← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6226

اللباب في الجمع بين السنة والكتاب

الخزرجي المنبجي

Полный текст (762 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(بَاب لَا يمضمض الْمَيِّت وَلَا يستنشق لتعذر إِخْرَاج المَاء) فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن أم عَطِيَّة ﵂ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ لَهُنَّ فِي غسل ابْنَته: " ابدأن بيامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا ". قيل لَهُ: مَوَاضِع الْوضُوء هِيَ غير الْأنف والفم. وَالله أعلم. (بَاب يُكفن الرجل فِي ثَلَاثَة أَثوَاب إِزَار وقميص ولفافة) أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " كفن رَسُول الله [ ﷺ ] فِي ثَلَاثَة أَثوَاب نجرانية الْحلَّة، ثَوْبَان وقميصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ". مَالك: (فِي موطئِهِ) ، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قَالَ: " الْمَيِّت يقمص ويؤزر ". وَقد روى الْبَزَّار: " عَن عَليّ ﵇ أَن النَّبِي [ ﷺ ] كفن فِي سَبْعَة أَثوَاب،

стр. 282

يَعْنِي ثَلَاث سحُولِيَّة وقميص وعمامة وَسَرَاويل والقطفية الَّتِي جعلت تَحْتَهُ ". وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان ﵀. ذكر الْغَرِيب. سحُولِيَّة: ضَبطه بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم الْحَاء الْمُهْملَة وواو سَاكِنة وَلَام مَكْسُورَة وياء مُشَدّدَة مَفْتُوحَة وهاء. قَالَ الْهَرَوِيّ: يُقَال هِيَ ثِيَاب منسوبة إِلَى قَرْيَة بِالْيمن تسمى سحول، قَالَ: وروى ابْن الْأَعرَابِي، ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة، قَالَ بيض نقية من الْقطن خَاصَّة. وَقَالَ القتيبي: سحُولِيَّة بِضَم السِّين وَهُوَ جمع سحل وَهُوَ ثوب أَبيض. وَهُوَ الَّذِي ذكره فِي مجمع الغرائب وَلم يعزه إِلَى القتيبي (بَاب يقوم الَّذِي يُصَلِّي على الرجل وَالْمَرْأَة بحذاء الصَّدْر) فِي رِوَايَة سبق الإِمَام بالْقَوْل بهَا إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵁، لِأَن الصَّدْر مَوضِع الْقلب وَفِيه نور الْإِيمَان، فالقيام عِنْده إِشَارَة إِلَى الشَّفَاعَة لإيمانه. وَفِي رِوَايَة: يقوم من الرجل بحذاء رَأسه وَمن الْمَرْأَة بحذاء وَسطهَا. لما روى التِّرْمِذِيّ عَن أبي غَالب قَالَ: " صليت مَعَ أنس بن مَالك ﵁ على جَنَازَة رجل فَقَامَ حِيَال رَأسه، ثمَّ جَاءُوا بِجنَازَة امْرَأَة من قُرَيْش، فَقَالُوا يَا أَبَا حَمْزَة صل عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَال وسط السرير، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاء بن زِيَاد: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله / [ ﷺ ] قَامَ مقامك مِنْهَا وَمن الرجل مقامك مِنْهُ، قَالَ: نعم، فَلَمَّا فرغ قَالَ: احْفَظُوا ".

стр. 283

قَالَ الطَّحَاوِيّ: " وَالرِّوَايَة الَّتِي يقوم فِيهَا من الرجل بحذاء رَأسه وَمن الْمَرْأَة بحذاء وَسطهَا أحب إِلَيْنَا لما شدها من الْآثَار الَّتِي رويناها عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ". (بَاب لَا قِرَاءَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة) مَالك: عَن نَافِع: " أَن عبد الله بن عمر ﵄ كَانَ لَا يقْرَأ فِي الصَّلَاة على الجناززة ". وَكفى بِهِ قدوة. فَإِن قيل: روى التِّرْمِذِيّ، عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَرَأَ فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة بِفَاتِحَة الْكتاب ". " قيل لَهُ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: " حَدِيث ابْن عَبَّاس لَيْسَ إِسْنَاده بذلك الْقوي ". وَإِلَى هَذَا ذهب ذهب الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري رَحِمهم الله تَعَالَى. (بَاب لَا يُصَلِّي على ميت فِي مَسْجِد جمَاعَة) أَبُو دَاوُد: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من صلى على جَنَازَة فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء لَهُ ". فَإِن قيل: رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " مَا أسْرع النَّاس إِلَى أَن

стр. 284

يعيبوا مَا لَا علم لَهُم بِهِ، عابوا علينا أَن يمر بالجنازة فِي الْمَسْجِد، مَا صلى رَسُول الله [ ﷺ ] على ابْن بَيْضَاء إِلَّا فِي جَوف الْمَسْجِد ". قيل لَهُ: فِي قَوْلهَا ﵂: مَا أسْرع النَّاس إِلَى أَن يعيبوا. دَلِيل على أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانَ هَذَا عِنْدهم مَكْرُوها وَإِلَّا لما عابوا عَلَيْهَا، وَإِذا (كَانَ كَذَلِك) فَيجوز أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] صلى على سُهَيْل بن بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد وجنازته خَارج الْمَسْجِد، فخفي الْأَمر على عَائِشَة واطلع عَلَيْهِ غَيرهَا من الرِّجَال، أَو نقُول بِأَن الحَدِيث لَا شكّ فِي صِحَّته، وَإِنَّمَا منعنَا من إِدْخَال الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد حسما للذريعة _ (لِأَن) النَّاس كَانُوا يسترسلون فِي ذَلِك حَتَّى يخرجُوا - من إِدْخَال كل ميت الْمَسْجِد، وَيُؤَدِّي بهم ذَلِك إِلَى إذهاب حرمته، وتعريضه لما لَا يَلِيق بِهِ، وَقد منعت عَائِشَة ﵂ من دُخُول النِّسَاء (فِي) الْمَسَاجِد مَعَ نهي النَّبِي [ ﷺ ] عَن مَنعهنَّ، وحسم الذرائع فِيمَا لَا يكون من اللوازم أصل فِي الدّين، وَكره أَيْضا لِئَلَّا يخرج من الْمَيِّت شَيْء، (وَتعرض الْمَسْجِد للنجاسات) لَا معنى لَهُ، وَلِهَذَا أَمر النَّبِي [ ﷺ ] أَن يجنب الصّبيان الْمَسَاجِد / وَإِلَى هَذَا ذهب مَالك ﵀. (بَاب الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل) التِّرْمِذِيّ: عَن يحيى إِمَام بني تيم الله، عَن أبي ماجد، عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " سَأَلنَا رَسُول الله [ ﷺ ] عَن الْمَشْي خلف الْجِنَازَة، فَقَالَ:

стр. 285

مَا دون الخبب، فَإِن كَانَ خيرا (أعجلتموه) (وَإِن كَانَ شرا) فَلَا يبعد إِلَّا أهل النَّار، الْجِنَازَة متبوعة وَلَا تتبع (لَيْسَ مَعهَا من يقدمهَا) . فَإِن قيل: قَالَ أَبُو عِيسَى: " هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه من حَدِيث ابْن مَسْعُود إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَسمعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يضعف حَدِيث أبي ماجد (هَذَا) ، وَقَالَ مُحَمَّد: قَالَ الْحميدِي: قَالَ ابْن عُيَيْنَة، قيل ليحيى من أَبُو ماجد هَذَا؟ قَالَ: طَائِر طَار فحدثنا ". قيل لَهُ: هَذَا غير قَادِح فِي الحَدِيث، لِأَن يحيى ثِقَة، روى لَهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَأَبُو الْأَحْوَص. وَأَبُو ماجد مَجْهُول وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَن رِوَايَة الْمَجْهُول مَقْبُولَة، وشواهد الصِّحَّة لهَذَا الحَدِيث كَثِيرَة. قَالَ التِّرْمِذِيّ: " وَقد ذهب بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي [ ﷺ ] وَغَيرهم إِلَى هَذَا، وَرَأَوا أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَبِه يَقُول إِسْحَاق وسُفْيَان الثَّوْريّ ". وَهُوَ إِمَام فِي الحَدِيث. وروى أَبُو دَاوُد: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَا تتبعوا الْجِنَازَة بِصَوْت وَلَا نَار ". وَمن طَرِيق آخر: " وَلَا يمشي بَين يَديهَا ". وَفعل النَّبِي [ ﷺ ] وَفعل الخليفتين من بعده مَحْمُول على بَيَان الْجَوَاز، وَمَا روينَاهُ على الْأَفْضَلِيَّة تَوْفِيقًا بَين الْأَخْبَار بِقدر الْإِمْكَان. وَيُؤَيّد هَذَا مَا روى الطَّحَاوِيّ، عَن عَمْرو بن حُرَيْث، قَالَ: " قلت لعَلي بن أبي طَالب كرم الله وَجهه: مَا تَقول فِي الْمَشْي أَمَام الْجِنَازَة؟ فَقَالَ عَليّ: الْمَشْي خلفهَا

стр. 286

أفضل من الْمَشْي أمامها (كفضل الْمَكْتُوبَة على التَّطَوُّع، قلت: فَإِنِّي أرى أَبَا بكر وَعمر يمشيان أمامها) ، فَقَالَ: إنَّهُمَا يكرهان أَن يحرجا النَّاس ". وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: " كَصَلَاة الْجَمَاعَة على صَلَاة الْفَذ، وإنهما ليعلمان ذَلِك مثل الَّذِي أعلم، ولكنهما يسهلان على النَّاس ". وَهَذَا لَا يُقَال بِالرَّأْيِ (أَي ليعلما) النَّاس أَن الْمَشْي خلفهَا لَيْسَ هُوَ مِمَّا لَا بُد مِنْهُ وَلَا مِمَّا يجرح تَاركه. وَمَا رُوِيَ من تَقْدِيم عمر ﵁ النَّاس فِي جَنَازَة زَيْنَب أَمَام الْجِنَازَة، فَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لعَارض أَو نسَاء كن خلفهَا فكره للرِّجَال مخالطتهن. (/ بَاب اللَّحْد دون الشق) التِّرْمِذِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " اللَّحْد لنا والشق لغيرنا ". (ذكر غَرِيبه:) اللَّحْد: بِسُكُون الْحَاء، الشق فِي جَانب الْقَبْر، (واللحد بِضَم اللَّام لُغَة فِيهِ) ، تَقول: لحَدث الْقَبْر وألحدت لَهُ، والشق: هُوَ وَاحِد الشقوق وَهُوَ فِي وسط الْقَبْر.

стр. 287

(بَاب السّنة أَن يدْخل الْمَيِّت مِمَّا يَلِي الْقبْلَة) التِّرْمِذِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] دخل قبرا لَيْلًا فأسرج لَهُ سراج، فَأَخذه من قبل الْقبْلَة وَقَالَ: رَحِمك الله إِن كنت لأواها تاليا لِلْقُرْآنِ وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا ". وَالرِّوَايَات فِي إِدْخَال النَّبِي [ ﷺ ] مضطربة، وَيحْتَمل أَن النَّبِي [ ﷺ ] إِنَّمَا سل من قبل رَأسه لضيق الْمَكَان عَلَيْهِم فَلم يتمكنوا من إِدْخَاله من قبل الْقبْلَة، هَذَا إِن ثَبت أَنه [ ﷺ ] سل سلا، وَالله أعلم. (بَاب (السّنة) تسنيم الْقَبْر دون التسطيح) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " صلى جِبْرِيل ﵇ على آدم وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا، صلى يَوْمئِذٍ جِبْرِيل بِالْمَلَائِكَةِ (وَدفن) بِمَسْجِد الْخيف، وَأخذ من قبل الْقبْلَة، ولحد لَهُ وسنم قَبره ". فَإِن قيل: فقد روى التِّرْمِذِيّ: عَن أبي الْهياج الْأَسدي - واسْمه حَيَّان -

стр. 288

قَالَ: قَالَ لي عَليّ: أَلا أَبْعَثك على مَا بَعَثَنِي (عَلَيْهِ) رَسُول الله [ ﷺ ] أَن لَا (أدع) قبرا مشرفا إِلَّا سويته وَلَا تمثالا إِلَّا طمسته. (وَلَفظ مُسلم فِي الصَّحِيح: أَن لَا تدع تمثالا إِلَّا طمسته وَلَا قبرا مشرفا إِلَّا سويته) . قيل لَهُ: المُرَاد بِهِ هَذِه المشرفة المبنية الَّتِي يطْلب بهَا المباهاة. فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: " دخلت على عَائِشَة ﵂ فَقلت يَا أُمَّاهُ اكشفي لي عَن قبر رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَكشفت لي عَن ثَلَاثَة قُبُور لَا مشرفة وَلَا لاطئة، مبطوحة ببطحاء الْعَرَصَة الْحَمْرَاء، فَرَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] مقدما، وَأَبا بكر رَأسه بَين كَتِفي النَّبِي [ ﷺ ] ، وَعمر رَأسه عِنْد رجْلي النَّبِي [ ﷺ ] ". قيل لَهُ: فقد روى البُخَارِيّ: عَن أبي بكر بن عَيَّاش، (عَن) سُفْيَان التمار (أَنه) حَدثهُ: " أَنه رأى قبر النَّبِي [ ﷺ ] مسنما ". فَإِن قيل: قَالَ الْبَغَوِيّ: وَرِوَايَة الْقَاسِم أصح وَأولى أَن تكون مَحْفُوظَة ".

стр. 289

قيل لَهُ: هَذِه كبوة / مِنْهُ بِمَا رفل فِيهِ من ثوب التعصب، وَإِلَّا فأحد يرجح رِوَايَة الْقَاسِم فِي هَذَا وَقد خرجها أَبُو دَاوُد على رِوَايَة سُفْيَان التمار وَقد أخرجهَا البُخَارِيّ. (بَاب لَا بَأْس بِالْمَشْيِ بَين الْقُبُور بالنعال) البُخَارِيّ: عَن أنس بن مَالك ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى (وَذهب أَصْحَابه حَتَّى) إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ، أَتَاهُ ملكان فأقعداه (فَيَقُولَانِ) لَهُ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل مُحَمَّد [ ﷺ ] فَيَقُول: أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله، فَيُقَال: انْظُر إِلَى مَقْعَدك من النَّار أبدلك الله بِهِ مقْعدا فِي الْجنَّة، قَالَ (النَّبِي [ ﷺ ] ) فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأما الْكَافِر وَالْمُنَافِق فَيَقُول: لَا أَدْرِي كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس، فَيُقَال: لَا دَريت (وَلَا تليت) ، ثمَّ يضْرب بِمِطْرَقَةٍ من حَدِيد ضَرْبَة بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ إِلَّا الثقلَيْن ". وَقد كَانَ الصَّحَابَة ﵃ يخرجُون إِلَى الْمقْبرَة فيدفن الْمَيِّت وَيجْلس النَّبِي [ ﷺ ] حَتَّى يلْحد، وَيجْلس النَّاس حوله.

стр. 290

أَبُو دَاوُد: عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ: " خرجنَا مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر (وَلما) يلْحد بعد، فَجَلَسَ النَّبِي [ ﷺ ] مسقبل الْقبْلَة وَجَلَسْنَا حوله ". فَإِن قيل: " رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] رأى رجلا بَين الْقُبُور عَلَيْهِ نَعْلَانِ، فَقَالَ: يَا صَاحب (السبتيتين ألق سبتيتيك) ، فَنظر الرجل، فَلَمَّا عرف رَسُول الله [ ﷺ ] خلعهما فَرمى بهما ". قيل لَهُ: يحْتَمل (أَنه كَانَ) على نَعْلَيْه نَجَاسَة، فقد جَاءَت الْأَخْبَار متواترة عَن رَسُول الله [ ﷺ ] من صلَاته فِي نَعْلَيْه، وَمن خلعه إيَّاهُمَا فِي وَقت مَا خلعهما للنَّجَاسَة الَّتِي كَانَت فيهمَا. (ذكر الْغَرِيب:) السبت: بِالْكَسْرِ جُلُود الْبَقر المدبوغة بالقرظ، (يحذى مِنْهَا النِّعَال) السبتية.

стр. 291

(بَاب لَا بَأْس بِالْجُلُوسِ على الْقُبُور) لما روينَاهُ آنِفا، وَرُوِيَ: " أَن عليا ﵇ كَانَ يجلس إِلَيْهَا ". وَمَا رُوِيَ من النَّهْي عَن أَن يجلس على الْقُبُور: قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " أُرِيد بذلك الْجُلُوس للغائط وَالْبَوْل ". وَإِلَى هَذَا ذهب / مَالك بن أنس، وَكَذَا فسره مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ. (بَاب اخْتلف مَشَايِخنَا فِي التَّلْقِين بعد الْمَوْت) قلت: وَالَّذِي صَحَّ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] هُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله ". فَمن أجْرى لَفْظَة مَوْتَاكُم على حَقِيقَتهَا، ذهب إِلَى أَن الْمَيِّت يلقن بعد الْمَوْت، لِأَن الْمَيِّت حَقِيقَة من فارقته روحه فِي الْيَقَظَة. وَمن جعلهَا مجَازًا عَن من قرب من الْمَوْت قَالَ: لَا يلقن بعد الْمَوْت، وَإِنَّمَا يلقن

стр. 292

ليَكُون آخر مَا يتَكَلَّم بِهِ كلمة الشَّهَادَة، لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة ". (بَاب " فِي الْبكاء على الْمَيِّت ") الطَّحَاوِيّ: عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ: " أَخذ رَسُول الله [ ﷺ ] بيَدي فَانْطَلَقت مَعَه إِلَى ابْنه إِبْرَاهِيم، وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، (فَأَخذه النَّبِي [ ﷺ ] فَوَضعه فِي حجره، حَتَّى خرجت نَفسه، فَوَضعه) ثمَّ بَكَى فَقلت: يَا رَسُول الله تبْكي وَأَنت تنْهى عَن الْبكاء؟ فَقَالَ: إِنِّي لم أَنه عَن الْبكاء وَلَكِن نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين؛ صَوت عِنْد نَغمَة لَهو وَلعب وَمَزَامِير شَيْطَان، وَصَوت عِنْد مُصِيبَة لطم (وُجُوه) وشق جُيُوب، وَهَذَا رَحْمَة، من لَا يرحم لَا يرحم، يَا إِبْرَاهِيم: لَوْلَا أَنه وعد صَادِق، وَقَول صَادِق، وَأَن آخِرنَا سيلحق أولنا، لحزنا عَلَيْك حزنا هُوَ أَشد من هَذَا، وَإِنَّا بك لَمَحْزُونُونَ، تبْكي الْعين ويحزن الْقلب وَلَا نقُول مَا يسْخط الرب ". وَأما قَوْله ﵇: " إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ "، فقد أنْكرت عَائِشَة على ابْن عمر أَن رَسُول الله [ ﷺ ] إِنَّمَا قَالَ: إِن الله ليزِيد الْكَافِر (عذَابا) فِي قَبره ببكاء بعض أَهله عَلَيْهِ ".

стр. 293

وَقد يجوز أَن يكون ذَلِك الْبكاء الَّذِي يعذب بِهِ الْكَافِر فِي قَبره يزْدَاد بِهِ عذَابا على عَذَابه ببكاء كَانَ قد أوصى بِهِ فِي حَيَاته، فَإِن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يوصون بذلك أهلهم أَن يفعلوه بعد وفاتهم، فَيكون الله عذبه فِي قَبره بِسَبَب كَانَ مِنْهُ فِي حَيَاته، وَمن جملَة أشعار الْعَرَب فِي ذَلِك مَا ذكره فِي المعلقات: (إِذا مت فانعيني بِمَا أَنا أَهله ... وشقي عَليّ الجيب يَا ابْنة معبد) (بَاب " يصل ثَوَاب الْقُرْآن إِلَى الْمَيِّت ") روى أَبُو بكر النجاد فِي سنَنه بِإِسْنَادِهِ فِي كتاب الْجَنَائِز من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، (عَن أَبِيه) ، عَن جده أَنه سَأَلَ النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: " يَا رَسُول الله إِن الْعَاصِ بن وَائِل كَانَ نذر فِي الْجَاهِلِيَّة أَن ينْحَر مائَة بَدَنَة، وَإِن هِشَام بن الْعَاصِ نحر حِصَّته من ذَلِك خمسين بَدَنَة، أفتجزئ عَنهُ؟ فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : إِن أَبَاك لَو كَانَ آمن بِالتَّوْحِيدِ فَصمت عَنهُ، أَو تَصَدَّقت، أَو أعتقت عَنهُ، بلغه ذَلِك ". (وَجه الْحجَّة من هَذَا الحَدِيث) : أَن النَّبِي [ ﷺ ] سوى بَين الصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْعِتْق فِي الْوُصُول إِلَيْهِ. وروى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " أَن رجلا سَأَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله، عَلَيْك، كَانَ لي أَبَوَانِ وَكنت أبرهما حَال حياتهما، فَكيف لي بِالْبرِّ بعد مَوْتهمَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] " إِن من الْبر بعد الْبر أَن تصلي لَهما مَعَ صَلَاتك، وَأَن تَصُوم لَهما مَعَ صيامك، وَأَن (تصدق) لَهما مَعَ صدقتك ".

стр. 294

وَعنهُ: عَن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من مر على الْمَقَابِر فَقَرَأَ قل هُوَ الله أحد (إِحْدَى عشرَة) مرّة، ثمَّ وهب (أجرهَا) للأموات أعطي من الْأجر بِعَدَد الْأَمْوَات ". وروى أَبُو بكر عبد الْعَزِيز صَاحب الْخلال بِإِسْنَادِهِ عَن أنس بن مَالك ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من دخل الْمَقَابِر فَقَرَأَ سُورَة يس خفف عَنْهُم يَوْمئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَد من فِيهَا حَسَنَات ". وَعنهُ: عَن أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من زار قبر وَالِديهِ أَو أَحدهمَا فَقَرَأَ عِنْده أَو عِنْدهمَا يس غفر (الله) لَهُ ". وروى أَبُو حَفْص بن شاهين بِإِسْنَادِهِ عَن أنس بن مَالك أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من قَالَ الْحَمد لله رب السَّمَوَات وَرب الأَرْض رب الْعَالمين، وَله الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم، لله الْحَمد رب السَّمَوَات وَرب الأَرْض رب الْعَالمين، وَله العظمة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم، لله الْملك رب السَّمَوَات وَرب الأَرْض رب الْعَالمين، وَله النُّور فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم، لله الْحَمد رب السَّمَوَات وَرب الأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم. مرّة وَاحِدَة، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَل ثَوَابهَا لوالدي. لم يبْق لوَالِديهِ حق إِلَّا أَدَّاهُ إِلَيْهِمَا ". " وَذكر القَاضِي الإِمَام (أَبُو الْحُسَيْن الْفراء) فِي كِتَابه بِإِسْنَادِهِ أَن / أنس بن مَالك سَأَلَ رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: " بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، إِنَّا نتصدق عَن مَوتَانا، ونحج عَنْهُم، وندعو لَهُم، فَهَل يصل ذَلِك إِلَيْهِم؟ قَالَ: نعم إِنَّه ليصل

стр. 295

إِلَيْهِم، ويفرحون بِهِ كَمَا يفرح أحدكُم بالطبق إِذا أهدي إِلَيْهِ ". رَوَاهُ أَبُو حَفْص العكبري. وروى بِإِسْنَادِهِ عَن سعد ﵁ أَنه قَالَ: " يَا رَسُول الله إِن أُمِّي توفيت أفأتصدق عَنْهَا؟ قَالَ: تصدق عَن أمك. قَالَ: فَأَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: سقِِي المَاء ". وبإسناده عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: " إِن أبي مَاتَ أفأعتق عَنهُ؟ قَالَ: نعم ". وبإسناده عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ: " إِن الْحسن وَالْحُسَيْن ﵉ كَانَا يعتقان عَن عَليّ ﵁ وأرضاه ". وروى مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي أثْنَاء تَفْسِير الْخَمْسمِائَةِ آيَة قَالَ: " قَالَ معَاذ بن جبل ﵁ يَا رَسُول الله: كَانَ لأمي (نصيب) مِمَّا أعطي (تصدق) مِنْهُ وتقدمه لنَفسهَا، وَإِنَّهَا مَاتَت وَلم توص، وَقد كنت أعرف الْبركَة فِيمَا تُعْطِي - وَبكى معَاذ - فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : لَا يبكي الله (عَيْنَيْك) يَا معَاذ أَتُحِبُّ أَن تؤجر أمك فِي قبرها، قَالَ: نعم يَا رَسُول الله، قَالَ: فَانْظُر مَا كنت تعطيها فامضه على الَّذِي كَانَت تفعل، وَقل: اللَّهُمَّ تقبل من أم معَاذ وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين عَامَّة، قَالَ: قَالُوا يَا رَسُول الله فَمن لم يكن لَهُ منا ورق يتَصَدَّق بِهِ عَن أَبَوَيْهِ أيحج عَنْهُمَا؟ قَالَ: نعم ويؤجرون عَلَيْهِ، وَلنْ يصل رحم رَحمَه بِأَفْضَل من أَن (يتبعهُ) بِحجَّة فِي قَبره، فَإِذا كَانَ عِنْد الْإِحْرَام فَلْيقل لبيْك عَن فلَان، فَإِذا كَانَ فِي سَائِر المواقف فَلْيقل اللَّهُمَّ تقبل من فلَان، وأوفوا عَنْهُم بالنذور وَالصِّيَام، وَالصَّدَََقَة أفضل مَا قضى عَن الْمَرْء وَالْمَرْأَة ذُو رحم إِن كَانَ ". البُخَارِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمِّي

стр. 296

توفيت أينفعها إِن تَصَدَّقت عَنْهَا؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فَإِن لي مخرفا فأشهدك أَنِّي قد تَصَدَّقت بِهِ عَنْهَا ". وروى الْحَافِظ اللالكائي بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابه شرح السّنة عَن أبي أسيد - وَكَانَ بَدْرِيًّا - قَالَ: " كنت عِنْد النَّبِي [ ﷺ ] جَالِسا فجَاء رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: هَل بَقِي عَليّ من بر وَالِدي شَيْء من بعدهمَا أبرهما؟ / قَالَ: نعم، الصَّلَاة عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَار لَهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهمَا، وإكرام صديقهما، وصلَة الرَّحِم الَّتِي لَا رحم لَك إِلَّا من قبلهمَا، فَهَذَا الَّذِي بَقِي عَلَيْك من برهما ". وروى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " يَمُوت الرجل ويدع والدا فيرفع لَهُ دَرَجَة، فَيَقُول: يَا رب مَا هَذَا؟ (فَيَقُول) اسْتِغْفَار ولدك لَك ". وبإسناده عَن معقل بن يسَار ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " اقرأوا على مَوْتَاكُم يَعْنِي يس " وبإسناده عَن عبد الرَّحْمَن بن الْعَلَاء بن اللَّجْلَاج عَن أَبِيه أَنه قَالَ لوَلَده: " إِذا مت فأدخلتموني فِي اللَّحْد فهيلوا عَليّ التُّرَاب هيلا، وَقُولُوا باسم الله وعَلى مِلَّة رَسُول الله، وسنوا عَليّ التُّرَاب سنا، واقرأوا عِنْد رَأْسِي بِفَاتِحَة سُورَة الْبَقَرَة وخاتمتها، فَإِنِّي سَمِعت عبد الله يسْتَحبّ ذَلِك ". يَعْنِي عبد الله بن عمر. وَأخرج الإِمَام أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن حبَان فِي كِتَابه - الْمسند صَحِيح - بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] خرج يَوْمًا، فخرجنا مَعَه حَتَّى انتهينا إِلَى الْمَقَابِر، فَأمرنَا فَجَلَسْنَا، ثمَّ تخطى الْقُبُور حَتَّى انْتهى إِلَى قبر مِنْهَا فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فناجاه طَويلا، ثمَّ رَجَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] باكيا، فبكينا لبكاء النَّبِي [ ﷺ ] ، ثمَّ أقبل علينا فَتَلقاهُ عمر ﵁ وَقَالَ: مَا الَّذِي أبكاك يَا رَسُول الله؟ فقد

стр. 297

أبكيتنا وأفزعتنا، فَأخذ بيد عمر ثمَّ أقبل علينا فَقَالَ: أفزعكم بُكَائِي، قُلْنَا: نعم (يَا رَسُول الله) ، قَالَ: إِن الْقَبْر الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِي قبر آمِنَة بنت وهب، وَإِنِّي سَأَلت رَبِّي الاسْتِغْفَار لَهَا فَلم يَأْذَن لي، فَنزل (عَليّ) : ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ ، الْآيَة. فأخذني مَا يَأْخُذ الْوَلَد للوالد من الرقة، فَذَلِك الَّذِي أبكاني، أَلا وَإِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها فَإِنَّهَا تزهد (فِي الدُّنْيَا) وترغب فِي الْآخِرَة ". فَدلَّ على أَن الاسْتِغْفَار ينفع الْمُؤمنِينَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان، وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم﴾ . وَهُوَ وَإِن كَانَ دُعَاء إِلَّا أَنه قُرْآن فَيحصل ثَوَابه.

стр. 298

فَإِن قيل: قَوْله تَعَالَى /: ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ يدل على عدم وُصُول (ثَوَاب) الْقُرْآن إِلَى الْمَيِّت. قيل لَهُ: اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذِه الْآيَة على ثَمَانِيَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وأتبعناهم ذرياتهم﴾ ، أَدخل الْأَبْنَاء الْجنَّة بصلاح الْآبَاء، قَالَه ابْن عَبَّاس ﵄ وَإِنَّمَا جَازَ نسخهَا وَإِن كَانَت خَبرا لجوازه إِذا كَانَ بِمَعْنى الْأَمر وَالنَّهْي على مَا قيل. الثَّانِي: أَنَّهَا خَاصَّة بِقوم إِبْرَاهِيم وَقوم مُوسَى ﵉، فَأَما هَذِه الْأمة فَلهم مَا سعوا وَمَا سعى لَهُم غَيرهم. قَالَه عِكْرِمَة، وَاسْتدلَّ بقول النَّبِي [ ﷺ ] للَّتِي سَأَلته إِن أبي مَاتَ وَلم يحجّ قَالَ: " حجي عَنهُ ". الثَّالِث: أَن المُرَاد الْإِنْسَان هَهُنَا الْكَافِر، فَأَما الْمُؤمن فَلهُ مَا سعى وَمَا سعي لَهُ. قَالَه الرّبيع بن أنس. الرَّابِع: لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى (من طَرِيق الْعدْل، فَأَما من بَاب الْفضل فَجَائِز أَن يزِيدهُ الله مَا شَاءَ. قَالَه الْحُسَيْن بن الْفضل. الْخَامِس: أَن معنى مَا سعى) مَا نوى. قَالَه أَبُو بكر الْوراق (وَاسْتدلَّ) عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ فِي الحَدِيث: " إِن الْمَلَائِكَة تقف كل يَوْم بعد الْعَصْر بكتبها فِي السَّمَاء الدُّنْيَا، فينادى الْملك (أَن) (ألق) تِلْكَ الصَّحِيفَة فَيَقُول (الْملك) وَعزَّتك

стр. 299

مَا كتبت إِلَّا مَا عمل. فَيَقُول الله : وَلم يرد بِهِ وَجْهي. وينادى الْملك الآخر اكْتُبْ لفُلَان كَذَا وَكَذَا، فَيَقُول الْملك وَعزَّتك إِنَّه لم يعْمل ذَلِك، فَيَقُول : إِنَّه نَوَاه، إِنَّه نَوَاه ". السَّادِس: إِنَّه لَيْسَ للْكَافِرِ من الْخَيْر إِلَّا مَا عمله فِي الدُّنْيَا، فيثاب عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى لَا يبْقى لَهُ فِي الْآخِرَة خير. ذكره الثَّعْلَبِيّ. السَّابِع: أَن اللَّام فِي " للْإنْسَان " بِمَعْنى " على " تَقْدِيره: لَيْسَ على الْإِنْسَان إِلَّا مَا سعى. الثَّامِن: أَنه لَيْسَ (لَهُ) إِلَّا سَعْيه، غير أَن الْأَسْبَاب مُخْتَلفَة، فَتَارَة يكون سَعْيه فِي تَحْصِيل الشَّيْء بِنَفسِهِ، وَتارَة يكون سَعْيه فِي تَحْصِيل سَببه مثل سَعْيه فِي تَحْصِيل قرَابَة وَولد يترحم عَلَيْهِ وصديق يسْتَغْفر لَهُ، وَتارَة يسْعَى فِي خدمَة الدّين وَالْعِبَادَة فيكتسب محبَّة أهل الدّين فَيكون ذَلِك سَببا حصل بسعيه. حكى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ عَن شَيْخه عَليّ بن الزَّاغُونِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى. وَمِمَّا يدل على هَذَا أَيْضا أَن الْمُسلمين يَجْتَمعُونَ فِي كل عصر ويقرأون ويهدون لموتاهم، وَلم يُنكره مُنكر فَكَانَ إِجْمَاعًا. / فَإِن قيل: فقد صَحَّ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَعلم ينْتَفع بِهِ من بعده وَصدقَة جَارِيَة ". وروى: " (شَجَرَة) غرست، وبئر حفرهَا يشرب من مَائِهَا، ومصحف كتبته ". قيل لَهُ: إخْبَاره ﵇ عَن انْقِطَاع عمله إِلَّا من هَذِه الثَّلَاث لَا يلْزم مِنْهُ انْقِطَاعه من غَيرهَا، وَلِهَذَا أجمعنا (واتفقنا) على وُصُول الْحَج إِلَيْهِ، وعَلى قَضَاء

стр. 300

الدُّيُون عَنهُ، وَقَالَ ﵇ فِي قَضَاء الدّين: " الْآن بردت جلدته ". وَرُوِيَ: " الْآن فَككت رهانه ". فَإِن قيل: أجمعنا على وُصُول عبادات تدْخلهَا النِّيَابَة فِي حَال الْحَيَاة. وَالْقِرَاءَة لَا تدْخلهَا النِّيَابَة. قيل لَهُ: قد قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " صل لَهما مَعَ صَلَاتك، وصم لَهما مَعَ صيامك ". وهما عبادتان بدنيتان، وَنَصّ (النَّبِي) [ ﷺ ] على قِرَاءَة يس. ثمَّ إِن حَقِيقَة الثَّوَاب لَا فرق فِي (نَقله) بَين أَن يكون من حج، أَو صَدَقَة، أَو وقف، أَو صَلَاة، أَو اسْتِغْفَار أَو قَضَاء دين، فقدرة الله صَالِحَة للْكُلّ من غير فرق لمن أنصف، وتطابق الْأَحَادِيث الَّتِي رويناها تدل دلَالَة ظَاهِرَة على ذَلِك، فنسأل الله تَعَالَى التَّوْفِيق لكل خير. وَمن الْعجب إِنْكَار هَذِه الْمَسْأَلَة، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] مر على قبرين " الحَدِيث. قَالَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ ﵀: " هَذَا عِنْد أهل الْعلم مَحْمُول على أَن الْأَشْيَاء مَا دَامَت على أصل خلقتها (أَو خضرتها) وطراوتها فَإِنَّهَا تسبح الله حَتَّى تَجف رطوبتها وتحول خضرتها، أَو تقطع من أَصْلهَا، فَإِذا خفف (عَن الْمَيِّت) بِوَضْعِهِ [ ﷺ ] الجريدة على قَبره، فبطريق الأولى أَن يكون ذَلِك بِالْقُرْآنِ الَّذِي (جَاءَ بِهِ) من عِنْد الله ". هَذِه الْمَسْأَلَة نقلت مَا فِيهَا من الْأَدِلَّة من جُزْء أَلفه الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة شمس الدّين أَبُو عبد الله بن أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الْوَاحِد بن سرُور الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ ﵀.

стр. 301

(ذكر مَا فِي الْأَحَادِيث من الْغَرِيب:) المخرف: بِالْفَتْح، / الْبُسْتَان، وبالكسر مَا تجنى فِيهِ الثِّمَار، والمخرفة: الطَّرِيق، والخرف: فَسَاد الْعقل من الْكبر، وخرافة: اسْم رجل من عذرة استهوته الْجِنّ فَكَانَ يحدث بِمَا رأى فَكَذبُوهُ، وَقَالُوا: " حَدِيث خرافة ". (بَاب الشَّهِيد يصلى عَلَيْهِ) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ الدَّارَقُطْنِيّ: عَن حُصَيْن عَن أبي مَالك قَالَ: " كَانَ يجاء بقتلى أحد تِسْعَة وَحَمْزَة عاشرهم فَيصَلي عَلَيْهِم النَّبِي [ ﷺ ] ، ثمَّ يدفنون التِّسْعَة وَيدعونَ حَمْزَة، ثمَّ يجاء بِتِسْعَة وَحَمْزَة عاشرهم فَيصَلي عَلَيْهِم (فيدفنون) . التِّسْعَة وَيدعونَ حَمْزَة. فَإِن فيل: بِأَن أَبَا مَالك الْغِفَارِيّ لَا صُحْبَة لَهُ، وَقد صَحَّ أَن النَّبِي [ ﷺ ] لم يصل على (شُهَدَاء) أحد. قيل لَهُ: إِن لم يكن أَبُو مَالك صحابيا فَهُوَ تَابِعِيّ قد أرسل الحَدِيث، والمرسل حجَّة، وحديثنا مُثبت وَهُوَ مقدم على النَّافِي، وَقد روى البُخَارِيّ عَن عقبَة بن عَامر

стр. 302

قَالَ: " صلى النَّبِي [ ﷺ ] على قَتْلَى أحد بعد ثَمَانِي سِنِين كَالْمُودعِ للأحياء والأموات ". وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: عَن عقبَة بن عَامر: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] خرج يَوْمًا فصلى على قَتْلَى أحد صلَاته على الْمَيِّت ". فَإِن ثَبت أَن تِلْكَ الصَّلَاة كَانَت من النَّبِي [ ﷺ ] تَطَوّعا فَلَا تكون إِلَّا وَالصَّلَاة عَلَيْهِم سنة كَالصَّلَاةِ على غَيرهم، لِأَن كل تطوع لَهُ أصل فِي الْفُرُوض. وَإِن (كَانَت) صلَاته عَلَيْهِم نسخا لفعله الأول إِن كَانَ ثَابتا فَصلَاته توجب أَن يكون من سنتهمْ الصَّلَاة عَلَيْهِم، وَأَن ترك الصَّلَاة عَلَيْهِم عِنْد دفنهم مَنْسُوخ. وَإِن كَانَت صلَاته عَلَيْهِم إِنَّمَا كَانَت لِأَن سنتهمْ أَن لَا يصلى عَلَيْهِم إِلَّا بعد هَذِه الْمدَّة وَأَنَّهُمْ خصوا بذلك فقد يحْتَمل أَن يكون كَذَلِك سَائِر الشُّهَدَاء، لَا يصلى عَلَيْهِم إِلَّا بعد هَذِه الْمدَّة، وَيجوز أَن سَائِر الشُّهَدَاء يعجل عَلَيْهِم الصَّلَاة، إِلَّا أَنه قد ثَبت بِهَذِهِ الْمعَانِي أَن من سنتهمْ الصَّلَاة عَلَيْهِم إِمَّا بعد الدّفن أَو قبله، وَالْخلاف إِنَّمَا هُوَ قبل الدّفن أَو تَركهَا الْبَتَّةَ، فَلَمَّا ثَبت جَوَاز الصَّلَاة عَلَيْهِم بعد الدّفن فَقبله أولى.

стр. 303

(٣ - كتاب الزَّكَاة /) (بَاب (لَا زَكَاة) فِي مَال الصَّبِي وَالْمَجْنُون) صَحَّ عَن عَائِشَة ﵂، عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " رفع الْقَلَم عَن (ثَلَاثَة) : عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ، وَعَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم، وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يفِيق ". فَإِن قيل: روى التِّرْمِذِيّ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، أَن

стр. 304

النَّبِي [ ﷺ ] خطب فَقَالَ: " أَلا من ولي يَتِيما لَهُ (مَال) فليتجر فِي مَاله وَلَا يتْركهُ حَتَّى تَأْكُله الصَّدَقَة ". وروى الدَّارَقُطْنِيّ: (عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " احْفَظُوا الْيَتَامَى فِي أَمْوَالهم) لَا تأكلها الصَّدَقَة ". قيل لَهُ: فِي سَنَد الحَدِيث الأول: الْمثنى بن الصَّباح، قَالَ فِيهِ أَحْمد: " لَا يُسَاوِي شَيْئا ". وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: منْدَل، وَفِيه مقَال. ومدار الْحَدِيثين على عمر وبن شُعَيْب، وَفِيه كَلَام. فَإِن قيل: قَالَ البُخَارِيّ: " رَأَيْت أَحْمد بن حَنْبَل، وَعلي بن الْمَدِينِيّ، والْحميدِي، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، يحتجون بحَديثه ". قيل لَهُ: قَالَ (مُحَمَّد بن حبَان) : " كَانَ يرفع الْمَرَاسِيل، ويسند الْمَوْقُوفَات من سوء حفظه، فَلَمَّا فحش ذَلِك مِنْهُ اسْتحق التّرْك ". وَقَالَ ابْن معِين مرّة: " لَيْسَ بِذَاكَ ". وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: " لَيْسَ بِحجَّة "، وَقَالَ مرّة: " رُبمَا احتججنا بِهِ وَرُبمَا وجس فِي الْقلب مِنْهُ شَيْء، وَله مَنَاكِير ". وَقَالَ يحيى بن سعيد الْقطَّان: " عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه، عَن جده عندنَا واه ". وَقَالَ (أَيُّوب) السّخْتِيَانِيّ: " كنت آتِي عَمْرو بن شُعَيْب فأغطي رَأْسِي حَيَاء من النَّاس " وَكَانَ مُغيرَة بن مقسم لَا يعبأ بِصَحِيفَة عَمْرو بن شُعَيْب. وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀.

стр. 305

(بَاب زَكَاة الْإِبِل السَّائِمَة) (الطَّحَاوِيّ) ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ: قلت لقيس بن سعد: اكْتُبْ إِلَيّ كتاب أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، فَكَتبهُ لي فِي ورقة ثمَّ جَاءَ يَوْمًا وَأخْبر أَنه أَخذه من كتاب أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَأَخْبرنِي أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كتبه لجده عَمْرو بن حزم فِي ذكر مَا يخرج من فَرَائض الْإِبِل، فَكَانَ فِيهِ: " إِذا بلغت تسعين فَفِيهَا حقتان إِلَى أَن تبلغ عشْرين وَمِائَة، فَإِذا كَانَت أَكثر من ذَلِك فَفِي كل خمسين حقة، (وَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون) ، / فَمَا فضل فَإِنَّهُ يُعَاد إِلَى أول فَرَائض الْإِبِل، فَمَا كَانَ أقل من خمس وَعشْرين فَفِيهِ الْغنم فِي كل خمس ذود شَاة ". فَإِن قيل: روى حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ: " أخذت من ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس (كتابا) زعم أَن أَبَا بكر كتبه لأنس وَعَلِيهِ خَاتم رَسُول الله [ ﷺ ] حِين بَعثه مُصدقا، وَكتب (لَهُ) فِيهِ: " هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة وَفِيه: فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة فَفِي كل

стр. 306

أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَفِي كل خمسين حقة ". وَهَكَذَا حَدِيث سَالم عَن أَبِيه قيل لَهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ: " حَدِيث ثُمَامَة بن عبد الله إِنَّمَا وَصله عبد الله بن الْمثنى، لَا نعلم أحدا وَصله غَيره،، وَقد رَوَاهُ حَمَّاد مُنْقَطِعًا، وَهُوَ أجل قدرا من ابْن الْمثنى، وَهُوَ مِمَّن يحْتَج بحَديثه دون ابْن الْمثنى، فَيجب على أصل هَذَا الْقَائِل أَن يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي حد الْمُنْقَطع، لِأَن الرّفْع زِيَادَة وَزِيَادَة غير الْحَافِظ (على الْحَافِظ) غير مَقْبُولَة ". وَأما الحَدِيث الثَّانِي فقد قَالَ التِّرْمِذِيّ: " لم يرفعهُ أحد من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ، وَإِنَّمَا رَفعه سُفْيَان بن حُسَيْن ". فَإِن قيل: سُفْيَان بن حُسَيْن ثِقَة، أخرج لَهُ مُسلم، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ. قيل لَهُ: إِلَّا أَن فِي حَدِيثه عَن (الزُّهْرِيّ) مقَالا، قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الْعِلَل: " سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: أَرْجُو أَن يكون مَحْفُوظًا "، فَلم يجْزم بحفظه فضلا عَن صِحَّته.

стр. 307

فَإِن قيل: رُوِيَ أَيْضا: " إِذا كَانَت إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة فَفِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون ". قيل لَهُ: هُوَ مُرْسل وَلم يسلم عَن الْمعَارض. فَإِن قيل: حَدِيث عَمْرو بن حزم مُضْطَرب. قيل لَهُ: من أَيْن اضْطربَ، قد رَوَاهُ قيس بن سعد، عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَقيس حجَّة حَافظ. وَقد قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: " قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل ﵀: حَدِيث عَمْرو بن حزم فِي كتاب الصَّدقَات صَحِيح ". ويعضده مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن أبي عُبَيْدَة وَزِيَاد بن أبي مَرْيَم، عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ فِي فَرَائض الْإِبِل: " فَإِذا زَادَت على تسعين فَفِيهَا حقتان إِلَى عشْرين وَمِائَة، فَإِذا بلغت الْعشْرين وَالْمِائَة اسْتقْبلت الْفَرِيضَة بالغنم فِي كل خمس شَاة، فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين ففرائض الْإِبِل، فَإِذا كثرت فَفِي كل خمسين حقة " /. وَعنهُ: عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: " إِذا زَادَت الْإِبِل على عشْرين وَمِائَة ردَّتْ إِلَى أول الْفَرْض " فَهَذَا عبد الله بن مَسْعُود ﵁ من أكبر الصَّحَابَة وأعلمهم، وَمن التَّابِعين إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ يذهبون إِلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، وهم أهل علم وَحَدِيث كثير. ثمَّ نقُول حَدِيث ابْن شهَاب الْمُرْسل قد جَاءَ مُخَالف الْأُصُول، ومخالف الرِّوَايَات، فَلَا يجوز الْقَضَاء بِهِ، وَذَلِكَ أَن الْأَحَادِيث وَردت وفيهَا: " فَإِذا زَادَت فَفِي كل خمسين حقة وَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون ". فَلم يتَغَيَّر الْفَرْض إِلَّا بِزِيَادَة تحْتَمل بعد الْمِائَة وَالْعِشْرين الأربعينات والخمسينات، فَلَا شَيْء (يَتَجَدَّد) فِيهَا حَتَّى تبلغ مائَة وَخمسين، لِأَن الْفَرْض من تسعين إِلَى مائَة وَعشْرين يتَغَيَّر بِثَلَاثِينَ، فَلَا يتَغَيَّر (إِلَّا)

стр. 308

بِمِثْلِهَا كَالَّذي قبله، فَلَمَّا تغير الْفَرْض بِوَاحِدَة، وَلم يكن ذَلِك (فِي أوقاص) الْإِبِل ابْتِدَاء وَهِي فِي حد الْقَلِيل، فَكيف يكون وقصا وَهِي فِي حد الْكثير. هَذَا قَول ابْن الْعَرَبِيّ. وَأما الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: " رأيناهم جعلُوا الْمِائَة وَالْعِشْرين نِهَايَة لما وَجب فِيمَا زَاد على التسعين، وَمَا جعل نِهَايَة قبل ذَلِك إِذا زَادَت الْإِبِل شَيْئا وَجب بِزِيَادَتِهِ فرض غير الأول أَو زِيَادَة عَلَيْهِ، (وَكَانَت) الْمِائَة وَالْعِشْرين نِهَايَة لما أوجبوه فِي الزِّيَادَة على التسعين، فَثَبت بِهَذَا أَن مَا زَاد على الْمِائَة وَالْعِشْرين يجب بِهِ شَيْء إِمَّا زِيَادَة على الْفَرْض الأول وَإِمَّا غير ذَلِك، ففسد بذلك قَول مَالك ﵀. ونظرنا فِيمَا بَين قَوْلنَا وَقَول الشَّافِعِي فوجدناهم يوجبون بِزِيَادَة الْبَعِير الْوَاحِد على الْعشْرين وَالْمِائَة رد (حكم) جَمِيع الْإِبِل إِلَى مَا يجب فِيهِ الْبَنَات اللَّبُون، وَهُوَ مَا ذكر عَنهُ أَن فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، فَكَانَ من الْحجَّة عَلَيْهِ أَنا رَأينَا جَمِيع مَا يزِيد على النهايات الْمُسَمَّاة (فِي) فَرَائض الْإِبِل، فِيمَا دون الْعشْرين وَالْمِائَة، أَن تِلْكَ الزِّيَادَة الْمُغيرَة لَهَا حِصَّة فِيمَا وَجب بهَا من ذَلِك، وَكَانَت الْإِبِل إِذا زَادَت (بَعِيرًا) وَاحِدًا على الْمِائَة وَالْعِشْرين، فَكل قد أجمع أَن لَا شَيْء فِي هَذَا (الْبَعِير) ، لِأَن من أوجب

стр. 309

الِاسْتِئْنَاف لم يُوجب فِيهِ شَيْئا، وَكَذَلِكَ من قَالَ يجب ثَلَاث بَنَات لبون، فَلَمَّا ثَبت أَن الْفَرْض فِيمَا / قبل الْمِائَة وَالْعِشْرين لَا ينْتَقل إِلَّا بِمَا يجب فِيهِ جُزْء من الْفَرْض الْوَاجِب بِهِ، وَكَانَ (الْبَعِير) الزَّائِد على الْعشْرين وَالْمِائَة لَا يجب فِيهِ شَيْء من فرض وَجب بِهِ، ثَبت أَنه غير مغير فرض غَيره عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قبل حُدُوثه. (ذكر أَسْنَان الْإِبِل الَّتِي تتَعَلَّق بهَا الزَّكَاة:) قَالَ أَبُو دَاوُد: " إِذا وضعت النَّاقة فَمشى وَلَدهَا سمي حوارا إِلَى سنة، فَإِذا فصل عَن أمه وفطم فَهُوَ فصيل، والفصال: الْفِطَام، وَهِي بنت مَخَاض إِلَى سنتَيْن، فَإِذا دخلت فِي الثَّالِثَة فَهِيَ بنت لبون، فَإِذا تمت لَهَا ثَلَاث سِنِين فَهِيَ حق، وحقة، إِلَى تَمام أَربع سِنِين، لِأَنَّهَا اسْتحقَّت أَن تركب وَأَن يحمل عَلَيْهَا الْفَحْل وَيُقَال للحقة طروقة الْفَحْل، لِأَن الْفَحْل يطرقها، فتسمى كَذَلِك إِلَى أَن تطعن فِي الْخَامِسَة، (فَإِذا طعنت فِي الْخَامِسَة) فَهِيَ جَذَعَة إِلَى أَن تطعن فِي السَّادِسَة، (فَإِذا طعنت فِي السَّادِسَة) وَأَلْقَتْ (ثنية) فَهِيَ ثني حَتَّى تستكمل سِتا، فَإِذا دخلت فِي السَّابِعَة سمي الذّكر رباعيا، وَالْأُنْثَى ربَاعِية، تخفف الْيَاء فيهمَا، فَإِذا (دخل) فِي الثَّامِنَة وَألقى السن السديس وَهُوَ الَّذِي بعد الرّبَاعِيّة فه سديس (وَسدس) ، فَإِذا دخل فِي التَّاسِعَة وطلع نابه فَهُوَ بازل، أَي بزل نابه، أَي طلع فَإِذا دخل فِي الْعَاشِرَة فَهُوَ مخلف، ثمَّ لَيْسَ لَهُ اسْم بعد ذَلِك، بل يُقَال (لَهُ) بازل عَام، وبازل عَاميْنِ، (ومخلف عَام) ، ومخلف عَاميْنِ، (والمخلف: الْحَائِل) ، وفصول الْأَسْنَان عِنْد طُلُوع سُهَيْل ". كَذَا ذكره أَبُو دواد.

стр. 310

(بَاب فِي الْخَيل زَكَاة) مُسلم: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الْخَيل ثَلَاثَة: هِيَ لرجل وزر، وَهِي لرجل ستر، وَهِي لرجل أجر، فَأَما الَّتِي هِيَ لَهُ وزر: فَرجل ربطها رِيَاء وفخرا ونواء لأهل الْإِسْلَام، فَهِيَ لَهُ وزر. وَأما الَّتِي هِيَ لَهُ ستر: فَرجل ربطها فِي سَبِيل الله ثمَّ لم ينس حق الله فِي ظُهُورهَا وَلَا فِي رقابها فَهِيَ لَهُ ستر ". قَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ: " فَفِي هَذَا دَلِيل على أَن لله تَعَالَى فِيهَا حَقًا، وَهُوَ كحقه فِي سَائِر الْأَمْوَال ". فَإِن قيل: رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " فِي المَال حق سوى الزَّكَاة " / قيل لَهُ: قد ضعفه أَبُو عِيسَى: وَقَالَ: " هَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بذلك الْقوي، وَفِي سَنَده أَبُو حَمْزَة مَيْمُون الْأَعْوَر، يضعف، وروى بَيَان وَإِسْمَاعِيل بن سَالم، عَن الشّعبِيّ هَذَا الحَدِيث قَوْله. وَهَذَا أصح ".

стр. 311

فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَيْسَ فِي الْخَيل وَالرَّقِيق زَكَاة، إِلَّا زَكَاة الْفطر فِي الرَّقِيق ". قيل لَهُ: فِي إِسْنَاده رجل مَجْهُول، وَأَنت لَا تقبل رِوَايَته، هَذَا من جِهَة الْآثَار، وَأما من جِهَة النّظر: فَإِنَّهُ حَيَوَان يسام فِي أغلب الْبلدَانِ، فَتجب فِيهِ الزَّكَاة، إِلَّا أَن الْآثَار فِيهَا لم تشتهر لعزة الْخَيل فِي ذَلِك الْوَقْت، وَمَا كَانَت معدة إِلَّا للْجِهَاد، وَإِنَّمَا لم تثبت ولَايَة الْأَخْذ للْإِمَام، لِأَن الْخَيل مطمع كل طامع، فَإِنَّهَا سلَاح، وَالظَّاهِر أَنهم إِذا علمُوا بِهِ لم يَتْرُكُوهُ، وَإِنَّمَا لم تُؤْخَذ الزَّكَاة من عينهَا لِأَن مَقْصُود الْفَقِير لَا يحصل بِهِ، إِذْ عينه عندنَا غير مَأْكُول، وَلَا يشبه هَذَا البغال وَالْحمير وَإِن كَانَت ذَا حافر، لِأَنَّهُ [ ﷺ ] قيل لَهُ: " يَا رَسُول الله فالحمر؟ قَالَ: مَا أنزل عَليّ فِي الْحمر شَيْء إِلَّا هَذِه الْآيَة الجامعة الفاذة: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ . وَفِي الْكَلَام دلَالَة ظَاهِرَة أَنه قد أنزل عَلَيْهِ فِي الْخَيل شَيْء. (ذكر الْغَرِيب:) إِنَّمَا سَمَّاهَا جَامِعَة لاشتمال اسْم الْخَيْر على جَمِيع أَنْوَاع الطَّاعَات، فرائضها وسننها، والفذ: الْوَاحِد الْفَرد، يُقَال مِنْهُ فذ الرجل عَن أَصْحَابه، إِذا انْفَرد عَنْهُم وَبَقِي وَحده، وَلما خلت هَذِه الْآيَة عَن تَفْصِيل مَا تحتهَا وَبَيَان أَنْوَاعه سَمَّاهَا فاذة. وَقَالَ فِي الْمطَالع: " معنى الفاذة: المنفردة، القليلة الْمثل فِي بَابهَا، قَالَ: ويروى الفذة والشاذة، وَكله بِمَعْنى الْمُنْفَرد، وَمَعْنَاهَا: الْمُبَالغَة فِي مَعْنَاهَا " ذكر ذَلِك فِي بَاب الْفَاء والذال الْمُعْجَمَة.

стр. 312

(بَاب إِذا كَانَت الْخَيل سَائِمَة ذُكُورا وإناثا فصاحبها بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أعْطى عَن كل فرس دِينَارا، وَإِن شَاءَ قَومهَا وَأعْطى عَن كل مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم) قَالَ الْخطابِيّ: " وَقد اخْتلف النَّاس فِي صَدَقَة الْخَيل، فَذهب أَكثر الْفُقَهَاء إِلَى أَنه لَا زَكَاة / فِيهَا، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَعمر بن عبد الْعَزِيز ". قلت: وَقد وهم (فِي نِسْبَة) عدم وجوب الزَّكَاة فِي الْخَيل إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁، فقد ذكر ابْن عبد الْبر بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرو بن دِينَار، أَن جُبَير بن يعلى أخبرهُ أَنه سمع يعلى بن أُميَّة يَقُول: " ابْتَاعَ (عبد الرَّحْمَن) بن أُميَّة - أَخُو يعلى بن أُميَّة - من رجل من أهل الْيمن فرسا أُنْثَى بِمِائَة قلُوص، فندم البَائِع، فلحق بعمر فَقَالَ: غصبني يعلى بن أُميَّة فرسا لي، فَكتب إِلَى يعلى أَن الْحق بِي (فَأَتَاهُ) فَأخْبرهُ الْخَبَر، فَقَالَ عمر: إِن الْخَيل لتبلغ هَذَا عنْدكُمْ؟ فَقَالَ: مَا علمت فرسا (قيل) بلغ هَذَا، قَالَ عمر: فتأخذ من كل أَرْبَعِينَ شَاة شَاة، وَلَا تَأْخُذ من الْخَيل شَيْئا، خُذ من كل فرس دِينَارا ". فَضرب على الْخَيل دِينَارا (دِينَارا) . قَالَ ابْن عبد الْبر: الْخَبَر فِي صَدَقَة الْخَيل، عَن عمر ﵁ صَحِيح من

стр. 313

حَدِيث الزُّهْرِيّ، وَقد رُوِيَ من حَدِيث مَالك أَيْضا. قَالَ ابْن عبد الْبر بِسَنَدِهِ عَن جوَيْرِية، عَن مَالك، عَن الزُّهْرِيّ، أَن السَّائِب بن يزِيد أخبرهُ قَالَ: " لقد رَأَيْت أبي يقوم الْخَيل وَيدْفَع صدقتها إِلَى عمر بن الْخطاب ". فلهذين الأثرين أثبتنا (الْخِيَار) للْمَالِك بَين الدِّينَار وَبَين التَّقْوِيم. (ذكر مَا فِي الأول من الْغَرِيب:) القلوص من النوق: الشَّابَّة أول مَا تركب، وقلص الشَّيْء يقلص قلوصا، أَي ارْتَفع، فَهُوَ قالص وقليص. (بَاب لَيْسَ فِي الفصلان والعجاجيل والحملان زَكَاة) أَبُو دَاوُد: عَن سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ: سرت أَو قَالَ أَخْبرنِي من سَار مَعَ مُصدق رَسُول الله [ ﷺ ] : " فَإِذا فِي عهد رَسُول الله [ ﷺ ] أَن لَا تَأْخُذ من راضع لبن شَيْئا ". فَإِن قيل: فِي الْكَلَام مُضَاف مَحْذُوف تَقْدِيره: " لَا تَأْخُذ ذَات رضَاع ". و " من " زَائِدَة، كَمَا تَقول: لَا تَأْكُل من حرَام، أَي لَا تَأْكُل حَرَامًا. قيل لَهُ: الْحَذف وَالزِّيَادَة على خلاف الأَصْل. فَإِن قيل: قَالَ أَبُو بكر ﵁: " (وَالله) لَو مَنَعُونِي عنَاقًا كَانُوا يؤدونه

стр. 314

إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] لقاتلتهم على مَنعه ". والعناق الْجَذعَة من الْمعز الَّتِي قاربت الْحمل، وَقيل: مَا لم يتم لَهَا سنة من الْإِنَاث خَاصَّة. / قيل لَهُ: الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة " وَالله لَو مَنَعُونِي عقَالًا كَانُوا (يؤدونه) ". والعقال: الْحَبل الَّذِي يعقل بِهِ الْبَعِير، وَقيل أَرَادَ الشَّيْء التافه الحقير، فَضرب الْمثل بالعقال على جِهَة التقليل مُبَالغَة (وَقيل: العقال صَدَقَة عَام، قَالَ: (سعى عقَالًا فَلم يتْرك لنا سبدا ... فَكيف لَو قد سعى عمر عِقَالَيْنِ))

стр. 315

(بَاب يجوز دفع الْقيم فِي (الزكوات) وَالْكَفَّارَات الْمَالِيَّة) صَحَّ فِي حَدِيث أبي بكر ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " فَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الْجَذعَة وَلَيْسَت عِنْده جَذَعَة وَعِنْده حقة، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ، وَأَن يَجْعَل مَعهَا شَاتين إِن استيسرتا (لَهُ) ، أَو عشْرين درهما، وَمن بلغت عِنْده (صَدَقَة الحقة) (وَلَيْسَ عِنْده حقة) وَعِنْده جَذَعَة، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ (وَيُعْطِيه الْمُصدق شَاتين، أ) وَعشْرين درهما ". فَإِن قيل: لَيْسَ هَذَا على وَجه الْقيمَة، إِنَّمَا هِيَ أصُول، بِدَلِيل أَن الْقيمَة تخْتَلف باخْتلَاف الْأَزْمَان، وَلِهَذَا قدرهَا الشَّارِع بِشَيْء لَا يخْتَلف. قيل لَهُ: إِنَّمَا قدرهَا لِأَن قيمتهَا فِي ذَلِك الْوَقْت (كَانَت) كَذَلِك فَإِن قيل: قَالَ الْخطابِيّ بعد أَن حكى أَقْوَال النَّاس فِي هَذَا الحَدِيث: " وَأَصَح هَذِه الْأَقْوَال، قَول من ذهب إِلَى أَن كل وَاحِد من الشاتين وَالْعِشْرين درهما

стр. 316

فيهمَا أصل فِي نَفسه، وَلَيْسَ لَهُ الْعُدُول عَنْهَا (إِلَى الْقيمَة) ، إِذْ لَو كَانَ للقيمة مدْخل لم يكن لنقل الْفَرِيضَة إِلَى مَا هُوَ فَوْقهَا، وَإِلَى مَا هُوَ أَسْفَل مِنْهَا معنى ". قيل لَهُ: بل أصح الْأَقْوَال قَول من ذهب إِلَى أَن كل وَاحِد من الشاتين وَالْعِشْرين (درهما) ليسَا بِأَصْل، وَأَن لَهُ الْعُدُول إِلَى الْقيمَة، بِدَلِيل أَن النَّص فِي (الْجبرَان) (ورد) فِي (سنة) وَاحِدَة نزولا وصعودا، وَمن قَالَ بِأَن الشاتين وَالْعِشْرين درهما أصل جوز الترقي (بِسنتَيْنِ) (وَأخذ) جبرانين، وَالنُّزُول (بِسنتَيْنِ) مَعَ جبرانين، وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا قِيَاس بالتعديل والتقويم، وَفِي الصعُود وَالنُّزُول فَائِدَة وَهِي التَّيْسِير على أَرْبَاب الْمَوَاشِي. وروى أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ عَن الصنَابحِي ﵁ قَالَ: " رأى رَسُول الله [ ﷺ ] فِي إبل الصَّدَقَة نَاقَة مُسِنَّة، (وَقيل: نَاقَة كوماء) ، فَغَضب فَقَالَ: مَا هَذِه؟ فَقَالَ (الْمُصدق) : " يَا رَسُول الله ارتجعتها ببعيرين من مَاشِيَة الصَّدَقَة، فَسكت ". فَإِن قيل: / لَعَلَّه استبدل وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ بعد الْقَبْض بطرِيق البيع، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ تعرض لجِهَة الْأَخْذ فَلَا حجَّة فِيهِ. قيل لَهُ: قَالَ أَبُو عبيد: الارتجاع: أَن يَأْخُذ سنا مَكَان (سنّ) . وَقَالَ فِي

стр. 317

الصِّحَاح: " وَالرَّجْعَة فِي الصَّدَقَة أَن يجب على رب المَال (أَسْنَان، فَيَأْخُذ الْمُصدق مَكَانهَا) أسنانا فَوْقهَا أَو دونهَا بِثمنِهَا ". وَقَالَ فِي مُجمل اللُّغَة: " الراجعة: النَّاقة تبَاع وتشتري بِثمنِهَا مثلهَا، وَقد ارتجعتها ارتجاعا، ورجعتها رَجْعَة ". وَعَن طَاوس: " قَالَ معَاذ بن جبل لأهل الْيمن: ائْتُونِي (بِعرْض ثِيَاب) بخميس أَو لبيس آخذه مِنْكُم (مَكَان الذّرة وَالشعِير) فِي الصَّدَقَة فَهُوَ أَهْون عَلَيْكُم، وَخير للمهاجرين وَالْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ ". وَهَذَا مُرْسل، والمرسل عندنَا حجَّة. فَإِن قيل: المُرَاد بِالصَّدَقَةِ الْجِزْيَة، وَقد كَانُوا يطْلبُونَ ذَلِك مَعَ تَضْعِيف الْوَاجِب حذرا من الْعَار، وَيدل عَلَيْهِ نَقله إِلَى الْمَدِينَة، وَمذهب معَاذ (أَن) النَّقْل فِي الصَّدقَات مُمْتَنع، وَيدل عَلَيْهِ إضافتها إِلَى الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، والجزية تسْتَحقّ بِالْهِجْرَةِ والنصرة، وَأما الزَّكَاة فتستحق بالفقر والمسكنة. قيل لَهُ: إِطْلَاق لفظ الصَّدَقَة على الْجِزْيَة بعيد جدا، وَلَا يظنّ بمعاذ رَضِي الله

стр. 318

عَنهُ (أَن) يُطلق لفظ الصَّدَقَة على الْجِزْيَة، فَإِن الصَّدَقَة عبَادَة والجزية عُقُوبَة، وَلم يطْلب أحد مِمَّن طلب مِنْهُ الْجِزْيَة تَضْعِيف الزَّكَاة عوضا عَن الْجِزْيَة - فِيمَا علمنَا - إِلَّا بَنو تغلب، فَإِنَّهُم طلبُوا من عمر ﵁ أَن يصالحهم على ذَلِك، فَصَالحهُمْ عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ جِزْيَة فسموها مَا شِئْتُم. وَفِي قَوْله: " فَهُوَ أَهْون عَلَيْكُم وَخير للمهاجرين وَالْأَنْصَار (بِالْمَدِينَةِ) "، دَلِيل على أَن الْخطاب كَانَ مَعَ الْمُسلمين، لِأَنَّهُ طلب مِنْهُم ذَلِك وَبَين لَهُم مَا فِيهِ من النَّفْع لأَنْفُسِهِمْ وللمهاجرين وَالْأَنْصَار) فَلَو (لَا) أَنه رأى أَنهم يؤثرون رَاحَة أنفسهم، ووصول الْخَيْر إِلَى الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَإِلَّا لما كَانَ لذكر الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَائِدَة، وَفِي حَيَاة رَسُول الله [ ﷺ ] لم ينْسب إِلَى أحد من الصَّحَابَة مَذْهَب، وَنقل معَاذ الصَّدَقَة إِلَى الْمَدِينَة لم يكن إِلَّا بِأَمْر النَّبِي [ ﷺ ] ظَاهرا، وَلم يضف الصَّدَقَة إِلَى الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار مُطلقًا، بل أَرَادَ (أَنه) خير للْفُقَرَاء مِنْهُم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَخير لفقراء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، / فَحذف الْمُضَاف وَأقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وأعربه بإعرابه، وَقد جَاءَ فِي كَلَام الله تَعَالَى كثير من هَذَا و (قد) روى البُخَارِيّ وَمُسلم: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " بعث النَّبِي [ ﷺ ] عمر بن الْخطاب ﵁ على الصَّدَقَة، فَمنع ابْن جميل، وخَالِد بن الْوَلِيد، وَالْعَبَّاس. فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " مَا ينقم ابْن جميل إِلَّا أَن كَانَ فَقِيرا فأغناه الله، وَأما خَالِد بن الْوَلِيد، فَإِنَّكُم تظْلمُونَ خَالِدا (فقد) (احْتبسَ أدرعه)

стр. 319

(وأعتده) فِي سَبِيل الله ، وَأما الْعَبَّاس عَم رَسُول الله [ ﷺ ] فَهِيَ عَليّ وَمثلهَا، ثمَّ قَالَ: أما شَعرت أَن عَم الرجل صنو الْأَب أَو صنو أَبِيه ". وَقد اخْتلف فِي معنى ذَلِك فَقيل: يحْتَمل أَنه إِنَّمَا طُولِبَ بِالزَّكَاةِ عَن ثمن الأدراع والعتاد، فَإِنَّهَا كَانَت للتِّجَارَة، فَأخْبر النَّبِي [ ﷺ ] أَنه لَا زَكَاة عَلَيْهِ فِيهَا، فَإِنَّهُ حَبسهَا. وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] اعتذر عَن خَالِد ودوافع عَنهُ، فَيكون مَعْنَاهُ أَن خَالِدا (حبس) أدراعه (وعتاده) تبررا وتقربا إِلَى الله ، وَلم يكن وَاجِبا عَلَيْهِ، (فَكيف يمْنَع مَا يكون وَاجِبا عَلَيْهِ) ، وَالصَّحِيح أَن رَسُول الله [ ﷺ ] احتسب لخَالِد مَا حَبسه من ذَلِك فِيمَا يجب عَلَيْهِ من الزَّكَاة فِي سَبِيل الله، لِأَنَّهُ أنكر على ابْن جميل، وَأخْبر أَن صَدَقَة الْعَبَّاس عَلَيْهِ وَمثلهَا، وَأخْبر عَن خَالِد بِمَا أخبر، وَلم يرَوا أَنه أدّى شَيْئا آخر غير مَا احتبسه، وَظَاهر هَذَا يَقْتَضِي أَن سُقُوط الزَّكَاة عَن خَالِد كَانَ (كسقوطها) عَن الْعَبَّاس، وَسُقُوط الزَّكَاة عَن الْعَبَّاس كَانَ بِالْأَدَاءِ، فَيكون السُّقُوط عَن خَالِد بِالْأَدَاءِ. فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن معَاذ بن جبل ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] بَعثه إِلَى الْيمن فَقَالَ: " خُذ الْحبّ من الْحبّ، وَالشَّاة من الْغنم، وَالْبَعِير من الْإِبِل وَالْبَقر من الْبَقر ". قيل لَهُ: هَذَا على وَجه الِاسْتِحْبَاب، بِدَلِيل أَنه يَأْخُذ الشَّاة من الْإِبِل. (ذكر مَا فِي الْأَحَادِيث من الْغَرِيب:) الْخَمِيس: هَهُنَا: ثوب طوله خَمْسَة أَذْرع، وَالْخَمِيس: الْجَيْش: لِأَنَّهُ خمس

стр. 320

فرق الْمُقدمَة، وَالْقلب، والميمنة، والميسرة، والساقة. واللبيس: الملبوس الْخلق، ينقم: يكره وينكر. وأعتده: جمع عتد، وَهِي الْخَيل. وَرُوِيَ فِي الصَّحِيح أَيْضا / أعتاده، وَيجوز أَن يكون جمع عتود وَهِي من الْمعز. قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ. وَقيل: جمع عتد وَهُوَ مَا يعْتد بِهِ ويدخره. وَرُوِيَ: (" وأعبده "، وَرُوِيَ:) و " عقاره "، وَالْعَقار الأَرْض والضياع ومتاع الْبَيْت. (بَاب يضم الذَّهَب إِلَى الْفضة حَتَّى تجب الزَّكَاة) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ . أوجب الزَّكَاة فيهمَا مجموعتين، لِأَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ قد أَرَادَ بِهِ إنفاقهما جَمِيعًا، وَيدل على وجوب الضَّم أَنَّهُمَا متفقان فِي وجوب الْحق فيهمَا، وَهُوَ ربع الْعشْر فَكَانَا بِمَنْزِلَة الْعرُوض الْمُخْتَلفَة إِذا كَانَت للتِّجَارَة، لما كَانَ الْوَاجِب فِيهَا ربع الْعشْر ضم بَعْضهَا إِلَى بعض مَعَ اخْتِلَاف أجناسها. فَإِن قيل: لَو أَرَادَ الْجمع لقَالَ وَلَا ينفقونهما. قيل لَهُ: إِنَّمَا قَالَ كَذَلِك، لِأَن الْكَلَام رَاجع إِلَى مَدْلُول عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يُنْفقُونَ الْكُنُوز، أَو لِأَنَّهُ اكْتفى بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر للإيجاز، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ .
следующие страницы →