:
يابن حرب أطلت ظلمي برفوي ... طيلساناً قد كنت عنه غنيّا
هو في الرّفو آل فرعون في العر ... ض على النار بكرةً وعشيّا
زرت فيه معاشراً فازدروني ... فتغنّيت إذ رأوني زريّا
جئت في زيّ سائلٍ كي أراكم ... وعلى الباب قد وقفت مليّا
وكان أحمد بن حرب المهلبي من المحسنين إليه، المنعمين عليه، وله فيه مدائح كثيرة، فوهبه طيلساناً أخضر، فوجد فيه فزراً ولم يرضه. قال أبو العباس المبرد: فأنشدنا فيه عشر مقطعات ضمن أواخرها أبيات أغان ملاحاً، فاستحلينا مذهبه فيها فجعلها خمسين شعراً فطارت كل مطير، وسارت كل مسير، حتى قال:
طيلسان لابن حربٍ ... ذو أيادٍ ليس تحصى
أنا فيه أشعر النّا ... س إذا ما الشعر نصّا
وأراني صرت أدنى ... بعد ما قد كنت أقصى
واتقاني النّاس وازدا ... دوا على شعري حرصا
ولكم قد حاز لي ... أردية تترى وقمصا
كان دهراً طيلساناً ... ثم قد أصبح شصّا
وقال ابن الرومي في هجائه عمراً الكاتب الملقب بخرطوم، وكان من خاصة القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير:
أغلقت حانوتي لطو ... ل كساده وفتحت عمرا
يا طيلسان الحمدن ... يّ شفعت فيّ وكنت وترا
عمرا أخوك جعلته ... لي مكسباً فأفدت وفرا
لا تبعدا من صاحبي ... ن لقيتما ضعةً وفقرا
стр. 58
قال ابن أبي عون: مر الحمدوني بابن حرب وهو جالس على باب داره وعلى كتفه وسادة. قال: لأي شيء هذه يا حمدوني؟ قال: أرقع بها طيلسانك. قال: ما تزال تهجونا منثوراً وموزوناً!!.
ومن طريف شعره فيه:
يا طيلسان ابن حربٍ قد هممت بأن ... تودي بجسمي كما أودي بك الزمن
ما فيك من حيلة تغني ولا ثمنٍ ... قد أوهنت حيلتي أركانك الوهن
فلو تراني لدى الرّفّاء مرتبطاً ... كأنني في يديه الدهر مرتهن
أقول حين رآني الناس ألزمه ... كأنّما لي في حانوته وطن
من كان يسأل عنّا أين منزلنا؟ ... فالأقحوانة منّا منزلٌ قمن
البيت للحارث بن خالد المخزومي.
وقال:
قل لابن حرب طيلسا ... نك قوم نوحٍ منه أحدث
أفنى القرون ولم يزل ... عمّن مضى من قبل يورث
فإذا العيون لحظنه ... فكأنّه باللحظ يحرث
يودي إذا لم أرفه ... وإذا رفوت فليس يلبث
كالكلب إن تحمل علي ... هـ الدهر أو تتركه يلهث
وقال:
وهبت لنا ابن حرب طيلساناً ... يزيد المرء في الضعة اتضاعا
يسلّم صاحبي فيقدّ شبراً ... له وأقدّ في ردّي ذراعا
أجيل الطّرف في طرفيه طولاً ... وعرضاً ما أرى إلاّ رقاعا
فلست أشكّ أن قد كان قدماً ... لنوحٍ في سفينته شراعا
فقد غنّيت إذ أبصرت منه ... جوانبه على بدني تداعى
قفي قبل التفرّق يا ضباعا ... ولا يك موقفٌ منك الوداعا
البيت للقطامي عمير بن شييم التغلبي: وقال فيه:
قل لابن حرب طيلسانك قد ... أوهى قواي بكثرة القدم
متبيّنٌ فيه لمبصره ... آثار رفو أوائل الأُمم
فكأنّه الخمر التي وصفت ... في يا شقيق النفس من حكم
فإذا رممناه فقيل لنا ... قد صح قال له البلى: انهدم
مثل السقيم برا فعاوده ... نكسٌ فأسلمه إلى سقم
أنشدت حين طغى فأعجزني ... ومن العناء رياضة الهرم
والخمرة التي وصفت فيما ذكر لأبي نواس:
يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم
فاسقني الخمر التي اعتجرت ... بخمار الشيب في الرّحم
ثمّت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم
فهي لليوم الذي بزلت ... وهي تلو الدهر في القدم
عتّقت حتى لو اتصلت ... بلسانٍ ناطقٍ وفم
لاحتبت في القوم مائلة ... ثم قصّت قصة الأمم
فرعتها بالمزاج يدٌ ... خلقت للكأس والقلم
في ندامى سادة نجب ... أخذوا اللذّات من أمم
فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشّي البرء في السقم
صنعت في البيت إذ مزجت ... كصنيع الصّبح في الظلم
فاهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم
وزعم ابن قتيبة أن هذا الشعر لوالبة بن الحباب، وإنما يخاطب به أبا نواس الحكمي. وقال غيره: بل الشعر لأبي نواس وإنما أغار على والبة في قوله:
يا شقيق النفس من أسد ... لم تنم عيني ولم تكد
وقال الحمدوني:
طيلسانٌ لابن حرب جاءني ... قد قضى التمزيق منه وطره
أنا من خوفي عليه أبداً ... سامريٌّ ليس يألو حذره
يابن حربٍ خذه أو فابعث بما ... يشتري عجلاً بصفر عشره
فلعلّ الله يحييه لنا ... إن ضربناه ببعض البقره
فهو قد أدرك نوحاً، فعسى ... عنده من علم نوحٍ خبره
أبداً يقرأُ من أبصره ... أئذا كنّا عظاماً نخره
وكان يقول: أنا ابن قولي، يريد أنتسب إليه كما أنتسب إلى أبي. وقال:
يابن حرب كسوتني طيلساناً ... ملّ من صحبة الزمان وصدّا
فحسبنا نسج العناكب إذ قي ... س إلى ضعف طيلسانك سدّا
стр. 59
إن تنسمت فيه ينجرّ جرّاً ... أو تبسمت منه ينقدّ قدّا
طال ترداده إلى الرّفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدّى
وكان أبو تمام يقول: أنا ابن قولي:
نقّل فؤادك أين شئت من الهوى ... ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأوّل منزل
وقال الحمدوني في الطيلسان:
ولي طيلسانٌ إن تأمّلت شخصه ... تيّقنت أنّ الدهر يفنى وينقرض
تصدّع حتّى قد أمنت انصداعه ... وأظهرت الأيام من عمره الغرض
فلو أنّ أصحاب الكلام يرونه ... لماروك فيه وادّعوا أنه العرض
وقال:
يابن حربٍ كسوتني طيلساناً ... أمرضته الأوجاع فهو سقيم
فإذا ما لبست قلت سبحا ... نك تحيي العظام وهي رميم
طيلسانٌ له إذا هبّت الرّي ... ح عليه بمنكبيّ هميم
لو يدبّ الحوليّ من ولد الذ ... رّ عليه لأندبته الكلوم
وقال:
إن ابن حرب كساني ... ثوباً يطيل انحرافه
أظلّ أدفع عنه ... وأتّقي كلّ آفه
فقد تعلمت من خش ... يتي عليه الشقافه
من الملح
وقف أبو العيناء على باب صاعد بن مخلد فقيل له: إنه يصلي فانصرف، ثم عاوده، فقيل له: إنه يصلي. فقال: لكل جديد لذة. وكان صاعد نصرانياً ثم ارتقت به الحال أن توزر للموفق بن أحمد بن المتوكل، وكان أخوه المعتمد الخليفة ولم يكن له مع الموفق أمر ولا نهي، وقد قال المعتمد لما ملك عليه أخوه الأمر، أو قيل على لسانه:
أليس من العجائب أنّ مثلي ... يرى ما قلّ ممتنعاً عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً ... وما من ذاك شيءٌ في يديه
ولما أجاب الصولي أبا القاسم بن عبد الله ملك المغرب اقتضى ذكر ولد العباس والخلفاء خليفةً خليفةً حتى انتهى إلى المعتمد فقال:
ومعتمدٌ من بعدهم وموفّقٌ ... يردّد من إرث الخلافة ما ذهب
موازٍ لهم في كل فضلٍ وسؤددٍ ... وإن لم يكن في العدّ منهم لمن حسب
ولما احتاج الصولي إلى ذكر الموفق لشهامته وحزامته، وكأن القصيدة إنما أجاب بها على المقتدر بن جعفر بن المعتضد بن الموفق، فلو لم يذكره لانقطع عليه ما أراد.
وكان المعتمد مضعوفاً، وكان أمره قبل تمكن الموفق في يد وصيف حتى قال باذنجانة الكاتب:
يا دولة بائرة ... كاسفة ما تبتغى
خليفة مستضعف ... بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له ... كما تقول الببّغا
ودخل أبو خالد يزيد المهلبي على المعتمد مرات، فأنشده قصائد على الدال؛ فقال: يا يزيد؛ ما أراك تعدو الدال؟ فقال: وكيف أعزك الله يا أمير المؤمنين واسمي يزيد، وأبي محمد وأكنى بأبي خالد، وأنت المعتمد، وتسمى بأحمد، ومن صفاتك السيد والماجد والجواد، فأين أدع الدال؟ وهذا كقول أبي صدقة المدني وقد قيل له: ما أشد إلحافك؟ فقال: تلومونني على ذلك وأنا اسمي مسكين، وكنيتي أبو صدقة، واسم أبي صدقة، واسم امرأتي فاقة.
من طرف أبي العيناء
ووقف أبو العيناء على باب إبراهيم بن رباح فقيل: هو مشغول. فقال: إذا شغل بكأس يمناه، وبحر يسراه، وانتسب إلى أب لا يعرف أباه، لم يحفل بحجاب من أتاه.
стр. 60
ودخل أبو العيناء على المتوكل؛ فقال: أي شيء تحسن؟ قال: أفهم وأفهم، وآخذ من المجلس ما حوى، مرة أغلب ومرة أغلب. قال: كيف شربك للنبيذ؟ قال: أعجز عن قليله وافتضح عند كثيره. قال: فما تقول في بلدك البصرة؟ قال: ماؤها أجاج، وحرها عذاب، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم. قال: ارفع حوائجك إلينا. قال: قد رفعتها إلى الله، فما أحب نجاحه فليس ينفعني شرحه. قال: نحب أن تلزم مجلسنا. قال: يا أمير المؤمنين، إن أجهل الناس من يجهل نفسه؛ أنا امرؤ محجوب والمحجوب تختلف إشارته، وقد يجوز قصده، فيصغي إلى غير من يحدثه، ويقبل بحديثه على غير من يسمع منه، وجائز أن يتكلم بكلام غير راض، ومتى لم أفرق بين هذين هلكت. وأخرى: كل من في مجلسك يخدمك، وأنا أحتاج أن أخدم، ولم أقل هذا جهلاً مني بما في هذا المجلس من الفائدة، ولكني اخترت العافية على التعرض للبلاء. قال الفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين، هذا رجل عاقل عارف بنفسه وبحق الملوك. قال: فيلزمنا في كل الأوقات لزوم الفرض الواجب.
وبلغ أبا العيناء أن المتوكل قال: لولا أن أبا العيناء ضرير لنادمناه. فقال: إن أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة وقراءة نقش الفصوص فأنا أصلح للمنادمة. وإنما هذا تولع منه بلسانه؛ واقتدار على الكلام، وإلا فقد تعافى من ذلك المقام.
ودخل على إبراهيم بن المدبر وعنده الفضل اليزيدي معلم ولده وإبراهيم جالس. فقال للمعلم: في باب هذا؟ قال في باب الفاعل والمفعول به. فقال: هذا بابي وباب الوالدة أعزها الله. فغضب اليزيدي ونهض.
أخذه البحتري فقال لإبراهيم بن المدبر:
أي شيءٍ ألهاك عن سرّ من را ... ء وظلّ للعيش فيها ظليل
إقتصار على أحاديث فضل ... وهو مستكرهٌ كثير الفضول
لم تكن نهزة الوضيع ولا رو ... حك كانت لفقاً لروح الثقيل
فعلام اصطنعت منكسف البا ... ل معار الحذاق نزر القبول
إن ترده تجده أخلق من شي ... ب الغواني ومن تعفّي الطلول
مسرجاً ملجماً وما متّع الصب ... ح إدلاجاً للجسّ والتطفيل
غير أنّ المعلمين على حال م ... قليلي التمييز ضعفي العقول
فإذا ما تذكّر الناس معنى ... من مبين الأشعار أو مجهول
قال هذا لنا ونحن كشفنا ... غيبه للسؤال والمسؤول
ضرب الأصمعي فيهم أم الأح ... مر أم لحقوا ... الخليل
أبداً شأنه التردّد في الفا ... عل من والديه والمفعول
ظريف مملق
قال الصولي: كان بالبصرة رجل مهلبي ظريف مملق، وكان له إخوان فقالوا له: ألا تدعوننا؟ فقال لهم: ألا تدعونني؟ فألحوا عليه فارتهن قطيفةً له على دراهم، فاشترى لهم ما يصلحهم، ودعا مغنيةً فكان اقتراحهم عليها:
ليت الذين تحمّلوا أحنوا ... أمّا أنا فأضرّ بي الحزن
فقال المهلبي: أما هذا الذي تقولونه فما أدري ما هو؟ أما أنا فقطيفتي رهن؛ فضحكوا وغرموا له ما أنفق.
ودعا رجل قوماً، فما كان مع المغرب أراد انصرافهم، وأرادوا المقام عده، فاقتضوه في السراج. فقال لهم: أما سمعتم قول الله تعالى: " وإذا أظلم عليهم قاموا ".
من نوادر المتنبئين
وادعى رجل النبوة في أيام المأمون، فأحضره المأمون وقال له: ما دليل نبوتك؟ قال: أن أعلم ما انعقد عليه ضميرك. فقال: ما هو؟ قال: في نفسك أصلحك الله أني كاذب؛ فضحك منه وتركه.
وأتي المعتصم برجل ادعى النبوة. فقال: ما آيتك؟ قال: آية موسى. قال: فألق عصاك تكن ثعباناً مبيناً؟ قال: حتى تقول: أنا ربكم الأعلى.
وادعى آخر النبوة بالكوفة، فأدخل على واليها. فقال: ما صناعتك؟ قال: حائك، قال: نبي حائك؟! قال: فأردت نبياً صيرفياً؟ الله يعلم حيث يجعل رسالته.
ومن نوادر الفقهاء والمغفلين والمرائين وغيرهم
وسأل رجل بعض الفقهاء عن القبلة للصائم في رمضان؟ فقال: تكره للشاب ويرخص فيها للشيخ. قال: إنها في معشوقة؟ قال: يابن أخي، هذا يكره في شوال.
قيل لمغفل: قد غلا الدقيق. فقال: وما أبالي؛ إني أشتري الخبز من السوق.
стр. 61
قال حيان بن غضبان العجلي وقد ورث نصف دار أبيه: أريد أن أبيع نصف حصتي من الدار وأشتري الباقي، فتصير الدار كلها لي.
وشكا أهل بدلة إلى المأمون والياً عليهم؛ فقال: كذبتم عليه، قد صح عندي عدله فيكم وإحسانه إليكم. فقال شيخ منهم: يا أمير المؤمنين؛ فما هذه المحبة لنا دون سائر رعيتك، قد عدل فينا خمس سنين فانقله إلى غيرنا حتى يشمل عدله الجميع، وتريح معنا الكل؛ فضحك منهم وصرفه عنهم.
قال دعبل: ما غلبني إلا مخنث؛ قلت له: والله لأهجونك. قال: والله لئن هجوتني لأخرجن أمك في الخيال.
ورئي بعض المرائين على باب بعض الملوك، وبين عينيه سجادة عظيمة، فقيل له: مثل هذا الدرهم بين عينيك، وأنت محتاج إلى أبواب الملوك! فقال: إنه ضرب على غير السكة.
وعمل بعض المرائين بين عينيه سجادة دلكها بنواة وثوم، وعصب الثوم بين عينيه ونام؛ فتحركت العصابة؛ فصارت في ناحية صدغه سجادة كبيرة. فقال له ابنه: ما هذا يا أبت؟ فقال: أصبح أبوك ممن يعبد الله على حرف.
ومن أملح ما في هذا قول أبي نواس وقد نهاه الأمين عن الخمر:
عين الخليفة بي موكّلةٌ ... عقد الحذار بطرفها طرفي
صحّت علانيتي له وأرى ... دين الضمير له على حرف
ولئن وعدتك تركها عدةً ... إني عليك لخائفٌ خلفي
وقال ابن المعتز:
يأيها الجاني ويستخفي ... ليس تجنّيك من الظرف
إنّك والشوق إلينا كمن ... يؤمن بالله على حرف
محوت آثارك عن ودّنا ... غير آثارك في الصّحف
فإن تحاملت لنا زورةً ... يوماً تحاملت على ضعف
وأتى ابن عائشة إلى بعض الملوك فأنشده:
اعطف عليّ فالكريم يعطف ... قد غلق الرّهن وملّ المسلف
وارتهني الدفّ وبيع المصحف
فقال: يا فاسق، أترهن دفاً وتبيع مصحفاً! قال: اتكلت في المصحف أعزك الله تعالى وأجلك.
من نوادر بهلول
قال رجل لبهلول المجنون: قد أمر أمير المؤمنين لكل مجنون بدرهمين. فقال له بهلول: فهل أخذت نصيبك.
وأودع بهلول بعض الأفنية بالكوفة عشرين درهماً ورجل خياط ينظر إليه من حيث لا يعلم به بهلول؛ فلما انصرف أخذ الخياط الدراهم، فعاد بهلول يطلبها فلم يجدها، فعلم أنه لم يؤت إلا من الخياط. فمر به فقال: يا فلان؛ خذ بيدك عشرة دراهم وخذ ثلاثين وخذ كذا ... حتى بلغ المائة. قال: وزدها عشرين كم يكون المال؟ قال: مائةً وعشرين. قال: أصبت ومضى. فقال الخياط في نفسه: ما أظنه إلا يمضي بهذه الدراهم التي حسبها ليزيدها على العشرين فلأردنها إلى موضعها، فإذا زاد عليها أخذت الجميع ففعل؛ فكر بهلول إلى الموضع، فأخذ الدراهم وأحدث في موضعها ثم مضى؛ فقام الرجل مسرعاً، فلما أدخل يده امتلأت حدثاً، ولم يجد شيئاً؛ فعارضه بهلول، وقال: خذ في يدك كذا وكذا. كم في يدك؟ قال: مائة وعشرون. قال: ما في يدك إلا حدث، فانتشر خبر الخياط، وولع الصبيان فيه حتى هرب من الكوفة.
ولبهلول هذا حكم؛ وكان يتشيع فقيل له يوماً: أيما أفضل أبو بكر أم علي ﵄؟ فقال له: أما وأنا في كندة فعلي، وأما وأنا في ضبة فأبو بكر. وكندة بالكوفة من غلاة الرافضة، وبنو ضبة أهل سنة.
ولما دخل الرشيد الكوفة خرج الناس للنظر إليه، فناداه بهلول ثلاثاً. فقال: من المجترىء علي في هذا الموضع؟ قيل: بهلول المجنون. فرفع السجافة وقال: بهلول؟ قال: لبيك يا أمير المؤمنين، روينا عن أيمن بن نائل قال: حدثنا قدامة عن ابن عبد الله العامري قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة لا ضرب ولا طرد ولا قيل بين يديه إليك إليك؛ وتواضعك في سفرك هذا خير لك من تجبرك وتكبرك. قال: فبكى الرشيد حتى جرت دموعه على الأرض، وقال: أحسنت يا بهلول، زدنا يرحمك الله.
стр. 62
قال: وروي أن النبي ﷺ قال: أيما رجل آتاه الله مالاً وجمالاً وسلطاناً فأنفق في ماله وعف في جماله وعدل في سلطانه كتب في خالص ديوان الله من الأبرار. قال: أحسنت يا بهلول، وأمر له بجائزة سنية، فقال: يا أمير المؤمنين؛ ردها على من أخذتها منه؛ فلا حاجة لي بها. فقال: يا بهلول؛ إن كان عليك دين قضيناه. قال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء أهل الرأي بالكوفة أجمعوا على أن قضاء الدين بالدين لا يجوز. قال: فنجري عليك ما يكفيك؛ فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا أمير المؤمنين؛ أنا وأنت في عيال الله، ومحال أن يذكرك وينساني؛ فأرسل الرشيد السجف وسار.
وقيل: إن بهلولاً كان يستعمل الجنون ستراً على نفسه.
من نوادر المجانين
وقال هارون المخزومي: رأيت مجنونين يتنازعان رغيفاً يقول أحدهما: هذا أنت تأكله، ويقول الآخر: بل أنت تأكله. قال: فقلت لهما وأنا أظن أن أربح عليهما: أنا آكله. فقالا: يا أحمق، إنه مع أدم. فقلت: وما أدمه؟ قالا: وجء الحلق وصفع العنق. فوليت عنهما، فقالا: يا مجنون؛ لولا بشاعة الأدم لكنا أكلناه منذ حين.
وقيل لسعيد العامري وكان من أصحاب النوبهاري: لقد حظيت بكثرة المال. قال: فإني بعتك مالي كله بحبة من عقل غفار الموسوس. قلت: وأي شيء رأيت من عقله؟ قال: رأيته يوماً وقد وقف عليه رجلان أحدهما سكران، فجعل السكران يفتري عليه وهو يفتري على الصاحي؛ فقلت له: لم لا تشتم الذي يشتمك؟ قال: لأن معه شيطاناً لا أقوى عليه، فالتفت إلي السكران وقال: يابن الفاعلة؛ أتحرضه علي؟ ورفع رجله من الأرض فشيعني بها موضحة ومر يعدو. فقال غفار: من هذا فررت.
من نوادر أبي نواس
ومر عثمان بن حفص الثقفي بأبي نواس وقد خرج من علة وهو مصفر الوجه، وكان عثمان أقبح الناس وجهاً. فقال له عثمان: ما لي أراك مصفراً؟ فقال أبو نواس: رأيتك فذكرت ذنوبي. قال: وما ذكر ذنوبك عند رؤيتي؟ فقال: خفت أن يعقابني الله فيمسخني قرداً مثلك.
ولما حبس الأمين أبا نواس دخل عليه خال الفضل بن الربيع، وكان يتعهد المحبوسين، ويسأل عنهم وكانت فيه غفلة، فأتى أبا نواس وقال: ما جرمك حتى حبست في حبس الزنادقة؟ أزنديق أنت؟ قال: معاذ الله. قال: أتعبد الكبش؟ قال: ولكني آكله بصوفه. قال: أتعبد الشمس؟ قال: والله ما أجلس فيها من بغضها، فكيف أعبدها! قال: أفتعبد الديك؟ قال: لا والله، بل آكله، ولقد ذبحت ألف ديك، لأن ديكاً نفرني مرة، فحلفت ألا أجد ديكاً إلا ذبحته. قال: فلأي شيء حبست؟ قال: لأني أشرب شراب أهل الجنة، وأنام خلف الناس. قال: وأنا أيضاً أفعل ذلك، ثم خرج إلى الفضل فقال: ما تحسون جوار الله تحبسون من لا ذنب له، سألت رجلاً في الحبس عن خبره، فقال كذا وكذا، وعرفه بكل ما جرى بينه وبين أبي نواس، فضحك ودخل على الأمين فأخبره الخبر، فأمر بتخليته للحال.
الأمين يحبس أبا نواس
وكان أبو نواس حبس في أيام الأمين مرتين؛ إحداهما أنه بلغ الأمين قوله:
ومستعبد إخوانه بثرائه ... لبست له كبراً أبرّ على الكبر
إذا ضمّني يوماً وإياه مجلسٌ ... رأى جانبي وعراً يزيد على الوعر
أُخالفه في شكله وأجرّه ... على المنطق المنزور والنّظر الشّزر
فوالله لا ألوي لساني بحاجةٍ ... إلى أحدٍ حتى أُوسّد في قبري
وقد زادني تيهاً على الناس أنني ... أراني أغناهم وإن كنت ذا فقر
فلو لم أنل فخراً لكانت صيانتي ... فمي عن جميع الناس حسبي من فخر
فلا يطمعنّ في ذاك منّي طامعٌ ... ولا صاحب التاج المحجّب في القصر
فقال: وبلغ بك الأمر إلى أن تعرض بي في شعرك يابن اللخناء! فقال سليمان بن أبي جعفر: هو والله يا أمير المؤمنين زنديق، وقد شهد عندي جماعة أنه شرب ماء مطر مع خمر، فقيل له: لم فعلت ذلك؟ قال: لأشرب الملائكة فإنه كان مع كل قطرة ملك، فأمر بحبسه فقال:
يا ربّ إنّ القوم قد ظلموني ... وبلا اقتراف خطيئةٍ حبسوني
وإلى الجحود بما عليه طوّيتي ... بالزور والبهتان قد نسبوني
أما الأمين فلست أرجو دفعه ... عنّي فمن لي اليوم بالمأمون
стр. 63
فقال المأمون لما بلغه ذلك: والله لئن أدركته لأحسنن إليه، فمات قبل دخول المأمون بغداد.
ولما دخل بها سنة أربع ومائتين وأتاه الشعراء يمدحونه قال: ما فعل أبو علي الحسن بن هانىء؟ قالوا: توفي، فلم يسمع منهم شعراً وتوجع وقال: لقد ذهب ظرف الزمان بموته، وانحطت رتبة الشعر بذهابه.
وكان أبو نواس في آخر أيام الأمين مستخفياً فلم يظهر حتى قتل؛ لأنه كان أملح الناس وجهاً، وكان أبو نواس إذا نظر إليه بقي باهتاً فقال فيه:
عذّب قلبي ولا أقول بمن ... أخاف من لا يخاف من أحد
إذا تفكّرت في هواي له ... مسست رأسي هل طار عن جسدي
إني على ما ذكرت من فرقي ... لآمل أن أناله بيدي
وقال:
يا قاتل الرجل البريّ ... وسالباً عزّ المليك
كيف السبيل للثم سا ... لفتيك أو تقبيل فيك
الله يعلم أنني ... أهوى هواك وأشتهيك
وأصدّ عنك حذار أن ... تقع الظنون عليّ فيك
فظهر الشعر، فلم يزل أبو نواس مستخفياً.
وحبسه الأمين قبل ذلك: وذلك لأن المأمون لما خلعه بخراسان ووجه طاهر بن الحسين إليه ليحاربه، كان يعمل بعيوب الأمين كتباً لتقرأ على المنابر بخراسان، وكان مما عابه به أنه قال: احتبس شاعراً ماجناً كافراً يقال له الحسن بن هانىء، واستخلصه معه لشرب الخمر وارتكاب المآثم وانتهاك المحارم، وهو القائل:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر
وبح باسم من أهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذّات من دونها ستر
قال أبو علي محمد بن المظفر الحاتمي: هذا معنى ظريف، يقول: إن الملاذ بالحواس الخمس وهي: النظر والسماع والشم والذوق واللمس؛ فقد استمتعت حاسة البصر بالنظر إليها، وحاسة الشم بتضوعها وطيب نكهتها، وحاسة الذوق بطعمها، وحاسة اللمس بلين اللمس، وبقي حاسة السمع معطلة. فقال: وقل لي هي الخمر؛ لتلتذ حاسة السماع فيكمل الاستمتاع.
ثم يذكر الأمين في خطبة العراق، فيقول: أهل فسق وخمور وفجور وماخور، ويقوم رجل بين يديه فينشد أعابيس أبي نواس كقوله:
يا أحمد المرتجى في كل نائبةٍ ... قم سيدي نعص جبّار السموات
فقام والليل يجلوه النهار كما ... يجلي التبسّم عن غرّ الثنيّات
ومن هنا أخذ ابن الرومي، فجاء بأبدع عبارة، وأنصع استعارة، وأصح تشبيه، وأملح تنبيه. فقال يصف سوداء:
يفترّ ذاك السواد عن يققٍ ... من ثغرها كاللآلىء اليقق
كأنّها والمزاح يضحكها ... ليلٌ تعرّى دجاه عن فلق
فاتصل بالأمين خبر المأمون، فأغراه الفضل بن الربيع بأبي نواس فحبسه، فكتب أبو نواس إلى الفضل من الحبس:
أنت يابن الربيع علّمتني الخي ... ر وعوّدتنيه والخير عاده
فارعوى باطلي وعاودني حل ... مي وأحدثت رغبةً وزهاده
لو تراني شبهتني الحسن البص ... ريّ في حال نسكه أو قتاده
المسابيح في ذراعي والمص ... حف في لبّي مكان القلاده
فإذا شئت أن ترى طرفةً تع ... جب منها مليحةً مستفاده
فادع بي لا عدمت تقويم مثلي ... فتأمّل بعينك السّجّاده
ترى أثراً من الصلاة بوجهي ... توقن النفس أنّها من عباده
لو رآها بعض الرائين يوماً ... لاشتراها يعدّها للشهاده
ولقد طالما شقيت ولكن ... أدركتني على يديك السعاده
فلما بلغ الشعر الفضل ضحك، وقال: من علم أن السجادة تصلح للشهادة بعد؛ وكلم فيه الأمين فتركه بعد أن أخذ عليه ألا يشرب الخمر فقال:
ما من يدٍ في الناس واجدةٍ ... كيدي أبي العباس مولاها
نام الثقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها
قد كنت خفتك ثم أمّنني ... من أن أخافك خوفك الله
فعفوت عنّي عفو مقتدرٍ ... وجبت له نقمٌ فألفاها
ومن قوله في ترك الشرب:
أيّها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المدام إلاّ شميما
стр. 64
نالني بالملام فيها إمامٌ ... ما أرى لي خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإنّي ... لست إلاّ على الحديث نديما
فكأني وما أزيّن منها ... قعديٌّ يزيّن التّحكيما
كلّ عن حمله السّلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق ألاّ يقيما
والقعد: فرقة من الخوارج يأمرون الناس بالخروج وهم لا يخرجون. وزعم المبرد أنه لم يسبق إلى هذا المعنى. وقال في ذلك أيضاً:
غنّنا بالطّلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك الثناء الثمينا
من سلافٍ كأنها كلّ شيءٍ ... يتمنّى مخيّر أن تكونا
أكل الدهر ما تجسّم منها ... وتبقّى لبابها المكنونا
فإذا ما اجتليتها فهباءٌ ... يمنع الكفّ ما تبيح العيونا
ثم شجّت فاستضحكت عن لآلٍ ... لو تجمّعن في يدٍ لاقتنينا
في كئوسٍ كأنهنّ نجومٌ ... دائراتٌ بروجها أيدينا
طالعاتٌ مع السقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا
لو ترى الشّرب حولها من بعيد ... قلت قومٌ من قرّةٍ يصطلونا
وغزال يديرها ببنانٍ ... ناعماتٍ يزيدها المزج لينا
كلما شئت علّني برضابٍ ... يترك القلب للسرور قرينا
ذاك عيشٌ لو دام لي غير أني ... عفته مكرهاً وخفت الأمينا
وقال أيضاً:
أعاذل أعتبت الإمام وأعتبا ... وأعربت عمّا في الضمير وأعربا
وقلت لساقيها أجزها فلم يكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا
فجوّزها عني سلافاً ترى لها ... إلى الأفق الأعلى شعاعاً مطنّبا
إذا عبّ منها شارب القوم خلته ... يقبّل في داجٍ من الليل كوكبا
ترى حيثما كانت من البيت مشرقاً ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا
يدور بها رطب البنان ترى له ... على مستدار الخدّ صدغاً معقربا
سقاهم ومنّاني بعينيه منيةً ... فكانت إلى قلبي ألذّ وأطيبا
بين أبي نواس والحسين بن الضحاك
قال الحسين بن الضحاك: أنشدت أبا نواس قولي:
وشاطريّ اللسان مختلف السّ ... سكرة شاب المجون بالنسك
فلما بلغت فيه:
كأنّما نصب كأسه قمرٌ ... يكرع في بعض أنجم الفلك
نعر نعرة منكرة. فقلت: ما لك فقد رعتني! فقال: هذا المعنى أنا أحق به، ولكن سترى لمن يروى ثم أنشدني بعد أيام:
إذا عبّ منها شارب القوم خلته ... يقبّل في داجٍ من الليل كوكبا
فقلت: هذه مطالبة يا أبا علي. فقال: أتظن أنه يروى لك معنى مليح وأنا في الحياة! وقال فيه ابن الرومي فجاء بأحسن منهما:
ومهفهف كملت ملاحته ... حتى تجاوز منية النفس
تصبو الكئوس إلى مراشفه ... وتضجّ في يده من الحبس
أبصرته والكأس بين فمٍ ... منه وبين أناملٍ خمس
وكأنها وكأنّ شاربها ... قمرٌ يقبّل عارض الشمس
من غزل بشار
وإنما اتبع أبو نواس في هذه الأشعار التي وصف فيها ترك الشرب وطاعته لأمر الأمين مذهب أبي معاذ بشار بن برد وذلك أنه لما قال:
لا يؤيسنّك من مخبّأةٍ ... قولٌ تغلّظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرةٍ ... والصعب يركب بعدما جمحا
فبلغ ذلك المهدي فغاظه، وقال: يحرض الناس على الفجور، ويسهل لهم السبيل إليه. فقال له خالد بن يزيد بن منصور الحميري: يا أمير المؤمنين، ق افتتن النساء بشعره، وأي امرأة لا تصبو إلى مثل قوله:
عجبت فطمة من نعتي لها ... هل يجيد النعت مكفوف البصر
بنت عشرٍ وثلاثٍ قسّمت ... بين غصن وكثيب وقمر
درّة بحريّة مكنونةٌ ... مازها التّاجر من بين الدّرر
أذرت الدّمع وقالت ويلتي ... من ولوع الكفّ ركّاب الخطر
стр. 65
أُمتي بدّد هذا لعبي ... ووشاحي حلّه حتى انتثر
فدعيني معه يا أُمّتي ... علّنا في خلوةٍ نقضي الوطر
أقبلت في خلوةٍ تضربها ... واعتراها كجنون مستعر
بأبي والله ما أحسنه ... دمع عيني غسّل الكحل قطر
أيها النّوام هبّوا ويحكم ... وسلوني اليوم ما طعم السهر
فأمره المهدي ألا يتغزل؛ فقال أشعاراً في ذلك منها:
يا منظراً حسناً رأيته ... من وجه جاريةٍ فديته
والله ربّ محمدٍ ... ما أن غدرت ولا نويته
أعرضت عنك وربّما ... عرض البلاء وما اتّقيته
إنّ الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئاً أبيته
ويشوقني بيت الحبي ... ب إذا غدوت وأين بيته
ومخضّبٍ رخص البنا ... ن بكى عليّ وما بكيته
قام الخليفة دونه ... فصبرت عنه وما قليته
ونهاني الملك الهما ... م عن النساء فما عصيته
بل وقد وفيت فلم أضع ... عهداً ولا وأياً وأيته
وأنا المطلّ على العدا ... وإذا غلا الحمد اشتريته
وقال:
والله لولا رضا الخليفة ما ... أعطيت ضيماً عليّ في شجني
قد عشت بين النّدمان والرّا ... ح والمزهر في ظلّ مجلسٍ حسن
ثم نهاني المهديّ فانصرفت ... نفسي صنيع الموفّق اللّقن
وقال:
أفنيت عمري وتقضّى الشباب ... بين الحميّا والجواري الأواب
فالآن شفّعت إمام الهدى ... وربما طبت لحبّ وطاب
لهوتن حتى راعني داعياً ... صوت أمير المؤمنين المجاب
لبيك لبيك! هجرت الصّبا ... ونام عذّالي ومات العتاب
أبصرت رشدي وتركت المنى ... وربما ذلّت لهنّ الرقاب
وفي هذه الكلمة يقول:
يا حامد الفعل ولم يبله ... سبقت بالسّيل سيل السحاب
الفعل أولى بثناء الفتى ... ما جاءه من خطأٍ أو صواب
دع قول واءٍ وانتظر فعله ... ينبي عن اللّقحة ما في الحلاب
إذا غدا المهديّ في جنده ... وراح في آل الرسول الغضاب
بدا لك المعروف في وجهه ... كالظّلم يجري في الثنايا العذاب
ومن شعره المطرب في الغزل قوله:
أيّها السّاقيان صبّا شرابي ... واسقياني من ريق بيضاء رود
إن دائي الصّدى وإنّ شفائي ... شربةٌ من رضاب ثغرٍ برود
عندها الصبر عن لقائي وعندي ... زفراتٌ يأكلن قلب الجليد
ولها مبسمٌ كثغر الأقاحي ... وحديثٌ كالوشي وشي البرود
نزلت في السواد من حبّة القل ... ب ونالت زيادة المستزيد
ثم قالت: نلقاك بعد ليالٍ ... والليالي يبلين كلّ جديد
لا أبالي من ضنّ عنّي بوصلٍ ... إن قضى الله منك لي يوم جود
وقوله:
لو عاينوها لم يلوموا على البكا ... كريماً سقاه الخمر بدرٌ محلّق
فكيف تناسى من يكون حديثه ... بأذني وإني غيبت قرطٌ معلّق
وقوله:
كأنّها حين لاحت في مجاسدها ... فارتجّ أسفلها واهتزّ أعلاها
حوراء جاءت من الفردوس تفتنه ... كالشمس طلعتها والمسك ريّاها
من اللواتي غدت فرداً وشقّ لها ... من ثوبه الحسن سربالاً فردّاها
راحت ولم تعطه برءاً لقرحته ... منها ولو سألته النفس أعطاها
تغمّه نفسه من طول صبوتها ... حتى لو اجتمعت في الكفّ ألقاها
ما شاهد القوم إلا ظلّ يذكرها ... ولا خلا ساعةً إلاّ تمنّاها
وقول بشار: عجبت فطمة من نعتي لها قد احتذاه محمد بن مناذر:
قد جدّ بي في اللعب ... ذو راحة من تعب
جسم من الفضة قد ... أُشرب ماء الذهب
стр. 66
جارية صغيرة ... مشغولة باللعب
صاحت وقد روّعتها ... بقبلة واحربي
أنت وربّي يا فتى ... تريد أن تصنع بي
إيّاك أن يدعو علي ... ك اليوم أمّي وأبي
فلم أزل أختلها ... حتى علوت مركبي
وهي كغصن مالت الرّ ... يح به مضطرب
تجود عيناها بجا ... ري دمعها المنسكب
من مليح ما قيل في الصغار
ومن مليح ما قيل في الصغار قول أبي نواس الحسن بن هانىء:
حين أوفى على ثلاث وعشر ... لم يطل عهد أذنه بالشنوف
وبه غنّة الصبا تعتليها ... بحّة الاحتلام للتشريف
حين رام أنسنا منه بعين ... وثنى أختها من التخويف
وقال عبد الله بن الحسين الكاتب:
جاريةٌ أذهلها اللعب ... عمّا يقول الهائم الصبّ
شكوت ما ألقاه من حبّها ... فأقلت تسأل ما الحبّ
وقال ابن المعتز:
الآن زاد على عشر بواحدة ... وزاد أخرى وشاب الحبّ بالخدع
وجاوب اللحظ منه لحظ عاشقه ... وجرّر الوعد بين اليأس والطمع
وكان غرّاً بقتلي ليس يحسنه ... والآن بدّع في قتلي على البدع
وقال غيره:
إني بليت بطفلة ... هيفاء جائلة الوشاح
ومليحة يا ويلتي ... ماذا لقيت من الملاح
ما جاز عشراً سنّها ... بيضاء كالقمر اللّياح
وقال أعرابي في جارية صغيرة وعده أبوها أن يزوجها منه:
أعلقني بعشقها أبوها ... مليحة العينين عذبٌ فوها
قليلة الأيام إن عدّوها ... لا تحسن السبّ إذا سبّوها
وقال قيس بن الملوح:
وعلّقت ليلى وهي غرٌّ صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا ... إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم
من نوادر مزيد المديني
مزيد المديني، قالت له امرأته يوماً ليس شيء أربح من عمل النبيذ، فعملته، فأتاها برجل معه درهم واحد. فقالت له: لا أبيعه إلا جملة، فأتى صاحب الشرطة فقال له: إن امرأتي عندها نبيذ؛ فوجه الحرس، وقال: كونوا معه، فإن كان في بيته نبيذ فاطرحوه وامرأته في الحبس، وإن لم يكن فيه شيء فردوه إلي.
فجاءوا فدخلوا منزله فوجدوا النبيذ. فقال لامرأته: قد جئتك بمن يأخذه جملةً، فكسروا جرار النبيذ وجلدوهما جميعاً، ومضوا بهما إلى الحبس، فلما حصلا فيه قال لامرأته: وأزيدك فائدة نحن فيه لم تخطر ببالك. قالت: وما هي يا مشؤوم؟ قال: استرحنا من كرى البيت.
وزفت إليه امرأة فأتته الماشطة وهي تجلي، فقالت: انحلها شيئاً. قال: قد نحلتها تطليقة.
ودفع قميصه إلى الغسال، فرده إليه وقد نقص شبراً. فقال: ليس هذا قميصي؛ قميصي أتم من هذا شبراً. قال: جعلت فداك! إنما تقلص في الغلس لأنه قطن. فقال له مزيد: اقعد حاسبني، في كم غسلة يرجع جرمازاً.
ودخل على بعض الموالي وكان المولى ذا مال كثير وهو على سرير ممتد، وبين يديه ولد من ولد أبي بكر الصدق وآخر من ولد عمر بن الخطاب وهما على الأرض. فتجهمه وقال: قبحك الله يا مزيد، فما أكثر إلحافك، وأشد إجحافك! كل يوم تأتيني سائلاً! قال: لم آتك في مسألة، وإنما أتيتك أسألك عن معنى قول الحارث بن خالد المخزومي:
إنّي وما نحروا غداة منىً ... عند الجمار تؤودها العقل
لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلاً وأصبح سفلها يعلو
فلما رأيتك فوق ورأيت هذين تحتك عرفت معنى البيتين.
فقال: اعزب عليك لعنة الله، وارتج المجلس ضحكاً.
شعر ابن أبي ربيعة والحارث المخزومي
стр. 67
وذكر بحضرة ابن أبي عتيق شعر عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزومي؛ فقال رجل من ولد خالد بن العاص: صاحبنا أشعر يعني الحارث فقال ابن أبي عتيق: بعض قولك يابن أخي! فلشعر ابن أبي ربيعة لوطةٌ بالقلب، وعلق بالنفس، ودرك للحاجة، ليس لشعر الحارث، وما عصير الله قط بشعر أكثر مما عصي بشعر ابن أبي ربيعة، فخذ عني ما أصف لك: أشعر قريش من رق معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، وتعطفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن صاحبه. فقال الذي من ولد خالد بن العاص: صاحبنا يقول:
إنّي وما نحروا غداة منىً ... عند الجمار تؤودها العقل
لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلاً وأصبح سفلها يعلو
فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيردّه الإقواء والمحل
لعرفت مغناها بما احتملت ... منّي الضلوع لأهلها قبل
فقال ابن أبي عتيق: يابن أخي، استر على صاحبك، ولا تشاهد المحاضر بمثل هذا؛ أما تطير عليها الحارث، حين قلب ربعها، فجعل عاليه سافله؛ ما بقي عليه إلا أن يسأل الله حجارةً من سجيل وعذاباً أليماً. ابن أبي ربيعة كان أحسن للربع مخاطبةً وأجمل مصاحبة حيث يقول:
سائلاً الربع بالبليّ وقولاً ... هجت شوقاً لنا الغداة طويلا
أين أهلٌ حلّوك إذ أنت مسرو ... رٌ بهم آهلٌ أراك جميلا
قال ساروا وأمعنوا واستقلّوا ... وبكرهي لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمت مقاماً ... واستحبّوا دماثةً وسهولا
وإنما أخذ الحارث قوله: لعرفت مغناها بما احتملت ... البيت من قول امرىء القيس.
قال علي بن الصباح وراق أبي محلم: قال لي أبو محلم: أتعرف لامرىء القيس أبياتاً سينية قالها عند موته في قروحه والحلة المسمومة، غير القصيدة التي أولها:
ألمّا على الربع القديم بعسعسا ... كأني أنادي أو أكلّم أخرسا
فقلت: لا أعرف غيرها. فقال: أنشدني جماعة من الرواة، وأنشد أبياتاً أولها:
لمن طلل درست آيه ... وغيّره سالف الأحرس
تنكّره العين من حادثٍ ... ويعرفه شغف الأنفس
حديث الأطلال والدمن
وأخذه طريح بن إسماعيل الثقفي فقال وأحسن:
تستخبر الدّمن القفار ولم تكن ... لتردّ أخباراً على مستخبر
فأخذه أبو نواس، إلا أنه قلبه فجعل الإنكار للقلب فقال:
ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم ... تعرّفه عيني ويلفظه وهمي
أتت صور الأشياء بيني وبينه ... فظنّي كلا ظنّ وعلمي كلا علم
قال ولو قال: تنكره عينين ويعرفه وهمي، لكان كالأول وكان أجود فلعل أبا نواس قصد الخلاف وأعجبه قوله: ويلفظه وهمي؛ لأنها لفظة جرت ملحيةً.
وقد ملح الحسن بن وهب في هذا المعنى إلا أنه ألم به وأجمله ولم يذكر القلب فقال:
أبليت جسمي من بعد جدّته ... فما تكاد العيون تبصره
كأنّه رسم منزلٍ خلقٍ ... تعرفه العين ثم تنكره
وزعم يحيى بن منصور الذهلي أنه يعرف معهد أحبابه بقلبه ويكتمه عينه فقال:
أما يستفيق القلب إلاّ انبرى له ... تذكّر طيفٍ من سعاد ومربع
أُخادع عن عرفانه العين إنه ... متى تعرف الأطلال عيني تدمع
وقال غيره:
هي الدار التي تعر ... ف أم لا تعرف الدارا
ترى منها لأحباب ... ك أعلاماً وآثارا
فيبدي القلب عرفاناً ... وتبدي العين إنكارا
من التقعير
وحصلت لأبي علقمة النحوي علة، فدخل عليه أعين الطبيب يعوده. فقال: ما تجد؟ قال: أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطسئت طسأة، فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى دأية العنق، فما زال يزيد وينمى حتى خالط الخلب والشراسف، فما ترى؟ قال: خذ خربقاً وسلفقاً وشبرقاً فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه.
فقال: ما تقول؟ فقال: وصفت لي من الداء ما لا أعرف، فوصلت لك من الدواء ما لا تعرف. قال: ويحك فما أفهمتني. قال: لعن الله اقلنا إفهاماً لصاحبه.
من نوادر النحويين
стр. 68
وقال رجل اسمه عمر لعلي بن سليمان الأخفش: علمني مسألةً من النحو؟ قال: تعلم أن اسمك لا ينصرف. فأتاه يوماً وهو على شغل. فقال: من بالباب. قال: عمر. قال: عمر اليوم ينصرف. قال: أوليس قد زعمت أنه لا ينصرف؟ قال: ذاك إذا كان معرفة وهو الآن نكرة! وقال الصولي: سكر هارون النديم عند المعتضد سكراً شديداً، ونهض الجلساء كلهم سواه فقال له الخادم الموكل بالندماء: انصرف. فقال: أمير المؤمنين أمرني بالمبيت هاهنا. فقال: يا أمير المؤمنين؛ هارون ينصرف. قال: لا ينصرف.
فلما أصبح رآه المعتضد، فقال: من هذا؟ قيل: هارون بن علي. فقال للخادم الموكل بالندماء: متى تقدم للجلساء المبيت هنا؟ فقال: أنت أعزك الله قلت: هارون لا ينصرف، قال: إنا لله! إنما أردت النحو.
قال أبو العبر: قال لي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: الظبي معرفة أو نكرة؟ فقلت: إن كان مشوياً على المائدة فمعرفة، وإن كان في الصحراء فهو نكرة. فقال: ما في الدنيا أعرف منك بالنحو.
أبو الحسن علي بن سليمان كتب إلى بعض إخوانه يستعير دابة ودابة لا تجيء بوزن الشعر؛ لأنه جمع بين ساكنين:
أردت الركوب إلى حاجةٍ ... فجد لي بفاعلةٍ من دببت
فأجابه الفتى وكان ظريفاً:
زيد بها وجعٌ غامز ... فكن أنت لي فاعلاً من عذرت
ومن ملح النحويين:
أفي الحقّ أن يعطى ثلاثون شاعراً ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلي!!
كما سامحوا عمراً بواوٍ مزيدةٍ ... وضويق باسم الله في ألف الوصل
وقال أبو الفتح البستي:
حذفت وغيري مثبتٌ في مكانه ... كأنّي نون الجمع حين تضاف
المتوكل وعبادة المخنث
وكن المتوكل قد بسط من عبادة المخنث للدخول معه على كل حال، فدخل عليه وهو نائم مع سواد كان يحبها؛ فلما رآه أمرها أن تغطي وجهها. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ومن معك؟ قال: ويلك! وبلغ فضولك إلى هذا الموضع!، ومدت الجارية رجلها فبانت سوداء. فقال: يا أمير المؤمنين؛ تنام ورجلك في الخف. فقال المتوكل: قم عليك لعنة الله! وضحك وأمر له بصلة فأخذها وانصرف.
وكان عبادة يشرب بين يديه ويترك في القدح فضلة. فقال: يا عبادة؛ ما تدري ما يقول الناس؟ قال: وما هو؟ قال: يقولنه إن شارب النبيذ إذا شرب وعبس وجهه وفضلت في القدح فضلة فإن إبليس يضرب قفاه ويقول: اشرب فضلة ما استطبت.
فمضت الأيام واصطبح المتوكل وعبادة حاضر، وشرب قدحاً كان في يديه وفضلت فضلة. فقال: يا أمير المؤمنين، جاءك الرجل.
وتجارى الجواري بحضرة المتوكل فسبقتهن جارية ممشوقة. فقال المتوكل لعبادة: اجر معها حتى ننظر من يسبق صاحبه. فقال عبادة: إن سبقتها فما لي؟ قال: هي لك، وإن سبقتك صفعتك. فجرت معه الجارية فسبقته مرة بعد أخرى، فقال: يا أمير المؤمنين؛ كيف لا تسبقني وهي تجري بمدادين وأنا أركض بخرجين؛ فضحك المتوكل ووهبها له.
وغفل عنه المتوكل مرة فكتب له رقعة يسأذنه في الحج فضحك. وقال: عبادة يحج؟ علي به، فلما دخل عليه قال له: ما خبرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لقد تواضعت حتى ما آكل إلا الخشكار، ولا أشرب إلا نبيذ الدردي، ولا أسمع إلا غناء حواء، فأمر له بصلة.
جحظة يصف ضيق العيش
ألم جحظة البرمكي بهذا المعنى فقال:
إنّي رضيت من الرحيق ... بشراب تمرٍ كالعقيق
ورضيت من أكل السمي ... ذ بأكل مسودّ الدقيق
ورضيت من سعة الصحو ... ن بمنزلٍ ضنكٍ وضيق
وجعلت تغريد الحما ... مة منزلي عند الشروق
فغدوت كسرى صاحب ال ... إيوان والعيش الأنيق
وحجبت نفسي عن حجا ... ب الباخلين ذوي الطريق
القاطعين مخافة ال ... إنفاق أسباب الصّديق
جيران يتشممون الأماني
قال ابن أبي عتيق لامرأته: تمنيت أن يهدى إلينا مسلوخ، فنتخذ من الطعام لون كذا ولون كذا، فسمعته جارة له، فظنت أنه أمر بعمل ما سمعته، فانتظرت إلى وقت الطعام، ثم جاءت فقرعت الباب، وقالت: شممت رائحة قدوركم فجئت لتطعموني منها. فقال ابن أبي عتيق لامرأته: أنت طالق إن أقمنا في هذه الدار التي جيرانها يتشممون الأماني.
التمني والحلم أخوان
стр. 69
ولبس مزيد جبة فقيل له: أتتمنى أن تكون لك؟ قال: نعم! وأضرب عشرين سوطاً. قيل: ولم؟ ويحك؟ قال: لا يكون شيء إلا بشيء.
قال الأصمعي: طلب الحجاج رجلاً فهرب منه، فمر بساباط فيه كلب نائم في ظله. فقال: يا ليتني مثل هذا الكلب، فما أتت ساعة حتى مر به الكلب وفي عنقه حبل، فسأل عنه فقالوا: جاء كتاب الحجاج وبه يأمر بقتل الكلاب.
وفي كتاب للهند أن ناسكاً كان له سمن وعسل في جرة؛ ففكر يوماً فقال: أبيع هذه الجرة بعشرة دارهم فأشتري خمس أعنز، فأولدهن في كل سنة مرتين، فيبلغ النتاج في سنتين مائتين، وأبتاع بكل أربع بقرة، وأزرع وينمى المال في يدي، فأتخذ المساكن والعبيد، ويولد لي ولد، فأسميه كذا وآخذه بالأدب، فإن هو عصاني ضربت بعصاي رأسه، وكانت في يده عصا فرفعها كالضارب، فأصابت الجرة، فانكسرت وتبدد السمن والعسل.
قال يزيد بن معاوية: ثلاث يخلقن العقل، وفيهن دليل على الضعف: سرعة الجواب، وطول التمني، والاستغراب في الضحك. وكان يقال: التمني والحلم أخوان. وقالوا في نقيض ذلك: الأمل رفيق مؤنس، إن لم يبلغك فقد ألهاك. وأنشدوا:
أتاني من ليلى جوابٌ كأنّما ... سقتني به ليلى على ظمأٍ بردا
منىً إن تكن حقّاً تكن أحسن المنى ... وإلاّ فقد عشنا بها زمناً رغدا
وقال أعرابي:
رفعت عن الدنيا المنى غير حبها ... فما أسأل الدنيا ولا أستزيدها
وتحت مجاري الصدر منّا مودّةٌ ... تطلّع سرّاً لا ينادى وليدها
وقيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال: ممازحة الحبيب، ومغالطة الرقيب، وأمان تقطع بها أيامك، وأنشد:
علّليني بموعد ... وامطلي ما حييت به
ودعيني أفوز من ... ك بنجوى تطلّبه
فعسى يعثر الزما ... ن بحظّي فينتبه
عزة توازن بين شعر الأحوص وكثير
ودخل كثير بن عبد الرحمن على عزة؛ فقالت: ما ينبغي أن نأذن لك في الجلوس. قال ولم ذلك؟ قالت: لأني رأيت الأحوص ألين جانباً عند القوافي منك في شعره، وأضرع خداً للنساء وأنه الذي يقول:
يأيها اللائمي فيها لأصرمها ... أكثرت لو كان يغني عنك إكثار
أقصر فلست مطاعاً إذ وشيت بها ... لا القلب سالٍ ولا في حبّها عار
ويعجبني قوله:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور
وما كنت زوّاراً ولكنّ ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
لقد منعت معروفا أمّ جعفر ... وإني إلى معروفها لفقير
ويعجبني قوله:
كم من دنيٍّ لها قد صرت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها كان لي تبعا
لا أستطيع نزوعاً عن محبّتها ... أويصنع الحبّ بي فوق الذي صنعا
أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني ... حتى إذا قلت هذا صادقٌ نزعا
وزادني رغبة في الحب أن منعت ... أشهى إلى المرء من دنياه ما منعا
وقوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
وما العيش إلاّ ما تلذّ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا
وإني لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهي الصادي الشراب المبرّدا
علاقة حبٍّ لجّ في سنن الصّبا ... فأبلى وما يزداد إلا تجدّدا
هذان البيتان ألحقهما الضبي وغيره بهذا الموضع من شعر الأحوص، وأنشدهما أبو بكر بن دريد لأعرابي.
فقال لها كثير: والله لقد أجاد فما استجفيت من قولي؟ قالت: فذلك قولك:
وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسي ... وأظهرن مني هيبة لا تجهّما
يحاذرن مني غيرةً قد عرفنها ... قديماً فما يضحكن إلاّ تبسّما
تراهنّ إلاّ أن يؤدين نظرةً ... بمؤخر عينٍ أو يقلّبن معصما
كواظم ما ينطقن إلا محورة ... رجيعة قول بعد أن تتفهما
وكنّ إذا ما قلن شيئاً يسرّه ... أسرّ الرضا في نفسه وتجرّما
وقولك:
وددت وبيت الله أنك بكرة ... هجان وأني مصعب ثم نهرب
стр. 70
كلانا به عرٌّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدي وأجرب
نكون لذي مالٍ كثير مغفّل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردا منهلاً صاحب أهله ... علينا فما ننفكّ نجفى ونضرب
ويحك؟! لقد أردت بي الشنعاء، ما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟ فخرج من عندها خجلاً.
وكثير إن قبح في هذا فقد ملح في قوله:
فليت قلوصي عند عزّة قيّدت ... بقيد ضعيفٍ غرّ منها فضلّت
وغودر في الحيّ المقيمين رحلها ... وكان لها باغٍ سواي وندّت
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... وأخرى رمى فيها الزمان فشلّت
وكنت كذات الظّلع لمّا تحاملت ... على ظلعها بعد العثار استقلّت
أريد ثواءً عندها وأظنّها ... إذا ما أطلنا عنده المكث ملّت
وكان كثير على حدة خارطه وجودة شعره أحمق الناس. ودخل عليه نفر من قريش يعودونه وهو عليل ويهزأون به؛ قال بعضهم فقلت له: كيف نجدك؟ قال: بخير. ثم قال: هل سمعتم الناس يقولون شيئاً؟ قلت: نعم سمعتهم يقولون: إنك الدجال. قال: أما لئن قالوا ذلك إني لأجد في عيني اليمنى ضعفاً مذ أيام.
من نوادر الحمقى والممرورين
قال الجاحظ: حدثني ثمامة بن أشرس قال: كان ممرور يأتي ساقية لنا سحراً فلا يزال يمشي مع دابتها ذاهباً وراجعاً في شدة الحر والبرد، فإذا أمسى توضأ وصلى وقال: اللهم اجعل لنا من هذا الهم فرجاً ومخرجاً، ثم انصرف إلى بيته؛ فكان كذلك إلى أن مات.
قال وحدثني ثمامة قال: مررت في غب مطر، والأرض ندية، والسماء مغيمة، والريح شمالية، وإذا شيخ أصفر كأنه جرادة، وقد جلس على قارعة الطريق وحجام زنجي يحجمه، وقد وضع على كاهله وأخدعيه محجمة كأنها قعب وقد مص دمه حتى كاد يستفرغه. قال: فوقفت عليه وقلت: يا شيخ، لم تحتجم في مثل هذا اليوم؟ فقال: لمكان الصفار الذي فيّ.
من علامات الحمق
قال الجاحظ: ما رأيت رجلاً عظيم اللحية إلا وجدته كوسج العقل.
وقالت أعرابية لقاض قضى عليها: عظم رأسك، فبعد فهمك؛ وانسدلت لحيتك، فانشمر عقلك، وما رأيت ميتاً يقضي بين حيين قبلك.
وعاب كوسج ألحى، فقرأ: " البلد الطيب بخرج نباته بإذن ربه والذي خَبثُ لا يخرج إلا نكداً " فقرأ الكوسج: " قل لا يستَوِي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ".
قال هشام بن عبد الملك يوماً في مجلسه: يعرف حمق الرجل بخصال أربع: بطول لحيته وشناعة كنيته، ونقش خاتمه، وإفراط شهوته. ثم رمى بصره إلى رجل طويل اللحية في أقصى المجلس فدعا به. فقال: هذه واحدة، ثم سأله عن كنيته فقال: كنيتي أبو الياقوت الأحمر. فقال: وما نقش خاتمك؟ قال: " وتفقّد الطير "، فقال: " ماليَ لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ".
وخرج مهزم بن الفرج القبعسي فقال: أيها الأمير، إني قد قلت بيتاً، وأنشد:
كفى حزناً أن الفراء كثيرة ... وأني بمرو الشاهجان بلا فرو
فقال طاهر: هذه والله قافية شرود، أجيزوا؛ فأرتج عليهم. فقال مهزم: أنا أولى بإجابة نفسي. وقال:
صدقت لعمري إنها لكثيرة ... ولكنها عند الكرام أولي الثرو
فضحك طاهر، وقال: أما لئن أغفلناك حتى حملناك على سوء القول لنفسك سنستدرك، وأمر له بعشر أثواب من وبر الخز والوشي؛ فباع منها تسعاً بتسعين ألف درهم وأمسك واحدة.
من الأجوبة المضحكة
قال الجاحظ: كان جعيفران الموسوس يماشي رجلاً من إخوانه على قارعة الطريق، فدفع الرجل جعيفران على كلب فقال: ما هذا؟ قال: أردت أن أقرنك به. قال: فمع من أنا منذ الغداة؟ شرب طوقان المغني عند الشريف الرضي فسرق رداؤه، فلما أصبح افتقده؛ فقال: قد سرق ردائي. فقال له الشريف: سبحان الله! من تتهم منا؟ أما علمت أن النبيذ بساط يطوى عليه. فقال: انشروا بساطكم حتى آخذ ردائي واطووه إلى يوم القيامة.
ودخل رجل أكول على قوم، فأكل أكلاً ذريعاً. فقال أحدهم: عجبت من أكله وسرطه. وقال الآخر: وشقه دجاجة ببطة، وقال آخر: وأكله دجاجة وبطة. وقال آخر: كأن جالينوس تحت إبطه.
فقالوا له: أما الذي قلناه فمفهوم، فما معنى قولك: كأن جالينوس تحت إبطه؟ قال: لكي يناوله الجوارشن لئلا يتخم.
стр. 71
قيل لمخنث: كم ورثت أختك من زوجها؟ قال: أربعة أشهر وعشراً يريد العدة.
قال بعض العلويين لأبي العيناء: يقتضي وقد أمرت بالصلاة علي أن تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. قال: نعم! فإذا قلت: الطيبين الأخيار خرجت أنت منهم.
أخذه يزيد بن محمد المهلبي فقال في صاحب الزنج بالبصرة:
أيها الخائن الذي دمّر البص ... رة أبشر من بعدها بدمار
إن تقل جدّي النبيّ فما أن ... ت من الطيبين والأخيار
قد نفى الله في الكتاب ابن نوح ... حين كان ابنه من الكفار
وإنما قال المهلبي هذا له قبل أن ينكشف أمره أن دعي.
صاحب الزنج
قال أبو بكر الصولي: وحدثني محمد بن أبي الأزهر وقد أذكرته خبر علي ابن محمد صاحب الزنج، فقال: ادعى أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي رضوان الله عليهم، فنظرت مولده ومولد محمد بن أحمد الذي ادعاه فكان بينهما ثلاث سنين، وكان لمحمد بن أحمد ولد اسمه علي مات بعد هذا المدعي اسمه ونسبه بزمان، ثم رجع عن هذا النسب فادعى أنه علي بن محمد بن عبد الرحمن بن رحيب بن يحيى المقتول بخراسان من زيد بن علي. قال أبو عبد الله محمد بن علي بن حمزة: لم يكن ليحيى ولد يقال له رحيب ولا غيره لأنه قتل ابن ثماني عشرة سنة ولا ولد له. وقال بشر بن محمد بن السري بن عبد الرحمن بن رحيب: هو ابن عم أبي لحاً وهو علي بن محمد بن عبد الرحمن بن رحيب، ورحيب رجل من العجم من ضياع الري. وكانت مدته من حين نجم إلى أن قتل أربع عشرة سنة، وجملة من قتل ألف ألف وخمسمائة ألف، وله شعر حسن مطبوع، وزعم أبو بكر بن دريد أنه عمل له أكثره وما أرى هذا يصح؛ لأنه لا يشاكل طريق ابن دريد: فمنه:
ما تغطّي عساكر الليل منّي ... ما تجلّي مضاحك الصبح عنّي
جسم سيف في جوف غمد ثيابٍ ... صدر إنسٍ من تحته قلب جني
ميت حسٍّ وحيّ نفسٍ كما الشم ... س يرى مشيها بعين التظنّي
شمّريّ إذا استقلّ بعزمٍ ... لم يعرّج بليتني ولو أنّي
ما ينال الكرى سويداه إلاّ ... حسوة الطائر الذي لا يثنّي
إن رماه خطب قرى الخطب رأيٌ ... فيه روع النّجا وحكم التأنّي
كم ظلام جعلته طيلساني ... صاحبي همّتي وقلبي مجنّي
كم حبال قطعت في وصل أخرى ... تاركاً ما أخاف من سوء ظنّي
مستخفّ بذا وذاك وهذا ... لم أُسمع ندامتي قرع سنّي
أنا روض الرّبيع في كل زهرٍ ... فيلسوف الزّمان في كل فنّ
وقال:
لقد علمت هاشمٌ أنّنا ... صباح الوجوه غداة الصّياح
وأنّا إذا زعزعت في الوغى ... ذيول الرّياح ذبول الرماح
نسوق السّيوف بدفع الحتوف ... وننكي الجراح بكفّ الجراح
ونسمو سماحاً أكفّ السّماح ... بقسم رماح وبيض صفاح
وقرم صبحناه في داره ... بكل أقبٍّ ونهدٍ وقاح
فغودر بعد عناق الملاح ... ضجيع النّجيع مرح الجراح
كليل الأنين مذال الجبين ... مهين السّلاح مهيض الجناح
صلى نور عيني بنور الأقاح ... وراح الأكفّ بماء وراح
فما طول عشقي مزاح الملاح ... بمشتغل عن صياح الصباح
وقال:
أسمعاني الصياح بالإمليس ... وصياح العيرانة العيطموس
واتركاني من قرع مزهر ريا ... واختلاف الكئوس بالخندريس
ليس تبنى العلا بذاك وهذا ... لكن الضرب عند أزم الضروس
عيّفت عن كل اللبانات نفسي ... وسمت نحو غير ذلك حدوسي
وخلا من هواجس النأي قلبي ... كخلوّ الطلول بعد الأنيس
واسبطّرت حمالق القوم للمو ... ت وصارت نفوسهم في الرّؤوس
رب سيد يحمي الخميس بعضبٍ ... ويجلي ظلام ليل الخميس
عمّمته يمنى يديّ بعضبٍ ... تركت جنبه كجنب العروس
стр. 72
تخبرنك الكماة عن غدواتي ... في غداة الوغى أبا قابوس
فسلوا عامراً وعارض لمّا ... أن لقوا بالفجور والتدليس
أتروني أقرّ بالنّوم غمضاً ... يا عبيد الصليب والناقوس
وقال:
وإنّا لتصبح أسيافنا ... إذا ما اصطبحنا بيوم سفوك
منا برهنّ بطون الأكف ... وأغمادهنّ رؤوس الملوك
وما لي في الخلق من مشبهٍ ... ولا في اكتساب العلا من شريك
وقال يخاطب بني العباس:
بني عمنا لا توقدوا نار فتنة ... بطيء على مرّ الليالي خمودها
بني عمّنا إنا وأنتم أناملٌ ... تضمّنها من راحتيها عقودها
بني عمّنا ولّيتم التّرك أمرنا ... بديئاً وأعقاباً ونحن شهودها
فأُقسم لا ذقت القراح وإن أذق ... فبلغه عيش أو يبار عميدها
وقال:
لهف نفسي على قصورٍ ببغدا ... د وما قد حوته من كلّ عاص
وخمور هناك تشرب جهراً ... ورجالٍ على المعاصي حراص
لست بابن الفواطم الزّهر إن لم ... أُقحم الخيل بين تلك العراص
وقتله الموفق بعد أن جرت له معه مواقعة عظيمة، وجرح الموفق جرحاً في صدره أشرف منه على الموت، ولذلك قال ابن المعتز:
شقّ الصفوف بسيفه ... وشفى حزازات الإحن
دامي الجراح كأنها ... وردٌ تفتّح في غصن
ومن ملح النوادر
قال الجاحظ: سمعت رجلاً يقول لآخر: ضربنا الساعة زنديقاً. قال: وأي شيء الزنديق؟ قال: الذي يقطع المزيقة. قلت: وكيف علمت أنه يقطع المزيقة؟ قال: رأيته يأكل التين بالخل.
وهذا كما قال النظام لرجل: أتعرف فلاناً المجوسي؟ قال: أعرفه، ذاك الذي يحلق وسط رأسه مثل اليهود. قال: لا مجوسياً عرفت ولا يهودياً وصفت.
باع مزيد المديني دابة، فلما كان من الغد أتاه النخاسون طمعاً، فلما نظر إليهم قد أقبلوا نحوه قام يصلي فأطال الصلاة، فقالوا له وهم لا يعفرونه: يا عبد الله؛ قد ذهب يومنا، فأطمعهم طول قيامه، وكان أحسن الناس سمتاً وأظهرهم هدياً، فانفتل من صلاته فقال: ما بالكم؟ فقد قطعتم علي صلاتي. فقالوا له: قد ظهر بالدابة عيب. قال: وما عيبه قالوا: يخلع الرسن. قال: لا أعرفه بهذه الصفة؛ فماذا تريدون؟ قالوا: خصلة من ثلاث؛ إما الحطيطة، وإما رد الثمن وأخذ الدابة، وإما اليمين بالله أنك ما تعرف هذا فيه.
فقال: أما الثمن فقد فرقناه، وأما الحطيطة فما تمكننا، وأما اليمين فإني ما حلفت قط على حق ولا على باطل، فاعفوني منها؛ فإنها أصعب الخطط عندي. قالوا: ما من ذلك بد؛ فانطلق بنا إلى الوالي. فقام معهم، فلما بصر به الوالي ضحك، وقال: ما جاء بك أبا إسحاق؟ فقص عليه القصة. فقال: قد أنصفك القوم. فقال: أعز الله الأمير، أحلف وأنا في هذه السن، وضرب يده على لحيته وبكى. وقال: ما حلفت على حق ولا على باطل والتوى. قال: لا بد، فالتوى ساعة؛ ثم قال: أصلح الله الأمير فإن حملت نفسي على اليمين وحلفت وأعنتوني بعد؟ قال: أوجعهم ضرباً، وأحبسهم. فلما سمع ذلك استقبل القبلة وقال: بلغت السماء، وكورت الشمس، ونثرت الكواكب، وشربت البحر، ولطعت ما في المصحف من الذكر الحكيم، وتوليت عاقر الناقة، وسرقت عصا موسى ﵇، ولقيت الله بذنب فرعون يوم قال: أنا ربكم الأعلى؛ وغير ذلك من محرج الأيمان، لقد كان عندي دواب كلها تخلع أرسانها، فكان هذا الحمار يقوم فيعديها عليها ويصلحها بفمه قليلاً قليلاً. فضحك الوالي حتى فحص برجليه، وبهت النخاسون، وعجبوا منه وانصرفوا عنه.
وقال بعض الشعراء:
سألوني اليمين فارتعت منها ... كي يغرّوا بذلك الارتياع
ثم أرسلتها كمنحدر السي ... ل تهادى من المحلّ اليفاع
قاض دفع مالاً لمن توجّه إليه باليمين
стр. 73
ومن ظريف ما في هذا الباب ما حكاه الصولي قال: كنت يوماً بين يدي أمير المؤمنين الراضي بالله إذ دخل عليه بعض الخدم برقعة دفعها صاحب الخبر الملازم لمجلس أبي عمر القاضي، يذكر أن رجلاً أحضر خصماً للقاضي، وادعى عليه مائة دينار؛ فألزم القاضي الغريم اليمين؛ إذ لم يجد الخصم بينة؛ فأخذ الدواة وكتب بيتين فدفعهما إلى القاضي، فأمر القاضي غلامه فأحضر مائة دينار ودفعها إلى الرجل، والبيتان هما:
وإني لذو حلفٍ كاذب ... إذا ما اضطررت وفي الأمر ضيق
وهل من جناحٍ على مسلمٍ ... يدافع بالله ما لا يطيق
فعجب الراضي من الرجل وديانته، لخلاصه من الحكم؛ وعجب من كرم القاضي وحسن ما فعله، ثم أمرني بالركوب إلى القاضي ومسألته في البحث عن صاحب البيتين وإحضاره إليه. فلم نزل أياماً حتى حصل لنا، فجئنا به إلى دار السلطان، فمر له بألف دينار وخمس خلع ومركوب حسن، وأمره بملازمة الدار؛ ثم قلده الأهواز وأعمالها.
من نوادر اللصوص
وخرج أبو سعيد الحربي مرة وهو شارب، فجلس يبول وعليه طيلسان خلق إبريسمي، فمر به بعض المكارين في الليل، وتناول طيلسانه، فصاح به أبو سعيد: فقال له الفتى: ما تريد؟ قال: أصرف الله عنك الأذى.
ودخل على أبي سعيد اللصوص فأخذوا كل ما في داره، فلما مضوا حمل أبو سعيد البارية ومضى في أثرهم فنظر إليه أحدهم فقال: أي شيء تصنع معنا؟ قال: نطلب بيتاً نتحول فيه بمرة، فضحك اللصوص وردوا عليه ما أخذوه منه.
من نوادر الأطباء
وكان ببغداد طبيب اسمه نعمان لا ينجح مريض على يديه، فقال فيه بعض الشعراء:
أقول لنعمانٍ وقد ساق طبّه ... نفوساً نفيسات إلى داخل الأرض
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقال كشاجم لعيسى بن نوح النصراني:
عيسى الطبيب ترفّق ... فأنت طوفان نوح
يأبى علاجك إلاّ ... فراق جسمٍ لروح
شتّان ما بين عيسى ... وبين عيسى المسيح
هذاك محيٍ لميتٍ ... وذا مميت صحيح
هذا منقول من قول رجل من بني تميم، لما دخل هلال بن أحوز البصرة بعد إيقاعه بني المهلب، وقد أطافت به بنو تميم، فقال شيخ من الأزد: رجالهم يطيفون به كما يطيفون بعيسى ابن مريم. فقال التميمي: هذا ضد عيسى ابن مريم؛ فإن ذاك يحيي الموتى وهذا يميت الأحياء.
من نوادر الفقهاء
قال رجل للشعبي: ما تقول في رجل أدخل أصبعه في أنفه فخرج عليه دم، أترى له أن يحجم؟ فقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة.
وقال له رجل: ما تقول في رجل شتمني في أول يوم من شهر رمضان، أتراه يؤجر؟ قال: إن قال لك يا أحمق رجوت له ذلك.
دخل زاهر بن العلاء على الحجاج فنسي التسليم، فقال: التحيات لله الطيبات الصلوات لله. ثم ذكر التسليم فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.
من طرف المعزين
ودخل بعض الهاشميين على الرشيد معزياً. فقال: يا أمير المؤمنين، أحسن الله عزاك، وربك عزاك، وأحاله علينا وعليك بخير، ورحم فلاناً ولا عرفه قليلاً ولا كثيراً، تأمر بشيء يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم! آمر أهلك أن يدفنوك؛ فإن موتك حياة وحياتك موت.
مات أخ لأبي علقمة النحوي، فأتى ابنه يعلم أبا علقمة بموت أخيه. فقال: ما كانت علته؟ فقال الغلام: تورمت رجلاه فانتهى الورم إلى ركبتاه. فقال أبو علقمة: لحنت؛ فقل: إلى ركبتيه. فقال الغلام: لقد شق عليك موت أبي حيث لم تدع بغضك ساعة!
من نوادر المحبين
ومرت بداود بن المعتمر امرأة جميلة، فقام يتبعها حتى أدركها. فقال: لولا ما رأيت عليك من سيماء الخير لم أتبعك، فضحكت حتى استندت إلى الحائط. فقالت: إنما يمنع مثلك من الطمع في مثلي ما يرى من سيماء الخير، فإذا كان هذا هو الذي يطمع في النساء فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 74
وتعشق أبو القماقم السقا قينة فبعث إليها: حضر عندي إخوان فابعثي إلي بجام لوزينج آكله على ذكرك. فبعثت إليه به. فلما كان من الغد بعث إليها: أرسل لي بطبق مازاورد آكله على ذكرك. فقالت: جعلت فداك، ذكروا أن منبع الحب من القلب، فإذا تناهى بلغ إلى الكبد، وأنا أرى حبك لا يتجاوز معدتك. فقال: إنما فعلت هذا لأقوى على محبتك، ألم تسمعي قول الشاعر:
إذا كان في قلبي طعامٌ ذكرتها ... وإن جعت لم تخطر ببالي ولا فكري
وإن كان هذا العام قد قلّ بقله ... فقبح من يهواك يا ربّة الخدر
ويزداد حبّي إن شبعت تجدّداً ... وإن جعت يوماً لم تكوني على ذكري
ومن مليح ما في هذا الباب أن أبا مسعود الأعمى كان جالساً في صحن داره، فأشرفت عليه جارية ظريفة، فعضت تفاحة ورمت بها في حجره. فتناولها وقال:
أيا تفاحة رمّت ... فؤادي للهوى رمّا
لقد أهداك إنسان ... وأهداك لأمرٍ ما
ليهدي لاعج الشوق ... إلى من عضّ أو شمّا
فلم تكن إلا ساعة حتى وافت جارية لها، معها جام لوزينج وهي تقول: مولاتي تقرئك السلام وتقول لك: قد سمعت شعرك، ورأيتك بدأت بالعض قبل الشم، فعلمت أنك جائع؛ فتبلغ بهذا الجام حتى يدرك طعامنا. قال: وكيف كنت أقول؟ قالت: كنت تقول:
أيا تفّاحة رضّت ... فؤادي للهوى رضّا
لقد أهداك إنسانٌ ... وأهداك لما يرضى
ليهدي لاعج الشوق ... إلى من شمّ أو عضّا
وكان أحمد بن أبي طاهر قبيح الوجه، وكان له جارية من أحسن النساء، فضحك إليها يوماً فعبست في وجهه، فقال لها: أضحك في وجهك فتعبسين في وجهي؟ فقالت: نظرت أنت إلى ما سرك فضحكت ونظرت إلى ما ساءني فعبست.
وليس هذا كقول حمرة امرأة عمران بن حطان وكان قبيحاً وكانت جميلة: إني لأرجو أن نكون جميعاً في الجنة. فقال: ولم؟ قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت، وأعطيت أنا مثلك فصبرت؛ فالصابر والشاكر في الجنة.
وخطبت بعده فلبس بعض ثيابه وخرجت تتمثل بقوله:
تلبس يوماً عرسه من ثيابه ... إذا قيل هذا يا حميرة خاطب
فانصرفوا عنها.
وكان أبو الحسن جحظة البرمكي أطيب الناس غناء، وأحسنهم مجالسة، وأمتهم مؤانسة، وكان قبيح المنظر جداً جاحظ العينين وفيه يقول ابن الرومي:
نبئت جحظ يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان
يا رحمتي لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذّة الآذان
وعد بكفن بعد أيام !
قال المدائني: جاء رجل إلى جار له من الأشراف فقال له: جارك فلان توفي ولا كفن له فتأمر له بكفن، فقال: والله الآن ما عندي شيء، ولكن تعاودنا بعد أيام. قال: فنملحه أصلحك الله إلى أن يتيسر الكفن!
دينار يلد
وجدت امرأة أشعب ديناراً فأتته به، فقال: ادفعيه إلي حتى يلد لك في كل أسبوع درهمين، فدفعته إليه، فصار يدفع إليها في كل أسبوع درهمين؛ فلما كان في الأسبوع الرابع طلبته منه، فقال لها: مات في النفاس، فقالت: ويلي عليك! كيف يموت الدينار؟ فقال لها: الويل لك على أهلك! كيف تصدقين بولادته وتنكرين موته في نفاسه.
سقط أحدب في بئر، فذهبت حدبته وصار آدر، فدخل إليه جيرانه يهنئونه، فقال: لا تفعلوا فالذي جاء شر من الأول.
قال ابن خالويه: استعرضت جارية فقلت لها: أبكر أنت أم أيش؟ قالت: أيش، فاشتريتها.
من نوادر المعزين أيضاً
قال أبو العالية: لما مات سعيد بن مسلم الباهلي قال لي الرشيد: علم فلاناً تعزية يعزي بها ولد سعيد لفتى من بني هاشم. فقلت للفتى: إذا صرت للقوم فقل: عظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، ورحم سعيداً. قال: هذا طويل. فقلت فقل: أعظم الله أجركم، وختم بالصبر على قلوبكم. قال: هذا أطول من ذاك. قال فقلت: أعظم الله أجركم وكررته عليه يومين، فلما كان اليوم الثالث ركب وركبنا معه، فلما قرب من باب القوم خرجوا إليه حفاةً إعظاماً له، فلما رآهم قال: ما فعل سعيد؟ قالوا: مات، قال: جيد وما أظن ذلك، فإيش عملتم به؟ قالوا: دفناه. قال: أحسنتم. ثم انصرف.
стр. 75
لما مات سليمان بن وهب لقي الناس عبيد الله بن سليمان يعزونه، فأتاه بعض أولاد الأشراف؛ فقال: مات سليمان؟ قال: نعم! وقال: ومات أبو علي قبله؟ قال: نعم! قال: ومات أبوهما؟ قال: نعم! قال: هذا كما قال الله تعالى: " وإنْ منكم إلا وارِدُها كان على ربك حَتْماً مقضيّاً "؛ " فأوردهم النار "، " وبئس القَرار ".
بنو وهب من الظرفاء والكتاب
وبنو وهب من ظرفاء الكتاب وأدبائهم، ولهم الرسائل الحسان، والشعر الجيد، وفيهم يقول أبو تمام:
كلّ شعب كنتم به آل وهبٍ ... فهو شعبي وشعب كلّ أديب
إنّ قلبي لكم كالكبد الحر ... رى وقلبي لغيركم كالقلوب
وكان الحسن بن وهب يهوى بنان جارية ابن حماد، وكان من ظريف أخباره معها: أن الواثق تقدم إلى إيتاخ باتخاذ حلتين من رفيع الوشي على صفة دفعها إليه وأمره بتعجيلهما؛ فتقدم إيتاخ في ذلك إلى سليمان بن وبه كاتبه، فجد في الحلتين حتى فرغ منهما الصانع وأحضرتا، فعرضتا على الواثق فاستحسنهما وأمر بقطعهما، فتشاغل عن قطعهما، وسأل أخاه الحسن بالنيابة عنه في ذلك، فقطع الحسن منهما قميصاً لبنان وانصرف إلى منزله فأحضرها وخلعه عليها وجلس يشرب معها. واتصل الخبر بسليمان، فقامت عليه القيامة وأمر بإحضار الوشائين وطلب شكلاً لهما فتعذر عليه، فابتاع حلةً تقاربهما بخمسة آلاف درهم وصدق إيتاخ عن خبره، فطلبهما الواثق فدافعه إيتاخ بهما، وتعلل عليه إلى أن فرغ الخياطون من الحلة التي ابتاعها سليمان بن وهب، وأحضرت للواثق، فلما لبسها أنكرها، ودعا إيتاخ فسأله عن السبب فصدقه، فضحك ضحكاً كثيراً، ودعا خادماً فأمره بإحضار الحس وبنان على الصورة التي يجدهما عليها، فأحضرهما في قبة، فلما رآهما الواثق قال للحسن: ويلك تأخذ ثوبي تقطعه لهذي بغير أمري؛ قال: أنت يا أمير المؤمنين تقدر على مثله، وأنا لا أقدر عليه، وأنا والله أحبها وأعجبني الثوب فتقربت منها به. فضحك ووصله وصرفهما.
وفيها يقول الحسن:
أقول وقد حاولت تقبيل كفّها ... وبي رعدةٌ أهتّزّ منها وأسكن
ليهنئك أني أشجع الناس كلّهم ... لدى الحرب إلاّ أنني عنك أجبن
وحضرت عنده يوماً وقرب منها ناراً فتأذت منها؛ فقال الحسن:
بأبي كرهت النار حتى أُبعدت ... فعلمت ما معناك في إبعادها
هي ضرّةٌ لك في التماع بهائها ... وهبوب نفحتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك في القلوب صنيعها ... بسيالها وأراكها وعرادها
شركتك في كل الأمور بفعلها ... وضيائها وصلاحها وفسادها
قال أبو فراس: قال لي عبيد الله بن سليمان بن وهب وهو وزير: أنشدني مما تحفظه من شعر عمي أبي علي فأنشدته:
بنفسي وأهلي ساحر الطرف فاتره ... محكّمة أجفانه ومحاجره
فقال عبيد الله: لقد كان ﵀ كثيراً ما يضع خده على خدي وأنا غلام وينشد هذا الشعر ويبكي. فقلت: يا سيدي، كان يتعشقها ليقول شعراً. ومن طبع كلامه قوله: شربت البارحة على وجه الجوزاء، فلما انتبه الفجر نمت، فما أفقت حتى لفحني قميص الشمس.
تضمين أبيات مالك بن الريب
وأنشدونا في تضمين أبيات مالك بن الريب المازني في قصيدته:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بذات الغضا أُزجي القلاص النواجيا
وسمعت من ينشدها لابن الرومي وأخلق بها أن تكون له:
تعرّض لي بعد القطيعة مالكي ... وأظهر فضلاً بعد ما كان جافيا
وقد كدّر الإنبات ماء شبابه ... فأصبح رنقاً بعد ما كان صافيا
فقلت له جرّعت بالشعر نسوة ... فقال أجل كلّ العيال رثى ليا
فمنهن أختي وابنتاها وخالتي ... وباكية أخرى تهيج البواكيا
فبينا يعاطيني الكلام بدا له ... حريفان عن بعدٍ فصاح مناديا
خذاني فجرّاني بدمعي إليكما ... فقد كنت قبل اليوم صعباً قياديا
معاوية بن مروان وحمار الرحى
следующие страницы →