← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6226

اللباب في الجمع بين السنة والكتاب

الخزرجي المنبجي

Полный текст (762 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(بَاب الِاشْتِرَاط فِي الْحَج وَعَدَمه سَوَاء) التِّرْمِذِيّ: عَن سَالم عَن أَبِيه: " أَنه كَانَ يُنكر الِاشْتِرَاط فِي الْحَج وَيَقُول: (أَلَيْسَ) حسبكم سنة نَبِيكُم [ ﷺ ] ". قَالَ أَبُو عِيسَى: (هَذَا) حَدِيث حسن صَحِيح. (بَاب يجوز لمن لم يحجّ أَن يحجّ عَن غَيره) البُخَارِيّ وَمُسلم: عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن الْفضل بن عَبَّاس كَانَ رَدِيف رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَة من خثعم تستفتيه، فَجعل الْفضل ينظر إِلَيْهَا وَتنظر إِلَيْهِ، فَجعل رَسُول الله [ ﷺ ] يصرف وَجه الْفضل إِلَى الشق الآخر، فَقَالَت: يَا رَسُول الله (إِن) فَرِيضَة الله على عباده فِي الْحَج أدْركْت أبي شَيخا (كَبِيرا) لَا يَسْتَطِيع أَن يثبت على الرَّاحِلَة، أفأحج عَنهُ؟ قَالَ: نعم ". وَجه التَّمَسُّك بِهَذَا الحَدِيث: أَن النَّبِي [ ﷺ ] أمرهَا بِالْحَجِّ عَنهُ وَلم يسْأَلهَا أحججت عَن نَفسك أم لَا؟ . فَدلَّ ذَلِك أَنه لَا فرق.

стр. 422

وَكَذَلِكَ روى أَبُو دَاوُد: عَن أبي رزين أَنه قَالَ: " يَا رَسُول الله إِن أبي شيخ كَبِير لَا يَسْتَطِيع الْحَج وَالْعمْرَة وَلَا الظعن، قَالَ: احجج عَن أَبِيك وَاعْتمر ". فَإِن قيل: فقد روى أَبُو دَاوُد: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا صرورة فِي الْإِسْلَام ". وَعنهُ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] سمع رجلا / يَقُول: لبيْك عَن شبْرمَة، قَالَ: من شبْرمَة؟ قَالَ: أَخ لي (أَو قريب لي) فَقَالَ: حججْت عَن نَفسك، قَالَ: لَا، قَالَ حج عَن نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة ". قيل لَهُ: أما الحَدِيث الأول: فقد قَالَ الْخطابِيّ: " يُفَسر بمعنيين أَحدهمَا: أَن الصرورة هُوَ الَّذِي أقلع عَن النِّكَاح بِالْكُلِّيَّةِ وَأعْرض عَنهُ كرهبان النَّصَارَى، وَالثَّانِي: أَنه (الَّذِي) لم يحجّ، فَيكون مَعْنَاهُ أَن سنة الدّين أَن لَا يبْقى من النَّاس (مِمَّن) يَسْتَطِيع الْحَج إِلَّا ويحج ". وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على أَن من لم يحجّ عَن نَفسه لَا يحجّ عَن غَيره. وَأما الحَدِيث الثَّانِي: فَالْأَمْر فِيهِ مَحْمُول على النّدب، يَعْنِي أَن الأولى أَن يحجّ الْإِنْسَان عَن نَفسه ثمَّ يحجّ عَن غَيره كَقَوْلِه ﵇: " ابدأ بِنَفْسِك ثمَّ بِمن تعول ". قلت: وَقد تضمن حَدِيث الخثعمية مَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا وَهِي جَوَاز الْحَج عَن

стр. 423

الْحَيّ الْعَاجِز لكنه مُخْتَصّ بعجز لَا يُرْجَى زَوَاله كالزمانة والعمى، فَإِن مرض مَرضا يُرْجَى زَوَاله فحج عَنهُ غَيره، فَالْأَمْر مَوْقُوف، فَإِن دَامَ الْعَجز وَقع عَن الْفَرْض، لِأَن الْعَجز قد استحكم، وَإِن زَالَ وَجب عَلَيْهِ الْحَج لِأَن الْمَعْنى المجوز قد زَالَ، والمخالف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، والْحَدِيث أولى بالاتباع. (بَاب يجوز للْمحرمِ والمحرمة أَن يتزوجا فِي حَال الْإِحْرَام) البُخَارِيّ وَمُسلم: عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم ". البُخَارِيّ: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم، وَبني بهَا وَهُوَ حَلَال، وَمَاتَتْ بسرف ". فَإِن قيل: رُوِيَ عَن (يزِيد بن الْأَصَم) ابْن أُخْت مَيْمُونَة عَن مَيْمُونَة قَالَت: " تزَوجنِي رَسُول الله [ ﷺ ] وَنحن حلالان بسرف ". وروى أَبُو رَافع: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال، وَقَالَ: كنت أَنا السفير بَينهمَا ".

стр. 424

فَوَجَبَ تَقْدِيم رِوَايَة يزِيد بن الْأَصَم، لِأَنَّهُ لم يخْتَلف عَنهُ فِي ذَلِك، وَرِوَايَة أبي رَافع (على) رِوَايَة ابْن عَبَّاس، لِأَن السفير يخبر الْأَمر الَّذِي سفر فِيهِ، وَيعرف مِنْهُ مَا لَا يعرف غَيره، فَكَانَ الظَّن فِيمَا يرويهِ أقوى. قيل لَهُ: قَالَ عَمْرو بن دِينَار: " فَقلت لِلزهْرِيِّ وَمَا يدْرِي ابْن الْأَصَم، أَعْرَابِي (بوال، أ) تَجْعَلهُ مثل ابْن عَبَّاس ". ثنم إِنَّه يحْتَمل أَنه عبر بِالتَّزْوِيجِ عَن الدُّخُول بهَا حَتَّى تتفق رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَرِوَايَة (يزِيد بن الْأَصَم) ، / (وعَلى هَذَا يحمل) قَول أبي رَافع " وَكنت السفير بَينهمَا " يَعْنِي فِي تعْيين وَقت الدُّخُول، وَهَذَا أولى من الحكم على أَحدهمَا بالوهم. قَالَ الطَّحَاوِيّ: " وَالَّذين رووا أَن النَّبِي [ ﷺ ] تزَوجهَا وَهُوَ محرم أهل علم وَثَبت، أَصْحَاب ابْن عَبَّاس ﵁، سعيد بن جُبَير، وَعَطَاء، وطاووس، وَمُجاهد، وَعِكْرِمَة، وَجَابِر بن زيد، وَهَؤُلَاء كلهم فُقَهَاء يحْتَج برواياتهم وآرائهم، وَالَّذين نقلوا (عَنْهُم) أَيْضا (كَذَلِك) ، مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، (وَعبد الله) بن أبي نجيح، وَهَؤُلَاء الْأَئِمَّة يقْتَدى (بهم و) برواياتهم. وَقد روى أَبُو عوَانَة عَن مُغيرَة عَن أبي الضُّحَى (عَن مَسْرُوق) عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: تزوج رَسُول الله [ ﷺ ] بعض نِسَائِهِ وَهُوَ محرم ونقلة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات يحْتَج برواياتهم ". .

стр. 425

فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن عُثْمَان ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَا ينْكح الْمحرم وَلَا ينْكح ". قيل لَهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ: " وَأما حَدِيث عُثْمَان فَإِنَّمَا رَوَاهُ نبيه بن وهب وَلَيْسَ كعمرو بن دِينَار، وَلَا كجابر بن زيد، وَلَا كمن روى مَا يُوَافق عَن مَسْرُوق، عَن عَائِشَة ﵂، وَلَا لنَبيه أَيْضا مَوضِع من الْعلم كموضع وَاحِد مِمَّن ذكرنَا. فَلَا يجوز إِذا كَانَ كَذَلِك أَن يُعَارض بِهِ جَمِيع من ذكرنَا مِمَّن روى بِخِلَاف ذَلِك ". وَقد روى الطَّحَاوِيّ عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم: " (أَن) ابْن مَسْعُود ﵁ كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يتَزَوَّج الْمحرم ". وَعنهُ: عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر ﵁ قَالَ: " سَأَلت أنس بن مَالك ﵁ عَن نِكَاح الْمحرم فَقَالَ: وَمَا بِهِ بَأْس هَل هُوَ إِلَّا كَالْبيع " وَكَذَلِكَ روى عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس ﵄.

стр. 426

(كتاب الْبيُوع) (بَاب خِيَار الْمجْلس بعد عقد البيع غير ثَابت) (لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾ ، فأباح الْأكل بِوُجُود التَّرَاضِي عَن التِّجَارَة، وَالْبيع (تِجَارَة) ، فَدلَّ على نفي الْخِيَار، وَصِحَّة وُقُوع البيع للْمُشْتَرِي بِنَفس العقد، وَجَوَاز تصرفه فِيهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ وَهَذَا عقد (فَلَزِمَ) الْوَفَاء بِظَاهِر الْآيَة. وَفِي إِثْبَات الْخِيَار نفي لُزُوم الْوَفَاء بِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأشْهدُوا إِذا تبايعتم﴾ فندب تَعَالَى / إِلَى الْإِشْهَاد على العقد توثقة لَهما، وَوُجُوب الْخِيَار لكل وَاحِد مِنْهُمَا يَنْفِي معنى التوثقة بِالْإِشْهَادِ، إِذْ لَا يلْزم أَحدهمَا لصَاحبه بِهِ حق. فَلَمَّا كَانَ فِي إِثْبَات الْخِيَار إبِْطَال معنى الْآيَة، كَانَ القَوْل بِإِيجَاب الْخِيَار سَاقِطا وَحكم الْآيَة ثَابتا) .

стр. 427

مَالك: عَن نَافِع، عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من ابْتَاعَ طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه ". مد رَسُول الله [ ﷺ ] الْمَنْع من (البيع) إِلَى وجود الْقَبْض، فَإِذا وجد الْقَبْض (جَازَ البيع، سَوَاء وجد الْقَبْض) فِي الْمجْلس أَو بعده، وَالْبيع لَا يجوز إِلَّا بعد ثُبُوت الْملك، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا﴾ . فَإِن قيل: فقد روى مَالك: عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " الْمُتَبَايعَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ على صَاحبه مَا لم يَتَفَرَّقَا إِلَّا بيع الْخِيَار ". وروى البُخَارِيّ: عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر ﵄، عَن

стр. 428

النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " كل بيعين) لَا بيع بَينهمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلَّا بيع الْخِيَار ". قيل لَهُ: لَيْسَ المُرَاد بالتفرق هُنَا (التَّفَرُّق) بالأبدان بل بالأقوال: فَإِن لفظ الْكتاب وَالسّنة ورد بِلَفْظ التَّفَرُّق وَأُرِيد بِهِ التَّفَرُّق بِغَيْر الْأَبدَان. أما الْكتاب: فَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يغن الله كلا من سعته﴾ ، ﴿وَمَا تفرق الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَيِّنَة﴾ . وَأما السّنة: فَقَوله [ ﷺ ] : " افْتَرَقت الْيَهُود وَالنَّصَارَى على (ثِنْتَيْنِ) وَسبعين فرقة " الحَدِيث. وَيجوز أَن نحملها على (الْفرْقَة بالأبدان) ، وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا قَالَ لغيره: " بِعْتُك عَبدِي هَذَا بِأَلف "، فللمخاطب بِهَذَا القَوْل أَن يقبل مَا لم يُفَارق صَاحبه، فَإِن فَارقه بِبدنِهِ قبل ذَلِك لم يكن لَهُ أَن يقبل، وَلَوْلَا هَذَا الحَدِيث لم نعلم هَذَا الحكم. قَالَ عِيسَى بن أبان: " وَهَذَا أولى (مَا حمل عَلَيْهِ) هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ تَفْسِير أبي يُوسُف ﵀. لِأَن الْفرْقَة الَّتِي اتَّفقُوا على كَونهَا بالأبدان - وَهِي الْفرْقَة فِي الصّرْف - يجب بهَا فَسَاد عقد (قد) تقدم، وَلَا يجب بهَا صَلَاحه. فَإِن جعلنَا

стр. 429

هَذِه الْفرْقَة المروية عَن رَسُول الله [ ﷺ ] فِي خِيَار الْمُتَبَايعين على مَا ذكرنَا (فسد) (بهَا) مَا كَانَ تقدم / من قَول الْمُخَاطب، وَكَانَ لَهَا أصل فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ، (وَإِن جعلناها على مَا قَالَ غَيرنَا تمّ بهَا البيع وَلم يكن لَهَا (أصل) فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ) ". وسميا متبايعين لقربهما من البيع، وَلِهَذَا سمي إِسْمَاعِيل ذبيحا. وَقَالَ [ ﷺ ] : " لَا يسوم الرجل على سوم أَخِيه، وَلَا يَبِيع على بيع أَخِيه ". وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: " قَالَ مَالك: لَيْسَ لهَذَا الحَدِيث عندنَا حد مَعْرُوف، وَلَا أَمر مَعْمُول بِهِ (فِيهِ) ". وَمعنى هَذَا القَوْل أَن النَّبِي [ ﷺ ] لما قَالَ: " الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا "، وَلم يكن لتفرقهما وانفصال أَحدهمَا عَن الآخر وَقت مَعْلُوم، وَلَا غَايَة مَعْرُوفَة، إِلَّا أَن (يقوما أَو يقوم) أَحدهمَا على مَا ذهب إِلَيْهِ الْمُخَالف، وَهَذِه جَهَالَة يقف عَلَيْهَا انْعِقَاد البيع، فَيصير من بَاب بيع الْمُنَابذَة وَالْمُلَامَسَة، بِأَن يَقُول: إِذا لمسته فقد وَجب البيع وَإِذا نَبَذته أَو نبذت الْحَصَاة وَجب البيع. وَهَذِه الصَّفْقَة مَقْطُوع بفسادها فِي العقد، فَلَا يتْرك بِحَدِيث لم (يتَحَصَّل) المُرَاد مِنْهُ مفهوما ".

стр. 430

فَإِن قيل: " إِن ابْن عمر ﵁ كَانَ إِذا بَايع رجلا شَيْئا فَأَرَادَ أَن لَا يقيله قَامَ يمشي ثمَّ رَجَعَ ". قيل لَهُ: يجوز أَن يكون ابْن عمر أشكلت عَلَيْهِ الْفرْقَة الَّتِي سَمعهَا من رَسُول الله [ ﷺ ] مَا هِيَ، واحتملت عِنْده الْفرْقَة بالأبدان كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى، واحتملت الْفرْقَة بالأبدان كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف ﵀، واحتملت الْفرْقَة بالأقوال كَمَا ذهب إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحسن ﵀، فَفَارَقَ بَائِعه بِبدنِهِ احْتِيَاطًا. وَقَالَ البُخَارِيّ: " (وَقَالَ) ابْن عمر: مَا أدْركْت الصَّفْقَة حَيا مجموعا فَهُوَ من الْمُبْتَاع ". وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه كَانَ يرى أَن البيع يتم بالأقوال وَأَن الْمَبِيع ينْتَقل بهَا. فَإِن قيل: فقد روى التِّرْمِذِيّ: عَن أبي الزبير، عَن جَابر ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] خير أَعْرَابِيًا بعد البيع ". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث (حسن) غَرِيب. قيل لَهُ: يحْتَمل أَن يكون وجد بِالْمَبِيعِ عَيْبا فخيره بَين الرَّد والإمساك، وَمِمَّا يُؤَيّد

стр. 431

مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا روى البُخَارِيّ، عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: " كُنَّا مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] فِي سفر، فَكنت على بكر صَعب لعمر، / فَكَانَ يغلبني فيتقدم أَمَام الْقَوْم، فيزجره عمر وَيَردهُ، (ثمَّ يتَقَدَّم فيزجره عمر وَيَردهُ) ، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] (لعمر) : بعنيه، فَقَالَ: هُوَ لَك يَا رَسُول الله، قَالَ: بعنيه، فَبَاعَهُ من رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : (هُوَ) هُوَ لَك يَا عبد الله بن عمر تصنع بِهِ مَا شِئْت ". ذكر هَذَا الحَدِيث البُخَارِيّ فِي (بَاب إِذا) اشْترى شَيْئا فوهب من سَاعَته قبل أَن يَتَفَرَّقَا وَلم يُنكر البَائِع على المُشْتَرِي. (قلت) : فَفِي هبة النَّبِي [ ﷺ ] قبل التَّفَرُّق دَلِيل على أَن البيع لَازم قبلهَا. (بَاب بيع الْأَعْيَان الغائبة جَائِز وَللْمُشْتَرِي (الْخِيَار) إِذا رأى) البُخَارِيّ: عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: " بِعْت من أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان (مَالا) بالوادي بِمَال لَهُ بِخَيْبَر، فَلَمَّا تبايعنا رجعت على عَقبي حَتَّى خرجت من بَيته خشيَة (أَن يُرَاد) فِي البيع، قَالَ عبد الله: فَلَمَّا وَجب البيع بيني وَبَينه، رَأَيْت أَنِّي قد غبنته، بِأَنِّي سقته إِلَى أَرض ثَمُود بِثَلَاث لَيَال، وساقني إِلَى الْمَدِينَة بِثَلَاث لَيَال ". فقد تبَايعا مَا لم يكن بحضرتهما.

стр. 432

وروى الطَّحَاوِيّ: " عَن سَالم أَن عبد الله بن عمر ﵄ ركب يَوْمًا مَعَ عبد الله بن بُحَيْنَة - وَهُوَ رجل من أَزْد شنُوءَة حَلِيف لبني عبد الْمطلب بن عبد منَاف وَهُوَ من أَصْحَاب النَّبِي [ ﷺ ]- إِلَى أَرض لَهُ بريم، فابتاعها مِنْهُ عبد الله بن عمر على أَن ينظر إِلَيْهَا وريم من الْمَدِينَة (على) قدر ثَلَاثِينَ ميلًا. فَهَذَا الْخِيَار لم يكن لِابْنِ عمر من جِهَة الِاشْتِرَاط، إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لفسد العقد باشتراطه، لكَونه شَرط خيارا غير مُؤَقّت، بل الْخِيَار الَّذِي ثَبت لَهُ (هُوَ) مَا يُوجِبهُ هَذَا العقد. وَعنهُ: عَن (ابْن) أبي مليكَة، عَن عَلْقَمَة بن أبي وَقاص اللَّيْثِيّ قَالَ: " اشْترى طَلْحَة بن عبيد الله من عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ مَالا، فَقيل لعُثْمَان: إِنَّك قد غبنت - وَكَانَ المَال بِالْكُوفَةِ (قَالَ) وَهُوَ مَال آل طَلْحَة الْآن بهَا - فَقَالَ عُثْمَان: لي الْخِيَار لِأَنِّي بِعْت مَا لم أره وَقَالَ طَلْحَة: لي الْخِيَار لِأَنِّي اشْتريت مَا لم أره، فحكما بَينهمَا جُبَير بن مطعم، فَقضى (أَن الْخِيَار) لطلْحَة، وَلَا خِيَار لعُثْمَان ﵄. وروى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن ابْن أبي مَرْيَم، عَن مَكْحُول رفع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من اشْترى شَيْئا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ، إِن شَاءَ أَخذه وَإِن شَاءَ تَركه ". / فَإِن قيل: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " ابْن أبي مَرْيَم ضعفه أَحْمد، وَيحيى، وَأَبُو حَاتِم، وَأَبُو زرْعَة ". قيل لَهُ: هَذَا طعن مُبْهَم فَلَا يقبل، وَيُؤَيّد معنى هَذَا الحَدِيث فِي اقتضائه جَوَاز

стр. 433

البيع مَا روى التِّرْمِذِيّ: عَن حميد، عَن أنس ﵁ قَالَ: " نهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن بيع الْعِنَب حَتَّى يسود، وَعَن بيع الْحبّ حَتَّى يشْتَد ". وَمَا بعد الْغَايَة يُخَالف مَا قبلهَا. وَفِي هَذَا دَلِيل على جَوَاز بَيْعه بَعْدَمَا يشْتَد و (هُوَ) فِي سنبله، لِأَنَّهُ لَو لم يكن كَذَلِك لقَالَ حَتَّى يشْتَد وَيرى من سنبله. فَلَمَّا جَازَ بيع الْحبّ فِي سنبله دلّ على جَوَاز بيع مَا لم يره الْمُتَبَايعَانِ. وَالله أعلم. (بَاب فِي بيع الْمُصراة) إِذا اشْترى شَاة مصراة فحلبها فَلم يرض حلابها فَلَيْسَ لَهُ ردهَا، وَلَكِن يرجع على البَائِع بِنُقْصَان الْعَيْب كَغَيْرِهِ من الْعُيُوب. فَإِن قيل: روى البُخَارِيّ: عَن ثَابت مولى (عبد الرَّحْمَن) بن زيد أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُول: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من اشْترى غنما مصراة

стр. 434

فاحتلبها، فَإِن رضيها أمْسكهَا، وَإِن سخطها (فَفِي حلبتها صَاع) من تمر ". وروى التِّرْمِذِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من اشْترى مصراة فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن ردهَا رد مَعهَا صَاعا من طَعَام لَا سمراء ". يَعْنِي لَا بر. (قَالَ أَبُو عِيسَى) : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قيل لَهُ: الْجَواب عَن هَذَا الحَدِيث من وُجُوه. أَحدهَا: أَنه قد اخْتلف (فِي) مَتنه، فَمرَّة جعل الْوَاجِب صَاعا من تمر، وَمرَّة جعله صَاعا من طَعَام غير بر. وَمن طَرِيق أبي دَاوُد: عَن جَمِيع بن عُمَيْر التَّيْمِيّ قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عمر ﵁ يَقُول: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من بَاعَ محفلة فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن ردهَا (رد) مَعهَا (مثل أَو مثلي) لَبنهَا قمحا ". وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يدل على أَن

стр. 435

المُشْتَرِي مُخَيّر بَين دفع هَذَا، (وَبَين دفع هَذَا) ، وَلَا دَلِيل على أَن (أَحدهمَا) يُؤْخَذ أَصَالَة، وَالْآخر على سَبِيل الْقيمَة. فَإِن قيل: رُوَاة دفع التَّمْر أَكثر وَأحد الْخَبَرَيْنِ يرجح بِكَثْرَة الروَاة. قيل لَهُ: لَا نسلم أَن أحد (الْخَبَرَيْنِ) يرجح بِكَثْرَة الروَاة، كَمَا أَن الشَّهَادَة لَا ترجح بِكَثْرَة الْعدَد. وَإِن سلمنَا أَنه يرجح فَنَقُول: يحْتَمل أَن يكون ﵇ ذكر ذَلِك على سَبِيل الصُّلْح / لَا على سَبِيل الْإِلْزَام. الْوَجْه الثَّانِي: أَن هَذَا الحَدِيث (مَنْسُوخ) . قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " (رُوِيَ) هَذَا الْكَلَام عَن أبي حنيفَة ﵀ مُجملا، ثمَّ اخْتلف بعد ذَلِك فِي (الَّذِي) نسخه، فَقَالَ مُحَمَّد (بن شُجَاع) : نسخه قَوْله [ ﷺ ] : البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا إِلَّا بيع الْخِيَار. فَلَمَّا قطع النَّبِي [ ﷺ ] بالفرقة الْخِيَار ثَبت أَنه لَا خِيَار إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي هَذَا الحَدِيث ". قَالَ الطَّحَاوِيّ: " وَهَذَا فِيهِ ضعف، لِأَن الْخِيَار المجعول فِي الْمُصراة هُوَ خِيَار الْعَيْب، (وَخيَار الْعَيْب) لَا تقطعه الْفرْقَة بالِاتِّفَاقِ ". قلت: وَمَا ذكره الطَّحَاوِيّ ﵀ فِيهِ نظر، فَإِن فِي رِوَايَة (الْإِصْرَار

стр. 436

لَا يرجع بِالنُّقْصَانِ، (لِأَن اجْتِمَاع اللَّبن فِي الضَّرع لَا يكون عَيْبا، فَكَذَا جمعه. فَلَا يُمكن الرُّجُوع بِالنُّقْصَانِ) بِسَبَب الْعَيْب بِدُونِ الْعَيْب فَتبين بِهَذَا أَن التصرية (بِهِ) لَيست بِعَيْب، فَلَا يكون هَذَا الْخِيَار خِيَار عيب، فَيجوز أَن تقطعه الْفرْقَة. وَقَالَ عِيسَى بن أبان: " كَانَ مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] من الحكم فِي الْمُصراة فِي وَقت مَا كَانَت الْعُقُوبَات تُؤْخَذ بالأموال. فَمن ذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الزَّكَاة " أَن من أَدَّاهَا طَائِعا فَلهُ أجرهَا وَإِلَّا أخذناها وَشطر مَاله عَزمَة من عَزمَات رَبنَا ". وَمن ذَلِك مَا رُوِيَ فِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب فِي سَارِق التَّمْر الَّذِي لم يحرز: " أَن يضْرب جلدات نكالا وَيغرم (مثليهما) ". هَكَذَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ نسخ الله الرِّبَا فَردَّتْ الْأَشْيَاء الْمَأْخُوذَة إِلَى أَمْثَالهَا إِن كَانَ لَهَا أَمْثَال، وَإِلَى قيمتهَا إِن كَانَ لَا أَمْثَال لَهَا، وَكَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] نهى عَن التصرية، فَكَانَ من فعل ذَلِك وَبَاعَ مُخَالفا لرَسُول الله [ ﷺ ] فَكَانَت عُقُوبَته فِي ذَلِك أَن يَجْعَل اللَّبن المحلوب فِي الثَّلَاثَة الْأَيَّام للْمُشْتَرِي بِصَاع من تمر، وَلَعَلَّه يُسَاوِي (أضعافا) كَثِيرَة ". فَإِن قيل: وَأَيْنَ نهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن التصرية؟

стр. 437

قيل لَهُ: روى البُخَارِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " لَا تصروا الْإِبِل وَالْغنم، فَمن ابتاعها بعد فَإِنَّهُ بِخَير النظرين (بعد أَن يحتلبها) ، إِن شَاءَ أمسك، وَإِن شَاءَ ردهَا وصاعا / من تمر ". قَالَ أَبُو جَعْفَر: " وَالَّذِي قَالَه عِيسَى بن أبان مُحْتَمل، غير أَنِّي رَأَيْت فِي ذَلِك وَجها هُوَ أشبه عِنْدِي بنسخ هَذَا الحَدِيث، وَذَلِكَ أَن لبن الْمُصراة الَّذِي احتلبه المُشْتَرِي مِنْهَا فِي الثَّلَاثَة الْأَيَّام، وَقد كَانَ بعضه فِي ملك البَائِع قبل (الشِّرَاء) ، وَبَعضه حدث فِي ملك المُشْتَرِي بعد الشِّرَاء، لِأَنَّهُ قد احتلبها مرّة بعد مرّة، فَكَانَ مَا فِي يَد البَائِع من ذَلِك مَبِيعًا، فَإِذا وَجب نقض (البيع فِي الشَّاة، وَجب نقض) البيع فِيهِ، وَمَا حدث فِي ملك المُشْتَرِي من ذَلِك فَإِنَّمَا يملكهُ بِسَبَب البيع أَيْضا، وَحكمه حكم الشَّاة، لِأَنَّهُ من بدنهَا، هَذَا على مَذْهَبنَا. وَكَانَ النَّبِي [ ﷺ ] قد جعل لمشتري الْمُصراة بعد ردهَا جَمِيع لَبنهَا الَّذِي كَانَ حلبه مِنْهَا، بالصاع التَّمْر الَّذِي عَلَيْهِ رده مَعَ الشَّاة، وَذَلِكَ اللَّبن حِينَئِذٍ قد تلف أَو تلف بعضه، فَكَانَ المُشْتَرِي قد ملك لَبَنًا دينا (بِصَاع من تمر دينا) (فَدخل) ذَلِك فِي بيع الدّين بِالدّينِ، ثمَّ نهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن بيع الدّين بِالدّينِ، فنسخ هَذَا مَا كَانَ (قد) تقدم فِي الْمُصراة مِمَّا حكمه حكم بيع الدّين بِالدّينِ ". قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " وَقد قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : الْخراج بِالضَّمَانِ.

стр. 438

وَزعم الْقَائِل بِحَدِيث الْمُصراة أَن رجلا لَو اشْترى شَاة فحلبها، ثمَّ أصَاب بهَا عَيْبا غير التحفيل أَنه يردهَا يكون اللَّبن لَهُ، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مَكَان اللَّبن ولد وَلدته، ردهَا على البَائِع، وَكَانَ الْوَلَد لَهُ، وَكَانَ ذَلِك عِنْده من الْخراج الَّذِي جعله النَّبِي [ ﷺ ] للْمُشْتَرِي بِالضَّمَانِ ". قَالَ الطَّحَاوِيّ: " فَلَيْسَ يَخْلُو الصَّاع الَّذِي يُوجِبهُ على مُشْتَرِي الْمُصراة إِذا ردهَا على البَائِع بالتصرية أَن يكون عوضا من جَمِيع اللَّبن الَّذِي احتلبه مِنْهَا، الَّذِي (كَانَ) بعضه فِي ضرْعهَا وَقت البيع، وَحدث بعضه فِي ضرْعهَا بعد البيع، أَو يكون عوضا من اللَّبن الَّذِي كَانَ فِي ضرْعهَا فِي وَقت (وُقُوع) البيع خَاصَّة، فَإِن كَانَ عوضا مِنْهُمَا فقد نقض بذلك أَصله الَّذِي جعل الْوَلَد وَاللَّبن للْمُشْتَرِي بعد الرَّد بِالْعَيْبِ، لِأَنَّهُ جعل (حكمهَا) حكم الْخراج الَّذِي جعله النَّبِي [ ﷺ ] للْمُشْتَرِي بِالضَّمَانِ، وَإِن كَانَ الصَّاع عوضا مِمَّا كَانَ فِي ضرْعهَا وَقت (وُقُوع) البيع خَاصَّة، وَالْبَاقِي سَالم للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ من الْخراج، فقد جعل / للْبَائِع صَاعا دينا بِلَبن دين، وَهَذَا غير جَائِز فِي قَوْله وَلَا فِي قَول غَيره، فعلى أَي الْوَجْهَيْنِ كَانَ (هَذَا) الْمَعْنى عِنْده فَهُوَ تَارِك (بِهِ) أصلا من أُصُوله، وَقد كَانَ (بالْقَوْل) بنسخ هَذَا الحكم فِي الْمُصراة أولى من غَيره، لِأَنَّهُ يَجْعَل اللَّبن فِي حكم الْخراج، وَغَيره لَا يَجعله كَذَلِك " وَالله أعلم.

стр. 439

(بَاب لَا يجوز بيع الثِّمَار قبل بَدْء صَلَاحهَا فِي رِوَايَة) مَالك: عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] ) نهى عَن بيع الثِّمَار حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا، نهى البَائِع وَالْمُشْتَرِي ". البُخَارِيّ: عَن أنس ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] نهى أَن تبَاع ثَمَرَة النّخل حَتَّى تزهو ". قَالَ (أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ) : حَتَّى تحمر. (وَفِي رِوَايَة: " قيل وَمَا تزهو قَالَ تحمار) أَو تصفار ". (بَاب لَا بَأْس بِبيع الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا فِي رِوَايَة) البُخَارِيّ: عَن عبد الله بن عمر ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من

стр. 440

بَاعَ نخلا قد أبرت فثمرتها للْبَائِع إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع ". زَاد التِّرْمِذِيّ: " وَمن بَاعَ عبدا وَله مَال فَمَاله للَّذي بَاعه إِلَّا أَن يشْتَرط البتاع ". هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَجه التَّمَسُّك بِهَذَا الحَدِيث: أَن رَسُول الله [ ﷺ ] جعل فِي هَذَا الحَدِيث ثَمَر النّخل لبائعها إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع. فَيكون لَهُ باشتراطه إِيَّاهَا، وَيكون بذلك مبتاعا لَهَا. وَفِي هَذَا إِبَاحَة بيع الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا، لِأَن كل مَا لَا يدْخل فِي بيع غَيره إِلَّا بالاشتراط هُوَ الَّذِي يجوز أَن يكون مَبِيعًا وَحده، (وَمَا يدْخل فِي بيع غَيره من غير اشْتِرَاط هُوَ الَّذِي لَا يجوز أَن يكون مَبِيعًا وَحده) ، أَلا ترى أَن رجلا لَو بَاعَ دَارا وفيهَا مَتَاع أَن ذَلِك الْمَتَاع لَا يدْخل فِي البيع، وَأَن مشتريها لَو اشْتَرَطَهُ فِي شِرَاء الدَّار صَار لَهُ باشتراطه إِيَّاه، وَلَو كَانَ الَّذِي فِي الدَّار خمرًا أَو خنزيرا فاشترطه فِي البيع فسد البيع، وَكَانَ لَا يدْخل فِي شِرَائِهِ الدَّار باشتراطه فِي ذَلِك إِلَّا مَا يج لَهُ شِرَاؤُهُ (وَحده لَو اشْتَرَاهُ) ، وَكَانَ الثَّمر الَّذِي ذَكرْنَاهُ يجوز لَهُ اشْتِرَاطه مَعَ النّخل، فَلم يكن ذَلِك (إِلَّا لِأَنَّهُ) يجوز لَهُ بَيْعه وَحده، أَولا ترى أَن النَّبِي [ ﷺ ] قرن فِي هَذَا الحَدِيث العَبْد بقوله: " وَمن بَاعَ عبدا لَهُ مَال فَمَاله للْبَائِع إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع " فَجعل المَال للْبَائِع إِذا لم يَشْتَرِطه / الْمُبْتَاع، وللمبتاع إِذا شَرطه، (وَكَانَ ذَلِك المَال لَو كَانَ خمرًا أَو خنزيرا فسد بيع العَبْد إِذا شَرطه) فِيهِ، لِأَنَّهُ بذلك يكون مَبِيعًا، وَبيع ذَلِك الشَّيْء (مُنْفَردا) (لَا) يجوز. فَهَذَا أَيْضا دَلِيل صَحِيح على مَا ذكرنَا فِي الثِّمَار الدَّاخِلَة فِي

стр. 441

بيع النّخل بالاشتراط أَنَّهَا الثِّمَار الَّتِي يجوز بيعهَا مُفردا دون بيع النّخل، فَثَبت بذلك جَوَاز بيع الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا. البُخَارِيّ: عَن سهل بن أبي حثْمَة الْأنْصَارِيّ أَن زيد بن ثَابت قَالَ: " كَانَ النَّاس فِي عهد رَسُول الله [ ﷺ ] يتبايعون الثِّمَار، فَإِذا جد النَّاس وَحضر تقاضيهم، قَالَ الْمُبْتَاع: إِنَّه أصَاب (الثَّمر) الدمَان، أَصَابَهُ مراض، أَصَابَهُ قشام، عاهات يحتجون بهَا قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] لما كثرت الْخُصُومَة عِنْده فِي ذَلِك: أما لَا فَلَا تبايعوا حَتَّى يَبْدُو صَلَاح الثَّمر. كالمشورة يُشِير بهَا عَلَيْهِم لِكَثْرَة خصومتهم ". فَإِن قيل: يجوز أَن يكون النَّبِي [ ﷺ ] أَشَارَ عَلَيْهِم بذلك فَلم يمتثلوا، فأكد ذَلِك بِالنَّهْي الَّذِي روينَاهُ أَولا. قيل لَهُ: هَذَا يجوز لَو أَرَادَ بِلَفْظ البيع حَقِيقَته الشَّرْعِيَّة المفهومة من لفظ البيع عِنْد الْإِطْلَاق، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل المُرَاد بهَا السّلم.

стр. 442

البُخَارِيّ: عَن أبي البخْترِي الطَّائِي قَالَ: سَأَلت ابْن عَبَّاس ﵁ عَن السّلم فِي النّخل فَقَالَ: " نهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن بيع النّخل حَتَّى (يُؤْكَل مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزن) فَقَالَ الرجل: وَأي شَيْء يُوزن؟ قَالَ رجل إِلَى جَانِبه: حَتَّى يحرز ". مَالك: عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] نهى عَن بيع الثِّمَار حَتَّى تزهى فَقيل لَهُ: يَا رَسُول الله وَمَا تزهى؟ قَالَ: حِين تحمر. وَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : أَرَأَيْت إِذا منع الله الثَّمَرَة فَفِيمَ يَأْخُذ أحدكُم مَال أَخِيه ". فَلَا يكون ذَلِك إِلَّا على الْمَنْع من ثَمَرَة لم تكن أَن تكون. وَيُؤَيّد هَذَا مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن جَابر بن عبد الله ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] نهى عَن بيع السنين ". قَالَ يُونُس: " قَالَ سُفْيَان: هُوَ بيع الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا ". فَنهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن السّلف فِي الثِّمَار حَتَّى تكون، وَحَتَّى يُؤمن عَلَيْهَا العاهة، فَحِينَئِذٍ يجوز السّلم فِيهَا ". (ذكر مَا فِي هَذِه الْأَحَادِيث من الْغَرِيب:) أبر فلَان نخله: أَي لقحه، وَالِاسْم مِنْهُ الإبار على وزن الْإِزَار. قَالَ فِي الصِّحَاح: " القشام والقشامة: / مَا بَقِي على الْمَائِدَة وَغَيرهَا مِمَّا لَا خير فِيهِ ".

стр. 443

(بَاب يجوز الاستصباح بالزيت النَّجس وَبيعه) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله [ ﷺ ] عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن والودك فَقَالَ: اطرحوها (واطرحوا مَا كَانَ حولهَا) إِن كَانَ جَامِدا، وَإِن كَانَ مَائِعا فاستنفعوا بِهِ وَلَا تأكلوه ". فَإِن قيل: فِي سَنَده يحيى بن أَيُّوب. قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بحَديثه. وَفِيه شُعَيْب بن يحيى، وَهُوَ غير مَعْرُوف. قيل لَهُ: الْجَهَالَة بالراوي غير مَانِعَة من قبُول رِوَايَته، والطعن (الْمُطلق) غير قَادِح، وَالْأَصْل الْعَدَالَة مَا لم يثبت خلَافهَا. (بَاب (يجوز بيع الْعَرَايَا بِخرْصِهَا)) مَالك عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أرخص فِي بيع الْعَرَايَا بِخرْصِهَا فِيمَا دون خَمْسَة أوسق، أَو فِي خَمْسَة أوسق ". يشك دَاوُد فِي خَمْسَة (أوسق) ، أَو دون خَمْسَة (أوسق) .

стр. 444

اخْتلف فِي تَفْسِير الْعَرَايَا، فَروِيَ عَن مَالك ﵀ أَنه قَالَ: " الْعَرَايَا أَن يكون الرجل لَهُ النَّخْلَة والنخلتان فِي وسط النخيل الْكثير لرجل آخر، وَقد كَانَ أهل الْمَدِينَة إِذا كَانَ وَقت الثِّمَار خَرجُوا إِلَى حوائطهم، فَيَجِيء صَاحب النَّخْلَة والنخلتين (بأَهْله) فَيضر بِصَاحِب النّخل الْكثير. فَرخص رَسُول الله [ ﷺ ] لصَاحب النّخل الْكثير أَن يُعْطي صَاحب الْقَلِيل بخرص مَاله من ذَلِك تَمرا لينصرف هُوَ وَأَهله عَنهُ ويخلص لَهُ تمر الْحَائِط كُله ". وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة ﵁ (أَنه قَالَ) : معنى ذَلِك عندنَا أَن يعري الرجل الرجل تمر نخله من نخله فَلم يسلم ذَلِك إِلَيْهِ حَتَّى يَبْدُو لَهُ، فَرخص لَهُ أَن يحبس ذَلِك وَيُعْطِيه مَكَانَهُ خرصه تَمرا. فَكَانَ هَذَا التَّفْسِير أشبه من تَفْسِير مَالك ﵀. أَلا ترى إِلَى الَّذِي مدح الْأَنْصَار كَيفَ مدحهم إِذْ يَقُول: (لَيست (بسنهاء) وَلَا رجبية ... وَلَكِن عرايا فِي السنين الجوائح) أَي أَنهم كَانُوا يعرونها فِي السنين الجوائح. فَلَو كَانَت الْعرية كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك ﵀، إِذا لما كَانُوا ممدوحين إِذا كَانُوا يُعْطون مَا يُعْطون، وَلَكِن الْعرية بِخِلَاف ذَلِك، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يَنْفِي شَيْئا مِمَّا ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا يكون فِيهِ مَا يَنْفِي ذَلِك أَن لَو قَالَ: " لَا تكون الْعرية / إِلَّا فِي خَمْسَة أوسق ". وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيحْتَمل أَن يكون

стр. 445

النَّبِي [ ﷺ ] رخص (فِيهِ) لقوم فِي عرية (لَهُم) هَذَا مقدارها. فَنقل أَبُو هُرَيْرَة ﵁ (ذَلِك) وَأخْبر بِالرُّخْصَةِ فِيمَا كَانَت، وَلَا يَنْفِي ذَلِك أَن تكون الرُّخْصَة جَائِزَة فِيمَا هُوَ أَكثر. وَأما حَدِيث زيد بن ثَابت ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] نهى عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ وَرخّص فِي الْعَرَايَا ". فقد يقرن الشَّيْء بالشَّيْء وحكمهما مُخْتَلف. وَقَوله فِي حَدِيث جَابر ﵁: " إِلَّا أَنه رخص فِي الْعَرَايَا " يجوز أَن يكون قصد بذلك إِلَى المعري، وَرخّص لَهُ أَن يَأْخُذ تَمرا بَدَلا من تمر فِي رُؤُوس (شجر) النّخل، لِأَنَّهُ يكون فِي ذَلِك بِمَعْنى البَائِع، وَذَلِكَ لَهُ حَلَال، فَيكون الِاسْتِثْنَاء لهَذِهِ الْعلَّة. وَفِي حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة: " إِلَّا أَنه رخص فِي بيع الْعرية بِخرْصِهَا تَمرا يأكلها (أَهلهَا) رطبا ". (فقد ذكر) للعرية أَهلا وجعلهم يَأْكُلُونَهُ رطبا، وَلَا يكون كَذَلِك إِلَّا وَقد ملكهَا الَّذين عَادَتْ إِلَيْهِم (بِالْبَدَلِ الَّذِي) أَخذ مِنْهُم. فَإِن قيل: لَو كَانَ تَأْوِيل هَذِه الْأَحَادِيث كَمَا ذهب (إِلَيْهِ) أَبُو حنيفَة لم يكن لذكر الرُّخْصَة معنى. قيل لَهُ: بل فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: مَا قَالَه عِيسَى بن أبان: " إِن الْأَمْوَال كلهَا لَا يملك بهَا (أبدا) إِلَّا من كَانَ مَالِكهَا، لَا يَبِيع الرجل مَا لَا يملك (بِبَدَلِهِ) فَيملك ذَلِك الْبَدَل، والمعري لم يكن ملك الْعرية لِأَنَّهُ لم يقبضهَا، وَالتَّمْر الَّذِي يَأْخُذهُ بَدَلا عَنْهَا قد (جعل طيبا لَهُ) (فِي هَذَا، وَهُوَ بدل من رطب لم يكن ملكه، فَقَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي قصد بِالرُّخْصَةِ إِلَيْهِ) .

стр. 446

وَقَالَ غَيره: " الرُّخْصَة أَن الرجل إِذا أعرى الشَّيْء من ثمره فقد وعد أَن يُسلمهُ إِلَيْهِ ليملكه الْمُسلم إِلَيْهِ بِقَبْضِهِ إِيَّاه، وعَلى الرجل فِي دينه أَن يَفِي بوعده، وَإِن كَانَ غير مَأْخُوذ بِهِ فِي الحكم، فَرخص للمعري أَن يحبس مَا أعرى بِأَن يُعْطي المعرى خرصه تَمرا (بَدَلا) من غير أَن يكون آثِما، وَلَا فِي حكم من أخلف وَعدا، فَهَذَا مَوضِع الرُّخْصَة. وَالْحمل عَلَيْهِ أولى، ليبقى نَهْيه ﵇ عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ على عُمُومه ". الطَّحَاوِيّ: عَن مَكْحُول الشَّامي عَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " خففوا) الصَّدقَات، فَإِن فِي المَال الْعرية وَالْوَصِيَّة ". فَدلَّ ذَلِك / أَن الْعرية إِنَّمَا هِيَ مَا يملكهُ أَرْبَاب الْأَمْوَال قوما فِي حياتهم، كَمَا يملكُونَ الْوَصَايَا بعد مماتهم. وَعنهُ: عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] : " نهى البَائِع والمبتاع عَن الْمُزَابَنَة ". وَقَالَ زيد بن ثَابت: (" وَرخّص فِي الْعَرَايَا النَّخْلَة والنخلتين يوهبان للرجل فيبيعها بِخرْصِهَا تَمرا ". فَهَذَا زيد بن ثَابت) وَهُوَ أحد من روى عَن رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الْعرية وَقد أخبر أَنَّهَا الْهِبَة.

стр. 447

(بَاب لَا يجوز بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة) (التِّرْمِذِيّ) : عَن الْحسن، عَن سَمُرَة ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] نهى عَن بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة ". حَدِيث حسن صَحِيح. وَسَمَاع الْحسن من سَمُرَة صَحِيح. هَكَذَا قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ ﵀. قلت: " وَفِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة على أَن الْجِنْس بِانْفِرَادِهِ يحرم النسأ ". (بَاب لَا يجوز شِرَاء مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل نقد الثّمن) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، عَن أمه الْعَالِيَة بنت أَنْفَع قَالَت: " حججْت أَنا و (أم محبَّة) فَدَخَلْنَا على عَائِشَة ﵂، فَقَالَت لَهَا (أم محبَّة) : يَا أم الْمُؤمنِينَ كَانَت (لي) جَارِيَة، وَإِنِّي بعتها من زيد بن أَرقم بثمانمائة دِرْهَم إِلَى عطائه، (وَأَنه أَرَادَ) بيعهَا، فابتعتها (مِنْهُ) بستمائة (دِرْهَم) نَقْدا، فَقَالَت: بئس مَا شريت وَمَا اشْتريت، فأبلغي زيد بن أَرقم أَنه قد أبطل جهاده مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَّا أَن يَتُوب ".

стр. 448

والعالية: امْرَأَة جليلة الْقدر، قَالَ فِي طَبَقَات ابْن سعد: " الْعَالِيَة بنت أَنْفَع بن شرَاحِيل، امْرَأَة أبي إِسْحَاق السبيعِي، سَمِعت عَائِشَة ﵂ ". فَإِن قيل: هَذَا مَذْهَب الصَّحَابِيّ فِي مَحل الْقيَاس فَلَا يُقَلّد. ثمَّ إِنَّهَا عابت عَلَيْهِ الْعقْدَيْنِ وَأَنْتُم مُسلمُونَ صِحَة العقد الأول، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيم لكم التَّمَسُّك بالأثر إِذا صرتم إِلَى فَسَاد الْعقْدَيْنِ. قيل لَهُ: أما تَقْلِيد الصَّحَابِيّ ﵁، فقد قَالَ بعض أَصْحَابنَا: إِن تَقْلِيد الصَّحَابِيّ وَاجِب، وَافق الْقيَاس أَو خَالفه. وَهُوَ قَول (أبي سعيد البرذعي) وَمن تَابعه من أَصْحَابنَا. وَاحْتج بقوله ﵇: " اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر " ﵄. وَقَالَ ﵇: " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ ". جعل الِاقْتِدَاء / سَبَب الاهتداء فَوَجَبَ أَن يجب الِاقْتِدَاء لكَي يحصل الاهتداء. وَمُطلق الِاقْتِدَاء يكون بِالْفِعْلِ تَارَة، وبالقول أُخْرَى، وَقَالَ جُمْهُور أَصْحَابنَا ﵏: " تَقْلِيد قَول الْفُقَهَاء من الصَّحَابَة ﵃ وَاجِب، سَوَاء وَافق الْقيَاس أَو خَالفه. لِأَن الظَّاهِر من حَال الْفَقِيه أَنه كَمَا لَا يعْمل إِلَّا عَن علم وَدَلِيل، فَكَذَلِك (لَا يَقُول) مَا يَقُول إِلَّا عَن معرفَة وَدَلِيل، فترجع جِهَة الصَّوَاب فِي مقَالَته على جِهَة الْخَطَأ، فَانْدفع احْتِمَال الْخَطَأ ظَاهرا، خُصُوصا إِذا تَأَكد ذَلِك بِشَهَادَة رَسُول الله [ ﷺ ] ، حَيْثُ شهد لَهُم بِالْحَقِّ وَالْهدى حَتَّى صَار الِاقْتِدَاء بهم سَببا للاهتداء، والتقليد من بَاب الِاقْتِدَاء، فَوَجَبَ أَن يكون ذَلِك وَاجِبا ليَكُون ذَلِك طَرِيقا إِلَى

стр. 449

الاهتداء. وَعَائِشَة ﵂ من فُقَهَاء الصَّحَابَة ﵃، وَقد أمرنَا النَّبِي [ ﷺ ] بِالْأَخْذِ مِنْهَا بقوله ﵇: " خُذُوا شطر دينكُمْ من الْحُمَيْرَاء ". وَأما قَوْله: " إِنَّمَا يَسْتَقِيم لكم (التَّمَسُّك) بالأثر إِذا صرتم إِلَى فَسَاد الْعقْدَيْنِ "، فَنَقُول: الْحِكْمَة فِي فَسَاد العقد الثَّانِي أَن الثّمن الأول لم يدْخل فِي ضَمَان البَائِع، فَإِذا وصل الْمَبِيع إِلَيْهِ، وَوَقعت الْمُقَاصَّة بَقِي لَهُ فضل مِائَتَيْنِ بِلَا عوض، وَلَا كَذَلِك العقد الأول. وَيصِح لنا التَّمَسُّك بالأثر من غير أَن نصير إِلَى فَسَاد الْعقْدَيْنِ، فَإِن عَائِشَة ﵂ إِنَّمَا عابت عَلَيْهَا العقد الثَّانِي لحُصُول الرِّبَا فِيهِ. فَإِن قيل: إِنَّمَا قَالَت: " بئس مَا شريت "، أَي بِعْت " وَبئسَ مَا اشْتريت "، وَقد باعت الْجَارِيَة أَولا ثمَّ اشترتها، وَالْعقد الأول كَانَ إِلَى أجل وَهُوَ الْعَطاء، وَيحْتَمل أَنه كَانَ مَجْهُولا ففسد العقد الأول بِجَهَالَة الْأَجَل، وَفَسَد الثَّانِي لكَونه بِنَاء عَلَيْهِ. قيل لَهُ: لَو كَانَ كَمَا ذكرت، لم تكن فِي الثَّانِي مشترية، لِأَن العقد الأول إِذا كَانَ فَاسِدا كَمَا ذكرت فالجارية وَالدَّرَاهِم الَّتِي دفعتها إِلَيْهِ ملكا لَهَا، فَلم تكن مشترية لَا حَقِيقَة وَلَا شرعا، وَقد جَعلتهَا مشترية، فَدلَّ أَن كَلَامهَا كُله مَصْرُوف إِلَى العقد الثَّانِي. وَمعنى قَوْلهَا: " بئس مَا شريت وَمَا اشْتريت "، أَي بئس مَا أبدلت وَهُوَ الستمائة دِرْهَم، وَبئسَ مَا استبدلت وَهِي الْجَارِيَة. / وَهِي تسمى فِي (هَذَا) العقد الثَّانِي بائعة ومشترية، لِأَنَّهَا بائعة للدراهم ومشترية لِلْجَارِيَةِ، وَالْمُشْتَرِي يُسمى بَائِعا، قَالَ ﵇: " البيعان بِالْخِيَارِ ".

стр. 450

وَهَذِه الْمَسْأَلَة من أكبر الْأَدِلَّة على أَن أَبَا حنيفَة ﵁ يقدم الْخَبَر الْوَاحِد على الْقيَاس، (فَإنَّا) قدمنَا قَول الصَّحَابِيّ ﵁ على الْقيَاس، فبطريق الأولى أَن يقدم قَول رَسُول الله [ ﷺ ] على الْقيَاس. (بَاب بيع ملك الْإِنْسَان بِغَيْر أمره صَحِيح مَوْقُوف) (الَّذِي) يدل على صِحَّته مَا روى البُخَارِيّ: فِي حَدِيث الثَّلَاثَة الَّذين أَصَابَهُم الْمَطَر فَدَخَلُوا فِي غَار (فِي) جبل فانحطت عَلَيْهِم صَخْرَة، فَقَالَ أحدهم: " اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي اسْتَأْجَرت أَجِيرا بفرق من أرز، فأعطيته (وأبى ذَلِك) أَن يَأْخُذهُ، فعمدت إِلَى ذَلِك الْفرق فزرعته، حَتَّى اشْتريت مِنْهُ بقرًا وراعيها، (ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا عبد الله أَعْطِنِي حَقي، فَقلت: انْطلق إِلَى تِلْكَ الْبَقر وراعيها) ، فَقَالَ: أتستهزئ بِي؟ قَالَ: فَقلت: مَا أستهزئ بك وَلكنهَا لَك. اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فافرج (عَنَّا) فكشف عَنْهُم ". التِّرْمِذِيّ: عَن حَكِيم بن حزَام: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] بعث حَكِيم بن حزَام

стр. 451

ليَشْتَرِي لَهُ أضْحِية (بِدِينَار) ، قَالَ: فأشتري أضْحِية، فأربح فِيهَا دِينَارا، فأشتري أُخْرَى مَكَانهَا، فجَاء بالأضحية وَالدِّينَار إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالَ: ضح بِالشَّاة وَتصدق بالدينار ". وَعنهُ: عَن عُرْوَة الْبَارِقي قَالَ: " دفع إِلَيّ رَسُول الله [ ﷺ ] دِينَارا لأشتري لَهُ شَاة، فاشتريت لَهُ شَاتين، فَبِعْت إِحْدَاهمَا بِدِينَار، وَجئْت بِالشَّاة وَالدِّينَار إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] ، فَذكر لَهُ مَا كَانَ من أمره، فَقَالَ لَهُ: بَارك الله لَك فِي صفقتك ". (بَاب (لَا يجوز بيع الذَّهَب بِالذَّهَب إِلَّا مثلا بِمثل)) مُسلم: عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الذَّهَب بِالذَّهَب، وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ، وَالْبر بِالْبرِّ، وَالشعِير بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ، وَالْملح بالملح، مثلا بِمثل، سَوَاء بِسَوَاء، يدا بيد، فَإِذا اخْتلفت هَذِه الْأَصْنَاف فبيعوا / كَيفَ شِئْتُم إِذا كَانَ يدا بيد ".

стр. 452

(بَاب بيع القلادة) إِذا كَانَت القلادة يُحِيط الْعلم بِوَزْن مَا فِيهَا من الذَّهَب (وَيعلم أَنه أقل من الذَّهَب) (الَّذِي) بِيعَتْ بِهِ، أَو لَا يُحِيط الْعلم بوزنه إِلَّا أَنه يعلم فِي الْحَقِيقَة أَنه أقل من الثّمن الَّذِي بِيعَتْ بِهِ القلادة وَهُوَ ذهب، فَالْبيع جَائِز، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنا رَأينَا الذَّهَب لَا يجوز أَن يُبَاع بِذَهَب إِلَّا مثلا بِمثل، ورأيناهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي دينارين أَحدهمَا فِي الْجَوْدَة أفضل من الآخر صَفْقَة وَاحِدَة، بدينارين متساويين فِي الْجَوْدَة، أَو بِذَهَب (غير) مَضْرُوب جيد، أَن البيع جَائِز. فَلَو كَانَ ذَلِك مردودا إِلَى حكم (الْقِسْمَة) كَمَا ترد الْعرُوض إِذا بِيعَتْ بِثمن وَاحِد، إِذا لفسد البيع، لِأَن الدِّينَار الرَّدِيء نصِيبه أقل من وَزنه إِذا كَانَت قِيمَته أقل من قيمَة الدِّينَار الآخر. فَلَمَّا اتَّفقُوا على صِحَة البيع، وَكَانَت السّنة قد ثبتَتْ بِأَن الذَّهَب تبره وعينه سَوَاء، ثَبت بذلك أَن حكم الذَّهَب فِي البيع إِذا كَانَ بِذَهَب على غير (قسْمَة) الْقيم، وَأَنه مَخْصُوص فِي ذَلِك الحكم بِحكم دون سَائِر الْعرُوض الْمَبِيعَة صَفْقَة وَاحِدَة، وَأَن مَا يُصِيبهُ من الثّمن هُوَ وَزنه لَا مَا تصيبه قِيمَته. فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن (حَنش) أَنه قَالَ: " كَانَ مَعَ فضَالة بن عبيد (فِي غزَاة) ، فَصَارَت لي ولأصحابي قلادة فِيهَا ذهب وورق وجوهر، فَأَرَدْت أَن

стр. 453

أشتريها، فَسَأَلت فضَالة فَقَالَ: انْزعْ ذهبها فاجعله فِي كفة، وَاجعَل ذهبك فِي كفة، لَا تَأْخُذ إِلَّا مثلا بِمثل، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا (يَأْخُذن) إِلَّا مثلا بِمثل ". قيل لَهُ: الْأَمر بالتفصيل من قَول فضَالة، فقد (يجوز أَن) يكون أَمر بذلك على أَن البيع لَا يجوز عِنْده فِي (هَذَا) الذَّهَب حَتَّى يفصل، وَقد يجوز أَن يكون أَمر بذلك لإحاطة علمه أَن تِلْكَ القلادة لَا يُوصل إِلَى علم مَا فِيهَا من الذَّهَب وَإِلَى مِقْدَاره إِلَّا بعد أَن يفصل، أَو يكون مَا فِيهَا من الذَّهَب أَكثر من الثّمن. يُؤَيّد هَذَا مَا روى (أَبُو دَاوُد) : عَن فضَالة بن عبيد قَالَ: " اشْتريت يَوْم خَيْبَر قلادة بِاثْنَيْ عشر دِينَارا فِيهَا ذهب وخرز، ففصلتها فَوجدت فِيهَا أَكثر من اثْنَي عشر دِينَارا، / فَذكرت ذَلِك للنَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: لَا تبَاع حَتَّى تفصل " وَأما قصَّة مُعَاوِيَة مَعَ أبي الدَّرْدَاء، فَيجوز أَن تكون تِلْكَ فِيهَا من الذَّهَب أَكثر مِمَّا اشْتريت بِهِ أَو بِيعَتْ بنسيئة.

стр. 454

الطَّحَاوِيّ: عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ (قَالَ: " اشْتَرِ) السَّيْف الْمحلى بِالْفِضَّةِ ". وَعنهُ: عَن مبارك، عَن الْحسن: " أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يُبَاع السَّيْف المفضض بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ، (يكون) الْفضة بِالْفِضَّةِ وَالسيف بِالْفَضْلِ ". (بَاب (يجوز) بيع الرطب بِالتَّمْرِ مُتَسَاوِيا يدا بيد وَلَا يجوز نَسِيئَة) بِدَلِيل مَا روينَا من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة. وَوجه الدّلَالَة من هَذَا الحَدِيث أَن التَّمْر فِي اللُّغَة اسْم للثمرة البارزة من هَذِه الشَّجَرَة على اخْتِلَاف أحوالها، كالإنسان فِي حق الرَّضِيع والفطيم والشاب وَالشَّيْخ. فَكَانَ الرطب تَمرا، وَشرط الْمُمَاثلَة مَأْخُوذ عَلَيْهِ فِيهِ فَيدل على إِمْكَانه، فَإِن الِاشْتِرَاط فِيمَا لَا يقبل الشَّرْط محَال. فَإِن كَانَ الرطب من جنس التَّمْر فقد بَاعه متماثلا، وَإِن كَانَ من غير جنسه فَلَا مماثلة علينا فِي بَيْعه، وَمَا يذكر (من) احْتِمَال الْجَفَاف يُوقع التَّفَاوُت بعد البيع، وَشرط (العقد) يعْتَبر حَالَة إنشائه وَلَا يضر التَّفَاوُت بعده، كالمماثلة فِي

стр. 455

الْقيمَة فِي بيع الْوَلِيّ مَال الطِّفْل. فَإِن قيل: فقد رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] سُئِلَ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ فَقَالَ: " أينقص إِذا جف؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: فَلَا إِذا ". قيل لَهُ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ (عبد الله بن يزِيد عَن زيد بن أبي عَيَّاش) وَقد اخْتلف فِيهِ عَنهُ. قَالَ الطَّحَاوِيّ: " حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، عَن يحيى بن صَالح الوحاظي، عَن مُعَاوِيَة بن سَلام، عَن يحيى بن أبي كثير، عَن عبد الله بن يزِيد أَن زيدا بن أبي عَيَّاش أخبرهُ عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁: أَن رَسُول الله [ ﷺ ] نهى عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ نَسِيئَة. فَهَذَا أصل حَدِيث " أينقص إِذا جف " فِيهِ ذكر النَّسِيئَة. زَاده يحيى بن أبي كثير على مَالك بن أنس فَهُوَ أولى ". (وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا) . وَعنهُ، عَن يُونُس، عَن ابْن وهب، عَن (عَمْرو بن الْحَارِث) ، عَن بكير بن عبد الله، عَن (عمرَان بن أبي أنيس) : " أَن مولى لبني مَخْزُوم حَدثهُ أَنه سَأَلَ سعد بن / أبي وَقاص ﵁ عَن الرجل يسلف الرجل الرطب بِالتَّمْرِ إِلَى أجل فَقَالَ سعد: نَهَانَا رَسُول الله [ ﷺ ] عَن هَذَا ". قَالَ الطَّحَاوِيّ: " فَهَذَا (عمرَان بن أبي أنيس) وَهُوَ رجل مُتَقَدم

стр. 456

مَعْرُوف، قد روى هَذَا الحَدِيث كَمَا رَوَاهُ يحيى بن أبي كثير، فَكَانَ يَنْبَغِي فِي تَصْحِيح مَعَاني الْآثَار أَن يرْتَفع حَدِيث عبد الله بن يزِيد لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَيثبت حَدِيث عمرَان، فَيكون النَّهْي الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيث سعد (هَذَا) إِنَّمَا هُوَ لعِلَّة النَّسِيئَة لَا غير ". (بَاب) التِّرْمِذِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] نهى أَن يتلَقَّى الجلب، فَإِن تَلقاهُ إِنْسَان (فَبَاعَهُ) فابتاعه فَصَاحب السّلْعَة فِيهَا بِالْخِيَارِ إِذا ورد السُّوق ". هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. فَجعل الْخِيَار للْبَائِع دَلِيل على صِحَة البيع، إِذْ الْفَاسِد لَا خِيَار فِيهِ. وَهَذَا الْخِيَار نسخه قَوْله ﵇: " البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا ". مَالك: عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا يبع حَاضر لباد ". وَعَن جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا يبع حَاضر لباد، دعوا النَّاس يرْزق الله بَعضهم من بعض ".

стр. 457

قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " فَعلمنَا أَن رَسُول الله [ ﷺ ] إِنَّمَا نهى الْحَاضِر أَن يَبِيع للبادي لِأَن الْحَاضِر يعلم أسعار الْأَسْوَاق، فيستقصي على الْحَاضِرين فَلَا يكون لَهُم فِي ذَلِك ربح، وَإِذا باعهم الْأَعرَابِي على (غرَّة وَجَهل) بأسعار الْأَسْوَاق ربح عَلَيْهِ الْحَاضِرُونَ، فَأمر رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يخلى بَين الْحَاضِرين و (بَين) الْأَعْرَاب فِي الْبيُوع، وَمنع الْحَاضِرين أَن يدخلُوا عَلَيْهِم. وَإِذا كَانَ مَا وَصفنَا كَذَلِك، وَثبتت إِبَاحَة التلقي الَّذِي لَا ضَرَر فِيهِ بِمَا وَصفنَا من الْآثَار، صَار شِرَاء المتلقي مِنْهُم شِرَاء حَاضر من باد، فَهُوَ دَاخل فِي قَول النَّبِي [ ﷺ ] : " دعوا النَّاس يرْزق الله بَعضهم من بعض "، وَبَطل أَن يكون فِي ذَلِك خِيَار للْبَائِع، لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِيهِ خِيَار للْبَائِع (لما) كَانَ للْمُشْتَرِي (فِي ذَلِك) فَائِدَة، وَلَا نهى رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يتَوَلَّى البيع للبادي مِنْهُ، لِأَنَّهُ يكون / بِالْخِيَارِ فِي فسخ ذَلِك البيع، أَو يرد لَهُ ثمنه إِلَى الْأَثْمَان الَّتِي فِي (بياعات أهل الْحَضَر بَعضهم من بعض، فَفِي منع النَّبِي [ ﷺ ] الْحَاضِرين من ذَلِك إِبَاحَة الْحَاضِرين) التمَاس غرَّة البادين فِي البيع مِنْهُم وَالشِّرَاء ". (بَاب البيع مَعَ الشَّرْط) الطَّحَاوِيّ: " عَن زَيْنَب امْرَأَة عبد الله بن مَسْعُود أَنَّهَا باعت عبد الله جَارِيَة

стр. 458

فاشترطت خدمتها، فَذكر ذَلِك لعمر فَقَالَ: لَا تقربنها (ولأحد) فِيهَا مثنوية ". فقد أبطل ذَلِك عمر بن الْخطاب، وَتَابعه عَلَيْهِ عبد الله بن مَسْعُود ﵃ ". فَإِن قيل: روى التِّرْمِذِيّ: عَن جَابر بن عبد الله: " أَنه بَاعَ من النَّبِي [ ﷺ ] بَعِيرًا وَاشْترط ظَهره إِلَى أَهله ". هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. فِي هَذَا دَلِيل على أَن البيع إِذا كَانَ فِيهِ شَرط كَانَ البيع صَحِيحا وَالشّرط صَحِيحا. قيل لَهُ: هَذَا حَدِيث قد اخْتلفت أَلْفَاظه اخْتِلَافا كثيرا، وَفِيه مَعْنيانِ يدلان أَنه لَا حجَّة فِيهِ: أَحدهمَا: أَن مساومة النَّبِي [ ﷺ ] لجَابِر إِنَّمَا كَانَت على الْبَعِير، وَلم يشْتَرط لجَابِر فِي ذَلِك ركوبا. فَإِن فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عَن عَامر عَن جَابر أَنه قَالَ: " فَبِعْته واستثنيت حملانه إِلَى أَهلِي "، فَوجه هَذَا الحَدِيث أَن البيع إِنَّمَا كَانَ على مَا كَانَت عَلَيْهِ المساومة من النَّبِي [ ﷺ ] ، ثمَّ كَانَ الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور بعد ذَلِك، وَكَانَ مَفْصُولًا من (البيع) لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بعده، وَلَيْسَ فِي ذَلِك حجَّة تدلنا على حكم البيع كَيفَ يكون لَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء مَشْرُوطًا فِي عقدته.

стр. 459

وَالَّذِي يدل على أَن الِاسْتِثْنَاء لم يكن مَشْرُوطًا فِي عقد البيع مَا روى البُخَارِيّ: فِي حَدِيث جَابر أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " أتبيع جملك؟ قلت: نعم، فَاشْتَرَاهُ مني بأوقية، ثمَّ قدم رَسُول الله [ ﷺ ] قبلي، وقدمت بِالْغَدَاةِ، فَجِئْنَا إِلَى الْمَسْجِد فَوَجَدته على بَاب الْمَسْجِد، قَالَ: الْآن قدمت؟ قلت: نعم، قَالَ: فدع جملك فَادْخُلْ فصل رَكْعَتَيْنِ، فَدخلت فَصليت، فَأمر بِلَالًا أَن يزن أُوقِيَّة فوزن لي بِلَال فأرجح فِي الْمِيزَان، فَانْطَلَقت حَتَّى وليت، فَقَالَ: ادعوا لي جَابِرا، فَقلت: الْآن يرد عَليّ الْجمل، وَلم يكن شَيْء أبْغض إِلَيّ مِنْهُ، قَالَ: خُذ جملك وَلَك ثمنه ". فَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث ذكر الحملان بِحَال، لَا قبل البيع / وَلَا فِي عقدَة البيع وَلَا بعده. وَفِي رِوَايَة عَنهُ: " قَالَ: بعنيه، قلت: (بل) هُوَ لَك يَا رَسُول الله. قَالَ: (بل) بعنيه بأَرْبعَة دَنَانِير وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة ". فَقَوله " وَلَك ظَهره " جملَة تَامَّة لَا تعلق لَهَا بِمَا قبلهَا، وَهِي - وَالله أعلم - جَوَاب لجَابِر ﵁، (فَكَأَن جَابِرا ﵁ لما قَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] : " بعنيه، فَقَالَ: بِعْتُك ولي ظَهره إِلَى الْمَدِينَة، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة ". وَكَأن جَابِرا ﵁ لما تلفظ للنَّبِي [ ﷺ ] بِالْبيعِ ثمَّ رأى نَفسه محتاجة إِلَى ركُوبه طلب من النَّبِي [ ﷺ ] أَن يعيره الْبَعِير ليركبه إِلَى الْمَدِينَة فأعاره النَّبِي [ ﷺ ] . فَإِن قيل: فقد رُوِيَ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ: " فَبِعْته على أَن لي فقار ظَهره حَتَّى أبلغ الْمَدِينَة ". فَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الِاشْتِرَاط (كَانَ) فِي عقدَة البيع.

стр. 460

قيل لَهُ: هَب أَن هَذَا يدل على أَن الِاشْتِرَاط كَانَ فِي عقدَة البيع، وَلَكِن لم يكن النَّبِي [ ﷺ ] اشْتَرَاهُ حَقِيقَة، وَإِنَّمَا ساومه مساومة فَظن جَابر أَن النَّبِي [ ﷺ ] قد اشْتَرَاهُ مِنْهُ شِرَاء (باتا) يدل على ذَلِك أَن جَابِرا قَالَ: " فَلَمَّا قدمنَا أَتَيْته بالجمل وَنقد لي ثمنه، ثمَّ انصرفت فَأرْسل على أثري، فَقَالَ: مَا كنت لآخذ جملك (فَخذ جملك) فَهُوَ مَالك ". وَفِي هَذَا دَلِيل ظَاهر أَنه ﵇ لم يكن قصد شِرَاءَهُ، وَإِنَّمَا قصد بذلك (إِيصَال) الْبر إِلَى جَابر بِهَذَا الطَّرِيق. وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى الآخر. وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا أَنه رُوِيَ أَيْضا فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث أَنه قَالَ: " فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة أتيت النَّبِي [ ﷺ ] بالبعير، فَقلت: هَذَا بعيرك، فَقَالَ: لَعَلَّك ترى أَنِّي إِنَّمَا حبستك لأذهب ببعيرك يَا بِلَال أعْطه أُوقِيَّة وَخذ بعيرك فهما لَك ". فَدلَّ ذَلِك (على) أَن ذَلِك القَوْل (الأول) لم يكن على التبايع، (فَثَبت أَن الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور (إِن) كَانَ فِي أَصله بعد ثُبُوت هَذِه الْعلَّة لم يكن فِي هَذَا الحَدِيث حجَّة، لِأَن الْمَشْرُوط فِيهِ ذَلِك الشَّرْط لم يكن بيعا، لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] لم يكن ملك الْبَعِير على جَابر، فَكَانَ اشْتِرَاط جَابر الرّكُوب اشتراطا فِيمَا هُوَ لَهُ ملك. ثمَّ حَدِيث جَابر فِيهِ اخْتِلَاف كثير فِي تَقْدِير الثّمن الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَفِي رِوَايَة ابْن جريج عَن عَطاء وَغَيره / عَن جَابر " أَرْبَعَة دَنَانِير ". وَقَالَ دَاوُد بن قيس عَن عبيد الله بن مقسم، عَن جَابر " باربع أواقي ". وَعنهُ: " أَن
следующие страницы →