← Адаб

Адаб · id 621

جمع الجواهر في الملح والنوادر

الحصري القيرواني

Полный текст (139 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قيل لمخنث: كم ورثت أختك من زوجها؟ قال: أربعة أشهر وعشراً يريد العدة. قال بعض العلويين لأبي العيناء: يقتضي وقد أمرت بالصلاة علي أن تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. قال: نعم! فإذا قلت: الطيبين الأخيار خرجت أنت منهم. أخذه يزيد بن محمد المهلبي فقال في صاحب الزنج بالبصرة: أيها الخائن الذي دمّر البص ... رة أبشر من بعدها بدمار إن تقل جدّي النبيّ فما أن ... ت من الطيبين والأخيار قد نفى الله في الكتاب ابن نوح ... حين كان ابنه من الكفار وإنما قال المهلبي هذا له قبل أن ينكشف أمره أن دعي. صاحب الزنج قال أبو بكر الصولي: وحدثني محمد بن أبي الأزهر وقد أذكرته خبر علي ابن محمد صاحب الزنج، فقال: ادعى أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي رضوان الله عليهم، فنظرت مولده ومولد محمد بن أحمد الذي ادعاه فكان بينهما ثلاث سنين، وكان لمحمد بن أحمد ولد اسمه علي مات بعد هذا المدعي اسمه ونسبه بزمان، ثم رجع عن هذا النسب فادعى أنه علي بن محمد بن عبد الرحمن بن رحيب بن يحيى المقتول بخراسان من زيد بن علي. قال أبو عبد الله محمد بن علي بن حمزة: لم يكن ليحيى ولد يقال له رحيب ولا غيره لأنه قتل ابن ثماني عشرة سنة ولا ولد له. وقال بشر بن محمد بن السري بن عبد الرحمن بن رحيب: هو ابن عم أبي لحاً وهو علي بن محمد بن عبد الرحمن بن رحيب، ورحيب رجل من العجم من ضياع الري. وكانت مدته من حين نجم إلى أن قتل أربع عشرة سنة، وجملة من قتل ألف ألف وخمسمائة ألف، وله شعر حسن مطبوع، وزعم أبو بكر بن دريد أنه عمل له أكثره وما أرى هذا يصح؛ لأنه لا يشاكل طريق ابن دريد: فمنه: ما تغطّي عساكر الليل منّي ... ما تجلّي مضاحك الصبح عنّي جسم سيف في جوف غمد ثيابٍ ... صدر إنسٍ من تحته قلب جني ميت حسٍّ وحيّ نفسٍ كما الشم ... س يرى مشيها بعين التظنّي شمّريّ إذا استقلّ بعزمٍ ... لم يعرّج بليتني ولو أنّي ما ينال الكرى سويداه إلاّ ... حسوة الطائر الذي لا يثنّي إن رماه خطب قرى الخطب رأيٌ ... فيه روع النّجا وحكم التأنّي كم ظلام جعلته طيلساني ... صاحبي همّتي وقلبي مجنّي كم حبال قطعت في وصل أخرى ... تاركاً ما أخاف من سوء ظنّي مستخفّ بذا وذاك وهذا ... لم أُسمع ندامتي قرع سنّي أنا روض الرّبيع في كل زهرٍ ... فيلسوف الزّمان في كل فنّ وقال: لقد علمت هاشمٌ أنّنا ... صباح الوجوه غداة الصّياح وأنّا إذا زعزعت في الوغى ... ذيول الرّياح ذبول الرماح نسوق السّيوف بدفع الحتوف ... وننكي الجراح بكفّ الجراح ونسمو سماحاً أكفّ السّماح ... بقسم رماح وبيض صفاح وقرم صبحناه في داره ... بكل أقبٍّ ونهدٍ وقاح فغودر بعد عناق الملاح ... ضجيع النّجيع مرح الجراح كليل الأنين مذال الجبين ... مهين السّلاح مهيض الجناح صلى نور عيني بنور الأقاح ... وراح الأكفّ بماء وراح فما طول عشقي مزاح الملاح ... بمشتغل عن صياح الصباح وقال: أسمعاني الصياح بالإمليس ... وصياح العيرانة العيطموس واتركاني من قرع مزهر ريا ... واختلاف الكئوس بالخندريس ليس تبنى العلا بذاك وهذا ... لكن الضرب عند أزم الضروس عيّفت عن كل اللبانات نفسي ... وسمت نحو غير ذلك حدوسي وخلا من هواجس النأي قلبي ... كخلوّ الطلول بعد الأنيس واسبطّرت حمالق القوم للمو ... ت وصارت نفوسهم في الرّؤوس رب سيد يحمي الخميس بعضبٍ ... ويجلي ظلام ليل الخميس عمّمته يمنى يديّ بعضبٍ ... تركت جنبه كجنب العروس

стр. 72

تخبرنك الكماة عن غدواتي ... في غداة الوغى أبا قابوس فسلوا عامراً وعارض لمّا ... أن لقوا بالفجور والتدليس أتروني أقرّ بالنّوم غمضاً ... يا عبيد الصليب والناقوس وقال: وإنّا لتصبح أسيافنا ... إذا ما اصطبحنا بيوم سفوك منا برهنّ بطون الأكف ... وأغمادهنّ رؤوس الملوك وما لي في الخلق من مشبهٍ ... ولا في اكتساب العلا من شريك وقال يخاطب بني العباس: بني عمنا لا توقدوا نار فتنة ... بطيء على مرّ الليالي خمودها بني عمّنا إنا وأنتم أناملٌ ... تضمّنها من راحتيها عقودها بني عمّنا ولّيتم التّرك أمرنا ... بديئاً وأعقاباً ونحن شهودها فأُقسم لا ذقت القراح وإن أذق ... فبلغه عيش أو يبار عميدها وقال: لهف نفسي على قصورٍ ببغدا ... د وما قد حوته من كلّ عاص وخمور هناك تشرب جهراً ... ورجالٍ على المعاصي حراص لست بابن الفواطم الزّهر إن لم ... أُقحم الخيل بين تلك العراص وقتله الموفق بعد أن جرت له معه مواقعة عظيمة، وجرح الموفق جرحاً في صدره أشرف منه على الموت، ولذلك قال ابن المعتز: شقّ الصفوف بسيفه ... وشفى حزازات الإحن دامي الجراح كأنها ... وردٌ تفتّح في غصن ومن ملح النوادر قال الجاحظ: سمعت رجلاً يقول لآخر: ضربنا الساعة زنديقاً. قال: وأي شيء الزنديق؟ قال: الذي يقطع المزيقة. قلت: وكيف علمت أنه يقطع المزيقة؟ قال: رأيته يأكل التين بالخل. وهذا كما قال النظام لرجل: أتعرف فلاناً المجوسي؟ قال: أعرفه، ذاك الذي يحلق وسط رأسه مثل اليهود. قال: لا مجوسياً عرفت ولا يهودياً وصفت. باع مزيد المديني دابة، فلما كان من الغد أتاه النخاسون طمعاً، فلما نظر إليهم قد أقبلوا نحوه قام يصلي فأطال الصلاة، فقالوا له وهم لا يعفرونه: يا عبد الله؛ قد ذهب يومنا، فأطمعهم طول قيامه، وكان أحسن الناس سمتاً وأظهرهم هدياً، فانفتل من صلاته فقال: ما بالكم؟ فقد قطعتم علي صلاتي. فقالوا له: قد ظهر بالدابة عيب. قال: وما عيبه قالوا: يخلع الرسن. قال: لا أعرفه بهذه الصفة؛ فماذا تريدون؟ قالوا: خصلة من ثلاث؛ إما الحطيطة، وإما رد الثمن وأخذ الدابة، وإما اليمين بالله أنك ما تعرف هذا فيه. فقال: أما الثمن فقد فرقناه، وأما الحطيطة فما تمكننا، وأما اليمين فإني ما حلفت قط على حق ولا على باطل، فاعفوني منها؛ فإنها أصعب الخطط عندي. قالوا: ما من ذلك بد؛ فانطلق بنا إلى الوالي. فقام معهم، فلما بصر به الوالي ضحك، وقال: ما جاء بك أبا إسحاق؟ فقص عليه القصة. فقال: قد أنصفك القوم. فقال: أعز الله الأمير، أحلف وأنا في هذه السن، وضرب يده على لحيته وبكى. وقال: ما حلفت على حق ولا على باطل والتوى. قال: لا بد، فالتوى ساعة؛ ثم قال: أصلح الله الأمير فإن حملت نفسي على اليمين وحلفت وأعنتوني بعد؟ قال: أوجعهم ضرباً، وأحبسهم. فلما سمع ذلك استقبل القبلة وقال: بلغت السماء، وكورت الشمس، ونثرت الكواكب، وشربت البحر، ولطعت ما في المصحف من الذكر الحكيم، وتوليت عاقر الناقة، وسرقت عصا موسى ﵇، ولقيت الله بذنب فرعون يوم قال: أنا ربكم الأعلى؛ وغير ذلك من محرج الأيمان، لقد كان عندي دواب كلها تخلع أرسانها، فكان هذا الحمار يقوم فيعديها عليها ويصلحها بفمه قليلاً قليلاً. فضحك الوالي حتى فحص برجليه، وبهت النخاسون، وعجبوا منه وانصرفوا عنه. وقال بعض الشعراء: سألوني اليمين فارتعت منها ... كي يغرّوا بذلك الارتياع ثم أرسلتها كمنحدر السي ... ل تهادى من المحلّ اليفاع قاض دفع مالاً لمن توجّه إليه باليمين

стр. 73

ومن ظريف ما في هذا الباب ما حكاه الصولي قال: كنت يوماً بين يدي أمير المؤمنين الراضي بالله إذ دخل عليه بعض الخدم برقعة دفعها صاحب الخبر الملازم لمجلس أبي عمر القاضي، يذكر أن رجلاً أحضر خصماً للقاضي، وادعى عليه مائة دينار؛ فألزم القاضي الغريم اليمين؛ إذ لم يجد الخصم بينة؛ فأخذ الدواة وكتب بيتين فدفعهما إلى القاضي، فأمر القاضي غلامه فأحضر مائة دينار ودفعها إلى الرجل، والبيتان هما: وإني لذو حلفٍ كاذب ... إذا ما اضطررت وفي الأمر ضيق وهل من جناحٍ على مسلمٍ ... يدافع بالله ما لا يطيق فعجب الراضي من الرجل وديانته، لخلاصه من الحكم؛ وعجب من كرم القاضي وحسن ما فعله، ثم أمرني بالركوب إلى القاضي ومسألته في البحث عن صاحب البيتين وإحضاره إليه. فلم نزل أياماً حتى حصل لنا، فجئنا به إلى دار السلطان، فمر له بألف دينار وخمس خلع ومركوب حسن، وأمره بملازمة الدار؛ ثم قلده الأهواز وأعمالها. من نوادر اللصوص وخرج أبو سعيد الحربي مرة وهو شارب، فجلس يبول وعليه طيلسان خلق إبريسمي، فمر به بعض المكارين في الليل، وتناول طيلسانه، فصاح به أبو سعيد: فقال له الفتى: ما تريد؟ قال: أصرف الله عنك الأذى. ودخل على أبي سعيد اللصوص فأخذوا كل ما في داره، فلما مضوا حمل أبو سعيد البارية ومضى في أثرهم فنظر إليه أحدهم فقال: أي شيء تصنع معنا؟ قال: نطلب بيتاً نتحول فيه بمرة، فضحك اللصوص وردوا عليه ما أخذوه منه. من نوادر الأطباء وكان ببغداد طبيب اسمه نعمان لا ينجح مريض على يديه، فقال فيه بعض الشعراء: أقول لنعمانٍ وقد ساق طبّه ... نفوساً نفيسات إلى داخل الأرض أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض وقال كشاجم لعيسى بن نوح النصراني: عيسى الطبيب ترفّق ... فأنت طوفان نوح يأبى علاجك إلاّ ... فراق جسمٍ لروح شتّان ما بين عيسى ... وبين عيسى المسيح هذاك محيٍ لميتٍ ... وذا مميت صحيح هذا منقول من قول رجل من بني تميم، لما دخل هلال بن أحوز البصرة بعد إيقاعه بني المهلب، وقد أطافت به بنو تميم، فقال شيخ من الأزد: رجالهم يطيفون به كما يطيفون بعيسى ابن مريم. فقال التميمي: هذا ضد عيسى ابن مريم؛ فإن ذاك يحيي الموتى وهذا يميت الأحياء. من نوادر الفقهاء قال رجل للشعبي: ما تقول في رجل أدخل أصبعه في أنفه فخرج عليه دم، أترى له أن يحجم؟ فقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة. وقال له رجل: ما تقول في رجل شتمني في أول يوم من شهر رمضان، أتراه يؤجر؟ قال: إن قال لك يا أحمق رجوت له ذلك. دخل زاهر بن العلاء على الحجاج فنسي التسليم، فقال: التحيات لله الطيبات الصلوات لله. ثم ذكر التسليم فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. من طرف المعزين ودخل بعض الهاشميين على الرشيد معزياً. فقال: يا أمير المؤمنين، أحسن الله عزاك، وربك عزاك، وأحاله علينا وعليك بخير، ورحم فلاناً ولا عرفه قليلاً ولا كثيراً، تأمر بشيء يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم! آمر أهلك أن يدفنوك؛ فإن موتك حياة وحياتك موت. مات أخ لأبي علقمة النحوي، فأتى ابنه يعلم أبا علقمة بموت أخيه. فقال: ما كانت علته؟ فقال الغلام: تورمت رجلاه فانتهى الورم إلى ركبتاه. فقال أبو علقمة: لحنت؛ فقل: إلى ركبتيه. فقال الغلام: لقد شق عليك موت أبي حيث لم تدع بغضك ساعة! من نوادر المحبين ومرت بداود بن المعتمر امرأة جميلة، فقام يتبعها حتى أدركها. فقال: لولا ما رأيت عليك من سيماء الخير لم أتبعك، فضحكت حتى استندت إلى الحائط. فقالت: إنما يمنع مثلك من الطمع في مثلي ما يرى من سيماء الخير، فإذا كان هذا هو الذي يطمع في النساء فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 74

وتعشق أبو القماقم السقا قينة فبعث إليها: حضر عندي إخوان فابعثي إلي بجام لوزينج آكله على ذكرك. فبعثت إليه به. فلما كان من الغد بعث إليها: أرسل لي بطبق مازاورد آكله على ذكرك. فقالت: جعلت فداك، ذكروا أن منبع الحب من القلب، فإذا تناهى بلغ إلى الكبد، وأنا أرى حبك لا يتجاوز معدتك. فقال: إنما فعلت هذا لأقوى على محبتك، ألم تسمعي قول الشاعر: إذا كان في قلبي طعامٌ ذكرتها ... وإن جعت لم تخطر ببالي ولا فكري وإن كان هذا العام قد قلّ بقله ... فقبح من يهواك يا ربّة الخدر ويزداد حبّي إن شبعت تجدّداً ... وإن جعت يوماً لم تكوني على ذكري ومن مليح ما في هذا الباب أن أبا مسعود الأعمى كان جالساً في صحن داره، فأشرفت عليه جارية ظريفة، فعضت تفاحة ورمت بها في حجره. فتناولها وقال: أيا تفاحة رمّت ... فؤادي للهوى رمّا لقد أهداك إنسان ... وأهداك لأمرٍ ما ليهدي لاعج الشوق ... إلى من عضّ أو شمّا فلم تكن إلا ساعة حتى وافت جارية لها، معها جام لوزينج وهي تقول: مولاتي تقرئك السلام وتقول لك: قد سمعت شعرك، ورأيتك بدأت بالعض قبل الشم، فعلمت أنك جائع؛ فتبلغ بهذا الجام حتى يدرك طعامنا. قال: وكيف كنت أقول؟ قالت: كنت تقول: أيا تفّاحة رضّت ... فؤادي للهوى رضّا لقد أهداك إنسانٌ ... وأهداك لما يرضى ليهدي لاعج الشوق ... إلى من شمّ أو عضّا وكان أحمد بن أبي طاهر قبيح الوجه، وكان له جارية من أحسن النساء، فضحك إليها يوماً فعبست في وجهه، فقال لها: أضحك في وجهك فتعبسين في وجهي؟ فقالت: نظرت أنت إلى ما سرك فضحكت ونظرت إلى ما ساءني فعبست. وليس هذا كقول حمرة امرأة عمران بن حطان وكان قبيحاً وكانت جميلة: إني لأرجو أن نكون جميعاً في الجنة. فقال: ولم؟ قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت، وأعطيت أنا مثلك فصبرت؛ فالصابر والشاكر في الجنة. وخطبت بعده فلبس بعض ثيابه وخرجت تتمثل بقوله: تلبس يوماً عرسه من ثيابه ... إذا قيل هذا يا حميرة خاطب فانصرفوا عنها. وكان أبو الحسن جحظة البرمكي أطيب الناس غناء، وأحسنهم مجالسة، وأمتهم مؤانسة، وكان قبيح المنظر جداً جاحظ العينين وفيه يقول ابن الرومي: نبئت جحظ يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان يا رحمتي لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذّة الآذان وعد بكفن بعد أيام ! قال المدائني: جاء رجل إلى جار له من الأشراف فقال له: جارك فلان توفي ولا كفن له فتأمر له بكفن، فقال: والله الآن ما عندي شيء، ولكن تعاودنا بعد أيام. قال: فنملحه أصلحك الله إلى أن يتيسر الكفن! دينار يلد وجدت امرأة أشعب ديناراً فأتته به، فقال: ادفعيه إلي حتى يلد لك في كل أسبوع درهمين، فدفعته إليه، فصار يدفع إليها في كل أسبوع درهمين؛ فلما كان في الأسبوع الرابع طلبته منه، فقال لها: مات في النفاس، فقالت: ويلي عليك! كيف يموت الدينار؟ فقال لها: الويل لك على أهلك! كيف تصدقين بولادته وتنكرين موته في نفاسه. سقط أحدب في بئر، فذهبت حدبته وصار آدر، فدخل إليه جيرانه يهنئونه، فقال: لا تفعلوا فالذي جاء شر من الأول. قال ابن خالويه: استعرضت جارية فقلت لها: أبكر أنت أم أيش؟ قالت: أيش، فاشتريتها. من نوادر المعزين أيضاً قال أبو العالية: لما مات سعيد بن مسلم الباهلي قال لي الرشيد: علم فلاناً تعزية يعزي بها ولد سعيد لفتى من بني هاشم. فقلت للفتى: إذا صرت للقوم فقل: عظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، ورحم سعيداً. قال: هذا طويل. فقلت فقل: أعظم الله أجركم، وختم بالصبر على قلوبكم. قال: هذا أطول من ذاك. قال فقلت: أعظم الله أجركم وكررته عليه يومين، فلما كان اليوم الثالث ركب وركبنا معه، فلما قرب من باب القوم خرجوا إليه حفاةً إعظاماً له، فلما رآهم قال: ما فعل سعيد؟ قالوا: مات، قال: جيد وما أظن ذلك، فإيش عملتم به؟ قالوا: دفناه. قال: أحسنتم. ثم انصرف.

стр. 75

لما مات سليمان بن وهب لقي الناس عبيد الله بن سليمان يعزونه، فأتاه بعض أولاد الأشراف؛ فقال: مات سليمان؟ قال: نعم! وقال: ومات أبو علي قبله؟ قال: نعم! قال: ومات أبوهما؟ قال: نعم! قال: هذا كما قال الله تعالى: " وإنْ منكم إلا وارِدُها كان على ربك حَتْماً مقضيّاً "؛ " فأوردهم النار "، " وبئس القَرار ". بنو وهب من الظرفاء والكتاب وبنو وهب من ظرفاء الكتاب وأدبائهم، ولهم الرسائل الحسان، والشعر الجيد، وفيهم يقول أبو تمام: كلّ شعب كنتم به آل وهبٍ ... فهو شعبي وشعب كلّ أديب إنّ قلبي لكم كالكبد الحر ... رى وقلبي لغيركم كالقلوب وكان الحسن بن وهب يهوى بنان جارية ابن حماد، وكان من ظريف أخباره معها: أن الواثق تقدم إلى إيتاخ باتخاذ حلتين من رفيع الوشي على صفة دفعها إليه وأمره بتعجيلهما؛ فتقدم إيتاخ في ذلك إلى سليمان بن وبه كاتبه، فجد في الحلتين حتى فرغ منهما الصانع وأحضرتا، فعرضتا على الواثق فاستحسنهما وأمر بقطعهما، فتشاغل عن قطعهما، وسأل أخاه الحسن بالنيابة عنه في ذلك، فقطع الحسن منهما قميصاً لبنان وانصرف إلى منزله فأحضرها وخلعه عليها وجلس يشرب معها. واتصل الخبر بسليمان، فقامت عليه القيامة وأمر بإحضار الوشائين وطلب شكلاً لهما فتعذر عليه، فابتاع حلةً تقاربهما بخمسة آلاف درهم وصدق إيتاخ عن خبره، فطلبهما الواثق فدافعه إيتاخ بهما، وتعلل عليه إلى أن فرغ الخياطون من الحلة التي ابتاعها سليمان بن وهب، وأحضرت للواثق، فلما لبسها أنكرها، ودعا إيتاخ فسأله عن السبب فصدقه، فضحك ضحكاً كثيراً، ودعا خادماً فأمره بإحضار الحس وبنان على الصورة التي يجدهما عليها، فأحضرهما في قبة، فلما رآهما الواثق قال للحسن: ويلك تأخذ ثوبي تقطعه لهذي بغير أمري؛ قال: أنت يا أمير المؤمنين تقدر على مثله، وأنا لا أقدر عليه، وأنا والله أحبها وأعجبني الثوب فتقربت منها به. فضحك ووصله وصرفهما. وفيها يقول الحسن: أقول وقد حاولت تقبيل كفّها ... وبي رعدةٌ أهتّزّ منها وأسكن ليهنئك أني أشجع الناس كلّهم ... لدى الحرب إلاّ أنني عنك أجبن وحضرت عنده يوماً وقرب منها ناراً فتأذت منها؛ فقال الحسن: بأبي كرهت النار حتى أُبعدت ... فعلمت ما معناك في إبعادها هي ضرّةٌ لك في التماع بهائها ... وهبوب نفحتها لدى إيقادها وأرى صنيعك في القلوب صنيعها ... بسيالها وأراكها وعرادها شركتك في كل الأمور بفعلها ... وضيائها وصلاحها وفسادها قال أبو فراس: قال لي عبيد الله بن سليمان بن وهب وهو وزير: أنشدني مما تحفظه من شعر عمي أبي علي فأنشدته: بنفسي وأهلي ساحر الطرف فاتره ... محكّمة أجفانه ومحاجره فقال عبيد الله: لقد كان ﵀ كثيراً ما يضع خده على خدي وأنا غلام وينشد هذا الشعر ويبكي. فقلت: يا سيدي، كان يتعشقها ليقول شعراً. ومن طبع كلامه قوله: شربت البارحة على وجه الجوزاء، فلما انتبه الفجر نمت، فما أفقت حتى لفحني قميص الشمس. تضمين أبيات مالك بن الريب وأنشدونا في تضمين أبيات مالك بن الريب المازني في قصيدته: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بذات الغضا أُزجي القلاص النواجيا وسمعت من ينشدها لابن الرومي وأخلق بها أن تكون له: تعرّض لي بعد القطيعة مالكي ... وأظهر فضلاً بعد ما كان جافيا وقد كدّر الإنبات ماء شبابه ... فأصبح رنقاً بعد ما كان صافيا فقلت له جرّعت بالشعر نسوة ... فقال أجل كلّ العيال رثى ليا فمنهن أختي وابنتاها وخالتي ... وباكية أخرى تهيج البواكيا فبينا يعاطيني الكلام بدا له ... حريفان عن بعدٍ فصاح مناديا خذاني فجرّاني بدمعي إليكما ... فقد كنت قبل اليوم صعباً قياديا معاوية بن مروان وحمار الرحى

стр. 76

كان معاوية بن مروان أخو عبد الملك بن مروان مغفلاً؛ فبينا هو واقف بباب دمشق ينتظر عبد الملك على باب طحان إذ نظر إلى حمار يدور بالرحى، وفي عنقه جلجل. فقال للطحان: لم جعلت في عنق الحمار جلجلاً. قال: لربما أدركتني سآمة أو نعسة، فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت بأنه قد قام فصحت به. فقال له معاوية: أرأيت إن قام ومال برأسه هكذا وهكذا وحرك رأسه ما علمك أنه قائم؟ فقال الطحان: ومن لحماري بمثل عقل الأمير أعزه الله تعالى! في مرض الجاحظ قال بعض البرامكة: كنت بالسند، فاتصل بي أني صرفت عنها، وكنت كسبت ثلاثين ألف دينار؛ فخفت أن يجفوني الصارف ويسعى إليه بالمال، فصغته عشرة آلاف إهليلجة، كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل، وجعلتها في حمل إهليلج، ولم أبعد أن جاء الصارف، فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة؛ فأخبرت أن بها الجاحظ وأنه عليل؛ فأحببت أن أراه قبل وفاته؛ فصرت إليه، فأفضيت إلى باب دار لطيف؛ فقرعته، فخرجت إلي جارية صفراء، فقالت: من أنت؟ قلت: شيخ غريب؛ أحب أن أدخل إلى الشيخ فأسر بالنظر إليه؛ فأدت الجارية ما قلت، وكانت المسافة قريبةً لقصر الدهليز والحجرة؛ فسمعته يقول: ما يصنع بشق مائل ولعاب سائل ولون حائل؟ فأخبرتني، فقلت: لا بد من الوصول إليه. فقال: هذا رجل اجتاز بالبصرة، فسمع بي وبعلتي، فقال: أراه قبل موته لأقول قد رأيت الجاحظ. فدخلت فسلمت، فرد رداً جميلاً، واستدناني وقال: من تكون أعزك الله؟ فانتسبت إليه، فقال: رحم الله آباءك وقومك السمحاء الأجواد، الفصحاء الأمجاد، فلقد كانت أيامهم روض الأزمنة، ولقد انجبر بهم قوم كثير، فسقياً لهم ورعياً. فدعوت له وقلت: أنا أسأل الشيخ أن ينشدني شيئاً من ألذ الشعر أذكره به، فأنشدني: لئن قدّمت قبلي رجالٌ لطالما ... مشيت على رسلي فكنت المقدّما ولكن رأيت الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضاً وتنفض مبرما ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز صاح بي: يا فتى، أرأيت مفلوجاً ينفعه الإهليلج؟ قلت: لا! قال: أنا ينفعني الإهليلج الذي معك فأهد لنا منه. فقلت: السمع والطاعة. وخرجت مفرط التعجب من وقوفه على خبري حتى كأن بعض أحبابي كاتبه بحالي وقت أن صغته، فأنفذت إليه مائة إهليلجة. وهذا يدل على كثرة بحثه وتنقيره؛ إذ كان وهو في هذه السن العالية والفالج الشديد تنشر عنده الأخبار، ولا تطوى عنه الأسرار، فكيف كان قبل هذا؟ ومن إحدى عجائبه أنه ألف كتاب الحيوان وهو على تلك الحال. وقيل لأبي العيناء: ليت شعري؛ أي شيء كان الجاحظ يحسن؟ فقال: ليت شعري أي شيء كان الجاحظ لا يحسن؟ وفيه يقول الشاعر: ولقد رأيت العلم يو ... ماً ما حواه اللاّفظ حتى أقام طريقه ... عمرو بن بحر الجاحظ وأتى أبو العيناء الجاحظ يسأله في رجل أن يكتب له كتاب عناية إلى صاحب البصرة. فقال: نعم! لا تنصرف إلا به، وكتب له الجاحظ الكتاب وختمه ودفعه إليه، فأتى إلى أبي العيناء بالكتاب؛ فقال: افضضه واقرأه علي؛ لأرى ما كتب وأعيده إليه ليختمه، ففتحه فإذا فيه: كتابي إليك سألني فيه من أخافه لمن لا أعرفهن فافعل في أمره ما تراه، والسلام. فغضب ونهض إلى الجاحظ، فقال: أعرفك باعتنائي بهذا الرجل فكتبت له مثل هذا! فقال: لا تنكر ذلك فإنها أمارة بيني وبينه إذا عنيت برجل. فقال: بل أنت ولد زنا لم تك قط لرشدة. قال: أتشتمني؟ قال: لا، إنها أمارة لي عند الثناء على إنسان. ومن نوادر المتنبئين ادعى رجل النبوة في زمن المهدي وأدخل عليه. فقال: أنت نبي؟ قال: نعم! قال: إلى من بعثت. قال: أوتركتموني أن أبعث إلى أحد؟ بعثت بالغداة وحبست بالعشي. فقال: صدقت، أعجلناك! وضحك منه ووصله وأطلقه. طمع أشعب قيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروساً تزف إلا وظننتها لي، ولا رأيت جنازة إلا وظننت أن صاحبها أوصى لي بشيء. ولقد أطاف بي مرة صبيان فنادوا: يا أشعب! يا أشعب! فأضجروني، فدفعتهم عني بأن قلت لهم: دار فلان تهب، فبادروا. فلما ولوا ظننت أني صادق، فتبعتهم. من نوادر الولاة

стр. 77

قال الشافعي: رأيت بالعراق أربعة أشياء لم أر مثلها؛ رأيت جدة بنت إحدى وعشرين سنة، ورأيت قلنسوة قاض وسعت ثمانية نوى، ورأيت شيخاً ابن نيف وتسعين سنة يمشي على القيان يعلمهن الغناء وضرب العود، وإذا صلى صلى قاعداً، ورأيت والياً سأل بعض من يلم به: لم لا يجتمع الناس على بابي؟ فقال: لأنك عدل لا تضرب أحداً؛ فوجه إلى إمام مسجد الجامع، فأمر بضربه بالسياط؛ فاجتمع الناس على بابه وأقبلوا يتزاحمون، والرجل يقول: ما ذنبي، أيها الأمير؟ والأمير يقول له: جملني بنفسك قليلاً يا شيخ. وولى الحجاج أعرابياً على تبالة فجمع أهلها وقال: إن الأمير أوصاني عليكم؛ ووالله لا أحسن أن أقضي بين خصمين مرتين، وواله لا أوتى بظالم ولا مظلوم إلا وضربته حتى أقتله، فتناصف الناس بينهم. من ملح أبي الأسود قال المدائني: كان لأبي الأسود الدؤلي دكان إلى صدر الرجل يجلس فيه وحده، ويضع بين يديه مائدة ويدعو إليها كل من يمر به، وليس لأحد أن يجلس؛ فينصرفون عنه. وكان أبخل الناس، فمر به صبي من الأنصار؛ فقال له أبو الأسود: هلم إلى الغداء يا فتى؛ فأتى إليه، فلم ير موضعاً يجلس فيه، فتناول المائدة فوضعها في الأرض ثم قال: يا أبا الأسود، إن كان لك في الغداء حاجة فانزل؛ وأقبل الفتى يأكل حتى أتى على جميع ما في المائدة، وسقطت آخر الطعام من يده لقمة على الأرض فأخذها وقال: لا أدعها للشيطان. فقال أبو الأسود: والله ما تدعها للملائكة المقربين، فكيف تدعها للشياطين! ثم قال له: ما اسمك؟ قال: لقمان. فقال أبو الأسود: أهلك كانوا أعلم زمانهم إذ سموك بهذا الاسم، ولم يعد بعد إلى ما كان يصنع. واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو من بني الدئل من كنانة، وكان قد أدرك حياة النبي ﷺ ، وسافر إلى البصرة على عهد عمر ﵁، واستعمله علي بن أبي طالب ﵁ على البصرة وكان شيعياً، وهو أول من وضع العربية وهو القائل: أمنت على السرّ امرءاً غير حازم ... ولكنه في الودّ غير مريب أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار آذنت بثقوب وما كلّ ذي لبٍ بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب ولكن متى ما جمعا عند واحدٍ ... فحقّ له من طاعة بنصيب وكان مجاوراً لبني قشير وهم عثمانية وكانوا يرجمونه، فإذا أصبح شكاهم؛ فيقولون: ما نحن رجمناك، الله تعالى رجمك. فيقول: كذبتم يا فعلاء، أنتم ترمون فتخطئون ولو كان الله رماني ما أخطأني؛ ثم باع داره وانتقل عنهم. فقيل له: أبعت دارك؟ فقال: بل بعت جاري، وفيهم يقول: يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدهر ما تنسى عليّا أحب محمداً حبّاً شديداً ... وعبّاساً وحمزة والوصيّا فإن يك حبّهم رشداً أصبه ... ولست بمخطىءٍ إن كان غيّا فقالوا له: أشككت؟ فقال: مما شك الله تعالى إذ يقول: " وإنا أو إياكم لعلى هُدَّى أو في ضلالٍ مبين ". وقال عمر بن شبة: لما وقعت الفتنة أيام ابن الزبير بالبصرة مر أبو الأسود على مجلس ابن قشير، فقال: على ماذا أجمع أمركم في هذه الفتنة؟ قالوا: لم تسألنا يا أبا الأسود؟ قال: لأخالفكم، فإن الله لم يجمعكم على حق. وأنشد ابن شبة في هذا المعنى لبعض المحدثين: إذا أشبه الأمران يوماً وأشكلا ... عليّ فلم أعرف صواباً ولم أدر سألت أبا بكر خليل محمّدٍ ... فقلت له ما تستحبّ من الأمر؟ فإن قال قولاً قلت شيئاً خلافه ... لأنّ خلاف الحقّ قول أبي بكر رسالة أبي العيناء في أحمد بن الخصيب ومن هنا أخذ أبو العيناء قوله في أحمد بن الخصيب: لو تأمل أحد أخلاقه فاجتنبها لاستغنى عن الآداب يطلبها.

стр. 78

وهذا مما يقرأه أبو العيناء في كلام طويل عمله على ألسنة القواد والكتاب والرؤساء وغيرهم لما نكب أحمد. فقال: قال محمد بن عبد الله بن طاهر: غدر بمن آثرهن وتخطى ما لا يقدره، فحل به ما يحذره. وقال ابن طالون: تكبر وتجبر ودبر فدمر. وقال موسى بن بغا الكبير: لولا أن القدر يغشى البصر لما نهى ابن الخصيب فينا ولا أمر. وقال فارس بن بغا: لم تتم له نعمة، لأنه لم تكن له في الخير همة. وقال سليمان بن يحيى بن معاذ: كان يأمر ولا يأتمر، وينهى ولا يزدجر، ويعبر ولا يعتبر. وقال جعفر أبو عبد الواحد: أحسن حسناته سيئة وأصغر سيئاته كبيرة.

стр. 79

وقال مروان بن عيسى بن جعفر الهاشمي: كانت دولته دولة المجانين، خرجت من الدنيا والدين. وقال أبو عبد الله محمد بن زبيدة: بعد من الشرف؛ فتحامل عليه؛ وقرب من ضده فمال إليه. وقال إسحاق بن إبراهيم الطاهري: كان إذا دنوت منه غرك، وإذا بعدت عنه ضرك. وقال داود بن إسحاق بن محمد بن العباس: ما أحسن قط إلا أخطأ، ولا أصاب إلا تعدى. وقال ابن أيوب: نعمته أعجب من نكبته. وقال ميمون بن إبراهيم: لو تأمل أحد أخلاقه فاجتنبها لاستغنى عن الآداب أن يطلبها. وقال الحسن بن محمد بن أبي الشوارب القاضي: كان يحسد المحسنين ويجتنب أفعالهم، ويذم المسيئين ويعمل أعمالهم. وقال عيسى بن فرخان شاه: أعقل منه مجنون، وأجن منه لا يكون. وقال برد الخيار: ما كان أقرب وليه مما يكره وعدوه مما يحب! وقال ابن حمدون: لئن منحته القدرة لقد حملته النكبة. وقال أحمد بن أبي الأصبغ: ما علمت أن خدمة الشياطين أيسر من خدمة المجانين؛ كان غضبه إذا أطعناه أكثر من غضبه إذا عصيناه. وقال إبراهيم بن رباح: كان لا يفهم ولا يفهم، وينقض ما يبرم. وقال سعيد بن حميد: كان يخافه الناصح ويأمنه الغاش، ولا يبالي أن يراه الله مسيئاً. وقال جعفر بن الفضل الجرجرائي: ما زال يستوحش من النعمة حتى أنس بالنقمة. وقال إبراهيم بن الجراح: كان إذا أحسن اعتذر، وإذا أساء امتن. وقال محمد بن مجمع: مجامعه ردية وأوانيه دنية، ضاعت بينهما الرعية. وقال عبد الله بن منصور: كنت أرثي للسلطان في قربه، كما أرثي للأمة من ظلمه. وقال إبراهيم بن المدبر: لئن كان حكمه بالخطإ نافذاً، لقد اصبح الحكم فيه بالصواب ماضياً. وقال عطية الكاتب: قد عرف غب ما صنع وما حصد إلا ما زرع. وقال سلمة بن سعيد: عرف نصيحتي فعاداني واجتهادي فنافاني. وقال ابن فراشة: كنت إذا نصحته زناني، وإذا أخشنته مناني. وقال محمد بن داود التستري: كان لا يرى درهماً في يد سواه إلا حسبه حقاً له تخطاه. وقال أيوب بن سليمان: كان لا يعلم ولا يتعلم ويستصغر من يتعلم. وقال يعقوب بن أحمد: كان وليه على وجل وعدوه على أمل. وقال ابن ثوابة الكاتب: أساء عشرة الأحرار فأصبح مقفر الديار. وقال عريب: لم يجاور النعمة بالشكر فحل به ما استحقه بالكفر. وقال شاربه: ما أنور بفقده الأيام وأسر بهلاكه الإسلام! وقال محمد بن الزيات: قال المعتصم: لسان بذيء وخلق رديء وطبع مسيء. وقال سعيد بن هارون: لقد رحم الله عباده إذ طهر منه بلاده. وقال سليمان بن بشار: اشتد طغيانه فبعدت أوطانه. وقال ميمون بن هارون: كتب الله له البلاء صراحاً فأنبت له كالنملة جناحاً. وقال سليمان بن وهب: كان سفلة المحضر، سيىء المنظر، رديء المخبر. وقال حجاج بن هارون: والله ما كان له في الشرف أسباب متان، ولا في الخير عادات حسان. وقال بعض الندماء: ما رأيته سمى على طعام قط، ولا استثنى في يمين، ولا حمد الله على نعمة. وقال تمام بن كثير الهاشمي نديم المتوكل من ولد الحارث بن العباس: كان البذاء عنده عادة، والسخف مروءة، وقذف المحصنات فرض. وقال سعيد الصغير: حمل حتفه بكفه ورمى نفسه بسهمه. وقال صالح الحريري: لا يسعى إليه حر وإن مسه الضر. وقال إسحاق بن صالح بن مرشد: تعرض لسخط الله فأصبح في لعنة الله. وقال أبو الفرج بن نجاح: ما سمعته قط إلا زارياً على الزمان، عاتباً على الإخوان، آمناً من الحدثان. وقال محمد بن نصر بن منصور بن بسام: صار سلطان البغي إليه فحلت دائرة السوء عليه. وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي: جهله عامر الغفلة، وسفهه قاهر الحملة. وقال إبراهيم بن سعيد: إن من عجائب الدهر أن يكون له في الأمة نهي أو أمر. وقال نمرة الرائض: لو كان ابن الخصيب دابة لكدح بلجامه، وتقاعس في عنانه، وحرن في ميدانه. وقال ابن مزينة: كنت إذا وقع شعره على صدري أحسست النقصان في عقلي. وقال أبو عبد الله الصفار: ما أكثر خطإ ابن الخصيب، وأحوجه إلى ما نحن فيه حتى يصيب. وقال بعض كتابه: كنت أرى قلم ابن الخصيب يكتب بما لا يصيب وهو أطول من هذا. الكلمات التي قيلت بعد وفاة الإسكندر وهذا ضد هذه الكلمات التي قيلت بعد وفاة الإسكندر نبه بها حكماء زمانه، اخترت منها هنا قطعة:

стр. 80

لما جعل في تابوت ذهب تقدم إليه أحدهم فقال: كان الإسكندر يخبأ الذهب فقد صار الذهب الآن يخبؤه. وقال الآخر: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى وإلى ظل الغمام كيف انجلى. ودخل عليه آخر فقال: قد أمات هذا الميت كثيراً من الناس لئلا يموت، وقد مات الآن. وتقدم آخر فقال: ما لك لا تقل عضواً من أعضائك، وقد كنت تستقل بملك العباد. ودخل آخر فقال: ما لك لا ترغب بنفسك عن الجحر الضيق، وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد! ودخل آخر فقال: كان لا يقدر عنده على الكلام، فالآن لا يقدر عنده على السكوت. وقال آخر: كان غالباً فصار مغلوباً، وآكلاً فصار مأكولاً. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك في التجبر أمس مع شدة خضوعك اليوم. وقالت بنت دارا بن دارا: ما ظننت غالب أبي يغلب. وقال رئيس الطباخين: نضدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد القوم. وقال آخر: حركنا الملك يسكونه. وقال آخر: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. أخذ قوله: حركنا بسكونه أبو إسحاق بن القاسم أبو العتاهية، فقال: يا عليّ بن ثابت بان منّي ... صاحبٌ جلّ قدره يوم بنتا قد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحرّكتني لها وسكنتا وأخذ قوله الآخر فقال: كفى حزناً بموتك ثمّ إني ... نفضت تراب قبرك عن يديّا وكانت في حياتك لي عظاتٌ ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا أحمد بن الخصيب وبعض أخباره وكان أحمد بن الخصيب القائم بأمر المنتصر بعد قتله أباه المتوكل واستيلائه على الخلافة، فلما مات المنتصر أقره المستعين أحمد بن المعتصم على ما كان، ولم يطل عمر المنتصر بعد أبيه. ومن عجائب الاتفاقات ما حكاه بعض أصحاب التواريخ: أن المنتصر لما أصبح في الخلافة وجلس للبيعة، فرش في الدار بساط جليل كسروي، فوقف أحد رجال المنتصر على بعض صنائعه، وقد نظر إلى دارة فيها صورة رجل ميت مسجى على سريره، وقدامه ملك منتصب على سرير الملك، على رأسه التاج، والمرازبة قيام بين يديه، وعلى رأسه سطور بالفارسية؛ فلما نظر الرجل إلى الصورة وقرأ ما عليها دمعت عيناه، فدعا به وقال له: ما هذا الذي تنظر إليه؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: فلم بكيت؟ قال: طرفت عيني بثوبي. قال: لا بد من الصدق عما رأيت. قال: وقعت عيني يا أمير المؤمنين على هذه الصورة، فبقيت أعجب من حسن تصويرها، ثم قرأت ما عليها مكتوب فإذا هو: هذه صورة شيرويه بن كسرى قتل أباه فلم يعش بعده إلا تسعة شهور. فانخذل المنتصر ووجم، ولم يعش إلا هذا القدر، فأقام أحمد بن الخصيب مع المستعين على ما كان عليه. وكانت حال أوتامش التركي قد توافت في أيام المستعين فاستخف به ابن الخصيب، وجاءه بعض كتابه فأسمعه ما كره فجاء إلى صاحبه فعرفه ما جرى، فكرب إلى المستعين، فحمله إلى مكروهه، فأمر بهدم داره واستصفاء أمواله وبعثه إلى أقريطش. وكان ابن الخصيب غبياً جاهلاً. قال إبراهيم بن المدبر: كنت يوماً عنده فقدم الطعام وفيه هليون فأكب عليه، فقلت: أراك راغباً في الهليون، فقال: بلغني أنه يزيد في السهاد، ويؤيد في الباه، ثم جلسنا للشرب فغنت بعض القيان: إنّ العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللبّ حتّى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا فقال: هذا الشعر لأبي. فقلت: قاتل الله جريراً ما كان أسرقه لشعر أبيك! وماتت له بنية، فخرج إلى جلسائه يعصر عينيه، وقال: قد قلت في هذه الصبية: غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا فقال له بعض جلسائه: أعز الله الوزير هذا مشهور في شعر جرير. فقال: لعله وافقه.

стр. 81

وكان كاتب أوتامش شجاع بن القاسم، وابن الخصيب عنده سحبان وائل، وكان شجاع أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولا يفهم، وإنما علم علامات يكتبها في التواقيع. قال الحسن بن مخلد: وصفني محمد بن عبد الله بن طاهر للمستعين وسأله أن يدخلني في جملة من ينادمه؛ فدعاني لمنادمته يوماً، فإنا لقعود بين يديه ومعنا أوتامش إذ دخل شجاع بن القاسم ومعه شيء يريد عرضهن فنظرت إليه، وقد أخرج سراويله من خفه، ووقع على قدميه، ودخل تحت عقبه من إحدى رجليه وهو يسحبه ويدوسه، فغمزت محمد بن عبد الله فضحك، ورأى المستعين ذلك؛ فسأله عن سبب ضحكه فدافعه. فقال له: بحياتي. فقال له: سل الحسن يا سيدي، فنظر إلي وقال: هيه يا حسن!! فأومأت إلى سراويل شجاع؛ فضحك حتى استلقى، وقال: ويلك يا شجاع!! ما هذا؟ قال: الساعة يا سيدي داسني كلب فخزقت سراويله وثيابه، فازداد ضحك المستعين وأهل المجلس، وضجر أوتامش من ضحكهم بكاتبه. وسأل شجاعاً بعض الهاشميين حاجة؛ فقال لهم: ليس الأمر فيها إلي وهو للأمير يعني أوتامش وهو يجلس أول من أمس يعني بعد غد. وكانت جميع أتباع شجاع تخاليط، وجملة كلامه أغاليط. قال ابن عمار: عملت شعراً رائجياً لا معنى له، وواقفت سعيد بن عبيد على أن يروي الشعر رجلاً من الهاشميين، وكان لنا صديقاً، وكان جلداً شهماً، على أن ينشده شجاع بن القاسم ويعرفه أنه مدح له، وضمنا له على ذلك ألف درهم. والشعر: شجاعٌ لجاعٌ كاتبٌ لاتبٌ معاً ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل خبيصٌ لبيصٌ مستمرٌ مقوّم ... كثيرٌ أثيرٌ ذو شمال مهذّب بليغٌ لبيغٌ كلّما شئت قلته ... فإن كنت مسكاتاً عن القول فاسكت فطينٌ لطينٌ آمرٌ لك زاجرٌ ... حصيفٌ لصيفٌ كل ذلك يعلم أريب لبيب فيه فهم وعفّة ... عليم بشعر حين أنشد يشهد كريم حليم قابض متباسط ... إذا جئته يوماً إلى البذل يسمح فوقف إليه. وقال: أيها الوزير؛ ليس العشر من صناعتي، ولكنك أحسنت إلي وإلى أهلي بما أوجب شكرك، فتكلفت أبياتاً مدحتك فيها، فتفضل بسماعها. فقال: قد أغناك شرفك وحالك عن الشعر. فقال: لا بد أن يتفضل الأمير بسماعها، فأنشد الأبيات فشكره عليها وسر بها سروراً زائداً؛ ودخل إلى المستعين فأخرج له صلة عشرة آلاف درهم، وأجرى له ألف درهم في كل شهر. فقال لهما الطالبي: أنتما أوصلتما ذلك إلي، والله لا أخذت منكما شيئاً، ولولا اتساعكما لوصلتكما بما وصلت به. وقدم إليه شاعر محسن فقال له: قد سبق إلي من الوزير وعد وتلاه شكر، والوزير حقيق بإنجاز وعده وقبول شكري وأنشده: أبو حسن يزيد الملك حسناً ... ويصدق في المواعد والمقال جبانٌ عن مذمّة آمليه ... جريءٌ في العطّية والنّوال أجلّ الله في سرٍّ وجهرٍ ... فأعطاه المهابة بالجلال فقال له: وما يدريك أني جبان! ولم يفهم معناه. فقال. أعزك الله، إنما قلت إنك تجبن عن البخل ولا تبخل بشيء، وإلا فأنت شجاع كاسمك. فقال: ما أعطيك على هذا الشعر شيئاً، ولكن على ميلك وشكرك، ووقع له بألف دينار، ولو فهم ما قال لجعل مكان الألف ألوفاً. وفي المستعين يقول البحتري من قصيدة طويلة: وما لحية القصّار حين تنفّشت ... بجالبة خيراً على من يناسبه يجوز ابن جلاّد على الشعر عنده ... ويغدو شجاعٌ وهو للجهل كاتبه الحسين بن مخلد لم يكن كاتباً ولا منادماً وكان الحسن بن مخلد مضطلعاً بأمر الدواوين عالماً بالدخل والخرج، ولم تكن له صناعة في الكتابة ولا استحقاق للمنادمة. قال أبو الفضل أحمد بن سليمان: جمعني والحسن بن مخلد مجلس فيه أبي، فسألني عن سني فأخبرته وأخبرني عن سنه، فرأيته أكبر مني بعشر سنين. فقلت له: قال لي الزبير بن بكار: كانت العرب تقول العشرة بين المشايخ لدة. فغضب وظن أني قد شتمته، والتفت إلى أبي فقال: يا أبا أيوب، ليس كل من علم شيئاً من العربية يطلق لسانه في الناس بالشتم. فقال له أبي: إنه لم يرد مكروهاً، وإنما أراد التقرب منك، ومعنى لدة ترب؛ فلم يسكن إلى أن افترقنا. من نوادر أبي الحارث

стр. 82

سقط أبو الحارث حمير من سطح؛ فقيل له: أكان السطح مرتفعاً؟ قال: لا تسأل عن شيء؟ استطبت برد الهواء قبل الوصول إلى الأرض. وقال رجل: أشتهي أن أرى خلفي. فجاءه أبو الحارث بمرآة فجعلها تلقاء وجهه. وتشهى قوم ضروباً من الطعام. فقالوا: ما تشتهي يا أبا الحارث؟ فقال: الوفاء بهذا. وأكل يوماً مع قوم رؤوساً، فتبادروا إلى الأعين ليقتلعوها فتنحى ناحية. فقالوا: مالك؟ قال: ظننتكم ناساً فإذا أنتم نسور. وجلس يتغدى مع الرشيد وعيسى بن جعفر فأتي بخوان عليه ثلاثة أرغفة، فأكل أبو الحارث رغيفه قبلهما. وقال: يا غلام، فرسي! ففزع الرشيد وقال: ويلك! مالك؟ قال: أريد أن أركب إلى ذلك الرغيف الذي بين يديك، فضحك الرشيد وأمر له بجائزة. ومال أبو الحارث على زفر بن الحارث وعنده جوار يغنين وأبو الحارث جائع. فقال: اسقوا أبا الحارث وغنينه ما يقترح. فقال: بحياتي غنين: خليليّ داويتما ظاهراً ... فمن ذا يداوي باطنا فقال زفر: غنين: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب ونظر أبو الحارث إلى برذون يستسقى عليه الماء فقال: وما المرء إلاّ حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل لو أن هذا البرذون هملج لما فعل به هذا. ونصب مع رفقاء له قدراً وجعل فيها لحماً. فلما تلهوجت نشل بعضهم قطعةً وقال: تحتاج إلى ملح، ونشل آخر قطعة وقال: تحتاج إلى أبزار، ونشل آخر قطعة وقال: تحتاج إلى بصل، فرفع أبو الحارث القدر وقال: والله تحتاج هذه القدر إلى لحم. طرف متفرقة وسرق مدني قميصاً فبعثه مع ابنه يبيعه، فسرق منه في الطريق، فلما رجع قال أبوه: بعت القميص. قال: نعم! قال: بكم؟ قال: برأس المال. دعا بعض الملوك بأبي علقمة الممرور وآخر مجنون ليضحك منهما، فشتماه فغضب. وقال: السياط يا جلادين. فقالا: كنا مجنونين فصرنا ثلاثة، فضحك وأجزل صلتهما. وطبخ بعض البخلاء قدراً فقعد هو وامرأته يأكلان. فقال: ما أطيب هذا القدر لولا الزحام! قالت: أي زحام ها هنا إنما أنا وأنت! قال: كنت أحب أن أكون أنا والقدر. أبو الأغر يظن الكلب لصاً نزل شيخ أعرابي من بني نهشل يكنى أبا الأغر على بنت أخت له من قريش بالبصرة، وذلك في شهر رمضان؛ فخرج الناس إلى ضياعهم؛ وخرج النساء يصلين في المسجد، ولم يبق في الدار إلا الإماء؛ فدخل كلب فرأى بيتاً فدخله وانصفق الباب، فسمع الإماء الحركة فظنن لصاً دخل الدار؛ فذهبت إحداهن إلى أبي الأغر فأخبرته، فأخذ عصاً ووقف على باب البيت. فقال: إيها والله! إني بك لعارف، فهل أنت من لصوص بني مازن، وشربت نبيذاً حامضاً خبيثاً حتى إذا دارت الأقداح في رأسك منتك نفسك الأماني، فقلت: أطرق دور بني عمرو، والرجال خلوف، والنساء يصلين في مسجدهن فأسرقهن، سوءةً لك! والله ما يفعل هذا حر، بئسما منتك نفسك! فاخرج بالعفو عنك، وإلا دخلت بالعقوبة عليك، وأيم الله لتخرجن أو لأهتفن هتفةً يلتقي فيها الحيان عمرو وحنظلة، ويصير زيد زيداً، وتجيء سعد بعدد الحصى وتسيل عليك الرجال من هاهنا وهناها؛ ولئن فعلت لتكونن أشأم مولود في بني تميم. فلما رأى أنه لا يجيبه أخذه باللين، فقال: اخرج بأبي أنت منصوراً مستوراً، إني والله ما أراك تعرفني، ولئن عرفتني لوثقت بقولي، واطمأننت إلي، أنا أبو الأغر النهشلي، وأنا خال القوم وجلدة ما بين أعينهم، لا يعصون لي رأياً، وأنا خفير كفيل أجعلك شحمة بين أذني وعاتقي، فاخرج أنت في ذمتي، وإلا فعندي قوصرتان أهداهما إلي ابن أختي البار الوصول، فخذ إحداهما فانتبذها حلالاً من الله ورسوله. وكان الكلب إذا سمع هذا الكلام أطرق، وإذا سكت وثب يريد الخروج، فتهافت أبو الأغر ثم قال: يا ألأم الناس، أراني بك الليلة في واد وأنت في آخر، وأنت في داري أقلب البيضاء والصفراء، فتصيح وتطرق، وإذا سكت عنك وثبت تريد الخروج، والله لتخرجن أو لألجن عليك. فلما طال وقوفه جاءت جارية وقالت: أعرابي مجنون! والله ما أرى في البيت أحداً، ودفعت الباب، فخرج الكلب مبادراً، ووقع أبو الأغر مستلقياًن فقلن له: قم ويحك! فإنه كلب. فقال: الحمد لله الذي مسخه كلباً وكفى العرب حرباً. أبو حية النميري يتوهم البرذون لصاً

стр. 83

وقد روى ابن قتيبة وغيره هذا المقام لأبي حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع، وعليه عول أبو علي محمد بن الحسن المظفر الحاتمي في الحكاية التي وضعها على أستاذه علي بن هارون وأتى فيها بكل مليحة نادرة. وزعم أنه أحس حس برذون في إصطبله فراعه وتوهمه لصاً وهي طويلة في نحو أربعة أجلاد وقال في أولها: هذه حكاية أبي الحسن علي بن هارون مع اللص الذي تخيل أنه دخل داره، أخبرني بها أبو القاسم القنطري وغيره من حاشية أبي الحسن، ولفظ بعضهم يزيد على بعض؛ فجمعت الروايات على اختلافها، ونظمت شتيتها، وهذبت العبارة عنها، وأوردت المعاني مكسوةً من النثر الرائع، والتشبيه الواقع، مما يطرب سامعه، ويروق متصفحه؛ ليكون وروده أغرب وحفظه أقرب. ونحلت أبا الحسن وجماعة ولده قطعاً من بارع الشعر، تناسب قطع الرياض بنت القطر، صنعتها على ألسنتهم، ونسبتها إلى ارتجازاتهم، وتمثلت عنهم بفقر من أشعار العرب أسميت قائلها؛ لئلا تلتبس بما اختصصت في نظمه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وقال في آخرها: لقد كان في نبأ هذه الكريمة تبصرة لمستبصر، وتذكرة لمتذكر. هذا ولم تقترح فيها الأقران، ولا تنازلت فيها الفرسان، ولا استبهمت فيها البهم، ولا أريق فيها ملء محجم دم؛ وإنما هو تخييل جبان، وتسويل جنان. ولقد عزونا إلى هذه الطائفة من التشبيهات الباهرة والأمثال النادرة ما يبعد جداً عن مثلها؛ وإنما بعثنا على ذلك أشر الشبيبة، ومرح الصبا، ولين الغصن، وفضل القدرة، واستجابة لما تدعيه من أفانين الكلام؛ ونستغفر الله من فضول العمل. من شعر أبي حية النميري وأبو حية النميري من أحسن الناس شعراً وأرقهم فيه طبعاً، على لوثة كانت به؛ وهو القائل: ألا أيّها الربع القواء ألا انطق ... سقتك الغوادي من أهاضيب فوّق مرابيع وسميّ تسوق نشاطه ... جرار الصّبا في العارض المتألّق وما أنت إلاّ ما أرى بعد ما أرى ... يد الحي في زي بعيني مونق غراب ينادي يوم لا القلب عقله ... صحيح ولا الشعب الذي انصاع ملتقي جزيت غراب البين شرّاً لطالما ... شقيت بتحجال الغراب المنعّق ورقراقة تفترّ عن متبسّم ... كنور الأقاحي طيّب المتذوّق إذا امتضغت بعد امتناع من الضحى ... أنابيب من عود الأراك المخلّق سقت شعث المسواك ماء غمامة ... فضيضاً بخرطوم العراق المصفّق فإن ذقت فاها بعدما سقط النّدى ... بعطفي بخنداة رداح المنطق شممت العرار الغضّ غبّ هميمة ... ونور الأقاحي في الندى المترقرق شرقت بريّا عارضيها كأنما ... شرقت بدار ... العراق المعتق هذا شعر ظريف الصنعة حسن الوشي والسبك؛ وقد ملح ما شاء في وصف الثغر وطيب النكهة، وهو معنى حسن جميل. أحسن ما قيل في وصف الثغر قال أبو العباس بن الفرج الرياشي سمعت الأصمعي يقول: أحسن ما قيل في وصف الثغر قول ذي الرمة: وتجلو بفرعٍ من أراكٍ كأنه ... من العنبر الهندي والمسك يصبح ذرى أقحوان واجه الليل وارتقى ... إليه الندى من راحة المتروّح هجان الثنايا مغربٌ لو تبسّمت ... لأخرس عنه كاد بالقول يفصح وكتب كشاجم إلى بعض القينات وأهدى إليها سواكاً: قد بعثناه لكي تجلي به ... واضحاً كاللؤلؤ الرطب الأغر طاب منه العرف حتى خلته ... كان من ريقك يسقى في الشجر ليتني المهدى فيروي عطشي ... برد أنيابك في كلّ سحر وأما والله لو يعلم ما ... حظّه منك لأثنى وشكر وقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إذ يقول: وإذا سألتك رشف ريقك قلت لي ... أخشى عقوبة مالك الأملاك ماذا عليك دفعت قبلك للثّرى ... من أن أكون خليفة المسواك أيجوز عندك أن يكون متيّم ... صبٌّ بحبك دون عود أراك وقال ابن الرومي: ألا طالما سؤت الغيور ساءني ... وبات كلانا من أخيه على وحر

стр. 84

وقبّلت أفواهاً عذاباً كأنها ... ينابيع خمرٍ حصّبت لؤلؤ البحر وقال: تعلك ريقاً يطرد النوم برده ... ويشفي القلوب الحائمات الصواديا وهل ثغبٌ حصباؤه مثل ثغرها ... يصادف إلاّ طيّب الطعم صافيا وقال: وما تعتريها علّة بشريّةٌ ... من النوم إلا أنها تتخثّر كذلك أنفاس الرياض بسحرةٍ ... تطيب وأنفاس الورى تتغيّر وقال ابن المعتز: بأبي حبيبٌ كنت أعهده ... لي واصلاً فازورّ جانبه عبق الكلام كمسكةٍ نفحت ... من فيه ترضي من يعاتبه وقال العطري: ذات خدين ناعمين ضني ... نين بما فيهما من التفاح وثنايا وريقةٍ كغدير ... من عقارٍ وروضةٍ من أقاح طرف وملح متفرقة أكل الحجاج مع رجل بيضاً، فأقبل يأكل المح ويرمي إليه بالبياض؛ فقال الرجل: أيها الأمير؛ عدل العجة. وكان بعض الأكاسرة يتطير، فلقيه رجل أعور، فأمر بحبسه، فأقام مدة ثم أطلقه فتعرض له فقال: لم حبستني؟ قال: تشاءمت بك. قال: فأنت أشأم مني؛ خرجت من قصرك فلقيتني فلم تر إلا خيراً؛ وخرجت أنا فلقيتك فحبستني. فقال الملك: صدق وأمر له بصلة. قال رجل لأحدب: لئن رفستك لأقيمن حدبتك! قال: إنك إذاً لعظيم البركة علي. قال الفضل اليزيدي: كان محمد بن نصر بن منصور بن بسام أشد الناس همة وآلة وغناء، وكان ناقص الأدب، وكنت أختلف إلى ولده علي يقرأ علي الشعر؛ فدخلت يوماً وهو يشرب وعنده عبد الله بن محمد بن إسحاق، وكان مثله في الجهل، وقد مدت الستارة فغنت القينة: ألا حيّ الديار بسعد إني ... أُحبّ لحبّ من سكن الديارا أراد الظاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا فقال عبد الله بن محمد بن إسحاق لمحمد: لولا جهل الأعراب ما جرى ذكر السعد هاهنا. فقال له محمد: لا تفعل، فإنه يقوي معدهم ويصلح أسنانهم. وكان علي بن محمد مليح المقطعات، حلو الشعر، خبيث الهجاء، وليس له حظ في التطويل، إنما يسنح له المعنى، فإذا أراد أن يركب عليه معنى آخر استهدم بناؤه، وهو القائل في أبي يحيى المنجم يرثيه: قد زرت قبرك يا عليّ مسلّماً ... ولك الزيارة من أقلّ الواجب ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عنّي حملت نوائبي ودمي فلو أني علمت بأنه ... يسقي ثراك سقاه صوب الصائب لسكبته أسفاً عليك وحسرة ... وجعلت ذاك مكان دمعٍ ساكب ولئن ذهبت بملء قبرك سؤدداً ... لجميل ما أبقيت ليس بذاهب وقد أنشد هذه الأبيات أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري لغيره. وقال: كم قد قطعت إليك من ديمومةٍ ... نطف المياه بها سواد النّاظر في ليلة فيها السّماء مرذّة ... سوداء مظلمةٌ كقلب الكافر وقال في جحظة البرمكي: يا من هجوناه فغنّانا ... أنت، وبيت الله، أهجانا سيّان إن غنّى لنا جحظةٌ ... أو مرّ مجنونٌ بنا فزنّانا وقال في المعتضد وقد ختن ولده: انصرف الناس من ختانٍ ... يرعون من جوعهم خزامى فقلت لا تعجبوا لهذا ... فهكذا تختن اليتامى وقال يستطرد بالمعتضد: وعدت بوعدٍ فأخلفته ... وما كان ضرّك ألاّ تعد تحبّ الثّناء وتأبى العطاء ... وما تمّ ذلك للمعتضد وقال في العباس بن الحسن لما ولي الوزارة: وزارة العباس من نحسها ... تستقلع الدّولة من أُسّها شبّهته حين بدا مقبلاً ... في خلعٍ يخجل من لبسها خازنة الكسوة قد قدّرت ... ثياب مولاها على نفسها وقال ابن بسام في أبيه، وكان مولعاً بهجائه: خبيصةٌ تعقد من سكّره ... وبرمة تطبخ من قنبره عند فتى أسمح من حاتمٍ ... يطبخ قدرين على مجمره وليس ذا في كلّ أوقاته ... لكنه في الدعوة المنكره مهاجاة بين ابن المعتز وابن بسام وكان ابن المعتز يهاجيه، فمن ذلك قوله فيه:

стр. 85

يا ثقيلاً على القلوب إذا ع ... نّ لها أيقنت بطول الجهاد يا قذىً في العيون يا حرقةً بي ... ن التّراقي حزازةً في الفؤاد يا طلوع العذول ما بين إلفٍ ... يا غريماً وافى على ميعاد يا ركوداً في يوم غيمٍ وصيفٍ ... يا وجوه التّجار يوم الكساد خلّ عنّا فإنما أنت فينا ... واو عمرٍو أو كالحديث المعاد فأجابه ابن بسام بقوله: فقدتك يا قذاةً في شرابٍ ... دخلت من الدناءة كلّ باب لئيم الفعل أشأم من غرابٍ ... وضيع القدر أطفل من ذباب وأثقل حين تبدو من رقيبٍ ... وأكذب حين تنطق من سراب وأغدر للصديق من الليالي ... وأنكى للقلوب من العتاب من ملح المهاجاة ومن ملح هذا الباب قول جحظة: يا لفظة النعيّ بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول يا شربة اليارج يا أجرة ال ... منزل يا وجه العذول الثقيل يا طلعة النعش ويا منزلاً ... أقفر من بعد الأنيس الحلول يا نهضة المحبوب عن غضبةٍ ... يا نعمةً قد آذنت بالرّحيل ويا كتاباً جاء من مخلفٍ ... للوعد مملوءاً بعذرٍ طويل يا بكرة الثكلى إلى حفرةٍ ... مستودع فيها عزيز الثكول يا وثبة الحافظ مستعجلاً ... لصرفه القينات عند الأصيل ويا طبيباً قد أتى باكراً ... على أخي سقمٍ بماء البقول يا شوكةً في قدمٍ رخصةٍ ... ليس إلى إخراجها من سبيل يا عثرة المجذوم في رجله ... ويا صعود السّعر عند المعيل يا ردّة الحاجب عن قسوةٍ ... ونكسةً من بعد برء العليل وجحظة هذا أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك. قال أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة الوزير: سألت جحظة من لقبك بهذا اللقب؟ فقال: أبو العبر لقيني فقال: ما هو حيوان إن نكسوه أتانا آلة للمراكب البحرية. فقلت: علق إذا نكسوه صار قلعاً. فقال: أحسنت يا جحظة؛ فلزمني هذا اللقب. وكان طيب الغناء حسن المسموع؛ إلا أنه ثقيل اليد في الضرب. وكان حلو النادرة كثير الحكاية صالح الشعر، ولا تزال تندر له الأبيات الجيدة. أنشدت سكينة بنت الحسين ﵂ قول الشاعر: فما للنّوى لا بارك الله في النّوى ... وعهد النّوى يوم الفراق ذميم من ملح النحويين المتقعرين قال أبو علقمة النحوي لجارية كان يهواها: يا خريدة؛ أخالك عروباً، فما بالنا نمقك وتشنئينا؟ فقال: ما رأيت أحداً يحب أحداً ويشتمه سواك. الخريدة: الناعمة اللينة، والعروبة: المتحببة إلى زوجها. وقال بلال بن أبي بردة لجلسائه: ما العروب من النساء؟ فماجوا، وأقبل إسحاق بن عبد الله بن الحارث فقالوا: قد جاءكم فسلوه. فقال: هي الخفرة المتبذلة لزوجها، وأنشد: يعربن عند بعولهنّ إذا خلوا ... فإذا خرجن فإنهنّ خفار والمقة: المحبة. وقد حكى قول أبي علقمة عبد الرحمن الطلحي. وأتي الهيثم بن العريان بغريم قد مطلب غريمه ديناراً؛ فقال: ما تقول؟ قال: إنه ابتاعني عنجراً واستنسأته حولاً فصار لا يلقاني في لقم إلا اقتضاني. فقال الهيثم: أمن بني أمية أنت؟ قال: لا. قال: فمن أكفائهم من بني هاشم؟ قال: لا. قال: ويلي على ابن الفاعلة، فعلى من تتكلم بهذا الكلام؟ السياط! فلما جرد قال: أصلحك الله؛ إن إزاري مرعبلة. فقال: دعوه، فلو ترك التثاقل بالغريب في وقت لتركه الآن. العنجر: عجم الزبيب. واللقم: الطريق، والمرعبلة: الخلقة. ابن منارة وأبو العيناء دخل أبو العيناء على ابن منارة الكاتب وعنده أبو عبد الله بن المرزبان. فقال لابن منارة: أحب أن أعبث بأبي العيناء. فقال له: لا تقوم به. فأبى إلا العبث به، فلما جلس أبو العيناء قال له: يا أبا عبد الله؛ لم لبست جباعة؟ قال: وما الجباعة؟ قال: التي ما بين جبة ودراعة. قال أبو العيناء: لأنك صفديم. قال: وما صفديم؟ قال: الذي هو ما بين صفعان ونديم. سيبويه المصري وبعض ندماء كافور

стр. 86

ودخل أبو بكر سيبويه المصري نافلة البصرة على كافور الإخشيدي وعنده بعض ندمائه. فقال: أيها الاستاذ، دعني أهاتره. فقال: إنك لا تطيقه. قال: لا بد من ذلك. قال: شأنك. قال: يا أبا بكر، ما حد الرأس؟ قال: ما أحاط به جربانك، وأدبك عليه سلطانك، ولاعبك فيه إخوانك. فخجل الرجل، وضحك كل من حضر. وكان سيبويه هذا يشبه بأبي العيناء في سرعة جوابه، وجودة بديهته، وكثرة روايته. وكان الناس يتبعونه ويكتبون ما يقول، وكان قد شرب البلاذر فعرضت له حدة مفرطة. وأحضره أبو بكر محمد بن الخازن، فقال: بلغي بلاء لسانك، وكثرة أذاك للناس، وقبيح معاملتك للأشراف؛ فاحذر أن تعود؛ فينالك مني أشد العقوبة، وصال عليه بالكلام. وكان الصبيان يتولعون به إذا مر ويصيحون: يا خازن! يا خازن! اخرج عليه فيغضب؛ فقال له ذلك يوماً صبي وأبو بكر المعيطي حاضر فضحك المعيطي؛ فقال للصبي: ضرب الله عنق الخازن كما ضرب رسول الله ﷺ عنق عقبة بن أبي معيط يوم يدر على الكفر، وضرب ظهر أبيك بالسوط كما ضرب علي بن أبي طالب ﵁ ظهر الوليد بن عقبة على شرب الخمر، وألحقك يا صبي بالصبية. فقام المعيطي كأنما نشر من قبر. يريد بقوله للصبي: وألحقك بالصبية قول النبي ﷺ لعقبة بن أبي معيط وقد قال له: فمن للصبية يا محمد؟ قال: النار والعياذ بالله منها. سيبويه يريد دخول الحمام دخل مفلح الحسني الحمام وكان من جملة أصحاب الحسن بن عبد الله بن طغج بن جف الفرغاني، وإليه ينسب، فأتى سيبويه ليدخل فقيل له: الأمير مفلح أخلاه فاصبر ساعة. فقال: أومثلي يمنع الدخول؟ لا أنقى الله مغسوله، ولا بلغه سوله، ولا وقاه من العذاب مهوله. وجلس حتى خرج. فقال له: إن الحمام لا يخلى إلا لأحد ثلاثة: مبتلى في قله، أو مبتلى في دبره، أو سلطان يخاف من شره، فأي الثلاثة أنت؟ قال: أنا المغروم أعزك الله. مجاورة وهذا كجواب أشمول الإخشيدي، وكانت له دار مشرفة على النيل يتنزه إليها في زمان المد وطيب الهواء، وكان يجاوره العباس بن البصري في راقوبة له، فاحتسبت في تلك الدور، وقيل لكافور: إنها مبنية في فناء النيل فأمر بهدمها، فدخل ابن البصري على كافور فأنشده: يأيها الأستاذ يا ذا الّذي ... همّته أعلى من الكوكب انظر إليّ وإلى فاقتي ... وارث لضعفي ولما حلّ بي فإنّ لي بالشطّ راقوبةً ... أضيق من قارورة المحلب صغيرةً ضيقةً عرضها ... عرض سرير جاء في مركب كأنها رجلٌ سماريّةٌ ... أخرجها ... أو زيزب لو رأيت الزنج في شطّنا ... وقد أحاطوا بأبي تغلب عمّة ذا حمراء مصقولةٌ ... وفاس ذا معتدل المحرب في يد ذا حلب هائلٌ ... يا ربّ سلّمني من المحلب إن أخذتني ضربةٌ منهم ... رأيتني أرقص كالأحدب قد أحدق الصّفع بجيراننا ... بالشطّ بالأقرب فالأقرب وإن تماديت وخلّيتني ... خشيت أن أدخل في اللولب فضحك كافور، والتفت إلى أشمول: وقال: أنت بجواره؟ قال: أنا ما لي دار أعز الله الأستاذ قد سلمت. تيه وكبر وكان أبو الفضل بن حنزابة ربما رفع أنفه تيهاً؛ فقال له وقد رآه فعل ذلك: أشم الوزير أيده الله رائحة كريهةً فشمر أنفه؟ فخجل فأطرق. واستعمل أبو بكر النهوض فلقيه رجل فقال: من أين يا أبا بكر؟ فقال: من عند الزاهي بنفسه المدل بعرسه، التائه على أبناء جنسه. وكانت بنت الإخشيد تحته، فلذلك قال: المدل بعرسه. وأتى مسلم بن عبد الله الحسيني وهو من أهل الحجاز وأوطن مصر فحجب عنه. فقال: قولوا له يرجع إلى لبس العبا، ومص النوى، وسكنى الفلا، فهو أشبه به من نعيم الدنيا. دار شؤم وكانت دار أبي جعفر أحمد بن نصر التاجر المغربي بمصر معروفة بالشؤم من قبل أبي جعفر، فكان أبو بكر يمر بها فيقول: يا سيدتي تعودين إلى عادتك الجميلة. وأخباره كثيرة. من نوادر المخنثين

стр. 87

لما جعل عيسى بن موسى ولي العهد بعد المهدي وكان ولي عهد المنصور، قال لمخنث قدم إليه وقد جنى جناية: ما أراك تعرفني فكنت تفعل هذا الفعل؟ قال: بلى والله أيها الأمير، إني بك لعارف؛ فأنت الذي كنت غداً فصرت بعد غد. خرج مخنث في شدة الهاجرة ببغداد وهو وقت لا يتصرف فيه أحد، فلقيه رجل فقال: لكم الليل ولنا النهار. فقال: صدقت، ولكن رأيت وجهك فظننته قطعةً من الليل. أبو العبر وامرأته مرض رجل فجاء أبو العبر يعوده وقد ثقل، فصاحت امرأته؛ من لي بعدك يا سيدي؟ قال: فغمزها أبو العبر وأومأ إليها أنا لك بعده، فلما مات الرجل وانقضت عدتها تزوجها أبو العبر، فأقامت عنده حيناً؛ ثم حضرت أبا العبر الوفاة، فجاء عواده؛ فصاحت من لي بعدك يا سيدي؟ ففتح عينيه وقال: لا يغمزها إلا من تكون أمه زانية. عجوز وشابة وبينا ابن أبي ليلى في مجلس القضاء إذ تقدم إليه امرأتان عجوز وشابة. فقالت الشابة: أنا أصلح الله القاضي امرأة مبدنة، وقد بهرني النفس؛ فإن رأى القاضي أن يأذن لي فأحسر عن وجهي فليفعل. فقالت العجوز: أصلح الله القاضي، إنها من أحسن الناس وجهاً، وإنما تريد أن تخدع القاضي، لا أمتعها الله بما وهبها من الجمال. فقال لها ابن أبي ليلى: إذا أنت شددت قناعك فشأنك ووجهك. فحسرت الفتاة عن وجه جميل. ثم قالت: أصلح الله القاضي، إن هذه عمتي وأنا أسميها أمي لكبر سنها، وإن أبي مات وخلف مالاً، وخلفني في حجرها؛ فجعلت تمونني وتحسن التدبير في المال وتوفيره علي، إلى أن بلغت مبلغ النساء فخطبني ابن عم لي فزوجتني منه، فكان بي وبه من الحب ما لا يوقف على صفته، ثم إن ابنةً لعمتي أدركت، فجعلت هذه ترغب زوجي فيها؛ فتاقت نفسه إليها فخطبها. فقالت: لست أزوجكها حتى تجعل أمر بنت أخي في يدي. فقال لها: قد فعلت! فلم أشعر حتى أتاني رسولها فقال: عمتك تقرئك السلام وتقول لك: إن زوجك خطب ابنتي، وإني أبيت أن أزوجها منه حتى يجعل أمرك في يدي ففعل ذلك فأنت طالق، فحمد الله تعالى على ما بليت به. وإن زوج عمتي هذه قدم من سفر، فسألني عن قصتي فأخبرته فقال: تزوجيني نفسك؟ فقلت: نعم! على أن تجعل أمر عمتي في يدي. قال لي: فما تصنعين إذاً؟ قلت: ذلك إلي؛ إما أن أعفو وإما أن أقتص. قال: قد فعلت، فأرسلت إلى عمتي أن زوجك خطبني وأني أبيت عليه حتى يجعل أمرك في يدي، ففعل؛ فأنت طالق! فضحك ابن أبي ليلى! فقالت العجوز: لا تضحك أيها القاضي، فالذي بقي أكثر وأعظم. فقالت الشابة: ثم إن زوج عمتي مات فجعلت تخاصمني في ميراثه، فقلت لها: هو زوجي وأنا أحق بميراثه، فأغرت ابن عمي ووكلته بخصومتي ففعل. فقلت: يابن العم؛ إن الحق لا يستحى منه وقد صلحت لك إذ نكحت زوجا غيرك، فهل لك في مراجعتي؟ فقال: كان ما كان ولا ذنب لي فيه، بل كنا على أشد رغبة وأعظم محبة. ثم قال: أوتفعلين؟ قلت: على أن تجعل أمر بنت عمتي بيدي. قال: قد فعلت. فأرست إلى بنت عمتي أن زوجك خطبني وأني أبيت عليه حتى يجعل أمرك في يدي ففعل، فأنت طالق. فقالت العجوز: أصلح الله القاضي؛ أيحل هذا، أطلق أنا وابنتي؟ فقال ابن أبي ليلى: نعم، التعس والنكس لك. ثم ركب إلى المنصور فأخبره حتى ضحك وفحص برجليه، وقال: أبعد الله العجوز ولا فرج عنها. حمار عاقل أتى رجل نخاساً فقال: اشتر لي حماراً ليس بالصغير المحتقر، ولا الكبير المشتهر، إن أشبعته شكر، وإن أجعته صبر، وإن خلا الطريق تدفق، وإن كثر الزحام ترفق، لا يصدم بي السواري، ولا يدخل بي تحت البواري، إن ركبته هام، وإن ركبه غيري نام. فقال له النخاس: أنظرني قليلاً، فإن مسخ الله ابن أبي ليلى القاضي حماراً اشتريته لك. جارية

стр. 88

وكتب بعض الكتاب إلى محمد بن منصور: وإن بين كل أمر يطالبه الرجاء وبين المطلوب إليه ذريعةً يتوصل بها إلى معروفه، ولي بارتجائك لمعرفتي بفضلك، وكذا الوسيلة، وما كنت متوسلاً إليك بشيء هو أرجى في حاجتي، ولا أصلح لطلبتي من التوسل إليك بحسن الظن فيك، وحاجتي أكرمك الله ظريفة من الجواري لم تتداولها أيدي التجار، ولا تبذلها معاودة العرض، ولي فيها شريطة أعرضها عليك لترى رأيك فيها، أحبرها فرعاء فإنه يقال: إذا اتخذت الجارية فاستجد شعرها؛ فإن الشعر أحد الوجهين؛ وتكون رائقة البياض، تامة القوام؛ فإن البياض والطول نصف الحسن؛ وتكون مليحة المضحك، فإنه أول ما يجلب المحبة، ويكسب الحظوة، ولست أكره الانكسار في الثدي، لأنه ليس للناهد عندي سوى لذة النظر. ولست من قول الشاعر: جال الوشاح عن قضيبٍ زانه ... رمّان ثدي ليس يقطف ناهد في شيء. وأكره العجيزة العظيمة وأريدها وسطاً؛ لأن خير الأمور أوسطها، لها طرف أدعج، وحاجب أزج، وكفل مرتج، وما وافقت هذه الصفة، وكانت رخيمة الكلام، شهية النغمة، فهي حرة قبل أن ترسلها، وحاجتي أبقاك الله يحملها قدرك ويستحقها شكرك. وأنا بالإضعاف حري، وأنت بالإسعاف قمين. فأنفذ إليه محمد بن منصور خمسمائة دينار، وكتب إليه: قد سألت أكرمك الله عن هذه الصفة فلم أجدها، فالتمسها أنت؛ فإن وجدتها فهذه خمسمائة دينار تدفعها عربوناً حتى أبعث إليك بالثمن، والسلام. خطبة النكاح قال أبو سودة لابنه: يا بني، تعلم خطبة النكاح، فإني أريد أن أنكح أخاك، قال: نعم! فلما كان من الليل قال: أتعلمت شيئاً؟ قال: نعم! قال: هات. قال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. حي على الصلاة حي على الفلاح. فقال أبوه: يا بني، لا تقم الصلاة حتى أذهب وأجيء، فإني على غير وضوء. وهذا كقول ابن أبي حفصة لما قال علي بن الجهم قصيدته التي أولها: الله أكبر والخليفة جعفر أراد عليٌّ أن يقول قصيدة ... بمدح أمير المؤمنين فأذّنا فقلت له لا تعجلنّ إقامةً ... فلست على طهرٍ فقال: ولا أنا قال يزيد بن أبي حبيب لرجل: من أين أقبلت؟ قال: من أسفل الأرض. فقال له: كيف خلفت قارون؟ وقال عبد الله بن خزيمة لصاحب شرطته: أين تذهب يا هامان؟ قال: أبني لك صرحاً. صبي يتعلم الهجاء أسلم رجل ابنه إلى المعلم وقال له: علمه الهجاء، ولا تشغله بغيره، فطال ترداده إلى المكتب؛ فقال أبوه: تعلمت الهجاء؟ قال: نعم! قال: ما هجاء طير؟ قال: ط أس ر أأ ح ألا ي أ، قال: ما هجاء سمكة؟ فقال: س م ك أهـ أخ ح د د، فأرسل إلى المعلم فحضر. فقال له: ويحك! تقدمت إليك أن تعلم هذا الصبي الهجاء، وقد سألته عن هجاء طير، فقال كذا وكذا، وسألته عن هجاء سمكة، فقال: كذا وكذا. فقال المعلم: تجيء إلى صبي صغير تهجيه شيئاً يطير في الهواء وشيئاً يغوص في قعر البحر كيف يتهجاه! فقال: هجه أنت. فقال المعلم: أهجي لك حماد؟ قال: هج. فقال: ح م د ك س، فانتهره أبو الولد وانصرف. أبو محمد النوبهاري أتاه رجل فقال: وضعت رأسي في حجر امرأتي فقالت: ما أثقل رأسك! فقلت: أنت طالق إن كان رأسي أثقل من رأسك. فقال: تطلق عليك، فقيل له: ولم؟ فقال: لأن القصابين أجمعوا على أن رأس الكبش أثقل من رأس النعجة. وكان المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أصيبت عينه عام غزوة مسلمة القسطنطينية، وكان يطعم الطعام حيث نزل. فجاء أعرابي فجعل يديم النظر إلى المغيرة ولا يأكل. فقال له: ما لك يا أعرابي؟ فقال: إنه ليعجبني كثرة طعامك، وتريبني عينك. قال: وما يريبك منها؟ فقال: أراك أعور تطعم الطعام، وهذه صفة الدجال. فضحك المغيرة وقال: كل يا أعرابي فإن الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله. من شعر أبي العتاهية حضر يعقوب بن إسحاق الكندي مجلساً فيه قينة، فقالت له: اقترح. فقال لها غني: لو تجسّين يا عتيبة عرقي ... لوجدت الفؤاد قرحاً تفقّا فقالت: إن أردت جسّ العروق والنظر إلى الأبوال فعليك بالبيمارستان. هذا البيت في أبيات لأبي العتاهية إسماعيل بن القاسم ويكنى بأبي إسحاق وأبو العتاهية لقب وفيها:

стр. 89

قال لي أحمدٌ ليعلم ما بي ... أتحبّ الغداة عتبة حقّا فتألّمت ثم قلت نعم ... ها جرى في العروق عرقاً فعرقا قد لعمري ملّ الطبيب وملّ ال ... عواد مني ممّا أُعنّى وأشقى ليتني متّ فاسترحت فإني ... أبداً ما حييت منها ملقّى وكان أبو العتاهية سهل الشعر لينه، وتندر له الأبيات على صحة شعره فتحسن، وكان يقال: شعر أبي العتاهية سباطة الملوك تجد فيها الدرة والخرفة، وأنشد الجاحظ شعره فمجه فقال: ألفيته أملس المتون ليس له عيون. وقد قال ابن الرومي لرجل أنشده شعراً سليماً من العيوب مطبوعاً عارياً من تدقيق المعاني: نحن أعزك الله نحب مع السلامة الغنيمة. وكان الرشيد مغرماً بشعره مستظرفاً له. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ذكرت عند الرشيد بذم، وكان فيه أن قيل: هو يا أمير المؤمنين على حداثة سنه وقصر معرفته يخالفك؛ فيقدم العباس بن الأحنف على أبي العتاهية، فاستحضرني وقال: من أشعر عندك أبو العتاهية أم العباس؟ فعرفت ما أراد فقلت: أبو العتاهية: فقال: أنشدني للعباس فأنشدته أحسن ما أعرف له: أُحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالةٌ نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق فقال: فأنشدني لأبي العتاهية فأنشدته أحسن ما أعرف له: كأنّ عتّابة من حسنها ... دمية قسٍّ فتنت قسّها يا ربّ لو أنسيتنيها بما ... في جنّة الفردوس لم أنسها إني إذاً مثل التي لم تزل ... دائرةً في طحنها كدسها حتى إذا لم يبق منه سوى ... حفنة برٍّ خنقت نفسها فقال: هذا الذي أنشدت لأبي العتاهية من أعابيثه التي لا يلقى بها بالاً، ولكن هلا أنشدتني قوله: قال لي أحمد ولم يدر ما بي ... أتحبّ الغداة عتبة حقّا وأشد الأبيات، ثم قال: أيحسن أحد أن يقول: فتنفست ثم قلت: نعم. قلت: لا يا أمير المؤمنين وما أحفظ الشعر. قال: احفظه! وكنت أعرف به منه. من جيد شعره ومن جيد شعر أبي العتاهية قوله لأحمد بن يوسف، وكان له صديقاً قبل الوزارة، فلما وزر للمأمون جفاه: أبا جعفر إنّ الشريف يهينه ... تناهيه من دون الأخلاّء بالوفر فإن تهت يوماً بالذي نلت من غنىً ... فإنّ عزائي بالتّجمّل والصبر ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى ... وأن الغنى يخشى عليه من الفقر وقوله له وقد أتاه فقيل له إنه نائم: لئن عدت بعد اليوم إنّي لظالم ... سأصرف وجهي حين تبغى المكارم متى يظفر الغادي إليك بحاجةٍ ... ونصفك محجوبٌ ونصفك نائم وقوله: ميّت مات وهو في وارف العي ... ش مقيمٌ في ظل عيش ظليل في عداد الموتى وفي ساكني الدّن ... يا أبو جعفر أخي وخليلي لم يمت ميتة الوفاء ولكن ... مات عن كلّ صالحٍ وجميل وهذا القول لعمرو بن مسعدة: عييت عن العهد القديم عييتا ... وضيعت عهداً كان لي ونسيتا وقد كنت في أيام ضعفٍ من القوى ... أبرّ وأوفى منك حين قويتا تجاهلت عمّا كنت تحسن وصفه ... ومتّ عن الإحسان حين حييتا وكان عمرو بن مسعدة صديقاً له قبل ارتقاء حاله، فلما بلغ في أيام المأمون إلى رتبة الوزارة ساله حاجةً فلم يقضها، فتأخر عنه فغضب عمرو وحجبه فكتب إليه: بلوت إخاء النّاس يا عمرو كلّهم ... وجرّبت حتى أحكمتني تجاربي فلم أر ودّ الناس إلاّ رضاهم ... فمن يزر أو يغضب فليس بصاحب وانحدر إلى واسط فلم يعد حتى تغيرت حال عمرو. فأما شعره في الزهد فقد فاق فيه الشعراء وبز النظراء؛ وغزله يلين كثيراً ويشاكل كلام النساء، كقوله: لجّت عتيبة في هجري فقلت لها ... تبارك الله ما أجفاك يا ملكه إن كنت أزمعت يا سؤلي ويا أملي ... حقّاً على عبدك المسكين بالهلكه فقد رضيت بما أصبحت راضيةً ... ها قد هلكت على اسم الله والبركه

стр. 90

وربما بلغ بلينه إلى الإضحاك كقوله: عتّابة النّفس كاعبٌ شكله ... كحلاء بالحسن غير مكتحله بالله هل تذكرين يا سكني ... وأنت لا تقصرين في الحجله أيام كنّا ونحن في صغر ... نلعب هالا مهلهلا هلله وهذا وإن قصد به الهزل فليس في حلاوة قول العباس: لست أنسى مقالها لرسولي ... أبداً أو تضمّني أرماسي هات قل لي كتاب من ذا فإني ... من في خيفةٍ وفي إيجاس فنبذت الكتاب سرّاً إليها ... فتبدّى العنوان من عبّاس فرمت بالكتاب زهواً وقالت ... ما بقى للقرود إلاّ الكراسي ولا كملاحة قوله: جارية أعجبها حسنها ... ومثلها في الخلق لم يخلق عرّفتها أنّي محبٌّ لها ... فأقبلت تضحك من منطقي وانصرفت نحو فتاةٍ لها ... كالرشأ الأغيد في قرطق قالت لها قولي لهذا الفتى ... انظر إلى وجهك ثم اعشق من نوادر الجهلاء واللكن وكان بالرملة شيخ نظير لأبي بكر النابلسي في طريق الزهد، وكان ألكن اللسان؛ فنزل بعض الجند دار صديق له، فخاف طول مكثه، وأن تصير الدار نزلاً للجند، وسار بذلك إلى الشيخ، وسأله أن يبعث إليه من يعرفه بالرجل أنه من خاصته لينتقل عنها؛ فأنفذ معه رسولاً، ثم رأى الشيخ أن قيامه آكد فنهض فلحقه. فقام الجندي إليه؛ فقال: أيها الشيخ الجليل سيدي؛ أتاني رسولك، ولا والله أقيم أكثر من يومين ألتمس منزلاً وأنتقل. فقال الشيخ: نعم! يا سيدي وشهرين إذا شئت، وما هذا التضييق على نفسك؟ فقال صاحب الدار: والله أعزك الله لئن أقام بها عشرة أيام لتصيرن داري نزلاً. فقال: يا هذا، إنك إن تقول، إن هؤلاء، إنما أحب إليك أن يأتوا إلى دارك، لسبب ما، فليس الأمر كما زعمت. فقال: فسر لي أكرمك الله هذا الكلام، وأنا أهب له الدار. وكان بالرملة أيضاً كاتب جاهل ألكن، فأرسل غلامه إلى الصوارف يبتاع له شراباً، فاشترى له ركوة شراب، وحملها على حمار وأتى الرملة. فقبض عليه أصحاب المصالح، فقالوا: زن درهماً، فامتنع، فأرجلوه عن الحمار فضربوه خمسين مقرعة، وأخذوا الشراب والحمار؛ فأتى مولاه فأخبره. فكتب إلى متولي النظر في أمرهم: أما بعد، فإن غلاماً، وإن حماراً، ألبسبله، فضرباه خمسين رطلاً في ركوة، فرأيك في إطلاق الحمار، وأبقاك. وقال بعض إخوانه: كنت عند فاحتجم، فقال: ما عندي اليوم شراب نبيذ، فاجلس حتى أكتب إلى صديقي فلان يبعث لي بقنينة أشربها معك. فقلت له: أنت مطول في كتبك فاعمل على الاختصار. فكتب: أما بعد احتجمت قنينة والسلام، فقلت له: ولا هذا كله! ومثل هذا في الاختصار، قيل إن شاعراً مدح نصر بن سيار بقصيدة فيها مائة بيت كلها نسيب، وإنما المدح منها في بيتين. فقال له نصر: ما تركت معنى ظريفاً ولا نسيباً مليحاً إلا أوردته في نسيبك دون مدحك. فقال: غداً أغدو عليك بغير هذا؛ فغدا عليه بقصيدة أولها: هل تعرف الدار لأم الغمر ... دع ذا وحبّر مدحةً في نصر وكتب هذا الكاتب كتاباً إلى بعض إخوانه: اشتهيت وليس عندي إلا، وليس يحلو إلا من عندك، وهو الدمكسك أصلحك الله، يطرح الحشمة، فأرسل إلى ممسا منفصلاً والسلام. أراد النمكسود وهو لحم يقطع طوابيق ويشد بالملح في ألواح وينشر حتى يذهب ماؤه وينشف؛ فإذا احتيج إلى شيء منه بل بالماء وأصلح؛ وإنما يستعمل كذا ليسافر به ولا يفسد. ولذا قال أبو العيناء: الزينبي نمكسود الخمر. وكتب رجل إلى قاض في أمر قوم من جيرانه اختصموا: إن الذي لم يجر بينهما غير مفهوم، وقد أردت الاستصلاح فعاد استفساداً؛ فإن رأى القاضي أدام الله عزله أن يصفح عن كتابي فإن فيه نقصاً. فقال القاضي. لا، بل فيه زيادة لام، كفانا الله شرها. من معاريض الكلام ورثي قبران مكتوب على أحدهما: من رآني فلا يغتر بالدنيا، فإني كنت من ملوكها، أصرف الريح كيف شئت. وعلى الآخر مكتوب: كذب، إنما كان حداداً ينفخ بالزق. وكان بالكوفة رجل باقلاني، فخرج الطائف ليلاً فأخذه سكران؛ فقال: من أنت؟ فقال: أنا ابن الذي لا تنزل الدّهر قدره ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود

стр. 91

ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره ... فمنهم قيامٌ حولها وقعود فقال الطائف: قد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: تجاوزوا عن ذوي الهيئات؛ خلوا سبيله. فلما أصبح سأل عنه فإذا هو ابن باقلاني. فقال: إن لم يترك لنسبه فقد ترك لأدبه. ومثله من المعاريض قول ابن شبرمة؛ وقد سئل عن رجل، فقال: إن له شرفاً وقدماً وبيتاً، فنظر فإذا هو ساقط. فقيل له في ذلك. فقال: ما كذبت: شرفه: أذناه وقدمه التي يمشي عليها، ولا بد أن يكون له بيت يأوي إليه. وسئل آخر عن رجل؛ فقال: رزين المجلس، نافذ الطعنة؛ فحسبوه سيداً، فإذا هو خياط طويل الجلوس نافذ الإبرة. من طرف النوادر طلب العتبي بعد ثمانين سنة أن يتزوج، فقيل له في ذلك. فقال: أولاد الزمان فسدوا فأردت أن أذلهم باليتم، قبل أن يذلوني بالعقوق. بعث بعض ولد عيسى بن جعفر إلى جماعة من المخنثين فأتوه، فجعلوا يلعبون ويرقصون وبقي مخنث منهم لا يتحرك. فقال: ما لك؟ قال: لا أحسن شيئاً. قال: فلم دخلت يابن الفاعلة؟ يا غلام ائتني بسكرجة مملوءة روثاً وأخرى مملوءة جمراً، فأتاه بهما. فقال: والله لتأكلن من أحدهما أو لأضربنك حتى تموت. قال: يا مولاي؛ دعني أصلي ركعتين. قال: قم فصل؛ فقام يصلي فأطال. فقال له: يابن الفاعلة، إلى كم تصلي؟ قد صليت أكثر من عشرين ركعة! فقال: يا سيدي؛ أنا دائب أدعو الله أن يمسخني نعامةً فأقوى على أكل الجمر، أو خنزيراً فأقوى على أكل الخرا، فلم يستجب لي بعد؛ فدعني أصلي وأدعو، فلعله يستجاب لي؛ فضحك منه ووصله. هبت ريح شديدة، فقال الناس: قامت القيامة. فقال ربدة المخنث: يا حمقاء؛ القيامة هكذا على البارد بلا دابة ولا دجال ولا دخان ولا يأجوج ولا مأجوج. ورأى مخنث شيخاً هرماً، فقال: عدمته، كأنه قصر ابن هبيرة ذهب رسمه وبقي اسمه. من نوادر الأعراب قدم قوم لأعرابي قريساً فأمعن في أكله. فقيل له: يا أعرابي؟ ما هذا؟ قال: فالوذج؛ إلا أنكم أحمضتموه. وابتاع أعرابي غلاماً؛ فقالوا له: إنا نبرأ إليك من عيب فيه. قال: ما هو؟ قالوا: يبول في الفراش: قال: إن وجد فراشاً فليفعل. وقيل لأعرابي: لم إذا غضبنا على غلام لنا قلنا له: أباعك الله في الأعراب قال: لأنا نطيل كده، ونعري جلده، ونجيع كبده. وقال أبو تمام لرجل سرق شعره: إنما الضّيغم الهصور أبو الأش ... بال رئبال كلّ خيسٍ وغاب من عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتعٌ في كتابي غارة أسخنت عيون القوافي ... فاستحلّت محارم الآداب يا عذارى الكلام صرتنّ من بع ... دي سبايا تبعن في الأعراب ورأى أعرابي سراويل في فلاة، فأخذه يظنه قميصاً لم يعرف كيف يلبسه!! فمر يعدو ورماه؛ فلقيه رجل فقال: ما لك يا أعرابي؟ قال: أصبت قميصاً للشيطان، وأخاف أن يلحقني فيقول: لم أخذت قميصي؟ أعرابي في عرس

стр. 92

وقال الهيثم بن عدي: سمعت أعرابياً يقول: دخلت حضرتكم بعد عيد الأضحى، فإذا أنا بجمع عظيم عليهم أنواع الثياب من بيض وحمر وصفر، فكأنها زهر البستان. فقلت في نفسي: هذا العيد الذي يذكر أصحابنا الحضر يتزينون فيه، ثم رجعت إلى عقلي فقلت: وأي عيد هو؟ وقد خرجت بعد الأضحى، فبينا أنا باهت أفكر في أمري إذ أخذ بيدي رجل منهم. فقال: ادخل يا أعرابي. فدخلت فإذا بمجلس منضد بالنضائد، موسد بالوسائد، وفي صدره سرير، وعليه رجل جالس، والناس صموت عن يمينه وشماله. فقلت في نفسي: هذا الخليفة الذي يذكرون، فقبل الأرض وقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقيل: اسكت يا أعرابي، هذا عروس ونحن في عرسه؛ فهيىء لي موضع في المجلس، فجلست فيه. فقدمت هنات مدورات من خشب عليها ثياب متلاحمة النسج، فهممت أن أسند في ثوب منها أرقع به إزاري. فقيل لي: مد يدك يا أعرابي وكل، فإذا هو ضرب من الخبز لا أعرفه، ثم قدمت أنواع من الطعام حلوة وحامضة وحارة وباردة، فأكلت؛ ثم أتي بأوان فيها ماء أحمر فجعلوا يصبون في أقداح ويشربون، فناولني منه قدحاً؛ فقلت: أخاف أن يقتلني. فقالوا: يا أعرابي؛ إنه يهضم ما في بطنك، فشربته فحدث في قلبي طرب لا أعرفه، وهممت أن أهشم الذي بجانبي، وأن أقول للآخر: يابن الزانية! فأقبلوا يسألون رجلاً، ويقولون: أمتعنا بنفسك، فأتى بهنات لها رأسان مشدودان بالخيوط المحصدة؛ فأقبل يضرب رأسه، فيخرج منها رعد كهزيم الرعد وزئير الأسد. وأخرج رجل من كمه شيئاً كفيشلة الحمار، فأقبل يردد عليه به. وأقبل آخر ينتخ حتى كبح به الأرض. فقلت: مجنون ورب الكعبة!! ثم أقبلوا يضرعون إلى آخر ويرغبون إليه؛ فأتاهم بدابة من خشب عينها ف صدرها إذا فتلت أذنها تكلم فوها؛ فطرب كل من حضر وطربت حتى تقدمت إليه، وقلت: يا سيدي؛ ما هذه الدابة؟ فقال: يا أعرابي؛ هذه يقال لها البربط. فقلت: آمنت بالله وبالبربط، ثم سقوني قدحاً آخر، فأخذتني نومة لم يوقظني منها إلا حر الشمس من الغد. البحتري يهجو علي بن يحيى وفي علي بن يحيى يقول البحتري يهجوه: وأكثرت غشيان المقابر زائراً ... عليّ بن يحيى جار أهل المقابر فإلاّ يكن ميت الحياة فإنّه ... من اللؤم ميت الجود ميت المآثر قال أبو العيناء: محمد بن مكرم والعباس بن رستم تعجلا الجنة في الدنيا، يشربان الخمر ولا يصليان. من مكارم أبي الصقر ومما يعد من مكارم أبي الصقر أنه لما ولي الوزارة بعد صاعد دخل عليه ابن ثوابة فقال: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين. قال: لا تثريب عليك يا أبا العباس يغفر الله لك وهو أرحم الراحمين. ولما ولي أبو الصقر الوزارة خير أبا العيناء فيما يحب حتى يفعله به. فقال: أريد أن يكتب لي الوزير إلى أحمد بن محمد الطائي يعرفه مكاني، ويلزمه قضاء حق مثلي من خدمه. فكتب إليه كتاباً بخطه فأوصله إلى الطائي، فسبب له في مدة شهر مقدار ألف دينار، وعاشره أجمل عشرة؛ فانصرف بأجمل ما يحب. كتاب أبي العيناء إلى أبي الصقر وكتب إلى أبي الصقر كتاباً متضمنه: أنا أعز الله الوزير طليقك من الفقر، ونقيذك من البؤس، أخذت بيدي من عثرة الدهر، وكبوة الفقر؛ وعلى أية حال حين نفدت الأولياء والأشكال، والإخوان والأمثال الذي يفهمون في غير تعب؛ وهم الناس كانوا غياثاً للناس، فحللت عقدة الخلة، ورددت إلي بعد النفور النعمة، وكتبت إلى الطائي كتاباً، فكأنما كان منه إليك، أتيته وقد استصعبت علي الأمور، وأحاطت بي النوائب، فكثر من بشره، وأعطى من ماله أكرمه، ومن بر أحكمه، ولم يزل مكرماً لي مدة ما أقمت، ومثقلاً لي من فوائده لما ودعت؛ حكمني في ماله فتحكمت، وأنت تعرف جوري إذا تمكنت، وزادني من طوله فشكرت؛ فأحسن الله جزاءك، وأعظم حباءك، وقدمني أمامك، وأعاذني من فقدك وحمامك، وقد أنفقت علي ما ملكك الله، وأنفقت من الشكر ما يسر الله لي. والله يقول: " لِيُنْفِقْ ذو سَعَةٍ من سعته "؛ فالحمد لله الذي جعلك اليد العليا، والرتبة السامية؛ لا أزال الله عن هذه الأمة ما بسط لها من عدلك، وبث فيها من رفدك. أبو العيناء أول من أظهر العقوق لوالديه

стр. 93

قال أبو العيناء: أنا أول من أظهر العقوق بالبصرة لوالديه. قال أبي: إن الله قد قرن طاعته بطاعتي؛ فقال: " اشكر لي ولوالديك ". فقلت: يا أبت؛ إن الله أمنني عليك ولم يأمنك علي. فقال: " ولا تقتلوا أولادكم خشيةَ إمْلاَق نحن نرزقكم وإياهم ". وقال أعرابي لأبيه: يا أبت، إن كبير حقك علي لا يبطل صغير حقي عليك، والذي تمت به إلي أمت بمثله، ولست أزعم أنا سواء ولكن لا يحل الاعتداء. ابناك كعينيك وحكى أبو الحسن محمد بن جعفر بن لنكك البصري عن أبيه أنه جاور ببغداد في أيام المقتدر رجلاً من جلة الكتاب، ونشأ له ولدان فتنا بغداد بحسنهما، فبلغ الأكبر منهما، فنقله من المكتب إلى الديوان، وأراد أن يحصنه بجارية فابتاعها له بألف دينار، وقال: لا تعلم أخاك فإنه يصغر عن ذلك، فنمت داية الأصغر الأمر إليه، وقالت: إن أباك خص أخاك بشيء دونك. فقال لها: بم خصه؟ قالت: بجارية. قال: هو إليها أحوج وأنا عنها أغنى، غير أني أشفق أن يتسع الخرق، وما علمت أنه فضل مذ نشأ علي بشيء، وأنا أجله عن المشافهة، ولكن هاتي دواة، فكتب إليه: ليس لي بعد إلهي ... مشتكى إلاّ إليكا وأخي في الفضل مثلي ... وكلانا في يديكا لا تفضّله عليّ ... بالحبا من ناظريكا إنما ابناك كعيني ... ك فداوي مقلتيكا إن أذقت العين كحلاً ... هاجت الأخرى عليكا فابتاع له جارية بثمن جارية أخيه وأنفذها إليه. بخور غير طائل وحضر أبو الحسن بن لنكك عند أبي الفتح نصر بن أحمد الخبزأرزي فبرخه ببخور غير طائل فقال: تبصّر في فؤادي فضل حبٍّ ... يفوق به على كلّ الصحاب أتيناه فبخّرنا بشيءٍ ... من السقف المدخّن بالتهاب فقمت مبادراً وحسبت نصراً ... يريد بذاك طردي أو غيابي فقال متى أراك أبا حسين؟ ... فقلت له إذا اتّسخت ثيابي بين أبي علي البصير وأبي العيناء قال أبو علي البصير لأبي العيناء: في أي وقت ولدت من النهار؟ قال: طلوع الشمس. قال: فلذلك خرجت مكدياً؛ لأنه وقت انتشار المساكين. فقال له أبو العيناء: بيني وبينك مناسبة العمى، قال: كلا! إني من عميان الدواب، وأنت من عميان العصا. بلغت أبا علي البصير عن أبي العيناء قوارص بظهر الغيب؛ فكتب إليه: أستزيد الله في بقائك؛ وأستمتعه بإخائك، وأستحفظه النعمى عندك. رب مزح أعزك الله قد بعث جداً، وجور قد أحدث قصداً، ورب أمر صغير خطره، قد أعقب أمراً كبيراً آخرهن ونحن باستزادتنا بعهدك، ومحاماتنا على ودك، وتمسكنا بعرى الأسباب التي بيننا وبينك، واحتراسنا من جناية الدهر علينا فيك، لا نقتصر على الاستظهار بالحجة، والإبلاغ في المعذرة، دون استفراغ المجهود، وبلوغ الغاية في التأني، والحيلة في استرجاع ما شذ عنا منك، وإبطال ما نمت به الأخبار إلينا عنك، من تحليك بنا في العيب، وتناولت إيانا في الغيب، فلا يزال أخ لك مد الله في عمرك تعد له، على نفسك، وثوقه لك وعليك، قد ساقط إلي أحاديث عنك بطبائعها صلاح القلوب قليلاً بها بقاء المودة، سريعة في حل عقدتها وقطع مودتها، أحاديث، أكره لنفسي بدأها ولك عاقبتها، وكنت لا أزال أرد ما يرد علي منها بتأول لفظك وحسن الظن بمعناك، والتماس العذر لك على ضيق مخرجه، وصعوبة مطلبه؛ وأغلب رأيي لهواك، وأقف غضبي على عتباك، وأحفظ قصدك إلي متنصلاً بما بلغني عنك؛ إلى حرم بيني وبينك، لا يجب حفظها علي دونك، حتى عاد تعريضك تصريحاً، وتمريضك تصحيحاً، وفي نسبته في صحتي إلى العمى، وفي حلمي إلى الضعف، إلى أن يئس الصديق من نصري، لما رأى من إغضائي في أمر نفسي، وقد بقي مع فضلة من أداتي أنت تملكها دوني، فإن صنتها لي ووفرتها على من أساء الاختيار؛ ولا أعدم أنصاراً من الأحرار، أسعد بمؤازرتهم ومكاشفتهم، وأستغني بنفسي عنهم. وقد كتبت في هذا المعنى بأبيات هي لما قبلها ولما يكون بعدها، فرأيك في تفهمها نفعك الله بها: أبلغ أبا العيناء إن لاقيته ... قولاً يكون لدائه حسما نبئت أنّك في المغيب تسبّني ... وإذا التقينا كنت لي سلما

стр. 94

فتروم هجوي جاهداً ونقيصتي ... سفهاً أراه بادياً حلما لا تغتنم لحمي فليس بأكلة ... واعلم بأنك واجدٌ لحما إني أُعيذك أن تكون رميّةً ... لسهام رامٍ إن رمى أصمى شتم ورد وشتم أبا علي البصير بعض الطالبيين، فقال: إنا والله ما نعيا من جوابك، ولا نعجز عن مساءتك، ولكنا نكون خيراً لنسبك منك، ونحفظ ما أضعفت، فاشكر توفير ما وفرنا منك، ولا يغرنك بالجهل علينا حلمنا عنك. من شعر أبي علي البصير وأبو علي هو القائل: ألّمت بنا يوم الرحيل اختلاسة ... فأضرم نيران الجوى النظر الخلس تأبّت قليلاً وهي ترعد خيفةً ... كما تتأبّى حين ترتعد الشمس فخاطبها صمتي بما أنا مضمرٌ ... وأبلست حتى لست يسمع لي حسّ وولّت كما ولّى الشباب لطيّة ... طوت دونها كشحاً على يأسها النّفس وقال يمدح الفتح بن خاقان: سمعنا بأشعار الملوك فكلّها ... إذا عضّ متنيه الثقاف تأوّدا سوى ما سمعنا لامرىء القيس إنه ... يكون إذا لم يشعر الفتح أوحدا أقام زماناً يسمع القول صامتاً ... ونحسبه إن رام أكدى وأصلدا فلما امتطاه راكباً ذلّ صعبه ... وسار فأضحى قد أغار وأنجدا وقال يصف ليلة مطر: وليلة عارض لا نوم فيها ... أرقت لها إلى الصبح الفتيق حمى فيها الكرى عيني ببيتٍ ... كأنّ سماءها عين المشوق تواصلت السحائب وهو بيتٌ ... وصدّت وهو قارعة الطريق وهذا كقول ابن المعتز: روينا فما نزداد يا ربّ من حياً ... وأنت على ما في الضمير شهيد سقوف بيوتي صرن أرضاً أدوسها ... وحيطان داري ركّعٌ وسجود من نوادر اللصوص ذهبت ثياب رجل في الحمام، فجعل يقول: أنا أعلم، أنا أعلم، واللص يسمعه؛ ففزع وظن أنه قد فطن به؛ فردها. وقال له: إني سمعتك تقول: أنا أعلم، فما الذي تعلم؟ قال: أعلم أنه إن عدمت ثيابي مت من البرد. مستميح ولص زار رجل الخصيب بن عبد الحميد وهو أمير على مصر مستميحاً فلم يعطه شيئاً فانصرف. فأخذه أبو الندى اللص وكان يقطع الطريق فقال: هات ما أعطاك الخصيب. قال: لم يعطني شيئاً، فضربه مائتي مقرعة يقرره على ما ظن أنه ستره عنه. ثم قدم على الخصيب بعد ذلك زائراً فلم يعطه شيئاً: فقال: جعلت فداك! تكتب إلى أبي الندى أنك لم تعطني شيئاً لئلا يضربني، فضحك ووصله. من طرائف الأجوبة ومر سالم بن أبي العقار بمحمد بن عمران الطلحي وكان سالم أحد المجان فقال له سالم: هذه الشيبة والهيئة الحسنة والخضاب، ولا تنزع عما أنت فيه!! فقال: يا أبا سليمان؛ إني لأهم بذلك، فإذا مررت بمنزل ابن عمك طلحة بن بلال فرأيت على حاله لم يخسف به علمت أن في الأمر فسحة بعد. ولما مرض أبو نواس دخل عليه الجماز يعوده. فقال: اتق الله، فكم من محصنة قد قذفت، ومن سيئة قد اقترفت، وأنت على هذه الحال؛ فتب قبل الموت. فقال: صدقت. ولكن لا أفعل! قال: ولم؟ قال: مخافة أن تكون توبتي على يد واحد مثلك. وقال الجماز: أراد أن يكتب أبو نواس إلى إخوان له دعاهم، فلم يجد قرطاساً يكتب فيه! فكتب في رأس غلام له أصلع ما أراد، ثم قال فيه: فإذا قرأت كتابي، فأحرقوا القرطاس. فضحكوا منه وتركوا للغلام جلدة رأسه. نوادر لابن الجصاص تقدم الوزير علي بن عيسى إلى ابن أبي عبد الله بن الجصاص في البكور، فأتاه نصف النهار. فقال: ما أخرك يا أبا عبد الله؟ قال بمحلتي أعز الله الأمير كلاب تنبح الليل أجمع، فأسهرتني البارحة، فلما كان مع وجه السحر سكن نباحها، فنمت فغلبتني عيني إلى الآن، فقال له: وما لك يا أبا عبد الله لا تتقدم في قتلها؟ قال: ومن يستطيعها أيها الوزير؟ وكل واحد منها مثلي ومثل أبيك ﵀.

стр. 95

وخرجت يده من الفراش في ليلة باردة، فأعادها إلى جسده بثقل النوم فأيقظته، فقبض عليها بيده الأخرى، وصاح: اللصوص اللصوص! هذا اللص جاء ينازعني وقد قبضت عليه، أدركوني لئلا يكون في يده حديدة يضربني بها، فجاءوا بالسراج فوجدوه قد قبض بيده على يده. ودخل على ابن له وقد احتضر، فبكى عند رأسه، وقال: كفاك الله يا بني الليلة مؤنة هاروت وماروت. قالوا: وما هاروت وماروت؟ قال: لعن الله النسيان، إنما أردت يأجوج ومأجوج. قالوا: وما يأجوج ومأجوج؟ قال: فطالوت وجالوت. قالوا: فلعلك أردت منكراً ونكيراً. قال: والله ما أردت إلا غيرهما!! يريد ما أردت غيرهما. وغفل عنه أهله يوماً فسمعوا صياحه؛ فأتوه فوجدوه في بيت كالميت. فقالوا: ما لك؟ قال؛ فكرت في كثرة مالي وشدة مصادرة السلطان للتجار في هذا الوقت وتعذيبه لهم بالتعليق، فعلقت نفسي ونظرت كيف صبري، فزحلت فلم أتخلص حتى كدت أموت. وهذه الحكايات عن ابن الجصاص تنسب إلى غيره، والمحدثون مختلفون في حكاياتهم ومضطربون في رواياتهم. وكان المعتضد إذا رأى ابن الجصاص يقول: هذا الأحمق المرزوق! وكان أوسع الناس دنيا، له من المال ما لا ينتهى إلى عده، ولا يوقف على حده. وبلغ من جده أنه قال: تمنيت أن أخسر، فقيل لي: اشتر التمر من الكوفة وبعه بالبصرة، ففعلت ذلك؛ فاتفق أن نخل البصرة لم يحمل في ذلك العام؛ فربحت ربحاً واسعاً. وكان المعتضد لما زفت إليه قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون بعث أبوها إلى ابن الجصاص مائتي ألف دينار، وكتب إليه قد جهزناها بما قدرنا عليه، وبالعراق طرائف لم تصل إلى أيدينا، فاشتر ما تراه؛ فاحتجز المال ولم يسأل عنه. وكان ابن المعتز لما خلع المقتدر لم يقم في الخلافة إلا يومين غير تامين، ثم اضطرب حبله، فهرب إلى دار بن الجصاص فأخرج منها، أخرجه المقتدر بعد أيام إلى القضاة والعدول ميتاً. سبب طلب ابن المعتز للخلافة وكان سبب طلب ابن المعتز للخلافة: أن المقتدر وهو جعفر بن المعتضد وأمه أمة سوداء واسمها شعب لما استخلف أرجف الناس فيه وتكلموا في أمره. وقالوا: كيف يلي الخلافة من لم يبلغ الحلم؟ وكانت سنه يومئذ ثلاث عشرة سنة وشهراً وعشرين يوماً، وقالوا: لا بد من خلعه لأنه سادس. قال الصولي: وقد جرى في السادس أمر طريف من الاتفاق؛ وذلك أن الله ﵎ أورث الأرض سيد الأولين والآخرين ﷺ ، والخلفاء الراشدين بعه أربعة. واستخلف بعد علي ﵁ الحسن ابنه وهو السادس فخلع. وسلم الأمر إلى معاوية ثم إلى يزيد بن معاوية ثم إلى معاوية بن يزيد ثم مروان بن عبد الحكم ثم عبد الملك بن مروان ثم بويع ابن الزبير في أيامه أو بعدها وهو السادس فخلع، ثم انقضت دولة بني أمية ولم يكمل بعد الوليد ستة، وإنما ولي يزيد بن الوليد الناقص وإبراهيم بن الوليد بن مروان ومروان بن محمد وهو آخر ملوك بني أمية. ثم استفتح ملك بني العباس بأبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور ومحمد بن المنصور المهدي وموسى الهادي بن المهدي وهارون الرشيد بن المهدي والأمين بن الرشيد بن المهدي وهو السادس فخلع، ثم ولي المأمون بن الرشيد والمعتصم أخوه والواثق بن المعتصم والمتوكل بن المعتصم والمنتصر بن المتوكل والمستعين أحمد بن المعتصم فخلع وهو السادس.

стр. 96

قلت أنا: وولي القاهر محمد بن المعتضد والراضي أبو العباس بن المقتدر والمتقي أبو إسحاق بن المقتدر والمستكفي والمطيع الفضل بن جعفر المقتدر والطائع أبو بكر عبد الكريم بن المطيع وهو السادس فخلع. وولي بعده أبو العباس القادر وهو الخليفة في هذا الزمان، وكان الإرجاف في أول ولاية المقتدر شديداً من الخاصة والعامة، فلما قتل العباس وزيره أخذ محمد بن داود بن الجراح البيعة على الناس لعبد الله بن المعتز، ووجه إلى القضاة والعدول، فاجتمع من القواد وغيره زهاء خمسة آلاف سوى الأتباع، فأظهر لهم محمد بن داود عبد الله بن المعتز، وكتب كتاباً خلع فيه المقتدر، واحتج بأن إمامته لا تجوز لقصوره من بلوغ الحلم وصغره عن الخلافة، واستحقاق عبد الله إياها لكماله وحنكته ومعرفته في أمور المسلمين وعلمه بشرائع الدين، فشهد العدول على ما في الكتاب ومن حضر من أشراف بغداد، وبايعوا ابن المعتز ولقبوه المنتصف، ويقال الراضي، ويقال القائم بالحق، وتقلد ابن الجراح الوزارة، وتكلم عبد الله بن المعتز وذكر المقتدر وأنه لا صلاة للناس معه ولا حج ولا غزو. وقال: قد آن للحق أن يتضح، وللباطل أن يفتضح، وقام وكيع فقرظه وذكر محاسنه وذكر شعر أبي العتاهية في هارون الرشيد وهو: أتته الخلافة منقادةً ... إليه تجرّر أذيالها فلم تك تصلح إلاّ له ... ولم يك يصلح إلاّ لها ولو رامها أحدٌ غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها ولم يبق في دار المقتدر حينئذ إلا نفر يسير، وهر بعضهم إلى ابن المعتز، فسعى مؤنس الخازن وسوسن في نقض هذا العقد في اليوم الثاني، وجددا للناس بيعة المقتدر، وأخرجا الأموال فزادا في الأعطية، فانجفل الناس إليهما، ولم يبق مع ابن المعتز أحد؛ فهرب إلى دار ابن الجصاص، وهذا خبر طويل ليس هذا موضع استقصائه. ثم خلع المقتدر بعد ذلك وقتل في الحرب، ولم يقتل في الإسلام خليفة بين الصفين غيره. ولما ظهر ابن المعتز ميتاً رثاه الناس؛ فقال ابن بسام: لله درّك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيه لوٌّ ولا ليت فتنقصه ... وإنما أدركته جرفة الأدب وطولب ابن الجصاص بالتجائه إليه، وأراد المقتدر قتله. فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنه ابن عمك، وقد لجأ إلى داري، وأنا غائب عنها، فكتمت أمره لعل رأيك يحسن فيه، ولست بمضاد في خلافة ولا قادح في مملكة، وقتلي لا ينفعك؛ وفي حياتي لك فائدة. قال: وما فائدة حياتك؟ قال: أدفع إليك كل يوم ألف دينار؛ فترك ووفى في ذلك مدة. رثاء ابن بسام لابن المعتز وقد استحسن لابن بسام رثاؤه لابن المعتز على سوء رأيه فيه ومهاجاته له. كتاب للبديع في مرض الخوارزمي وقد أحسن بديع الزمان في هذا المعنى كل الإحسان، وقد كتب إليه إبراهيم بن أحمد بن حمزة يهنئه بمرض أبي بكر الخوارزمي وكان بينهما من المهاجاة والمهاترة والمنازعة والمنافرة ما يطول به الشرح: الحر أطال الله بقاءك لا سيما إذا عرف الدهر معرفتي، ووصف أحواله صفتي، إذا نظر علم أن نعم الدهر ما دامت معدومة فهي أماني، فإذا وجدت فهي عواري، وأن محن الأيام وإن مطلت فتستنفد، وإن لم تصب فكأن قد؛ فكيف يشمت بالمحنة من لا يأمنها في نفسه، ولا يعدمها في جنسه. والشامت إن أفلت فليس يفوت. وإن لم يمت فسوف يموت، وما أقبح الشماتة بمن أمن الإماتة، فكيف بمن يتوقعها بعد كل لحظة، وعقيب كل لفظة، والدهر غرثان طعمه الخيار، وظمآن شربه الأحرار. فهل يشمت المرء بأنياب آكله، أو يسر العاقل بسلاح قاتله؟ وهو الفاضل شفاه الله، وإن ظاهرنا بالعداوة قليلاً، فقد باطناه وداً جميلاً، والحر عند الحمية لا يصطاد، ولكنه عند الكرم ينقاد، وعند الشدائد تذهب الأحقاد؛ فلا تتصور حالي إلا بصورتها من التوجع لعلته، والتحزن لمرضته، وقاه الله المكروه، ووقاني الله سماع المكروه فيه. الخوارزمي رافضي

стр. 97

وكان الخوارزمي رافضياً غالياً؛ أخبرني من رآه بنيسابور وقد خرج سكران وقد كظه الشراب فطلب فقاعاً فلم يجده، فقال: أيعوزني الفقاع لما طلبته. فإذا كان يهتف بهذه الجملة لغير علة، فكيف به مع تفزيع العلل، وتوسيع الأمل، ممن يطابقه على كفره، ويوافقه في سره. وكان فاحشاً بذيئاً، مستخفاً جريئاً على ذوي الإنعام عليه، والإحسان إليه، قال إسماعيل بن عباد لما بلغه موته: سألت بريداً من خراسان مقبلاً ... أمات خوارزميكم؟ قال لي: نعم! فقلت اكتبوا بالجصّ من فوق قبره ... ألا لعن الرحمن من يكفر النّعم وسع قبيح في جبهة الخوارزمي وكان هجا بعض الملوك فظفر به فوسمه في جبهته سطرين فيهما شطران بأقبح هجاء، فكان يشد العمامة على حاجبيه ستراً عليهما. ولذلك قال البديع في مناظرته إياه وقد ذكر مجلساً طويلاً غنى المغني بحضرتنا: وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا اللطم في الخدّ الرقيق فقال للحاضرين: أنا أروي الشعر الذي منه هذا البيت وهذا لا يرويه. فقلت: روايتي تخالف روايتك، وإذا أنشدتكها على روايتي ساءتك في استماعها، ولم يسرك مصنوعها. قال: وكيف روايتك؟ قال قلت: وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا الوسم في الوجه الصفيق فلما أضجرته النكتة، أخذته السكتة، فخمدت ناره، ووقف حماره. بين البديع والخوارزمي وكان البديع ﵀، وهو أبو الفضل أحمد بن الحسين: قد أشرقه بريقه، ووعر عليه ما سهل من طريقه. وكان الخوارزمي يرميه ببغض علي رضوان الله عليه، ويشنع علي بذلك ويغري به الطالبيين: يقولون لي لا تحبّ الوصيّ؟ ... فقلت الثّرى بفم الكاذب أُحبّ النبيّ وآل النبيّ ... وأختص آل أبي طالب وأُعطي الصحابة حقّ الولاء ... وأجري على سنن الواجب فإن كان نصباً ولاء الجميع ... فإني كما زعموا ناصبي وإن كان رفضاً ولاء الوصيّ ... فلا برح الرّفض من جانبي فلله أنتم وبهتانكم ... ولله من عجب عاجب وإن كنتم من ولاء الوصيّ ... على العجب كنت على الغارب يرى الله سرّي إذا لم تروه ... فلم تحكمون على الغائب ألا تبصرون لرشدٍ معي ... ولا تهتدون إلى الله بي أعزّ النبيّ وأصحابه ... فما المرء إلاّ مع الصاحب أيرجو الشفاعة من سبّهم؟ ... بل المثل السوء للضارب حنانيك من طمع باردٍ ... ولبيك من أملٍ كاذب له في المكاره قلب الجبان ... وفي الشبهات يد الحاطب كتاب البديع إلى بعض الرؤساء وكتب البديع إلى بعض الرؤساء وذكر الخوارزمي: ما ألوم هذا الفاضل على نشر شر طواه، وموقد حرب اجتواه، ولكني ألومه على ما نواه، ولم يتبع فيه هواه، ورامه، ولم يبلغ تمامه. وأقول: قد ضرب فأين الإيجاع؟ وأنذر فأين الإيقاع؟ وهذه بوارقه، فأين صواعقه؟ وذاك وعيده، فأين عديده؟ وتلك بنوده، فأين جنوده؟ وأنشد: هذي معاهده فأين عهود ما أهول رعده، لو أمطر بعده! اللهم لا كفران، أراه أشفق لغريب أن يظهر عواره، وإن طار طواره، فإن كان قصد هذا القصد فقد أساء إلى نفسه من حيث أحسن إلي، وأجحف بفضله من حيث أبقى علي، وأوهم الناس أنه هاب البحر أن يخوضه، والأسد أن يروضه، وشجعني عن لقائه، بعد أن فزعن بإيمائه، فبينا كنت أنشد: إن جنبي عن الفراش لنابي إذ أنشدت: طاب ليلي وطاب فيه شرابي، وبينا كنت أقول: ما لقلبي كأنه ليس مني إذ قلت: أين من كان موعداً لي بأني. من مساجلات البديع والخوارزمي وبين البديع والخوارزمي مراسلات ومساجلات، ومجالس ظريفة ومقامات، في ابتداء وجواب، أخذت بوصل الحكمة وفصل الخطاب، ومن الهزل والجد.

стр. 98

فمن ظريف ما لأبي بكر من رسالة طويلة يهزأ بها بالبديع: تواضع لنا رحمك الله، فإن التواضع خلق من أخلاق السلف، وشبكة من شباك الشرف، وتصدق علينا ببشرك، فإن الله يجزي المتصدقين، وأحسن فإن الله يحب المحسنين، ولاين إخوانك في قولك وفعلك، ولو كنت فظاً غليط القلب لانفضوا من حولك. ولولا أني رحمك الله لا أقول بالرجعة، ولا أذهب مذهب التناسخية، لظننت أنك يونس بن فروة إذ قيل فيه: أمّا ابن فروة يونس فكأنه ... من كبره ذاك الحمار القائم ما الناس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما عداك بهائم فلقد أعجبت بنفسك الخسيسة التي لا تستحق العجب، وأحببت ما لا يساوي الحب، حتى كأن كسرى أنو شروان حامل غاشيتك، وكأن قارون وكيل نفقتك، وحتى كأنك بنيت منارة الإسكندرية من آجر دارك، وشدت ملعب سليمان من بقايا رخام صحنك؛ وكأن خاتم الدنيا في خصرك، وحساب خرجها ودخلها في بنصرك، وحتى كأن الشمس تطلع من جبينك، والغمام يندى من يمينك، وكأن كسرى أنو شروان صاحب نفقة إصطبل دوابك، ونمرود بن كنعان قهرمانك على ولدك وأهلك، وحتى كأن الكبريت الأحمر خزف دارك، والدرة اليتيمة في أخس سوارك. رحمك الله! دع لليونانية من الحكمة ما ينفق به سوقهم، واترك لبني العباس من التملك ما تمشي به أمورهم، وأبق للشمس والقمر من الحسن بمقدار ما يلوحان به، ويطلعان فيه؛ وانظر إلى النساء من وراء حجاب، ومن خلف برقع، وإلا خرجن في عشقك من ستر الله، وقطعن أيديهن وقلن حاشا لله، ولا تحمل الحرائر على خشونة الطلاق، ولا تذق المماليك مرارة العناق. رحمك الله! لي حوائج إن قضيتها فقد تسلفت شكري وثنائي، وإن رددتني عنها فقد رأيت أنموذج سخطي وشكواي، قد اتفق الناس على ضياع النسخة الأولى من كتاب العين فأملها علينا رحمك الله! والكيمياء فقد أنفقت فيها الأموال، وتعب فيها الرجال، ثم لم يحصوا منها إلا على مواعيد مزخرفة، وأماني مسوفة، فما عليك لو علمتناها، وأغنيت الفقراء، وزدت الأغنياء، وأرحت الناس من الضرب في البلاد، ومن الكد والاجتهاد، ومن أن يخدم فقير غنياً، ويتخذ بعضهم بعضاً سخرياً. والزيج الأكبر فقد انقطع أصله، ومات أهله، وهو من مفاخر الروم علينا، ومن محاسنهم دوننا. فاعمل على إصلاحه، ولا تدع النصارى يفضلون المسلمين في إبداعه. ومسجد دمشق فهو حسنة يباهي أهل المغرب أهل المشرق، فابن لنا مثله، ولا تثبت علينا فضله؛ فإنما هي ساعة من هندستك، وجزء نستعمله من أجزاء حكمتك. أنا لو سلمت أنك إنسان لنفيت عن نفسي الإنسانية، وقضيت عليها بالبهيمية، وصرت أعلى منك في النقص حكمة، وفي الجهل طبقة. وإذا أردت أن تعلم أني في ذمك جاد، وفي مدحك لاعب، وفي الشهادة عليك صادق، وفي الشهادة لك كاذب، فانظر إلى تهافت كلامي إذا لاينتك وجاملتك، وإصابتي الغرض وحزي المفصل إذا كاشفتك وباينتك، وذلك أن الصادق معان مأخوذ بيديه، والكاذب مخذول مغضوب عليه، وما كان الله ليوفقني وأنا أجامل من لا يعرف قط إجمالاً ولا تجميلاً، وأفضل من لم يناسب مذ كان إفضالاً ولا تفضيلاً. وليس يخفى عليك أكرمك الله تطاول أهل العراق بعبد الله بن هلال الهجري صديق إبليس؛ فأرنا رحمك الله من عجائب صنعتك، ولطائف شعبذتك، وأظهر من كتبك ما تحاكي به كتب اليونانية، وتكسد شعرهم وتهدم فخرهم؛ فإن إبليس تلميذ لك، تعلم منك وأخذ عنك؛ وشتان بين من يدعي أن إبليس من أعوانه، وبين من يدعي أنه من غلمانه. وهل استنظر إبليس إلى يوم الوقت المعلوم إلا ليدرك زمانك، ويرى برهانك، أي وفقدك فلا شيء أعز علي منه! ولا أحسن في عني، أما سمعت قول علي بن جبلة في أبي دلف: إنما الدّنيا أبو دلفٍ ... بين بادية ومحتضره فإذا ولّى أبو دلفٍ ... ولّت الدّنيا على أثره إلا غضبت عليه، واعتقدت أنه أخذ صفتك، وأعار أبا دلف مدحتك، ولا سمعت قوله: إما الدّنيا حميدٌ ... وعطاياه الجسام فإذا ولّى حميدٌ ... فعلى الدنيا السلام إلا تمنيت لو عرفت قبره فرجمته، أو عرفت بيته فهدمته، ولا سمعت قول ليلى الأخيلية: فتى كان أحيى من فتاة حيّية ... وأشجع من ليث بخفّان خادر

стр. 99

إلا قلت: كيف لو رأت ليلى أخانا، فتعلم أين دعواها من دعوانا. ولا أنشدت قول أبي السعلاء في الرشيد: أغيثاً تحمل الناق ... ة أم تحمل هارونا أم الشمس أم البدر ... أم الدنيا أم الدينا فإني والله أتعجب حين قاله في غيرك، كيف لم ترم جهنم بشرارها، والشياطين بأحجارها، وأعجب من قول من قال في معن بن زائدة: مسحت معدّ وجه معنٍ سابقاً ... لما جرى وجرى ذوو الأحساب كيف يسبق غيرك في حلبة وأنت في عدادها، أم كيف يكون غيرك سابق جيادها؟ أنت أيدك الله بين هؤلاء الشعراء مرحوم مظلوم، سلبوك علاك وهي حلاك، ونحلوها قوماً سواك، والمدح الكاذب ذم، والبناء على غير أساس هدم. وهي طويلة جداً، مر له فيها إحسان كثير. وإنما احتذى في أثرها مثال رسالة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ لأحمد بن عبد الوهاب المعروفة برسالة الطول والعرض وتعرف برسالة التوسع والتدوير ورسالة المفاكهات، واتبع أيضاً طريق أبي الفضل بن العميد في رسالته لابن سمكة النحوي. بين الخوارزمي والبديع وقد جمع بديع الزمان جوامع ما جرى بينه وبينه في كتاب أنفذه إلى بعض الأشراف، أنا أكتب منه ها هنا قطعة على اختصار، وهو وإن كان طويلاً فليس مملولاً، لما ألبسه من حلل البلاغة، وحلل البراعة، وجدته في الآذان، وحلاوته في الأذهان؛ وفيه أنواع تنفتح لها الأسماع، وتنشرح لها الطباع، مما ألف هذا الكتاب له من الملح الظريفة، والفكاهات الشريفة. وأولها: سأل السيد أمتع الله ببقائه إخوانه أن أملي جوامع ما جرى بيننا وبين أبي بكر الخوارزمي أعزه الله من مناظرة مرة، ومنافرة أخرى، وموادعة أولاً، ومنازعة ثانياً، إملاء يجعل الأسماع له عياناً؛ فتلقيته بالطاعة، على حسب الاستطاعة، ولكن للقضية سبب لا تطيب إلا به، ومقدمات لا تحسن إلا معها، وسأسوق بعون الله صدر حديثنا إلى النجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز: وأولها: إنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور داراً، وإلا جوار السادة جواراً، لا جرم إنا حططنا بها الرحل، ومددنا عليها الطنب، وقديماً كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوقه، ونخبر به ونخبره على الغيب فنتعشقه، ونقدر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة على القشرة، وفي المودة عن الجلدة، فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا، ولحمة الأدب نظمتنا، وقد قال شاعر القوم غير مدافع. أجارتنا إنّا غريبان ها هنا ... وكلّ غريبٍ للغريب نسيب فأخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف، وقد كان اتفق علينا في ذلك الطريق من العرب اتفاق، لم يوجبه استحقاق، من بزة بزوها، وفضة فضوها، وذهب ذهبوا به. ووردنا نيسابور براحة أنقى من الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار، وزي أوحش من طلعة المعلم، بل اطلاعة الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره، هذا بعد رقعة قدمناها، وأحوال أنس نظمناها؛ فلما أخذتنا عينه، سقانا الدردي من أول دنه، وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنه، من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره؛ لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، ووليناه خطة رأيه، وقاربناه إذ جاذب؛ وواصلناه إذ جانب، ولبسناه على خشونته، وشربناه على كدورته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستلين قياده، ونستميل فؤاده، ونقيم مناده، بما هذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم الأستاذ أبو بكر والله يطيل بقاءه، أزرى بضيفه إذ وجده يضرب إليه آباط القلة، في أطمار الغربة؛ فأعمل في ترتيبه أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام، ومضغ للكلام، وتكلف لرد السلام. وقد قبلت ترتيبه صعراً، واحتملته وزراً، واحتضنته نكراً، وتأبطته شراً، ولم آله عذراً، فإنما المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال، أتقذر صف النعال. فلو أني صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت: إن بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناساً يجرون المطارف، ولا يمنعون المعارف: وفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوههم ... وأنديةٌ ينتابها القول والفعل

стр. 100

فلو طرحت بأبي بكر إليهم طوائح الغربة لوجد منال البشر قريباً، ومحط الرحل رحيباً، ووجه المضيف خصيباً. ورأي الأستاذ أبي بكر أيده الله في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه موفق إن شاء الله تعالى. فأجاب بما في نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم: وصلت رقعة سيدي ورئيسي، أطال الله بقاءه، إلى آخر السكباج، وعرفت ما تضمنه من خشن خطابه، ومؤلم عتبه وعتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجرة التي لا يخلو منها من مسه عسر، ونبا به دهر، والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنة مشتكى ما في نفسه. أما شكاة سيدي ورئيسي من مضايقتي إياه كما زعم في القيام، فقد وفيته حقه أيده الله سلاماً وقياماً على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبا البركات العلوي، وما كنت لأوثر أحداً على من أبوه الرسول وأمه البتول، وشاهده التوراة والإنجيل، وناصره التأويل والتنزيل، والبشير به جبريل وميكائيل. فأما القوم الذين صدر عنهم سيدي فكما وصف: حسن عشرة، وسداد طريقة، وكمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد: فإن أك قد فارقت نجداً وأهله ... فما عهد نجدٍ عندنا بذميم والله يعلم نيتي للأحرار كافة، ولسيدي من بينهم خاصة؛ فإن أعانني على بعض ما في نفسي بلغت له بعض ما فيه النية، وجاوزت به مسافة القدرة، وإن قطع علي طريق عزمي بالمعارضة، وسوء المؤاخذة، صرفت عناني عن طريق الاختيار، بيد الاضطرار: وما النفس إلاّ نطفةٌ بقرارةٍ ... إذا لم تكدّر كان صفواً غديرها وبعد: فحبذا عتاب سيدي إذا استوجبنا عتباً، واقترفنا ذنباً؛ فأما أن يسلفنا العربدة، فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله؛ ولست أسومه أن يقول: استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. ولكني أسأله أن يقول: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فحين ورد الجواب، وعين العذر رائدة تركناه بعره، وطويناه على غره وعمدنا لذكره فسحوناه، ومن صحيفتنا محوناه؛ وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وربكنا خطته، وتجنبنا خطته، فلا طرنا إليه ولا طرنا به. ومضى على ذلك الأسبوع ودبت الأيام، ودرجت الليالي، وتطاولت المدة، وتصرم الشهر، وصرنا لا نعير الأيام ذكره، ولا نودع الصدور حديثه، وجعل هذا الفاضل يستزيد ويستعيد، بألفاظ تقطفها الأسماع من لسانه، وتوردها إلي، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه وتعيدها علي، فكاتبناه بما هذه نسخته: أنا أرد من سيدي الأستاذ أطال الله بقاءه شرعة وده وإن لم تصف، وألبس حلة بره وإن لم تضف، وقصاراي أن أكيله صاعاً عن مد؛ فإني وإن كنت في الأدب دعي النسب، ضعيف السبب، سيىء المنقلب: ضيق المضطرب، أمت إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليط منصفاً في الوداد، إن زرت زار، وإن عدت عاد. وسيدي أيده الله ناقشني في القبول أولاً، وصارفني في الإقبال ثانياً. فأما حديث الإقبال، وأمر الإنزال، فنطاق الطمع ضيق عنه، غير متسع لتوقعه منه، وبعد، فكلفة الفضل هينة، وفروض الود متعينة، وأرض العشرة لينة، وطرقها بينة، فلم أختار قعود التغالي مركباً، وصعود التعالي مذهباً، وهلا ذاد الطير عن شجر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؛ فقد علم الله تعالى أن شوقي إليه قد كد الفؤاد برحاً إلى برح، ونكأه قرحاً على قرح، ولكنها مرة مرة ونفس حرة، لم تقد إلا بالإعظام، ولم تلق إلا بالإجلال والإكرام، وإذا استعفاني من معاتبته، وأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرعها، وحلل الصبر أتدرعها، ولم أعره من نفسي، وأنا أعلم لو أني أعرت جناحي طائر لما طرت إلا إليه، ولا وقعت إلا عليه: أحبّك يا شمس المعالي وبدرها ... وإن لامني فيك السّها والفراقد وذاك لأنّ الفضل عندك باهرٌ ... وليس لأنّ العيش عندك بارد

стр. 101

فلما وردت عليه الرقعة؛ حشد تلاميذه وخدمه، وزم عن الجواب قلمه، وحبس للإيجاب قدمه، وطلع مع الفجر علينا. ونظمت حاشيتنا دار الإمام أبي الطيب. فقلت: الآن تشرق الحشمة وتنور، وتنجد في العشرة وتغور، وقصدناه شاكرين لمأتاه؛ وانتظرنا عادة بره، وتوقعنا مادة فضله، فكان خلباً شمناه، وآلاً وردناه، وصرفنا الأمر في تأخره، وتأخرنا عنه إلى ما قال عبد الله بن المعتز: إّنا على البعاد والتفرّق ... لنلتقي بالذكر إن لم نلتق وقول آخر وقد أحسن وزاد: أحبّك في البتول وفي أبيها ... ولكنّي أحبّك من بعيد وبقينا نلتقي خيالاً، ونقنع بالذكر وصالاً، حتى جعلت عواصفه تهب، وعقاربه تدب، وهو لا يرضى بالتعريض حتى يصرح، ولا يقنع بالنفاق حتى يعلن، وأفضت الحال به وبنا معه إلى أن قال: لو أن بهذا البلد رجلاً تأخذه هزة الهمم، وتملكه أريحية الكرم، لجمع بيني وبين فلان يعنيني: ثم أرى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتي أم حمار وود فلان بوسطاه، بل بيمناه، لو رحلنا وقلنا في المناخ له، وأتى بكلمات تحذو هذا الحذو، وتنحو هذا النحو، وألفاظ أتتنا من علو، فكان من جوابنا: بعض الوعيد يذهب في البيد. وقلنا: الصدق ينبىء عنك لا الوعيد. وقلنا: إن أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية. وقد قال بعض أصحابنا: قلت لفلان: لا تناظر فلاناً فإنه يغلبك. قال: أمثلي يغب وعندي دفتر مجلد، ووجدنا عندنا دفاتر مجلدة، وأجزاء مجودة، وأنشدناه قول حجل بن نضلة: جاء شقيقٌ عارضناه رمحه ... إنّ بني عمّك فيهم رماح هل أحدث الدهر لنا توبة ... أم هل رفت أم شقيق سلاح وقلنا: إنا نقتحم الخطب، ونوسط الحرب، فنردها مفحمين ونصدر بلغاء: وألسننا قبل النزيل قصيرة ... ولكنّها بعد النّزال تطول فمن ظنّ أن قد يلاقي الحرو ... ب وألاّ يصاب فقد ظنّ عجزا فإنك متى شئت لقيت منا خصماً ضخماً، ينهشك قضماً، ويأكلك خضماً، وحملناه على قول القائل: السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب تأخذ من أنفاسها جزع وقلنا له: نصحتك فالتمس يأويك غيري ... طعاماً إنّ لحمي كان مرّا ألم يبلغك ما فعلت ظباه ... بكاظمةٍ غداة لقيت عمرا وجعل الشيطان يثقل بذلك أجفان طرفه، ويقيم به شعرات أنفه: وحتى ظنّ أنّ الغشّ نصحي ... وخالفني كأنّي قلت هجرا واتفق أن السيد أبا علي أدام الله عزه نشط للجمع بيننا؛ فدعاني فأجبت، وعرض علي حضور أبي بكر فطلبت ذلك، وقلت: هذه عدة لم أزل أتنجزها، وفرصة لا أزال أنتهزها. فتجشم السيد أبو الحسن أعزه الله مكاتبته يستدعيه، فاعتذر أبو بكر بعذر في التأخر. فقلت: لا ولا كرامة للدهر أن نقعد تحت ضيمه، أو نقبل خسف ظلمه. وكتبت أنا له أشحذ عزمته على البدار، وألوي رأيه عن الاعتذار، وأعرفه ما في ذلك من ظنون تشتبه، وتهم تتجه، وتناذير تختلف، واعتقادات تخلف، وقدنا إليه مركوباً لنكون قد ألزمناه الحج، وأعطيناه الراحلة؛ فجاءنا بطبقة أف، وعدد تف: كل بغيض طوله أصبع ... وأنفه خمس أشبار مع أصحاب عانات، وأرباب جربانات، وسرحنا الطرف منه ومنهم في أحمى من است النمر، وأعطس من أنف النغر، فرأينا رجالاً جوفاً، قد حلقوا صوفاً، فأمنا المعرة، ولم نخش المضرة. والمناظرة بينهما يطول ذكرها، ويعظم قدرها، ويخرج بها الكتاب عن حده؛ ولكني ألمع منها باليسير، إذ لو ذكرت جميع المعارضات والمناقضات، والمبادهة والمواجهة، لأضعفت على ما كتبت. فمن ذلك أن البديع قال قلت له: اقترح علي غاية ما في طوقك، ونهاية ما في وسعك، حتى أقترح عليك أربعمائة صنف من الترسل؛ فإن سرت فيها برجلين، ولم أطر بجناحين، فلك فيها السبق. مثال ذلك، أن أقول لك: اكتب كتاباً يقرأ جوابه منه؛ هل يمكنك أن تكتب؟ أو أقول لك: اكتب كتاباً على المعنى الذي أقترح، وانظم شعراً وافرغ منهما فراغاً واحداً؛ هل كنت تمد لهذا ساعداً؟

стр. 102

أو أقول لك: اكتب كتاباً في المعنى الذي أقول وأنص عليه، وأنشد من القصائد ما أريده من غير تثاقل ولا تغافل، حتى إذا كتبت ذلك قرىء من آخره إلى أوله، وانتظمت معانيه إذا قرىء من أسفله؛ هل كنت تفوق لهذا الغرض سهماً، أو تجيل قدحاً، أو تصيب نجحاً؟ أو قلت لك: اكتب كتاباً إذا قرىء من أوله إلى آخره كان كاتباً، وإذا عكست سطوره مخالفة كان جواباً؛ هل كنت في هذا العمل واري الزند، قاصد القصد؟ أو قلت لك: اكتب كتاباً على المعنى الذي أقترح، لا يكون فيه معنى متصل من واو تتقدم الكلمة، أو منفصل عنها بديهة، هل كنت تفعل؟ أو قلت لك: اكتب كتاباً خالياً من الألف واللام، لا تصب معانيه إلا على قالب ألفاظه، ولا تخرجه من جهة أغراضه، هل كنت تقف من ذلك موقفاً مشهوراً؟ أو يبعك ربك مقاماً محموداً؟ أو قلت لك: اكتب كتاباً أوائل سطوره كلها ميم، وآخرها جيم، على المعنى الذي أريد، هل كنت تغلو في قوسه غلوة، أو تخطو في أرضه خطوة؟ أو أقول لك: اكتب كتاباً يخلو من الحروف العواطل، هل كنت تحظى منها بطائل؟ أو تبل لهاتك بناطل؟ أو أقول لك: اكتب كتاباً إذا قرىء معوجاً، أو سرد معرجاً، كان شعراً، هل كنت تقطع في ذلك شعراً؟ بلى، والله تصيب ولكن من بدنك، وتقطع ولكن من ذقنك. أو أقول لك: اكتب كتاباً إذا فسر من وجه كان مدحاً، وإذا فسر من وجه آخر كان قدحاً، هل كنت تقدر على هذه العمدة؟ أو تخرج من هذه العهدة؟ أو أقول لك: اكتب كتاباً كنت قد حفظته من دون أن لحظته، هل كنت تثق من نفسك به؟ بل است البائن أعلم. فقال أبو بكر: هذه الأبواب شعبذة فقلت: وهذا القول طرمذة، فما الذي تحسن أنت من الكتابة وفنونها، حتى أباحثك عن مكنونها، وأكاثرك بمخزونها، وأثير فيها قلمك، وأسبر لسانك وفمك. فقال: الكتابة التي يتعاطاها أهل الزمان، المتعارفة بين الناس. فقلت: أليس لا تحسن من الكتابة إلا هذه الطريقة الساذجة، وهذا النوع الواحد المتداول بكل قلم، المتناول بكل يد وفم، ولا تحسن هذه الشعبذة. فقال: نعم! فقلت: هات الآن حتى أطاولك بهذا الحبل، وأنابلك بهذا النبل، ثم تقاس ألفاظي بألفظاك، ويعارض إنشائي بإنشائك؛ فأقترح كتاباً يكتب في النقود وفسادها، وفي التجارات وكسادها ووقوفها، والبضاعات وانقطاعها، والأسعار وغلائها. فكتب أبو بكر بما نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، الدرهم والدينار ثمن الدنيا والآخرة؛ بهما يتوصل إلى جنات النعيم، ويخلد في نار الجحيم، قال الله تعالى: " خُذ من أموالهم صدقةً تُطهِّرهم وتزكّيهم بها وصَلّ عليهم إنّ صلاتك سكنٌ لهم والله سميع عليم ". وقد بلغنا من فساد النقود ما أكبرناه أشد الإكبار؛ وأنكرناه أعظم الإنكار، لما نراه من الصلاح للعباد، وننويه من الخير للبلاد، وتعرفنا في ذلك بما يربح الناس في الزرع والضرع إلى كلمات لم تعلق بحفظنا. فقلت: إن الإنكار والإكبار، والبلاد والعباد، وجنات النعيم ونار الجحيم، والزرع والضرع، قد نبت عن العد، وزلت عن اليد، وقد كتبت كما ترى بما ساوق فيه اللسان القلم، وسابقت اليد الفم، ولا أطالبك بمثل ما أنشأت. فاقرأه ولك اليد، وناولته الرقعة فبقي وبقيت الجماعة، وبهت وبهتت الكافة. وهذا ما كتب البديع ارتجالاً: بسم الله الرحمن الرحيم: الله شاء أن المحاضر صدور بها وتملأ المنابر، ظهور لها وتفرع الدفاتر، وجوه بها وتمشق المحابر، بطون لها ترشق آثاراً، كانت فيه، آمالنا مقتضى على أياديه، في تأييده الله أدام الأمير جرى، وإذا المسلمين ظهور عن الثقل هذا ويرفع الدين، أهل عن الكل هذا يحط أن في إليه نتضرع، ونحن واقفة، والتجارات زائفة، والنقود صيارفة، أجمع الناس صار فقد كريماً نظراً إلينا لينظر شيمه، مصاب وانتجعنا كرمه، بارقة وشمنا هممه، على آمالنا رقاب وعلقنا أحوالنا، وجوه له وكشفنا آمالنا، وفود إليه بعثنا فقد نظره بجميل يتداركنا أن ونعماءه تأييده وأدام بقاءه الله أدام الحال الجليل الأمير رأى أن وصلى الله على النبي محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 103

فجعلت أقرؤه منكوساً، وأسرده معكوساً، والعيون تبرق وتحار. فلما فرغت من قراءتها انقطع ظهر أحد الخصمين. وقال الناس: قد عرفنا الفاضل من المفضول، ثم ملنا إلى اللغة والعروض والنحو والشعر والحفظ، فلما برد ضجر الناس وقاموا يفدونني بالأمهات، ويشتمون الفرس المنبت؛ وقام أبو بكر فغشي عليه، وقمت إليه فقلت: يعزّ عليّ في الميدان أنّي ... قتلت مناسبي جلداً وقهرا ولكن رمت شيئاً لم يرمه ... سواك فلم أطق يا ليث صبرا وخرجت وقد اجتمع الناس؛ فتلقوني بالشفاه تقبيلاً، وبالأفواه تبجيلاً، وانتظروا خروجه إلى أن غابت الشمس فلم يظهر أبو بكر، حتى خفره الليل بجنوده، وخلع عليه الظلام خلع بروده. عود إلى النوادر مع الشق كان بمصر شريف من ولد أبي العباس يعرف بأبي جعفر الشق، شبيه بابن الجصاص في الغفلة والجد والنعمة. قال أبو القاسم بن محمد التنوخي: بعثني أبي إليه من قرية تعرف بتلا يستقرضه عشرة أرداب قمحاً وثلاثين زوج بقر، وكتب معي بذلك رقعة؛ فأتيت إليه وسلمت عليه ودفعت إليه الرقعة. فقال: ذكرت أباك بخير وحرس وأسعده، فهو صاحبي وصديقي وخليطي، وأين هو الآن؟ قلت: بقرية تلا أعز الله سيدي الشريف. قال: نعم! حفظه الله هـ بالفسطاط معنا؛ وقد انقطع عنا كذا، ما كنت أظنه إلا غائباً. قلت: لا يا سيدي هو بتلا. قال: فما لك ما قلت لي؟ فما كان سبيله أن يؤنسني برقعة من قبله. قلت: يا سيدي، قد دفعت إليك رقعته. قال: وأين هي؟ قلت: تحت البساط، فأخذها وقرأها وقال: قل لي الآن؛ كان لك أخ أعرفه حار الرأس حاد الذهن، يحسن النحو والعروض والشعر، فما فعل الله به؟ قلت: أنا هو أعزك الله. قال: كبرت كذا، وعهدي بك تأتيني معه وأنت بزقة مخطة لعقة قردلاش. قلت: نعم! أيد الله الشريف. قال: وما الذي جئت به؟ قلت له: والدي بعثني إليك برقعة يسألك فيها قرض عشرة أرادب قمحاً وثلاثين زوج بقر. قال: وهو الآن بالفسطاط؟ قلت: لا يا سيدي هو بتلا. قال: نعم! وإنما ذاك الفتى أخوك؟ قلت: لا، أنا هو، فهو يراجعني الكلام، وقد ضجرت من شدة غفلته وكثرة نسيانه لما أقول له، حتى أقبل كاتبه أبو الحسين، فقال: سل هذا الفت ما أراد. فسألني فعرفته فأخبره فقال له: نفذ له حاجته، فوقع لي الكتاب بما أراد. وقال: تلقاني للقبض بالديوان، فشكرت الشريف ونهضت. فقال: اصبر يا بني فقد حضر طعامنا. وقدم الطعام وفيه حصرمية غير محكمة، فرفع يده وقال: مثل مطبخي يكون فيه مثل هذه! علي بالطباخ، فأتى، فقال له: ما هذا العمل؟ فقال: يا سيدي؛ إنما أنا صانعٌ وعلى قدر ما أعطى أعمل، وقد سألت المنفق يشتري لي ما أحتاج إليه فتأخر عني فعملت على غير تمكن؛ فجاء التقصير كما ترى. فقال: علي بالمنفق فأحضر. فقال: مالي قليل؟ قال: لا يا سيدي، بل عندك نعم واسعة. قال: فما لك تضايقنا في النفقة ولا توسع كما وسع الله علينا؟ قال: يا سيدي، إنما أنفق ما أعطى، وقد سألت الجهبذ أن يدفع لي فتأخر عني. فقال: علي بالجهبذ فأتي به. فقال: ما لك لم تدفع للمنفق شيئاً؟ قال: لم يوقع لي الكاتب. فقال للكاتب: لم لم تدفع إليه شيئاً؟ فتلعثم في الكلام ولم يكن عنده جواب. فقال للكاتب: قف ها هنا فوقف، ووقف خلفه الجهبذ، ووقف خلف الجهبذ المنفق، وخلف المنفق الطباخ. وقال: نفيت من العباس إن لم يصفع كل واحد منكم من يليه بأكثر ما يقدر عليه، فتصافعوا. قال: فخرجت وأنا متعجب من غباوته ودقته في هذا الحكم. إذا ذهب الحمار بأم عمرو ودخل عليه كاتبه أبو الحسين فوجده يبكي بكاءً شديداً، ويقول: واإنقصام ظهراه، واهلاكاه! فقلت: ما للشريف لا أبكى الله عينه؟ فقال: ماتت الكبيرة يريد أمه وكان باراً بها. فقلت: ماتت؟ قال: نعم! فشققت جيبي وأظهرت من الجزع ما يجب لمثلي. ثم إني أنكرت الحال إذ لم أجد لذلك دليلاً، لا أحد يعزيه، ولا في الدار حركة؛ فبقيت حائراً حتى أتت الخادمة. فقالت: الكبيرة تقرئك السلام، وتقول لك: إيش تأكل اليوم؟ قال: قولي لها، ومتى أكلت قط بغير شهوتك؟ فقلت: يا سيدي، والكبيرة في الحياة؟ فقال: وإيش تظن أنها ماتت من حق؟ إنما رأيت البارحة في المنام كأنها راكبة على حمار مصري تسقيه من النيل، فذكرت قول الشاعر: إذا ذهب الحمار بأم عمرو..... البيت المشهور.

стр. 104

لقد أنسيت أن أمك امرأة ! وقال أبو الحسين كاتبه: وأتيت إليه يوماً وقد مات والدتي فعرفته فبكى، وقال: ماتت كبيرتي ومربيتي، وهو كان أكبر منها بأربعين سنة. ثم قال لغلامه: يا بشرى، قم فجئني بعشرين ديناراً فأتاه بها. فقال: خذها فاشتر بعشرة دنانير كفناً وتصدق بخمسة دنانير على القبر، وأقبل يصرف الخمسة الباقية فيما يحتاج إليه من تجيزها. ثم قال لغلام آخر: امض أنت يا لؤلؤ إلى فلان صاحبنا لا يفوتك يغسلها، فاستحييت منه. وقلت: يا سيدي، ابعث خلفك فلانة جارة لنا تغسلها. قال: يا أبا الحسين، ما تدع عقلك في فرح ولا حزن، كأن حرمك ما هي حرمي! كيف يدخل عليها من لا نعرفه. قلت: نعم! تأذن لي بذلك. قال: لا والله ما يغسلها إلا فلان! فقلت: وكيف يغسل رجل امرأة؟ قال: وإنما أمك امرأة، والله لقد أنسيت! خدعنا عابر الرؤيا ! وكان يوماً عند أبي بكر المادراني ثم خرج وهو طيب الخلق، فاجتاز بابن زنبور فسمع خفق أوتار وغناء في داخل الدار، فوقف يسمع؛ فرآه غلام لابن زنبور فدخل فأعلم مولاه فخرج حافياً. وقال: يا مولاي الشريف، تشرفني بالدخول! قال: نعم، فدخل فقدم له طعاماً فأكل وشرب ثلاثة أقداح وغنى ثلاثة أصوات وانصرف، فنام ليلته فلما أصبح قال: يا بشرى؛ جئني الساعة بأبي شامة العابر، فأتاه به فقال: رأيت البارحة كأني خرجت من دار إخواني فاجتزت بدار حسنة، فسمعت خفق العيدان، وغناء القيان، فخرج إلي صاحب الدار، فأدخلني فأفضيت إلى بستان في الساحة، أمامه نهر جليل، في صدره شاذروان، وقد فرش المجلس بأنواع الديباج المثقل، وضربت ستارة فيها غرائب الصور وعجائب الصنائع، وفيها قيان بأيديهن العيدان وهن يغنين أحسن الأغاني؛ فقدم لي خوان عليه من كل الألوان فأكلت وشرب وغنيت وانصرفت. ففسر له الرؤيا على ما يسره؛ فأمر له بخمسة دنانير، ثم مر بعد أيام بابن زنبور وهو جالس على باب داره. فقال له: يا سيدي الشريف، ما تشرفني بعودة. قال: إذا ماذا؟ قال: تثني إلى عادة حضورك. قال: ومتى تقدم إلى ذلك؟ قال: ليلة كذا. قال: وإنما خدعنا العابر وأخذ متاعنا بالباطل! امضوا إليه وردوا الخمسة دنانير منه؛ ثم فكر ساعة، وقال: دعوه لعله أنفقها وهو فقير! تشتمني غائباً وحاضراً وشرب مرةً أخرى عند ابن زنبور الكاتب ومعه ابن المادراني، وحضر القيان فغنين أطيب غناء؛ فقام الشريف إلى قضاء الحاجة، فأتت دابة ابن المادراني فانصرف، والشريف في الخلاء، فقضى حاجته وعاد إلى موضعه، وكان ابن زنبور لما انصرف أبو بكر رجع في دسته، فالتفت إليه الشريف، وقال: يا أبا بكر؛ هذا الكلب ابن زنبور عنده مثل هذا السماع الطيب، ولا يمتعنا به كل وقت إنما يدعونا من مدة إلى مدة. فقال له ابن زنبور: هو على قدر ما يتفق له من الفراغ وهو مشتغل مع سلطانه في أكثر أيامه. قال: لا والله! ما هو إلا كلب تجلب فاعل صانع. فقال له: أعز الله الشريف؛ أبو بكر انصرف وأنا ابن زنبور! فقال له: اعذرني والله ما ظننتك إلا ابن المادراني؟ فقال: أراك تشتمني غائباً وحاضراً! أنا أبكر إليك وقال له بعض أصحاب الإخشيد: أحب أن تبكر إلي بالغداة في حاجة للأمير، أيده الله، وذكر الحاجة. فقال: أنا آتيك أول الناس كلهم، فمضى وأكل وشرب أقداحاً، ونام القائلة فاستيقظ بالعشي، فقام مذعوراً؛ فلبس ثيابه، وركب إلى الرئيس؛ فاستأذن عليه فدخل، وقال: اعذرني أعزك الله فقد ضربني النوم، والله ما صليت الصبح من السرعة، ولقد آثرت المجيء إليك عليها، وأنا أستغفر الله عليها؛ فضحك حتى استلقى. وقال له: قد احتجنا إلى تأخير الأمر إلى الغد إن شاء الله. قال: فأنا أبكر إليك على كل حال، وانصرف. من ملح الأعراب قال بعض الرواة: خرجنا نريد البصرة فنزلنا على ماء لبني سعد، فإذا أعرابية نائمة فأنبهناها للصلاة؛ فأتت الماء فوجدته بارداً فتوجهت إلى القبلة قاعدة ولم تمس الماء، فكبرت ثم قالت: اللهم قمت وأنا عجلى، وصليت وأنا كلى؛ فاغفر لي عدد الثرى. قال: فعجبنا وقلنا: ما تجوز لك الصلاة وما هذه بقراءة! قالت: والله إن هذه لصلاتي منذ أربعين سنة.

стр. 105

وقام أعرابي وقد حضرت الصلاة فقال: حي على العمل الصالح، قد قامت بالفلاح. ثم تقدم فكبر. وقال: اللهم احفظ لي حسبي ونسبي، واردد علي ضالتي، واحفظ هملي، والسلام عليكم. وصلت أعرابية في شهر رمضان فقرأ الإمام السجدة فسجد وسجدت الناس؛ فخرجت تحضر وتنادي، صعق الناس ورب الكعبة، وقامت القيامة! وقام أعرابي يصلي وحلفه قوم جلوس، فقال: الله أكبر! أفلح من هب إلى صلاته، وأخرج الواجب من زكاته، وأطعم المسكين من نخلاته، وحافظ على بعيره وشاته؛ فضحك القوم. فقال: أمن هينمتي ضحكتم؟ أشهد عند الله على عمتي أنها سمعت ذلك من فيّ مسيلمة. وقف أعرابي يسأل فقال له رجل: يا أعرابي؛ هل لك في خير مما تطلب؟ قال: ما هو؟ قال: أعلمك سورة من القرآن. فقال: لا والله؛ إني لأحسن ما إن عملت به لكفاني!؟ أحسن منه خمس سور، فاستقرأته فقرأ: الحمد، والنصر، والكوثر وسكت. فقلت: هذه ثلاث، فأين الاثنتان؟ قال: إني وهبتهما لابن عمي وعلمته إياهما، ولا والله لا أرجع في شيء أبداً. دخل أعرابي الحمام فلما أحس بوهجه أنشأ يقول: أُدخلت في بيت لهم مهندس ... قد ضربوه بالرخام الأملس فسكّ سمعي واستطار نفسي ... وقلت في نفسي بالتوسوس أدخلت في النار ولما أُرمس لأعرابي في الطلاء بالنورة وقال أعرابي في الطلاء بالنورة: أناسٌ عليهم كسوة لا تجنّهم ... سرابيل خضر ليس فيها بنائق يبيعهموها تاجرٌ لا يقيلهم ... ببيعهم تلك السرابيل حاذق ولكشاجم في ذلك وقال أبو الفتح كشاجم: ومجرّد كالسيف أسلم نفسه ... بمجرد يكسوه ما لا ينسج ثوباً تمزّقه الأنامل رقةً ... ويذوب من نظر العيون وينهج فكأنه لما استقلّ بجسمه ... نصفان ذا عاجٌ وذا فيروزج ومن نوادر الأعراب وهب سليمان بن أبي جعفر لأعرابي كساء شامية؛ فلما أتى أهله وأبصره صبيانه تطايروا فزعاً من بين يديه، وقالوا: لقد أصابت أبانا داهية، فأنشد: طرحت عمامتي ولبست تاجاً ... على عنقي له ذنبٌ طويل تصايح صبيتي لمّا رأوه ... وقالوا جاء سعلاةٌ وغول قيل لأعرابي: أتعرف أبا عمرة يريد الجوع؟ قال: وكيف لا أعرفه وهو متربع على كبدي؟ وقيل لآخر: أتتخمون؟ قال: وما التخمة؟ إن كانت التي يدور منها الرأس فما تفارقنا يريد الجوع. ومر أعرابي بمرآة ملقاة في مزبلة، فنظر وجهه فيها، فإذا هو سمج بغيض، فرمى بها وقال: ما طرحك أهلك من خير. ونظر مزيد وجهه في المرآة فرآه قبيحاً. فقال: الحمد لله الذي لم يحمد على المكروه سواه. والشيء يذكر بما قاربه. من هجاء الحطيئة رأى الحطيئة وجهه في بئر فقال: أرى لي وجهاً قبّح الّله خلقه ... فقبّح من وجهٍ وقبّح حامله ولهذا خبر؛ ذكرت الرواة: أن الزبرقان بن بدر استعدى على الحطيئة عمر بن الخطاب ﵁ وقال: هجاني بقوله: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي فقال عمر: ما أرى هذا هجاءً؛ وكان أعلم بذلك من كل أحد، ولكنه أراد درء الحدود بالشبهات. فقال الزبرقان: هذا حسان بن ثابت. فقال: علي بحسان، فأنشده الشعر. فقال: ما هجاه يا أمير المؤمنين ولكن سلح عليه! فأحضر الحطيئة، وقال: هات الشفرة أقطع لسانه؟ فاستشفع فيه فحبسه، فكتب إليه من الحبس: ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر غادرت كاسبهم في قعر مظلمةٍ ... فاغفر هداك مليك الناس يا عمر أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهى البشر لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها ... لكن لأنفسهم كانت لها الأُثر فبكى عمر وأحضره. فقال: قد والله يا أمير المؤمنين هجوت أبي وامرأتي وأمي. قال: وكيف ذلك؟ قال قلت لأبي: ولقد رأيتك في المنام فسؤتني ... وأبا بنيك فساءني في المجلس وقلت لأمي: تنحّي فاجلسي مني بعيداً ... أراح الله منك العالمينا أغربالاً إذا استودعت سرّاً ... وكانوناً على المتحدّثينا

стр. 106

وقلت لامرأتي: أطوّف ما أُطوّف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع واطلعت في بئر فرأيت وجهي قبيحاً فقلت: أبت شفتاي اليوم إلاّ تكلّما ... بسوءٍ فلا أدري لمن أنا قائله أرى لي وجهاً قبّح الله خلقه ... فقبّح من وجهٍ وقبّح حامله فتبسم عمر، وقال: فإن عفونا عنك، أتهجو بعدها أحداً؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، وعلي بذلك عهد الله! فقال: لكأني بفتىً من قريش قد نصب لك نمرقة، فاتكأت عليها، وأقبلت تنشده في أعراض المسلمين. قال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين. قال بعض الرواة: فوالله لقد رأيته عند عبيد الله بن زياد على الحال التي ذكر عمر، فقلت له: لكأن أمير المؤمنين عمر كان حاضراً لك اليوم، فتأوه. وقال: رحم الله ذلك المرء، فما أصدق فراسته! من مليح ما قيل في المرآة ومن مليح ما قيل في مرآة، قول كشاجم يصف مرآة أهداها: أخت شمس الضحى في الشكل والإش ... راق غير الإعشاء للأجفان ذات طوق مشرّف من لجينٍ ... أجريت فيه صفرة العقيان فهو كالهالة المحيطة بالبد ... ر لستّ مضين بعد ثمان وعلى ظهرها فوارس تلهو ... ببزاةٍ تعدو على غزلان لك فيها إذا تأمّلت فألٌ ... حسن مخبر بنيل الأماني لم يكن قبلها في الماء جرم ... حاصرٌ نفسة بغير أوان هي شمسٌ فإن مثالك يوماً ... لاح فيها فأنتما شمسان فالقها منك بالّذي ما رآه ... خائفٌ فانثنى بغير أمان وقال ابن المعتز: مبيّنتي لي كلّما رمت نظرةً ... وناصحتي مع فقد كلّ صديق يقابلني منها الذي لا عدمته ... بلجّة ماءٍ وهو غير غريق أشار في البيت الأول إلى قول ذي الرمة وذكر ناقته: لها أذنٌ حشرٌ وذفرى أسيلةٌ ... وخدٌّ كمرآة الغريبة أسجح يريد أن الغريبة لا ناصح لها، فهي تجلو مرآتها وتحافظ عليها. ابن يونس يصف غلاماً وقال أبو الحسن بن يونس المصري يصف غلاماً: يجري النسيم على غلالة خدّه ... وأرقّ منه ما يمرّ عليه ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه وأهدى بعض الكتاب إلى رئيسه مرآة؛ فقال: من أين وقع اختيارك عليها؟ قال: لتذكرني بها كلما نظرت إلى وجهك الحسن. بين سقراط وامرأته وقالت امرأة سقراط له: ما أقبح وجهك! قال: لولا أنك من المرايا الصدئة لتبين لك حسن وجهي. وكانت امرأته كثيرة الأذى له؛ أقبلت يوماً تشتمه وهو ملح ينظر في كتاب ولا يلتفت إليها، وهي تغسل ثوباً، فأخذت الغسالة وأراقتها عليه. فقال: ما زلت تبرقين وترعدين حتى أمطرت. ولما مضي به ليقتل أقبلت تبكي وتصيح: وامظلوماه. فقال: أكان يسرك أن أقتل ظالماً؟ ومر هو وغيره من الحكماء بامرأة مصلوبة، فقال: ليت يثمر لنا مثل هذا الثمر. من ملح أبي العيناء سرق حمر أبي العيناء فتخلف عن أبي الصقر. فقال له: ما خلفك عنا يا أبا عبد الله؟ قال: سرق حماري. قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك! قال: ما منعك أن تأتينا على غيره. قال: أقعدني عن الشراء قلة ذات يساري، وعن الكراء دالة المكاري، وعن الإعارة منة العواري. وقيل له: ما بقي أحد يحب أن يلقى، قال: إلا في بئر! الأنوف الكبيرة وذكر له ولد عيسى بن موسى، وكانت أنوفهم كباراً معوجة فقال: كأن أنوفهم قبور نصبت على غير القبلة. ونظر مخنث رجلاً كبير الأنف فيه شعر. فقال: كأن أنفه كنيف مملوء شسوعاً. قال أبو حاتم السجستاني: قدم علينا أعرابي كأن أنفه كوز في عظمه، فضحكنا منه. فقال: أتضحكون من أنفي؟ وأنا ولله ما اسمي في قومي إلا الأفطس. وقال محمد بن عبد الملك الزيات في عيسى بن زينب: إنّ عيسى أنف أنفه ... أنفه ضعفٌ لضعفه لو تراه وهو في السر ... ج وقد مال بعطفه لحسبت الأنف في السر ... ج وعيسى مثل ردفه رجع إلى ملح أبي العيناء قال أبو العيناء لابنه وهو مريض: أي شيء تشتهي؟ قال: اليتم.

стр. 107

وكان في مجلس إسماعيل بن إسحاق القاضي، فدخل رجل ومشى على رجله فصاح؛ فقال: بسم الله! قال: القصاب يذبح ويقول: بسم الله. وكان يوماً على بابه فمر به رجل فسلم عليه وقام يمشي معه. فقال: لا تعن يا أبا عبد الله. فقال: ما عنى من أبعدك عن داره! وقال له المتوكل: لا تكثر الوقيعة في الناس. قال: إن لي في بصري لشغلاً. قال: ذاك أشد لحنقك على أهل العافية. وقال له المتوكل يوماً: هل رأيت طالبياً قط حسن الوجه؟ قال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحداً يسأل أعمى عن هذا! قال: لم تكن ضريراً فيما سلف، وإنما سألتك عما تقدم. قال: نعم! رأيت ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما رأيت أجمل منه، ولا ألطف شمائل. فقال المتوكل: نجده كان مؤاجراً وكنت تقود عليه. فقال أبو العيناء: معاذ الله يا أمير المؤمنين أتراني أترك موالي، وأقود على الغرباء! فقال له المتوكل: اسكت يا مأبون. فقال له: مولى القوم منهم. وكان ولاء أبي العيناء لأبي العباس، فقال المتوكل: قاتله الله! أردت أن أشتفي منه فاشتفى مني. وقال له مرة: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: في داء يتمناه الناس. قيل له: وكم سنك؟ قال: قبضة. يريد ثلاثاً وتسعين سنة. ويقال: إن جده الأكبر لقي علي بن أبي طالب ﵁ فأساء مخاطبته، فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكل من عمي منهم فهو صحيح النسب. وكان قبل العمى أحول. قال: ذكرت لبعض القينات فاستظرفتني واستحسنتني على السماع؛ فلما رأتني استقبحتني فقلت لها: وشاطرة لما رأتني تنكّرت ... وقالت قبيح أحولٌ ما له جسم فإن تنكري مني احولالاً فإنني ... أريبٌ أديب لا غبيٌّ ولا فدم فقالت: أنا لم أردك لأوليك ديوان الزمام. أبو العيناء مع المتوكل وهذا مجلس له مع المتوكل من طريق الصولي، وله مجالس يدخل الرواة بعضها في بعض. قال الصولي: حدثني أبو العيناء قال: أدخلت على المتوكل، فدعوت له وكلمته فاستحسن كلامي، وقال: بلغني أن فيك بذاء. قلت: يا أمير المؤمنين؛ إن يكن الشر الذي بلغك عني ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكى الله تعالى وذم؛ فقال: نعم العبد إنه أواب. وقال: هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم. وقال الشاعر: إذا أنا لم أمدح على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمّما ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لي الله المسامع والفما وإن كان الشر الذي بلغك عني كفعل العقرب الذي تلدغ النبي والذمي بطبع لا بتمييز؛ فقد صان الله عبدك عن ذلك. قال: بلغني أنك رافضي. قال: وكيف أكون رافضياً وبلدي البصرة، ومنشئي في مسجد جامعها، وأستاذي الأصمعي. وليس يخلو القوم إن كانوا أرادوا ديناً أو دنيا، فإن كانوا أرادوا الدين فقد أجمع المسلمون على تقديم من أخروا وإيمان من كفروا؛ وإن كانوا أرادوا الدنيا فأنت وآباؤك أمراء لا دين إلا بكم، ولا دنيا إلا معكم. قال: فكيف ترى داري هذه؟ قال: رأيت الناس بنوا دارهم في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك. قال: فما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ قال: نعم العبد لله ولك، مقسم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عاد بصلاح ملكك على كل لذة. قال: قد أردتك لمجالستي. قال: أنا رجل محجوب وقد تقدم هذا قال: فوصلني بعشرة آلاف درهم. وكان نجاح بن سلمة قد ضمن الحسن بن مخلد وموسى بن عبد الملك بمال عظيم للمتوكل؛ فاحتال عبيد الله بن يحيى حتى يضمناه بذلك وعاد عليه الأمر، ثم اغتال موسى بن عبد الملك فقتله، فبلغ الأمر المتوكل، فأكبره وهم بالإيقاع بموسى، فتلطف عبيد الله بن يحيى وعمه الفتح بن خاقان حتى سكن غضبه، واتفق ذلك في ولادة المعتز فاشتغل باللهو والسرور بذلك، فدخل أبو العيناء بعد ذلك على المتوكل، وكان واجداً على موسى بن عبد الملك؟ فقال: ما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: ما قاله الله : فوكزه موسى فقضى عليه. واتصل بذلك بموسى فلقيه عبيد الله بن يحيى. فقال: أيها الوزير، أردت قتلي فلم تجد حيلةً إلا إدخال أبي العيناء على أمير المؤمنين مع عداوته لي؛ فعاتب عبيد الله أبا العيناء على ذلك فقال: ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سريرته فيك، فأمسك عنه.

стр. 108

ثم دخل بعد ذلك على المتوكل. فقال له: كيف كنت بعدي؟ فقال: في أحوال مختلفة خيرها رؤيتك، وشرها غيبتك. فقال: قد والله اشتقتك. قال: إنما يشتاق العبد ربه؛ لأنه يعتذر عليه لقاء مولاه، وأما السيد فمتى أراد عبده دعاه. فقال له: من أسخى من رأيت؟ قال ابن أبي دواد. فقال له المتوكل: تأتي إلى رجل قد رفضته فتنسبه إلى السخاء. قال: إن الصدق يا أمير المؤمنين ليس في موضع أنفق منه في مجلسك، وإن الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود؛ لأن البرامكة منسوب إلى الرشيد، وجود الحسن والفضل ابني سهل منسوب إلى المأمون، وجود ابن أبي دواد منسوب إلى المعتصم، وإذا نسبت الناس الفتح بن خاقان وعبيد الله بن يحيى إلى السخاء فذاك سخاؤك يا أمير المؤمنين. قال: صدقت! فمن أبخل من رأيت؟ قال: موسى بن عبد الملك. قال: وما رأيت من بخله؟ قال: رأيته يحرم القريب كما يحرم البعيد، ويعتذر من الإحسان كما يعتذر من الإساءة. قال: قد وقعت فيه عندي مرتين، وما أحب ذلك لك؛ فالقه واعتذر إليه، ولا يعلم أني وجهت بك. قال: يا أمير المؤمنين؛ تستكتمني بحضرة ألف. قال: لن تخاف. قال: علي الاحتراس من الخوف. وسار إلى موسى، فاعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه وافترقا عن صلح، فلقيه بعد أيام بالجعفري فقال له: يا أبا عبد الله؛ قد اصطلحنا، فما لك لا تأتينا؟ قال: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس. قال موسى: ما أرانا إلا كما كنا. وقال له المتوكل: إبراهيم بن نوح النصراني واجد عليك. فقال: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وقال له: إن جماعة الكتاب يلومونك. فقال: إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضباناً عليّ لئامها ومن نوادره ووقف به رجل من العامة فأحس به. فقال: من هذا؟ قال: رجل من بني آدم، قال: مرحباً بك، أطال الله بقاءك، وبقيت في الدنيا، ما أظن هذا النسل إلا قد انقطع. وزحمه رجل على حمار بالجسر، فضرب بيده على أذن الحمار. وقال: يا إنسان، قل للحمار الذي فوقك يقول: الطريق! وسئل أبو العيناء عن مالك بن طوق فقال: لو كان في بني إسرائيل ونزل ذبح البقرة ما ذبح غيره. قيل: فأخوه عمر؟ قال: كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. قيل: فما تقول في محمد بن مكرم والعباس بن رستم؟ قال: هما الخمر والميسر إثمهما أكبر من نفعهما. وقال له ابن مكرم: إن ابن الكلبي تعجبه الرائحة الخبيثة، قال: يا سيدي؛ لو وجدك لترشفك. ودعا ضريراً يعشيه فلم يدع شيئاً إلا أكله. فقال له: يا هذا؛ دعوتك رحمة، فصيرتني رحمة. وقدم إليه أبو عيسى بن المتوكل سكباجة، فجعل لا تقع يده إلا على عظم. فقال: جعلت فداك، هذه قدر أو قبر؟ قصيدة لابن طباطبا في دعوة وهذا كلما ذكر ابن طباطبا العلوي وقد دعاه بعض إخوانه فتأخر عنه الطعام إلى أن اشتد به الجوع، ثم قدم إليه جدياً هزيلاً فقال: يا دعوة مغبّرةً قاتمة ... كأنها من سفرة قادمه قد قدّموا فيها مسيحيةً ... أضحت على إسلامها نادمه وبعد شطرنجية لم تزل ... أيدٍ وأيدٍ حولها حائمه فلم نزل في لعبها ساعةً ... ثم رفعناها على قائمه وكرر الأرز، فقال: أرزٌّ جاء يتبعه أرزّ ... هو الإيطاء يتّخذ اتخاذا فإيطاء القريض كما علمنا ... وإيطاء الطعام يكون هذا فدعا الرجل جماعةً من الشطرنجيين، وقال: تعالوا حتى تروا الشطرنجية، فكتب إليه: ورقعةٍ كنّا رفعناها ... نشرتها لمّا طويناها أعددت للعاب شطرنجها ... لو أمكن القمر قمرناها والله لو أحضرتها زيريا ... ما ميّز الفرزان والشّاها الإيطاء والإيطاء تكرار القوافي بتكرار معانيها، كقول امرىء القيس: عظيم طويل مطمئنٌّ كأنّه ... بأسفل ذي ماوان سرحة مرقب وليس بإيطاء قول الأمير أبي الفضل عبيد الله الميكالي: وكل غنىً يتيه به غنيٌّ ... فمرتجع بموتٍ أو زوال وهب جدّي طوى لي الأرض طرّاً ... أليس الموت يزوي ما زوى لي وقوله: أخوك من إن كنت في ... بؤسى ونعمى عادلك

стр. 109

وإن بداك منعماً ... بالبرّ منه عادلك وقوله: جامل الناس في المزا ... ح وخلّ المزاحمه وتفاصح وقل لمن ... يتعاطى المزاح مه؟ الطعام والموائد وعلى ذكر الطعام. قال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنها زمن البرامكة على العفاة؛ ثم جاءنا بشراب كأنه دمعة اليتيم على باب القاضي: قد جنّ أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده وقال ابن الرومي يصف طعاماً أكله عند أبي بكر الباقطاني: وسميطة صفراء ديناريّة ... ثمناً ولوناً زفّها لك حزور عظمت فكادت أن تكون أوزّة ... وهوت فكاد إهابها يتفطّر ظلنا نقشّر جلدها عن لحمها ... وكأنّ تبراً عن لجين يقشر وتقدّمتها قبل ذاك ثرائدٌ ... مثل الرياض بمثلهن يصدّر ومرقّقات كلّهنّ مزخرفٌ ... بالبيض منها ملبس ومدثّر وأتت قطائف بعد ذاك لطائفٌ ... ترضى اللهاة بها ويرضى الحنجر ضحك الوجوه من الطبرزد فوقها ... دمع العيون من الدهان يعصّر ومن ملح ما قيل في القطائف، قول علي بن يحيى بن منصور بن المنجم: قطائف قد حشيت باللّوز ... والسكر الماذيّ حشو الموز تسبح في آذيّ دهن الجوز ... سررت لمّا وقعت في حوزي سرور عبّاس بقرب فوز ولم يقل أحد في اللوزينج أحسن من قول ابن الرومي: لا يخطئني منك لوزينجٌ ... إذا بدا أعجب أو عجّبا لم تغلق الشهوة أبوابها ... إلا أبت زلفاه أن يحجبا لو شاء أن يذهب في صخرة ... لسهّل الطيّب له مذهبا يدور بالنّفخة في جامه ... دوراً ترى الدّهن له لولبا عاون فيه منظرٌ مخبراً ... مستحسنٌ ساعد مستعذبا مستكثف الحشو ولكنّه ... أرقّ قشراً من نسيم الصّبا كأنما قدّت جلابيبه ... من أعين القطر إذا قبّبا يخال من رقة خرشائه ... شارك في الأجنحة الجندبا لو أنه صوّر من خبزه ... ثغرٌ لكان الواضح الأشنبا من كل بيضاء يودّ الفتى ... أن يجعل الكفّ لها مركبا مدهونة زرقاء مدفونة ... شهباء تحكي الأزرق الأشهبا ملذّ عين وفم حسّنت ... وطيّبت حتى صبا من صبا ذيق له اللّوز فما مرّة ... مرّت على الذائق إلاّ أبى وانتقد السكّر نقّاده ... وشاوروا في نقده المذهبا فلا إذا العين رأته نبت ... ولا إذا الضرس علاه نبا لا تنكروا الإدلال من وامق ... وجّه تلقاءكم المطلبا هذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح بها أبا العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن بشر المرثدي ويهنيه بابن له ولد، أولها: بدرٌ وشمس ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجبا وقال أبو عثمان الناجم: دخلت على أبي الحسن وهو يعمل هذه القصيدة؛ فقلت له: لو تفاءلت لأبي العباس بسبعة من الولد؛ لأن عباس يجيء منكوساً سابع، فلو تصور ذلك لجاء المعنى ظريفاً؛ فقال بديهاً: وقد تفاءلت له زاجراً ... كنيته لا زاجراً ثعلبا إنّي تأمّلت له كنيةً ... إذا بدا مقلوبها أعجبا يصوغها العكس أبا سابع ... وذاك فأل لم يعد معطبا وقد أتاه منهم واحدٌ ... فلننتظرهم ستّة غيّبا في مدةٍ تغمرها نعمة ... يجعلها الله له ترتبا حتى تراه جالساً بينهم ... أجلّ من رضوى ومن كبكبا كالبدر وافى الأرض من نوره ... بين نجوم سبعة فاختبا وليشكر الناجم عن هذه ... فإنّها من بعض ما بوّبا أسدى وألحمت فتىً لم أزل ... أشكر ما أسدى وما سبّبا وقال يصف الرؤوس والرغفان: ما إن رأينا من طعامٍ حاضر ... نعتدّه لفجاءة الزوّار

стр. 110

كمهيئين من الطعام أصبحا ... شبهاً من الأبرار والفجّار روس وأرغفة ضخام فخمة ... قد أخرجت من جاحم فوّار كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النار ومن تشابيهه العقم: ما أنس لا أنس خبّازاً مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللّمع بالبصر ما بين رؤيتها في كفّه كرةً ... وبين رؤيته قوراء كالقمر إلاّ بمقدار ما تنداح دائرةٌ ... في صحفة الماء يرمى فيه بالحجر وكان ابن الرومي منهوماً في المآكل وهي التي قتلته، وكان معجباً بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدي أن يبعث إليه كل يوم بوظيفة لا يقطعها، فبعث إليه منه يوم سبت ثم قطعه، فكتب إليه: ما لحيتاننا جفتنا وأنّى ... أخلف الزائرون منتظريهم جاء في السبت زورهم فأتينا ... من حفاظٍ عليه ما يكفيهم وجعلناه يوم عيد عظيمٍ ... فكأنّا اليهود أو نحكيهم وأرهم مصمّمين على الهج ... ر فلم يسخطون من يرضيهم قد سبتنا فما أتتنا وكانوا ... يوم لا يسبتون لا تأتيهم فاتصل ذلك بالناجم فكتب إليه: أبا حسنٍ أنت من لا تزا ... ل يحمد في الفضل رجحانه فكم تحسن الظنّ بالمرثديّ ... وقد قلّل الله إحسانه ألم تدر أن الفتى كالسراب م ... إذا وعد الخير إخوانه وبحر السراب يفوت الطلوب م ... فقل في طلابك حيتانه وخرج ابن الرومي مع بعض إخوانه في حداثته إلى بعض المتنزهات، وقصدوا كرماً رازقياً، فشربوا هناك عامة يومهم، وكانوا يتهمونه في الشعر. فقالوا: إن كان ما تنشدنا لك فقل في هذا شيئاً. فقال: لا تريموا حتى أقول، ثم أنشد بديهاً: ورازقيّ مخطف الخصور ... كأنّه مخازن البلّور قد ضمّنت مسكاً إلى الشطور ... وفي الأعالي ماء وردٍ جوري لم يبق من وهج الحرور ... إلاّ ضياء في ظروف نور لو أنه يبقى على الدهور ... قرّط آذان الحسان الحور بلا مزيد وبلا شذور ... له مذاق العسل المشور وبرد مسّ الخصر المقرور ... ونكهة المسك مع الكافور ورقة الماء على الصدور ... باكرته والطير في الوكور بفتيةٍ من ولد المنصور ... أملأُ للعين من البدور حتى أتينا خيمة الناطور ... قبل ارتفاع الشمس للذرور فانحطّ كالطاوي من الصقور ... بطاعة الراغب لا المقهور والحرّ عبد الحلب المشطور ... حتى أتانا بضروع حور مملوءة من عسلٍ محصور ... والطّلّ مثل اللؤلؤ المنثور ينساب مثل الحية المذعور ... بين سماطي شجرٍ مسطور ناهيك للعنقود من ظهور ... فنيلت الأوطار في سرور وكل ما يقضى من الأمور ... تعلّةٌ من يومنا المنظور ومتعةٌ من متع الغرور استوت بديهته وفكرته قال الناجم: جلست معه على باب داره وقد أبل من علة، فمر بنا الحاجب، فقال: قوما عندي نتحدث اليوم، وعندي مصوص وأشياء لطيفة لا تضرك؛ وأشرب مع أبي عثمان بحضرتك ونتآنس يومنا. فقال: إنا نأتيك الساعة وأبو عثمان فامض ونحن في أثرك؛ فمضى ولحقناه فحجب عنا، فانصرفنا وأبو الحسن مغضب، فدخلت على أبي الحسن في ذلك اليوم، فوجدت بين يديه قصيدة طويلة جداً أولها: نجذاك يابن الحاجب الحاجب ... وأين ينجو منّي الهارب فعجبت من سرعة عمله. وقلت: أعزك الله؛ متى عملتها؟ قال: الساعة. قلت: وأين مسودتها؟ قال: هي هذه. قلت: وما فيها حرف مصلح. قال: قد استوت بديهتي وفكرتي، فما أعمل شيئاً فأكاد أصلحه. سبب موته
следующие страницы →