Полный текст (139 стр.). Показаны 106–139 · переход к 111.
стр. 106
وقلت لامرأتي:
أطوّف ما أُطوّف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع
واطلعت في بئر فرأيت وجهي قبيحاً فقلت:
أبت شفتاي اليوم إلاّ تكلّما ... بسوءٍ فلا أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً قبّح الله خلقه ... فقبّح من وجهٍ وقبّح حامله
فتبسم عمر، وقال: فإن عفونا عنك، أتهجو بعدها أحداً؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، وعلي بذلك عهد الله! فقال: لكأني بفتىً من قريش قد نصب لك نمرقة، فاتكأت عليها، وأقبلت تنشده في أعراض المسلمين. قال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين.
قال بعض الرواة: فوالله لقد رأيته عند عبيد الله بن زياد على الحال التي ذكر عمر، فقلت له: لكأن أمير المؤمنين عمر كان حاضراً لك اليوم، فتأوه. وقال: رحم الله ذلك المرء، فما أصدق فراسته!
من مليح ما قيل في المرآة
ومن مليح ما قيل في مرآة، قول كشاجم يصف مرآة أهداها:
أخت شمس الضحى في الشكل والإش ... راق غير الإعشاء للأجفان
ذات طوق مشرّف من لجينٍ ... أجريت فيه صفرة العقيان
فهو كالهالة المحيطة بالبد ... ر لستّ مضين بعد ثمان
وعلى ظهرها فوارس تلهو ... ببزاةٍ تعدو على غزلان
لك فيها إذا تأمّلت فألٌ ... حسن مخبر بنيل الأماني
لم يكن قبلها في الماء جرم ... حاصرٌ نفسة بغير أوان
هي شمسٌ فإن مثالك يوماً ... لاح فيها فأنتما شمسان
فالقها منك بالّذي ما رآه ... خائفٌ فانثنى بغير أمان
وقال ابن المعتز:
مبيّنتي لي كلّما رمت نظرةً ... وناصحتي مع فقد كلّ صديق
يقابلني منها الذي لا عدمته ... بلجّة ماءٍ وهو غير غريق
أشار في البيت الأول إلى قول ذي الرمة وذكر ناقته:
لها أذنٌ حشرٌ وذفرى أسيلةٌ ... وخدٌّ كمرآة الغريبة أسجح
يريد أن الغريبة لا ناصح لها، فهي تجلو مرآتها وتحافظ عليها.
ابن يونس يصف غلاماً
وقال أبو الحسن بن يونس المصري يصف غلاماً:
يجري النسيم على غلالة خدّه ... وأرقّ منه ما يمرّ عليه
ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه
وأهدى بعض الكتاب إلى رئيسه مرآة؛ فقال: من أين وقع اختيارك عليها؟ قال: لتذكرني بها كلما نظرت إلى وجهك الحسن.
بين سقراط وامرأته
وقالت امرأة سقراط له: ما أقبح وجهك! قال: لولا أنك من المرايا الصدئة لتبين لك حسن وجهي.
وكانت امرأته كثيرة الأذى له؛ أقبلت يوماً تشتمه وهو ملح ينظر في كتاب ولا يلتفت إليها، وهي تغسل ثوباً، فأخذت الغسالة وأراقتها عليه. فقال: ما زلت تبرقين وترعدين حتى أمطرت.
ولما مضي به ليقتل أقبلت تبكي وتصيح: وامظلوماه. فقال: أكان يسرك أن أقتل ظالماً؟ ومر هو وغيره من الحكماء بامرأة مصلوبة، فقال: ليت يثمر لنا مثل هذا الثمر.
من ملح أبي العيناء
سرق حمر أبي العيناء فتخلف عن أبي الصقر. فقال له: ما خلفك عنا يا أبا عبد الله؟ قال: سرق حماري. قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك! قال: ما منعك أن تأتينا على غيره. قال: أقعدني عن الشراء قلة ذات يساري، وعن الكراء دالة المكاري، وعن الإعارة منة العواري.
وقيل له: ما بقي أحد يحب أن يلقى، قال: إلا في بئر!
الأنوف الكبيرة
وذكر له ولد عيسى بن موسى، وكانت أنوفهم كباراً معوجة فقال: كأن أنوفهم قبور نصبت على غير القبلة.
ونظر مخنث رجلاً كبير الأنف فيه شعر. فقال: كأن أنفه كنيف مملوء شسوعاً.
قال أبو حاتم السجستاني: قدم علينا أعرابي كأن أنفه كوز في عظمه، فضحكنا منه. فقال: أتضحكون من أنفي؟ وأنا ولله ما اسمي في قومي إلا الأفطس.
وقال محمد بن عبد الملك الزيات في عيسى بن زينب:
إنّ عيسى أنف أنفه ... أنفه ضعفٌ لضعفه
لو تراه وهو في السر ... ج وقد مال بعطفه
لحسبت الأنف في السر ... ج وعيسى مثل ردفه
رجع إلى ملح أبي العيناء
قال أبو العيناء لابنه وهو مريض: أي شيء تشتهي؟ قال: اليتم.
стр. 107
وكان في مجلس إسماعيل بن إسحاق القاضي، فدخل رجل ومشى على رجله فصاح؛ فقال: بسم الله! قال: القصاب يذبح ويقول: بسم الله.
وكان يوماً على بابه فمر به رجل فسلم عليه وقام يمشي معه. فقال: لا تعن يا أبا عبد الله. فقال: ما عنى من أبعدك عن داره! وقال له المتوكل: لا تكثر الوقيعة في الناس. قال: إن لي في بصري لشغلاً. قال: ذاك أشد لحنقك على أهل العافية.
وقال له المتوكل يوماً: هل رأيت طالبياً قط حسن الوجه؟ قال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحداً يسأل أعمى عن هذا! قال: لم تكن ضريراً فيما سلف، وإنما سألتك عما تقدم. قال: نعم! رأيت ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما رأيت أجمل منه، ولا ألطف شمائل. فقال المتوكل: نجده كان مؤاجراً وكنت تقود عليه. فقال أبو العيناء: معاذ الله يا أمير المؤمنين أتراني أترك موالي، وأقود على الغرباء! فقال له المتوكل: اسكت يا مأبون. فقال له: مولى القوم منهم.
وكان ولاء أبي العيناء لأبي العباس، فقال المتوكل: قاتله الله! أردت أن أشتفي منه فاشتفى مني.
وقال له مرة: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: في داء يتمناه الناس.
قيل له: وكم سنك؟ قال: قبضة. يريد ثلاثاً وتسعين سنة.
ويقال: إن جده الأكبر لقي علي بن أبي طالب ﵁ فأساء مخاطبته، فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكل من عمي منهم فهو صحيح النسب. وكان قبل العمى أحول.
قال: ذكرت لبعض القينات فاستظرفتني واستحسنتني على السماع؛ فلما رأتني استقبحتني فقلت لها:
وشاطرة لما رأتني تنكّرت ... وقالت قبيح أحولٌ ما له جسم
فإن تنكري مني احولالاً فإنني ... أريبٌ أديب لا غبيٌّ ولا فدم
فقالت: أنا لم أردك لأوليك ديوان الزمام.
أبو العيناء مع المتوكل
وهذا مجلس له مع المتوكل من طريق الصولي، وله مجالس يدخل الرواة بعضها في بعض. قال الصولي: حدثني أبو العيناء قال: أدخلت على المتوكل، فدعوت له وكلمته فاستحسن كلامي، وقال: بلغني أن فيك بذاء. قلت: يا أمير المؤمنين؛ إن يكن الشر الذي بلغك عني ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكى الله تعالى وذم؛ فقال: نعم العبد إنه أواب. وقال: هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم. وقال الشاعر:
إذا أنا لم أمدح على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لي الله المسامع والفما
وإن كان الشر الذي بلغك عني كفعل العقرب الذي تلدغ النبي والذمي بطبع لا بتمييز؛ فقد صان الله عبدك عن ذلك. قال: بلغني أنك رافضي. قال: وكيف أكون رافضياً وبلدي البصرة، ومنشئي في مسجد جامعها، وأستاذي الأصمعي. وليس يخلو القوم إن كانوا أرادوا ديناً أو دنيا، فإن كانوا أرادوا الدين فقد أجمع المسلمون على تقديم من أخروا وإيمان من كفروا؛ وإن كانوا أرادوا الدنيا فأنت وآباؤك أمراء لا دين إلا بكم، ولا دنيا إلا معكم. قال: فكيف ترى داري هذه؟ قال: رأيت الناس بنوا دارهم في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك. قال: فما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ قال: نعم العبد لله ولك، مقسم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عاد بصلاح ملكك على كل لذة. قال: قد أردتك لمجالستي. قال: أنا رجل محجوب وقد تقدم هذا قال: فوصلني بعشرة آلاف درهم.
وكان نجاح بن سلمة قد ضمن الحسن بن مخلد وموسى بن عبد الملك بمال عظيم للمتوكل؛ فاحتال عبيد الله بن يحيى حتى يضمناه بذلك وعاد عليه الأمر، ثم اغتال موسى بن عبد الملك فقتله، فبلغ الأمر المتوكل، فأكبره وهم بالإيقاع بموسى، فتلطف عبيد الله بن يحيى وعمه الفتح بن خاقان حتى سكن غضبه، واتفق ذلك في ولادة المعتز فاشتغل باللهو والسرور بذلك، فدخل أبو العيناء بعد ذلك على المتوكل، وكان واجداً على موسى بن عبد الملك؟ فقال: ما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: ما قاله الله : فوكزه موسى فقضى عليه. واتصل بذلك بموسى فلقيه عبيد الله بن يحيى. فقال: أيها الوزير، أردت قتلي فلم تجد حيلةً إلا إدخال أبي العيناء على أمير المؤمنين مع عداوته لي؛ فعاتب عبيد الله أبا العيناء على ذلك فقال: ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سريرته فيك، فأمسك عنه.
стр. 108
ثم دخل بعد ذلك على المتوكل. فقال له: كيف كنت بعدي؟ فقال: في أحوال مختلفة خيرها رؤيتك، وشرها غيبتك. فقال: قد والله اشتقتك. قال: إنما يشتاق العبد ربه؛ لأنه يعتذر عليه لقاء مولاه، وأما السيد فمتى أراد عبده دعاه. فقال له: من أسخى من رأيت؟ قال ابن أبي دواد. فقال له المتوكل: تأتي إلى رجل قد رفضته فتنسبه إلى السخاء. قال: إن الصدق يا أمير المؤمنين ليس في موضع أنفق منه في مجلسك، وإن الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود؛ لأن البرامكة منسوب إلى الرشيد، وجود الحسن والفضل ابني سهل منسوب إلى المأمون، وجود ابن أبي دواد منسوب إلى المعتصم، وإذا نسبت الناس الفتح بن خاقان وعبيد الله بن يحيى إلى السخاء فذاك سخاؤك يا أمير المؤمنين. قال: صدقت! فمن أبخل من رأيت؟ قال: موسى بن عبد الملك. قال: وما رأيت من بخله؟ قال: رأيته يحرم القريب كما يحرم البعيد، ويعتذر من الإحسان كما يعتذر من الإساءة. قال: قد وقعت فيه عندي مرتين، وما أحب ذلك لك؛ فالقه واعتذر إليه، ولا يعلم أني وجهت بك. قال: يا أمير المؤمنين؛ تستكتمني بحضرة ألف. قال: لن تخاف. قال: علي الاحتراس من الخوف. وسار إلى موسى، فاعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه وافترقا عن صلح، فلقيه بعد أيام بالجعفري فقال له: يا أبا عبد الله؛ قد اصطلحنا، فما لك لا تأتينا؟ قال: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس. قال موسى: ما أرانا إلا كما كنا.
وقال له المتوكل: إبراهيم بن نوح النصراني واجد عليك. فقال: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وقال له: إن جماعة الكتاب يلومونك. فقال:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضباناً عليّ لئامها
ومن نوادره
ووقف به رجل من العامة فأحس به. فقال: من هذا؟ قال: رجل من بني آدم، قال: مرحباً بك، أطال الله بقاءك، وبقيت في الدنيا، ما أظن هذا النسل إلا قد انقطع.
وزحمه رجل على حمار بالجسر، فضرب بيده على أذن الحمار. وقال: يا إنسان، قل للحمار الذي فوقك يقول: الطريق! وسئل أبو العيناء عن مالك بن طوق فقال: لو كان في بني إسرائيل ونزل ذبح البقرة ما ذبح غيره. قيل: فأخوه عمر؟ قال: كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. قيل: فما تقول في محمد بن مكرم والعباس بن رستم؟ قال: هما الخمر والميسر إثمهما أكبر من نفعهما.
وقال له ابن مكرم: إن ابن الكلبي تعجبه الرائحة الخبيثة، قال: يا سيدي؛ لو وجدك لترشفك.
ودعا ضريراً يعشيه فلم يدع شيئاً إلا أكله. فقال له: يا هذا؛ دعوتك رحمة، فصيرتني رحمة.
وقدم إليه أبو عيسى بن المتوكل سكباجة، فجعل لا تقع يده إلا على عظم. فقال: جعلت فداك، هذه قدر أو قبر؟
قصيدة لابن طباطبا في دعوة
وهذا كلما ذكر ابن طباطبا العلوي وقد دعاه بعض إخوانه فتأخر عنه الطعام إلى أن اشتد به الجوع، ثم قدم إليه جدياً هزيلاً فقال:
يا دعوة مغبّرةً قاتمة ... كأنها من سفرة قادمه
قد قدّموا فيها مسيحيةً ... أضحت على إسلامها نادمه
وبعد شطرنجية لم تزل ... أيدٍ وأيدٍ حولها حائمه
فلم نزل في لعبها ساعةً ... ثم رفعناها على قائمه
وكرر الأرز، فقال:
أرزٌّ جاء يتبعه أرزّ ... هو الإيطاء يتّخذ اتخاذا
فإيطاء القريض كما علمنا ... وإيطاء الطعام يكون هذا
فدعا الرجل جماعةً من الشطرنجيين، وقال: تعالوا حتى تروا الشطرنجية، فكتب إليه:
ورقعةٍ كنّا رفعناها ... نشرتها لمّا طويناها
أعددت للعاب شطرنجها ... لو أمكن القمر قمرناها
والله لو أحضرتها زيريا ... ما ميّز الفرزان والشّاها
الإيطاء
والإيطاء تكرار القوافي بتكرار معانيها، كقول امرىء القيس:
عظيم طويل مطمئنٌّ كأنّه ... بأسفل ذي ماوان سرحة مرقب
وليس بإيطاء قول الأمير أبي الفضل عبيد الله الميكالي:
وكل غنىً يتيه به غنيٌّ ... فمرتجع بموتٍ أو زوال
وهب جدّي طوى لي الأرض طرّاً ... أليس الموت يزوي ما زوى لي
وقوله:
أخوك من إن كنت في ... بؤسى ونعمى عادلك
стр. 109
وإن بداك منعماً ... بالبرّ منه عادلك
وقوله:
جامل الناس في المزا ... ح وخلّ المزاحمه
وتفاصح وقل لمن ... يتعاطى المزاح مه؟
الطعام والموائد
وعلى ذكر الطعام. قال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنها زمن البرامكة على العفاة؛ ثم جاءنا بشراب كأنه دمعة اليتيم على باب القاضي:
قد جنّ أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده
وقال ابن الرومي يصف طعاماً أكله عند أبي بكر الباقطاني:
وسميطة صفراء ديناريّة ... ثمناً ولوناً زفّها لك حزور
عظمت فكادت أن تكون أوزّة ... وهوت فكاد إهابها يتفطّر
ظلنا نقشّر جلدها عن لحمها ... وكأنّ تبراً عن لجين يقشر
وتقدّمتها قبل ذاك ثرائدٌ ... مثل الرياض بمثلهن يصدّر
ومرقّقات كلّهنّ مزخرفٌ ... بالبيض منها ملبس ومدثّر
وأتت قطائف بعد ذاك لطائفٌ ... ترضى اللهاة بها ويرضى الحنجر
ضحك الوجوه من الطبرزد فوقها ... دمع العيون من الدهان يعصّر
ومن ملح ما قيل في القطائف، قول علي بن يحيى بن منصور بن المنجم:
قطائف قد حشيت باللّوز ... والسكر الماذيّ حشو الموز
تسبح في آذيّ دهن الجوز ... سررت لمّا وقعت في حوزي
سرور عبّاس بقرب فوز
ولم يقل أحد في اللوزينج أحسن من قول ابن الرومي:
لا يخطئني منك لوزينجٌ ... إذا بدا أعجب أو عجّبا
لم تغلق الشهوة أبوابها ... إلا أبت زلفاه أن يحجبا
لو شاء أن يذهب في صخرة ... لسهّل الطيّب له مذهبا
يدور بالنّفخة في جامه ... دوراً ترى الدّهن له لولبا
عاون فيه منظرٌ مخبراً ... مستحسنٌ ساعد مستعذبا
مستكثف الحشو ولكنّه ... أرقّ قشراً من نسيم الصّبا
كأنما قدّت جلابيبه ... من أعين القطر إذا قبّبا
يخال من رقة خرشائه ... شارك في الأجنحة الجندبا
لو أنه صوّر من خبزه ... ثغرٌ لكان الواضح الأشنبا
من كل بيضاء يودّ الفتى ... أن يجعل الكفّ لها مركبا
مدهونة زرقاء مدفونة ... شهباء تحكي الأزرق الأشهبا
ملذّ عين وفم حسّنت ... وطيّبت حتى صبا من صبا
ذيق له اللّوز فما مرّة ... مرّت على الذائق إلاّ أبى
وانتقد السكّر نقّاده ... وشاوروا في نقده المذهبا
فلا إذا العين رأته نبت ... ولا إذا الضرس علاه نبا
لا تنكروا الإدلال من وامق ... وجّه تلقاءكم المطلبا
هذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح بها أبا العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن بشر المرثدي ويهنيه بابن له ولد، أولها:
بدرٌ وشمس ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجبا
وقال أبو عثمان الناجم: دخلت على أبي الحسن وهو يعمل هذه القصيدة؛ فقلت له: لو تفاءلت لأبي العباس بسبعة من الولد؛ لأن عباس يجيء منكوساً سابع، فلو تصور ذلك لجاء المعنى ظريفاً؛ فقال بديهاً:
وقد تفاءلت له زاجراً ... كنيته لا زاجراً ثعلبا
إنّي تأمّلت له كنيةً ... إذا بدا مقلوبها أعجبا
يصوغها العكس أبا سابع ... وذاك فأل لم يعد معطبا
وقد أتاه منهم واحدٌ ... فلننتظرهم ستّة غيّبا
في مدةٍ تغمرها نعمة ... يجعلها الله له ترتبا
حتى تراه جالساً بينهم ... أجلّ من رضوى ومن كبكبا
كالبدر وافى الأرض من نوره ... بين نجوم سبعة فاختبا
وليشكر الناجم عن هذه ... فإنّها من بعض ما بوّبا
أسدى وألحمت فتىً لم أزل ... أشكر ما أسدى وما سبّبا
وقال يصف الرؤوس والرغفان:
ما إن رأينا من طعامٍ حاضر ... نعتدّه لفجاءة الزوّار
стр. 110
كمهيئين من الطعام أصبحا ... شبهاً من الأبرار والفجّار
روس وأرغفة ضخام فخمة ... قد أخرجت من جاحم فوّار
كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النار
ومن تشابيهه العقم:
ما أنس لا أنس خبّازاً مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللّمع بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرةً ... وبين رؤيته قوراء كالقمر
إلاّ بمقدار ما تنداح دائرةٌ ... في صحفة الماء يرمى فيه بالحجر
وكان ابن الرومي منهوماً في المآكل وهي التي قتلته، وكان معجباً بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدي أن يبعث إليه كل يوم بوظيفة لا يقطعها، فبعث إليه منه يوم سبت ثم قطعه، فكتب إليه:
ما لحيتاننا جفتنا وأنّى ... أخلف الزائرون منتظريهم
جاء في السبت زورهم فأتينا ... من حفاظٍ عليه ما يكفيهم
وجعلناه يوم عيد عظيمٍ ... فكأنّا اليهود أو نحكيهم
وأرهم مصمّمين على الهج ... ر فلم يسخطون من يرضيهم
قد سبتنا فما أتتنا وكانوا ... يوم لا يسبتون لا تأتيهم
فاتصل ذلك بالناجم فكتب إليه:
أبا حسنٍ أنت من لا تزا ... ل يحمد في الفضل رجحانه
فكم تحسن الظنّ بالمرثديّ ... وقد قلّل الله إحسانه
ألم تدر أن الفتى كالسراب م ... إذا وعد الخير إخوانه
وبحر السراب يفوت الطلوب م ... فقل في طلابك حيتانه
وخرج ابن الرومي مع بعض إخوانه في حداثته إلى بعض المتنزهات، وقصدوا كرماً رازقياً، فشربوا هناك عامة يومهم، وكانوا يتهمونه في الشعر. فقالوا: إن كان ما تنشدنا لك فقل في هذا شيئاً. فقال: لا تريموا حتى أقول، ثم أنشد بديهاً:
ورازقيّ مخطف الخصور ... كأنّه مخازن البلّور
قد ضمّنت مسكاً إلى الشطور ... وفي الأعالي ماء وردٍ جوري
لم يبق من وهج الحرور ... إلاّ ضياء في ظروف نور
لو أنه يبقى على الدهور ... قرّط آذان الحسان الحور
بلا مزيد وبلا شذور ... له مذاق العسل المشور
وبرد مسّ الخصر المقرور ... ونكهة المسك مع الكافور
ورقة الماء على الصدور ... باكرته والطير في الوكور
بفتيةٍ من ولد المنصور ... أملأُ للعين من البدور
حتى أتينا خيمة الناطور ... قبل ارتفاع الشمس للذرور
فانحطّ كالطاوي من الصقور ... بطاعة الراغب لا المقهور
والحرّ عبد الحلب المشطور ... حتى أتانا بضروع حور
مملوءة من عسلٍ محصور ... والطّلّ مثل اللؤلؤ المنثور
ينساب مثل الحية المذعور ... بين سماطي شجرٍ مسطور
ناهيك للعنقود من ظهور ... فنيلت الأوطار في سرور
وكل ما يقضى من الأمور ... تعلّةٌ من يومنا المنظور
ومتعةٌ من متع الغرور
استوت بديهته وفكرته
قال الناجم: جلست معه على باب داره وقد أبل من علة، فمر بنا الحاجب، فقال: قوما عندي نتحدث اليوم، وعندي مصوص وأشياء لطيفة لا تضرك؛ وأشرب مع أبي عثمان بحضرتك ونتآنس يومنا.
فقال: إنا نأتيك الساعة وأبو عثمان فامض ونحن في أثرك؛ فمضى ولحقناه فحجب عنا، فانصرفنا وأبو الحسن مغضب، فدخلت على أبي الحسن في ذلك اليوم، فوجدت بين يديه قصيدة طويلة جداً أولها:
نجذاك يابن الحاجب الحاجب ... وأين ينجو منّي الهارب
فعجبت من سرعة عمله. وقلت: أعزك الله؛ متى عملتها؟ قال: الساعة. قلت: وأين مسودتها؟ قال: هي هذه. قلت: وما فيها حرف مصلح. قال: قد استوت بديهتي وفكرتي، فما أعمل شيئاً فأكاد أصلحه.
سبب موته
стр. 111
وكان سبب موته أنه كان منقطعاً إلى القاسم بن عبيد الله بن وهب؛ وكان القاسم مغرماً بشعرهن مستظرفاً له، محسناً إليه. فقال له أبوه: قد أردت أن أرى من روميك هذا؟ فأحضره وحضر أبوه، فلما انفض المجلس قال له: كيف رأيته؟ قال: أرى ما يسوءني ولا يسرني، أرى رجلاً صحيح الشعر، سقيم العقل، ومثل هذا لا تؤمن بوادره؛ وأقل غضبة يغضبها تبقي في أعراضنا ما لا يغسله الدهر، والرأي إبعاده، قال: وكيف ذلك بعد اتصاله؟ أخاف أن يظهر ما أضمره، قال: يا بني؛ اتبع فيه قول أبي حية:
يقلن لها في السرّ هديك لا يرح ... صحيحاً وإلاّ تقتليه فألمم
فأخبر القاسم بقول أبيه ابن فراس، وكان أشد الناس عداوةً لابن الرومي. فقال: إنما أشار عليك باغتياله، وأنا أكفيك أمره، فسم له لوزينجة وقدم له الجام وهي في أعلاه، فلما تناولها أحس بالموت ونهض قائماً. فقال له: إلى أين يا أبا الحسن؟ قال: إلى حيث أرسلتني. قال: اصرفوه، فقد غلب عليه السكر؛ فخرج وهو لما به؛ فلقي الناجم فقال:
أبا عثمان أنت عميد قومك ... وجودك للعشيرة دون لؤمك
تمتّع من أخيك فما أراه ... يراك ولا تراه بعد يومك
وكان شديد التغير، سريع الانقلاب، ضيق الصدر، قليل الصبر، مفرط الطيرة غالياً فيها، وكان عظيم التخوف، كثير التجسس؛ يراه من يلقاه كالمتوجس المذعور.
شدة خوفه
ذكر بعض أصحابه قال: كنت أسايره ونحن سائرون، فلم أنشب أن تراءيته قد ترجل عن دابته بسرعة، ولجأ إلى بعض الدكاكين وأسلم الدابة؛ فأمرت من أمسكها وأتيت إليه فقلت: ما بالك يا أبا الحسن؟ وإذا هو يضطرب اضطراباً شديداً؛ فأمسكت عنه حتى سكن وقام فركب الدابة. فقلت له: ما الذي هاجك؟ قال: أما ترى ذاك؟ وإذا برجل من العامة يحمل ذوبينا وهي عصا في طرفها حديد بشعبتين. فقلت: أراه. فقال: أوما ترى البركار الذي بيده، ما يؤمنني أن يلويه على عنقي فيفتله.
وحكي عنه: أنه سأل الموفق أو غيره في قدح محكم رآه فأعجبه فوهبه إياه. قال بعض إخوانه: وكنت معه، وقد خرج من دار السلطان، فوضعه على رأسه ثم أزاله بسرعة ثم وضعه على ركبته، ثم رمى به فكسره. فقلت له: ما هذا الخاطر الفاسد؟ قال: وصل إلي هذا القدح وما على وجه الأرض أحب إلي منه، فوضعته على أشرف أعضائي! ثم ذكرت قول بعض الحكماء: إن الصاعقة إذا قابلت الشيء الشفاف انحدرت إليه، فخفت أن تقع علي صاعقة فتهلكني، ثم وضعته على ركبتي، فخفت أن تصدمني دابة فينكسر فيدخل في جسمي فيكون سبب علة مزمنة، وخفت أن يكون الذي دعاني إلى طلبه ما أراده الله بي، فرأيت الراحة في كسره.
حكايات عن تطيره
وكان أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش غلام أبي العباس المبرد في أيام ابن أبي أوفى شاباً مترفاً، وأديباً مستظرفاً، وكان يعبث به فيقرع عليه الباب. فيقال له: من بالباب؟ فيقول: قولوا لأبي الحسن: مرة بن حنظلة؛ فيتطير لقوله ويقيم أياماً لا يخرج من داره، وكان ذلك سبب هجائه إياه.
وقرع عليه الباب يوماً وقيل: إن البحتري وجه إليه من قرع عليه بابه فقال: من هذا؟ فقال: سخطة الحي القيوم، والمهل والغسلين والزقوم، والشيطان الرجيم، وكل بلاء كان أو يكون، إلى يوم الدين؛ فأقام مدةً لم يخرج، فسأل عنه الموفق، فقيل: هو في حبس البحتري!
стр. 112
وتخلف أياماً عن بعض الأشراف بسبب طيرة عرضت له، فبعث إليه غلاماً جميلاً فقرع الباب. فقيل: من؟ قال: إقبال؛ فخرج فرأى وجهاً مستحسن الصورة حسن الهيئة. فقال له: مولاي يرغب في حضورك، فمشى معه ثم توجس وبقي باهتاً مطرقاً لا ينصرف، ثم مشى قليلاً؛ فلما قارب الجسر انفتل بسرعة شديدة، ثم مضى على وجهه إلى داره، فأغلق الباب على نفسه، وكتب إلى الرجل: تخلفت أطال الله بقاءك عن حظي من لقائك، لاعدمته لي أياماً، وأنا أتقلى على جماجم الضجر، بما جرى به القدر، من كلام سمعته وأمر توقعته؛ فأتاني غلام جميل اسمه إقبال؛ فقلت: هذا حسن، فخرجت معه، ثم فكرت أن إقبالاً إذا نكس كان لا بقاء! فقلت: هذا حسن، فخرجت معه، ثم فكرت أن إقبالاً إذا نكس كان لا بقاء! فقلت: هذا من ذاك؛ فمشيت معه مقدماً رجلاً ومؤخراً أخرى حتى صرت بالجسر، فرأيت حبالاً مفتولة قد التوت، فصار كل واحد منها في صورة لام ألف، فقلت: هذه تحقق ما ظننت من لا بقاء بقولها: لا لا، فما حصلت في الدار، إلا بعد خوف مضي المقدار، فابسط العذر في التأخر، والسلام.
وقال علي بن إبراهيم كاتب مسرور البلخي: كنت بداري جالساً بباب الشعير على أسرة نصبت لي في صحن الدار؛ فإذا حجارة قد سقطت علي، فبادرت هارباً، وأمرت الغلام بالصعود إلى السطح والنظر إلى كل ناحية من أين تأتينا؟ فقال لي: امرأة من دار ابن الرومي الشاعر قد أشرفت وقالت: اتقوا الله فينا، واسقونا جرةً من الماء وإلا هلكنا؛ فقد مات من عندنا عطشاً؛ فتقدمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ومعرفة بأن تصعد إليها وتخاطبها ففعلت. وبادرت بالجرة وأتبعتها بشيء من المأكول. ثم عادت وقالت: ذكرت المرأة أن الباب مقفل عليها منذ ثلاث بسبب طيرة ابن الرومي، وأنه يلبس ثيابه كل يوم ويتعوذ، ثم يصير إلى الباب والمفتاح بيده، ثم يضع عينه على ثقب في خشب الباب، فتقع على جار له كان نازلاً بإزائه، وكان أعور يقعد كل غداة على بابه؛ فإذا رآه رجع وخلع ثيابه. وقال: لا يفتح أحد الباب. فعجبت من حديثها؛ وبعثت بخادم لي كان يعرفه فأمرته بأن يجلس بإزاء بابه، وكانت العين تميل إليه. وتقدمت إلى بعض غلماني أن يدعو الجار الأعور؛ فلما حضر عندي أدى الغلام إلى ابن الرومي رسالتي يستدعيه الحضور، فإني لجالس وعندي الأعور إذ وافى أبو حذيفة الطرسوسي ومعه برذعة المسوس صاحب المعتضد؛ ودخل ابن الرومي فلما تخطى عتبة باب الصحن عثر فانقطع شسع نعله فدخل مذعوراً، وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظراً يدل على تغير حاله، فدخل وهو لا يرى جاره المتطير منه. فقلت له: يا أبا الحسن، ما لك؟ أيكون شيء في خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم ونظرك إلى وجهه الجميل؟ فقال: قد لحقني ما رأيت من العثرة؛ لأني فكرت أن به عاهةً وهي قطع أنثييه. فقال برذعة: وشيخنا يتطير؟ قلت: نعم! ويفرط. قال: ومن هو؟ قلت: أبو الحسن بن الرومي. قال: الشاعر؟ قلت: نعم! فأقبل عليه وأنشده:
ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه ... بتفريق ما بيني وبين الحبائب
رجعت على نفسي فوطّنتها على ... ركوب جميل الصّبر عند النوائب
ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفةٌ بالمصائب
فخذ خلسةً من كل يوم تعيشه ... وكن حذراً من كامنات العواقب
ودع عنك ذكر الفأل والزّجر واطّرح ... تطيّر دارٍ أو تفاؤل صاحب
فبقي ابن الرومي باهتاً؛ ولم أدر أنه شغل قلبه بحفظ ما أنشده، ثم قام أبو حذيفة وبرذعة معه، فحلف ابن الرومي ألا يتطير أبداً من هذا ولا من غيره، وأومأ إلى جاره. فقلت: وهذا الفكر أيضاً من التطير، فأمسك. وعجب من جودة الشعر ومعناه في حسن مأتاه. فقلت له: ليتنا كتبناه. فقال: اكتبه فقد حفظته، وأملاه علي.
ومن الدليل على شدة حذره وعظم تطيره
ومن الدليل على شدة حذره، وعظم تطير، قوله لأبي العباس أحمد بن محمد بن ثوابة، وقد ندبه إلى الخروج وركوب دجلة:
حضضت على حطبي لناري فلا تدع، ... لك الخير، تحذيري شرار المحاطب
ومن يلق ما لاقيت من كلّ مجتنى ... من الشوك يزهد في الثمار الأطايب
أذاقتني الأسفار ما كرّه الغنى ... إليّ وأغراني برفض المطالب
стр. 113
ومن نكبةٍ لاقيتها بعد نكبةٍ ... رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب
وصبري على الإقتار أيسر محملاً ... عليّ من التغرير بعد التجارب
لقيت من البرّ التباريح بعدما ... لقيت من البحر ابيضاض الذوائب
سقيت على ريٍّ به ألف مطرةٍ ... شغفت لبغضيها بحبّ المجادب
ولم أسقها بل ساقها لمكيدتي ... تحامق دهرٍ جدّ بي كالملاعب
أبي أن يغيث الأرض حتى إذا ارتمت ... برحلي أتاها بالغيوث السواكب
سقى الأرض من أجلي فأضحت مزلّة ... تمايل صاحبها تمايل شارب
فملت إلى خانٍ مرثٍّ بناؤه ... مميل غريق الثوب لهفان لاغب
فما زلت في خوف وجوع ووحشة ... وفي سهرٍ يستغرق الليل واصب
يؤرّقني سقفٌ كأني تحته ... من الوكف تحت المدجنات الهواضب
تراه إذا ما الطين أثقل متنه ... تصرّ نواحيه صرير الجنادب
وكم خان سفرٍ خان فانقضّ فوقهم ... كما انقضّ صقر الدجن فوق الأرانب
وما زال ضاحي البرّ يضرب أهله ... بسوطي عذابٍ جامدٍ بعد ذائب
ألا ربّ نارٍ بالفضاء اصطليتها ... من الضّحّ يودي لفحها بالحواجب
فدع عنك ذكر البرّ، إنّي رأيته ... لمن خاف هول البحر شرّ المهاوب
وما زال يبغيني الحتوف موارباً ... يحوم على قتلي وغير موارب
فطوراً يغاديني بلصّ مصلّت ... وطوراً يمسّيني بورد المشارب
وأما بلاء البحر عندي فإنه ... طواني على روع مع الرّوح واقب
ولو ثاب عقلي لم أدع ذكر بعضه ... ولكنّه من هوله غير ثائب
ولم لا ولو أُلقيت فيه وصخرةً ... لوافيت منه القعر أول راسب
ولم أتعلّم قطّ من ذي سباحةٍ ... سوى الغوص، والمضعوف غير مغالب
فأيسر إشفاقي من الماء أنني ... أمرّ به في الكوز مرّ المجانب
وأخشى الرّدى منه على نفس شاربٍ ... فكيف بأمنيه على نفس راكب
أظلّ إذا هزّته ريحٌ ولألأت ... له الشمس أمواجاً طوال الغوارب
كأني أرى فيهنّ فرسان بهمة ... يليحون نحوي بالسيوف القواضب
فإن قلت لي قد يركب اليمّ طامياً ... ودجلة عند اليمّ بعض المذانب
لدجلة خبٌّ ليس لليمّ، إنها ... ترائي بحلم تحته جهل واثب
وللبحر إنذار بعرض متونه ... وما فيه من آذيّه المتراكب
من الطرائف
قيل لقينة: صوم يوم عرفة كفارة ذنوب سنة؛ فصامت إلى الظهر وأفطرت. فقيل لها: ما هذا؟ قالت: يكفيني ستة أشهر.
قعد رجل على باب داره، فأتاه سائل يسأله. فقال له: اجلس، ثم صاح بجارية عند فقال: ادفعي إلى هذا مكوكاً من حنطة. قالت: ما بقي عندنا حنطة. قال: فأعطيه درهماً. قالت: ما بقي عندنا دراهم. قال: فأطعميه رغيفاً. قالت: وما عندنا رغيف، فالتفت إليه وقال: انصرف يابن الفاعلة. فقال السائل: سبحان الله تحرمني وتشتمني! قال: أحببت أن تنصرف وأنت مأجور.
ورأى أعرابي الناس بمكة وكل واحد يتصدق ويعتق ما أمكنه. فقال: يا رب، أنت تعلم أنه لا مال لي، وأشهدك أن امرأتي طالق لوجهك يا أرحم الراحمين! وكان في زمن المهدي رجل ادعى النبوة فأحضروه إلى المهدي. فقال له: ما أنت؟ قال: نبي. قال: إلى من بعثت؟ فقال له: ما أكثر فضولك! إيش عليك؟ قال: قل، وإلا أمرت بقتلك. قال: بعثت إلى أهل خراسان. قال: ولم لم تسافر إليهم؟ قال: ما معي نفقة، فضحك منه وأمر له بنفقة، وقال: هذا قد غلبت عليه المرة.
وجاء رجل إلى أبي ضمضم يستعدي على رجل في دابة اشتراها منه، وظهر بها عيب. فقال له أبو ضمضم: وما عيبها؟ قال: في أصل ذنبها مثل الرمانة، وفي ظهرها مثل التفاحة، وفي عجيزتها مثل الجوزة، وفي بطنها مثل الموزة، وفي حلقها مثل الأترنجة. فقال له أبو ضمضم: مر عنا يا بارد، هذه صفة بستان ليست بصفة دابة.
стр. 114
شرب ابن حمدون النديم مع المتوكل وبحضرته غلام مليح الوجه؛ فتأمله ابن حمدون تأملاً شديداً، وقد حمل الشراب إليه. فقال المتوكل: يابن حمدون، ما الحكم في الرجل إذا نظر إلى غلام فتى؟ قال: أن تقطع أذنه. قال: ليحكم عليك بحكمك، فأمر أن تعرك أذنه حتى تخضر ثم تقطع، وأمر بنفيه إلى بغداد. فلقيه إسحاق بن إبراهيم الموصلي بها فسأله عن حاله، وعمن ينادم المتوكل معه. فقال: أحد ندمائه ابن عمرو البازيار؛ فسأله إسحاق عن محله من العلم والفهم. فقال له: أكثر ما يقول للخليفة؛ أبقاك الله يا أمير المؤمنين إلى يوم القيامة وبعد القيامة بشيء كثير. فقال له إسحاق: اعمل على أنه كان لك كر آذان فقطعت؛ أليس ذلك أسهل من حضور مجلس تقاسي فيه ابن عمرو البازيار.
وكان ابن حمدون أخف الناس روحاً وأحلاهم دعابةً، وكان المتوكل يستملحه. فقال يوماً: الزئبق من أين يجاء به؟ فقال ابن حمدون: من الشيز، وأنا أعرف الناس بها. قال: قد وليتك إياها فاخرج إليها، فضاقت به الدنيا، وأنشده:
ولاية الشيز عزلٌ ... والعزل عنها ولايه
فولّني العزل عنها ... إن كنت بي ذا عنايه
فضحك المتوكل وأعفاه. وذكر الصولي أن أخاه أحمد عمل له البيتين.
بين أبي العيناء وابن الزيات
دخل أبو العيناء على محمد بن عبد الملك الزيات الوزير، فجعل لا يكلمه إلا بأطرافه. فقال: إن من حق نعمة الله عليك، لما قد أهلك له في هذه الحال التي أنت عليها، أن تجعل البسطة لأهل الحاجة إليك؛ فبقضاء الحاجات تدوم النعم.
فقال محمد: أما إني أعرفك فضولياً كثير الكلام، أوترى أن طول لسانك يمنع مع أن أؤدبك إذا زللت؛ وأمر به إلى الحبس.
فكتب إليه من الحبس: قد علمت أن الحبس لم يكن تقدم إليك، ولكنك أحببت أن تريني مقدار قدرتك علي؛ لأن كل جديد يستلذ؛ ولا بأس أن تريني من عفوك مثلما أريتنا من قدرتك، فأمر بإطلاقه.
وانقطع عنه مدةً فلقيه، فحبس محمد بن عبد الملك دابته عليه. فقال: ما لي لا أراك يا أبا عبد الله تواصلنا حسب إيجابنا لك؟ فقال له أبو العيناء: أما المعرفة بعنايتك فمناكرة، ولكنني أحسب الذي جدد استبطاءك فراغ حبسك ممن كان فيه، فأحببت أن تغمرني فيه.
لؤم ابن الزيات
وكان محمد بن عبد الملك على علمه وأدبه ألأم الناس، فمن عجيب لؤمه أنه كان له جار في انخفاض حاله، وكان بينهما ما يكون بين الجيران من التباعد؛ فلما بلغ محمد ما بلغ شخص الرجل إلى سر من رأى، فورد بابه وهو يتغدى، فوصل إليه وهو على طعامه، فتركه قائماً لا يرفع طرفه إليه، فلما فرغ من أكله قال: ما خبرك؟ قال: قد أصارك الله أيها الوزير إلى أجل الآمال فيك، وصرف أعناق الناس إليك، وقد علمت ما كنت تنقمه علي، وقد غير الدهر حالي؛ فوردت إليك مستقيلاً عثراتي، مستعطفاً على خلاتي.
فقال له: قد علمت هذا، فانصرف وعد إلي في غد. فولى الرجل؛ فلما صار في صحن الدار دعا به، فلما صار بين قال له: والله ما لك عندي شيء، ثم أقبل على بعض من كان بين يديه، فقال: إنما رددته وآيسته بخلاً عليه بفسحة الأمل بقية يومه.
وهذا كقول بعضهم:
إن قلت إنّك كالسحاب لكان ذا ... وصفاً لمثلك زائداً في الحال
إنّ السحاب لذو مواعد جمّةٍ ... وبخلت بالموعود والأفعال
وكان محمد بن عبد الملك واحداً في صناعته، مفرداً في براعته.
بين أبي السمراء وعبد الله بن طاهر
وكان أبو السمراء العلاء بن عاصم بن عصمة العسكري نديم عبد الله بن طاهر يأنس به، ويجاريه الشعر، فكتب إليه:
تقول لمّا جعلت أبكي ... سلوه بالله ممّ يبكي؟
فقلت أبكي لما أراه ... عمّا قليلٍ يكون منك
قالت فلا تخش قلت ما لي ... قلبٌ على الدهر يأتمنك
لا غرّني الدهر منك ودٌّ ... قالت ولا غرّني التبكّي
فوقع ابن طاهر في ظاهرها بديهاً:
لا أشتكي من هواك إلاّ ... إليك لو ينفع التشكي
حلفت جهد اليمين أن لا ... أزول إلاّ إليك عنك
كلفتني السعي في طريقٍ ... وعرٍ قليل الأنيس ضنك
فرحت بي في إسار قلبي ... ثم تشاغلت عند فكّي
ومن جيد شعره في جارية له توفيت:
стр. 115
يقول لي الخلاّن لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد له قبر
على حين لم أحدث فأجهل فقدها ... ولم أبلغ السنّ التي معها صبر
وهذا مأخوذ من قول أبي مسلم عبد الرحمن بن سلم، في فصل من كتاب كتبه إلى عبد الله بن علي عند محاربته إياه، لما خلع أبا جعفر المنصور: لأنزلنك موارد ضيقة، حتى أبدلك بالحلاوة علقماً، تمج من تمطقها دماً؛ أمنت صولتي، وقد كبرت عن صغر، وصغرت عن كبر، فأنا كما قال الأول:
وهل يخشى وعيد الناس إلاّ ... كبير السنّ والضّرع الصغير
شراب عتيق من محمد بن عبد الملك
قال ابن حمدون النديم: أهدى إلينا محمد بن عبد الملك ونحن بالبدندون شراباً عتيقاً وكتب رقعة فيها:
ما إن ترى مثلي أخاً ... أندى يداً وأدرّ جودا
أسقي الصديق ببلدةٍ ... لم يسق فيها الماء عودا
صفراء صافية كأ ... نّ على جوانبها العقودا
فإن استقلّ بشكرها ... أوجبت بالشكر المزيدا
فإذا خشيت على الصني ... عة بالتقادم أن تبيدا
أنشأت أخرى غيرها ... فتركتها غضّاً جديدا
خذها إليك كأنما ... كسيت زجاجتها فريدا
واجعل عليك بأن تقي ... م بشكرها أبداً عهودا
الملك مضطر إلى كفاية منه
وكان المعتصم أمر بأن يعطى الواثق عشرة آلاف درهم، يستعين بها على أمره ويصلح بها ما يحتاج إلى إصلاحه، فدافعه بذلك مدافعةً متصلة أحوجته إلى شكايته إلى المعتصم؛ فأنكر عليه تأخر المال. فقال: يا أمير المؤمنين، العدل أولى بك وأشبه بقولك وفعلك، ولك عدة أولاد أنت في أمرهم بين خلتين؛ إما أن تسوي بينهم في العطية فتجحف ببيت المال، وإما أن تخص بعضهم فتحيف على الباقين. فقال: قد رهنت لساني فما تصنع؟ قال: تأمر لباقي ولدك بإقطاعات وصلات، وتطلق لهارون صدراً من المال، فأدافعه بباقيه ويتسع الأمير قليلاً، وتدبر الأمر بعد ذلك بما تراه.
فقال له: وفقك الله فما زلت أعرف الصواب في مشورتك؛ وتأدى الخبر إلى هارون، فحلف بعتق عبيده ومماليكه، وبحبس عدة خيل ووقف عدة ضياع، وصدقة مال جليل، لئن ظفر بمحمد ليقتلنه؛ وكتب اليمين بخطه وجعلها في درج وأودعها دابته.
ومرت مدة وأفضى الأمر إلى هارون، وكان ذا أنات وعقل. وكره أن يعاجله فيقول الناس بادر بشفاء غيظه؛ ثم عزم على الإيقاع به، فتقدم بأن يجمع له من وجوه الكتاب من يصلح لولاية الدواوين والوزارة فجمعوا، ودعا بواحد منهم؛ وقال له: اكتب كذا في أمر رسمه له. فاعتزل وكتب وعرض الكتاب عليه فلم يرضه حتى امتحن الجميع، فأمر حاجبه فقال: أدخل من الملك مضطر إليه: محمد ابن عبد الملك، فجيء به وهو واجم مضطرب؛ فلما وقف قال له: اكتب إلى صاحب خراسان في كذا وكذا. فأخرج من كمه نصفاً ومن خفه دواةً، وابتدأ يكتب بين يديه حتى فرغ من الكتاب، ثم أخرج خريطةً فيها حصى فأترب الكتاب وأصلحه وتقدم فناوله إياه، فوجده قد أتى على جميع ما في نفسه؛ فأعجب به جداً. وقال: اختمه فأخرج من الخريطة طيناً فوضعه عليه وتناوله فختمه وأنفذه من ساعته.
فقال هارون لخادم له: امض إلى دابتي وقل لها: توجه إلي بالدرج الفلاني؛ فمضى الخادم فجاء به، فأخرج الرقعة فدفعها إليه. فقال: يا أمير المؤمنين؛ أنا عبد من عبيدك، إن وفيت بيمينك فأنت محكم، وإن كفرت وصفحت كان أشبه بك. قال: لا والله! ما يمنعني من الوفاء بيميني إلا النفاسة على أن يخلو الملك من مثلك، وأمر بعتق من حلف بعتقه، ووقف الضياع، وحبس الخيل، وأنفذ صدقة المال.
стр. 116
وقد فعل أبو شجاع فناخسرو قريباً من هذا بأبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، وذلك أنه كان كاتب بختيار بن معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي، وبين أبي شجاع وبين بختيار منافسة بالرياسة، فلما خلع الفضل بن جعفر وهو المطيع لله، وأقيم ابنه أبو بكر عبد الكريم الطائع لله سنة أربع وستين وثلاثمائة استولى على جميع أموره فناخسرو، وصار إليه تدبير المملكة، وليس للخليفة سوى الاسم، وقتل بختيار ومحي أمره، فأحضر أبو شجاع عضد الدولة أبا إسحاق. وقال: قد علمت ما كنت تعاملني به من قبيح المكاتبة، وقد أحفظني ذلك ودعاني إلى قتلك، فرأيت قتلك من الفساد في الأرض إذ كنت مقدماً في صناعتك، ولكن لا تعمل لي عملاً، واستصفى أمواله وحبسه، وولى ديوان الإنشاء مكانه أبا منصور بن المرزبان الشيرازي، وكان غايةً في البلاغة والفصاحة وحسن آلات الكتابة.
الصابي في حبسه
وكتب أبو إسحاق من الحبس إلى بعض إخوانه: نحن في الصحبة كالنسرين لكني واقع، وأنت طائر، وعلى الطائر أن يغشى ويراجع.
وزاره أبو الفرج الببغاء الشاعر زورة ثم قطعه، فكتب إليه:
أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدهر حظّاً إذا نقص
مضت مدة أستام ودك غالياً ... فأرخصته والبيع غالٍ ومرتخص
وآنستني في محبسي بزيارةٍ ... شفت قرماً من صاحبٍ لك قد خلص
ولكنّها كانت كحسوة طائرٍ ... فواقاً كما يستفرض السادة الفرص
وأحسبك استوحشت من ضيق محبسي ... وعادك عيد من تذكّرك القفص
من المنسر الأشفى ومن حزّة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصّة المقص
ومن صعدة فيها من الدّبق لهذم ... لفرسانكم عند الطعان بها قعص
فهذي دواهي الطير، وقّيت شرّها ... إذا الدهر من أحداثه جرّع الغصص
فأجابه أبو الفرج:
أيا ماجداً قد يمّم المجد ما نكص ... وبدر تمام مذ تكامل ما نقص
ستخلص من هذا السّرار وأيّما ... هلال توارى في السرار فما خلص
بدولة تاج الملّة الملك الذي ... له في أعالي قبّة المشتري خصص
تقنّصت أنصافي وما كنت قبل ذا ... أظنّ بأنّ المرء بالبرّ يقتنص
وبعد فلا أخشى تقنّص جارح ... وقلبك لي وكرٌ ورأيك لي قفص
من شعر الصابئ
وقال أبو إسحاق الصابىء:
جملة الإنسان جيفه ... وهيولاه سخيفه
فلماذا ليت شعري ... قيل للنفس الشريفه
إنما ذلك فيه ... قدرة الله اللطيفه
وقال:
وأحقّ من نكسته ... بالصفع من درجاته
من مجده من غيره ... وسفاله من ذاته
من النقد
أخذه من سقراط، وقد مر به بعض الملوك فركله برجله. وقال: قم! فقام غير مرتاع منه ولا ملتفت إليه. فقال الملك: أما عرفتني؟ قال: لا! ولكن أرى فيك طبع الكلاب فهي تركل بأرجلها، فغضب، وقال: أتقول لي هذا وأنت عبدي. فقال: لا! بل أنت عبدي. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن شهواتك ملكتك وأنا ملكتها. قال: فإني الملك ابن الأملاق السادة، ولنا كذا وكذا ألف فيل، وكذا وكذا ألف مركوب، وأقبل يعدد عليه ما يملكه من العروض والجواهر والعقار. فقال: أراك تفخر علي بما ليس من جنسك، وإنما سبيلك أن تفخر علي بنفسك، ولكن تعالى نخلع ثيابنا ونلبس جميعاً ثوباً من ماء في هذا اليم ونتكلم، فحينئذ يتبين الفاضل من المفضول؛ فانصرف خجلاً.
الصابي وعضد الدولة
وأهدى الصابىء إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلاباً بقدر الدرهم، وكتب معه، وكان حينئذ معتقلاً:
أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا ... في مهرجانٍ جديدٍ أنت تبليه
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... سموّ قدرك عن شيءٍ يساميه
لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
فرضي عنه وأخرجه من السجن.
وقال الصابىء لأبي القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب:
الله حسبي فيك من كلّ ما ... يعوّذ العبد به المولى
стр. 117
واسلم وعش لا زلت في نعمةٍ ... أنت بها من غيرك الأولى
من ملح مزيد
قال مزيد لامرأته: أنت غير شفيقة علي، ولا راعية لي. فقالت: والله لأنا أرعى بك من التي كانت قبلي وأشفق. قال: أنت طالق ثلاثاً، لقد كنت آتيها بالجرادة فتطبخ لي منها أربعة ألوان وتشوي جنينها. فدعته إلى القاضي، فجعل القاضي يطلب له المخرج فقال: أصلحك الله! لا عليك إن أشكلت المسألة فهي طالق ثلاثين.
قال محمد بن حرب: أتيت بمزيد وامرأة ورجل أصيبا في بيته وأنا على شرطة المدينة، فحبسته وخليت سبيلهما، ثم دعوت به وقلت: ما خبرك؟ قال: أطلقتم الزوج حمام وحبستم الزاجل.
وكان أبو حبيب مضحك المهدي يحفظ نوادر مزيد ويحكيها له فيصله. فقال له مزيد: بأبي أنت! أنا أزرع وأنت تحصد.
ولقي مزيد رجلاً كان صديقاً لأبيه. فقال: يا بني، كان أبوك عظيم اللحية، فما بالك أجرودي؟ فقال مزيد: أنا خرجت لأمي.
وكسا امرأته قميصاً فشكت إليه غلظه وخشونته، فقال: أترينه أخشن من الطلاق؟
من الأجوبة الطريفة
ناظر سعيد بن حميد الدهقان بعض آل أبي لهب؛ فقال: من فضلنا نحن الفرس أن لنا بيوت النيران. فقال اللهبي: وجهنم قطيعة لجدي.
رمي فضولي في النار؛ فقال: الحطب رطب!
من ملح البخلاء
وقال بعض البخلاء لغلامه: هات الطعام وأغلق الباب. فقال: يا مولاي؛ هذا خطأ، إنما يقال: أغلق الباب وهات الطعام. فقال له: أنت حر لوجه الله لمعرفتك بالحزم.
قال جهم بن خلف: أتينا اليمامة فنزلنا على مروان بن أبي حفصة فأطعمنا تمراً. ثم قال لغلامه: خذ هذا الفلس فاشتر به زيتاً، فأتى الغلام به. فقال له: خنتني. فقال: وكيف أخونك في فلس؟ قال: أخذته لنفسك واستوهبت الزيت.
وقال الأحنف بن قيس: يا بني تميم، أتبخلونني وربما أشرت عليكم برأي خير من مائة ألف درهم؟ فقال بعض من سمعه: تقويمك الرأي عليه غاية البخل.
من أظرف ما قيل في بخيل
ومن أظرف ما قيل في بخيل:
وأخٍ مسّه نزولي بقرحٍ ... مثلما مسّني من الجوع قرح
قال إذ زرت وهو في شدة السك ... رة بالهمّ طافح ليس يصحو
لم تغرّبت قلت قال رسول الل ... هـ والقول منه نصحٌ ونجح
سافروا تغنموا فقال وقد قا ... ل تمام الحديث جوعوا تصحّوا
غفلة
مر رجل بإنسان وعلى عاتقه عصا في طرفيها زنبيلان قد كادا يحطمانه، في أحدهما بر وفي الآخر تراب. فقال: لم فعلت هذا؟ قال: عدلت البر بالتراب، لأنه كان قد أمالني إلى أحد جنبي؛ فأخذ الرجل زنبيل التراب وقلبه وقسم البر نصفاً في الزنبيلين. وقال: الآن فاحمل، فحمله فخف عليه؛ فقال: ما أعقلك من شيخ!.
يتماوت ليسأل الكفن
وشرب أحمد بن أبي طاهر مع أبي هفان حتى فني ما معهما، وكانا بجوار المعلى ابن أيوب؛ فقال ابن أبي طاهر لأبي هفان: تماوت حتى اسأل المعلى في كفنك. فسجاه ومضى إلى المعلى فقال: أصلحك الله، نزلنا في جوارك فوجب عليك حقنا، وقد مات أبو هفان وليس له كفن. فقال لوكيله: أمض إليه لتشاهده وادفع له كفناً. فأتى فوجده مسجى فنقر أنفه فضرط، فقال له: ما هذا؟ قال ابن أبي طاهر: أصلحك الله بقية روحه كرهت نكهته فخرجت من دبره، فأخبر المعلى فضحك وأمر لهما بدنانير كثيرة.
متجسس متماوت
وكان أحمد بن طولون قد نابذ الموفق وباينه بالعداوة وخلعه، وكان قد ضبط مصر من الجواسيس وكان متيقظاً فهماً، فأشرف من قصره يوماً، فإذا بجنازة قد مرت عليه. فقال: علي بالنعش ومن فيه. فأحضروه، فقال: قم يا متماوت، ثم دعا بالسياف وقال: اضربه، فقام الميت من نعشه، فقال له: أنت متجسس من ناحية أحمد؟ قال نعم! قال: لو لم أتقدم إليك لقتلتك وقتلت من معك، وأمر من أخرجهم عن عمل مصر. فقيل له: من أين علمت ذلك؟ فقال: رأيت القوم ليس عليهم كآبة من مات له ميت، ورأيتهم يطوفون بالقصر، ونظرت إليه في النعش فرأيت رجليه قائمتين ورجل الميت تسترخي؛ فحكمت أنه حي، فلما حضر رأيته يسارق النفس فصحت القضية.
من الطرف
وحضر علي بن بسام مع جحظة البرمكي دعوةً، فتفرق الجماعة المخاد، وبقي جحظة. فقال: ما لكم لم تدفعوا إلي مخدة؟ فقال له ابن بسام: عن قليل تصير إليك كلها.
стр. 118
واشتد البرد سنة؛ فقال أبو العيناء: إن دام هذا كانت بيوتنا التنانير.
وقال رجل لامرأته: الحمد لله الذي رزقنا ولداً طيباً. قالت: ما رزق أحد مثلما رزقنا، فدعياه فجاء، فقال له الأبك يا بني، من حفر البحر؟ قال: موسى بن عمران. قال: من بلطه؟ قال: محمد بن الحجاج. فشقت المرأة جيبها ونشرت شعرها وأقبلت تبكي. فقال أبوه: ما لك؟ فقالت: ما يعيش ابني مع هذا الذكاء.
ابن المعذل والمخنث
رأى عبد الصمد بن المعذل مخنثاً ليلة أربعة عشر من شهر رمضان، وهو مضطجع على ظهره يخاطب القمر ويقول: لا أماتني الله منك بحسرة، أو تقع في المحاق، فما كانت ليلة سبعة وعشرين رأى عبد الصمد الهلال، فقال:
يا قمراً قد صار مثل الهلال ... من بعد ما صيّرني كالخلال
الحمد لله الذي لم أمت ... حتّى أرانيك بهذا السّلال
الصوم في الربيع
وقال أبو عون الكاتب:
جاءنا الصوم في الربيع فهلاّ ... اختار ربعاً من سائر الأرباع
وتولّى شعبان إلا بقايا ... كالعقابيل من دم المرتاع
فكأنّ الربيع في الصوم عقدٌ ... فوق نحر غطّاه فضل قناع
شعبان ورمضان
وقال البحتري:
لاحت تباشير الخريف وأعرضت ... قطع الغمام وشارفت أن تهطلا
فتروّ من شعبان إن وراءه ... شهراً يمانعنا الرحيق السلسلا
وقال:
ومّما دهى الفتيان أنهم أتوا ... بآخر شعبان على أول الورد
يوم الشك
وكتب كشاجم إلى بعض إخوانه في يوم شك:
هو يوم شكٍّ يا عل ... يّ وأمره مذ كان يحذر
والجوّ حلّته ممسّ ... كةٌ ومطرفه معنبر
والماء فضيّ القمي ... ص وطيلسان الأرض أخضر
نبتٌ يصعّد نوره ... في الأرض قطر ندىً تحدّر
ولنا فضيلاتٌ تكو ... ن ليومنا قوتاً مقدّر
ومدامةٌ صفراء أد ... رك عمرها كسرى وقيصر
فانهض بنا لنحتّ من ... كاساتنا ما كان أكبر
أو لا فإنّك جاهلٌ ... إن قلت إنّك سوف تعذر
تشبيب بامرأة رعناء
كانت لرجل من العرب امرأة رعناء؛ فدخل عليها يوماً وهي مغضبة، فقالت: ما لك لا تشبب بي كما يشبب الرجال بنسائهن؟ فقال: إني أفعل! وأنشدها:
تمّت عبيدة إلاّ في ملاحتها ... والحسن منها بحيث الشمس والقمر
ما خالف الظبي منها حين تبصرها ... إلا سوالفها والجيد والنظر
قل للذي عابها من حاسدٍ حنقٍ ... أقصر فرأس الذي قد عيب والحجر
فضحكت ورضيت عنه.
مما يشك هل هو مدح أو هجاء
ومما يشكل هل هو مدح أو هجاء، أن أبا الينبغي دفع إلى خياط أعور اسمه زيد طيلساناً يقوره له، فلما جاءه ليأخذه دفعه إليه، وقال له: قد خطت لك شيئاً لا تدري أهو طيلسان أو هو دواج. فقال: وأنا أقول فيك بيتاً لا تدري أو هو مدح أو هجاء. وأنشده:
خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء
يريد بسواء: يكونان صحيحتين أو ذاهبتين.
ومن هنا اهتدى أبو الطيب المتنبي إلى قوله:
فيابن كروّسٍ يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير
تعادينا لأنّا غير لكنٍ ... وتبغضنا لأنّا غير عور
وكان أبو الينبغي ضعيف الشعر، قلما يصح له الوزن، إلا أنه كان ظريفاً طيباً. ودخل عليه وقد حبس، فقيل له: ما كان خبرك؟ قال أبو الينبغي: قلت ما لا ينبغي ففعل بي ما ينبغي.
ومما يسأل عنه أصحاب المعاني هل هو مدح أو هجاء:
تكامل فيه البخل والجود فاعتلى ... بفضلهما، والبخل بالمرء يزري
وهذا يمدحه؛ يريد أن يجود بماله ويبخل بعرضه.
وقد قال حماد عجرد يمدح محمد بن أبي العباس:
حليم جهولٌ فأمّا التي ... يقال له عندها يجهل
فعند الوغى واشتجار القنا ... إذا الحرب أشعلها مشعل
جوادٌ بخيل فأمّا الذي ... على كل حال به يبخل
فدين وعرض، ودين الكر ... يم ذي الرأي والعرض لا يبذل
стр. 119
وليس بما ملكت كفّه ... من البحر في وجوده يعدل
يداه الحيا في حفوف الثرى ... وطعنته في الوغى الفيصل
إذا ذكر الناس أهل النّدى ... بأسمائهم فاسمه الأوّل
محمد أنت الذي إن سمو ... ت ذي المعمّ لك المخول
يذمّك كبش الوغى في الوغى ... ويحمدك الرمح والمنصل
أعجزتك القافية !
وذكر أن هاشمياً قال لعمر بن أبي ربيعة: لولا بغضكم لنا يا بني مخزوم ما قلت:
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفلٍ ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم
فقدمت علينا بني نوفل وبني أمية؛ فتوهمه ابن أبي ربيعة عاقلاً، فقال: لا بأس بتقديم المفضول على الفاضل في اللفظ، قال حسان بن ثابت:
وما زال في السادات من آل هاشم ... مكارم صدقٍ لا تعدّ ومفخر
بهاليل منهم جعفر وابن أمّه ... عليٌّ ومنهم أحمد المتخيّر
وأيضاً فالشعر على الميم، فلم يمكن في القافية، إلا ما قلت لك. قال: فأعجزتك الحيلة؟ قال: وكيف أحتال؟ قال تقول:
بعيدة مهوى القرط إمّا لهاشم ... أبوها وإمّا عبد شمس ونوفل ميم
فضحك وقال: وهنا لقد عجزت عن هذا.
نقد لشعر امرىء القيس
ومن عجيب ما يتعلق بهذا الباب إنه وصل إلى حضرة سيف الدولة رجل من أهل بغداد يعرف بالمبحث، وكان ينقر على العلماء والشعراء بما لم يدفعه الخصم ولا ينكره الوهم، فتلقاه سيف الدولة باليمين؛ وأعجب به إعجاباً شديداً؛ فقال يوماً: أخطأ امرؤ القيس في قوله:
كأني لم أركب جواداً للذّة ... ولم أتبطّن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزّقّ الرويّ ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّةً بعد إجفال
وهذا معدول عن وجهه لا شك فيه. فقيل: وكيف ذلك؟ قال: إنما سبيله أن يقول:
كأني لم أركب جواداً ولم أقل ... لخيلي كرّي كرةً بعد إجفال
ولم أسبأ الزقّ الرويّ للذة ... ولم أتبطّن كاعباً ذات خلخال
فيقترن ذكر الخيل بما يشاكلها في البيت كله، ويقترن ذكر الشرب واللهو بالنساء. ويكون قوله: للذة في الشرب أطبع منه في الركوب.
فبهت الحاضرون، واهتز سيف الدولة، وقال؛ هذا التهدي وحق أبي! فقال بعض الحاضرين من العلماء للمبحث: أنت أخطأت وطعنت على القرآن إن كنت تعمدت؟ فقال سيف الدولة: وكيف ذلك؟ فقال: قال الله ﵎: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. وعلى قياسه يجب أن يكون: إن لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ، ولا تعرى فيها ولا تضحى. وإنما عطفه امرؤ القيس بالواو التي لا توجب تعقيباً، ولا ترتب ترتيباً؛ فخجل وانقطع.
في مجلس الوليد
وقال خالد: قدمت على الولد بن يزيد في مجلس ناهيك من مجلس، فألفيته على سريره وبين يديه معبد. ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كامل عذيل الدمشقي؛ ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كامل عذيل الدمشقي؛ فجعلوا يغنون حتى بلغت النوبة إلي فغنيت:
سرى همّي وهمّ المرء يسري ... وغاب النجم إلاّ قيد فتر
أُراقب في المجرة كلّ نجمٍ ... تعرّض أو على البحرات يجري
بهمٍّ ما أزال به قريناً ... كأنّ القلب أبطن حرّ جمر
على بكر أخي فارقت بكراً ... وأيّ العيش يحسن بعد بكر
فقال: أعد يا صاح، فأعدت. فقال: من يقوله؟ قلت: عروة بن أذينة الليثي. فقال: وأي العيش يصلح بعد بكر؟ هذا الذي نحن فيه، والله لقد تحجر واسعاً على رغم أنفه.
وأنشدت سكينة بنت الحسين رضوان الله عنهما هذا الشعر؛ فقالت: ومن بكر؟ فوصف لها. فقالت: ذاك الأسود الذي كان يمر بنا، والله لقد طاب كل شيء بعده حتى الخبر والزيت!
السماع وما ينبغي له من الشعر
стр. 120
قلت أنا: وليت شعري إذا كان السماع داعية الأنس، وعشيق النفس، الذي ينهكها إذا أسرها الهم، ويبسطها إذا قبضها الغم، وهو المستأذن على القلب، المنقذ له من الكرب، الداخل عليه من غير تعب، والوارد إليه بغير نصب، وقد قال أرسطا طاليس: لما حددنا المنطق وجدنا فيه ما لا يبلغه اللسان إلا آلة، فركبنا العود على الطبائع، لاستخراج تلك الودائع، فلما قابلت النفس استماع ما ظهر منه عشقته بالعنصر.
وقالوا: كل شراب بلا سماع الدن أولى به؛ فما باله لا تستخرج له الأشعار الرقيقة، ذات المعاني الدقيقة الأنيقة، والألفاظ الناعمة الشكلة، في الأبيات الغزلة، التي تطرب بالتكلم قبل الترنم، ويتجنب ما كان من صفات الجيوش والمقانب، والغارات والكتائب، والأحزان والمصائب؛ فلأن يسمع من كان ثملاً جذلاً:
ظفرت بقبلةٍ منه اختلاساً ... وكنت من الرقيب على حذار
ألذّ من الصبوح على غمامٍ ... ومن برد النسيم على خمار
أحب إليه من أن يسمع:
إنّ السنان وحدّ السيف لو نطقا ... لحدّثا عنك يوم الروع بالعجب
أنفقت مالك تعطيه وتبذله ... يا متلف الفضّة البيضاء والذهب
إلا أن يكون سامعه كمهلهل، وربيعة بن مكدم، وعتيبة بن الحارث بن شهاب؛ هذا على أن هذا الشعر ليس بتحسين الحظ في فصاحة اللفظ، ولا قاصر المرمى عن إدراك المعنى، كقول مروان بن صرد أخي أبي بكر بن صرد في يزيد بن يزيد فيه يقول:
أما أبوك فأندى العالمين يداً ... وكان عمّك معنٌ سيد العرب
عيدانكم خير عيدان وأطيبها ... عيدان نبع وليس النبع كالغرب
وإنكم سادةٌ أوليتم حسباً ... وأنتم قالةٌ للشّعر والخطب
ولكن لكل مكان ما يليق بموضعه، ويحسن بموقعه؛ فأشبه أوقات اللهو والشراب، ذكر التغزل بالأحباب.
وقد قال بعض البلغاء: لولا العشق والهوى، لم توجد لذة الصبا، ولم يكن الطرب والغناء، ولنقص نعيم أهل الدنيا.
وكان ابن الرومي يقول: لو ملكت الأمر وأدركت ملحن هذا الشعر لقتلته:
كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب فاستمرت بطعنةٍ ... كحاشية البرد اليمانيّ المسهّم
وقال ثمامة بن أشرس: كنت عند المأمون يوماً إذ جاءه الحاجب يستأذن لعمير المأموني، فكرهت ذلك، ورأى الكراهة في وجهي. فقال: يا ثمامة، ما لك؟ قلت: يا أمير المؤمنين إنا إذا غنانا عمير ذكر مواطن الإبل، وكثبان الرمل، وإذا غنتنا فلانة انبسط أملي، وقوي جذلي، وانشرح صدري، وذكرت الجنان. كم يا أمير المؤمنين بين أن تغنيك جارية غادة، كأنها غصن بان، بمقلة وسنان، كأنما خلقت من ياقوتة، أو خرطت من درة، بشعر عكاشة العمي:
من كفّ جاريةٍ كأنّ بنانها ... من فضّةٍ قد طرّزت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها ... تلقي على يدها الشمال حسابا
وبين أن يغنيك رجل ملتف اللحية، غليظ الأصابع، خشن الكف، بشعر ورقاء بن زهير:
رأيت زهيراً تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
وكم بين من يحضرك من تشتهي النظر إليه، وبين من لا يقف طرفك عليه؟ فتبسم المأمون. وقال: إن الفرق لواضح، وإن المنهج لفسيح، يا غلام؛ لا تأذن له! وأحضر قينة. قال: فظللنا في أمتع يوم.
من طيبات الأغاني ومطربات القيان
وقد كتبت جرءاً مما قيل في طيبات الأغاني ومطربات القيان، وأنا أعيد منها هنا قطعة ترتاح إليها الأرواح: أنشد أبو العباس أحمد بن محمد الأنباري الناشىء في مثل قول عكاشة:
وإذا بصرت بكفّها اليسرى حكت ... يد كاتبٍ يلقي عليك صنوفا
وكأنّما المضراب في أوتاره ... قلم يمجمج في الكتاب حروفا
ويجسّه إبهامها فكأنّه ... في النقر ينفي بهرجاً وزيوفا
أخذ هذا البيت من قول أبي شجرة السلمي وذكر ناقته:
يطير عنها حصا الظّران من بلدٍ ... كما تنوقد عند الجهبذ الورق
وأصله من قول امرىء القيس:
كأنّ صليل المرو حين تطيره ... صليل زيوفٍ ينتقدن بعبقرا
وقال ابن العجاج:
стр. 121
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق ... أيدي نساءٍ يتعاطين الورق
وقال أبو نواس:
وأهيف مثل طاقة ياسمين ... له حظّان من دنيا ودين
يحرّك حين يشدو ساكناتٍ ... وتنبعث الطبائع للسكون
وهذا مليحٌ، يريد حركة الجوانح للغناء، وسكون الجوارح للاستماع.
صفة القيان والعيدان
ومن عجيب ما قيل في صفات القيان والعيدان قول ابن الرومي.
وقيانٍ كأنّها أُمهاتٌ ... عاطفاتٌ على بنيها حواني
مطفلات وما حملن جنيناً ... مرضعات ولسن ذات لبان
ملقمات أطفالهنّ ثديّاً ... ناهداتٍ كأحسن الرمّان
مفعمات كأنها حافلاتٌ ... وهي صفر من درّة الألبان
كل طفل يدعى بأسماء شتّى ... بين عود ومزهر وكران
أمّه دهرها تترجم عنه ... وهو بادي الغنى عن الترجمان
وأنشد أبو علي الحاتمي لأبي بكر الصولي:
وغناءٌ أرقّ من دمعة الص ... بّ وشكوى المتيّم المهجور
يشغل الفهم عن تظنٍّ وفهمٍ ... فهو يصغي بظاهرٍ وضمير
صافح السمع بالذي يشتهيه ... فأذاق النفوس طعم السرور
ليس بالقائل الضعيف إذا ما ... راض نغماً ولا الشنيع الجهير
يجتني السمع منه أحسن ممّا ... تجتني العين من وجوه البدور
إبليس ينادم إبراهيم الموصلي
قال إبراهيم الموصلي: استأذنت الرشيد في أن يهب لي في كل أسبوع يوماً، أخلو فيه مع جواري، فأذن لي في يوم الأحد وقال: هو يوم أستثقله؛ فلما كان في بعض الآحاد أتيت الدار، فدخلت الحجاب ألا يأذنوا لأحد علي وأغلقت الأبواب.
فما هو إلا أن جلست حتى دخل علي شيخ حسن السمت والهيئة، على رأسه قلنسوة لاطئة، وفي رجله خفان أحمران، وفي يده عكازة مقمعة بفضة، وعليه غلالة سكب.
فلما رأيته امتلأت غيظاً، وقلت: ألم آمر الحجاب ألا يأذنوا لأحد، فسلم. فأفكرت وقلت: لعلهم علموا من الشيخ ظرفاً وهيئة، فأحبوا أن يؤنسوني به في هذا اليوم؛ فلما أمرته بالجلوس جلس، وقال: يا إبراهيم ألا تغنيني صوتاً؟ فامتلأت عليه غيظاً ولم أجد إلى ردة سبيلاً؛ لأنه في منزلي، وحملته منه على سوء أدب العامة؛ فأخذت العود وضربت وغنيت ووضعت العود. فقال لي: لم قطعت هزارك؟ فزادني غيظاً، وقلت لا يسيدني ولا يكنيني ولا يقول: أحسنت! فأخذت العود فغنيت الثانية، فقال لي: أحسنت، فكدت والله أشق ثيابي، فغنيت تمام الهزار. فقال: أحسنت يا سيدي! ثم قال: ناولني العود، فوالله لقد استجابه، فوضعه في حجره، ثم جسه من غير أن يكون ضرب بأنملة، فوالله لقد خلت زوال نعمتي في حبسه، ثم ضرب وغنى:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجداً على وجد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضّحى ... على فنن غضّ النبات من الرّند
بكيت كما يبكي الوليد ولم أكن ... جليداً وأبديت الذي لم أكن أُبدي
وقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا ... يملّ وأنّ النأي يسلي من الوجد
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خيرٌ من البعد
فوالله لقد خلت كل شيء في الحضرة يتغنى معه حتى الأبواب والستور، ثم ضرب وغنى:
ألا يا حمامات اللّوى عدن عودةً ... فإني إلى أصواتكنّ حزين
فعدن فلما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسراري لهنّ أُبين
دعون بترداد الهدير كأنما ... شربن حميّا أو بهنّ جنون
فلم تر عيني مثلهنّ حمائماً ... بكين ولم تدمع لهنّ عيون
ثم ضرب وغنى:
قفا ودعا نجداً ومن حلّ بالحمى ... وقلّ لنجدٍ عندنا أن يودّعا
وأذكر أيام لحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدّعا
فليست عشيّات الحمى برواجع ... إليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
وأعذر فيها النفس إن حيل دونها ... وتأبى إليها النفس إلاّ تطلّعا
стр. 122
فوالله لقد تغنى كل شيء معه بالحضرة، حتى النمارق والوسائد وقميصي الذي على بدني؛ فقال: يا أبا إسحاق! هذا الغناء الماخوري، تعلمه وعلمه جواريك، ثم وضع العود من حجره وقام إلى الدار فلم أره، فدفعت أبواب الحرم فإذا هي مغلقة؛ فقلت: ويحكن هل سمعتن ما سمعت، أو رأيتن ما رأيت؟ قلن: نعم! سمعنا وأعدن الأصوات علي وقد لقنها؛ فسألت الحجاب عن الرجل؛ فقالوا لي: لم يدخل عليك أحد حتى يخرج، فأمرت بدابتي فأسرجت، فركبت من فوري إلى دار الخليفة واستأذنت؛ فلما رآني قال: ألم تنصرف آنفاً على نية المقام في منزلك والخلوة بأهلك؛ قلت: يا سيدي؛ جئت بغريبة؛ وقصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها، فضحك حتى رفع الوسائد برجليه، وقال لي: كان نديمك اليوم أبو مرة، وددت أنه لوم متعنا بنفسه كما متعك.
واشتهر إبراهيم بهذا الطريق، واشتهته الناس فلم تبق جارية لقنته من إبراهيم إلا زيد في ثمنها؛ قال اللاحقي:
لا جزى الله الموصليّ أبا إس ... حاق عنّا خيراً ولا إحسانا
جاءنا مرسلاً بوحيٍ من الشي ... طان أغلى به علينا القيانا
من غناءٍ كأنه سكرات ال ... حب يصغي القلوب والآذانا
أبو فراس يستميل سيف الدولة إلى الغناء
ومن مليح هذا المعنى قول أبي فراس: كان سيف الدولة لا يشرب النبيذ ولا يسمع القيان ويحظرهما، فوافت ظلوم الشهرامية، وكانت إحدى المحسنات، وكان بحضرته ابن المنجم أحد المحسنين، فتاقت نفسي إلى سماع ظلوم؛ فسألت الأمير أن يحضرهما لأسمعهما مجتمعين؛ فوعدني بإحضارهما مجلسه من يومه، فانصرفت وأنا غير واثق بذلك لعلمي بضعف نيته في مثله، ووجهت إلى ظلوم أتقدم إليها بالاستعداد، وحصلت عندي ابن المنجم، وأقمت أنتظر رسوله إلى أن غربت الشمس، فكتبت إليه:
محلّك الجوزاء بل أرفع ... وصدرك الدهناء بل أوسع
وقلبك الرّحب الذي لم يزل ... للجدّ والهزل به موضع
رفّه بقرع العود سمعاً غدا ... قرع العوالي جلّ ما يسمع
فبلغت هذه الأبيات أبا محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلبي؛ فأمر بها فلحنت وغني بها، فلم يشرب بقية يومه ذلك إلا عليها.
من شعر أبي فراس
وأبو فراس هو الحارث بن سعيد بن حمدان؛ وفي أبي فراس يقول القاضي ابن الهيثم:
أيقنت أني ما بقي ... ت رهين شكر الحارث
فإذا المنية أشرفت ... ورّثت ذاك لوارثي
رقّي له من بعد سي ... يّدنا وليس لثالث
قال أبو فراس: فحاولت جوابه على هذه القافية فما أمكنني شيء أرتضيه، فكتبت إليه:
لئن جمعتنا غدوةً أرض يابس ... فإنّ لها عندي يداً لا أضيعها
أحبّ بلاد الله أرضٌ تحلّها ... إليّ، ودار تحتويك ربوعها
أفي كلّ يوم رحلة بعد رحلة ... تجرّع نفسي حسرةً وتروعها
فلي أبداً قلبٌ كثير نزاعه ... ولي أبداً نفسٌ قليل نزوعها
لحى الله قلباً لا يهيم صبابةً ... إليك وعيناً لا تفيض دموعها
وكان أبو فراس حسن الشعر، جيد النمط، ولقوته من الطلاوة والحلاوة ما يشهد به ما أنشد له.
وكان أبو القاسم الصاحب يقول: بدىء الشعر بملك، وختم بملك؛ بدىء بامرىء القيس، وختم بأبي فراس.
بين أبي فراس وسيف الدولة
وكتب أبو فراس إلى سيف الدولة وقد سار إلى منزله: كتابي أطال الله بقاء الأمير من منزلي، وقد وردته ورود السالم الغانم موقر الظهر وفراً وشكراً؛ فاستحسن سيف الدولة بلاغته فقال:
هل للفصاحة والسما ... حة والعلا عنّي محيد
في كل يوم استقي ... د من العلاء وأستفيد
ويزيد فيّ إذا رأي ... تك في الندى خلقٌ جدي
وأهدى الناس إلى سيف الدولة في بعض الأعياد فأكثروا؛ فاستشارهم أبو فراس فيما يهديه إليه، فكل أشار بشيء، فخالهم وكتب إليه:
نفسي فداؤك قد بعث ... ت بمهجتي بيد الرسول
أهديت نفسي، إنما ... يهدى الجليل إلى الجليل
وجعلت ما ملكت يدي ... بشرى المبشّر بالقبول
ووقع بين أبي فراس وبين بني عمه عداء وهو صغير؛ فمزح سيف الدولة معه بالتعصب عليه فقال:
стр. 123
قد كنت عدّتي التي أسطو بها ... ويدي إذا خان الزمان وساعدي
فرميت منك بضدّ ما أمّلته ... والمرء يشرق بالزّلال البارد
فصبرت كالولد التقيّ لبرّه ... أغضى على مضضٍ لضرب الوالد
وقال يفخر:
لنا بيتٌ على طنب الثريا ... بعيد مذاهب الأكناف سامي
تظلّله الفوارس بالعوالي ... وتفرشه الولائد بالطعام
وقال يصف السبي.
وخريدة كرمت على آبائها ... وعلى بوادر خيلنا لم تكرم
خطبت بحدّ السيف حتى زوّجت ... كرهاً وكان صداقها للمقسم
راحت وصاحبها بعرس حاضرٍ ... يرضي الإله وأهلها في مأتم
وقال:
ما كنت مذ كنت إلاّ طوع خلاّني ... ليست مؤاخذة الخلاّن من شاني
يجني الصديق فأستحلي جنايته ... حتى أدلّ على عفوي وإحساني
ويتبع الذّنب ذنباً حين يعرفني ... عمداً فأُتبع غفراناً بغفران
يجني عليّ فأحنو صافحاً كرماً ... لا شيء أحسن من حانٍ على جان
وقال:
فوالله ما أضمرت في الحبّ سلوةً ... ووالله ما حدّثت نفسي بالصبر
وإنك في عيني لأبهى من الغنى ... وإنك في قلبي لأحلى من النّصر
فيا حكمي المأمول جرت مع الهوى ... ويا ثقتي المأمون جرت مع الدهر
وقال:
سكرت من لحظه لا من مدامته ... وما بالنوم عن عيني تمايله
وما السّلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشّمول ازدهتني بل شمائله
ألوى بصبري أصداغٌ لوين له ... وغلّ صدري ما تحوي غلائله
وقال:
وظبي غرير في فؤادي كناسه ... إذا كنست عين الفلاة وحورها
فمن خلقه لبّاتها ونحورها ... ومن خلقه عصيانها ونفورها
وقال:
ألزمني ذنباً ولا ذنب لي ... ولجّ في الهجران والعتب
أُحاول الصبر على هجره ... والصبر محظورٌ على الصبّ
من لي بكتمان هوى شادنٍ ... عيني له عينٌ على قلبي
عرّضت صبري وعلوّي له ... فاستشهدا في طاعة الحبّ
وقال:
لبسنا رداء الليل، والليل راضعٌ ... إلى أن تردّى رأسه بمشيب
وبتنا كغصني بانةٍ عطفتهما ... مع الصبح ريحاً شمألٍ وجنوب
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنّه ... مبادي نصولٍ في عذار خضيب
فيا ليل قد فارقت غير مذمّم ... ويا صبح قد أقبلت غير حبيب
وقال:
قل لأحبابنا الجفاة رويداً ... درّجونا على احتمال الملال
إنّ ذاك الصدود من غير جرمٍ ... لم يدع في موضعاً للوصال
أحسنوا في هواكم أو أسيئوا ... لا عدمناكم على كلّ حال
وقال:
ومغضٍ للمهابة عن جوابي ... وإنّ لسانه العضب الصقيل
أطلت عتابته عنتاً وظلماً ... فدمّع ثم قال: كما تقول
وقال:
بتنا نعلّل من ساقٍ أغنّ لنا ... بخمرتين من الصهباء والخدّ
كأنّه حين أزكى نار وجنته ... سكراً وأسبل فضل الفاحم الجعد
يعدّ ماء عناقيد بطرّته ... بماء ما حملت خدّاه من ورد
وقال:
أيا سافراً ورداء الخجل ... مقيمٌ بوجنته لم يزل
بعيشك ردّ عليك اللثام ... أخاف عليك جراح المقل
فما حقّ حسنك أن يجتلى ... ولا حقّ وجهك أن يبتذل
أمنت عليك صروف الزمان ... كما قد أمنت عليّ الملل
وقال:
لا غرو إن فتنتك بال ... ألحاظ فاترة الجفون
فمصارع العشاق ما ... بين الفتور إلى الفتون
اصبر فمن سنن الهوى ... صبر الضنين على الضنين
وقال:
سقى ثرى حلب، ما دمت سانها ... يا بدر، غيثان منهلٌّ ومنبجس
كأنّما البدر والولدان موحشة ... وربعها دونهنّ العامر الأنس
أسير عنها لأمرٍ ما فيزعجني ... حتى يعود إليها الخدّر الكبس
стр. 124
مثل الحصاة التي يرمى بها أبداً ... إلى السماء فترقى ثم تنعكس
وقال أبو فراس في رسول ملك الروم إذ جاء يطلب الهدنة، فأمر سيف الدولة بالركوب بالسلاح، فركب من داره ألف غلام مملوك بألف جوشن مذهب على ألف فرس عتيق بألف تجفاف، وركب الناس والقواد على تبعيتهم وسلاحهم وراياتهم، حتى طبق الجيش جبل جوشن وما حوله. فقلت:
علونا جوشناً بأشد منه ... وأثبت عند مشتجر الرماح
بجيش جاش بالفرسان حتّى ... ظننت البرّ بحراً من سلاح
فألسنةٌ من العذبات حمر ... تخاطبنا بأفواه الرياح
وأروع جسمه ليلٌ بهيمٌ ... وغرّته عمودٌ من صباح
صفوحٌ عند قدرته كريمٌ ... قليل الصّفح ما بين الصفاح
كأن ثباته للقلب قلبٌ ... وهيبته جناحٌ للجناح
طرف من أخبار المهلبي
وعلى ذكر المهلبي أذكر طرفاً من ظريف أخباره، وشريف آثاره، وإنما أسلسل أخبار أمثاله من أشراف العصر، وأفراد الدهر، تعمداً للذة الجدة، ورونق الحداثة؛ إذا كان ما لم يقرع الآذان، أدعى إلى الاستحسان، مما تكرر حتى تكدر.
والمهلبي هو أبو محمد الحسن بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وكان المطيع لله الفضل بن جعفر المقتدر، لما ولي الخلافة بعد المستكفي، قام بجميع أموره معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي، وصحبه أجمل صحبة من أول ولايته إلى سنة موته وهي سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وعقد الديلمي أمر وزارته للمهلبي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وكان المهلبي من سروات الناس وأدبائهم وأجوادهم وأعزائهم، وفيه يقول أبو إسحاق الصابىء:
نعم الله كالوحوش وما تأ ... لف إلاّ أخايراً نسّاكا
نفّرتها أيام قومٍ وصيّ ... رت لها البرّ والتّقى أشراكا
وفيه يقول:
قل للوزير أبي محمد الذي ... قد أعجزت كلّ الورى أوصافه
لك في المجالس منطقٌ يشفي الجوى ... ويسوغ في أذن الأديب سلافه
وكأنّ لفظك لؤلؤ متنخّل ... وكأنما آذاننا أصدافه
وفيه يقول أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة السعدي:
أنا عبد من لو قال للشمس اغربي ... غربت وقد طلعت على الأشهاد
المستقل من الوزارة رتبةً ... إشراقها فوق الخلافة بادي
عقّ الكماة لخوفه هيجاءهم ... وهم لطاعته من الأولاد
وتقنعوا بالنزر من أيامهم ... حتى ظنناهم من الزهاد
ومن التراب عجاجهم وعجاجه ... ممّا يحطّم من قناً وجياد
القائد الخيل العتاق كأنها ... أسد مخالبها صدور صعاد
كذب المحدّث بالشجاعة والندى ... عن خندف وربيعة وإياد
لو أبصرت عيناه آل مهلب ... والخيل راوية النحور صوادي
يخرجن من رهج العجاج كأنما ... أسيافهم خرجت من الأغماد
أوما رأيت جنابهم متدفّقاً ... متوسعاً لتضايق الرّوّاد
ووجوههم للبذل من إشراقها ... قد قنّعت شمس الضحى بسواد
لرأيت أو كادت جفونك أن ترى ... لجج البحار وآنف الأطواد
وعلمت أنهم على رغم العدى ... ذهبوا بكل ندىً وكلّ جلاد
يا من نصغّره إذا قلنا له ... ملك الملوك وماجد الأمجاد
وذباب سيفك إنه قسم الوغى ... والموت في ثوب من الفرصاد
لأطرزنّ بك الزمان مدائحاً ... تختال بين الشدو والإنشاد
تدع المسامع والقلوب لحسنها ... عند الرواة تشدّ بالأصفاد
وقال فيه:
ألكني إلى آل المهلب إنهم ... لأرفع من زهر النجوم وأثقب
إذا سلبوا الأموال من شنّ غارة ... أغار عليها المجتدون ليسلبوا
فلا زالت الأملاك تطلب رفدهم ... فتدنى وتعطى فوق ما تتطّلب
стр. 125
ولا برحت حمر المنايا وسودها ... إلى بأسهم يوم الوغى تتحزّب
فما استمطروا للجود إلاّ تدفّقوا ... ولا استصرخوا للطّعن إلاّ تلبّبوا
إليك أمين الله في الأرض شمّرت ... عزيمة صبحٍ بالدّجى تتجلبب
يرى حظّه مستأخراً وهو أوّلٌ ... وآماله مغلوبة وهو أغلب
وأنت شبابٌ للذي شاب مقبلٌ ... إليه ووجهٌ للذي خاب ملحب
تقود أبيّات الأمور كأنّها ... إليك أسارى في الأزمّة تجنب
وتطعن في صدر الكتائب معلماً ... كأنك في صدر الدواوين تكتب
نداؤك أملى والجياد منابرٌ ... وأبطالها بالمشرفّية تخطب
أذمّ زياداً في ركاكة رأيه ... وفي قوله: أيّ الرجال المهذب
وهل يحسن التهذيب منك خلائقاً ... أرقّ من الماء الزلال وأعذب
تكلّم والنعمان بدر سمائه ... وكلّ مليكٍ عند نعمان كوكب
ولو أبصرت عيناه شخصك مرّة ... لأبصر منه شمسه وهي غيهب
إذا ذكرت أيامك الغرّ أظلمت ... تميم وقيس والرباب وتغلب
لقد صرّحوا بالمال لي وهو مبهم ... وقد عرّضوا بالقول لي وهو موجب
ولي همةٌ لا تطلب المال للغنى ... ولكنها منك المودّة تطلب
فإن كان قولي دون قدرك قدره ... فما أنا فيه في امتداحك مذنب
إذا كانت الأشياء دونك قدرها ... فغير ملومٍ أن يقصّر مسهب
زياد: هو النابغة الذبياني؛ وإنما عنى قوله في اعتذاره للنعمان بن المنذر:
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمّه ... على شعثٍ أيّ الرجال المهذب
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً ... ترى كل ملكٍ دونها يتذبذب
بأنّك شمسٌ والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وإنما أخذ النابغة هذا من قول شاعر من كندة قديم:
تكاد تميد الأرض بالناس إن رأوا ... لعمرو بن هند غضبةً وهو عاتب
هو الشمس وافت يوم دجنٍ فأفضلت ... على كل نورس والملوك كواكب
من حياة المهلبي
والمدح في أبي محمد المهلبي كثير، وإنما يؤخذ من كل شيء ما اختير. وكان قبل تعلقه بحبل السلطان سائحاً في الأرض على طريق الفقر والتصوف. قال أبو علي الصوفي: كنت معه في بعض أوقاته، أماشيه في بعض طرقاته؛ فضجر لضيق الحال، فقال:
ألا موتٌ يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن روح حرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه
قال: فاشتريت له رطل لحم وطبخته له. ثم تصرف بنا الدهر وبلغ المهلبي مبلغه؛ قال أبو علي: فاجتزت البصرة واجتزت بأسلمان، فإذا أنا بناشطيات وحراقات وزيارب وطيارات في عدة وعدة. فقلت: لمن هذا؟ فقيل: للوزير أبي محمد المهلبي، فنعتوا لي صاحبي، فتوصلت إليه حتى رأيته، فكتبت رقعة واحتلت حتى دخلت، فسلمت وجلست، حتى إذا خلا المجلس رفعت إليه الرقعة، وفيها:
ألا قل للوزير بلا احتشام ... مقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر أن تقول لضيق عيشٍ ... ألا موتٌ يباع فأشتريه
فنظر إلي، وقال: نعم! ونهض وأنهضني معه في مجلس أنسه، وجعل يذكر لي كيف توافت حاله؛ وقدم الطعام فأطعمنا، وأقبل ثلاثة من الغلمان على رأس أحدهم ثلاث بدر، ومع آخر تخوت وثياب رفيعة، ومع آخر طيب وبخور؛ وأقبلت بغلة رائعة بسرج ثقيل؛ فقال لي: يا أبا علي؛ تفضل بقبول هذه، ولا تتأخر عن حاجة تعرض لك، فشكرته وانصرفت؛ فلما هممت بالخروج من الباب استردني وأنشدني بديهاً:
رقّ الزمان لفاقتي ... ورثى لطول تحرّقي
فأنالني ما أرتجي ... وأجار ممّا أتّقي
فلأغفرنّ له القدي ... م من الذنوب السّبّق
إلاّ جنايته لما ... فعل المشيب بمفرقي
العباس بن الحسين وآثاره
стр. 126
ولما مات المهلبي وجد عليه أحمد بن بويه وجداً شديداً ولم يستوزر أحداً بعده، وبلغ منه أبو الفضل العباس بن الحسين بن عبد بن فاخر بعد المهلبي مبلغاً عالياً؛ للمصاهرة التي كانت بينه وبين المهلبي؛ ولأنه كان يخلفه في الدواوين؛ فكان يخطب درجة المهلبي في الوزارة فلم يبلغها.
وكان العباس ممن تعظمه الملوك وتعرف قدره في الفرس وسبقه، وكان بنو بويه يخاطبونه بالشيخ؛ ولما حصلوا بأرض العراق استدعوه من فارس اشتياقاً إليه، وحاجةً إلى رأيه؛ لما كانوا يعرفون من ثقته، وكان يتخذ من الزي وتفخيم شأن الملك ما كان يحسن به في عين أحمد بن بويه؛ إذ كان يحب من أصحابه ذلك.
وكان مما عمله العباس المغيض الذي بظاهر السندية، الذي ينزع من نهر عيسى بن موسى الهاشمي النازع من الزاب الأعظم بناحية البثق المعروف ببثق الروبانية وهو الذي تعمره ملوك العراق، وتحوط به الأعمال التي ترد إلى كل ناحية حظها من الشرب الذي تكون به عماراتها واستقامة ربوعها ووفور أموالها وتمام خراجها.
وهذا المغيض عملته الأكاسرة لينتفع به عند زيادة المياه وكثرتها؛ فإنها حين تخشى البثق المقدم ذكره وغيره من البثوق أن تزيد المياه عليها فتخرقها فينصرف الماء عن سائر الضياع، فإذا خشي ذلك فتح هذا المغيض فانصرف ما يزيد من الماء عن قدر ما ينتفع به إليه، حتى يصب في نهر يعرف بصرصر حتى يفرغ في دجلة، فعمل هذا المغيض من ماله بعد فساد ما كان قبله. وسائر هذه البثوق تسترم بعد خمسين عاماً من بعد عمارتها إلى السبعين، أكثره على ما يذكرون.
ثم عمر الدار المعروفة بخاقان، وهي في ملك ولده وما يليها من الدور التي كانت تجاورها بشاطىء دجلة، وهذه الدار معروفة عند الملوك معظمة في نفوسهم، وهي دار لها حدان، فالجبلي منها ينتهي إلى دجلة، والشرقي منها ينتهي إلى نهر الصراة النازع من نهر عيسى النازع من الفرات الأعظم، حتى يلتقي هذان النهران.
وقد كان في قديم الزمان بلغ أمرها بعض ملوك الروم؛ وصف له أن بالعراق داراً يجتمع فيها دجلة والفرات، فأعظم ذلك وأكبره، وأكذب من أخبره به. ثم كشف عن ذلك لعظمه عنده فوجده حقاً، فعمر العباس هذه الدار على أحسن مما كانت عليه، بل أزيد من ذلك، وانتهى خبرها إلى أحمد بن بويه فأحب النظر إليها؛ فاصطنع له طعاماً ورتب الناس على أحسن ما يكون من ترتيب مثله، وفرش مجالسها وقبابها ومحالها وخباءها ورحابها وخورنقاتها وجيرياتها، بألوان المثقل بالمذهب، والأرمني الرفيع على أصنافه، والخزو المقطوع المرقوم المثقل بالذهب على أجناسه وألوانه، والمحفور الدجلي القديم والمحفور الأرمني، وغير ذلك من أصناف الفرش مما أحدثه العراقيون.
وكان ذلك على حين طيب الزمان، واجتماع خيرات كل أوان، في زمن الورد ووقت النيروز الفارسي، وهو حين تكامل النبت وزيادة المياه، وطلوع الثمار، وزهر الأشجار.
واصطنع في البستان الأعظم على البركة التي يجتمع بفنائها الجبلي والشرقي دجلة والفرات قصراً مبنياً من السكر على أربع طبقات، بأبواب تدور به، وأبواب تغلق عليها من فوقها طبقة فطبقة، تطلع من تلك الأبواب صور من السكر على هيئة الجواري الغلمان بصنوف الملاهي في أحسن الملابس والحلل، وجعل على شرفاتها وطبقاتها وحناياها صور أنواع الطير والحيوان والوحش، وجعل من ورائها رجالاً تنفخ بالبوقات والمزامير، كل صنف يخرج منه صوت يليق بصورته صوت مثله؛ وكل ذلك من السكر المموه بصنوف الأصباغ والنقوش والذهب. ثم نصب القيان وأصحاب الملاهي على طبقاتهم مفترقين في تلك المجالس.
وحضر أحمد بن بويه وولده بختيار وإبراهيم ومحمد: كل منهم في قواده وجنده وكتابه ووجوه رجاله وحاشيته. وأمر بعرض دجلة. فمد من جانبها الغربي الذي هو الركن المجتمع فيه دجلة والفرات إلى الجانب الشرقي الذي بإزائه حبل مفتول، ونثر على الماء من الورد ما غطى دجلة من الجانب إلى الجانب الآخر، إلا ما خرقته أنواع المراكب من الطيارات والزلالات والحديديات والزبازب والسماريات التي ركبها أحمد وأصحابه إلى من سواهم من العامة، وانتظمت هذه المراكب جانبي دجلة من حد هذه الدار وما بإزائه من الجسر الذي بباب الطاق، وصار المسلوك من دجلة في وسطها، وصار ذلك الورد يستقبل المنحدر إلى الدار يمنعه الحبل المعترض من الجري مع الماء من تحته.
стр. 127
ثم تلقى أحمد وبنيه بما أعد لهم من الكرامة والحباء؛ فكان من صنوف ذلك دنانير ودراهم ضربها في كل دينار منهما ودرهم خمسة دنانير وخمسة دراهم عليها صنوف الصور في أواني الذهب والفضة، الفضة في الذهب، والذهب في الفضة، وأنواع البز من صنوف الحرير والنسيج والخز والشرب وأصناف المتاع، وأعد من الخيل والمراكب والغلمان بصنوف الملابس بقدر ما يقتضيه ما قدمنا ذكره.
ثم اخذ في إطعام الجميع؛ حتى عم سائرهم صغيرهم وكبيرهم. إلى أن وصل ذلك بأصحاب السفن، فأتى على سائرهم طعاماً وشراباً.
ولما حضر الانصراف قدم بين يدي أحمد من تلك الصواني الذهب والفضة من كل صنف صينيتين، في كل واحدة ألف دينار وألف درهم، ومن الخلع والدواب والمراكب ما يشاكل ذلك، وجعل لبختيار بن أحمد ما يشاكل ذلك، ولكل واحد من إخوته نصف ذلك؛ وعم سائر القواد والرؤساء على أقدارهم من كسوة وغيرها، كل إنسان بقدره؛ ثم أمر بنهب القصر السكر، فنهبه الحشم والغلمان والعامة حتى أتوا على آخره.
وقد حكى منصور بن عيسى بن سوادة الكاتب، وكان يلي دواة العباس وكان خصيصى به قديم الصحبة له خبيراً بأمره؛ قال: قدم سيدنا أبو الفضل مقدار ما لزمه على إصلاح المغيض، وبناء الدار، وما أنفقه في الدعوة من ماله سوى ما عضده به الكتاب والعمال والصناع، فكان مبلغه ستمائة ألف دينار، فسئل عن مقدار ما كان أعانه من قدمنا ذكره؛ فقال: هو والله أكثر من أن أحصيه! ولم يكن للعباس علم ولا ضرب في الكتابة بسهم، ولكن كانت له دراية بالأعمال، وتصرف في أمور السلطان؛ وكانت له همة عالية. ويقال: إن جده فاخراً كان إسكافاً.
زوج العباس بنت المهلبي
وكان العباس تزوج زينة بنت المهلبي، وكانت قد بلغت بها الحال إلى أن اتخذت الجواري الأتراك حجاباً في زي الرجال على ما جرى به رسم السلطان، وكان لها كتاب من النساء؛ مثل سلمى النوبختية، وعائشة بنت نصر القسوري حاجب المقتدر، وغيرهما من القهارمة؛ ومن يتصرف في الأعمال تصرف الرجال، وكان لها كرم وجود في الأموال.
فلما قبض على زوجها أبي الفضل بعد وزارته الثانية لبختيار بن أحمد، وقد صارت الوزارة لمحمد بن بقية اختفت زينة بنت الحسن وسائر أسبابها؛ فجعلت عليها العيون في كل مكان، واستقصى على أبي الفضل زوجها؛ وسلم إلى محمد بن عمر بن يحيى بعد طاهر العلوي، فخرج به من بغداد إلى الكوفة؛ فأقام عنده مدةً يسيرة ثم مات، ودفن هناك في النجف بجوار قبر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
ولم يزل بختيار يطلب زينة وأسبابها، فعثر على أكثر أسبابها فلم يجد لها موضعاً؛ وكان سبب اختفائها منه أنه راسلها في حين القبض على أبي الفضل، وأعلمها أنه يسومه الترك ليتزوج بها؛ فردت أقبح رد، وأنكرت ذلك؛ فكان ذلك سبب اختفائها، وكان لها من الذخائر والودائع في أيدي جماعة مما كان يغني كثيراً من الناس، فلما بلغ بها الأمر طمع كل واحد فيما في يده والغدر به.
ولما كان بعد اليأس من وجودها، ظهر بظاهر الخلد بقرب محلة تعرف بالدسترقين فرد محمل مغطى، فيه امرأة في أخلاق وعند رأسها رقعة مكتوب فيها زينة بنت الحسن بن محمد المهلبي الوزير؛ فاشتهر ذلك عند الخاصة والعامة، ووافى القاضي أبو تمام الحسن بن محمد الهاشمي المعروف بالزينبي، فاحتملها لداره وتولى من أمرها ما يجب لمثلها، ودفنها في مقابر قريش؛ وقد كانت أختاها تحت ولديه أبي الحسن وأبي القاسم.
الحب والطعام
وكان أبو الحارث حسين يظهر لجارية من المحبة أمراً عظيماً فدعته وأخرت الطعام إلى أن ضاق. فقال: يا سيدتي؛ ما لي لا أسمع للغداء ذكراً. فقالت: يا سبحان الله! أما يكفيك النظر إلي وما ترغبه فيّ من أن تقول هذا؟ فقال: يا سيدتي؛ لو جلس جميل وبثينة من بكرة إلى هذا الوقت لا يأكلان طعاماً لبصق كل واحد منهما في وجه صاحبه.
شركة
أراد قوم من البصرة الجمع؛ فقال أحدهم: علي الطعام. وقال أحدهم: علي الشراب. وقالوا: ما عليك أنت يا أبا إسحاق؟ فقال: لعنة الله علي إذا لم آكل وأشرب معكم؛ فضحكوا منه ومضوا به.
ولكن اللجام لي
قال أبو عبيدة: أجريت الخيل في الحلبة؛ فجاء فرس من الخيل سابقاً، فجعل رجل من النظارة يكثر الفرح ويكبر ويصفق. فقال له رجل إلى جانبه: يا فتى؛ الفرس لك؟ قال: لا! ولكن اللجام لي!.
طفيلي في عرس
стр. 128
دخل طفيلي عرساً فلم يقدر على الدخول، فأخذ قرطاساً وأدرجه ولم يكتب فيه شيئاً، وسأل عن العروس، هل له قرابة غائب؟ فقيل: أخوه. فكتب عنوان الكتاب من فلان بن فلان إلى أخيه، وجاء فدق الباب. وقال: معي كتاب من أخي العروس، فخرج العروس مبادراً فأدخله وأحضر له الطعام؛ فلما قرأ العنوان قال: سبحان الله! تراه نسي اسمي إذ لم يكتبه على الكتاب؟ فقال الطفيلي: وأعجب من هذا أنه لم يكتب داخله شيئاً من العجلة، فعلم مراده وأدخله.
وأنشد بعضهم لأبي محمد بن وكيع:
بينا أنزّل أمري أن يجي فرجٌ ... مقدّماً فيه بين السّوق والليت
إذا بصرت بباب الدار مستلماً ... فملت مستمعاً أُصغي إلى الصوت
فقلت من جا بباب الدار يقرعه ... نادى أنا فرجٌ زن لي كرى بيتي
عتاب طفيلي على التطفيل ورده
عوتب طفيلي على التطفيل؛ فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا نصبت الموائد إلا لتوكل، وإني لأجمع في التطفيل خلالاً، أدخل مجالساً، وأقعد مستأنساً، وأنبسط وإن كان رب الدار عابساً، ولا أتكلف مغرماً، ولا أنفق درهماً، ولا أتعب خادماً.
وصية طفيلي لأصحابه
قال ابن دراج الطفيلي لأصحابه: لا يهولنكم غلق الأبواب، ولا شدة الحجاب، ولا عنف البواب، وتحذير العقاب، ومبارزة الألقاب؛ فإن ذلك صائر بكم إلى محمود النوال، ومغن لكم عن ذل السؤال، واحتملوا الوكزة الموهنة، واللطمة المزمنة، في جنب الظفر بالبغية، والدرك للأمنية، والزموا الطوزجة للمعاشرين، والخفة بالواردين والصادرين. والتملق للملهين والمطربين، والبشاشة بالخدم والموكلين؛ فإذا وصلتم إلى مرادكم فكلوا محتكرين؛ وادخروا لغدكم مجتهدين؛ فإنك أحق بالطعام ممن دعي إليه، وأولى ممن صنع له؛ فكونوا لوقته حافظين، وفي طلبه متمسكين، واذكروا قول أبي نواس:
ليخمس مال الله من كلّ فاجرٍ ... وذي بطنةٍ للطيبات أكول
تقاصر لينالك الضرب
جلد بعض الشرط رجلاً وكان الجلاد قصيراً دميماً والمجلود طويلاً؛ فقال له الجلاد: تقاصر لينالك الضرب. فقال: ويلك! إلى أكل الفالوذج تدعوني؟ والله لوددت أن تكون أنت أقصر من يأجوج ومأجوج، وأنا أطول من عوج.
أمنية المبغض
دخل أعرابي من ثقيف على خالد بن عبد الله القسري، فشكا إليه قلة المطر، وجفوف الشجر، وكثرة العيال، وعدم المال. وكان خالد مبغضاً لثقيف، فقال: أما ما ذكرته من قلة المطر فوددت أن الله جل اسمه ضرب بينكم وبين السماء صفائح من حديد؛ وجعل مسيلها مما يلي البحر، فلا تصل إليكم قطرة من مائها. وأما ما ذكرت من يبس الشجر فوددت أن الله أحرق ما لديكم من ذلك. وأما ما ذكرت من قلة المال وكثرة العيال فوددت أن الله قطع يديك ورجليك ولم يجعل لأهلك كاسباً غيرك.
فقال: أيها الأمير؛ أصلحك الله، وطئت أرضك، وأملت رفدك، فلا تصرفني بحسرة الحرمان، واجعل قراي منك بقدر أملي فيك، لا بقدر نسبي عندك. قال: يا غلام، أعطه بدرة، ثم زاده أخرى.
النكث في البيع خير من خيانة الشريك
وجلس مالك بن طوق في قصره في شباك مطل على رحبته، ومعه جلساؤه، إذ أقبل أعرابي تخب به ناقته؛ فقال: إياي أراد، ونحو قصد. ولعل معه أدباً ينتفع به، ثم أمر بإدخاله؛ فلما مثل بين يديه قال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: سيب الأمير ورجاء نائله. قال: هل قدمت أمام رغبتك وسيلة؟ قال: نعم؟ أربعة أبيات قلتها بظهر البرية، فلما رأيت ما بباب الأمير من الهيبة والجلال استحقرتها واستصغرتها. قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك على أن نجيزك عليها ألف درهم، فإن كنت ممن أحسن ربحنا عليك، وإلا فقد نلت مرادك، وربحت علينا. قال: رضيت، وأنشده:
وما زلت أخشى الدهر حتى تعلّقت ... يداي بمن لا يتّقي الدهر صاحبه
فلما رآني الدهر تحت جناحه ... رأى مرتقىً صعباً منيعاً مطالبه
رآني بحيث النّجم في رأس باذخٍ ... تظلّ الورى أكنافه وجوانبه
فتىً كسماء الغيث والناس حوله ... إذا قحطوا جادت عليهم سحائبه
стр. 129
فقال: قد والله ظفرنا يا أعرابي، ورزقنا الفلج عليك، والله ما قيمتها إلا عشرة آلاف درهم. قال: فإن لي صاحباً شاركته فيها، وما أراه يرضي ببيعي. قال: أتراك حدثتك نفسك بالنكث؟ قال: نعم؟ وجدت النكث في البيع خيراً من خيانة الشريك. فأمر له بعشرة آلاف دينار.
المتوكل وقطاطة
وركب المتوكل زلالاً ومعه قطاطة وعبادة المخنثان، وكان قطاطة طويلاً جداً؛ فجعل يغني إلى أن هبت ريح شديدة وثارت دجلة، فأمسك عن الغناء. فقال له المتوكل: ما لك؟ قال: يا سيدي؛ أفزعني ما أرى؛ فرفع عبادة يده وصفعه، وقال: يابن الفاعلة! تتوهم أن في دجلة ماءً يطولك.
لبيد بن ربيعة في مجلس النعمان
لما أراد لبيد بن ربيعة أهله على إحضاره مجلس النعمان، ومقاولة ابن زياد العبسي على ما خاطب به أهله بحضرة النعمان، أراد أهله أن يختبروه لأنهم استصغروه؛ فنظر عمه إلى بقلة لاصقة بالأرض وهي جدير الأرض فقال: صف لنا هذه البقلة حتى أسمع. فقال لبيد: إن هذه البقلة رذلة دقيقة الخيطان، ذليلة الأغصان، لا تذكي ناراً، ولا تستر جاراً، ولا تؤهل داراً، عودها ضئيل، وخيرها قليل، وبلده شاسع، ونبتها خاضع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، أقصر البقول فرعاً، وأخبثها مرعىً، وأصعبها قلعاً، فحرباً لجارها وجدعاً، فالقوا إلي أخا عبس، أرجعه عنكم بتعس، وأتركه من أمره بلبس. فقال له: سر! فلما قدم على النعمان وعنده الربيع أنشده:
نحن بنو أمّ البنين الأربعه ... الضاربون الهام تحت الخيضعه
والمطعمون الجفنة المدعدعه
من طرف بشار
وكان بشار جالساً على باب داره، فمر به ابن أخيه مع أصحاب له. فقال: أصحاب ابن أخي هؤلاء أتراك. قيل: من أين علمت؟ قال: لأني لا أسمع لهم حس نعال.
وقيل لبشار: إن فلاناً يزعم أنه لا يبالي بلقاء واحد أو ألف. فقال: صدق؛ لأنه يفر من الواحد كما يفر من الألف.
يطحن مكان الحمار
حكى المدائني، قال: كان في المدينة امرأة جميلة عفيفة ذات زوج، وكان فتىً من أهل المدينة يتبعها كلما خرجت ويعرض لها؛ فلما أذاها شكته إلى زوجها. فقال لها: فما عندك في أمره حيلة! قالت: قد فكرت في شيء إن ساعدتني عليه. قال: فأنا أساعدك. فبعثت جاريتها إليه تقول: إن الذي بقلبي منك أكثر مما بقلبك مني، ولكني امرأة مستورة ولا أعرف الفساد؛ فكنت أمتنع عليك وفي قلبي النار. فلما بلغته الرسالة استطار فرحاً، وقال للجارية: ما أدري كيف أؤدي شكرك إذ جرى هذا الأمر على يدك، فبلغيها السلام وقولي لها: إني صائر إليك غداً، ووهب للجارية ديناراً. وطالت ليلته حتى أصبح فوجه إليها بجدي وفاكهة. فقالت الجارية: قد وجب علي شكرك لإجابتك إياي في حاجة مولاتي، وأنال أشير عليك بحيلة بها يتم أمرك. قال: وما هي؟ قالت: سيدتي فيها حشمة وخجل وانقباض عن الرجال، فإذا جلست معك فلا تتعرض لها بكلام ولا بغيره، حتى تشرب معك أقداحاً. قال: نعم! وصعدت الجارية فعاونت سيدتها على إصلاح الجدي والطعام؛ فلما أحكمتاه نزلت الجارية وبسطت لسيدتها مصلى وجاءت فسلمت وقعدت، وجاءت الجارية بالطشت والماء فغسلت أيديهما، ووضعت المائدة بينهما، وجاءت بالجدي والطعام.
فحين أخذ المخذول اللقمة فوضعها في فمه جاء الزوج فقرع الباب؛ فوضعت المرأة يدها على رأسها وقالت: افتضحت وهلكت. فقال: دعي الجزع واحتالي في موضع أكمن فيه إلى خروجه. قالت: ما أعرف موضعاً يخفى عليه إلا أن تحل الحمار الذي في الدهليز وتقوم في مكانه. فقال: افعلي! فجاءت الجارية إلى حمار يطحن في الدهليز مشدود العينين فنحته وربطت المغرور مكانه. وقالت: اطحن مكان الحمار ولا تمسك فيفطن بك؛ فإني أرجو أن يخرج سريعاً وترجع إلى سرورك، ثم فتحت الباب ودخل الزوج، فقالت له: خرجت على أن تقيم أياماً! فما الذي جاء بك الساعة؟ قالت: كنت عزمت على ذلك فمر بي إخوان فعرضت عليهم المقام في الضيعة. فقالوا: لا يمكننا اليوم، ولكننا إن شاء الله تعالى نصير إليك غداً؛ فأردت أن يكون مجيئهم إلى البيت أسهل علي؛ فبادرت إليك لتصلحي ما يحتاجون إليه وخاصة الدقيق، فينبغي ألا يفتر الحمار في الدقيق.
стр. 130
فجلسا يأكلان والمخذول يطحن، ثم وضعا نبيذاً وجعلا يشربان، والزوج يقول ساعةً بعد ساعة: هاتي العصا لكي أقوم لهذا الحمار الملعون، فإني أراه كسلان؛ ونحن نحتاج إلى الدقيق كثيراً، فتقوم الجارية فتقول له: الله الله في نفسك! لا تفتر؛ فإني أخاف أن يقوم فيراك.
فلم يزل يطحن دائباً والرجل يشرب مع امرأته إلى أن طلع الفجر، فقام الرجل فتهيأ للصلاة وخرج إلى المسجد، فحلت المغرور وقالت: طر إلى بيتك لئلا يراك إنسان فتفتضح.
فخرج يعدو على وجهه عريان ويده على سوءته، فدخل إلى منزله وبقي مسبوتاً مطروحاً على وجهه لا يحرك عضواً.
فلما كان بعد مدة قالت المرأة لزوجها: قد بقي علينا شيء من الولع بالمخذول. قال: شأنك. فبعثت إليه وقال: مولاتي تقرئك السلام وتقول لك: الله يعلم ما تداخل قلبي مما نزل بك؛ ولوددت أن أقيك بنفسي، ولكن المقادير تنزل من السماء، وإني إليك لمشتاقة، فأحب أن تصير إلينا، فإن زوجي قد خرج إلى موضع له فيه مقام شهر، فنستأنس جميعاً ونسترجع ما فاتنا؛ فالتفت إليها سريعاً، وقال: عسى قد فرغ دقيقكم؟.
بشار وخال المهدي
ودخل بشار على المهدي ينشد شعراً وعنده خاله يزيد بن منصور الحميري وكان مغفلاً؛ فقال: ما صناعتك أيها الشيخ؟ قال: أنظم اللؤلؤ. فقال المهدي: أتهزأ بخالي؟ وما أقول لمن يرى شيخاً أعمى ينشد شعراً فيسأله عن صناعته!
بشار وجواري المهدي
وقالت جواري المهدي له: إن بشاراً لأطيب الناس مفاكهةً، وهو ضرير البصر، ولا غيرة بك علينا معه إذ لا يرانا، فلو أدخلته إلينا؟ ففعل. فبادرنه وطايبنه وقلن: إنك أبونا. فقال: ونحن على دين كسرى؛ فبلغ ذلك المهدي فمنعه فيما بعد من الدخول عليهن.
أخذه المتنبي فقال:
يا أُخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثم أرقّ منك وأرحم
يرنو إليك مع العفاف وعنده ... إنّ المجوس تصيب فيما تحكم
بشار أحد الأعاجيب
وبشار بن برد، أحد الأعاجيب، خلق أكمه، وهو يشبه التشابيه التي لم يسبق إليها، مما لا يدركه البصير، وهو أول من فتق البديع للمحدثين. وقتله المهدي سنة سبع وستين ومائة.
سبب قتله
وكان سبب قتله أن المهدي قدم البصرة، فأعطى الشعراء ولم يعط بشاراً شيئاً، فأتى بشار إلى مجلس يونس النحوي، فقال: أههنا أحد يحتشم منه؟ قالوا: لا! فأنشده:
فليت ما أنفقت في مصرنا ... كان جميعاً في حر الخيزران
فبلغ ذلك يعقوب بن داود مع ما بلغه من هجائه إياه؛ فدخل على المهدي، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد بلغ من هذا الأعمى المشرك أن يهجو أمير المؤمنين؟ قال: ويحك! وما قال؟ قال: تعفيني يا أمير المؤمنين من إنشاد ذلك. فأبى عليه فأنشده ما قال؛ فوجه في حمله؛ فخاف يعقوب أن يقدم على المهدي فيمدحه فيعفو عنه، فوجه إليه من لقيه في البطيحة فضربه بالسياط حتى مات، وجعل يقول: ويلك! أزعجتني؛ أما علت أني شاعر وليي العهد موسى وهارون. فقال له: يا زنديق، تضرب ولا تقول بسم الله! قال: ويلك، أثريد هو فأسمي الله عليه.
قال: فأرسل المهدي إلى منزل بشار من يفتشه وهو يقول: لعلنا نجد شيئاً تقام به الحجة. قال: فوجد صندوقاً مقفلاً بقفل وثيق؛ فظنوا أن فيه بعض ما اتهم به، فإذا فيه طومار مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أردت هجاء آل سليمان بن علي لإساءتهم إلي، وطلبهم لي، ثم ذكرت قرابتهم من رسول الله ﷺ ؛ فتركتهم لله ولرسوله؛ ولكني قد قلت وأنا أستغفر الله تعالى:
دينار آل سليمانٍ ودرهمهم ... كالبابليّين حفّا بالعفاريت
لا يبصران ولا يرجى لقاؤهما ... كما سمعت بهاروتٍ وماروت
من جيد شعر بشار
ومن جيد شعره قوله:
أمن تجنّي حبيبٍ بات غضبانا ... أصبحت من سكرات الموت نشوانا
يا قوم أُذني لبعض الحيّ عاشقةٌ ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهوى فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
يا ليتني كنت تفّاحاً براحتها ... أو كنت من قضب الريحان ريحانا
حتى إذا استنشقت ريحي وأعجبها ... ونحن في خلوةٍ حوّلت إنسانا
стр. 131
لا تعذلوني فإنّي من تذكّرها ... نشوان هل يعذل الصاحون سكرانا
لم أدر ما وصفها يقظان قد علمت ... وقد لهوت بها في النّوم أزمانا
باتت تناولني فاها فألثمه ... جنّيّة زوّجت في النّوم إنسانا
وقال:
يا قرّة العين إني لا أُسّميك ... أكني بأُخرى أُسمّيها وأعنيك
أخشى عليك من الجيران واحدةً ... أو سهم غيران يرميني ويرميك
يا أطيب النّاس ريقاً غير مختبرٍ ... إلاّ شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا مرّةً في الدهر واحدةً ... عودي ولا تجعليها بيضة الديك
يا رحمة الله حلّي في منازلنا ... حسبي برائحة الفردوس من فيك
إنّ الذي بات مغبوطاً بنعمته ... كفّ تمسّك أو كفّ تعاطيك
يسرني وجهك المعشوق مقبلةً ... وإن توليت راعتني تواليك
كأنّ مسكاً وريحاناً وغاليةً ... ما بين حجلك أو أعلى ذفاريك
وقال:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيفٌ ألم
رفّهي يا عبد عني واعلمي ... أنّني يا عبد من لحمٍ ودم
إنّ لي جسماً ضعيفاً ناحلاً ... لو توكّأت عليه لانهدم
ختم الحبّ لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم
وإذا قلت لها جودي لنا ... خرجت بالصّمت من لا ونعم
قال مروان بن أبي حفصة: أنشدني بشار هذه القصيدة فلما بلغ هذا البيت قلت له: جعلني الله فداك أبا معاذ! هلا قلت: خرست، قال لي: فض الله فاك؛ إني إذاً لفي عقلك! أتطنز علي من أن أجيب بالخرس!
نسب بشار
وبشار مولى لعقيل بن كعب، وهو يفتخر في شعره بالمضرية.
ولما دخل على المهدي في أول دخلاته قال: فيمن تعتد؟ قال: أما اللسان فعربي، وأما الأصل فكما قلت:
ونبّئت قوماً لهم إحنةٌ ... يقولون ماذا وأنت العلم
ألا أيّها السائلي جاهلاً ... ليعرفني أنا أنف الكرم
نمت في الكرام بني عامر ... فروعي وأصلي قريش العجم
وإني لأُغني مقام الفتى ... وأُصبي الفتاة ولا تعتصم
البيت الأول يشبه قول جميل:
فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي ... وهمّوا بقتلي يا بثين لقوني
يقولون لي أهلاً وسهلاً ومرحباً ... ولو ظفروا بي ساعةً قتلوني
إذا ما رأوني مقبلاً من ثنيّةٍ ... يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني
وفي هذه القصيدة يقول بشار
أصفراء ليس الفتى صخرة ... ولكنّه نصب همٍّ وغم
صببت هواك على قلبه ... فباح وأعلن ما قد كتم
وبيضاء يضحك ماء الشبا ... ب في وجهها لك إذ تبتسم
دوار العذارى إذا زرنها ... أطفن بحوراء مثل الصّنم
وفيها يقول يمدح عمر بن العلاء:
إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبّه لها عمراً ثم نم
فتىً لا ينام على دمنةٍ ... ولا يشرب الماء إلاّ بسم
دعاني إلى عمرٍ جوده ... وقول العشيرة بحرٌ خضم
ولولا الذي ذكروا لمن أكن ... لمدح ريحانةً قبل شم
يلذّ العطاء وسفك الدماء ... ويغدو على نقمٍ أو نعم
تطوف العفاة بأبوابه ... طواف الحجيج ببيت الحرم
إذا عرض اللهو في صدره ... بدا بالعطايا وضرب البهم
وجال اللّواء على رأسه ... يدوّم كالمضرحيّ القرم
وقال بشار:
حيّيا صاحبيّ أمّ العلاء ... واحذرا طرف عينها الحوراء
عذّبتني بالحبّ عذّبها اللّ ... هـ لما تشتهي من الأهواء
إنّ في عينها دواءً وداءً ... لمحبّ، والداء قبل الدواء
يقول فيها يمدح عقبة بن سلم الهنائي:
مالكيٌّ ينشقّ عن كفّه الجو ... د كما انشقّت الدّجا عن ضياء
إنما لذّة الجواد ابن سلمٍ ... في عطاءٍ لراغبٍ أو لقاء
стр. 132
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذّ طعم العطاء
يسقط الطير حيث يلتقط الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
وكان بشار سجاعاً خطيباً صاحب منثور ومزدوج ورجز ورسائل مختارة على كثير من الكلام.
ودخل على عقبة بن سلم وعنده عقبة بن رؤبة بن العجاج فأنشده أرجوزة، ثم أقبل على بشار، فقال: هذا طراز لا تحسنه يا أبا معاذ. فقال: والله لأنا أرجز منك ومن أبيك ومن جدك. ثم غدا على عقبة من الغد فأنشده أرجوزة أولها:
يا طلل الحيّ بذات الصّمد ... بالله خبّر كيف كنت بعدي
بدت بخدٍّ وجلت عن خدّ ... ثم انثنت كالنّفس المرتدّ
وصاحب كالدمّل الممدّ ... حملته في رقعةٍ من جلدي
حتى اغتدى غير فقيد الفقد ... وما درى ما رغبتي وزهدي
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الردّ
يقول فيها:
اسلم وحيّيت أبا الملدّ ... والبس طرازاً غير مستردّ
لله أيامك في معدّ
وهي طويلة. فأجزل صلته؛ فلما سمع ابن رؤبة ما فيها من الغريب قال: أنا وأبي وجدي فتحنا الغريب، وإني لخيلق أن أسده عليهم! فقال بشار: ارحمهم رحمك الله! قال: أتستخف بي وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ قال: فإذاً أنت من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
من نوادر جامع بن وهب
كان جامع بن وهب الصيدلاني من أكبر الناس دنيا، وأعظمهم غفلة، اشترى مرة ثلجاً كثيراً، فقيل له: إنه كثر. فقال: أريد أن أمصه وأرمي بثفله.
وأعطي ببغل له ثمناً خسيساً، فقال: ما للعقار ببغداد قيمة! ودخل بستاناً له؛ فقال لوكيله: اغرس لي بصلاً بخل؛ فإنه نافع للصفراء.
وكتب إليه بعض الكتاب كتاباً، فأجابه عنه، وعنوانه: من ذاك الذي كتب إلي.
وعثرت به البغلة؛ فقال لغلامه: انظر هل سال من أصبعها دم؟ وكتب إلى ابنه وقد خرج من مكة: يا ولدي، إن قدرت أن تضحي عندنا فافعل، لنفرح بك في العيد! وسقطت ابنته في البئر، فقال: يا بنية، لا تبرحي من مكانك حتى أجيء بمن يخرجك منها!
من نوادر المغفلين
وتبخر مغفل في ثياب نفيسة فاحترقت، فحلف بالطلاق لا يتبخر بعدها إلا عريان.
وأتى آخر ليكسر لوزة؛ فزلقت عن الحجر. فقال: كل شيء يفر من الموت حتى البهائم أيضاً.
واعظ فيه غفلة
وكان بمصر واعظ يقال له أبو عبد الله الخواص، من أشد الناس غفلةً؛ وقف به رجل من العامة يقال له محمد القمقاني الخباز، فقال له: أصلحك الله، لي نفس معلولة لا تجيب إلى شيء من الخير؛ فما يصلحها لي؟ قال: اقرأ القرآن وأكثر منه. قال: ما أحفظ غير الحمد، وقل هو الله أحد، وقد قرأتهما مرات كثيرة، ونفسي بحالها. قال: فاذكر الموت. قال: لك الله! قد فعلت فما خشعت، ولا جاء منها شيء. قال: فأكثر حضور مجالس الذكر. قال: من أين أجد؟ وقد تركت شغلي ولزمت المجالس، ونفسي كما هي. قال: لعن الله نفسك فإنها مشؤومة ملعونة كما قلت؛ والرأي أن تمضي بها إلى جرمان بن مطهر صاحب الشرطة يؤدبها لعله يجيء منها بشيء.
خليفة بيطار
كان هشام بن عبد الملك أحول قبيح المنظر، فعرضت عليه خيل الجند، فعرض رجل من أهل حمص فرساً نفوراً. فقال له هشام: ما هذا؟ قال: أصلحك الله هو فاره، ولكنه ظن أنك حيزون البيطار. فقال: اعزب في لعنة الله.
تغفل أهل حمص
أصاب حمصي جملاً؛ فقيل له: عرفه! قال: أبيعه وأعرف ثمنه.
قل علي بن عيسى الوزير: كان يبلغني عن أهل حمص تغفل فأظن أكثره تشنيعاً، حتى دخلتها؛ فإذا برجل بين يدي حجام وقد مص عنقه بمحجمتين لم أر أكبر منهما، وهو يشرط في وسط عنقه؛ فلما رآني أقبلت في موكب قال: من هذا؟ فقال الحجام: هذا الوزير علي بن عيسى؛ فقام، والمحجمة في عنقه والدم يسيل على كتفيه وظهره، وقال: السلام عليك؛ إيش كان خبرك أيها الوزير؟ قلت: خيراً، وانصرف؛ فحلفت ألا أدخل حمص ونزلت بظاهرها حتى أنجزت ما أتيت فيه.
بيع قرد
стр. 133
وأتى رجل بقرد يبيعه؛ فجاء عبادي فنظر إليه، فقال صاحبه له وقد دنا من رجله: احذر لئلا يرمحك، فدنا من يده؛ فقال: احذر لئلا يخبطك، فدنا من فمه؛ فقال: احذر لئلا يعضك؛ فتباعد العبدي ناحية فقيل له: لم تباعدت؟ فقال: أحذر لئلا يرميني بحجر.
يشغله عن الأكل
قعد عبادي وأعرابي يأكلان فقال العبادي للأعرابي: كيف مات أبوك ليشغله بالكلام عن الأكل؟ فقال: أصابه كذا وكذا، فأخذ في حديث طويل والعبادي يأكل، ثم قال الأعرابي: وأنت كيف مات أبوك ليشغله بالكلام عن الأكل؟ فقال: اتخم، فمات.
ودخل عبادي الماء إلى الكعب فصاح: الغريق! الغريق! قيل له: ما دعاك إلى هذا؟ فقال: أردت أن آخذ بالحزم.
يبيع رمحاً برغيف
ومر عبادي برجل ومع الرجل رمح. فقال أتبيعه؟ قال: نعم! قال: فبكم تريده؟ قال: برغيف. قال: سبحان الله تطلب هذا برغيف! قال: أخزى الله شرهما في الجوف.
دابة أبي العيناء
حمل عبيد الله بن يحيى بن خاقان أبا العيناء على دابة، فأخذها منه ابنه، وقال: أبعث إليك بخير منها، فتأخر عنه ذلك، فلقيه. فقال: ما خبرك؟ فقال؛ بخير، يا من أبوه يحمل وهو يرجل. فقال: أنا أنفذ إليك بغلاً فارهاً بغير تأخر؛ فتأخر عنه ثم لقيه. فقال: كيف حالك يا أبا عبد الله؟ قال: راجل أصلحك الله! فضحك وأنفذ إليه بغلاً زعم أبو العيناء أنه غير فاره، فكتب إلى أبيه: أعلم الوزير أعزه الله! أن أبا علي محمداً أراد أن يبرني فعقني، وأن يركبني فأرجلني، أمر لي بدابة تقف للنثرة، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفاً، والعاشق المجهود دنفاً؛ قد أذكرت الرواة عروة العذري، والمجنون العامري، مساعد أعلاه لأسفله، حباقه مقرون بسعاله؛ فلو أمسك لترجيت، ولو أفرد لتعزيت، ولكنه يجمعهما علي في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النسوان، ويتناغى من أجله الصبيان، فمن صائح يصيح داوه بالطباشير، وقائل يقول نقوا له الشعير، قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء بالأمصار؛ فلو أعين بنطق، لروى بحق وصدق، عن جابر الجعفي، وعامر الشعبي؛ وإنما أتيت من كاتبه الأعور، الذي إن اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنزر، فإن رأى الوزير أن يبدلني عنه، ويريحني منه، بمركوب يضحكني كما ضحك مني، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطره العيب بقبحه ودمامته؛ ولست أذكر أمر سرجه ولجامه؛ لأن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه، أو ينقض ما يمضيه.
فوجه إليه عبيد الله ببرذون من براذينه بسرجه ولجامه؛ ثم اجتمع مع عبيد الله عند ابنه. فقال عبيد الله: شكوت دابة محمد وقد أخبرني أنه يشتريه الآن منك بمائة دينار، وما كان هذا ثمنه لا يشتكى! فقال: أعز الله الوزير لو لم أكذب مستزيداً، لم أنصرف مستفيداً، وإني وإياه لكما قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. فضحك عبيد الله؛ وقال: يا أبا عبد الله؛ حجتك الداحضة بملاحتك وظرفك أبلغ من حجة غيرك البالغة.
وصف حمل مهدى
ويشبه هذا رسالة لأبي الخطاب الصابىء، أجاب بها عن أبي العباس بن سابور إلى الحسين بن صبرة، عن رقعة وصلت منه في صفة حمل أهداه، كتبتها على اختصار: وأبو الخطاب هذا هو عم أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابىء:
стр. 134
وصلت رسالتك ففضضها عن خط مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعان غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنها عبد الحمد في كتابته، وسحبان في خطابته، وتصرف بين جد أمضى من القضاء والقدر، وهزل أرق من نسيم السحر، وتقلب في وجوه الخطاب، الجامع لفنون الصواب، إلا أن الفعل قصر عن القول؛ لأنك ذكرت حملاً جعلته بصفتك جملاً، وكان كالمعيدي تسمع به لا أن تراه، وحضر فرأيت كبشاً متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، فظننته أحد الزوجين اللذين حملها نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذريته، صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ناحلاً ضئيلاً، بالياً هزيلاً، بادي السقام، عاري العظام، جامعاً للمعايب، مشتملاً على المثالب، يعجب العاقل من حلول. الحياة به، وتأتي الحركة له؛ لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، لا تجد فوق عظامه سلباً، ولا تلقى يدك منه إلا خشباً، لو ألقي للسبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، وقد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير القت إلا نائماً، ولا عرف الشعير إلا حالماً.
وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون فيه صب الرحل؛ فملت إلى استبقائه لما تعرفه من محبتي للتوفير، ورغبتي في التثمير وجمعي للولد، وادخاري للغد؛ فلم أجد فيه مستمتعً لبقاء، ولا مدفعاً لفناء؛ لأنه ليس بأنثى تحمل، ولا بفتىً ينسل، ولا بصحيح يرعى، ولا بسليم يبقى؛ فملت إلى الثاني من رأييك، وعملت على الأخير من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفةً للعيال، وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال؛ فأنشدني وقد أضرمت النار، وحدت الشفار، وشمر الجزار:
أُعيذها نظراتٍ منك صادقةً ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما الفائدة لك في ذبحي، وأنا لم يبق فيّ إلا نفس خافت، ومقل إنسانها باهت؛ ولست بذي لحم فأصلح للأكل، لأن الدهر قد أكل لحمي، ولا جلدي للدباغ يصلح؛ لأن الأيام قد مزقت أديمي؛ ولا صوفي يصلح للغزل؛ لأن الحوادث قد حصت وبري، فإن أردتني للوقود فكف حطب أبقى من ناري، ولا تفي حرارة جمري بريح قتاري، فلم يبق إلا أن تطالبني بذحل، أو بيني وبينك دم.
فوجدته صادقاً في مقالته، ناصحاً في مشورته؛ فلم أعلم من أي أمريه أعجب؛ من مماطلته الدهر بالبقاء، أم صبره على الضير والبلاء، أم قدرتك عليه مع إعواز مثله، أم تأهيلك الصديق به مع خساسة قدره؟ ويا ليت شعري إذ كنت والي الغنم، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكل كبش سمين، وحمل بطين، مجلوب إليك، مقصور عليك، تقول فلا ترد، وتريد فلا تصد، وكانت هديتك هذا الذي كأنه ناشر من القبور، وقائم عند النفخ في الصور؛ فما كنت مهدياً لو كنت رجلاً من عرض الكتاب، كأبي علي وأبي الخطاب، ما كنت تهدي إلا كلباً أجرب، أو قرداً أحدب.
الحمدوني يصف أضحية
وقال الحمدوني في أضحية أهداها إليه سعيد بن أحمد جوسبنداد:
أسعيد قد أهديتني أضحّيةً ... مكثت زماناً عندكم ما تطعم
نضواً تغامزت الكلاب بها وقد ... شدّوا عليها كي تموت فيولموا
فإذا الملاح ضحكوا بها قالت لهم ... لا تهزؤوا بي وارحموني ترحموا
مرّت على علفٍ فقامت لم ترم ... عنه وغنّت والمدامع سجّم
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخّرٌ عنه ولا متقدّم
وقال:
أبا سعيدٍ لنا في شاتك العبر ... جاءت وليس لها بولٌ ولا بعر
وكيف تبعر شاةٌ عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الشمس والقمر
لو أنها أبصرت في نومها علفاً ... غنّت له ودموع العين تنحدر
يا مانعي لذّة الدنيا بما رحبت ... إني ليمتعني من وجهك النّظر
وقال:
شاة سعيدٍ في أمرها عبر ... لما أتتنا قد مسّها الضرر
وهي تغنّي لسوء حالتها ... حسبي بما قد لقيت يا عمر
مرّت بقطف خضر ينشّرها ... قومٌ فظنّت بأنّها خضر
فأقبلت نحوها لتأكلها ... حتى إذا ما تبيّن الخبر
وأبدلتها الظّنون من طمع ... يأساً تغنّت والدمع ينحدر
стр. 135
كانوا بعيداً وكنت آملهم ... حتى إذا ما تقرّبوا هجروا
وقال:
لسعيدٍ شويهةٌ ... سلّها الضّرّ والعجف
قد تغنّت وأبصرت ... رجلاً حاملاً علف
بأبي من بكفّه ... برء ما بي من الدّنف
فأتاها مطمّعاً ... فأتته لتعتلف
فتولّى فأقبلت ... تتغنّى من الأسف
ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف
الحاتمي واللص
ومن الظريف في هذا الباب ما أنشده أبو علي الحاتمي في حكاية اللص:
يعجبني أنّك لا تربط من ... خيلٍ ولا تركب إلاّ النّجبا
لمّا رأيت الشّقر خيلاً سبّقاً ... ملكت منها أشقراً محنّبا
به سماتٌ من قرونٍ سلفت ... يعرف من أقربها المهلّبا
فللكلاب حوله تهاوشٌ ... لمّا دعاهم أجلٌ قد قربا
لا تيأسن ما عشت في تشييعه ... مستعملاً فيه العزا والعقبا
خلناه تحت الجلّ إذ جلّلته ... قرون ضأنٍ جعلت ملء العبا
في كل رجلٍ ويدٍ زائدةٍ ... وهو على جردانه قد شطبا
كم مرّةً رأيته في جرمه ... فخلته بالحائط منه القبقبا
تحيّر البيطار لمّا أن أرى ... في رأسه مرقّعاً معتصبا
مقيّراً موصّلاً كأنما ... قد رم منه زورقاً أو زبزبا
فهو لنارٍ شعلةٌ لو لصقت ... طاقة كبريت به لالتهبا
كم فيه من فائدةٍ قد صحّحت ... كتب التباريح لمن تطيّبا
قد خلق الله لنا من برّه ... ومن نبات البحر خلقاً عجبا
يمشي إلى الإسراج مشي القهقرى ... لكن إلى المعلف ينزو خببا
من كثرة القردان في صهوته ... تحسبه مجدّراً محصّبا
لو أن سلطاناً رأى راكبه ... لم يأل أن عذّره وأدّبا
أقام طول الصيف في الماء إلى ... أن أنبت الماء عليه الطحلبا
ظننته والشمس لم تبيضّ من ... شمس الضحى ولم تحلّ الغيهبا
من بعض أكواخ النواطير سرى ... بالريح إذ هبت له ريح الصّبا
بالغ فيه الجوع حتى إنه ... إذا رأى القتّ بكى وانتحبا
وجاذب المقود مجهوداً وما ... كاد له المقود أن ينجذبا
حمحم للقتّ وقد مرّ به ... ثم تغنّى طرباً وأطربا
يأيها الباخل بالوصل أما ... ترحم صبّاً كلفاً معذّبا
أمان العيناء من الغداء
دخل أبو العيناء على بعض الرؤساء بكرةً، فاستسقى ماءً؛ فقال له الرجل: أفي هذا الوقت تعطش؟ قال: أصلحك الله، هذا أمان لك من الغداء.
أبو عباد وزير المأمون وضيق صدره
وكان أبو عباد وزير المأمون ضيقاً جداً، قيل له: إن لقمان قال: ما شيء أشد من حمل الغضب. فقال: ولكنه عندي أخف من الريشة. قيل له: إنما عنى لقمان أن احتمال الغضب ثقيل. فقال: والله ما يقوى على الغضب أحد من الناس إلا الجمل.
وغضب يوماً على بعض أصحابه، فشجه بدواة كانت بين يديه. فقال: صدق الله حيث يقول: والذين إذا ما غضبوا هم يغفرون، فبلغ ذلك المأمون فضحك. فقال: ويلك! لا تحسن تقرأ آية من كتاب الله تعالى. قال: يا أمير المؤمنين؛ والله إني لأحسن أقرأ من سورة واحدة ألف آية. فضحك المأمون وأمر بإخراجه. ولم يكن جاهلاً. وإنما كان يجري عليه الغلط لفرط غيظه.
وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد: صف لي ثابت بن يحيى يريد أبا عباد. فقال: هو والله أحد من سيف سعيد بن العاص. فقال: والله ما أتبين من هذا شيئاً؟ فقال: إن حركته تبين لك الأمر.
стр. 136
فعرض أبو عباد يوماً عليه كتاباً وخرج، فلما قرب من الباب أمر المأمون برده؛ فرجع وقد تغير، فخاطبه وتركه ينصرف. فلما كاد يركب أمر برده. فلما عرف الرسول تناول الدواة من غلامه، وقال: الساعة والله أضرب بها وجهك يابن الخبيثة، كان ينبغي لك أن تقول قد ذهب إلى النار. ورجع، فقال له المأمون: اعرض فيما تعرض علي حوائج الهاشميين. قال: نعم! وقل كل ما تريد فلست أرجع إليك اليوم بعد هذا، ولو قمت أنت بنفسك! فضحك المأمون، وقال: قاتل الله دعبلاً يريد قوله:
أولى الأمور بضيعةٍ وفساد ... أمرٌ يدبّره أبو عبّاد
وكأنه من دير هرقل خارجٌ ... حرجاً يجرّ سلاسل الأقياد
وقيل للمأمون: إن دعبلاً هجاك فقال:
أيسومني المأمون خطّة ظالمٍ ... أوما رأى بالأمس رأس محمّد
يربى على رأس الخلائق مثلما ... تربى الجبال على رؤوس القردد
إني من القوم الذين هم هم ... قتلوا أخاك وشرّفوك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال: هو يهجو أبا عباد ولا يهجوني يريد أبا عباد حرج حديد، والمأمون حليم متساهل.
وقال المأمون لما سمع هذا الشعر: ما في الدنيا أصفق وجهاً من دعبل ولا أبهت، كيف يستنقذني هو وقومه من الحضيض الأوهد، وأنا في حجر الخلافة ربيت، وبدرها غذيت، وإنما قال هذا دعبل: لأن طاهر بن الحسين قتل أخاه، وطاهر مولى خزاعة قوم دعبل.
أنشد شاعر أبا عباد قصيدة طويلة، فضاق ضيقاً عظيماً، ثم تجمل معه في استماعها حتى أتمها؛ فقام رجل من أصحابه يعرف بالغالبي؛ فأنشد قصيدة أخرى فسمعها، وقد بلغ الضيق به منتهاه؛ فقال فيها:
ثبتت رحى ملك الإمام بثابتٍ ... وأفاض فيها العدل والإحسانا
يقري الوفود طلاقةً وبشاشةً ... والناكثين مهنّداً وسنانا
فقال أبو عباد: مهلاً مهلاً، إنما أنا كاتب ليست هذه صفتي، هذه صفة حميد الطوسي. فضحك الحاضرون، وزاد ضيق أبي عباد لضحكهم وخجل الرجل. فقال: ما زلت للعافين غيثاً ممرعاً متخرقاً في جوده.... وأنسي من الدهش من غيظه أبي عباد باقي البيت، فأقبل يردد متخرقاً في جوده. فقل: قل قرنانا صفعانا، ودعنا نستريح. فقال: يا سيدي معواناً، وخرج مولياً، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
قال إبراهيم بن العباس الصولي: لو وزنت كلمات النبي ﷺ إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم بكلام أهل الأرض لرجحت، هذا أبو عباد لم يكن في زمانه أكرم منه، وما يكاد يرى له شاكراً لسوء خلقه.
كان أبو عباد يقول: ما جلس أحد بين يدي، إلا ظننت أني سأجلس بين يديه.
ضجر سليمان الأعمش
وكان سليمان الأعمش من الضجر بحيث اشتهر وانتشر؛ قال له الإمام أبو حنيفة النعمان: لولا أني أخاف أن أشق عليك لأكثرت زيارتك. فقال: لا تفعل! فأنت تشق علي والله وأنت في دارك.
وقيل له: عمن أخذت الحدة؟ قال: عن يحيى بن وثاب.
وسأله رجل عن إسناد حديث، فقام وأخذ بحلقه وأسنده إلى الحائط يخنقه، وقال: هذا سنده.
وأتى الأعمش رجل من أصحابه يدعوه إلى طعام صنعه له، فأدخله الحمام قبل ذلك، وأتاه بماء حار فسكبه عليه. فقال: أحرقتني أحرقك الله! والله لا أدخل إليك، ولا آكل طعامك اليوم. ثم صنع له طعاماً بعد ذلك ومضى يقوده، فوقعت إبهام رجله في مسداة في الدار يلعب فيها الصبيان بالبندق. فقال: أردت أن تقلبني في بئر، لله علي إن أقمت عندك أو أكلت طعامك.
وسلم عليه رجل من أصحابه وقد وجد علةً؛ فقال: كيف بت يا أبا محمد؟ فرد عليه؛ ثم قال له آخر: كيف بت؟ فأخرج مضربته ومخدته فوضع رأسه عليها؛ وقال: كذا بت!
شهادة طريفة
نازع بعض التميميين رجلاً من بني عمه في حائط بينه وبينه، فبعث إلى قوم ليشهدهم، فأتاه جماعة من القبائل، فوقف بهم عليه، وقال: أشهدكم جميعاً أن نصف هذا الحائط لي!.
اكتب الإنكار
وقدم رجل آخر إلى القاضي في شيء يدعيه عليه فأنكر. فقال للقاضي: اكتب لي أصلحك الله إنكاره. قال: ذلك في يدك متى شئت.
من طرائف المحاورة
قال عبد الله بن المبارك: كان عندنا رجل يكنى أبا خارجة، فقلت له: لم كنوك أبا خارجة؟ قال: لأني ولدت يوم دخل سليمان بن علي البصرة.
стр. 137
قال الأصمعي: حدثني إبراهيم بن القعقاع قال: رأيت أشعب بسوق المدينة ومعه قطيفة يبيعها، وهو يقول: من يشتري مني الوصيدة؟ فأتاه رجل يساومه. فقال: أبرأ إليك من عيب فيها. قال: وما هو؟ قال: أخاف أن تخرق إن لبستها. فضحك، واشتريت بثمن جديدة.
من طرف الأكلة
دعا رجل ابن أحمد، فلما صار إلى منزله قال الرجل لغلامه: امض فاشتر لي لحماً بدانقين، وبدانقين خبزاً؛ فإنه ليس من صديقنا ابن أحمد حشمة. فقال ابن أحمد: يابن أم ولا كل هذا الاستئناس بمرة.
وقال رجل لصديق له: صر إلي نأكل خبزاً وملحاً؛ فقام معه وهو يظن هذا الكلام على مجاز ما يقول الناس، فقدم إليه خبزاً وملحاً. ووقف سائل بالباب، فقال له: بورك فيك، فألح السائل بالمسألة. فقال له: والله لئن قمت إليك لأوجعنك ضرباً. فقال له الضيف: اذهب فوالله لو علمت من صدق إيعاده ما علمت أنا من صدق وعده لم تقف ساعة.
اشترى مزيد رأسين فوضعهما بين يدي امرأته. وقال: اقعدي نأكل، فأخذت رأسهاً فوضعته خلفها. وقال: هذا لأمي، فأخذ مزيد الرأس الآخر ووضعه خلفه، وقال: هذا لأبي. قالت: فماذا نأكل؟ قال: ضعي رأس أمك وأضع رأس أبي.
دخل أشعب على بعض الولاة وكان بخيلاً، وذلك في أول ليلة من شهر رمضان فأفطر عنده، فقدم جدي، فأمعن فيه أشعب وضاق الوالي. فقال: يا أشعب، إن أهل السجن سألوني أن أوجه إليهم من يصلي بهم في هذا الشهر؛ فامض وصل بهم واغنم ثوابهم. فقال: أيها الأمير؛ أوخلة أخرى؟ قال: وما هي؟ قال: أحلف بالطلاق والعتاق ألا آكل جدياً ما عشت أبداً. فضحك منه وأعفاه.
وهذا كما ذكروا أن بعض الملوك أتته سلل خبيص فظنها فاكهة، فبعث إلى مساكين المسجد فحضروا، ثم فتح السلل فوجد فيها خبيصاً، فندم وبقي متحيراً، ثم أمر بهم إلى السجن. فقالوا: ما ذنبنا؟ فقال: بلغني أنكم تنامون في المسجد ثم تقام الصلاة فتصلون على غير وضوء. فقالوا: خل سبيلنا، فوالله لا أكلنا خبيصاً أبداً، فضحك وعلم أنهم علموا بأمره، فأمر لهم بدراهم وخلى سبيلهم.
قرشي والحمد لله
قال رجل لآخر: ممن تكون؟ قال: قرشي والحمد لله! قال: بأبي أنت! التحميد ها هنا ريبة.
من ظريف ما قيل في الأدعياء
ومن ظريف ما قيل في الأدعياء قول مخلد بن بكار الموصلي في أهل بلده:
هم قعدوا فابتغوا لهم نسباً ... يجوز بعد العشاء في العرب
حتى إذا ما الصباح لاح لهم ... ميّز ستوقهم من الذهب
والناس قد أصبحوا صيارفةً ... أعرف شيء ببهرج النّسب
وقال في أبي تمام الطائي:
أنت عندي عربيّ ال ... أصل ما فيك كلام
شعر ساقيك وفخذي ... ك خزامى وثمام
وضلوع السلو من صد ... رك نبعٌ وبشام
وقذى عينيك صمغٌ ... ونواصيك ثغام
وظباءٌ خاضباتٌ ... ويرابيع عظام
أنا ما ذنبي إذا ك ... ذّبني فيك الأنام
وبدت منك سجايا ... نبطيّاتٌ لئام
وقفا يخلف ما إن ... عرفت فيه الكرام
كذبوا ما أنت إلاّ ... عربيٌّ ما ترام
بيته في وسط سلمى ... وحواليه سلام
عربيٌّ عربيٌّ ... عربيٌّ والسّلام
وقال في محمد بن البعيث:
لمحمدٍ بيتٌ بناه بسيفه ... أطناب حجرته النّجوم الكنّس
جعل السبيل إلى العلاء محمدٌ ... بيضاً تسيل على ظباها الأنفس
إيماضها هندية ونجومها ... خزرية منها المنّية تفرس
تلقى الأمان على حياض محمد ... ثولاء مخرفةٌ وذئبٌ أطلس
لا ذي تخاف ولا لذلك جرأةٌ ... تهدى الرّعيّة ما استقام الريّس
قد شذّب الأعداء عن عرصاته ... سيفٌ يمجّ دماً وعزٌّ أقعس
وإذا تناضلت الملوك بخرها ... فسهام فخرك كلهن مقرطس
وإذا صرفت الطرف عن ذي نخوةٍ ... فالموت في قسماته يتفرّس
متملق القيباح يمنع هارباً ... في البعد منك ولا الثناء الأشرس
стр. 138
طهّرت أشعاري بعرضك بعدما ... كانت بأشعار اللئام تدنّس
ومن شعر مخلد بن بكار
وهو القائل:
يطلع النّجم على صعدته ... فإذا واجه بدراً أفلا
معشرٌ إن ظمئت أرماحهم ... أوردوهنّ مجاجات الطّلى
تحسن الألوان منهم في الوغى ... حين يستنكر للرّعب الحلى
سخط عبد الله يدني الأجلا ... ورضاه يتعدّى الأملا
يعشب الصّلد إذا سالمه ... وإذا حارب روضاً أمحلا
حطّ رحلي في ذراه جوده ... وتمشى في نداه الخيزلى
وقال في الرقيق:
أقول لنضوٍ أنفد السير نيّها ... فلم يبق منها غير عظمٍ مجلّد
خدي لي ابتلاك الله بالشوق والهوى ... وشاقك تحنان الحمام المغرّد
فمرت سريعاً خوف دعوة عاشق ... تشقّ بها الموماة في كلّ فدفد
فلما ونت باليسير ثنّيت دعوتي ... فكانت لها سوطاً إلى ضحوة الغد
تعست العجلة
وبعت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص مولاها فندأ يأتيها بنار وهي بالمدينة؛ فمضى إلى مصر فأقام بها سنةً، ثم جاء بنار وهو يعدو مسرعاً، فعثر فبدد الجمر فقال: تعست العجلة!
ما رأينا لغرابٍ مثلاً ... إذ بعثناه يجي بالمشعله
غير فند أرسلوه قابساً ... فثوى حولاً وسبّ العجله
الذنب للجبل والقمر
صعد ابن زهير الخزاعي جبلاً، فأعيا وسقط كالمغشي عليه. فقال: يا جبل؛ ما أصنع بك؟ أأضربك؟ لا يوجعك، أأشتمك؟ لا تبالي، يكفيك يوم تكون الجبال كالعهن المنفوش.
وهذا ضد قول أعرابي آخر سرى في قمر، فلما غاب ضل الطريق. فقال يخاطب بعيره:
اسق ما أسأرته الأكما ... أن عسينا أن نرى علما
كيف لا تغوى هداية من ... عاد طفلاً بعدما هرما
يقول له: أسرع بي حتى تعرق فتسقي الأكم بسؤر عرقك، وهو بقيته لعلنا نرى علماً نهتدي به. ويريد بقوله: عاد طفلاً بعدما هرما يريد القمر: لأنه في أول الشهر يكون كالطفل ينشأ حتى يتكامل، ثم يدخله النقص حتى يمحق، ثم يعود كأول نشأته؛ يذمه بذلك.
وصف الشمس
ومن عجيب ما في هذا المعنى قول رجل من بني الحارث بن كعب يصف الشمس:
مخبأة أمّا إذا الليل جنّها ... فتخفى وأمّا بالنهار فتظهر
إذا انشقّ عنها ساطع الفجر وانجلى ... دجا الليل وانجاب الحجاب المستّر
وألبس عرض الأرض لوناً كأنّه ... على الأفق الغربيّ ثوبٌ معصفر
تجلّت وفيها حين يبدو شعاعها ... ولم يعل للعين البصيرة منظر
عليها كردع الزعفران يشبّه ... شعاعٌ تلالا فهو أبيض أصفر
فلمّا علت وابيضّ منها اصفرارها ... وجالت كما جال المنيح المشهّر
وجلّلت الآفاق ضوءاً وأسعرت ... بحرٌّ لها منه الضّحى يتسعّر
ترى الظّل يطوى حين تبدو، وتارةً ... تراه إذا زالت عن الأرض ينشر
كما بدأت إذ أشرقت في مغيبها ... تعود كما عاد الكبير المعمّر
وتدنف حتى ما يكاد شعاعها ... يبين إذا ولّت لمن يتبصّر
وأفنت قروناً وهي في ذاك لم تزل ... تميت وتحيي كلّ يومٍ وتنشر
بلادة كيسان
وكانت كيسان مستملي أبي عبيدة، موصوفاً بالبلادة. قال الجاحظ: كان يكتب غير ما يسمع، ويقول غير ما يكتب، ويستملي غير ما يقرأ، ويملي غير ما يستملي، أميت عليه يوماً.
قلت لمعشر عدلوا ... بمعتمر أبا عمرو
فكتب أبا بشر، وقرأ أبا حفص، واستملى أبا زيد، وأملى أبا نصر.
وذكر أبو عبيدة كيسان في شيء، فقال: والله ما فهم، ولو فهم لوهم.
نوادر تحكى عن غير الناس
نوادر تحكى عن غير الناس: قيل لإبليس لعنه الله: ماذا لقيت من المتعلمين؟ قال: التعلم ينسيهم وهم يلعنوني.
قيل للعقرب: لم لا تشمسين في الشتاء مع الناس؟ قالت: من كثرة إحساني إليهم في الصيف.
стр. 139
كانت أفعى نائمة على حزمة شوك فحملها السيل، والأفعى عليها، إذ نظر إليها ثعلب، فقال: مثل هذا الملاح يصلح لهذه السفينة.
أراد ثعلب أن يصعد حائطاً، فتعلق بعوسجة فعقرت يده. فقال: أنا أخطأت، لأني تعلقت بما يتعلق بكل شيء.
وقف جدي على مكان فمر به ذئب فشتمه. فقال له: لم تشتمني؛ إنما شتمني المكان الذي أنت فيه.
قالت الخنفساء لأمها: ما مررت بأحد إلا بصق علي. قالت: يا بنية، لحسنك تعوذين.
نظر كلب إلى رغيف، فقال له: إلى أين؟ قال: إلى النهروان. قال: فإن تركتك فابلغ إلى مرو.
وقف كلب على قصاب فآذاه، فقال له القصاب: والله لئن قمت إليك لأرمينك بهذا الكرش، فلم يبرح؛ فتغافل عنه القصاب، فلما طال وقوف الكلب قال للقصاب: ترمينا بالكرش أو ننصرف.
قيل للبغل: من أبوك؟ قال: خالي الفرس. وهذا كقول القائل:
سألته من أبوه؟ ... فقال خالي شعيب
وما كنّى عن أبيه ... إلاّ وثمّ سبيب
قال مؤلفه: هذا آخر الكتاب والله أعلم بالصواب وبالله المستعان ونعود بالله من الزيادة والنقصان.
قد أتممت أكرمك الله لهذا الكتاب جميع شروطه، ولم أخل بتحريره وضبطه، وجعلته كالمسامر الذكي، والمنادر اللوذعي، الذي إذا هزل عزف، وإذا جد رمز، فأمضى بك في العجائب المضحكة، والغرائب المونقة، ثم أصلها ولا أفصلها، من تعلق بأخبار ظريفة، وأشعار شريفة، وقد خفت أن أكلفك نصباً، وأحملك تعباً، فقطعت إذ الزيادة في الحدود نقصان في المحدودة، ورب ربح أدى إلى خسران، وزيادة أفضت إلى نقصان؛ فنعوذ بالله ونستغفره مما جرى به اللسان، ونصلي على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، وعلى آله وأصحابه السادة الأخيار والأعيان، صلاة دائمة بدوام الأزمان، آمين.