← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6226

اللباب في الجمع بين السنة والكتاب

الخزرجي المنبجي

Полный текст (762 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الْعظم فِيهِ حَيَاة، فيحله حكم الْمَوْت (بِمَوْت) الأَصْل فَيكون ميتَة. قيل لَهُ: هَذَا لَا يدل على سبق الْحَيَاة فِي الْعظم، كَمَا لَا يدل قَوْله تَعَالَى: ﴿ويحيي الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ على سبق الْحَيَاة فِي الأَرْض. (بَاب تجوز إِزَالَة النَّجَاسَة بِمَا سوى المَاء من الْمَائِعَات الطاهرة) البُخَارِيّ: عَن مُجَاهِد قَالَ: قَالَت عَائِشَة ﵂: " مَا كَانَ لإحدانا إِلَّا ثوب وَاحِد تحيض فِيهِ، فَإِذا أَصَابَهُ شَيْء من دم قَالَت بريقها فمصعته بظفرها ". ذكره البُخَارِيّ فِي بَاب هَل تصلي الْمَرْأَة فِي ثوب حَاضَت فِيهِ. أَبُو دَاوُد: عَن مُجَاهِد قَالَ: قَالَت عَائِشَة ﵂: " مَا كَانَ لإحدانا إِلَّا ثوب وَاحِد فِيهِ تحيض، فَإِن أَصَابَهُ شَيْء من دم بلته بريقها ثمَّ قصعته (بريقها) ". وَهَذَا يشْعر بتكرار إِزَالَة الدَّم بالريق من الثَّوْب الْوَاحِد، فَلَو كَانَ / دلكه بالريق لَا يطهره لَكَانَ بالدلك (تَكْثِير) ، وَمَعَ الْكَثْرَة لَا عَفْو بِلَا خلاف. وَعنهُ: عَن بكار بن يحيى قَالَ: حَدَّثتنِي جدتي، قَالَت: " دخلت على أم سَلمَة فسألتها امْرَأَة من قُرَيْش عَن الصَّلَاة فِي ثوب الْحَائِض، فَقَالَت أم سَلمَة: قد كَانَ يصيبنا الْحيض على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] فتلبث إحدانا أَيَّام (حَيْضهَا) ، ثمَّ تطهر

стр. 37

فتنظر الثَّوْب الَّذِي كَانَت تقلب فِيهِ، فَإِن أَصَابَهُ دم غسلناه وصلينا فِيهِ، وَإِن لم يكن أَصَابَهُ شَيْء تَرَكْنَاهُ، وَلم يمنعنا ذَلِك أَن نصلي فِيهِ ". فَقَوْل أم سَلمَة " غسلناه " إِمَّا (أَن) نحمله على الْغسْل الَّتِي حكته عَائِشَة، أَو نجريه على عُمُومه فَإِن لفظ الْغسْل غير مُخْتَصّ بِالْمَاءِ. فَإِن قيل: بل نحمله على مَا روى التِّرْمِذِيّ: عَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵄ أَن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي [ ﷺ ] عَن الثَّوْب يُصِيبهُ الدَّم من الْحَيْضَة، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " حتيه ثمَّ اقرصيه بِالْمَاءِ ثمَّ رشيه وَصلي فِيهِ ". قيل: هَذَا الحَدِيث خرج مخرج الْغَالِب لَا مخرج الشَّرْط، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم﴾ . وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن المَاء أَكثر وجودا من غَيره، أَو نقُول تَخْصِيص الشَّيْء بِالذكر لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ. (ذكر مَا فِي هَذِه الْأَحَادِيث من الْغَرِيب:) المصع: بميم مَفْتُوحَة وصاد مُهْملَة سَاكِنة وَعين مُهْملَة، أَصله الضَّرْب بِالسَّيْفِ، والمماصعة: الْمُقَاتلَة، وقدا استعملته هُنَا فِي الحك بالظفر والمعالجة بِهِ لاستخراج الدَّم بذلك من الثَّوْب.

стр. 38

والقصع: الدَّلْك، وَمِنْه قصع القملة، والحت: الحك، والقرص: الدَّلْك، وَقيل: التقريض بالإبهام مثل القرص. (بَاب جلد الْميتَة يطهر بالدباغ) مُسلم: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " إِذا دبغ الإهاب فقد طهر ". فَهَذَا الحَدِيث عَام فِي الْمَأْكُول وَغَيره، واستثني من عُمُومه الْآدَمِيّ تكريما لَهُ، وَالْخِنْزِير لنجاسة عينه. قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " وَقد رَأينَا أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] لما أَسْلمُوا لم يَأْمُرهُم النَّبِي [ ﷺ ] بطرح نعَالهمْ وخفافهم وأنطاعهم الَّتِي كَانُوا يتخذونها فِي حَال جاهليتهم، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك من ميتَة أَو ذَبِيحَة، وذبيحتهم حِينَئِذٍ إِنَّمَا كَانَت ذَبِيحَة أهل الْأَوْثَان، فَلَمَّا لم يَأْمُرهُم بطرح ذَلِك وَترك الِانْتِفَاع بِهِ، ثَبت أَن ذَلِك قد كَانَ خرج من حكم الْميتَة ونجاستها بالدباغ إِلَى حكم سَائِر الْأَمْتِعَة وطهارتها، وَكَذَلِكَ كَانُوا مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا افتتحوا بَلَدا من بِلَاد الْمُشْركين لَا يَأْمُرهُم بِأَن يتحاموا (خفافهم)

стр. 39

(ونعالهم) وأنطاعهم وَسَائِر جُلُودهمْ، وَكَانَ لَا يمنعهُم / من أَخذ شَيْء من ذَلِك ". فَإِن قيل: فقد روى عبد الله بن عكيم أَنه قَالَ: " أَتَانَا كتاب رَسُول الله [ ﷺ ] قبل وَفَاته بِشَهْر يَقُول: كنت رخصت لكم فِي جُلُود الْميتَة، فَإِذا جَاءَكُم كتابي فَلَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه،،

стр. 40

وَأحمد بن حَنْبَل ﵀ فِي مُسْنده وَقَالَ: إِسْنَاد جيد. قيل لَهُ: قَالَت الْأَئِمَّة كل حَدِيث نسب إِلَى كتاب وَلم يذكر حامله فَهُوَ مُرْسل، وَالْجَلد قبل الدّباغ يُسمى إهابا، وَبعده أديما وسختيانا، وتقييده بِشَهْر قبل وَفَاته لَا يدل على نسخ حَدِيث ابْن عَبَّاس، لجَوَاز أَن يكون قد سَمعه قبل وَفَاته بِأَقَلّ من ذَلِك. (بَاب كل مَا طهر جلده بالدباغ (طهر) بالذكاة) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي [ ﷺ ] مر بِشَاة قد نفقت، فَقَالَ: " أَلا استمتعتم بجلدها، قَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّهَا ميتَة، قَالَ: إِن دباغها ذكاتها ". فقد أَقَامَ النَّبِي [ ﷺ ] الدّباغ مقَام الذَّكَاة، فَدلَّ أَن الذَّكَاة تقوم مقَام الدّباغ. (ذكر غَرِيب هَذَا الحَدِيث:) " نفقت الدَّابَّة تنْفق نفوقا، أَي مَاتَت، ونفق البيع نفَاقًا بِالْفَتْح أَي راج، والنفاق بِالْكَسْرِ فعل الْمُنَافِق، والنفق: سرب فِي الأَرْض لَهُ مخلص إِلَى مَكَان، والنافقاء إِحْدَى جحرة اليربوع يكتمها وَيظْهر غَيرهَا، وَمِنْه اشتقاق الْمُنَافِق " وَيُقَال دبغ فلَان إهابه، يدبغه دبغا ودباغة ودباغا، (والدباغ) أَيْضا مَا يدبغ بِهِ.

стр. 41

(بَاب إِذا تخمر الْعصير أُبِيح تخليله) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر المصلحين﴾ . فَإِن قيل: فِي التَّخْلِيل اقتراب الْخمر وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنبُوهُ﴾ ، وَقد نهى رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يتَّخذ الْخمر خلا، وَلما نزلت آيَة التَّحْرِيم كَانَ عِنْد أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ خمور لأيتام فَقَالَ: يَا رَسُول الله (أنخللها) ؟ قَالَ: لَا، وَأمره بإراقتها " وَلَو كَانَ التَّخْلِيل مُبَاحا لما نَهَاهُ لِأَن فِيهِ حفظ أَمْوَال الْيَتَامَى. قيل لَهُ: الاقتراب لإعدام الْفساد غير مَمْنُوع عَنهُ، كالاقتراب للإراقة، وَأما الحَدِيث الأول فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد النَّهْي عَن وضع الْخمر على الموائد مَكَان الْخلّ، كَقَوْلِه [ ﷺ ] : " إيَّاكُمْ أَن تَتَّخِذُوا ظُهُور (دوابكم) مَنَابِر ". أَي لَا تستعملوها اسْتِعْمَال المنابر. وَفَائِدَة هَذَا النَّهْي بعد اسْتِقْرَار التَّحْرِيم اندفاع وهم من يتَوَهَّم أَنه يجوز أَن

стр. 42

(يؤتدم) بهَا كصنيع أهل الْكتاب، وَأَن الْمحرم لَيْسَ إِلَّا السكر مِنْهَا كَمَا هُوَ مُعْتَقد أهل الْكتاب، وَلِهَذَا قَالَ [ ﷺ ] : " حرمت الْخمر لعينها "، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد " لَا تخللوها ". فَإِن كَانَ المُرَاد الْمَعْنى الأول فَلَا دلَالَة فِيهِ على حُرْمَة التَّخْلِيل /. وَإِن كَانَ المُرَاد الْمَعْنى الثَّانِي وَجب أَن يحرم نقلهَا من الظل إِلَى الشَّمْس وَبِالْعَكْسِ، لِأَنَّهُ تَخْلِيل، فَإِن اتفقنا على جَوَازه جَازَ غَيره، وَتعين أَن يكون المُرَاد هُوَ الْمَعْنى الأول. وَأما حَدِيث أبي طَلْحَة فَمَحْمُول على أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء التَّحْرِيم حِين كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] يُبَالغ فِي أَمر الْخمر زجرا لَهُم، وقلعا عَن الْعَادة المألوفة، وخمور الْأَيْتَام يَوْمئِذٍ كَانَت جَائِزَة الإراقة، وَلَيْسَت بأموال فِي حق الْمُسلمين، وكافل الْيَتِيم إِنَّمَا يجب عَلَيْهِ حفظ مَا كَانَ مَالا، لَا حفظ مَا لَيْسَ بِمَال، ثمَّ وَإِن كَانَ فِيهِ مفْسدَة لَكِنَّهَا خَاصَّة، فَيجوز ارتكابها لمصْلحَة عَامَّة، كَمَا إِذا تترس الْكفَّار بصبيان الْمُسلمين وذراريهم فَإنَّا لَا نكف بِسَبَب ذَلِك عَن قِتَالهمْ. (بَاب وَإِذا تخللت (الْخمر) طهرت) مُسلم: عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] سَأَلَ أَهله الْأدم، فَقَالُوا: مَا عندنَا إِلَّا (خل) ، فَدَعَا بِهِ فَجعل يَأْكُل (بِهِ) وَيَقُول: " نعم (الْأدم) الْخلّ ".

стр. 43

وَفِي رِوَايَة: " قَالَ جَابر فَمَا زلت أحب الْخلّ مُنْذُ سَمعتهَا من نَبِي الله [ ﷺ ] ". وَهَذَا خل وَالنَّفس تستطيبه فَيكون طيبا، وَالطّيب طَاهِر حَلَال، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كلوا من الطَّيِّبَات﴾ ، وَلِأَن صِفَات الْخمر قد تَغَيَّرت إِلَى صِفَات الْخلّ، وَالْكَلَام على هَذَا التَّقْدِير فَوَجَبَ أَن يكون حَلَالا كَمَا إِذا تخللت بِنَفسِهَا. (بَاب إِذا يَبِسَتْ الأَرْض طهرت) أَبُو دَاوُد: عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر قَالَ: قَالَ ابْن عمر: " كنت (أَبيت) فِي الْمَسْجِد على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] وَكنت (فَتى) شَابًّا عزبا، وَكَانَت الْكلاب تبول وَتقبل وتدبر فِي الْمَسْجِد، وَلم يَكُونُوا يرشون شَيْئا من ذَلِك ". فَإِن قيل: قَالَ الْخطابِيّ: " وَهَذَا الحَدِيث صَحِيح وَلكنه يحْتَمل على أَن الْكلاب كَانَت تبول فِي مواطنها وَتقبل وتدبر فِي الْمَسْجِد ". قيل لَهُ: فَانْظُر إِلَى هَذَا التعصب الْمَحْض الَّذِي غلب عَلَيْهِ حِين رأى حَدِيثا صَحِيحا دَالا على خلاف مذْهبه، فأوله بِهَذَا التَّأْوِيل الواهي الَّذِي لَا مُسْتَند لَهُ، وغفل عَن آخر الحَدِيث، فَإِذا كَانَت تبول فِي مواطنها فَأَي فَائِدَة فِي هَذَا الْإِخْبَار، وَأي فَائِدَة

стр. 44

فِي قَوْله: " وَكَانُوا لَا يرشون شَيْئا من ذَلِك ". وَإِذا (كَانَ) دأبها الإقبال والإدبار فِيهِ فَمَا الْمَانِع لَهَا من الْبَوْل فِيهِ، أعقلها وأدبها أم ربط الْحفاظ على منافذها. (بَاب إِذا أصَاب الأَرْض نَجَاسَة مائعة وَهِي صلبة مستوية قلب أَعْلَاهَا حَتَّى يصير أَسْفَلهَا، لِأَنَّهُ الطَّرِيق الْمُمكن فِي تطهيرها) فَإِن قيل: قد صَحَّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن أَعْرَابِيًا دخل الْمَسْجِد - وَرَسُول الله [ ﷺ ] جَالس - فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومحمدا وَلَا ترحم مَعنا أحدا "، / فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : (لقد) تحجرت وَاسِعًا، ثمَّ لم يلبث أَن بَال فِي نَاحيَة الْمَسْجِد، فأسرع النَّاس إِلَيْهِ فنهاهم النَّبِي [ ﷺ ] وَقَالَ: إِنَّمَا بعثتم ميسرين وَلم تبعثوا معسرين، صبوا عَلَيْهِ سجلا من مَاء (أَو قَالَ ذنوبا من مَاء) . قيل لَهُ: فقد روى أَبُو دَاوُد، عَن عبد الله بن معقل بن مقرن قَالَ: " صلى أَعْرَابِي مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] ، بِهَذِهِ الْقِصَّة، وَقَالَ يَعْنِي النَّبِي [ ﷺ ] : " خُذُوا مَا بَال عَلَيْهِ من التُّرَاب فألقوه وأهريقوا على مَكَانَهُ مَاء ". فَإِن قيل: هَذَا حَدِيث مُرْسل، لِأَن عبد الله بن معقل لم يدْرك النَّبِي [ ﷺ ] .

стр. 45

قيل لَهُ: الْمَرَاسِيل حجَّة يجب الْعَمَل بهَا والمرسل: مَا انْقَطع إِسْنَاده فأخل فِيهِ بِبَعْض رُوَاته. (وَإِلَى هَذَا) ذهب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ والصدر الأول كلهم وَسَائِر أَصْحَاب الحَدِيث من الْمُتَقَدِّمين. قَالَ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ فِي أُصُوله: " قَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: إِنْكَار الْمُرْسل بِدعَة ظَهرت بعد المئتين، وَيدل على ذَلِك إِجْمَاع النَّاس على نقل الْمُرْسل إِلَى الْيَوْم، وَلَا فَائِدَة فِي نَقله وَرِوَايَته والاشتغال بِهِ إِلَّا الْعَمَل بِمُوجبِه، وبهذه الطَّرِيقَة أثبتنا الْعَمَل بأخبار الْآحَاد المسندة ". فَإِن قيل: هَذَا يبطل بأخبار الضُّعَفَاء والمتروكين، فَإِنَّهَا تروى وتكتب وتنقل فِي الْكتب وَمَعَ ذَلِك لَا يجب الْعَمَل بمتضمنها. قيل لَهُ: هَذَا بَاطِل، لِأَن أَكثر المتورعين والفضلاء لَا يروون عَن الضُّعَفَاء، وَقد رُوِيَ عَن مَالك ﵀ أَنه سَأَلَهُ عبد الرَّزَّاق (أَن) يحدثه بِحَدِيث فَقَالَ: قد رويته وَلَا أحَدثك بِهِ، وَسَأَلَهُ مُسلم بن خَالِد الزنْجِي أَن يحدثه بِهِ فَقَالَ: لَو كنت مُحدثا بِهِ لحدثته، وَلَكِنِّي لَا أحدث بِهِ لِأَن رَاوِيه لم يكن (عندنَا) بذلك، وَقَالَ شُعْبَة: لِأَن أزني (أحب إِلَيّ من أَن) أحدث بِحَدِيث عَن أبان بن أبي عَيَّاش، وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَئِمَّة إِذا ثَبت عِنْدهم تَضْعِيف / رجل رموا بحَديثه، إِلَّا آحادا من الْمُحدثين لم يثبت بهم حجَّة، وَلِأَن خبر الضَّعِيف إِذا رُوِيَ فَأكْثر الْعلمَاء يبين ضعفه ويقرن بِهِ مَا يُوجب رده، فَيجوز لذَلِك.

стр. 46

(وَلَيْسَ) كَذَلِك الْخَبَر الْمُرْسل، فَلم نر أحدا من الْعلمَاء روى حَدِيثا مُرْسلا، وَذكر أَنه لَا يُؤْخَذ بِهِ لِأَنَّهُ مُرْسل. فَهَذَا نوع آخر من أَنْوَاع الحَدِيث قبلناه وأوجبنا الْعَمَل بِهِ، وَتَركنَا الْقيَاس من أَجله، وغيرنا مِمَّن ادّعى (اتِّبَاع) الحَدِيث ترك الْعَمَل بِهِ، وَعمل بِالْقِيَاسِ عِنْد وجوده، وَمن ترك الْعَمَل بالمرسل فقد ترك أَكثر أَحَادِيث رَسُول الله [ ﷺ ] . قَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ: " وَلَو تتبعت أَخْبَار الْفُقَهَاء السَّبْعَة وَسَائِر أهل الْمَدِينَة والشاميين والكوفيين، لوجدت (أئمتهم) كلهم قد أرْسلُوا الحَدِيث ". ثمَّ هَذَا عبد الله بن عَبَّاس ﵁ مُسْنده من أَكثر مسانيد الصَّحَابَة ﵃، وَقد ثَبت بِخَبَرِهِ أَنه لم يسمع من النَّبِي [ ﷺ ] إِلَّا نَحوا من سَبْعَة أَحَادِيث. ثمَّ نقُول: قد أَمر فِي هَذَا الحَدِيث بِأخذ التُّرَاب الَّذِي أَصَابَهُ الْبَوْل وإلقائه وصب المَاء عَلَيْهِ، وَقد ذكره بِحرف الْوَاو، فَإِن كَانَ أَمر بصب المَاء عَلَيْهِ أَولا ثمَّ بِأخذ التُّرَاب ففائدة الصب ذهَاب رَائِحَة الْبَوْل، وَإِن كَانَ أَمر بِأخذ التُّرَاب أَولا ثمَّ بصب المَاء فَيحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَنه (أَمر) بصب المَاء على مَكَانَهُ، لاحْتِمَال أَن يكون بَقِي شَيْء من التُّرَاب الَّذِي أَصَابَهُ الْبَوْل، فَيكون الصب مطهرا لَهُ، لِأَن الأَرْض قد أثيرت فالماء يستتبع النَّجَاسَة (وينسفل) بهَا، أَو يكون الْأَمر بالصب (تعبدا) . وَأما الحَدِيث الأول إِن سلمنَا صِحَة الِاحْتِجَاج بِهِ دون غَيره فَنَقُول: إِنَّمَا اكْتفى

стр. 47

رَسُول الله [ ﷺ ] بصب المَاء، لِأَن أَرض الْمَسْجِد كَانَت رخوة تربة، يدل على هَذَا مَا روى البُخَارِيّ وَغَيره عَن سهل بن سعد قَالَ: " جَاءَ رَسُول الله [ ﷺ ] بَيت فَاطِمَة فَلم يجد عليا فِي الْبَيْت، فَقَالَ: أَيْن ابْن عمك؟ فَقَالَت: كَانَ بيني وَبَينه / شَيْء فغاضبني فَخرج فَلم يقل عِنْدِي، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] لإِنْسَان: انْظُر أَيْن هُوَ، فجَاء فَقَالَ: يَا رَسُول الله هُوَ فِي الْمَسْجِد، فجَاء رَسُول الله [ ﷺ ] وَهُوَ مُضْطَجع قد سقط رِدَاؤُهُ عَن شقَّه وأصابه تُرَاب فَجعل رَسُول الله [ ﷺ ] يمسحه عَنهُ وَيَقُول: قُم أَبَا تُرَاب (قُم أَبَا تُرَاب) ". وَالْأَرْض إِذا كَانَت رخوة فصب عَلَيْهَا المَاء انسفل بهَا وَبَقِي وَجه الأَرْض طَاهِرا. (ذكر مَا فِي هذَيْن الْحَدِيثين من الْغَرِيب:) الْحجر: الْمَنْع، يَقُول لقد ضيقت من رَحْمَة الله تَعَالَى مَا وَسعه ومنعت مِنْهَا مَا أَبَاحَهُ. والسجل: بسين مُهْملَة مَفْتُوحَة وجيم سَاكِنة هُوَ الدَّلْو الْكَبِيرَة إِذا كَانَ فِيهَا مَاء قل أَو كثر، وَهُوَ مُذَكّر، وَلَا يُقَال سجل إِذا لم يكن فِيهِ مَاء. والذنُوب: بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة هِيَ الدَّلْو إِذا كَانَت ملأى، وَقيل يكون فِيهَا قريب من الْمَلأ، يذكر وَيُؤَنث. وَمَعْقِل: هُوَ بِالْقَافِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي " الْإِكْمَال " وَصرح بِهِ فِي " الِاسْتِيعَاب "

стр. 48

فِي بَاب معقل بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْقَاف، وَقَالَ: " يكنى أَبَا عمْرَة وَذكر أَنه كَانَ لَهُ إخْوَة وَكَانُوا كلهم سَبْعَة وصحبوا النَّبِي [ ﷺ ] ". (بَاب يغسل الثَّوْب من بَوْل الْغُلَام وَالْجَارِيَة كَمَا يغسل من سَائِر النَّجَاسَات) فَإِن قيل: فقد روى البُخَارِيّ عَن أم قيس بنت مُحصن أَنَّهَا أَتَت بِابْن لَهَا صَغِير لم يَأْكُل الطَّعَام إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] ، فأجلسه رَسُول الله [ ﷺ ] فِي حجره فَبَال عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاء فنضحه وَلم يغسلهُ. وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ: " فَدَعَا بِمَاء فرشه عَلَيْهِ ". قيل لَهُ: النَّضْح قد يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل، وَكَذَلِكَ الرش. أما الأول (فَيدل عَلَيْهِ) مَا روى: أَبُو دَاوُد عَن الْمِقْدَاد بن الْأسود أَن

стр. 49

عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أمره أَن يسْأَل رَسُول الله [ ﷺ ] عَن الرجل إِذا دنا من أَهله / فَخرج مِنْهُ الْمَذْي مَاذَا عَلَيْهِ، قَالَ عَليّ: فَإِن عِنْدِي ابْنَته وَأَنا أستحي أَن أسأله، قَالَ الْمِقْدَاد: فَسَأَلت رَسُول الله [ ﷺ ] عَن ذَلِك، فَقَالَ: " إِذا وجد أحدكُم ذَلِك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصَّلَاة ". وَالَّذِي يدل على أَنه أُرِيد بالنضح هَهُنَا الْغسْل مَا روى مُسلم: عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " كنت رجلا مذاء فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل رَسُول الله [ ﷺ ] لمَكَان ابْنَته مني، فَأمرت الْمِقْدَاد بن الْأسود فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ ". والقضية وَاحِدَة والراوي عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَاحِد. وَمِمَّا يدل على أَن النَّضْح يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل مَا روى التِّرْمِذِيّ: عَن سهل بن حنيف قَالَ: " كنت ألْقى من الْمَذْي شدَّة، وَكنت أَكثر مِنْهُ الِاغْتِسَال، فَسَأَلت رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: إِنَّمَا يجزئك من ذَلِك الْوضُوء، قلت: يَا رَسُول الله فَكيف بِمَا يُصِيب ثوبي مِنْهُ، فَقَالَ: يَكْفِيك أَن تَأْخُذ كفا من مَاء فتنضح بِهِ من ثَوْبك حَيْثُ ترى أَنه أَصَابَهُ ". وَأما (أَن) الرش يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل، فقد صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ (أَنه) لما حكى وضوء رَسُول الله [ ﷺ ] " أَخذ غرفَة من مَاء فرش على رجله الْيُمْنَى

стр. 50

(حَتَّى) غسلهَا ". فالرش (أَرَادَ بِهِ) هُنَا صب المَاء قَلِيلا قَلِيلا، فَهَذَا محمل حَدِيث التِّرْمِذِيّ. وَمِمَّا يدل على أَن النَّضْح يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل (وَكَذَلِكَ الرش يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل) قَوْله ﵇ فِي حَدِيث أَسمَاء: " تَحْتَهُ، ثمَّ تقرصه بِالْمَاءِ، ثمَّ تنضحه، ثمَّ تصلي فِيهِ ". هَذَا من طَرِيق البُخَارِيّ وَمُسلم، وَمن طَرِيق التِّرْمِذِيّ: " حتيه، ثمَّ اقرصيه (بِالْمَاءِ) ، ثمَّ رشيه وَصلي فِيهِ ". فالحت: الحك، والقرص أَن تقبض على مَوضِع النَّجَاسَة بالأصبع وتغمزه غمزا جيدا وتدلكه حَتَّى ينْحل مَا تشربه (من الدَّم) وَالْمرَاد بالنضح (هُنَا) الْغسْل، قَالَه الْبَغَوِيّ، وَقَالَ مَوضِع " تنضحه " ثمَّ رشيه، فَدلَّ (أَن الرش) هُنَا الْغسْل. فَلَمَّا ثَبت أَن النَّضْح والرش يذكران وَيُرَاد بهما الْغسْل وَجب حمل / قَول الصَّحَابِيّ ﵁ " فنضحه وَلم يغسلهُ "، على أَنه أسَال المَاء عَلَيْهِ وَلم يعركه لِأَنَّهُ يحْتَمل " أَنه " صب المَاء عَلَيْهِ قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى تقاطر وسال، وَمَتى حصلت الإسالة حصل الْغسْل.

стр. 51

فَإِن قيل: فَلم فرق النَّبِي [ ﷺ ] بَين بوليهما فِي صفة الْغسْل. قيل لَهُ: لِأَن بَوْل الْغُلَام مثل المَاء، وَبَوْل الْجَارِيَة ثخين أصفر يلتصق بِالْمحل، فَقَالَ: " ينضح بَوْل الْغُلَام "، أَي يسيل المَاء عَلَيْهِ من غير عَرك لسرعة زَوَاله، كَمَا أَمر بالنضح على الثَّوْب الَّذِي أَصَابَهُ الْمَذْي، وَقَالَ: " يغسل بَوْل الْجَارِيَة "، أَي يصب المَاء عَلَيْهِ ويعرك لبطء زَوَاله، كَمَا أَمر بِهِ فِي غسل الثَّوْب من دم الْحيض بقوله [ ﷺ ] : " (حتيه) ، ثمَّ اقرصيه (بِالْمَاءِ) "، ووافقنا سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ وسبقنا بِهَذَا القَوْل إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵁. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: " وَإِنَّمَا فرق النَّبِي [ ﷺ ] بَين بَوْل الْغُلَام وَالْجَارِيَة (فَأمر) بِالْغسْلِ من بولها والرش من بَوْله، لِأَن يَقع بَوْله فِي مَوضِع وَاحِد، وبولها يَقع فِي مَوَاضِع، فَقَالَ: " يغسل " أَي: يتتبع ". (ذكر غَرِيب حَدِيث عَليّ ﵁ .) الْمَذْي: وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وياء مُخَفّفَة وَقد تشدد لُغَة.

стр. 52

(بَاب إِذا ولغَ الْكَلْب فِي الْإِنَاء اسْتحبَّ غسله سبعا ويكتفى بِالثلَاثِ) أما الِاسْتِحْبَاب فَلَمَّا ذَكرْنَاهُ فِي (آخر) بَاب سُؤْر الْهِرَّة وَأما الِاكْتِفَاء بِالثلَاثِ، فَلَمَّا روى الطَّحَاوِيّ: عَن (إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق) ، عَن أبي نعيم، عَن عبد السَّلَام بن حَرْب، (عَن عبد الْملك، عَن عَطاء) ، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ فِي الْإِنَاء تلغ فِيهِ الهر أَو الْكَلْب، يغسل ثَلَاث مَرَّات. وَأَبُو هُرَيْرَة أحد رُوَاة السَّبع، والراوي مَتى عمل بِخِلَاف رِوَايَته كَانَ عمله دَلِيلا على نسخ الحَدِيث أَو تَخْصِيصه، لِأَن الصَّحَابِيّ ﵁ لَا يجوز أَن يتَعَمَّد مُخَالفَة النَّبِي [ ﷺ ] ، لِأَن مُخَالفَته فسق، وَالصَّحَابَة ﵃ منزهون عَن ذَلِك، فَيحمل ترك اسْتِعْمَاله للْخَبَر على أَنه قد علم نسخه، أَو تَخْصِيصه، أَو علم بِدلَالَة الْحَال أَن مُرَاد النَّبِي [ ﷺ ] النّدب فِيمَا وَرَاء الثَّلَاث. / فَإِن قيل: يجوز أَن يكون تَركه سَهوا، أَو غَلطا، أَو نِسْيَانا، أَو لتأويل غير صَحِيح بِسَبَب مَا ظَنّه دَلِيلا مَعَ أَنه لَيْسَ بِدَلِيل، أَو لِأَنَّهُ رأى غَيره أولى مِنْهُ مِمَّا لَو بلغنَا

стр. 53

لم (نقدمه) عَلَيْهِ. قيل لَهُ: مُخَالفَته لظَاهِر مَا رَوَاهُ متحققة، وَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْعذر لَهُ أليق بِمنْصب الصَّحَابِيّ ﵁، ثمَّ نقُول: روى مُسلم: عَن ابْن مُغفل: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَمر بقتل الْكلاب، ثمَّ قَالَ: مَا لَهُم وَلها، فَرخص فِي كلب الصَّيْد وكلب الْغنم، وَقَالَ: إِذا ولغَ الْكَلْب فِي الْإِنَاء فاغسلوه سبع مَرَّات، وَالثَّامِنَة عفروه بِالتُّرَابِ ". فَالْأَمْر بِالْغسْلِ إِن رَجَعَ إِلَى الْكَلْب المرخص فِي اتِّخَاذه عَارضه قَول الله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم﴾ ، وَلم يَأْمر بِغسْل مَا أَصَابَهُ فَمه. وَإِن رَجَعَ إِلَى الْكَلْب الْمَأْمُور بقتْله، فقد أَمر فِي هَذَا الحَدِيث بِالْغسْلِ ثَمَان مَرَّات وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة (بِالْغسْلِ) سبع مَرَّات، فَمَا كَانَ الْجَواب عَن الْمرة الثَّامِنَة فَهُوَ جَوَاب لنا عَن الزِّيَادَة على الثَّلَاث. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: " وَقد ضعف مَالك ﵀ غسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب لما تلوناه من الْآيَة، وَقيل لاخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: يغسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو سبعا ".

стр. 54

فَإِن قيل: هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ عبد الْوَهَّاب بن الضَّحَّاك، عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وهما ضعيفان. قيل: الطعْن الْمُبْهم لَا يكون جرحا عِنْد الْفُقَهَاء، لِأَن بَاب الشَّهَادَة أضيق من بَاب رِوَايَة الْأَخْبَار، والطعن الْمُبْهم من الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يكون جرحا، وَلَا يمْتَنع الْعَمَل بِالشَّهَادَةِ لأجل الطعْن الْمُبْهم، فَلِأَن لَا يخرج الحَدِيث بالطعن الْمُبْهم من أَن يكون حجَّة أولى. وَهَذِه الْعَادة الظَّاهِرَة أَن الْإِنْسَان إِذا لحقه من غَيره مَا يسوؤه طعن فِيهِ طَعنا مُبْهما إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى. (ذكر مَا فِي الحَدِيث من الْغَرِيب:) الولوغ للسباع كالشرب لبني آدم، وَقد يسْتَعْمل الشّرْب للسباع وَلَا يسْتَعْمل الولوغ فِي بني آدم. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: " الولوغ: بِضَم الْوَاو، إِذا شرب قَلِيلا، وَإِذا أَكثر (فَهُوَ) بِفَتْحِهَا ". وعفروه: مرغوه.

стр. 55

(/ بَاب " إِذا (أَصَابَت) (الْخُف) نَجَاسَة لَهَا جرم فجفت فدلكه بِالْأَرْضِ جَازَ ") أَبُو دَاوُد: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " إِذا وطئ أحدكُم بنعله الْأَذَى فَإِن التُّرَاب لَهُ طهُور ". وَفِي رِوَايَة: " إِذا وطئ الْأَذَى بخفيه فطهورهما التُّرَاب ". وَفِي الحَدِيث الأول رجل مَجْهُول، والْحَدِيث الثَّانِي: من رِوَايَة مُحَمَّد بن عجلَان، وَقد وَثَّقَهُ غير وَاحِد وَتكلم فِيهِ غير وَاحِد، وَالْجرْح (مقدم) على التَّعْدِيل. وَهَذَا نوع آخر من أَنْوَاع الحَدِيث، جَوَّزنَا الْعَمَل بِهِ، وَتَركنَا الْقيَاس من أَجله (حَيْثُ لم يُعَارضهُ غَيره) . وَقد قَالَ بِمثل قَوْلنَا جمَاعَة، مِنْهُم الْأَوْزَاعِيّ، قَالَ:

стр. 56

" يجْزِيه أَن يمسح القذر من نَعله أَو خفه (بِالتُّرَابِ) وَيُصلي فِيهِ ". وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن عُرْوَة بن الزبير، وَكَانَ النَّخعِيّ يمسح النَّعْل أَو الْخُف يكون فِيهِ السرقين عِنْد بَاب الْمَسْجِد، وَيُصلي بالقوم. (وَقَالَ) أَبُو ثَوْر: " إِذا مسح ذَلِك حَتَّى لَا يجد لَهُ ريحًا وَلَا أثرا رَجَوْت أَن يجْزِيه ". وَقد ترك الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث قوم، وتأولوه على مَا إِذا كَانَت النَّجَاسَة يابسة فوطئ عَلَيْهَا، وَعمل بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ تَأْوِيل ضَعِيف، وَالله بِنَا وبمن تَأَوَّلَه لطيف. (بَاب إِذا وَقع فِي الْبِئْر حَيَوَان فَمَاتَ مَاذَا حكمه ؟) الطَّحَاوِيّ: عَن صَالح بن عبد الرَّحْمَن، عَن سعيد بن مَنْصُور، عَن هشيم، عَن مَنْصُور، عَن عَطاء، " أَن حَبَشِيًّا وَقع فِي بِئْر زَمْزَم فَمَاتَ، فَأمر ابْن الزبير فنزح مَاؤُهَا، فَجعل المَاء لَا يَنْقَطِع، فَنظر فَإِذا عين تجْرِي من قبل الْحجر الْأسود، فَقَالَ ابْن الزبير: حسبكم ". وَبِه: عَن أبي بكرَة، عَن أبي عَامر الْعَقدي، عَن سُفْيَان، عَن زَكَرِيَّا، عَن الشّعبِيّ، فِي الطير والسنور وَنَحْوهمَا يَقع فِي الْبِئْر، قَالَ: " ينْزح مِنْهَا أَرْبَعُونَ دلوا ". وَعنهُ: عَن صَالح بن عبد الرَّحْمَن، عَن سعيد بن مَنْصُور، عَن هشيم،

стр. 57

عَن عبد الله بن سُبْرَة الْهَمدَانِي، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: " يدلى مِنْهَا سَبْعُونَ (دلوا) ". وَبِه: عَن هشيم، عَن مُغيرَة بن مقسم (أبي هِشَام) الضَّبِّيّ، عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِي الْبِئْر يَقع فِيهَا جرذ أَو سنور فَيَمُوت، قَالَ: " (يدلى) مِنْهَا أَرْبَعُونَ دلوا ". وَعنهُ: عَن عَطاء، عَن ميسرَة وزاذان، عَن عَليّ ﵁ (قَالَ) : " إِذا سَقَطت الْفَأْرَة أَو الدَّابَّة / فِي الْبِئْر فانزحها حَتَّى يَغْلِبك المَاء ". وَعنهُ: عَن (حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان) أَنه قَالَ فِي دجَاجَة وَقعت فِي بِئْر فَمَاتَتْ، قَالَ: " ينْزح مِنْهَا قدر أَرْبَعِينَ دلوا، أَو خمسين دلوا، ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهَا ". قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: " وروى قُتَيْبَة بن سعيد و (أَبُو مُصعب) ، عَن مَالك فِي الْفَأْرَة تَمُوت فِي الْبِئْر، قَالَ: تنزف كلهَا.

стр. 58

وروى ابْن أبي أويس عَنهُ: " ينزف مِنْهَا سَبْعُونَ دلوا ". فقد حكم من حكينا قَوْله من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِنَجَاسَة مَاء الْآبَار وتطهيرها، بِمَا روينَا عَنْهُم، وَلم ينْقل عَن غَيرهم خِلَافه، فقلدناهم وَتَركنَا الْقيَاس من أجل مَا رُوِيَ عَنْهُم، وَهَذِه الْمَسْأَلَة أكبر شَهَادَة لنا فِي أَنا أقل النَّاس عملا بِالْقِيَاسِ. (ذكر مَا فِي هَذِه الْآثَار من الْغَرِيب:) نزحت الْبِئْر نزحا: استقيت ماءها كُله، وبئر نزوح: قَليلَة المَاء، والنزح بِالتَّحْرِيكِ: (الْبِئْر) (الَّتِي) نزح أَكثر مَائِهَا، ونزحت الدَّار نزوحا: بَعدت، ونزفت مَاء الْبِئْر نزفا: إِذا نزحته كُله، ونزفت هِيَ، يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. وَحكى الْفراء: أنزفت الْبِئْر أَي ذهب مَاؤُهَا، وَقَالَ أَبُو عبيد: نزفت عبرته بِالْكَسْرِ وأنزفها صَاحبهَا. قَالَ العجاج: (" وأنزف الْعبْرَة من لَاقَى العبر " ... ) (بَاب الِاسْتِنْجَاء سنة فَإِذا تجَاوز الْخَارِج الْمخْرج وَجب) أَبُو دَاوُد: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " من

стр. 59

اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج، وَمن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج، وَمن أكل فَمَا تخَلّل فليلفظ وَمَا لاك بِلِسَانِهِ فليبتلع، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج، وَمن أَتَى الْغَائِط فليستتر، فَإِن لم يجد إِلَّا أَن يجد كثيبا من رمل فليستدبره، فَإِن الشَّيْطَان يلْعَب بمقاعد (ابْن) آدم، من فعل فقد (أحسن) وَمن لَا فَلَا حرج ". فَإِن قيل: " فقد أَمر النَّبِي [ ﷺ ] بالاستنجاء بِثَلَاثَة أَحْجَار وَنهى أَن يستنجى بِأَقَلّ مِنْهَا ". قيل لَهُ: مَا روينَاهُ من الحَدِيث إِن جَعَلْنَاهُ أمرا بِاسْتِعْمَال ثَلَاثَة أَحْجَار حملا للمطلق على الْمُقَيد الَّذِي رويتموه، فقد نفى الْحَرج (عَن تَاركه) ، فَانْتفى وجوب الِاسْتِجْمَار بِثَلَاثَة أَحْجَار، وَتبين أَن النَّهْي الْوَارِد / لتأكيد الِاسْتِحْبَاب، وَالْأَمر للنَّدْب لَا للْإِيجَاب. وَإِن أجرينا الْمُطلق على إِطْلَاقه فَيكون أمرا بِمَا يصدق عَلَيْهِ لفظ الإيتار، وَأَقل مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الإيتار مسحة وَاحِدَة، وَقد نفى الْحَرج عَن تاركها، وَمن ضَرُورَته نفي الْإِيجَاب. وَيُؤَيّد هَذَا أَنه لَو استنجى بِيَمِينِهِ جَازَ مَعَ أَنه مَنْهِيّ عَنهُ فِي الحَدِيث، فَوَجَبَ أَنه

стр. 60

إِذا ترك التَّثْلِيث فِي الْأَحْجَار يجوز وَإِن كَانَ مَنْهِيّا عَنهُ. فَإِن قيل: قد فهمنا أَن النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ (كَانَ) إِكْرَاما (لَهَا) فَتَركه لَا يُؤثر فِي جَوَاز الِاسْتِنْجَاء (باليسار) . قيل لَهُ: وَقد فهمنا أَن الْأَمر بالتثليث فِي الْأَحْجَار كَانَ (ليحصل) النَّقَاء، أَو التقليل للنَّجَاسَة، فَإِذا حصل النَّقَاء أَو التقليل وَجب أَن يجتزئ بالاستنجاء. وَمِمَّا يدل على عدم وجوب اسْتِعْمَال ثَلَاثَة أَحْجَار، مَا روينَاهُ من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ فِي بَاب نَجَاسَة الأدواث. (بَاب لَا يجوز اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الْخَلَاء وَلَا فِي الفضاء) (لما روى) البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ: عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا أتيتم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها، وَلَكِن شرقوا أَو غربوا. قَالَ أَبُو أَيُّوب: فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت مُسْتَقْبل الْقبْلَة فننحرف عَنْهَا ونستغفر الله تَعَالَى ".

стр. 61

فَإِن قيل: فقد روى التِّرْمِذِيّ: عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: " نهى النَّبِي [ ﷺ ] أَن نستقبل الْقبْلَة ببول فرأيته قبل أَن يقبض بعام يستقبلها ". قَالَ أَبُو عِيسَى: " حَدِيث حسن غَرِيب ". وروى البُخَارِيّ: عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: " لقد ارتقيت يَوْمًا على ظهر بَيت لنا فَرَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] على لبنتين مُسْتَقْبل بَيت الْمُقَدّس لِحَاجَتِهِ ". قيل لَهُ: يحْتَمل أَن يكون (هَذَا كَانَ) لعذر، وَالْحمل على هَذَا أولى من القَوْل بالنسخ، وَمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ أَكثر تَعْظِيمًا للْقبْلَة. وَأما استدبار الْقبْلَة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: " إِنَّمَا الرُّخْصَة من النَّبِي [ ﷺ ] فِي استدبار الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل، أما (اسْتِقْبَال الْقبْلَة) فَلَا يستقبلها. قَالَ

стр. 62

التِّرْمِذِيّ: / " كَأَنَّهُ لم ير فِي الصَّحرَاء وَلَا فِي (الكنف) أَن يسْتَقْبل الْقبْلَة ". (بَاب اسْتِعْمَال المَاء أَو التُّرَاب للمحدث شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة) لما روى مُسلم: عَن مُصعب بن سعد، قَالَ: " دخل عبد الله بن عمر على ابْن عَامر يعودهُ، وَهُوَ مَرِيض، فَقَالَ: أَلا تَدْعُو لي يَا ابْن عمر، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول ". فَإِن قيل: فقد قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فاتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم ". قيل لَهُ: (وَلَو كَانَت الصَّلَاة بِغَيْر طَهَارَة وَاجِبَة على فَاقِد الطّهُور فَإِذا صلى) فقد أَتَى بِمَا وَجب عَلَيْهِ الْإِتْيَان بِهِ، فَلَا تجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة، وَلَكِن هَذَا (الحَدِيث)

стр. 63

مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ المستطاع قربَة، (والقربة) مَا يرضاها الله ويقبلها، وَقد أخبر أَنه لَا يقبل الصَّلَاة بِغَيْر طهُور. فَإِن قيل: " وَقد أخبر رَسُول الله [ ﷺ ] أَن الله لَا يقبل صَلَاة حَائِض بِغَيْر خمار ". وَقد جوزتم الصَّلَاة مَعَ كشف الْعَوْرَة عِنْد الْعَجز عَن السّتْر وأوجبتموها، وأوجبتم على الْمُسَافِر الْإِمْسَاك إِذا قدم فِي أثْنَاء النَّهَار فِي رَمَضَان. قيل لَهُ: الْحَدث معنى قَائِم بِذَات الْمَرْء، يحصل لَهُ بِهِ نقص يخرج بِهِ من أَن يكون صَالحا لخدمة الرب، فَإِنَّهُ إِذا أحدث صدق عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ بطاهر، وَعدم طَهَارَة الْمَرْء نقص فِي ذَاته، وَهَذَا وصف لَا يَزُول إِلَّا بِاسْتِعْمَال المَاء أَو التُّرَاب، وَعدم السّتْر لَا يُوجب نقصا فِي الذَّات بِالنّظرِ إِلَى الله تَعَالَى، فَإِن الله تَعَالَى لَا يحجبنا عَنهُ شَيْء، فَعلمنَا أَن السّتْر إِنَّمَا وَجب لأجل عباد الله تَعَالَى، والتطهير وَجب ليَكُون العَبْد فِي حَال الْخدمَة على: أكمل الْأَحْوَال، إِذْ لَا فرق بَين الْمُحدث والمتوضئ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعباد، فَلَا يلْزم من تَجْوِيز الصَّلَاة مَعَ الْكَشْف تجويزها مَعَ الْحَدث، والإمساك إِنَّمَا وَجب على القادم من السّفر مُرَاعَاة لحُرْمَة الشَّهْر، وَلِهَذَا قَالُوا (يسْتَحبّ) للحائض أَن تَأْكُل فِي خُفْيَة. واستفدنا من قَوْله ﵇: " لَا يقبل الله صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار " أَن رَأس الْمَرْأَة عَورَة دون وَجههَا، وَالْمرَاد بالحائض الْبَالِغ، وَالله أعلم.

стр. 64

(بَاب النِّيَّة فِي الطهارتين الصُّغْرَى والكبرى سنة وَلَيْسَت بواجبة) / مُسلم: عَن أم سَلمَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت للنَّبِي [ ﷺ ] : " يَا رَسُول الله إِنِّي امْرَأَة أَشد ضفر رَأْسِي أفأنقضه لغسل الْجَنَابَة؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تحثي على رَأسك ثَلَاث حثيات ثمَّ تفيضين المَاء عَلَيْك فتطهرين ". فَلَمَّا زَاد على الْجَواب علمنَا أَنه أَرَادَ تعليمها صفة الْغسْل المجزئ، فَلَو كَانَت النِّيَّة شرطا لبينها. فَإِن قيل: لَعَلَّهَا كَانَت عَالِمَة بِهِ من قَوْله ﵇: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا (لامرئ) مَا نوى ". قيل لَهُ: هَذَا الِاحْتِمَال لَا يعول عَلَيْهِ، حَتَّى نعلم أَن حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ كَانَ مُتَقَدما على حَدِيث أم سَلمَة، وَلَا سَبِيل إِلَى هَذَا. ثمَّ نقُول: هَذَا الِاحْتِمَال إِنَّمَا بنيته على اعتقادك أَن حَدِيث الْأَعْمَال (بِالنِّيَّاتِ) دَال على اشْتِرَاط النِّيَّة، وَلَيْسَ كَمَا تخيلته، (فَإِن) مَعْنَاهُ " إِنَّمَا ثَوَاب الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لامرئ ثَوَاب مَا نوى ".

стр. 65

فَإِن قيل: بل مَعْنَاهُ " إِنَّمَا صِحَة الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ". قيل لَهُ: مَا أضمرناه مُتَّفق على إِرَادَته فَإِن من نفى الصِّحَّة نفى الثَّوَاب، وَمَا أضمرته مُخْتَلف فِيهِ فَإِن من أضمر الثَّوَاب لم ينف الصِّحَّة، وإضمار مَا اتّفق عَلَيْهِ أولى من إِضْمَار مَا اخْتلف فِيهِ. سلمنَا أَن حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ يدل على اشْتِرَاط النِّيَّة وَلَكِن فِي الْأَعْمَال الَّتِي هِيَ عبَادَة، وَمعنى الْعِبَادَة لَا يُمكن تحَققه فِيمَا وَقع شرطا للصَّلَاة، لِأَن الْعِبَادَة فِي اللُّغَة: " التذلل "، وَفِي الشَّرْع: " مَا يَأْتِيهِ العَبْد تذللا وتخشعا لله تَعَالَى على مُخَالفَة الْهوى تَعْظِيمًا "، وَلِأَن أصل الْفِعْل لَا دَلِيل على وُجُوبه إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فاغسلوه﴾ وَهُوَ من الْأَوَامِر الَّتِي يطْلب بهَا حُصُول الْمَأْمُور بِهِ فَحسب، كالأمر بِغسْل النَّجَاسَة، وَستر الْعَوْرَة، وَأَدَاء الْأَمَانَة، ورد المغضوب. وَلَيْسَ الْأَمر بِغسْل النَّجَاسَة من بَاب الْأَمر بِالتّرْكِ. بل من بَاب الْأَمر بِالْفِعْلِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وثيابك فطهر﴾ . وَقد وَافَقنَا فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ الثَّوْريّ، وَالْأَوْزَاعِيّ، رحمهمَا الله تَعَالَى. (ذكر مَا فِي حَدِيث أم سَلمَة من الْغَرِيب:) قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي شرح التِّرْمِذِيّ: " ضفر، فقرأه النَّاس بِإِسْكَان الْفَاء وَإِنَّمَا هُوَ بِفَتْحِهَا، لِأَنَّهُ بِالسُّكُونِ مصدر من ضفر يضفر ضفرا، وبالفتح هُوَ الشَّيْء المضفور كالشعر وَغَيره، والضفر هُوَ نسج خصل الشّعْر وَإِدْخَال بَعْضهَا فِي بعض معرضة، وَمِنْه قيل للحبال المفتولة العراض: ضفائر " /.

стр. 66

(بَاب التَّسْمِيَة سنة وَلَيْسَت بواجبة) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا مس طهوره سمى الله تَعَالَى، ثمَّ يفرغ المَاء على يَدَيْهِ ". فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن يَعْقُوب بن سَلمَة، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا صَلَاة لمن لَا وضوء لَهُ وَلَا وضوء لمن لم يسم الله ". قيل لَهُ: " حكى الْأَثْرَم عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيث يثبت، وَقَالَ أَيْضا: لَا أعلم فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا لَهُ إِسْنَاد جيد ". وَقَالَ البُخَارِيّ: " لَا يعرف لسَلمَة سَماع من أبي هُرَيْرَة، وَلَا ليعقوب سَماع من أَبِيه ". وَمَعْنَاهُ (لَا كَمَال للْوُضُوء وَلَا فَضِيلَة لَهُ) .

стр. 67

(بَاب لَا يُجزئ فِي مسح الرَّأْس إِلَّا مِقْدَار الناصية أَو ربع الرَّأْس) مُسلم: عَن الْمُغيرَة ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] تَوَضَّأ وَمسح بناصيته وعَلى الْعِمَامَة وعَلى الْخُفَّيْنِ ". وروى أَبُو دَاوُد: عَن أنس ﵁ قَالَ: " رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] تَوَضَّأ وَعَلِيهِ عِمَامَة قطرية، فَأدْخل يَده تَحت الْعِمَامَة وَمسح مقدم رَأسه وَلم ينْقض الْعِمَامَة ". الدَّارَقُطْنِيّ: عَن ابْن عمر ﵄ " أَنه كَانَ إِذا مسح رَأسه رفع القلنسوة وَمسح مقدم رَأسه ". (ذكر مَا فِي الْحَدِيثين من الْغَرِيب:) الناصية: (أحد) النواصي، وَهِي مَا بَين النزعتين، وهما الْبيَاض الَّذِي انحسر عَن الشّعْر من جَانِبي مقدم الرَّأْس، وَهِي دون الرّبع. ذكره فِي الصِّحَاح. قطرية: بقاف مَكْسُورَة وطاء مُهْملَة (سَاكِنة) وَرَاء مَكْسُورَة وياء منقوطة بِاثْنَتَيْنِ من تحتهَا مَفْتُوحَة مُشَدّدَة: ثِيَاب حمر لَهَا أَعْلَام فِيهَا بعض الخشونة منسوبة إِلَى قطر، مَوضِع بَين عمان وَسيف الْبَحْر. قَالَه الْأَزْهَرِي ﵀.

стр. 68

(بَاب (لَا يسن التَّثْلِيث فِي مسح الرَّأْس)) التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد: عَن (أبي حَيَّة) قَالَ: " رَأَيْت عليا ﵁ تَوَضَّأ فَغسل كفيه حَتَّى أنقاهما، ثمَّ تمضمض ثَلَاثًا، واستنشق ثَلَاثًا، وَغسل وَجهه ثَلَاثًا، وذراعيه ثَلَاثًا، / وَمسح بِرَأْسِهِ مرّة، ثمَّ غسل قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ قَالَ: فَأخذ فضل وضوئِهِ فشربه وَهُوَ قَائِم، ثمَّ قَالَ: أَحْبَبْت أَن أريكم كَيفَ كَانَ طهُور رَسُول الله [ ﷺ ] ". قَالَ أَبُو دَاوُد: " وَأَحَادِيث عُثْمَان الصِّحَاح كلهَا تدل على أَن مسح الرَّأْس

стр. 69

(مرّة) وَاحِدَة ". قلت: وَقد استفدنا من هَذَا الحَدِيث جَوَاز الشّرْب قَائِما. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: " إِنَّمَا نهى النَّبِي [ ﷺ ] عَن الشّرْب قَائِما من فِي السقاء، قَالُوا: لِأَنَّهُ ينتنه ". (بَاب الأذنان تمسحان بالبلة الَّتِي تبقى على الْيَد من مسح الرَّأْس) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الأذنان من الرَّأْس ".

стр. 70

قَالَ أَبُو عِيسَى: " وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَمن بعدهمْ أَن الْأُذُنَيْنِ من الرَّأْس، وَبِه يَقُول سُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد وَإِسْحَاق رَحِمهم الله تَعَالَى ". (بَاب تَخْلِيل اللِّحْيَة مُسْتَحبّ وَلَيْسَ بِسنة) التِّرْمِذِيّ: عَن حسان بن بِلَال قَالَ: " رَأَيْت عمار بن يَاسر تَوَضَّأ فخلل لحيته فَقيل لَهُ، أَو فَقلت لَهُ: أتخلل لحيتك؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنعنِي وَقد رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يخلل لحيته ". فالإنكار على عمار بن يَاسر دَلِيل على أَن هَذَا الْأَمر كَانَ متروكا عِنْدهم، وَلِأَن أَكثر من حكى وضوء رَسُول الله [ ﷺ ] لم يحكه. وروى أَبُو دَاوُد: عَن أنس ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ إِذا تَوَضَّأ أَخذ كفا من مَاء فَأدْخلهُ تَحت حنكه فخلل بِهِ لحيته، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا أَمرنِي رَبِّي ". وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ مَخْصُوصًا بِهِ. (ذكر مَا فِي هذَيْن الْحَدِيثين من الْغَرِيب:) يخلل: أَي يدْخل يَده فِي خلل لحيته وَهِي الْفروج الَّتِي بَين الشّعْر، وَمِنْه فلَان خَلِيل أَي مخالل حبه فرج جِسْمه حَتَّى يبلغ إِلَى قلبه، وَمِنْه الْخلال.

стр. 71

(بَاب التَّرْتِيب لَيْسَ بِشَرْط فِي الْوضُوء وَلَا فِي التَّيَمُّم) لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ﴾ . / (عقب) الْقيام إِلَى الصَّلَاة بِغسْل مَجْمُوع الْأَعْضَاء، لِأَنَّهُ عطف بَعْضهَا على بعض بِحرف الْوَاو، وَهِي لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب، وَلَا يُمكن التَّعْبِير عَنْهَا مفصلة إِلَّا بِذكر اسْم كل وَاحِد مِنْهَا، فَوَقع ذكر الأول من ضَرُورَة التَّفْصِيل، وَنَظِيره قَول الْقَائِل: " (إِذا) دخلت السُّوق فاشتر الْخبز وَاللَّحم والفاكهة "، فَإِن ذَلِك لَا يَقْتَضِي تَقْدِيم مَا بَدَأَ بِهِ، ثمَّ التَّرْتِيب وَقع فِي الْآيَة لبَيَان أَن أَعْضَاء الْوضُوء انقسمت إِلَى مَكْشُوف غَالِبا وَهُوَ الْوَجْه وَالْيَدَانِ، وَإِلَى مَا يتَّخذ لَهُ سَاتِر على حياله وَهُوَ الرَّأْس وَالرجلَانِ، فَكَانَت الْبدَاءَة بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ أولى، لتعرضهما للتلويث، وَالْوَجْه أشرفهما، فَلذَلِك قدم كَمَا قدمت الْيَمين على الْيَسَار، ثمَّ قدم الرَّأْس على الرجلَيْن لِأَنَّهُ أشرف المستورين. وَيُؤَيّد هَذَا مَا روى أَبُو دَاوُد: عَن عمار بن يَاسر قَالَ: " بَعَثَنِي رَسُول الله [ ﷺ ] فِي حَاجَة فأجنبت، فَلم أجد المَاء، فتمرغت بالصعيد كَمَا تتمرغ الدَّابَّة، ثمَّ أتيت النَّبِي [ ﷺ ] فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تصنع هَكَذَا، فَضرب بيدَيْهِ على الأَرْض فنفضهما ثمَّ ضرب بِشمَالِهِ على يَمِينه، وبيمينه على شِمَاله إِلَى الْكَفَّيْنِ، ثمَّ مسح وَجهه ". وَأخرجه البُخَارِيّ بِأَلْفَاظ قريبَة من هَذَا. فقد ترك رَسُول الله [ ﷺ ] التَّرْتِيب فِي التَّيَمُّم، وَمَتى سقط اشْتِرَاطه فِي التَّيَمُّم سقط فِي الْوضُوء، إِذْ لَا قَائِل بِالْفرقِ.

стр. 72

وروى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: " مَا أُبَالِي إِذا أتممت وضوئي بِأَيّ أعضائي بدأت ". وَقد وَافَقنَا مَالك ﵀ فِي ذَلِك. وَقَالَ ابْن شَدَّاد فِي دَلَائِل الْأَحْكَام لَهُ: " وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه سنة حَتَّى لَو عكس صَحَّ وضوءه ". وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود ﵄، وَقَالَ بِهِ من التَّابِعين سعيد بن الْمسيب، وَعَطَاء، وَالنَّخَعِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب الْأَوْزَاعِيّ، وَالثَّوْري، رَحِمهم الله تَعَالَى " (بَاب الْخَارِج النَّجس من غير السَّبِيلَيْنِ ينْقض الْوضُوء) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن ابْن جريج عَن (أَبِيه) قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا قاء أحدكُم أَو قلس أَو وجد مذيا وَهُوَ فِي الصَّلَاة فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلَاته / مَا لم يتَكَلَّم ".

стр. 73

قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " قَالَ لنا أَبُو بكر سَمِعت مُحَمَّد بن يحيى يَقُول: هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج وَهُوَ مُرْسل ". وروى التِّرْمِذِيّ: من طَرِيق حُسَيْن الْمعلم عَن أبي الدَّرْدَاء: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] قاء فَتَوَضَّأ، فَلَقِيت ثَوْبَان فِي مَسْجِد دمشق، فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: صدق، أَنا صببت لَهُ وضوءه ". قَالَ الْأَثْرَم: " قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل، قد اضْطَرَبُوا فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: حُسَيْن الْمعلم يجوده ". فَإِن قيل: إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ غسل فَمه من الْقَيْء (وزهومته) . قيل: لَهُ: الْمَفْهُوم من (إِطْلَاق) لفظ الْوضُوء عِنْد أهل الشَّرْع إِنَّمَا هُوَ الْوضُوء الشَّرْعِيّ، وَغسل الْفَم من الْقَيْء وَمن اللَّبن يُسمى مضمضة.

стр. 74

وروى تَمِيم الدَّارِيّ ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " الْوضُوء من كل دم سَائل ". هَذَا الحَدِيث يرويهِ عَن تَمِيم الدَّارِيّ عمر بن عبد الْعَزِيز وَلم يلقه، وَيَرْوِيه عَن عمر بن عبد الْعَزِيز يزِيد بن خَالِد، و (يزِيد) بن مُحَمَّد وهما مَجْهُولَانِ، إِلَّا أَن عدم لَقِي الرَّاوِي من حدث عَنهُ بِمَنْزِلَة الْإِرْسَال، والمرسل مَقْبُول عندنَا. والجهالة غير مَانِعَة من الْقبُول على مَا مر. (روى) مَالك: عَن نَافِع: " أَن عبد الله بن عمر ﵁ كَانَ إِذا رعف انْصَرف فَتَوَضَّأ ثمَّ رَجَعَ فَبنى وَلم يتَكَلَّم ". فَإِن قيل: رُوِيَ أَن ابْن عمر ﵁ عصر بثرة فَخرج مِنْهَا دم وَلم يتَوَضَّأ ".

стр. 75

قيل لَهُ: وَكَذَلِكَ نقُول فَإِن هَذَا مخرج وَلَيْسَ بِخَارِج فَلَا ينْتَقض الْوضُوء. وروى مَالك: عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط اللَّيْثِيّ، " أَنه رأى سعيد بن الْمسيب رعف وَهُوَ يُصَلِّي فَأتى حجرَة أم سَلمَة زوج النَّبِي [ ﷺ ] فَتَوَضَّأ ثمَّ رَجَعَ فَبنى على مَا قد صلى ". فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: فِي سنَنه عَن جَابر ﵁ قَالَ: " خرجنَا مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، فَأصَاب رجل امْرَأَة رجل من الْمُشْركين، فَحلف أَن لَا أَنْتَهِي حَتَّى أهريق دَمًا فِي أَصْحَاب مُحَمَّد، فَخرج يتبع أَثَره، وَنزل رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: هَل من رجل يكلؤنا فَانْتدبَ رجل من الْمُهَاجِرين وَقَامَ (رجل) من الْأَنْصَار وَقَالَ: (كونا) بِفَم الشّعب، / فَلَمَّا خرج الرّجلَانِ إِلَى فَم الشّعب اضْطجع الْمُهَاجِرِي، وَقَامَ الْأنْصَارِيّ يُصَلِّي، فَأتى الرجل فَلَمَّا رأى شخصه (عرف) أَنه ربيئة (الْقَوْم) ، فَرَمَاهُ بِسَهْم فَوَضعه فِيهِ فَنَزَعَهُ حَتَّى رَمَاه بِثَلَاثَة أسْهم، ثمَّ ركع ثمَّ سجد ثمَّ أنبه صَاحبه، فَلَمَّا عرف أَنهم قد نذروا بِهِ هرب، فَلَمَّا
следующие страницы →