Полный текст (762 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(بَاب التَّرْتِيب لَيْسَ بِشَرْط فِي الْوضُوء وَلَا فِي التَّيَمُّم)
لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ﴾ . / (عقب) الْقيام إِلَى الصَّلَاة بِغسْل مَجْمُوع الْأَعْضَاء، لِأَنَّهُ عطف بَعْضهَا على بعض بِحرف الْوَاو، وَهِي لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب، وَلَا يُمكن التَّعْبِير عَنْهَا مفصلة إِلَّا بِذكر اسْم كل وَاحِد مِنْهَا، فَوَقع ذكر الأول من ضَرُورَة التَّفْصِيل، وَنَظِيره قَول الْقَائِل: " (إِذا) دخلت السُّوق فاشتر الْخبز وَاللَّحم والفاكهة "، فَإِن ذَلِك لَا يَقْتَضِي تَقْدِيم مَا بَدَأَ بِهِ، ثمَّ التَّرْتِيب وَقع فِي الْآيَة لبَيَان أَن أَعْضَاء الْوضُوء انقسمت إِلَى مَكْشُوف غَالِبا وَهُوَ الْوَجْه وَالْيَدَانِ، وَإِلَى مَا يتَّخذ لَهُ سَاتِر على حياله وَهُوَ الرَّأْس وَالرجلَانِ، فَكَانَت الْبدَاءَة بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ أولى، لتعرضهما للتلويث، وَالْوَجْه أشرفهما، فَلذَلِك قدم كَمَا قدمت الْيَمين على الْيَسَار، ثمَّ قدم الرَّأْس على الرجلَيْن لِأَنَّهُ أشرف المستورين. وَيُؤَيّد هَذَا مَا روى أَبُو دَاوُد: عَن عمار بن يَاسر قَالَ: " بَعَثَنِي رَسُول الله [ ﷺ ] فِي حَاجَة فأجنبت، فَلم أجد المَاء، فتمرغت بالصعيد كَمَا تتمرغ الدَّابَّة، ثمَّ أتيت النَّبِي [ ﷺ ] فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تصنع هَكَذَا، فَضرب بيدَيْهِ على الأَرْض فنفضهما ثمَّ ضرب بِشمَالِهِ على يَمِينه، وبيمينه على شِمَاله إِلَى الْكَفَّيْنِ، ثمَّ مسح وَجهه ". وَأخرجه البُخَارِيّ بِأَلْفَاظ قريبَة من هَذَا.
فقد ترك رَسُول الله [ ﷺ ] التَّرْتِيب فِي التَّيَمُّم، وَمَتى سقط اشْتِرَاطه فِي التَّيَمُّم سقط فِي الْوضُوء، إِذْ لَا قَائِل بِالْفرقِ.
стр. 72
وروى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: " مَا أُبَالِي إِذا أتممت وضوئي بِأَيّ أعضائي بدأت ". وَقد وَافَقنَا مَالك ﵀ فِي ذَلِك.
وَقَالَ ابْن شَدَّاد فِي دَلَائِل الْأَحْكَام لَهُ: " وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه سنة حَتَّى لَو عكس صَحَّ وضوءه ".
وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود ﵄، وَقَالَ بِهِ من التَّابِعين سعيد بن الْمسيب، وَعَطَاء، وَالنَّخَعِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب الْأَوْزَاعِيّ، وَالثَّوْري، رَحِمهم الله تَعَالَى "
(بَاب الْخَارِج النَّجس من غير السَّبِيلَيْنِ ينْقض الْوضُوء)
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن ابْن جريج عَن (أَبِيه) قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا قاء أحدكُم أَو قلس أَو وجد مذيا وَهُوَ فِي الصَّلَاة فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلَاته / مَا لم يتَكَلَّم ".
стр. 73
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " قَالَ لنا أَبُو بكر سَمِعت مُحَمَّد بن يحيى يَقُول: هَذَا هُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج وَهُوَ مُرْسل ".
وروى التِّرْمِذِيّ: من طَرِيق حُسَيْن الْمعلم عَن أبي الدَّرْدَاء: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] قاء فَتَوَضَّأ، فَلَقِيت ثَوْبَان فِي مَسْجِد دمشق، فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: صدق، أَنا صببت لَهُ وضوءه ".
قَالَ الْأَثْرَم: " قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل، قد اضْطَرَبُوا فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: حُسَيْن الْمعلم يجوده ".
فَإِن قيل: إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ غسل فَمه من الْقَيْء (وزهومته) .
قيل: لَهُ: الْمَفْهُوم من (إِطْلَاق) لفظ الْوضُوء عِنْد أهل الشَّرْع إِنَّمَا هُوَ الْوضُوء الشَّرْعِيّ، وَغسل الْفَم من الْقَيْء وَمن اللَّبن يُسمى مضمضة.
стр. 74
وروى تَمِيم الدَّارِيّ ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " الْوضُوء من كل دم سَائل ".
هَذَا الحَدِيث يرويهِ عَن تَمِيم الدَّارِيّ عمر بن عبد الْعَزِيز وَلم يلقه، وَيَرْوِيه عَن عمر بن عبد الْعَزِيز يزِيد بن خَالِد، و (يزِيد) بن مُحَمَّد وهما مَجْهُولَانِ، إِلَّا أَن عدم لَقِي الرَّاوِي من حدث عَنهُ بِمَنْزِلَة الْإِرْسَال، والمرسل مَقْبُول عندنَا. والجهالة غير مَانِعَة من الْقبُول على مَا مر.
(روى) مَالك: عَن نَافِع: " أَن عبد الله بن عمر ﵁ كَانَ إِذا رعف انْصَرف فَتَوَضَّأ ثمَّ رَجَعَ فَبنى وَلم يتَكَلَّم ".
فَإِن قيل: رُوِيَ أَن ابْن عمر ﵁ عصر بثرة فَخرج مِنْهَا دم وَلم يتَوَضَّأ ".
стр. 75
قيل لَهُ: وَكَذَلِكَ نقُول فَإِن هَذَا مخرج وَلَيْسَ بِخَارِج فَلَا ينْتَقض الْوضُوء. وروى مَالك: عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط اللَّيْثِيّ، " أَنه رأى سعيد بن الْمسيب رعف وَهُوَ يُصَلِّي فَأتى حجرَة أم سَلمَة زوج النَّبِي [ ﷺ ] فَتَوَضَّأ ثمَّ رَجَعَ فَبنى على مَا قد صلى ".
فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: فِي سنَنه عَن جَابر ﵁ قَالَ: " خرجنَا مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، فَأصَاب رجل امْرَأَة رجل من الْمُشْركين، فَحلف أَن لَا أَنْتَهِي حَتَّى أهريق دَمًا فِي أَصْحَاب مُحَمَّد، فَخرج يتبع أَثَره، وَنزل رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: هَل من رجل يكلؤنا فَانْتدبَ رجل من الْمُهَاجِرين وَقَامَ (رجل) من الْأَنْصَار وَقَالَ: (كونا) بِفَم الشّعب، / فَلَمَّا خرج الرّجلَانِ إِلَى فَم الشّعب اضْطجع الْمُهَاجِرِي، وَقَامَ الْأنْصَارِيّ يُصَلِّي، فَأتى الرجل فَلَمَّا رأى شخصه (عرف) أَنه ربيئة (الْقَوْم) ، فَرَمَاهُ بِسَهْم فَوَضعه فِيهِ فَنَزَعَهُ حَتَّى رَمَاه بِثَلَاثَة أسْهم، ثمَّ ركع ثمَّ سجد ثمَّ أنبه صَاحبه، فَلَمَّا عرف أَنهم قد نذروا بِهِ هرب، فَلَمَّا
стр. 76
رأى الْمُهَاجِرِي مَا بِالْأَنْصَارِيِّ من الدِّمَاء قَالَ: سُبْحَانَ الله (هلا) أنبهتني أول (مَا) رمى، قَالَ: كنت فِي سُورَة أقرؤها فَلم أحب أَن أقطعها ".
قَالُوا: فقد مضى فِي صلَاته وَلَو كَانَ خُرُوج الدَّم ينْقض (الْوضُوء) لما مضى فِي صلَاته.
قيل: هَذَا لَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ، فَإِن الدَّم حِين خرج أصَاب بدنه وثوبه، فَيَنْبَغِي أَن يخرج من الصَّلَاة وَلم يخرج، (فَلَمَّا لم يدل) مضيه فِي الصَّلَاة على جَوَاز الصَّلَاة مَعَ النَّجَاسَة، كَذَلِك لَا يدل مضيه فِيهَا على أَن خُرُوج الدَّم لَا ينْقض الْوضُوء. قَالَ الْخطابِيّ: " وَتَقْدِير خُرُوج الدَّم زرقا بِحَيْثُ (لَا يلوث) شَيْئا بعيد ".
فَإِن قيل: إِصَابَة الدَّم شَيْئا من بدنه أَو ثِيَابه يشك فِيهِ ويشك فِي أَنه يسير يتَحَمَّل فِي الصَّلَاة، أَو كثير لَا يتَحَمَّل فِي الصَّلَاة، وَأما خُرُوجه فَإِنَّهُ يحس بِهِ لِأَنَّهُ خَارج من بدنه.
قيل لَهُ: هَذِه مُكَابَرَة، كَيفَ يحصل هَذَا الشَّك وَقد قَالَ جَابر ﵁: " فَلَمَّا رأى الْمُهَاجِرِي مَا بِالْأَنْصَارِيِّ من الدِّمَاء "، والمهاجري قد رَآهُ بِاللَّيْلِ، وهاله مَا رأى من الدِّمَاء بِبدنِهِ وثيابه، لِأَنَّهُ قَالَ: " مَا بِالْأَنْصَارِيِّ من الدِّمَاء "، وَلم يقل مَا بِالْأَرْضِ، وَالدَّم المهول فِي اللَّيْل لَا يكون يَسِيرا، كَيفَ وَقد جمع الدَّم فَقَالَ: " مَا بِالْأَنْصَارِيِّ من الدِّمَاء "، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد أَصَابَهُ بِثَلَاثَة أسْهم، وَالظَّاهِر أَنَّهَا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، ثمَّ إِن هَذَا فعل وَاحِد من الصَّحَابَة ﵃، وَلَعَلَّه كَانَ مذهبا لَهُ أَو كَانَ غير عَالم بِحكمِهِ.
стр. 77
قَالَ الْخطابِيّ: " أَكثر الْفُقَهَاء على انْتِقَاض الْوضُوء بسيلان الدَّم، وَقَول الشَّافِعِي قوي فِي الْقيَاس، ومذاهبهم أقوى فِي الِاتِّبَاع ".
وَقد وَافَقنَا على هَذِه الْمَسْأَلَة سُفْيَان الثَّوْريّ، وَابْن الْمُبَارك، وَأحمد، وَإِسْحَاق ﵏.
(ذكر مَا فِي الْأَحَادِيث من الْغَرِيب:)
" القلس: / الْقَيْء: والقلس حَبل عَظِيم من لِيف أَو خوص من قلوس السفن ".
" هراق المَاء، يهريقه بِفَتْح الْهَاء لِأَن أَصله أراق (يريق) وَالشَّيْء (مهراق) ومهراق بِالتَّحْرِيكِ أَيْضا ".
" كلأه الله كلاءة بِالْكَسْرِ: أَي حفظه وحرسه، فَقَوله من يكلؤنا: أَي يحفظنا ويحرسنا، وَمِنْه الكلاء بِالْمدِّ وَالتَّشْدِيد للموضع الَّذِي تحفظ (فِيهِ) السفن، وَمنع بيع الكالئ بالكالئ: أَي النَّسِيئَة بِالنَّسِيئَةِ، لِأَن صَاحب الدّين يرقب (مَتى) يحل دينه، وكلئت الأَرْض، وأكلأت فَهِيَ مكلئة، أَي ذَات عشب، والكلأ العشب، رطبه ويابسه ".
" والشعب: بِالْكَسْرِ الطَّرِيق فِي الْجَبَل، وَالْجمع: الشعاب، والشعب: بِالْفَتْح الْقَبِيلَة الْعَظِيمَة الَّتِي تنْسب إِلَيْهَا الْقَبَائِل، وَهُوَ أَبُو الْقَبَائِل الَّتِي ينسبون (إِلَيْهِ) ،
стр. 78
والشعب أَيْضا جبل بِالْيمن، وَإِلَيْهِ ينْسب عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ، وشعبت الشَّيْء: فرقته، وشعبته: جمعته، من االأضداد، والشعوبية: فرقة لَا تفضل الْعَرَب على الْعَجم ". وربيئة: وَهُوَ برَاء مَفْتُوحَة وباء مُعْجمَة بِوَاحِدَة مَكْسُورَة وياء ممدودة بعْدهَا همزَة وهاء، وَهُوَ الطليعة للْقَوْم، وَجمعه: ربايا، ذكره الْجَوْهَرِي.
(بَاب النّوم لَا ينْقض الْوضُوء إِلَّا فِي حَالَة استرخاء المفاصل)
أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ يسْجد وينام وينفخ (ثمَّ يقوم) فَيصَلي وَلَا يتَوَضَّأ، فَقلت لَهُ: صليت وَلم تتوضأ وَقد نمت، فَقَالَ: إِنَّمَا الْوضُوء على من نَام مُضْطَجعا ". وَفِي رِوَايَة: فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله ".
وروى أَحْمد بن حَنْبَل أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَيْسَ على من نَام سَاجِدا وضوء حَتَّى يضطجع، فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله ".
стр. 79
فَإِن قيل: فِي سَنَده يزِيد الدالاني.
قيل لَهُ: سُئِلَ عَنهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ صَدُوق ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل وَابْن معِين وَأَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ: " لَيْسَ بِهِ بَأْس ".
فَإِن قيل: روى أَبُو دَاوُد: عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : / وكاء السه العينان فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ ".
قيل لَهُ: فِي سَنَده بَقِيَّة بن الْوَلِيد، والوضين بن عَطاء، وَفِيهِمَا مقَال، وَقد وَافَقنَا على هَذِه الْمَسْأَلَة سُفْيَان الثَّوْريّ، وَعبد الله بن الْمُبَارك، وَأحمد بن حَنْبَل ﵏.
стр. 80
(ذكر مَا فِي هَذِه الْأَحَادِيث من الْغَرِيب:)
" الْوضُوء: بِالْفَتْح، المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ، وبالضم الْمصدر، والوضاءة: الْحسن والنظافة، تَقول: وضوء الرجل: أَي صَار وضيئا، وتوضأت للصَّلَاة، وَلَا تَقول توضيت. والوكاء: هُوَ الْخَيط الَّذِي يرْبط بِهِ فَم الرَّقَبَة، (والسه: حَلقَة الدبر) ".
(بَاب القهقهة تنقض الْوضُوء)
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي: " أَن أعمى تردى فِي بِئْر وَالنَّبِيّ [ ﷺ ] يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، فَضَحِك بعض من كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] ، فَأمر النَّبِي [ ﷺ ] من كَانَ ضحك مِنْهُم أَن يُعِيد الْوضُوء وَالصَّلَاة جَمِيعًا ".
فَإِن قيل: هَذَا الحَدِيث مُرْسل، أرْسلهُ أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي، وَقد قيل إِنَّه كَانَ لَا يُبَالِي من أَيْن كَانَ يَأْخُذ الحَدِيث، وَقَالَ ابْن عدي: " إِنَّمَا قيل فِي أبي الْعَالِيَة مَا قيل لهَذَا الحَدِيث وَإِلَّا فسائر أَحَادِيثه صَالِحَة ".
قيل لَهُ: روى الْبَيْهَقِيّ: عَن ابْن شهَاب أَن النَّبِي [ ﷺ ] أَمر رجلا ضحك فِي الصَّلَاة أَن يُعِيد الْوضُوء وَالصَّلَاة ". قَالَ الشَّافِعِي ﵁: " لم نقبله لِأَنَّهُ مُرْسل " فَلم يذكر فِيهِ (عِلّة) سوى الْإِرْسَال، فَدلَّ على صِحَة إرْسَاله. وَأما أَبُو الْعَالِيَة
стр. 81
فَهُوَ عدل ثِقَة وَقد اتّفق على إرْسَال هَذَا الحَدِيث معمر، وَأَبُو عوَانَة، وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة، وَسَعِيد بن أبي بشير، فَرَوَوْه عَن قَتَادَة، عَن أبي الْعَالِيَة، وتابعهم عَلَيْهِ ابْن أبي الذَّيَّال، وَهَؤُلَاء خمس ثِقَات، فَإِن صَحَّ عَن أبي الْعَالِيَة أَنه كَانَ لَا يُبَالِي من أَيْن (أَخذ) الحَدِيث، قُلْنَا لكنه إِذا أرسل الحَدِيث لَا يُرْسِلهُ إِلَّا عَمَّن تقبل رِوَايَته، لِأَن الْمَقْصُود من رِوَايَة الحَدِيث لَيْسَ إِلَّا التَّبْلِيغ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ، وخاصة إِذا تضمن حكما شَرْعِيًّا، فَإِذا أرسل الحَدِيث وَلم يذكر من أرْسلهُ عَنهُ مَعَ علمه أَو ظَنّه بِعَدَمِ عَدَالَته، كَانَ غاشا للْمُسلمين، وتاركا لنصيحتهم، فَتسقط عَدَالَته، وَيدخل فِي قَوْله ﵇: " من غش فَلَيْسَ منا ". وَقد ثبتَتْ / عَدَالَته، وَرَوَاهُ الثِّقَات عَنهُ مُرْسلا فَدلَّ على أَنه أرْسلهُ عَن عدل، وَلِأَن الْمُرْسل شَاهد على الرَّسُول [ ﷺ ] بِإِضَافَة الْخَبَر إِلَيْهِ، فَلَو لم يكن ثَابتا عَنهُ بطرِيق تقَارب الْعلم لما أرْسلهُ، ولكان أسْندهُ لتَكون الْعهْدَة على غَيره، وَهَذِه عَادَة غير مدفوعة أَن من قوي ظَنّه بِوُجُود شَيْء أعرض عَن إِسْنَاده. فَهَذِهِ مَسْأَلَة تفرد بهَا أَصْحَابنَا اتبَاعا لهَذَا الحَدِيث، وَتركُوا الْقيَاس من أَجله، وَهَذِه شَهَادَة ظَاهِرَة لَهُم أَنهم يقدمُونَ الحَدِيث على الْقيَاس، وهم أتبع للْحَدِيث من سَائِر النَّاس.
стр. 82
(بَاب لمس الْمَرْأَة لَيْسَ بناقض للْوُضُوء)
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَائِشَة ﵂ قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يتَوَضَّأ ثمَّ يقبل بَعْدَمَا يتَوَضَّأ ثمَّ يُصَلِّي وَلَا يتَوَضَّأ ". وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ سمع هَذَا الحَدِيث من أَبِيه، وَوَصله بعائشة من طَرِيق مُعَاوِيَة بن هِشَام، وَأَبوهُ: يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ، تيم الربَاب، ثِقَة.
وروى عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كنت أَنَام بَين يَدي رَسُول الله [ ﷺ ] فِي قبلته فَإِذا سجد غمز رجْلي فقبضتها وَإِذا قَامَ بسطتها ". قَالَت: " والبيوت يَوْمئِذٍ لَيْسَ لَهَا مصابيح ". ذكر هَذَا (البُخَارِيّ وَمُسلم) وَالنَّسَائِيّ فِي بَاب الرُّخْصَة فِي لمس الْمَرْأَة.
стр. 83
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ فَفِيهِ قراءتان: الْمَدّ وَالْقصر، وَالْمدّ عَلَيْهِ أَكثر الْقُرَّاء، وَالْمُلَامَسَة المفاعلة، وَالْأَصْل أَن تكون بَين شَخْصَيْنِ فَيحمل على المجامعة.
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁: " إِن الله حييّ كريم كنى باللمس عَن الْجِمَاع ". وَقد صَحَّ أَن النَّبِي [ ﷺ ] دَعَا لَهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ علمه الْكتاب "، وَدُعَاء النَّبِي [ ﷺ ] مستجاب، فيكاد الْعَاقِل يقطع بِمَا فسره من الْقُرْآن أَن يكون مُرَاد الله تَعَالَى، وَالْوَاجِب أَن تحمل الْآيَة على مَا فسره ابْن عَبَّاس، لِأَن الظَّاهِر أَن (الْحَكِيم) إِذا بَين الطَّهَارَة الصُّغْرَى وَالطَّهَارَة الْكُبْرَى حَال وجود المَاء أَن يبينهما حَال عدم المَاء، لِأَن بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى بَيَان ذَلِك، فَلَو حملت الْآيَة على الْجِمَاع كَانَ النَّص بَيَانا شافيا للطهارتين جَمِيعًا حَال عدم المَاء (لفا) لما (سبقه) من الْبَيَان الشافي لَهما حَال وجود المَاء، فَوَجَبَ أَن يحمل عَلَيْهِ دفعا لحَاجَة الْعباد، لَا أَن يحمل / على حدث بعد حدث فَتكون الْآيَة بَيَانا للطَّهَارَة الصُّغْرَى مرَّتَيْنِ، وإهمالا للطَّهَارَة الْكُبْرَى حَال عدم المَاء، مَعَ أَن الْعقل لَا يَهْتَدِي إِلَى قِيَاس الطَّهَارَة الْكُبْرَى على الطَّهَارَة الصُّغْرَى.
فَإِن قيل: لَيْسَ من اللَّازِم أَن تشْتَمل الْآيَة على (جَمِيع) الْأَحْكَام فِي بَاب وَاحِد حَتَّى لَا يشذ عَنْهَا شَيْء، بل يتَوَلَّى الْكتاب بَعْضهَا وَالسّنة بَعْضهَا، أَلا ترى أَن
стр. 84
عمار بن يَاسر كَانَ يتمعك فِي التُّرَاب لجنابة أَصَابَته، فَقَالَ [ ﷺ ] : " يَكْفِيك ضربتان ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ ". فَكَانَ تيَمّم الْجنب متلقى من هَذَا الحَدِيث.
قيل لَهُ: عمار بن يَاسر لم يستفد من النَّبِي [ ﷺ ] إِلَّا كَيْفيَّة التَّيَمُّم، وَأما أصل شَرعه ففهمه من الْآيَة وَلِهَذَا تمعك فِي التُّرَاب.
وَيُؤَيّد مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن يحيى بن سعيد، عَن عميرَة، عَن عَائِشَة ﵂، قَالَت: " فقدت النَّبِي [ ﷺ ] ذَات لَيْلَة فَظَنَنْت أَنه أَتَى جَارِيَته، فالتمسته بيَدي، فَوَقَعت يَدي على صُدُور قَدَمَيْهِ وَهُوَ ساجد يَقُول: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وَأَعُوذ بعفوك من عقابك، لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك ". وَفِي الصَّحِيح: " أَن يَدهَا وَقعت على أَخْمص قَدَمَيْهِ وَهُوَ ساجد "، والأخمص مَا دخل من بَاطِن الْقدَم، وَهَذَا فِي الْأَغْلَب لَا يكون مَسْتُورا سِيمَا فِي (حَال) السُّجُود. وَهَذِه الْمَسْأَلَة قد وَافَقنَا عَلَيْهَا الْحسن، وَالثَّوْري، وسبقنا بالْقَوْل بذلك عبد الله بن عَبَّاس ﵁، وَإِلَى هَذَا ذهب عَطاء وَطَاوُس رحمهمَا الله.
(بَاب مس الذّكر لَا ينْقض الْوضُوء)
التِّرْمِذِيّ: عَن قيس بن طلق بن عَليّ - هُوَ الْحَنَفِيّ - عَن أَبِيه، عَن
стр. 85
النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " وَهل هُوَ إِلَّا مُضْغَة مِنْهُ (أَو بضعَة) (مِنْهُ) ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: " وَهَذَا أحسن (شَيْء) رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب ". وَقد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنهم لم يرَوا من مس الذّكر وضُوءًا، فَمن الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب، وَابْن مَسْعُود، وعمار بن يَاسر، وَأَبُو الدَّرْدَاء، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان، وَغَيرهم، وَمن التَّابِعين / سعيد بن الْمسيب، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ ﵀.
فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن بسرة بنت صَفْوَان أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " (إِذا مس أحدكُم) ذكره فَليَتَوَضَّأ ".
стр. 86
قيل (لَهُ: فقد) روى الطَّحَاوِيّ: عَن عَبَّاس بن عبد الْعَظِيم الْعَنْبَري، قَالَ: سَمِعت عَليّ بن الْمَدِينِيّ يَقُول: " حَدِيث ملازم هَذَا - يَعْنِي حَدِيث قيس بن طلق - أحسن من حَدِيث بسرة ". وَكَانَ ربيعَة يَقُول: " وَيحكم مثل هَذَا يَأْخُذ بِهِ أحد، وَيعْمل بِحَدِيث بسرة، وَالله لَو أَن بسرة شهِدت على هَذَا النَّعْل مَا قبلت شهادتها، إِنَّمَا قوام الدّين بِالصَّلَاةِ، وقوام الصَّلَاة بالطهور، فَلم يكن فِي صحابة رَسُول الله [ ﷺ ] من (يُقيم هَذَا) الدّين إِلَّا بسرة ".
ولعمري إِنَّه (صَادِق) فِيمَا قَالَ، لِأَن هَذَا حكم (يتَعَلَّق) بِالرِّجَالِ، فَكيف تخْتَص بروايته امْرَأَة؛ هَذِه تُهْمَة توجب التَّوَقُّف، وَقبُول الصَّحَابَة ﵃ خبر عَائِشَة ﵂ فِي التقاء الختانين لَا يُنَاقض مَا قُلْنَاهُ، لِأَنَّهُ حكم مُشْتَرك بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَحَدِيث التقاء الختانين ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة، و (عَكسه) عَن عُثْمَان، وَحَدِيث عَائِشَة ﵃ كَانَ مرجحا لَا مثبتا. فَإِن قيل: إِن طلقا قدم على النَّبِي [ ﷺ ] فِي ابْتِدَاء الْهِجْرَة، وَالْمَسْجِد على عَرِيش، وحديثنا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَقد أسلم سنة سِتّ من الْهِجْرَة، فَكَانَ حديثنا مُتَأَخِّرًا، وَالْأَخْذ بآخر الْأَمريْنِ وَاجِب، لِأَنَّهُ نَاسخ.
стр. 87
قيل لَهُ: روى أَبُو دَاوُد عَن قيس بن طلق عَن أَبِيه قَالَ: " قدمنَا على نَبِي الله [ ﷺ ] (فَجَاءَهُ) رجل كَأَنَّهُ بدوي فَقَالَ: يَا نَبِي الله مَا ترى فِي مس الرجل ذكره بَعْدَمَا يتَوَضَّأ، قَالَ: هَل هُوَ إِلَّا مُضْغَة (مِنْهُ) أَو بضعَة (مِنْهُ) ". فَفِي قَوْله: " مَا ترى فِي مس الرجل ذكره بَعْدَمَا يتَوَضَّأ "، دلَالَة على أَنه كَانَ بلغه أَن النَّبِي [ ﷺ ] شرع فِيهِ الْوضُوء، فَأَرَادَ أَن يستيقن ذَلِك، وَإِلَّا فالمستقر عِنْدهم أَن الْأَحْدَاث إِنَّمَا كَانَت من الْخَارِج النَّجس، وَإِلَّا فالعقل لَا يَهْتَدِي إِلَى أَن مس الذّكر يُنَاسب نقض الْوضُوء، فعلى هَذَا يكون حديثنا هُوَ آخر الْأَمريْنِ، وَيكون أَبُو هُرَيْرَة قد سَمعه / من بعض الصَّحَابَة ثمَّ أرْسلهُ، أَو نقُول: الْمَشْهُور فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث بسرة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ فَلَا نسلم صِحَّته، وَدَعوى النّسخ إِنَّمَا تصح بعد ثُبُوت الصِّحَّة.
стр. 88
(بَاب لَيْسَ فِي أكل لُحُوم الْإِبِل وضوء)
إِلَى هَذَا ذهب عَامَّة الْعلمَاء، وحملوا الْأَمر بِالْوضُوءِ مِنْهَا على غسل الْيَد، فَإِنَّهُ يُسمى وضُوءًا كَمَا قَالَ: " الْوضُوء قبل الطَّعَام يَنْفِي الْفقر وَبعده يَنْفِي اللمم ".
وَالْمعْنَى فِيهِ أَن لحم الْجَزُور بالحجاز لَهُ زفر عَظِيم دون لحم الْغنم، وَلَو أَرَادَ الْوضُوء للصَّلَاة (لقَالَ) كَمَا قَالَ: " من جَامع وَلم يمن فَليَتَوَضَّأ كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة، وَيغسل ذكره ". وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ الْوضُوء للصَّلَاة، وَلكنه يحْتَمل أَن يكون أَمر بِالْوضُوءِ (مِنْهُ) (ابْتِدَاء) ، ثمَّ أَمر بِالْوضُوءِ مِمَّا مسته النَّار مُطلقًا، وَقد كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله [ ﷺ ] ترك الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار.
стр. 89
(ذكر الْغَرِيب مِمَّا استشهدنا بِهِ:)
اللمم: صغائر الذُّنُوب، وَيُقَال: هُوَ مقاربة الْمعْصِيَة من غير مواقعة، واللمم أَيْضا طرف من الْجُنُون.
(بَاب لَيْسَ على الْمَرْأَة أَن تنقض ضفائرها فِي غسل جَنَابَة وَلَا حيض)
لما روينَا فِي بَاب النِّيَّة من حَدِيث أم سَلمَة ﵂.
فَإِن قيل: أم سَلمَة إِنَّمَا سَأَلته عَن غسل الْجَنَابَة، وَغسل (الْمَحِيض) غَيره، وَقد أَمر النَّبِي [ ﷺ ] بِنَقْض شعرهَا فِيهِ.
البُخَارِيّ وَغَيره عَن عَائِشَة ﵂، قَالَت: خرجنَا (موافين) لهِلَال ذِي الْحجَّة، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : من أحب أَن يهل بِعُمْرَة فليهل، (فَإِنِّي لَوْلَا) أَنِّي أهديت لأهللت بِعُمْرَة، (فَأهل بَعضهم بِعُمْرَة) وَأهل بَعضهم بِحَجّ، وَكنت أَنا مِمَّن أهل بِعُمْرَة، فأدركني يَوْم عَرَفَة وَأَنا حَائِض، فشكوت إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: دعِي عمرتك وانقضي رَأسك وامتشطي وَأَهلي بِحَجّ.
قيل لَهُ: الْجَنَابَة وَالْحيض حكمهمَا وَاحِد، لِأَن الْحَائِض مَتى انْقَطع دَمهَا صَارَت
стр. 90
كالجنب، فَالْأَمْر الْوَارِد فِي الْجَنَابَة وَارِد فِي الْحيض، وَأمر النَّبِي [ ﷺ ] بِنَقْض رَأسهَا والامتشاط إِنَّمَا كَانَ لِتَقضي تفثها، وتزيل شعثها، لَا أَنه شَرط فِي رفع حدثها.
(بَاب الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق فرضان فِي الْغسْل)
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ .
التِّرْمِذِيّ: عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يقرئنا الْقُرْآن على كل حَال مَا لم يكن جنبا ". وَهَذَا حَدِيث صَحِيح، فلولا أَن الْجَنَابَة (حلت) الْفَم لما حرم (عَلَيْهِ) قِرَاءَة الْقُرْآن.
وَعنهُ: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " تَحت كل شَعْرَة جَنَابَة فَاغْسِلُوا الشّعْر وأنقوا الْبشرَة ". وَفِي الْأنف شعر وَفِي الْفَم بشرة.
стр. 91
فَإِن قيل: هَذَا حَدِيث يرويهِ الْحَارِث بن وجيه بِالْجِيم وَالْيَاء المنقوطة بِاثْنَتَيْنِ من تحتهَا وَيُقَال بِوَاحِدَة، وَهُوَ شيخ لَيْسَ بِذَاكَ.
قيل لَهُ: هَذَا كَلَام مُبْهَم، وَقد سبق أَن الْجرْح الْمُبْهم لَا يقْدَح.
وروى التِّرْمِذِيّ: عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي [ ﷺ ] (أَنه قَالَ) : " لَا يقْرَأ الْجنب وَالْحَائِض شَيْئا من الْقُرْآن ".
стр. 92
وَقد روى أَبُو دَاوُد: عَن زَاذَان عَن عَليّ ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من ترك مَوضِع شَعْرَة من الْجَنَابَة لم يصبهَا المَاء فعل بِهِ كَذَا وَكَذَا (من النَّار) "، قَالَ (عَليّ) : فَمن ثمَّ عاديت رَأْسِي، (فَمن ثمَّ عاديت رَأْسِي، ثَلَاثًا) . وَكَانَ يجز شعره.
فَإِن قيل: هَذَا حَدِيث يرويهِ (مُوسَى بن) إِسْمَاعِيل، عَن حَمَّاد، عَن عَطاء بن السَّائِب، وَعَطَاء بن السَّائِب خلط فِي آخر عمره.
قيل لَهُ: عَطاء عدل ثِقَة، وَقد صَحَّ هَذَا الحَدِيث من رِوَايَته، وتخليطه فِي آخر عمره لَا يمْنَع صِحَة حَدِيثه، مَا لم يثبت أَن هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا حدث بِهِ فِي وَقت اخْتِلَاطه. (ثمَّ) هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد والمتن، وَلم يروه أحد بطرِيق أوضح من هَذَا حَتَّى يظْهر لنا (تخليطه) .
فَإِن قيل: وزاذان محطوط الرُّتْبَة عِنْدهم.
قيل لَهُ: وَهَذَا طعن مُبْهَم وَأَنه غير قَادِح.
стр. 93
وَقد روى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن ابْن سِيرِين قَالَ: " أَمر رَسُول الله [ ﷺ ] بالاستنشاق / من الْجَنَابَة ".
وَعنهُ: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " إِذا نسي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق إِن كَانَ جنبا أعَاد الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق واستأنف الصَّلَاة ". وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن عَرَفَة، وَإِلَى هَذَا ذهب الثَّوْريّ رَحمَه الله تَعَالَى.
(بَاب لَا يسن بعد الْغسْل وضوء)
التِّرْمِذِيّ: عَن عَائِشَة ﵂: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ لَا يتَوَضَّأ بعد الْغسْل ".
(بَاب لَا يحل للْجنب وَلَا للحائض دُخُول الْمَسْجِد)
لما روى أَبُو دَاوُد: عَن أفلت، عَن جسرة بنت دجَاجَة، عَن عَائِشَة
стр. 94
رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: " جَاءَ رَسُول الله [ ﷺ ] ووجوه بيُوت أَصْحَابه شارعة فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: وجهوا هَذِه الْبيُوت عَن الْمَسْجِد، ثمَّ دخل النَّبِي [ ﷺ ] وَلم يصنع الْقَوْم شَيْئا رَجَاء أَن ينزل فيهم رخصَة، فَخرج رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَيْهِم فَقَالَ: وجهوا هَذِه الْبيُوت عَن الْمَسْجِد، فَإِنِّي لَا أحل الْمَسْجِد لحائض وَلَا جنب ".
فَإِن قيل: قَالَ الْخطابِيّ: " وضعفوا هَذَا الحَدِيث وَقَالُوا (رَاوِيه) أفلت وَهُوَ مَجْهُول ".
قيل لَهُ: قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم: " وَفِيمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ نظر، فَإِنَّهُ أفلت بن خَليفَة، وَيُقَال فليت بن خَليفَة العامري، وَيُقَال الذهلي، (وكنيته) أَبُو حسان، حَدِيثه فِي الْكُوفِيّين، روى عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: " مَا أرى بِهِ بَأْسا "، وَسُئِلَ عَنهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ: " شيخ "، وَحكى البُخَارِيّ أَنه سمع من جسرة بنت دجَاجَة، قَالَ: وَعِنْدهَا عجائب ".
стр. 95
(بَاب مُدَّة الْمسْح للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام (ولياليهن وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة)
مُسلم: عَن شُرَيْح قَالَ: " سَأَلت عَائِشَة ﵂ عَن الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فَقَالَت: عَلَيْك بِابْن أبي طَالب (فسله) فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافر مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: جعل رَسُول الله [ ﷺ ] ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم ".
فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن (أبي بن عمَارَة) - وَكَانَ قد صلى مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] إِلَى الْقبْلَتَيْنِ - أَنه قَالَ: " يَا رَسُول الله أَمسَح على الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: يَوْمًا، قَالَ: ويومين، / قَالَ: ثَلَاثَة، قَالَ: نعم وَمَا شِئْت ".
وَفِي رِوَايَة: " حَتَّى بلغ سبعا، قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : نعم مَا بدا لَك ".
قيل لَهُ: قَالَ أَبُو دَاوُد: " وَقد اخْتلف فِي إِسْنَاده، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ ". وَقَالَ
стр. 96
أَحْمد بن حَنْبَل: " رِجَاله لَا يعْرفُونَ ". وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " هَذَا إِسْنَاد لَا يثبت ". وَقَالَ يحيى بن معِين: " إِسْنَاده مُضْطَرب ". وَقَالَ البُخَارِيّ: " (حَدِيث) مَجْهُول لَا يَصح ".
(بَاب لَا يُجزئ الْمسْح إِلَّا على ظَاهر الْخُف (وَلَا يجب) مسح الْأَسْفَل)
أَبُو دواد: عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَل الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من أَعْلَاهُ، وَقد رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يمسح على ظَاهر خفيه ".
ابْن مَاجَه: عَن جَابر ﵁ قَالَ: " مر رَسُول الله [ ﷺ ] بِرَجُل يتَوَضَّأ وَيغسل (خفيه) ، فَقَالَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَدْفَعهُ، إِنَّمَا أمرت بِالْمَسْحِ هَكَذَا (أَطْرَاف) الْأَصَابِع إِلَى السَّاق (وخطط بالأصابع) ".
فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ قَالَ: " وضأت النَّبِي [ ﷺ ] فِي غزَاة تَبُوك، فَمسح أَعلَى الْخُف وأسفله ".
стр. 97
قيل لَهُ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: " هَذَا حَدِيث مَعْلُول، لم يسْندهُ عَن ثَوْر بن يزِيد غير الْوَلِيد بن مُسلم، وَقَالَ: سَأَلت أَبَا زرْعَة ومحمدا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيح ". وَإِن صَحَّ فنحمله على الِاسْتِحْبَاب لَا على الْإِيجَاب، وَإِلَى هَذَا ذهب الثَّوْريّ وَأحمد وَدَاوُد وَالْأَوْزَاعِيّ ﵏.
(بَاب لَا يشْتَرط إِكْمَال الطَّهَارَة قبل لبس الْخُف)
لِأَن الْخُف مَانع حُلُول الْحَدث بالقدم، فيراعى كَمَال الطَّهَارَة وَقت الْمَنْع، (وَهُوَ) وَقت الْحَدث.
فَإِن قيل: صَحَّ عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ أَنه قَالَ: " كنت مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] فِي سفر فَأَهْوَيْت لأنزع خفيه فَقَالَ: دعهما فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين " وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: عَن أبي بكرَة ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] رخص للْمُسَافِر / ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة، إِذا تطهر فَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا ". فعقب (إنْشَاء) اللّبْس للطَّهَارَة، وَهَذَا ظَاهر فِي تَكْمِيل الطَّهَارَة قبل
стр. 98
اللّبْس، فَلَو غسل إِحْدَى رجلَيْهِ وأدخلها الْخُف، ثمَّ غسل الْأُخْرَى وأدخلها الْخُف، لَا يجوز الْمسْح (عَلَيْهِمَا) ، لِأَنَّهُ لم يلبس الْخُفَّيْنِ عقيب الطَّهَارَة.
قيل لَهُ: اسْتِدَامَة اللّبْس كابتدائه، ثمَّ إِنَّه يَصح أَن يُقَال: دخل النَّاس الْبَلَد راكبين، وَلَا يلْزم اقتران كل وَاحِد مِنْهُم لدُخُول الآخر.
فَإِن قيل: لَو نزل اسْتِدَامَة اللّبْس بِمَنْزِلَة ابْتِدَائه، لما جَازَ الْمسْح على الْخُف بعد حَدثهُ، إِذْ يصير دَوَامه بِمَنْزِلَة ابْتِدَاء (لبسه) على الْحَدث.
قيل لَهُ: لَا يُمكن هَهُنَا، لِأَنَّهُ يكون رَافعا للرخصة من أَصْلهَا فَلم يغْتَفر، وَاخْتَارَ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ الْمُزنِيّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر ﵏.
(بَاب يجوز الْمسْح على الجوربين (إِذا كَانَا ثخينين) وَإِن لم يَكُونَا مجلدين على القَوْل الآخر من قولي الإِمَام ﵁
التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد: عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] تَوَضَّأ وَمسح على الجوربين ".
стр. 99
(بَاب يجوز الْمسْح على الجرموق)
أَبُو دَاوُد: عَن أبي عبد الرَّحْمَن أَنه شهد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف يسْأَل بِلَالًا عَن وضوء رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: " كَانَ يخرج يقْضِي حَاجته، فآتيه بِالْمَاءِ فيتوضأ وَيمْسَح على عمَامَته وموقيه ".
قَالَ الْجَوْهَرِي: " والموق: الَّذِي يلبس فَوق الْخُف، فَارسي مُعرب ".
وَإِلَى هَذَا ذهب الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى.
(بَاب لَا يجوز الْمسْح على الْعِمَامَة)
أَبُو دَاوُد: عَن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر قَالَ: " سَأَلت جَابر بن عبد الله ﵁ عَن الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: السّنة يَا ابْن أخي، وَسَأَلته عَن الْمسْح على
стр. 100
الْعِمَامَة، فَقَالَ: أمس الشّعْر "، فَأَما مسح النَّبِي [ ﷺ ] على الْعِمَامَة مَعَ الناصية فَكَانَ اتِّفَاقًا (هَكَذَا) قَالَ الطَّحَاوِيّ وَغَيره.
(بَاب يجب الْمسْح على الجبائر)
/ ابْن مَاجَه: عَن زيد بن عَليّ، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ: " انْكَسَرت إِحْدَى زندي، فَسَأَلت النَّبِي [ ﷺ ] فَأمرنِي أَن أَمسَح على الجبائر ".
стр. 101
(بَاب التَّيَمُّم قَائِم مقَام الْوضُوء مَا دَامَ المَاء مَعْدُوما)
التِّرْمِذِيّ: وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ: عَن أبي ذَر أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " يَا أَبَا ذَر إِن الصَّعِيد الطّيب طهُور وَإِن لم تَجِد المَاء عشر سِنِين، فَإِذا وجدت المَاء (فأمسه جِلْدك) "، وَفِي رِوَايَة: " الصَّعِيد وضوء الْمُسلم وَلَو إِلَى عشر سِنِين فَإِذا وجدت المَاء (فأمسه) جِلْدك فَإِن ذَلِك خير ".
قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث (حسن) صَحِيح. وَإِلَى هَذَا ذهب الْحسن الْبَصْرِيّ، وَسَعِيد بن الْمسيب، وَالثَّوْري، وَدَاوُد، والمزني ﵏.
(قلت) وَقد استفدنا من هَذَا الحَدِيث أَن الْمُتَيَمم إِذا قدر على اسْتِعْمَال المَاء بَطل تيَمّمه، وَإِن كَانَ فِي الصَّلَاة، لِأَنَّهُ أمره بِاسْتِعْمَالِهِ إِذا وجده وَإِلَى هَذَا ذهب (ابْن الْمسيب) وَالثَّوْري (وَأحمد بن حَنْبَل فِي رِوَايَة، وَاخْتَارَ ذَلِك الْمُزنِيّ وَأَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج رَحِمهم الله تَعَالَى.
فَإِن قيل: هَذَا الْأَمر المُرَاد مِنْهُ الِاسْتِحْبَاب لَا الْإِيجَاب بِدَلِيل قَوْله: " فَإِن ذَلِك خير "، وَهَذَا أفعل التَّفْضِيل.
стр. 102
قيل لَهُ: الْأَمر مطلقه يدل على الْوُجُوب، وَهَذِه الْقَرِينَة لَا تصلح أَن تكون صارفة لَهُ عَن مُوجبه، لِأَن هَذَا اللَّفْظ قد ورد وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ التَّفْضِيل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿أَصْحَاب الْجنَّة يَوْمئِذٍ خير مُسْتَقرًّا وَأحسن مقيلا﴾ ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ ، على مَذْهَب أهل الْعلم) .
(بَاب إِذا خَافَ من الْبرد أَن يقْتله أَو يمرضه جَازَ لَهُ التَّيَمُّم)
أَبُو دَاوُد: عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ: " احْتَلَمت فِي لَيْلَة بَارِدَة فِي غزَاة ذَات السلَاسِل، فَأَشْفَقت إِن اغْتَسَلت أَن أهلك، فَتَيَمَّمت ثمَّ صليت بِأَصْحَابِي الصُّبْح، فَذكرُوا ذَلِك لرَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالَ: يَا عَمْرو صليت بِأَصْحَابِك وَأَنت جنب؟ ، فَأَخْبَرته بِالَّذِي مَنَعَنِي من الِاغْتِسَال، وَقلت إِنِّي سَمِعت الله يَقُول: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما﴾ ، فَضَحِك رَسُول الله [ ﷺ ] وَلم يقل شَيْئا ". /.
стр. 103
(بَاب إِذا خَافَ إِن اشْتغل بِالْوضُوءِ فَاتَتْهُ صَلَاة الْجِنَازَة تيَمّم)
رَأَيْت فِي كتاب التَّحْقِيق لأبي الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ، عَن ابْن عَبَّاس ﵁: " إِذا فجئتك الْجِنَازَة وَأَنت على غير وضوء فَتَيَمم ".
(بَاب يجوز التَّيَمُّم بِكُل مَا (كَانَ) من جنس الأَرْض)
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ . والصعيد: مَا تصعد من الأَرْض، فَيتَنَاوَل الْحجر والمدر وَسَائِر أَجزَاء الأَرْض. قَالَ ثَعْلَب: الصَّعِيد: وَجه الأَرْض، وَهَكَذَا قَالَ الْخَلِيل وَابْن الْأَعرَابِي.
فَإِن قيل: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ . وحرف " من " للتَّبْعِيض، فَلَا بُد من نقل التُّرَاب إِلَى الْأَعْضَاء.
стр. 104
قيل لَهُ: حرف " من " قد اسْتعْمل لابتداء الْغَايَة، بِمَعْنى أَنه من وَقت الضَّرْب يمسح لَا قبله، وَيدل عَلَيْهِ أَن النَّبِي [ ﷺ ] نفخ فِي يَدَيْهِ بعد أَن ضربهما على الأَرْض.
وَقد روى البُخَارِيّ: عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد من الْأَنْبِيَاء قبلي: نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر، وَجعلت لي الأَرْض (مَسْجِدا وَطهُورًا) ، (فأيما) رجل من أمتِي أَدْرَكته الصَّلَاة فَليصل ".
وَمن طَرِيق مُسلم: " فأيما رجل أَدْرَكته الصَّلَاة فَليصل حَيْثُ كَانَ ". وَمُقْتَضى هَذَا أَن كل مَوضِع جَازَت عَلَيْهِ الصَّلَاة من الأَرْض وَهُوَ بَاقٍ على أصل الْخلقَة جَازَ التَّيَمُّم بِهِ.
(بَاب التَّيَمُّم ضربتان: ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين)
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن جَابر ﵁ (عَن النَّبِي [ ﷺ ] ) أَنه قَالَ: " التَّيَمُّم ضربتان: ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين ".
стр. 105
فَإِن قيل: ذكر أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ أَن ابْن عَبَّاس ﵁ سُئِلَ عَن التَّيَمُّم فَقَالَ: " إِن الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه حِين ذكر الْوضُوء: ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ ، وَقَالَ فِي التَّيَمُّم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ﴾ ، وَقَالَ: وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا ".
وَمعنى هَذَا الْكَلَام أَن الله تَعَالَى حدد الْوضُوء إِلَى الْمرْفقين، فوقفنا عِنْد تحديده، وَأطلق القَوْل فِي الْيَدَيْنِ / فِي التَّيَمُّم، فَحملت على ظَاهر مُطلق اسْم الْيَد وَهُوَ الكفان، كَمَا فَعَلْنَاهُ فِي السّرقَة.
قيل لَهُ: الْيَد مَتى أطلقت فهم مِنْهَا الْجَارِحَة الْمَخْصُوصَة من رُؤُوس الأنامل إِلَى الْإِبِط، وَقطع يَد السَّارِق من الزند إِنَّمَا عرف بِالسنةِ، فَكَانَ حمل الْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّم على الْيَدَيْنِ فِي الْوضُوء أولى، لِأَن التَّيَمُّم بدل (عَن) الْوضُوء، كَيفَ وَقد بَين النَّبِي [ ﷺ ] ذَلِك بِمَا روينَاهُ.
(بَاب لَا يجب أَن يجمع بَين التَّيَمُّم وَبَين الْغسْل)
لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا أَمر بِالتَّيَمُّمِ عِنْد عدم الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال المَاء.
فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: " خرجنَا فِي سفر فَأصَاب رجلا منا حجر فَشَجَّهُ فِي رَأسه، ثمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَهُ أَصْحَابه
стр. 106
فَقَالَ: هَل (تَجِدُونَ) لي رخصَة فِي التَّيَمُّم؟ فَقَالُوا مَا نجد لَك رخصَة وَأَنت (تقدر على المَاء) ، فاغتسل فَمَاتَ، فَلَمَّا قدمنَا على النَّبِي [ ﷺ ] أخبر بذلك فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله، أَلا سَأَلُوا إِذا لم يعلمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاء العي السُّؤَال، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم ويعصر أَو يعصب - شكّ مُوسَى - على جرحه خرقَة ثمَّ يمسح عَلَيْهَا وَيغسل سَائِر جسده ".
قيل لَهُ: التَّيَمُّم بدل، وَالْجمع بَين الْبَدَل وَالْأَصْل لَا يجب، كَالصَّوْمِ وَالْعِتْق فِي الْكَفَّارَة، وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ لم يجمع بَينه وَبَين التَّيَمُّم، فَلَو أَوجَبْنَا التَّيَمُّم مَعَ الْغسْل وَالْمسح كَانَ الحَدِيث واردا على خلاف مُقْتَضى الْكتاب وَالسّنة، فَوَجَبَ حمله على الِاسْتِحْبَاب، إِذْ قد ورد مثل هَذَا اللَّفْظ وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْإِيجَاب، كَقَوْلِه ﵇ لأم سَلمَة ﵂: " إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تحثي على رَأسك ثَلَاث حثيات " وَإِلَى هَذَا ذهب مَالك ﵀ وَهُوَ إِمَام الْأَئِمَّة فِي الحَدِيث.
(بَاب أقل الْحيض ثَلَاثَة أَيَّام وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام)
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن أنس ﵁ قَالَ: " أدنى الْحيض ثَلَاثَة وأقصاه عشرَة ". وَعنهُ قَالَ: " الْحيض ثَلَاث وَأَرْبع وَخمْس وست وَسبع وثمان وتسع وَعشر ".
وَقَالَ وَكِيع: / الْحيض ثَلَاث إِلَى عشر فَمَا زَاد فَهُوَ اسْتِحَاضَة "، وَهَذَا لَا يعرف بِالرَّأْيِ فَدلَّ على أَنه تَوْقِيف.
فَإِن قيل: إِن أَحْمد بن حَنْبَل أنكر هَذَا الحَدِيث.
قيل لَهُ: سُفْيَان الثَّوْريّ لم يُنكره وَعمل بِهِ، فَإِن الدَّارَقُطْنِيّ روى (عَن
стр. 107
عبد الْعَزِيز بن أبي عُثْمَان الرَّازِيّ) عَن سُفْيَان قَالَ: " أقل الْحيض ثَلَاث وَأَكْثَره عشر ". وَصَحَّ من طَرِيق الدَّرَاورْدِي، عَن (عبيد الله بن عمر) ، عَن ثَابت، عَن أنس.
وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: " الْحيض ثَلَاث عشرَة ".
(بَاب الصُّفْرَة والكدرة فِي أَيَّام الْحيض حيض)
قَالَ البُخَارِيّ: وَكن نسَاء يبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَة ﵂ بالدرجة فِيهَا الكرسف فِيهِ الصُّفْرَة، فَتَقول: لَا تعجلن حَتَّى تَرين الْقِصَّة الْبَيْضَاء ".
فَإِن قيل: روى البُخَارِيّ عَن أم عَطِيَّة وَكَانَت بَايَعت النَّبِي [ ﷺ ] قَالَت: " كُنَّا لَا نعد الكدرة والصفرة شَيْئا ".
قيل لَهُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَقَالَ: " قَالَت كُنَّا لَا نعد الكدرة والصفرة بعد الطُّهْر شَيْئا ".
стр. 108
(ذكر مَا فِي هذَيْن الأثرين من الْغَرِيب:)
الدرجَة: بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء، عَن أبي عَمْرو تَأْنِيث درج، وَهُوَ السفط الصَّغِير تضع فِيهِ الْمَرْأَة طيبها وحليها.
والقصة الْبَيْضَاء: بِفَتْح الْقَاف وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وتشديدها قيل هِيَ كِنَايَة عَن النَّقَاء، وَهُوَ مَاء أَبيض يظْهر عِنْد ارْتِفَاع الْحيض، وَقيل هِيَ القطنة الَّتِي تتحمل فَتخرج بَيْضَاء، وَقَالَ مَالك: المُرَاد بالقصة الْبَيْضَاء الطُّهْر، والكرسف: الْقطن.
(بَاب الْحَامِل لَا تحيض)
أَبُو دَاوُد: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاس: " لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا غير ذَات حمل حَتَّى تحيض حَيْضَة ".
(وَجه الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث أَن رَسُول الله [ ﷺ ] منع من وَطْء الْحَامِل وغيا حُرْمَة وَطْء الحايل إِلَى وجود الْحيض فلولا أَن الْحيض علم على عدم الْحَبل وَإِلَّا لخلا النَّهْي عَن الْفَائِدَة وَإِذا كَانَ علما على عدم الْحَبل / دلّ على أَنه لَا يُجَامع الْحَبل، وَيُؤَيِّدهُ) مَا روى الدَّارَقُطْنِيّ، عَن عَائِشَة ﵂ فِي الْحَامِل ترى الدَّم قَالَت: " الْحَامِل لَا تحيض ".
стр. 109
(بَاب أقل سنّ تحيض فِيهِ الْمَرْأَة تسع سِنِين)
الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عباد بن عباد المهلبي قَالَ: " أدْركْت فِينَا (يَعْنِي) المهالبة امْرَأَة صَارَت جدة وَهِي بنت ثَمَانِي عشرَة سنة، ولدت لتسْع سِنِين ابْنة، فَولدت ابْنَتهَا (لتسْع سِنِين) أَيْضا، فَصَارَت جدة وَهِي بنت ثَمَانِي عشرَة سنة.
(بَاب لَا يجوز مُبَاشرَة الْحَائِض فِيمَا بَين السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة)
البُخَارِيّ: عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَانَت إحدانا إِذا كَانَت حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يُبَاشِرهَا، أمرهَا أَن تتزر فِي فَور حَيْضهَا ثمَّ يُبَاشِرهَا، قَالَت: وَأَيكُمْ يملك إربه كَمَا كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يملك إربه ". وَإِلَى هَذَا ذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف ﵏.
(ذكر مَا فِي هَذَا الحَدِيث من الْغَرِيب)
:
فَور حَيْضهَا: بفاء مَفْتُوحَة وواو سَاكِنة وَرَاء، وَهُوَ معظمه وأوله، وَرُوِيَ فِي
стр. 110
فَوْج (حَيْضهَا) بفاء وجيم، قَالَ الْخطابِيّ: ومعناهما وَاحِد، وَقَوْلها " إربه " قَالَ أَيْضا رُوِيَ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَالثَّانِي بفتحهما جَمِيعًا.
قَالَ: ومعناهما وَاحِد وَهُوَ وطر النَّفس وحاجتها، يُقَال: لفُلَان عِنْدِي حَاجَة، وإرب، وأرب، وإربة ".
(بَاب إِذا وطئ الْحَائِض اسْتغْفر الله وَلَا شَيْء عَلَيْهِ)
لِأَنَّهُ مرتكب مَنْهِيّا عَنهُ، وَلم يرد فِيهِ كَفَّارَة، وَلَا هُوَ فِي معنى مَا وَردت فِيهِ الْكَفَّارَة.
فَإِن قيل: فقد روى التِّرْمِذِيّ: عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] فِي الرجل يَقع على امْرَأَته وَهِي حَائِض قَالَ: " يتَصَدَّق بِنصْف دِينَار ".
قيل لَهُ: هَذَا الحَدِيث مُضْطَرب فِي إِسْنَاده (وَمَتنه) .
أما فِي (إِسْنَاده) : فَإِنَّهُ رُوِيَ / مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا ومرسلا.
وَأما مَتنه فَروِيَ " بِدِينَار أَو نصف دِينَار "، وَرُوِيَ " بِدِينَار فَإِن لم يجد فبنصف دِينَار " وَرُوِيَ " يتَصَدَّق بِخمْس دِينَار "، وَرُوِيَ فِيهِ التَّفْرِقَة بَين الدَّم الْأَحْمَر والأصفر، وَإِلَى هَذَا ذهب مَالك وَالثَّوْري رحمهمَا الله.
следующие страницы →