← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6226

اللباب في الجمع بين السنة والكتاب

الخزرجي المنبجي

Полный текст (762 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

سمنكم فِي سقائه وتمركم فِي وعائه فَإِنِّي صَائِم ". وَأخرجه البُخَارِيّ. وَإِذا أفْسدهُ وَجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. مَالك: " عَن ابْن شهَاب أَن عَائِشَة وَحَفْصَة زَوجي النَّبِي [ ﷺ ] أصبحتا صائمتين متطوعتين، فأهدي لَهما طَعَام فأفطرتا عَلَيْهِ، فَدخل عَلَيْهِمَا رَسُول الله [ ﷺ ] ، قَالَ: قَالَت عَائِشَة: فَقَالَت حَفْصَة - وبدرتني بالْكلَام وَكَانَت بنت أَبِيهَا - يَا رَسُول الله: إِنِّي أَصبَحت أَنا وَعَائِشَة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طَعَام فأفطرنا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : (اقضيا) مَكَانَهُ يَوْمًا آخر ". أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " أهدي لي ولحفصة طَعَام وَكُنَّا صائمتين، فأفطرنا، ثمَّ دخل رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُول الله إِنَّا أهديت لنا هَدِيَّة فاشتهيناها فأفطرنا، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا عَلَيْكُمَا، صوما مَكَانَهُ يَوْمًا (آخر) ". فَإِن قيل: فِي سَنَد هَذَا الحَدِيث زميل، قَالَ البُخَارِيّ: لَا يعرف لزميل سَماع من عُرْوَة وَلَا ليزِيد سَماع من زميل، وَلَا تقوم بِهِ الْحجَّة ". وَقَالَ الْخطابِيّ: " إِسْنَاده ضَعِيف، وزميل مَجْهُول ". قيل لَهُ: لم يذكر البُخَارِيّ للْحَدِيث عِلّة سوى عدم معرفَة (سَماع بعض) الروَاة من الْبَعْض، وَهَذَا لَا يُوجب ضعفا فِي الحَدِيث، لجَوَاز أَن يكون روى عَنهُ

стр. 247

إجَازَة، أَو مناولة، أَو سَمعه يزِيد مِمَّن سمع من زميل وسَمعه زميل مِمَّن سمع من عُرْوَة، وَترك كل وَاحِد مِنْهُمَا من سمع مِنْهُ (وَذكر) من فَوْقه يُوهم بذلك علو إِسْنَاده، وكل ذَلِك لَيْسَ بعلة يسْقط الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ لأَجلهَا، أما الْإِجَازَة والمناولة فَلَا خلاف بَين أهل الحَدِيث فِي جَوَاز الْإِخْبَار بِنَاء عَلَيْهِمَا، وَصِحَّة الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ الَّذِي يرْوى بهما، وَأما إِذا لم يذكر الرَّاوِي من لقِيه وَسمع مِنْهُ وَذكر من فَوْقه، موهما بذلك علو إِسْنَاده فَهَذَا نوع / من التَّدْلِيس، منع من قبُول رِوَايَة من يتعاطاه أهل الحَدِيث، وحجتهم فِي ذَلِك مَا يذكر من الْحجَّة على رد الْمَرَاسِيل، وَرُبمَا أكدوه هُنَا بِأَنَّهُ بِهَذَا الْفِعْل يُوهم مَا لَيْسَ بِثَابِت، فيزيد حَاله على حَال الْمُرْسل، وَنحن نستدل على جَوَاز الِاحْتِجَاج بِهِ بِمَا استدللنا بِهِ على صِحَة الِاحْتِجَاج بالمراسيل، وَرُبمَا يَتَأَتَّى نوع تَرْجِيح من حَيْثُ إِن هُنَاكَ يقبل مَعَ حذف اسْم كل الروَاة، وَهنا لَيْسَ إِلَّا حذف اسْم راو وَاحِد أَو اثْنَيْنِ، فترجح حَاله على ذَلِك، مَا ذَكرُوهُ من الْإِيهَام لَا يَنْفِي الْعَدَالَة، وَالْمَانِع من الْقبُول مَا ينفيها، وزميل هُوَ مولى عُرْوَة بن الزبير، فَانْتفى أَن يكون مَجْهُولا. فَإِن قيل: رُوِيَ فِي حَدِيث عَن أم هَانِئ ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " دخل عَليّ رَسُول الله [ ﷺ ] وَأَنا صَائِمَة، فناولني فضل شرابه فَشَرِبت ثمَّ قلت: يَا رَسُول الله إِنِّي كنت صَائِمَة، وَإِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك، فَقَالَ: إِن كَانَ من قَضَاء رَمَضَان فصومي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضيه وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه ". قيل لَهُ: قد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: عَن أم هَانِئ ﵂ قَالَت: " لما كَانَ عَام الْفَتْح - فتح مَكَّة - جَاءَت فَاطِمَة ﵂ فَجَلَست عَن يسَار رَسُول الله [ ﷺ ] وَأم هَانِئ عَن يَمِينه، قَالَت: فَجَاءَت الوليدة بِإِنَاء فِيهِ شراب فناولته فَشرب مِنْهُ، ثمَّ نَاوَلَهُ أم هَانِئ فَشَرِبت (مِنْهُ، فَقَالَت) : يَا رَسُول الله أفطرت

стр. 248

وَكنت صَائِمَة، فَقَالَ لَهَا: (أَكنت) تقضين شَيْئا؟ قَالَت: لَا، قَالَ: فَلَا (يَضرك) إِن كَانَ تَطَوّعا. وَفِي لفظ الطَّحَاوِيّ: " فَقَالَ لَهَا: تقضي (عَنْك) شَيْئا؟ قَالَت: لَا، قَالَ: فَلَا يَضرك ". وَمن طَرِيق آخر عَنْهَا: فَقلت: يَا رَسُول الله مَا أَرَانِي إِلَّا قد أثمت وأتيت حنثا عرضت عَليّ وَأَنا صَائِمَة فَكرِهت أَن أرد عَلَيْك، فَقَالَ: هَل كنت تقضين يَوْمًا من رَمَضَان؟ فَقَالَت: (لَا) فَقَالَ: لَا بَأْس. وَهَذَا يَقْتَضِي رفع الْإِثْم، وَلَا يَنْفِي وجوب الْقَضَاء، مَعَ أَن التِّرْمِذِيّ قَالَ: فِي إِسْنَاده مقَال "، وَقَالَ النَّسَائِيّ: " وَأما حَدِيث أم هَانِئ فقد اخْتلف على سماك بن حَرْب فِيهِ، وَسماك لَيْسَ مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ كَانَ يقبل التَّلْقِين ". وروى الطَّحَاوِيّ: عَن ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يريان الْقَضَاء وَاجِبا من إِفْسَاد صَوْم / التَّطَوُّع.

стр. 249

" وَيدل على مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ أخبر تَعَالَى عَمَّا ابتدعوه من الْقرب والرهبانية ثمَّ ذمهم على ترك رعايتها بقوله: ﴿فَمَا رعوها حق رعايتها﴾ ، والابتداع قد يكون بالْقَوْل وَهُوَ مَا ينذره ويوجبه على نَفسه، وَقد يكون بِالْفِعْلِ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وعمومه يتَضَمَّن الْأَمريْنِ، فَاقْتضى ذَلِك أَن كل من ابتدع قربَة قولا أَو فعلا (فَعَلَيهِ) رعايتها وإتمامها، فَوَجَبَ أَن كل من دخل فِي صَلَاة، أَو صَوْم، أَو حج، أَو غير ذَلِك من الْقرب فَعَلَيهِ إِتْمَامهَا، وَلَا يلْزمه إِتْمَامهَا إِلَّا وَهِي وَاجِبَة عَلَيْهِ، فَيجب قَضَاؤُهَا إِذا أفسدها. وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: " كَانَ نَاس من بني إِسْرَائِيل ابتدعوا بدعا لم يَكْتُبهَا الله عَلَيْهِم ابْتَغوا بهَا رضوَان الله فَلم يرعوها حق رعايتها (فعاقبهم) الله بِتَرْكِهَا فَقَالَ مَا قَالَ. (بَاب عدد صَلَاة التَّرَاوِيح عشرُون رَكْعَة) مَالك: عَن يزِيد بن رُومَان أَنه قَالَ: " كَانَ النَّاس يقومُونَ فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ فِي رَمَضَان بِثَلَاث وَعشْرين رَكْعَة ". (وَالثَّلَاث) الزَّائِدَة على الْعشْرين (كَانَت) صَلَاة الْوتر، وَالله أعلم.

стр. 250

(بَاب يسْجد للسَّهْو فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بعد السَّلَام) أَبُو دَاوُد: عَن عبد الله بن جَعْفَر أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من شكّ فِي صلَاته فليسجد سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يسلم ". " وَعنهُ: عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير، عَن أَبِيه، عَن ثَوْبَان ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لكل سَهْو سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يسلم ". فَإِن قيل: فِي سَنَد الحَدِيث الأول مُصعب وَهُوَ مُنكر الحَدِيث، وَعتبَة بن مُحَمَّد وَهُوَ لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَفِي الحَدِيث الثَّانِي إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش. قيل لَهُ: مُصعب بن شيبَة احْتج بِهِ مُسلم فِي صَحِيحه، وَقَالَ يحيى بن معِين مُصعب بن شيبَة ثِقَة، وَإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَثَّقَهُ يحيى بن معِين. (بَاب إِذا صلى الظّهْر خمْسا وَلم يقْعد فِي الرَّابِعَة بَطل فَرْضه) لِأَنَّهُ (استحكم) شُرُوعه فِي النَّافِلَة قبل (إِكْمَال أَرْكَان) الْمَكْتُوبَة، وَمن

стр. 251

ضَرُورَته خُرُوجه عَن الْفَرْض، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: " أحب إِلَيّ أَن يُعِيدهَا ". فَإِن قيل: " صلى النَّبِي [ ﷺ ] خمْسا فَسجدَ للسَّهْو وَلم يعد صلَاته " قيل لَهُ: يحْتَمل أَنه قعد فِي (الرَّابِعَة) / وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا يمْنَع من هَذَا. فَإِن قيل: قَالَ الْخطابِيّ: " وَقد قَالَ بعض من صَار إِلَى ظَاهر هَذَا الحَدِيث: لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] قعد فِي الرَّابِعَة أَو لم يكن، فَإِن كَانَ (قد) قعد فِيهَا فَلم يضف إِلَيْهَا سادسة، وَإِن كَانَ لم يقْعد فِيهَا فَلم يسْتَأْنف (الصَّلَاة) ". قيل لَهُ: قد قُلْنَا (يحْتَمل أَنه) قعد فِي الرَّابِعَة، وَإِضَافَة رَكْعَة سادسة إِلَيْهَا لَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْهِ عندنَا بِحَيْثُ لَو تَركهَا يجب قَضَاؤُهَا، بل الأولى أَن يضم إِلَيْهَا رَكْعَة سادسة لتصير الركعتان نفلا، لِأَن التَّنَفُّل بالركعة الْوَاحِدَة لَيْسَ بمشروع، وَفعله ﵇ يحْتَمل أَن يكون كَانَ قبل النَّهْي عَن التَّنَفُّل بِرَكْعَة وَاحِدَة، فَإِن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قد روى مُرْسلا: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] نهى عَن البتيراء ". قَالَ أَصْحَابنَا: وَهِي الرَّكْعَة الْوَاحِدَة. وَهَذَا الحَدِيث نقلته من تَعْلِيق مُحَمَّد بن يحيى الشَّافِعِي ﵀.

стр. 252

(بَاب سُجُود التِّلَاوَة وَاجِب) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قرئَ عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ﴾ ، وَهَذَا يدل على وجوب السَّجْدَة، إِلَّا أَن ظَاهره يَقْتَضِي وجوب السُّجُود عِنْد سَماع سَائِر الْقُرْآن إِلَّا (أَنا) خصصنا مِنْهُ مَا عدا مَوَاضِع السُّجُود واستعملناه فِي مَوَاضِع السُّجُود بِعُمُوم اللَّفْظ، لأَنا لَو لم نستعلمه على ذَلِك كُنَّا قد ألغينا حكمه رَأْسا. " فَإِن قيل: إِنَّمَا أَرَادَ الخضوع. قيل لَهُ: هُوَ كَذَلِك لكنه خضوع مَخْصُوص على (وصف) وَهُوَ وضع الْجَبْهَة على الأَرْض، كَمَا أَن الرُّكُوع وَالْقِيَام وَالصِّيَام وَالْحج وَسَائِر الْعِبَادَات خضوع وَلَا يُسمى سجودا لِأَنَّهُ خضوع على صفة إِذا خرج عَنْهَا لم يسم بِهِ. مُسلم: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا قَرَأَ ابْن آدم السَّجْدَة فَسجدَ اعتزل الشَّيْطَان يبكي يَقُول: يَا ويله، وَفِي رِوَايَة: يَا ويلتى، أَمر ابْن آدم بِالسُّجُود فَسجدَ فَلهُ الْجنَّة، وَأمرت بِالسُّجُود فأبيت فلي النَّار ". (وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث: تَشْبِيه إِبْلِيس إباءه، بسجوده لآدَم، وَسُجُوده لآدَم كَانَ وَاجِبا (عَلَيْهِ) فَكَذَا هَذَا.

стр. 253

فَإِن قيل: يجوز أَن يكون / أَرَادَ المشابهة فِي كَونه سجودا فَذكر مَا سلف لَهُ وَلم يرد المشابهة فِي الْأَحْكَام. قيل: ظَاهره المشابهة فِي الْأَحْكَام، وَلِهَذَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار اللَّذين يكونَانِ جَزَاء لمن أطَاع، (وَجَزَاء) لمن عصى، ثمَّ وَإِن سلمنَا فقد قَالَ: أَمر بِالسُّجُود، وَالْمَنْدُوب إِلَيْهِ غير مَأْمُور بِهِ. فَإِن قيل: إِنَّمَا يكون هَذَا فِيمَا ورد من أَمر الله تَعَالَى أَو حَكَاهُ الرَّسُول عَن ربه، وَأما هَذَا فَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَن إِبْلِيس، وَقد يكون مخطئا فِي تَعْبِيره عَن ذَلِك بِالْأَمر فَلَا يحْتَج بقوله، كَمَا أَخطَأ فِي قَوْله محتجا لفضيلته بِزَعْمِهِ: ﴿أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ ، إِلَّا أَن يَقُول قَائِل: (إِن أَخذ) النَّبِي [ ﷺ ] ذَلِك عَنهُ وَلم يُنكره كَالْإِقْرَارِ لَهُ التصويب، فَمَا ذَاك ببين فقد حكى الله تَعَالَى وَحكى هُوَ ﵇ عَن أهل الْكفْر مقالات كَثِيرَة وَلم يكن ذَلِك تصويبا لَهَا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي قَوْله: " فَلهُ الْجنَّة " دَلِيل على وُجُوبهَا، إِذْ لَيْسَ كل مَا يدْخل بِفِعْلِهِ الْجنَّة وَاجِبا، فالمندوب يُثَاب عَلَيْهِ بِالْجنَّةِ وَلَيْسَ بِوَاجِب) . فَإِن قيل: روى البُخَارِيّ: عَن عَطاء بن يسَار: " أَنه سَأَلَ زيد بن ثَابت فَزعم أَنه قَرَأَ على النَّبِي [ ﷺ ] النَّجْم فَلم يسْجد فِيهَا ". قيل لَهُ: يحْتَمل أَنه ﵇ لم يسْجد فِي تِلْكَ الْحَال لأحد أَمريْن: إِمَّا لِأَن زيد بن ثَابت لما قَرَأَ عَلَيْهِ لم يسْجد، وَالْمُسْتَحب أَن يسْجد الْقَارئ أَولا ثمَّ يسْجد السَّامع. قَالَ البُخَارِيّ: " وَقَالَ ابْن مَسْعُود لتميم بن حذلم - وَهُوَ غُلَام - فَقَرَأَ

стр. 254

عَلَيْهِ سَجْدَة فَقَالَ: اسجد فَإنَّك إمامنا فِيهَا ". وَقَالَ أَبُو دَاوُد: " كَانَ (زيد الإِمَام) فَلم يسْجد ". وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ على غير وضوء، وَلم يكن النَّبِي [ ﷺ ] يمْتَنع من إقراء الْقُرْآن حَالَة الْحَدث الْأَصْغَر. قَالَ عَليّ ﵁: " كَانَ رَسُول الله يقرئنا الْقُرْآن على كل حَال مَا لم يكن جنبا ". وَيحْتَمل أَن يكون ترك السُّجُود لِأَنَّهُ لم يكن وَاجِبا، وَإِذا احْتمل تَركه السُّجُود (هَذِه) الْمعَانِي فَلَا يتَعَيَّن (أَحدهَا) إِلَّا بِدَلِيل. وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان الثَّوْريّ. وَقَالَ مَالك: " وَمن جلس إِلَى قَارِئ يسمع قِرَاءَته فَمر بِسَجْدَة فَسجدَ فِيهَا سجد السَّامع مَعَه، وَإِن لم يكن جلس إِلَيْهِ لَا يسْجد ". (بَاب سَجْدَة ص من عزائم السُّجُود) لِأَنَّهَا مَكْتُوبَة فِي مصحف / عُثْمَان ﵁. فَإِن قيل: فقد روى البُخَارِيّ وَغَيره: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " ص (لَيست) من عزائم السُّجُود، وَقد رَأَيْت النَّبِي [ ﷺ ] يسْجد فِيهَا. قيل لَهُ: (الْحجَّة) فِي فعل النَّبِي [ ﷺ ] لَا فِي قَول ابْن عَبَّاس، لجَوَاز أَن يكون قَالَه عَن اجْتِهَاد.

стр. 255

وَقد روى أَبُو دَاوُد: عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ أَن رَسُول الله أقرأه خمس عشرَة سَجْدَة فِي الْقُرْآن، مِنْهَا ثَلَاث فِي الْمفصل وَفِي سُورَة الْحَج سَجْدَتَانِ ". (فَبين) بِهَذَا أَن فِي ص سَجْدَة. وَإِلَى هَذَا ذهب مَالك وسُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق ﵏. (بَاب السَّجْدَة الأولى فِي الْحَج هِيَ الْمُعْتَبرَة دون الْأَخِيرَة) لِأَنَّهَا لم تكْتب فِي مصحف عُثْمَان ﵁، فَإِن قيل: فقد روى التِّرْمِذِيّ: عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ: " قلت: يَا رَسُول الله [ ﷺ ] فضلت سُورَة الْحَج (بِأَن) فِيهَا سَجْدَتَيْنِ قَالَ: نعم، وَمن لم يسجدهما (لم) يقرأهما ".

стр. 256

قيل لَهُ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ. وَإِلَى هَذَا ذهب مَالك وسُفْيَان الثَّوْريّ رحمهمَا الله. (بَاب إِذا أَرَادَ السُّجُود كبر وَلم يرفع يَدَيْهِ) أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يقْرَأ علينا الْقُرْآن فَإِذا مر بِالسَّجْدَةِ كبر (وَسجد) وسجدنا مَعَه ". (بَاب لَا تقصر الصَّلَاة فِي أقل من ثَلَاثَة أَيَّام) لما روى مُسلم من قَوْله ﵇: " يمسح الْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن ". (وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث: أَن النَّبِي [ ﷺ ] رخص لكل مُسَافر أَن يمسح ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، لِأَن الْألف وَاللَّام فِي الْمُسَافِر لاستغراق الْجِنْس، فَلَو قُلْنَا بِأَن مُدَّة السّفر أقل من ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن لم تعم الرُّخْصَة لكل مُسَافر .

стр. 257

فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن يحيى بن يزِيد الْهنائِي قَالَ: سَأَلت أنس بن مَالك ﵁ عَن قصر الصَّلَاة فَقَالَ أنس: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا خرج مسيرَة ثَلَاثَة أَمْيَال أَو ثَلَاثَة فراسخ - شُعْبَة شكّ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ". قيل لَهُ: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِتَقْدِير لمُدَّة السّفر، فَإِن أحدا من الْفُقَهَاء / لم يقل بِهِ فِيمَا أعلم، فَيحمل على أَن أنسا ﵁ أَرَادَ بذلك أَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ يَبْتَدِئ الْقصر إِذا بلغ هَذَا الْمِقْدَار، وَالله أعلم. (بَاب صَلَاة السّفر رَكْعَتَيْنِ لَا يجوز لَهُ الزِّيَادَة عَلَيْهِمَا) البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ: عَن عَائِشَة ﵂: " أَن الصَّلَاة أول مَا فرضت رَكْعَتَيْنِ، فأقرت صَلَاة السّفر (وأتمت) صَلَاة الْحَضَر ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: " وَزيد فِي صَلَاة الْحَضَر ". زَاد البُخَارِيّ: " قَالَ الزُّهْرِيّ: فَقلت لعروة: مَا بَال عَائِشَة تتمّ؟ قَالَ تأولت مَا تَأَول عُثْمَان ". وَقد روى الطَّحَاوِيّ: عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: " إِنَّمَا صلى عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ

стр. 258

بمنى أَرْبعا لِأَنَّهُ أزمع على الْمقَام بعد الْحَج ". فَإِن قيل: فقد روى عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: " إِنَّمَا صلى عُثْمَان أَرْبعا لِأَن الْأَعْرَاب كَانُوا (أَكثر) فِي ذَلِك الْعَام، فَأَرَادَ أَن يُخْبِرهُمْ أَن الصَّلَاة أَربع " قيل لَهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ: " والتأويل الأول أشبه عندنَا، لِأَن الْأَعْرَاب كَانُوا بالصلوات وأحكامها فِي زمن النَّبِي [ ﷺ ] أَجْهَل مِنْهُم بهَا وبحكمها فِي زمن عُثْمَان، وهم بِأَمْر الْجَاهِلِيَّة حِينَئِذٍ أحدث عهدا، فهم كَانُوا فِي زمن النَّبِي [ ﷺ ] إِلَى الْعلم بالفرائض أحْوج مِنْهُم إِلَى ذَلِك فِي زمن عُثْمَان، فَلَمَّا لم يتم الصَّلَاة لتِلْك الْعلَّة وَلَكِن قصرهَا ليصلوا مَعَه صَلَاة السّفر على حكمهَا وَيُعلمهُم كَيفَ صَلَاة الْحَضَر ". فَكَانَ الْأَصَح من ذَلِك (هُوَ) أَنه من أجل نِيَّته الْإِقَامَة. فَإِذا صَحَّ أَن عَائِشَة كَانَت (تتمّ الصَّلَاة، فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون كَانَت) لَا تحضرها صَلَاة (إِلَّا نَوَت) إِقَامَة فِي ذَلِك الْمَكَان فَيكون إِتْمَامهَا فِي حكم المقيمين. مُسلم: عَن عِيسَى بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، عَن أَبِيه: " صَحِبت ابْن عمر فِي طَرِيق مَكَّة (قَالَ) فصلى لنا الظّهْر رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ أقبل وأقبلنا مَعَه حَتَّى جَاءَ رَحْله وَجلسَ وَجَلَسْنَا مَعَه، فحانت مِنْهُ التفافة حَيْثُ صلى فَرَأى نَاسا قيَاما، قَالَ: مَا يصنع هَؤُلَاءِ؟ قلت: يسبحون، قَالَ: لَو كنت مسبحا لأتممت

стр. 259

صَلَاتي، يَا ابْن أخي إِنِّي صَحِبت / رَسُول الله [ ﷺ ] فِي السّفر فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه الله ، وصحبت أَبَا بكر فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه الله ، وصحبت عمر فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه الله ، وصحبت عُثْمَان فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه الله ، وَقد (قَالَ الله: لقد) كَانَ لكم فِي رَسُول الله [ ﷺ ] أُسْوَة حَسَنَة ". فَلَو جَازَ الْإِتْمَام لفعله رَسُول الله [ ﷺ ] مرّة بَيَانا للْجُوَاز، ثمَّ إِن قَوْله [ ﷺ ] : " صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته ". أَمر وَالْأَمر للْوُجُوب. وَيُؤَيّد هَذَا مَا روى مُسلم: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " فرض الله الصَّلَاة على لِسَان نَبِيكُم [ ﷺ ] فِي الْحَضَر أَرْبعا، وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْف رَكْعَة ". (ذكر مَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الْغَرِيب:) يسبحون: يتطوعون (والسبحة) صَلَاة التَّطَوُّع. (بَاب كَيْفيَّة الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر) لَا يجوز الْجمع بَين صَلَاة الظّهْر وَالْعصر فِي السّفر، بِأَن يعجل الْعَصْر عَن وَقتهَا وَيجمع بَينهَا وَبَين الظّهْر فِي وَقتهَا. وَلَا يجوز تَأْخِير الظّهْر إِلَى أَن يدْخل وَقت الْعَصْر

стр. 260

فَيجمع بَينهمَا فِي وَقت الْعَصْر إِلَّا من عذر لقَوْله تَعَالَى: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات﴾ ، أَي أدوها فِي مواقيتها، (وَقَالَ) تَعَالَى: ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ ، أَي فرضا مؤقتا. البُخَارِيّ: عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا ارتحل قبل أَن تزِيغ الشَّمْس أخر الظّهْر إِلَى وَقت الْعَصْر ثمَّ يجمع بَينهمَا، وَإِذا زاغت صلى الظّهْر ثمَّ ركب ". وَعنهُ: عَن عبد الله بن عمر ﵁ قَالَ: " رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا عجله السّير فِي السّفر (يُؤَخر) صَلَاة الْمغرب حَتَّى يجمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء " وَكَانَ عبد الله يَفْعَله إِذا (أعجله) السّير وَيُقِيم الْمغرب فيصليها ثَلَاثًا ثمَّ يسلم، ثمَّ قل مَا يلبث حَتَّى يُقيم الْعشَاء فيصليها رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يسلم، وَلَا يسبح بَينهمَا بِرَكْعَة، وَلَا بعد الْعشَاء بِسَجْدَة حَتَّى يقوم من جَوف اللَّيْل. التِّرْمِذِيّ: " عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵄ أَنه استغيث على بعض

стр. 261

أَهله فجد بِهِ السّير وَأخر الْمغرب / حَتَّى غَابَ الشَّفق، ثمَّ نزل فَجمع بَينهمَا، ثمَّ أخبر أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ يفعل ذَلِك إِذا جد بِهِ السّير ". قَالَ أَبُو عِيسَى: (هَذَا) حَدِيث حسن صَحِيح. فَإِن قيل: فقد روى التِّرْمِذِيّ: عَن قُتَيْبَة بن سعيد، عَن اللَّيْث بن سعد، عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن أبي الطُّفَيْل، عَن معَاذ بن جبل، " أَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك إِذا ارتحل (قبل زيغ الشَّمْس أخر الظّهْر (حَتَّى) يجمعها إِلَى الْعَصْر فيصليهما جَمِيعًا (ثمَّ سَار، وَكَانَ) إِذا ارتحل) (بعد زيغ الشَّمْس (عجل الْعَصْر إِلَى الظّهْر) وَصلى الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا ثمَّ سَار، وَكَانَ إِذا ارتحل) قبل الْمغرب أخر الْمغرب حَتَّى يُصليهَا مَعَ الْعشَاء، وَإِذا ارتحل بعد الْمغرب عجل الْعشَاء فيصليها مَعَ الْمغرب. قيل لَهُ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: تفرد بِهِ قُتَيْبَة، لَا نَعْرِف أحدا رَوَاهُ عَن اللَّيْث غَيره، وَحَدِيث اللَّيْث، عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن أبي الطُّفَيْل، عَن معَاذ (حَدِيث غَرِيب. وَالْمَعْرُوف عِنْد أهل الْعلم حَدِيث معَاذ من حَدِيث (أبي الزبير) ، عَن أبي الطُّفَيْل، عَن معَاذ) : أَن النَّبِي [ ﷺ ] جمع فِي غَزْوَة تَبُوك بَين الظّهْر وَالْعصر و (بَين) الْمغرب وَالْعشَاء. قلت: وَقَالَ الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث: " هَذَا الحَدِيث شَاذ الْإِسْنَاد والمتن،

стр. 262

وأئمة الحَدِيث إِنَّمَا سَمِعُوهُ من قُتَيْبَة تَعَجبا من إِسْنَاده وَمَتنه، فَنَظَرْنَا فَإِذا الحَدِيث مَوْضُوع وقتيبة ثِقَة مَأْمُون. قَالَ الْحَاكِم بِسَنَدِهِ إِلَى البُخَارِيّ يَقُول: قلت لقتيبة مَعَ من كتبت عَن اللَّيْث بن (سعد) حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الطُّفَيْل؟ قَالَ: كتبته مَعَ خَالِد الْمَدَائِنِي. قَالَ البُخَارِيّ: وَكَانَ خَالِد الْمَدَائِنِي يدْخل الْأَحَادِيث على الشُّيُوخ. قَالَ الْحَاكِم: وَلم نجد ليزِيد بن أبي حبيب، عَن أبي (الطُّفَيْل) رِوَايَة، وَلَا وجدنَا هَذَا الْمَتْن بِهَذَا (السِّيَاق) عَن أحد من أَصْحَاب أبي الطُّفَيْل، وَلَا عِنْد أحد مِمَّن روى عَن معَاذ بن جبل (غير أبي الطُّفَيْل) . وخَالِد هَذَا هُوَ أَبُو الْهَيْثَم (خَالِد بن الْقَاسِم) الْمَدَائِنِي، مَتْرُوك الحَدِيث، وَقَالَ ابْن عدي الْجِرْجَانِيّ: " لَهُ عَن اللَّيْث بن سعد غير حَدِيث مُنكر، وَاللَّيْث يروي من رِوَايَة خَالِد تِلْكَ الْأَحَادِيث. / وَحكي عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ: " لَيْسَ فِي تَقْدِيم الْوَقْت حَدِيث يثبت ". قلت: يُؤَيّد هَذَا مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيح عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " مَا صلى رَسُول الله [ ﷺ ] قطّ صَلَاة لغير وَقتهَا إِلَّا الْمغرب وَالصُّبْح بِمُزْدَلِفَة ".

стр. 263

(بَاب لَا تُقَام الْجُمُعَة إِلَّا فِي مصر فِيهِ قَاض ووال يقيمان الْحُدُود وينفذان الْأَحْكَام) لِأَن فِي زمن النَّبِي [ ﷺ ] لم تقم الْجُمُعَة بقرية. فَإِن قيل: روى البُخَارِيّ (وَغَيره) : عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " إِن أول جُمُعَة جمعت بعد جُمُعَة فِي مَسْجِد رَسُول الله [ ﷺ ] فِي مَسْجِد عبد الْقَيْس بجواثاء من الْبَحْرين ". وَفِي لفظ غَيره: " بجواثاء قَرْيَة من قرى الْبَحْرين ". وروى ابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد: عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك - وَكَانَ قَائِد أَبِيه بَعْدَمَا ذهب بَصَره - عَن أَبِيه كَعْب بن مَالك: " أَنه كَانَ إِذا سمع النداء يَوْم الْجُمُعَة ترحم (لأسعد بن زُرَارَة) ، فَقلت لَهُ: إِذا سَمِعت النداء ترحمت لأسعد بن زُرَارَة، قَالَ:

стр. 264

لِأَنَّهُ أول من جمع بِنَا فِي هزم النبيت من حرَّة بني بياضة فِي نَقِيع (الْخضمات) ، قلت: كم أَنْتُم يَوْمئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ ". قيل لَهُ: جواثاء يحْتَمل أَنَّهَا كَانَت مَدِينَة وتسميتها قَرْيَة لَا يُخرجهَا عَن كَونهَا مَدِينَة، فَإِن الْمَدِينَة تسمى قَرْيَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أم الْقرى﴾ و ﴿لَوْلَا نزل هَذَا الْقُرْآن على رجل من القريتين عَظِيم﴾ . وهما مَكَّة والطائف، وَهزمَ النبيت وَإِن كَانَ قَرْيَة لَكِن الظَّاهِر أَن أسعد بن زُرَارَة لم يجمع بهم إِلَّا بعد رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَأما فِي زمَان النَّبِي [ ﷺ ] فَلم تقم جُمُعَة إِلَّا فِي مَسْجده [ ﷺ ] . يُؤَيّد هَذَا أَن عَائِشَة قَالَت: " كَانَ النَّاس ينتابون الْجُمُعَة من مَنَازِلهمْ وَمن العوالي " وَأقرب العوالي من الْمَدِينَة على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَهزمَ النبيت على ميل، فَإِذا جَاءُوا من العوالي فمجيئهم من هزم النبيت أولى. (فَإِن قلت) : إِنَّمَا لم تقم فِي قرب الْمَدِينَة لينالوا فَضِيلَة الصَّلَاة مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] /. قلت: كَانَ أَمر بهَا فِي الْقرى النائية عَن الْمَدِينَة، لِأَنَّهُ يشق عَلَيْهِم الْحُضُور ويتعذر عَلَيْهِم إِدْرَاك الْفَضِيلَة، فَلَمَّا لم يَأْمر بهَا دلّ على عدم الْجَوَاز إِذْ لَو جَازَ لأمر بهَا وَفعلت، كَمَا أَمر بِإِقَامَة الْجَمَاعَة فِي مَسَاجِد الْمَدِينَة، وَصلي فِيهَا مَعَ فَوَات فَضِيلَة الصَّلَاة مَعَه [ ﷺ ] . وَإِلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ ذهب سَحْنُون من أَصْحَاب مَالك ﵀.

стр. 265

(ذكر مَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الْغَرِيب:) هزم النبيت: ضَبطه بهاء مَضْمُومَة وزاي مَفْتُوحَة وَمِيم، وَهِي الشقوق الَّتِي فِي الأَرْض، وَمِنْه قَوْله [ ﷺ ] : " فَاجْتَنبُوا هزم الأَرْض فَإِنَّهَا مأوى الْهَوَام "، (وَهُوَ) مَوضِع بِالْمَدِينَةِ. والحرة: أَرض بَين جبلين ذَات حِجَارَة سود. وَبني بياضة: قَرْيَة على ميل من الْمَدِينَة. ونقيع (الْخضمات) من أَوديَة الْحجاز يدْفع سيله إِلَى الْمَدِينَة. (بَاب لَا يشْتَرط أَن تكون الْجَمَاعَة الَّتِي تُقَام (بهَا) الْجُمُعَة أَرْبَعِينَ) لِأَنَّهُ لَا دلَالَة عَلَيْهَا من كتاب وَلَا سنة وَلَا قِيَاس. فَإِن قيل: " بِأَن النَّبِي [ ﷺ ] حِين قدم الْمَدِينَة جمع بِأَرْبَعِينَ (رجلا) " قيل لَهُ: (هَذَا) لَا يثبت، وَلَئِن ثَبت فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على الِاشْتِرَاط.

стр. 266

(بَاب من أدْرك الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة صلى مَعَه مَا أدْرك وَبنى (عَلَيْهِ) الْجُمُعَة وَلَو كَانَ فِي التَّشَهُّد أَو فِي سُجُود السَّهْو) البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " إِذا (أُقِيمَت) الصَّلَاة فَلَا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وَعَلَيْكُم السكينَة، فَمَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا ". وَرُوِيَ: " فاقضوا "، وكلا اللَّفْظَيْنِ صَحِيح. وَالْألف وَاللَّام للاستغراق، و " مَا " من أَلْفَاظ الْعُمُوم، فَإِن نَظرنَا إِلَى قَوْله: " فَأتمُّوا " فالإتمام وَاقع على (بَاقٍ من شَيْء تقدم) سائره، وَمَا تقدم جُمُعَة فَوَجَبَ إِتْمَامهَا (جُمُعَة) ، وَإِن نَظرنَا إِلَى قَوْله: " فاقضوا " فالقضاء فعل مثل الْفَائِت والفائت شَيْء من الْجُمُعَة فَوَجَبَ قَضَاؤُهُ. فَإِن قيل: قد رُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ وَعبد الله بن عمر ﵄: " من أدْرك رَكْعَة من الْجُمُعَة فليضف إِلَيْهَا رَكْعَة أُخْرَى ".

стр. 267

قيل لَهُ: / هَذَا حَدِيث لَا يَصح إِسْنَاده، وَإِن صَحَّ فدلالته مَقْصُورَة على أَن من أدْرك رَكْعَة من الْجُمُعَة أضَاف إِلَيْهَا أُخْرَى، وَلم يتَعَرَّض لمن أدْرك دون الرَّكْعَة. (بَاب إِذا خرج الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة ترك النَّاس الصَّلَاة وَالْكَلَام حَتَّى يفرغ من خطبَته) لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا﴾ ، قيل نزلت فِي اسْتِمَاع الْخطْبَة، فَلَو اشْتغل بِكَلَام أَو صَلَاة رُبمَا اسْتمرّ فَخَطب وَهُوَ فِي صلَاته أَو حَدِيثه فيفوته الْإِنْصَات أَو الِاسْتِمَاع، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " إِذا قلت لصاحبك يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب أنصت فقد لغوت ". فَإِذا كَانَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر المفروضان يحرمان فِي الْخطْبَة، فَصَلَاة (النَّفْل) أولى، وَلِأَنَّهُ لَو دخل وَالْإِمَام يُصَلِّي لَا يرْكَع، وَالْخطْبَة شَبيهَة بِالصَّلَاةِ.

стр. 268

وَأما حَدِيث سليك الْغَطَفَانِي وَأَنه ﵇ كَلمه فِي الْخطْبَة، وَقَالَ لَهُ: " قُم فاركع "، فَإِن النَّبِي [ ﷺ ] لما كَلمه سقط عَنهُ فرض الِاسْتِمَاع، (إِذْ) لم يكن هُنَاكَ ذَلِك الْوَقْت قَول إِلَّا مخاطبته ﵇، وسؤاله لَهُ، وَأمره إِيَّاه بِالصَّلَاةِ. وَقيل إِنَّه كَانَ مُحْتَاجا فَأَرَادَ النَّبِي [ ﷺ ] أَن يُرِيهم إِيَّاه ليعلموا حَاله ويتصدقوا عَلَيْهِ. الطَّحَاوِيّ: عَن (أبي الزَّاهِرِيَّة عَن) عبد الله بن بسر قَالَ: كنت جَالِسا إِلَى جنبه يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ: جَاءَ رجل يتخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] : " اجْلِسْ فقد آذيت ". فقد أمره بِالْجُلُوسِ وَلم يَأْمُرهُ بِالصَّلَاةِ. وَعنهُ: عَن عَليّ بن عَاصِم، عَن الْحذاء (أَن أَبَا قلَابَة جَاءَ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فَجَلَسَ وَلم يصل. وَعنهُ: عَن أبي المصعب، عَن عقبَة) بن عَامر قَالَ: الصَّلَاة وَالْإِمَام على الْمِنْبَر مَعْصِيّة ". وَعنهُ: عَن ابْن شهَاب، عَن ثَعْلَبَة بن أبي مَالك الْقرظِيّ: " أَن جُلُوس الإِمَام على الْمِنْبَر يقطع الصَّلَاة، وَكَلَامه يقطع الْكَلَام، وَقَالَ: إِنَّهُم كَانُوا يتحدثون حِين يجلس عمر على الْمِنْبَر حَتَّى يسكت الْمُؤَذّن فَإِذا قَامَ على الْمِنْبَر لم يتَكَلَّم أحد حَتَّى يقْضِي خطبتيه كلتيهما، ثمَّ إِذا نزل عمر عَن الْمِنْبَر / وَقضى خطبَته تكلمُوا ".

стр. 269

(ذكر مَا فِي الحَدِيث الأول من الْغَرِيب:) لغوت: قَالَ الْهَرَوِيّ: يُقَال لغوت ألغو وألغى ولغى ويلغى، وَقَوله تَعَالَى: ﴿والغوا فِيهِ﴾ هُوَ من لغى إِذا تكلم بِمَا لَا محصول لَهُ. (بَاب مَا يصلى قبل الْجُمُعَة وَبعدهَا) أَبُو دَاوُد: عَن عَطاء: " أَنه رأى ابْن عمر ﵁ يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة فيماز عَن مُصَلَّاهُ الَّذِي صلى الْجُمُعَة فِيهِ قَلِيلا غير كثير، فيركع رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يمشي أنفس من ذَلِك فيركع أَربع رَكْعَات ". الطَّحَاوِيّ: عَن جبلة بن سحيم، عَن عبد الله بن عمر ﵄: " أَنه كَانَ يُصَلِّي قبل الْجُمُعَة أَرْبعا لَا يفصل بَينهُنَّ بِسَلام، ثمَّ بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَرْبعا ". (ذكر مَا فِي الْأَثر الأول من الْغَرِيب:) فيماز / ضَبطه بفاء مَفْتُوحَة وياء مُعْجمَة بِاثْنَتَيْنِ من تَحت مَفْتُوحَة وَمِيم مُشَدّدَة وَألف وزاي. قَالَ الْخطابِيّ: " مَعْنَاهُ "، يُفَارق مقَامه الَّذِي صلى فِيهِ، من قَوْلك (مزت) الشَّيْء (عَن الشي) إِذا فرقت بَينهمَا، وَقَوله: " أنفس من ذَلِك " يُرِيد أبعد قَلِيلا

стр. 270

(بَاب غسل الْجُمُعَة سنة) التِّرْمِذِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ أَتَى الْجُمُعَة فَدَنَا واستمع وأنصت غفر الله لَهُ مَا بَينه وَبَين الْجُمُعَة وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام، وَمن مس الْحَصَا فقد لَغَا ". (قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا) حَدِيث حسن صَحِيح. (وَعنهُ: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة فبها ونعمت، وَمن اغْتسل، فالغسل أفضل ". حَدِيث حسن) . (ذكر مَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الْغَرِيب:) (فبها ونعمت:) أَي فبهذه الطَّرِيقَة الْكِفَايَة ونعمت الْكِفَايَة. وَقَالَ (ابْن) الصّباغ من أَصْحَاب الشَّافِعِي: " فبالفضيلة أَخذ ونعمت (الْخلَّة) . وَعَن الْأَصْمَعِي (قَالَ) : " فبالسنة أَخذ ونعمت الْخصْلَة ".

стр. 271

فَإِن قيل: فقد صَحَّ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من أَتَى الْجُمُعَة فليغتسل ". قيل لَهُ: لَيْسَ هَذَا على الْوُجُوب بل على النّدب بِدَلِيل مَا روى أَبُو دَاوُد: عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَانَ النَّاس مهان أنفسهم فيروحون / (إِلَى الْجُمُعَة) بهيئتهم، فَقيل لَهُم لَو اغتسلتم ". وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " بَيْنَمَا عمر ﵁ يخْطب بِالنَّاسِ يَوْم الْجُمُعَة إِذْ دخل عُثْمَان ﵁، فَعرض بِهِ عمر فَقَالَ: مَا بَال رجال يتأخرون بعد النداء، فَقَالَ عُثْمَان: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا زِدْت حِين سَمِعت النداء أَن تَوَضَّأت ثمَّ أَقبلت، فَقَالَ عمر: وَالْوُضُوء أَيْضا، ألم تسمع رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: إِذا جَاءَ أحدكُم الْجُمُعَة فليغتسل ". وَهَذَا يدل على أَن الْغسْل لَيْسَ بِوَاجِب، وَإِلَّا لما خَفِي على عُثْمَان، وَلما تَركه عمر بل كَانَ رده حَتَّى يغْتَسل.

стр. 272

(بَاب صَلَاة الْعِيد وَاجِبَة) لقَوْله تَعَالَى: ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ ، وَلِأَن النَّبِي [ ﷺ ] واظب عَلَيْهَا (وَلم يَتْرُكهَا) . (بَاب التَّكْبِيرَات الزَّوَائِد فِي الْعِيد ثَلَاث فِي كل رَكْعَة) أَبُو دَاوُد: عَن مَكْحُول وَهُوَ أَبُو عبد الله الْهُذلِيّ، مَوْلَاهُم، الدِّمَشْقِي، أخرج لَهُ مُسلم فِي صَحِيحه - قَالَ: " أَخْبرنِي أَبُو عَائِشَة - جليس لأبي هُرَيْرَة - أَن سعيد بن الْعَاصِ سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان كَيفَ كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يكبر فِي الْأَضْحَى وَالْفطر؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ يكبر (أَرْبعا تكبيره على الْجَنَائِز) ، فَقَالَ حُذَيْفَة: صدق، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَذَلِك كنت أكبر فِي الْبَصْرَة حَيْثُ كنت عَلَيْهِم، وَقَالَ أَبُو عَائِشَة: وَأَنا حَاضر سعيد بن الْعَاصِ ". فَإِن قيل: روى ابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد عَن عَائِشَة ﵂: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ يكبر فِي الْفطر والأضحى، فِي الأولى سبع تَكْبِيرَات، وَفِي الثَّانِيَة

стр. 273

خمْسا " (وَفِي) رِوَايَة: " سوى (تكبيرتي) الرُّكُوع ". قيل لَهُ: فِي إِسْنَاده، عبد الله بن لَهِيعَة وَلَا يحْتَج بحَديثه. وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان الثَّوْريّ وَأهل الْكُوفَة. (بَاب (صَلَاة الْكُسُوف)) صَلَاة الْكُسُوف رَكْعَتَانِ، فِي كل رَكْعَة رُكُوع وَاحِد ويخفي الْقِرَاءَة فِيهَا. أَبُو دَاوُد: عَن ثَعْلَبَة بن عباد الْعَبْدي من أهل الْبَصْرَة أَنه شهد خطْبَة لسمرة بن جُنْدُب ﵁ قَالَ: " قَالَ سَمُرَة: بَينا أَنا وَغُلَام من الْأَنْصَار نرمي غرضين حَتَّى إِذا كَانَت الشَّمْس قيد رُمْحَيْنِ أَو ثَلَاثَة فِي عين النَّاظر من الْأُفق اسودت حَتَّى (آضت) كَأَنَّهَا تنومة، فَقَالَ أَحَدنَا لصَاحبه: انْطلق بِنَا إِلَى الْمَسْجِد فوَاللَّه ليحدثن شَأْن هَذِه الشَّمْس لرَسُول الله [ ﷺ ] فِي أمته حَدثا، قَالَ: فدفعنا فَإِذا هُوَ بأزز

стр. 274

فاستقدم فصلى، فَقَامَ / بِنَا كأطول مَا قَامَ بِنَا فِي صَلَاة قطّ لَا نسْمع لَهُ صَوتا، قَالَ: ثمَّ ركع بِنَا كأطول مَا ركع بِنَا فِي صَلَاة قطّ لَا نسْمع لَهُ صَوتا، قَالَ: ثمَّ سجد بِنَا كأطول مَا سجد بِنَا فِي صَلَاة قطّ، ثمَّ فعل فِي الرَّكْعَة الْأُخْرَى مثل ذَلِك، قَالَ: وَوَافَقَ تجلي الشَّمْس جُلُوسه فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة: قَالَ: ثمَّ سلم، ثمَّ قَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَشهد أَنه عَبده وَرَسُوله ". وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مطولا ومختصرا، وَابْن مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد: عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ: " انكسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَامَ رَسُول الله [ ﷺ ] لم يكد يرْكَع ثمَّ ركع، لم يكد يرفع ثمَّ رفع، فَلم يكد يسْجد ثمَّ سجد، فَلم يكد يرفع ثمَّ رفع، (فَلم يكد يسْجد ثمَّ سجد، فَلم يكد يرفع ثمَّ رفع) ، وَفعل فِي (الرَّكْعَة) الْأُخْرَى مثل ذَلِك، ثمَّ نفخ فِي آخر سُجُوده، فَقَالَ: أُفٍّ أُفٍّ، ثمَّ قَالَ: يَا رب ألم تعدني أَن لَا تُعَذبهُمْ وَأَنا فيهم، ألم تعدني أَنَّك لَا تُعَذبهُمْ وهم يَسْتَغْفِرُونَ، ففرغ رَسُول الله [ ﷺ ] من صلَاته وَقد انمحصت الشَّمْس ". وروى النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد: عَن قبيصَة الْهِلَالِي ﵁ قَالَ: كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَخرج فَزعًا يجر ثَوْبه وَأَنا مَعَه يَوْمئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، فصلى رَكْعَتَيْنِ فَأطَال (فِيهَا) الْقيام ثمَّ انْصَرف وانجلت فَقَالَ: إِنَّمَا هَذِه الْآيَات يخوف الله

стр. 275

عز وَجل بهَا (عباده) ، فَإِذا رأيتموها فصلوا كأحدث صَلَاة صليتموها من الْمَكْتُوبَة ". وَفِي رِوَايَة: " حَتَّى بَدَت النُّجُوم ". فَإِن قيل: فِي الحَدِيث الثَّانِي عَطاء بن السَّائِب. قيل لَهُ: قد وَثَّقَهُ أَبُو أَيُّوب، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ حَدِيثا مَقْرُونا. فَإِن قيل: صَحَّ عَن عَائِشَة ﵂: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَرَأَ قِرَاءَة طَوِيلَة فجهر بهَا، يَعْنِي فِي صَلَاة الْكُسُوف ". قيل لَهُ: عَائِشَة ﵂ قد اخْتلفت الرِّوَايَة عَنْهَا، فَروِيَ أَنَّهَا قَالَت: " كسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] ، فصلى بِالنَّاسِ فحزرت قِرَاءَته فَرَأَيْت أَنه قَرَأَ سُورَة الْبَقَرَة، ثمَّ قَامَ يَعْنِي فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة فَأطَال (للْقِرَاءَة) فحزرت قِرَاءَته فَرَأَيْت أَنه قَرَأَ بِسُورَة آل عمرَان ". وَفِي هَذَا دَلِيل أَنه لم يجْهر. فَإِن قيل: فِي هَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق.

стр. 276

قيل لَهُ: أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا / من حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: " خسفت الشَّمْس فصلى رَسُول الله [ ﷺ ] وَالنَّاس مَعَه، فَقَامَ قيَاما طَويلا بِنَحْوِ من سُورَة الْبَقَرَة ". وَهَذَا يدل على أَنه أسر. (ذكر الْغَرِيب الَّذِي فِي هَذِه الْأَحَادِيث:) كسف وَخسف فِي الشَّمْس وَالْقَمَر جَمِيعًا، وَقيل: الْكُسُوف فِي الْبَعْض والخسوف فِي الْكل، وَقيل: الْكُسُوف (يغيرهما والخسوف يغيبهما) فِي السوَاد، وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة وَهُوَ اللَّيْث يُقَال: خسف فيهمَا كَمَا ذكرنَا، والكسوف فِي الشَّمْس فَقَط، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: خسف الْقَمَر وانكسفت الشَّمْس. وَقيد: بِكَسْر الْقَاف، وقاد، وقاب، قدر رمح. والتنوم: بِفَتْح التَّاء الْمُعْجَمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوق وَتَشْديد النُّون وَضمّهَا وَبعدهَا وَاو سَاكِنة وَمِيم، نوع من نَبَات الأَرْض، فِيهَا وَفِي ثَمَرهَا سَواد قَلِيل. وأف: لَا يكون كلَاما حَتَّى تشدد الْفَاء، والنافخ لَا يشدد الْفَاء وَلَكِن يفشيها من غير إطباق الشّفة على السن. وانمحصت: انجلت، وأصل المحص الخلوص، وَمِنْه تمحيص الذُّنُوب وَهُوَ التطهر مِنْهَا، وتمحص الظلمَة: انكشافها. (بَاب الاسْتِسْقَاء الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار) فَإِن صلى رَكْعَتَيْنِ جَازَ وَاسْتحبَّ، وَإِن لم يصل وَاقْتصر على الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار فقد أَتَى بِسنة الاسْتِسْقَاء.

стр. 277

مُسلم: عَن أنس ﵁ قَالَ: " أصَاب النَّاس قحط على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] ، (فَبَيْنَمَا) هُوَ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة إِذْ قَامَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله هلك الكراع، هلك الشَّاء، فَادع لنا أَن يسقينا، فَمد يَده ودعا، (قَالَ أنس) : وَإِن السَّمَاء لمثل الزجاجة فهاجت ريح، ثمَّ أنشأت سحابا، ثمَّ اجْتمع، ثمَّ أرْسلت (السَّمَاء) عزاليها، فخرجنا نَخُوض المَاء حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازلنَا، فَلم نزل إِلَى الْجُمُعَة الْأُخْرَى، فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِك أَو غَيره فَقَالَ: يَا رَسُول الله تهدمت الْبيُوت، فَادع لنا أَن يحْبسهُ، فَتَبَسَّمَ ثمَّ قَالَ: حوالينا وَلَا علينا، فَنَظَرت إِلَى السَّحَاب يتصدع حول الْمَدِينَة كَأَنَّهُ إكليل ". فَإِن قيل ثَبت أَن النَّبِي [ ﷺ ] صلى فِي الاسْتِسْقَاء. " قيل لَهُ: وَثَبت أَنه لم يصل، وَفعل النَّبِي [ ﷺ ] / لَا يكون سنة إِلَّا إِذا واظب عَلَيْهِ، وَقد تجرأ بعض المتعصبين حِين سمعنَا نقُول: لَيْسَ فِي الاسْتِسْقَاء صَلَاة مسنونة فِي جمَاعَة، وَقَالَ: " إِن النَّبِي [ ﷺ ] صلى رَكْعَتَيْنِ واستسقى، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن صَلَاة الاسْتِسْقَاء بِدعَة ". وَهَذَا كَلَام من لَيْسَ لَهُ دين، حَيْثُ يُطلق علينا هَذَا القَوْل مَعَ جَهله بمذهبنا واصطلاح أَصْحَابنَا فِي (الْعبارَة) ، فَإنَّا إِذا قُلْنَا إِن هَذَا الْفِعْل لَيْسَ بِسنة لَا يلْزم أَن يكون بِدعَة، فَإِن السّنة عندنَا مَا واظب النَّبِي [ ﷺ ] عَلَيْهِ وَلم يتْركهُ إِلَّا مرّة أَو مرَّتَيْنِ بَيَانا للْجُوَاز، وَالْمُسْتَحب مَا فعله مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَلم يواظب عَلَيْهِ بل ندب إِلَيْهِ، والجائز مَا فعله وَلم يواظب عَلَيْهِ وَلم ينْدب إِلَيْهِ، وَنحن نعتقد أَن النَّبِي [ ﷺ ] إِذا صَحَّ عَنهُ أَنه

стр. 278

فعل فعلا وَلم يقم دَلِيل على نسخه وَأطلق أحد عَلَيْهِ أَنه بِدعَة فقد كفر، والبدعة (مَا) لَا يجوز فعلهَا، وَعِنْدنَا لَو صلى واستسقى، أَو لم يصل واستسقى، فقد أَتَى بِسنة الاسْتِسْقَاء. (ذكر مَا فِي الحَدِيث من الْغَرِيب:) الكراع: يذكر وَيُؤَنث وَهُوَ من الْبَقر وَالْغنم بِمَنْزِلَة الوظيف للْفرس وَالْبَعِير، وَهُوَ (مستدق) السَّاق، وَقيل: الكراع اسْم لجَمِيع الْخَيل. وَالشَّاء: جمع شَاة. والعزالي: بِكَسْر اللَّام جمع لعزلاء، وَهِي: فَم المزادة الْأَسْفَل الَّذِي ينصب مِنْهُ المَاء عِنْد تفريغك، والمزادة، الراوية، وَشبه اندفاع الْمَطَر بِالَّذِي يخرج من فَم المزادة ويتصدع: أَي يتفرق ويتقطع. كَأَنَّهُ إكليل: يُرِيد أَن الْغَيْم تقشع عَنْهَا واستدار بآفاقها، كل مَا أحَاط بِشَيْء فَهُوَ إكليل، وَيُسمى التَّاج إكليلا. حوالينا وَلَا علينا: أَي أنزلهُ حوالي الْمَدِينَة فِي مَوضِع النَّبَات، وَلَا علينا فِي الْمَدِينَة وَلَا فِي غَيرهَا من المباني والمساكن. (بَاب كَيْفيَّة صَلَاة الْخَوْف) التِّرْمِذِيّ: عَن سَالم، عَن أَبِيه ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] صلى صَلَاة الْخَوْف بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَة وَالْأُخْرَى مُوَاجهَة الْعَدو، ثمَّ انصرفوا فَقَامُوا مقَام أُولَئِكَ (وَجَاء أُولَئِكَ) فصلى بهم رَكْعَة أُخْرَى، ثمَّ سلم بهم، فَقَامَ هَؤُلَاءِ فقضوا

стр. 279

ركعتهم، وَقَامَ هَؤُلَاءِ فقضوا ركعتهم " / (قَالَ أَبُو عِيسَى) : " هَذَا حَدِيث (حسن) صَحِيح ". وَهُوَ مُوَافق لنَصّ الْكتاب الْعَزِيز. (بَاب الصَّلَاة فِي جَوف الْكَعْبَة) مَالك: عَن عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان قَالَ: " قلت لعمر بن الْخطاب ﵁: كَيفَ صنع رَسُول الله [ ﷺ ] (حِين دخل الْكَعْبَة؟) قَالَ: صلى رَكْعَتَيْنِ. فَإِن قيل: روى البُخَارِيّ وَمُسلم، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي [ ﷺ ] لما قدم مَكَّة أَبى أَن يدْخل الْبَيْت وَفِيه الْآلهَة، فَأمر بهَا فأخرجت، فأخرجوا صُورَة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ﵉ وَفِي أَيْدِيهِمَا الأزلام، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : قَاتلهم الله أما وَالله قد علمُوا (أَنَّهُمَا) لم يستقسما (بهَا) قطّ، فَدخل الْبَيْت فَكبر فِي نواحيه وَلم يصل ". وَعنهُ: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] دخل الْكَعْبَة وفيهَا سِتّ سواري، فَقَامَ عِنْد كل سَارِيَة فَدَعَا وَلم يصل ". قيل لَهُ: مَا استدللنا بِهِ مُثبت وَهَذَا نافي، والمثبت مقدم على النَّافِي، ثمَّ إِن هَذَا يحْتَمل أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] فعله يَوْم الْفَتْح لِأَن فِيهِ ذكر الْأَصْنَام وإخراجها، وَمَا روينَاهُ كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع، فَلَا مضادة بَين الْحَدِيثين.

стр. 280

(ذكر مَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الْغَرِيب:) زلم: بِالتَّحْرِيكِ، الْقدح، وَالْجمع الأزلام وَهِي السِّهَام الَّتِي كَانَت الْجَاهِلِيَّة يستقسمون بهَا. (بَاب إِذا أَرَادوا غسل الْمَيِّت نزعوا ثِيَابه ليمكنهم التَّنْظِيف) فَإِن قيل: " إِن النَّبِي [ ﷺ ] غسل فِي قَمِيصه ". قيل لَهُ: ذَلِك كَانَ من خَصَائِصه. يدل على ذَلِك مَا روى: أَبُو دَاوُد: عَن عباد بن عبد الله بن الزبير ﵁ قَالَ: سَمِعت عَائِشَة ﵂ تَقول: " لما أَرَادوا غسل النَّبِي [ ﷺ ] قَالُوا: وَالله مَا نَدْرِي أنجرد رَسُول الله [ ﷺ ] من ثِيَابه كَمَا نجرد مَوتَانا، أم نغسله وَعَلِيهِ ثِيَابه؟ فَلَمَّا اخْتلفُوا ألْقى الله عَلَيْهِم النّوم حَتَّى مَا مِنْهُم رجل إِلَّا وذقنه فِي صَدره، ثمَّ كَلمهمْ مُكَلم من نَاحيَة الْبَيْت لَا يَدْرُونَ من هُوَ، اغسلوا رَسُول الله [ ﷺ ] وَعَلِيهِ ثِيَابه، فَقَامُوا إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] فغسلوه وَعَلِيهِ (قَمِيص) يصبون المَاء فَوق الْقَمِيص ويدلكونه بالقميص / دون أَيْديهم. وَكَانَت عَائِشَة (تَقول) : " لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا غسله إِلَّا نساؤه ". وَمعنى هَذَا أَي لَو أدركنا أَولا مَا أدركناه آخرا، (يَعْنِي) لَو علمنَا أَن رَسُول الله [ ﷺ ] يغسل بعد الْوَفَاة مَا غسله إِلَّا نَحن.

стр. 281

(بَاب لَا يمضمض الْمَيِّت وَلَا يستنشق لتعذر إِخْرَاج المَاء) فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن أم عَطِيَّة ﵂ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ لَهُنَّ فِي غسل ابْنَته: " ابدأن بيامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا ". قيل لَهُ: مَوَاضِع الْوضُوء هِيَ غير الْأنف والفم. وَالله أعلم. (بَاب يُكفن الرجل فِي ثَلَاثَة أَثوَاب إِزَار وقميص ولفافة) أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " كفن رَسُول الله [ ﷺ ] فِي ثَلَاثَة أَثوَاب نجرانية الْحلَّة، ثَوْبَان وقميصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ". مَالك: (فِي موطئِهِ) ، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قَالَ: " الْمَيِّت يقمص ويؤزر ". وَقد روى الْبَزَّار: " عَن عَليّ ﵇ أَن النَّبِي [ ﷺ ] كفن فِي سَبْعَة أَثوَاب،

стр. 282

يَعْنِي ثَلَاث سحُولِيَّة وقميص وعمامة وَسَرَاويل والقطفية الَّتِي جعلت تَحْتَهُ ". وَإِلَى هَذَا ذهب سُفْيَان ﵀. ذكر الْغَرِيب. سحُولِيَّة: ضَبطه بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم الْحَاء الْمُهْملَة وواو سَاكِنة وَلَام مَكْسُورَة وياء مُشَدّدَة مَفْتُوحَة وهاء. قَالَ الْهَرَوِيّ: يُقَال هِيَ ثِيَاب منسوبة إِلَى قَرْيَة بِالْيمن تسمى سحول، قَالَ: وروى ابْن الْأَعرَابِي، ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة، قَالَ بيض نقية من الْقطن خَاصَّة. وَقَالَ القتيبي: سحُولِيَّة بِضَم السِّين وَهُوَ جمع سحل وَهُوَ ثوب أَبيض. وَهُوَ الَّذِي ذكره فِي مجمع الغرائب وَلم يعزه إِلَى القتيبي (بَاب يقوم الَّذِي يُصَلِّي على الرجل وَالْمَرْأَة بحذاء الصَّدْر) فِي رِوَايَة سبق الإِمَام بالْقَوْل بهَا إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵁، لِأَن الصَّدْر مَوضِع الْقلب وَفِيه نور الْإِيمَان، فالقيام عِنْده إِشَارَة إِلَى الشَّفَاعَة لإيمانه. وَفِي رِوَايَة: يقوم من الرجل بحذاء رَأسه وَمن الْمَرْأَة بحذاء وَسطهَا. لما روى التِّرْمِذِيّ عَن أبي غَالب قَالَ: " صليت مَعَ أنس بن مَالك ﵁ على جَنَازَة رجل فَقَامَ حِيَال رَأسه، ثمَّ جَاءُوا بِجنَازَة امْرَأَة من قُرَيْش، فَقَالُوا يَا أَبَا حَمْزَة صل عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَال وسط السرير، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاء بن زِيَاد: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله / [ ﷺ ] قَامَ مقامك مِنْهَا وَمن الرجل مقامك مِنْهُ، قَالَ: نعم، فَلَمَّا فرغ قَالَ: احْفَظُوا ".

стр. 283

قَالَ الطَّحَاوِيّ: " وَالرِّوَايَة الَّتِي يقوم فِيهَا من الرجل بحذاء رَأسه وَمن الْمَرْأَة بحذاء وَسطهَا أحب إِلَيْنَا لما شدها من الْآثَار الَّتِي رويناها عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ". (بَاب لَا قِرَاءَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة) مَالك: عَن نَافِع: " أَن عبد الله بن عمر ﵄ كَانَ لَا يقْرَأ فِي الصَّلَاة على الجناززة ". وَكفى بِهِ قدوة. فَإِن قيل: روى التِّرْمِذِيّ، عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَرَأَ فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة بِفَاتِحَة الْكتاب ". " قيل لَهُ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: " حَدِيث ابْن عَبَّاس لَيْسَ إِسْنَاده بذلك الْقوي ". وَإِلَى هَذَا ذهب ذهب الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري رَحِمهم الله تَعَالَى. (بَاب لَا يُصَلِّي على ميت فِي مَسْجِد جمَاعَة) أَبُو دَاوُد: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من صلى على جَنَازَة فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء لَهُ ". فَإِن قيل: رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " مَا أسْرع النَّاس إِلَى أَن

стр. 284

يعيبوا مَا لَا علم لَهُم بِهِ، عابوا علينا أَن يمر بالجنازة فِي الْمَسْجِد، مَا صلى رَسُول الله [ ﷺ ] على ابْن بَيْضَاء إِلَّا فِي جَوف الْمَسْجِد ". قيل لَهُ: فِي قَوْلهَا ﵂: مَا أسْرع النَّاس إِلَى أَن يعيبوا. دَلِيل على أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانَ هَذَا عِنْدهم مَكْرُوها وَإِلَّا لما عابوا عَلَيْهَا، وَإِذا (كَانَ كَذَلِك) فَيجوز أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] صلى على سُهَيْل بن بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد وجنازته خَارج الْمَسْجِد، فخفي الْأَمر على عَائِشَة واطلع عَلَيْهِ غَيرهَا من الرِّجَال، أَو نقُول بِأَن الحَدِيث لَا شكّ فِي صِحَّته، وَإِنَّمَا منعنَا من إِدْخَال الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد حسما للذريعة _ (لِأَن) النَّاس كَانُوا يسترسلون فِي ذَلِك حَتَّى يخرجُوا - من إِدْخَال كل ميت الْمَسْجِد، وَيُؤَدِّي بهم ذَلِك إِلَى إذهاب حرمته، وتعريضه لما لَا يَلِيق بِهِ، وَقد منعت عَائِشَة ﵂ من دُخُول النِّسَاء (فِي) الْمَسَاجِد مَعَ نهي النَّبِي [ ﷺ ] عَن مَنعهنَّ، وحسم الذرائع فِيمَا لَا يكون من اللوازم أصل فِي الدّين، وَكره أَيْضا لِئَلَّا يخرج من الْمَيِّت شَيْء، (وَتعرض الْمَسْجِد للنجاسات) لَا معنى لَهُ، وَلِهَذَا أَمر النَّبِي [ ﷺ ] أَن يجنب الصّبيان الْمَسَاجِد / وَإِلَى هَذَا ذهب مَالك ﵀. (بَاب الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل) التِّرْمِذِيّ: عَن يحيى إِمَام بني تيم الله، عَن أبي ماجد، عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " سَأَلنَا رَسُول الله [ ﷺ ] عَن الْمَشْي خلف الْجِنَازَة، فَقَالَ:

стр. 285

مَا دون الخبب، فَإِن كَانَ خيرا (أعجلتموه) (وَإِن كَانَ شرا) فَلَا يبعد إِلَّا أهل النَّار، الْجِنَازَة متبوعة وَلَا تتبع (لَيْسَ مَعهَا من يقدمهَا) . فَإِن قيل: قَالَ أَبُو عِيسَى: " هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه من حَدِيث ابْن مَسْعُود إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَسمعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يضعف حَدِيث أبي ماجد (هَذَا) ، وَقَالَ مُحَمَّد: قَالَ الْحميدِي: قَالَ ابْن عُيَيْنَة، قيل ليحيى من أَبُو ماجد هَذَا؟ قَالَ: طَائِر طَار فحدثنا ". قيل لَهُ: هَذَا غير قَادِح فِي الحَدِيث، لِأَن يحيى ثِقَة، روى لَهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَأَبُو الْأَحْوَص. وَأَبُو ماجد مَجْهُول وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَن رِوَايَة الْمَجْهُول مَقْبُولَة، وشواهد الصِّحَّة لهَذَا الحَدِيث كَثِيرَة. قَالَ التِّرْمِذِيّ: " وَقد ذهب بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي [ ﷺ ] وَغَيرهم إِلَى هَذَا، وَرَأَوا أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَبِه يَقُول إِسْحَاق وسُفْيَان الثَّوْريّ ". وَهُوَ إِمَام فِي الحَدِيث. وروى أَبُو دَاوُد: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَا تتبعوا الْجِنَازَة بِصَوْت وَلَا نَار ". وَمن طَرِيق آخر: " وَلَا يمشي بَين يَديهَا ". وَفعل النَّبِي [ ﷺ ] وَفعل الخليفتين من بعده مَحْمُول على بَيَان الْجَوَاز، وَمَا روينَاهُ على الْأَفْضَلِيَّة تَوْفِيقًا بَين الْأَخْبَار بِقدر الْإِمْكَان. وَيُؤَيّد هَذَا مَا روى الطَّحَاوِيّ، عَن عَمْرو بن حُرَيْث، قَالَ: " قلت لعَلي بن أبي طَالب كرم الله وَجهه: مَا تَقول فِي الْمَشْي أَمَام الْجِنَازَة؟ فَقَالَ عَليّ: الْمَشْي خلفهَا
следующие страницы →