← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 6226

اللباب في الجمع بين السنة والكتاب

الخزرجي المنبجي

Полный текст (762 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مَعْرُوف، قد روى هَذَا الحَدِيث كَمَا رَوَاهُ يحيى بن أبي كثير، فَكَانَ يَنْبَغِي فِي تَصْحِيح مَعَاني الْآثَار أَن يرْتَفع حَدِيث عبد الله بن يزِيد لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَيثبت حَدِيث عمرَان، فَيكون النَّهْي الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيث سعد (هَذَا) إِنَّمَا هُوَ لعِلَّة النَّسِيئَة لَا غير ". (بَاب) التِّرْمِذِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] نهى أَن يتلَقَّى الجلب، فَإِن تَلقاهُ إِنْسَان (فَبَاعَهُ) فابتاعه فَصَاحب السّلْعَة فِيهَا بِالْخِيَارِ إِذا ورد السُّوق ". هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. فَجعل الْخِيَار للْبَائِع دَلِيل على صِحَة البيع، إِذْ الْفَاسِد لَا خِيَار فِيهِ. وَهَذَا الْخِيَار نسخه قَوْله ﵇: " البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا ". مَالك: عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا يبع حَاضر لباد ". وَعَن جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا يبع حَاضر لباد، دعوا النَّاس يرْزق الله بَعضهم من بعض ".

стр. 457

قَالَ الطَّحَاوِيّ ﵀: " فَعلمنَا أَن رَسُول الله [ ﷺ ] إِنَّمَا نهى الْحَاضِر أَن يَبِيع للبادي لِأَن الْحَاضِر يعلم أسعار الْأَسْوَاق، فيستقصي على الْحَاضِرين فَلَا يكون لَهُم فِي ذَلِك ربح، وَإِذا باعهم الْأَعرَابِي على (غرَّة وَجَهل) بأسعار الْأَسْوَاق ربح عَلَيْهِ الْحَاضِرُونَ، فَأمر رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يخلى بَين الْحَاضِرين و (بَين) الْأَعْرَاب فِي الْبيُوع، وَمنع الْحَاضِرين أَن يدخلُوا عَلَيْهِم. وَإِذا كَانَ مَا وَصفنَا كَذَلِك، وَثبتت إِبَاحَة التلقي الَّذِي لَا ضَرَر فِيهِ بِمَا وَصفنَا من الْآثَار، صَار شِرَاء المتلقي مِنْهُم شِرَاء حَاضر من باد، فَهُوَ دَاخل فِي قَول النَّبِي [ ﷺ ] : " دعوا النَّاس يرْزق الله بَعضهم من بعض "، وَبَطل أَن يكون فِي ذَلِك خِيَار للْبَائِع، لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِيهِ خِيَار للْبَائِع (لما) كَانَ للْمُشْتَرِي (فِي ذَلِك) فَائِدَة، وَلَا نهى رَسُول الله [ ﷺ ] أَن يتَوَلَّى البيع للبادي مِنْهُ، لِأَنَّهُ يكون / بِالْخِيَارِ فِي فسخ ذَلِك البيع، أَو يرد لَهُ ثمنه إِلَى الْأَثْمَان الَّتِي فِي (بياعات أهل الْحَضَر بَعضهم من بعض، فَفِي منع النَّبِي [ ﷺ ] الْحَاضِرين من ذَلِك إِبَاحَة الْحَاضِرين) التمَاس غرَّة البادين فِي البيع مِنْهُم وَالشِّرَاء ". (بَاب البيع مَعَ الشَّرْط) الطَّحَاوِيّ: " عَن زَيْنَب امْرَأَة عبد الله بن مَسْعُود أَنَّهَا باعت عبد الله جَارِيَة

стр. 458

فاشترطت خدمتها، فَذكر ذَلِك لعمر فَقَالَ: لَا تقربنها (ولأحد) فِيهَا مثنوية ". فقد أبطل ذَلِك عمر بن الْخطاب، وَتَابعه عَلَيْهِ عبد الله بن مَسْعُود ﵃ ". فَإِن قيل: روى التِّرْمِذِيّ: عَن جَابر بن عبد الله: " أَنه بَاعَ من النَّبِي [ ﷺ ] بَعِيرًا وَاشْترط ظَهره إِلَى أَهله ". هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. فِي هَذَا دَلِيل على أَن البيع إِذا كَانَ فِيهِ شَرط كَانَ البيع صَحِيحا وَالشّرط صَحِيحا. قيل لَهُ: هَذَا حَدِيث قد اخْتلفت أَلْفَاظه اخْتِلَافا كثيرا، وَفِيه مَعْنيانِ يدلان أَنه لَا حجَّة فِيهِ: أَحدهمَا: أَن مساومة النَّبِي [ ﷺ ] لجَابِر إِنَّمَا كَانَت على الْبَعِير، وَلم يشْتَرط لجَابِر فِي ذَلِك ركوبا. فَإِن فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا عَن عَامر عَن جَابر أَنه قَالَ: " فَبِعْته واستثنيت حملانه إِلَى أَهلِي "، فَوجه هَذَا الحَدِيث أَن البيع إِنَّمَا كَانَ على مَا كَانَت عَلَيْهِ المساومة من النَّبِي [ ﷺ ] ، ثمَّ كَانَ الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور بعد ذَلِك، وَكَانَ مَفْصُولًا من (البيع) لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بعده، وَلَيْسَ فِي ذَلِك حجَّة تدلنا على حكم البيع كَيفَ يكون لَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء مَشْرُوطًا فِي عقدته.

стр. 459

وَالَّذِي يدل على أَن الِاسْتِثْنَاء لم يكن مَشْرُوطًا فِي عقد البيع مَا روى البُخَارِيّ: فِي حَدِيث جَابر أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " أتبيع جملك؟ قلت: نعم، فَاشْتَرَاهُ مني بأوقية، ثمَّ قدم رَسُول الله [ ﷺ ] قبلي، وقدمت بِالْغَدَاةِ، فَجِئْنَا إِلَى الْمَسْجِد فَوَجَدته على بَاب الْمَسْجِد، قَالَ: الْآن قدمت؟ قلت: نعم، قَالَ: فدع جملك فَادْخُلْ فصل رَكْعَتَيْنِ، فَدخلت فَصليت، فَأمر بِلَالًا أَن يزن أُوقِيَّة فوزن لي بِلَال فأرجح فِي الْمِيزَان، فَانْطَلَقت حَتَّى وليت، فَقَالَ: ادعوا لي جَابِرا، فَقلت: الْآن يرد عَليّ الْجمل، وَلم يكن شَيْء أبْغض إِلَيّ مِنْهُ، قَالَ: خُذ جملك وَلَك ثمنه ". فَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث ذكر الحملان بِحَال، لَا قبل البيع / وَلَا فِي عقدَة البيع وَلَا بعده. وَفِي رِوَايَة عَنهُ: " قَالَ: بعنيه، قلت: (بل) هُوَ لَك يَا رَسُول الله. قَالَ: (بل) بعنيه بأَرْبعَة دَنَانِير وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة ". فَقَوله " وَلَك ظَهره " جملَة تَامَّة لَا تعلق لَهَا بِمَا قبلهَا، وَهِي - وَالله أعلم - جَوَاب لجَابِر ﵁، (فَكَأَن جَابِرا ﵁ لما قَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] : " بعنيه، فَقَالَ: بِعْتُك ولي ظَهره إِلَى الْمَدِينَة، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة ". وَكَأن جَابِرا ﵁ لما تلفظ للنَّبِي [ ﷺ ] بِالْبيعِ ثمَّ رأى نَفسه محتاجة إِلَى ركُوبه طلب من النَّبِي [ ﷺ ] أَن يعيره الْبَعِير ليركبه إِلَى الْمَدِينَة فأعاره النَّبِي [ ﷺ ] . فَإِن قيل: فقد رُوِيَ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ: " فَبِعْته على أَن لي فقار ظَهره حَتَّى أبلغ الْمَدِينَة ". فَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الِاشْتِرَاط (كَانَ) فِي عقدَة البيع.

стр. 460

قيل لَهُ: هَب أَن هَذَا يدل على أَن الِاشْتِرَاط كَانَ فِي عقدَة البيع، وَلَكِن لم يكن النَّبِي [ ﷺ ] اشْتَرَاهُ حَقِيقَة، وَإِنَّمَا ساومه مساومة فَظن جَابر أَن النَّبِي [ ﷺ ] قد اشْتَرَاهُ مِنْهُ شِرَاء (باتا) يدل على ذَلِك أَن جَابِرا قَالَ: " فَلَمَّا قدمنَا أَتَيْته بالجمل وَنقد لي ثمنه، ثمَّ انصرفت فَأرْسل على أثري، فَقَالَ: مَا كنت لآخذ جملك (فَخذ جملك) فَهُوَ مَالك ". وَفِي هَذَا دَلِيل ظَاهر أَنه ﵇ لم يكن قصد شِرَاءَهُ، وَإِنَّمَا قصد بذلك (إِيصَال) الْبر إِلَى جَابر بِهَذَا الطَّرِيق. وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى الآخر. وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا أَنه رُوِيَ أَيْضا فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث أَنه قَالَ: " فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة أتيت النَّبِي [ ﷺ ] بالبعير، فَقلت: هَذَا بعيرك، فَقَالَ: لَعَلَّك ترى أَنِّي إِنَّمَا حبستك لأذهب ببعيرك يَا بِلَال أعْطه أُوقِيَّة وَخذ بعيرك فهما لَك ". فَدلَّ ذَلِك (على) أَن ذَلِك القَوْل (الأول) لم يكن على التبايع، (فَثَبت أَن الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور (إِن) كَانَ فِي أَصله بعد ثُبُوت هَذِه الْعلَّة لم يكن فِي هَذَا الحَدِيث حجَّة، لِأَن الْمَشْرُوط فِيهِ ذَلِك الشَّرْط لم يكن بيعا، لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] لم يكن ملك الْبَعِير على جَابر، فَكَانَ اشْتِرَاط جَابر الرّكُوب اشتراطا فِيمَا هُوَ لَهُ ملك. ثمَّ حَدِيث جَابر فِيهِ اخْتِلَاف كثير فِي تَقْدِير الثّمن الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَفِي رِوَايَة ابْن جريج عَن عَطاء وَغَيره / عَن جَابر " أَرْبَعَة دَنَانِير ". وَقَالَ دَاوُد بن قيس عَن عبيد الله بن مقسم، عَن جَابر " باربع أواقي ". وَعنهُ: " أَن

стр. 461

النَّبِي [ ﷺ ] اشْتَرَاهُ بأوقية ". وَقَالَ أَبُو نَضرة عَن جَابر: " اشْتَرَاهُ) بِعشْرين دِينَارا. وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَو كَانَ فِي الشَّهَادَة لمنع قبُولهَا. فَكَذَا فِي الرِّوَايَة، إِذْ لَا يُمكن الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات إِلَّا بِأَن يكون مَا جرى (بَين) جَابر و (بَين) النَّبِي [ ﷺ ] لم يكن على (جِهَة) البيع، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِي [ ﷺ ] أَن يبره بِهَذَا الطَّرِيق. وَيجوز أَن يكون حصل لَهُ من النَّبِي [ ﷺ ] الْأَكْثَر مِمَّا ذكرته الروَاة. " فَإِن قيل: روى التِّرْمِذِيّ: عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا أَرَادَت أَن تشتري بَرِيرَة، فَاشْتَرَطُوا الْوَلَاء، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " اشتريها فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعْطى الثّمن، أَو لمن (أولى) النِّعْمَة ". وَفِي هَذَا دَلِيل على جَوَاز البيع وَبطلَان الشَّرْط. قيل لَهُ: هَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ على خلاف ذَلِك: البُخَارِيّ: عَن عُرْوَة: " أَن عَائِشَة ﵂ أخْبرته أَن بَرِيرَة جَاءَت تستعينها فِي كتَابَتهَا، وَلم تكن قَضَت من كتَابَتهَا شَيْئا، قَالَت عَائِشَة: ارجعي إِلَى أهلك، فَإِن أَحبُّوا أَن أَقْْضِي (عَنْك) كتابتك وَيكون ولاؤك لي فعلت فَذكرت بَرِيرَة ذَلِك لأَهْلهَا فَأَبَوا، وَقَالُوا: إِن شَاءَت أَن تحتسب عَلَيْك (فلتفعل) وَيكون ولاؤك لنا، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالَ لَهَا رَسُول الله [ ﷺ ] : ابتاعي فأعتقي

стр. 462

- وَفِي لفظ الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: لَا يمنعك مِنْهَا ذَلِك، ابتاعي وأعتقي - فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق، ثمَّ قَامَ رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: مَا بَال أنَاس يشترطون شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله، (من اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله) (فَلَيْسَ لَهُ) وَإِن شَرط مائَة مرّة، شَرط الله أَحَق وأوثق ". فَمَا كَانَ من أهل بَرِيرَة فِي هَذَا الحَدِيث لم يكن شرطا فِي بيع، لَكِن (فِي) أَدَاء عَائِشَة إِلَيْهِم عَن بَرِيرَة، وهم توَلّوا عقد تِلْكَ الْكِتَابَة لَهُ وَلم يتَقَدَّم ذَلِك الْأَدَاء من عَائِشَة ملك، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: لَا يمنعك ذَلِك مِنْهَا. أَي لَا تَرْجِعِي لهَذَا الْمَعْنى عَمَّا كنت نَوَيْت فِي (عتاقهم) من الثَّوَاب، اشتريها فأعتقيها فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق، وَكَانَ ذَلِك هَهُنَا الشِّرَاء ابْتِدَاء من رَسُول الله [ ﷺ ] /، لَيْسَ مَا كَانَ (قبل ذَلِك) بَين عَائِشَة وَبَين أهل بَرِيرَة فِي شَيْء، ثمَّ قَامَ النَّبِي [ ﷺ ] فَخَطب مَا تقدم ذكرنَا لَهُ إنكارا (مِنْهُ) على عَائِشَة فِي طلبَهَا وَلَاء من تولى غَيرهَا كتَابَتهَا بِحَق ملك عَلَيْهَا ثمَّ نهاها وَعلمهَا بقوله: " إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق "، أَي أَن الْمكَاتب إِذا عتق بِالْكِتَابَةِ فمكاتبه هُوَ الَّذِي أعْتقهُ وَوَلَاؤُهُ لَهُ. فَهَذَا حَدِيث فِيهِ ضد مَا فِي غَيره وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل على اشْتِرَاط الْوَلَاء فِي البيع كَيفَ هُوَ. فَإِن قيل: فقد رُوِيَ مَكَان قَوْله: " ابتاعي وأعتقي " " خذيها فأعتقيها (واشترطي) ". قيل لَهُ: هَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ هِشَام عَن عُرْوَة، وَمَا رَوَاهُ ابْن شهَاب عَن عُرْوَة

стр. 463

أولى، لِأَن ابْن شهَاب أتقن وأحفظ من هِشَام، وَيجوز أَن يكون معنى خذيها " ابتاعيها "، كَمَا يَقُول الرجل لصَاحبه: بكم أخذت هَذَا العَبْد؟ يُرِيد بكم ابتعته، وكما يَقُول الرجل (للرجل) : " خُذ هَذَا العَبْد بِأَلف، يُرِيد بذلك البيع ". وَلم يبين رَسُول الله [ ﷺ ] فِي قَوْله: " واشترطي " مَا تشْتَرط، فَيجوز أَن يكون أَرَادَ " واشترطي مَا يشْتَرط فِي الْبياعَات الصِّحَاح " وَالله أعلم. (بَاب يجوز بيع الْكَلْب وَيكرهُ) لِأَنَّهُ منتفع بِهِ حراسة واصطيادا؟ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح مكلبين﴾ . فَإِن قيل: " نهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن ثمن الْكَلْب وَمهر الْبَغي، وحلوان الكاهن ". قيل لَهُ: هَذَا كَانَ فِي زمن كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] أَمر فِيهِ بقتل الْكلاب، وَكَانَ الِانْتِفَاع بهَا يَوْمئِذٍ محرما، ثمَّ بعد ذَلِك رخص فِي الِانْتِفَاع بهَا. الطَّحَاوِيّ: عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده عبد الله بن عَمْرو:

стр. 464

" أَنه قضى فِي كلب صيد قَتله رجل بِأَرْبَعِينَ درهما، وَقضى فِي كلب مَاشِيَة بكبش ". وَعنهُ: عَن عَطاء (قَالَ) : " لَا بَأْس بِثمن الْكَلْب ". فَهَذَا قَول عَطاء. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " أَن ثمن الْكَلْب من السُّحت ". وَعنهُ: عَن ابْن شهَاب: " أَنه إِذا قتل الْكَلْب الْمعلم فَإِنَّهُ يقوم قِيمَته فيغرمه الَّذِي قَتله ". فَهَذَا (الزُّهْرِيّ) يَقُول هَذَا، وَقد روى عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن (عَن النَّبِي [ ﷺ ] ) : أَن ثمن الْكَلْب من السُّحت ". وَعنهُ: عَن مُغيرَة / عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: " لَا بَأْس بِثمن (كلب) الصَّيْد ". وروى عَن مَالك ﵀ إجَازَة بيع كلب الصَّيْد وَالزَّرْع والماشية، وَلَا خلاف (عَنهُ) أَن من قتل كلب صيد أَو مَاشِيَة أَنه يجب عَلَيْهِ قِيمَته. وَعَن عُثْمَان: " أَنه أجَاز الْكَلْب (الضاري) فِي الْمهْر، وَجعل على قَاتله عشْرين من الْإِبِل " ذكره ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد فِيمَا أَظن. التِّرْمِذِيّ: عَن جَابر ﵁ قَالَ: " نهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن ثمن

стр. 465

الْكَلْب والسنور ". وَهَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده اضْطِرَاب. (ذكر الْغَرِيب:) مهر الْبَغي: هُوَ أَن يُعْطي الْمَرْأَة شَيْئا ليفجر بهَا. وحلوان الكاهن: مَا يَأْخُذهُ الكاهن على كهانته، فَإِن الكهانة بَاطِلَة، لَا يجوز أَخذ الْأجر عَلَيْهَا، وَقيل هِيَ الرِّشْوَة، وَقيل هُوَ مُشْتَقّ من الْحَلَاوَة، يُقَال مِنْهُ: حلوت الرجل (أحلوه) إِذا أطعمته الحلو، كَمَا يُقَال عسلته إِذا أطعمته الْعَسَل. وَالْفرق بَين الكاهن والعراف أَن الكاهن يتعاطى الْخَبَر عَن الكوائن فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان وَمَعْرِفَة الْأَسْرَار، والعراف يتعاطى معرفَة الشَّيْء الْمَسْرُوق وَمَكَان الضَّالة وَنَحْوه، وَالله أعلم. (بَاب بيع أَرَاضِي مَكَّة غير جَائِز) الطَّحَاوِيّ: عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن عمر أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا ". وَعنهُ: عَن عَلْقَمَة بن نَضْلَة قَالَ: " كَانَت الدّور على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان مَا تبَاع وَلَا تكرى وَلَا تدعى إِلَّا السوائب، من احْتَاجَ سكن وَمن اسْتغنى أسكن ". وَعنهُ: عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: " مَكَّة مُبَاح، لَا يحل بيع رباعها وَلَا إِجَارَة

стр. 466

بيوتها ". وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَمُحَمّد وسُفْيَان الثَّوْريّ ﵏. (بَاب لَا يجوز السّلم إِلَّا مُؤَجّلا) البُخَارِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " قدم النَّبِي [ ﷺ ] الْمَدِينَة وهم يسلفون فِي التَّمْر السنتين وَالثَّلَاث، فَقَالَ: من أسلف فِي شَيْء فليسلف فِي كيل مَعْلُوم (وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم) ". (بَاب لَا يجوز استقراض الْحَيَوَان) بِدَلِيل إِجْمَاع الْمُسلمين على عدم جَوَاز استقراض الْإِمَاء. فَإِن قيل: روى مَالك: عَن أبي رَافع مولى رَسُول الله [ ﷺ ] / أَنه قَالَ:

стр. 467

" استلسف رَسُول الله [ ﷺ ] بكرأ، فَجَاءَتْهُ إبل من الصَّدَقَة. قَالَ أَبُو رَافع: فَأمرنِي رَسُول الله [ ﷺ ] أَن أَقْْضِي الرجل بكره، فَقلت: لم أجد فِي الْإِبِل إِلَّا جملا خيارا رباعيا، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : أعْطه إِيَّاه فَإِن خِيَار النَّاس أحْسنهم قَضَاء ". قيل لَهُ: يحْتَمل أَن يكون هَذَا قبل تَحْرِيم الرِّبَا، كَمَا كَانَ يجوز بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة ثمَّ نهي عَنهُ. يدل على ذَلِك مَا روى الطَّحَاوِيّ: عَن عبد الله بن عَمْرو ﵁: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أمره أَن يُجهز جَيْشًا، فنفدت الْإِبِل، فَأمره بِأَن يَأْخُذ (فِي) قلاص الصَّدَقَة، فَجعل يَأْخُذ الْبَعِير بالبعيرين إِلَى إبل الصَّدَقَة "، ثمَّ نهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، فَدخل فِي ذَلِك استقراض الْحَيَوَان. فَإِن قيل: الْحِنْطَة لَا يجوز بيع بَعْضهَا بِبَعْض نَسِيئَة، وَيجوز قرضها، فَكَذَلِك الْحَيَوَان. قيل لَهُ: نهي النَّبِي [ ﷺ ] عَن بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، لم يكن لِاتِّفَاق النَّوْعَيْنِ، وَإِلَّا لجَاز بيع العَبْد بالبقرة نَسِيئَة، وَإِنَّمَا كَانَ لعدم وجود مثله، وَلِأَنَّهُ غير مَوْقُوف عَلَيْهِ. وَإِذا كَانَ كَذَلِك بَطل قرضه أَيْضا لِأَنَّهُ غير مَوْقُوف عَلَيْهِ. وروى الطَّحَاوِيّ: عَن إِبْرَاهِيم (عَن) ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:

стр. 468

" السّلف فِي كل شَيْء إِلَى أجل (مُسَمّى) لَا بَأْس بِهِ مَا خلا الْحَيَوَان ". (بَاب لَا يجوز بيع لبن الْمَرْأَة) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ ، فقد دلّت هَذِه الْآيَة على أَن لبن الْمَرْأَة وَإِن كَانَ عينا فقد أجْرى مجْرى الْمَنَافِع الَّتِي تسْتَحقّ بعقود الْإِجَارَات. فَكَمَا لَا يجوز عقد البيع على الْمَنَافِع لَا يجوز (على) لبن الْمَرْأَة. وَفَارق لبن الْمَرْأَة بذلك سَائِر ألبان الْحَيَوَانَات، لِأَنَّهُ لَا يجوز اسْتِئْجَار شَاة لرضاع صبي، لِأَن الْأَعْيَان لَا تسْتَحقّ بعقود الْإِجَارَات كاستئجار النَّحْل وَالشَّجر، وَالله أعلم. (بَاب لَو بَاعَ التَّمْر أَو الْعِنَب مِمَّن يعلم أَنه يَتَّخِذهُ خمرًا كره وَصَحَّ بَيْعه، لجَوَاز أَن لَا يَتَّخِذهُ خمرًا) فَإِن قيل: رُوِيَ عَن عبد الله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : / من حبس الْعِنَب زمن القطاف حَتَّى يَبِيعهُ من يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو مِمَّن يعلم أَنه يَتَّخِذهُ خمرًا فقد يقدم على النَّار على بَصِيرَة ". قيل لَهُ: قَالَ أَبُو حَاتِم: لَا أصل لهَذَا الحَدِيث من حَدِيث حُسَيْن بن وَاقد، فقد يَنْبَغِي أَن يعدل بالحسين عَن سنَن الْعُدُول لروايته هَذَا الْخَبَر الْمُنكر.

стр. 469

(بَاب يكره التسعير) التِّرْمِذِيّ: عَن أنس ﵁ قَالَ: " غلا السّعر على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله سعر لنا، فَقَالَ: إِن الله هُوَ المسعر، الْقَابِض، الباسط، الرازق، وَإِنِّي لأرجو أَن ألْقى رَبِّي وَلَيْسَ أحد مِنْكُم يطلبني بمظلمة فِي دم وَلَا مَال " حَدِيث حسن صَحِيح. (بَاب الِاخْتِلَاف فِي البيع) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن (الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن بن) عبد الله بن مَسْعُود، عَن أَبِيه، عَن جده أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي البيع والسلعة) لم) تستهلك، فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان ". فَإِن قيل: روى التِّرْمِذِيّ: عَن عون بن عبد الله، عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِذا اخْتلف (الْمُتَبَايعَانِ) فَالْقَوْل قَول البَائِع، والمبتاع بِالْخِيَارِ ".

стр. 470

قيل لَهُ: هَذَا حَدِيث مُرْسل، لِأَن عون بن عبد الله لم يدْرك ابْن مَسْعُود ﵁. (بَاب إِذا اشْترى ثَمَرَة فأصابها جَائِحَة، فَمَا ذهب من ذَلِك قل أَو كثر بعد أَن يقبضهُ المُشْتَرِي (ذهب) من مَاله، وَمَا ذهب فِي يَد البَائِع قبل أَن يقبضهُ المُشْتَرِي بَطل ثمنه عَن المُشْتَرِي) البُخَارِيّ وَمُسلم: عَن عِيَاض بن عبد الله، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: " أُصِيب رجل فِي عهد رَسُول الله [ ﷺ ] فِي ثمار ابتاعها، فَكثر دينه، فَقَالَ رَسُول الله: تصدقوا عَلَيْهِ (فَتصدق النَّاس) عَلَيْهِ، فَلم يبلغ ذَلِك وَفَاء دينه، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : خُذُوا مَا وجدْتُم، وَلَيْسَ لكم إِلَّا ذَلِك ". فَلَمَّا كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] لم يبطل دين الْغُرَمَاء بذهاب الثِّمَار وَفِيهِمْ بَائِعهَا، وَلم يرجع على الباعة بِالثّمن إِذْ كَانُوا قد قبضوا ذَلِك مِنْهُ، ثَبت أَن الجوائح الْحَادِثَة فِي يَد المُشْتَرِي لَا تكون مبطلة عَنهُ شَيْئا من الثّمن الَّذِي عَلَيْهِ للْبَائِع. / وَمَا رُوِيَ: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] أَمر بِوَضْع الجوائح "، (فَهُوَ) مَحْمُول على

стр. 471

الجوائح الَّتِي يصاب النَّاس بهَا ويجتاحون فِي الْأَرَاضِي الخراجية الَّتِي خراجها للْمُسلمين، فَوضع ذَلِك الْخراج عَنْهُم وَاجِب لَازم، لِأَن فِي ذَلِك صلاحا للْمُسلمين وتقوية لحالهم، وَفِيه عمَارَة أراضيهم. فَإِن قيل: فقد رُوِيَ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] (قَالَ) : " إِن بِعْت من أَخِيك (ثمرا) فأصابته جَائِحَة فَلَا يحل لَك أَن تَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا. بِمَ تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْر حق ". (أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه) . قيل لَهُ: يجب حمل هَذَا الحَدِيث (على) أَن الْجَائِحَة أَصَابَت الثَّمَرَة قبل تخلية البَائِع بَينه وَبَين المُشْتَرِي، وَإِلَّا فَإِن أجاح بِهِ فِي مِقْدَار الثُّلُث وَجب أَن يجيح (بِهِ) فِيمَا دون الثُّلُث. (بَاب (لَا) يجوز بيع مَا ينْقل ويحول قبل الْقَبْض) البُخَارِيّ: عَن طَاوُوس، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " أما الَّذِي

стр. 472

نهى عَنهُ النَّبِي [ ﷺ ] فَهُوَ الطَّعَام قبل أَن يقبض. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَلَا أَحسب كل شَيْء إِلَّا مثله "، فنهي النَّبِي [ ﷺ ] عَن بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض، دَلِيل على عدم جَوَاز بيع كل مَا ينْقل ويحول، (لِأَنَّهُ) فِي مَعْنَاهُ. وَقَول ابْن عَبَّاس: " وَلَا أَحسب كل شَيْء إِلَّا مثله " يُرِيد - وَالله أعلم - وَلَا أَحسب كل شَيْء يُمكن نَقله إِلَّا مثله، وَلَئِن أَرَادَ كل شَيْء مِمَّا ينْقل وَمَا لَا ينْقل فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك - وَالله أعلم - اعتقادا مِنْهُ أَن الْمَعْنى الَّذِي حرم بِهِ البيع على مُشْتَرِي الطَّعَام قبل قَبضه، هُوَ أَنه لَا يطيب لَهُ ربح مَا لم يضمن من حَيْثُ إِنَّه قبل الْقَبْض فِي ضَمَان البَائِع. قَالَ: وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي غير الطَّعَام. أَو نقُول: الطَّعَام يجوز السّلم فِيهِ وَلَيْسَ بقائم حِينَئِذٍ، وَلَا يجوز ذَلِك فِي الْعرُوض فَكَانَ الطَّعَام أوسع أمرا فِي الْبيُوع وَأكْثر جَوَازًا، فَإِذا حرم بَيْعه قبل قَبضه كَانَ حظر غَيره أولى. فقصد النَّبِي [ ﷺ ] إِلَى النَّهْي عَن الطَّعَام دَلِيل نَهْيه عَن غَيره وَنحن لَا نسلم أَن الْمَعْنى الَّذِي نهى النَّبِي [ ﷺ ] عَن بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض لأَجله هُوَ مَا ذكره، بل معنى آخر وَهُوَ غرر انْفِسَاخ العقد بِهَلَاك الْمَعْقُود عَلَيْهِ قبل الْقَبْض، والهلاك فِي الْعقار نَادِر. (بَاب لَا يجوز بيع الْمُدبر) لِأَنَّهُ / لما علق الْعتْق على صفة اسْتحق الْعتْق ضَرُورَة وَإِنَّمَا قضى فِيهِ بِالثُّلثِ لِأَنَّهُ حكم يظْهر بعد الْمَوْت. وكل حكم يظْهر بعد الْمَوْت فَهُوَ من الثُّلُث وَصِيَّة كَانَ أَو تدبيرا.

стр. 473

فَإِن قيل: رُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله ﵁: " أَن رجلا من الْأَنْصَار دبر مَمْلُوكه وَلم يكن لَهُ مَال غَيره، فَبلغ النَّبِي [ ﷺ ] فَدَعَا بِهِ وَقَالَ: من يَشْتَرِيهِ؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام بثمانمائة دِرْهَم، فَأخذ ثمنه فَدفعهُ إِلَيْهِ ". زَاد غَيره فِي الصَّحِيح: " فَدَفعهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: ابدأ بِنَفْسِك فَتصدق عَلَيْهَا، فَإِن فضل شَيْء فلذي قرابتك، فَإِن فضل عَن ذِي قرابتك فَهَكَذَا وَهَكَذَا من بَين يَديك وَعَن يَمِينك وَعَن شمالك ". قيل لَهُ: هَذِه قصَّة فِي عين وحكاية فِي حَال، فَلَا تتعدى إِلَى غَيرهَا إِلَّا بِدَلِيل. هَذَا إِذا كَانَت مُجَرّدَة عَن الِاحْتِمَال وَإِذا تطرق إِلَيْهَا التَّأْوِيل سقط مِنْهَا الدَّلِيل. وَالَّذِي يدل على الِاحْتِمَال فِيهَا، وَأَنَّهَا خَارِجَة عَن طَرِيق الِاحْتِجَاج قَوْله: " وَلم يكن لَهُ مَال "، وَلَو كَانَ (مَنعه) - لِأَن التَّدْبِير لَا يَقْتَضِي منعا وَلَا يُوجب عتقا - لم يكن لقَوْله: " (وَلم يكن لَهُ) مَال غَيره " معنى، وَلَا يجوز إِسْقَاط بعض الحَدِيث والتعلق بِبَعْضِه. وَيحْتَمل أَن يكون سَفِيها فَرد النَّبِي [ ﷺ ] فعله عَلَيْهِ، وَلَا يجوز أَن يكون بَاعه فِي دين، لِأَن لفظ الصَّحِيح أَنه دَفعه إِلَيْهِ وَأمره أَن يعود بِهِ على قرَابَته.

стр. 474

مَالك: عَن يحيى بن سعيد أَن سعيد بن الْمسيب كَانَ يَقُول: " إِذا دبر الرجل جَارِيَته فَإِن لَهُ أَن يَطَأهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَن يَبِيعهَا، وَلَا يَهَبهَا، وَوَلدهَا بمنزلتها ". وَقَالَ مَالك: " الْأَمر الْمُجْتَمع عَلَيْهِ عندنَا فِي الْمُدبر أَن صَاحبه لَا يَبِيعهُ، وَلَا يحوله عَن مَوْضِعه الَّذِي وَضعه فِيهِ، وَإِن رهق سَيّده دين فَإِن غرماءه لَا يقدرُونَ على بَيْعه مَا عَاشَ سَيّده، (فَإِن مَاتَ سَيّده) وَلَا دين عَلَيْهِ فَهُوَ من ثلثه ". (بَاب لَا يجوز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد) مَالك: عَن نَافِع، عَن عبد الله بن عمر (أَن عمر) بن الْخطاب ﵁ قَالَ: " أَيّمَا وليدة ولدت من سَيِّدهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعهَا وَلَا يَهَبهَا وَلَا يُورثهَا / وَهُوَ يسْتَمْتع (مِنْهَا) فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة ". (بَاب من بَاعَ نخلا أَو شَجرا فِيهِ ثَمَرَة فثمرته للْبَائِع إِلَّا أَن يشترطها الْمُبْتَاع) أما بعد التَّأْبِير، فَلَمَّا روى البُخَارِيّ: عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن

стр. 475

رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من بَاعَ نخلا قد أبرت فثمرتها للْبَائِع إِلَّا أَن (يشْتَرط) الْمُبْتَاع ". وَأما قبل التَّأْبِير فَلِأَن الْملك ثَابت لَهُ فِي الشَّجَرَة وَالثَّمَرَة قبل البيع، وَالْبيع أضيف إِلَى الشَّجَرَة (فَيقْتَصر حكمه عَلَيْهِ) . والْحَدِيث لم يتَعَرَّض لما قبل التَّأْبِير بِنَفْي وَلَا إِثْبَات، فَبَقيَ على أصل ملك البَائِع. فَإِن قيل: فَمَا فَائِدَة تَخْصِيص التَّأْبِير بِالذكر؟ قيل لَهُ: لَعَلَّ النَّبِي [ ﷺ ] سُئِلَ عَن بيع النّخل المؤبر وَحكم الثِّمَار فِيهَا، فَكَانَ جَوَابه مَقْصُورا على مَحل السُّؤَال. وَهُوَ كل الْجُمْلَة الْحَاضِرَة فِي غَرَض الْمُتَكَلّم. وَهَذَا كَقَوْلِه [ ﷺ ] : " فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة "، فَإِن الزَّكَاة (كَانَت) منتفية فِي السَّائِمَة (والمعلوفة) جَمِيعًا، فَلَمَّا أوجبهَا بقوله: " فِي سَائِمَة الْغنم زَكَاة " بقيت (المعلوفة) على حَالهَا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ ، فَإِن الصَّوْم كَانَ (مُنْتَفٍ) بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار. فَلَمَّا (قصر) الْوُجُوب على النَّهَار بَقِي اللَّيْل كَمَا كَانَ.

стр. 476

(كتاب الرَّهْن) (بَاب لَيْسَ للْمُرْتَهن أَن يركب الرَّهْن، وَلَا (أَن) يشرب لبنه وَهُوَ رهن مَعَه، وَلَيْسَ لَهُ أَن ينْتَفع بِشَيْء مِنْهُ، لِأَنَّهُ ملك الرَّاهِن) فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الظّهْر يركب بِنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُونا، (وَلبن الدّرّ يشرب بِنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُونا) ، وعَلى الَّذِي يركب وَيشْرب النَّفَقَة ". قيل لَهُ: قَالَ الْخطابِيّ: " هَذَا كَلَام مُبْهَم، لَيْسَ فِي اللَّفْظ بَيَان من يركبه

стр. 477

ويجلبه، هَل الرَّاهِن؟ أَو الْمُرْتَهن؟ أَو الْعدْل الْمَوْضُوع على يَده الرَّهْن؟ ". وَقَالَ ابْن عبد الْبر: فَإِن كَانَ المعني بِهِ الْمُرْتَهن فقد أَجمعُوا أَن لبن الرَّهْن وظهره للرَّاهِن، وَلَا يَخْلُو من أَن يكون / احتلاب الْمُرْتَهن لَهُ بِإِذن الرَّاهِن أَو بِغَيْر إِذْنه، فَإِن كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَفِي حَدِيث ابْن عمر: " لَا يحتلبن أحد مَاشِيَة أحد إِلَّا بِإِذْنِهِ "، مَا يردهُ (وَيَقْضِي بنسخه) . وَإِن كَانَ بِإِذْنِهِ فَفِي الْأُصُول الْمجمع عَلَيْهَا فِي تَحْرِيم بيع الْمَجْهُول، وَبيع الْغرَر، (وَبيع) مَا لَيْسَ عنْدك، وَبيع مَا لم يخلق، مَا يردهُ، فَإِن ذَلِك كَانَ قبل نزُول (تَحْرِيم) الرِّبَا. ثمَّ إِن الشّعبِيّ روى هَذَا الحَدِيث وَقد روى الطَّحَاوِيّ: عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: " لَا ينْتَفع من الرَّهْن بِشَيْء ". أفيجوز أَن يكون أَبُو هُرَيْرَة يحدثه عَن النَّبِي [ ﷺ ] بِشَيْء وَيَقُول بِخِلَافِهِ وَلم يثبت النّسخ عِنْده. لَئِن كَانَ كَذَلِك لقد صَار مُتَّهمًا فِي رِوَايَة ذَلِك. وَإِذا ثبتَتْ لَهُ الْعَدَالَة فالمحتج علينا بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا يَقُول: من روى حَدِيثا عَن النَّبِي [ ﷺ ] فَهُوَ أعلم بتأويله. فَكَانَ يَجِيء على أَصله وَيلْزمهُ من قَوْله أَن يَقُول بِمَا قَالَ الشّعبِيّ، بِخِلَاف مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَكَانَ خِلَافه دَلِيلا على نسخ الحَدِيث.

стр. 478

(بَاب إِذا هلك الرَّهْن فِي يَد الْمُرْتَهن، فَإِن كَانَت قِيمَته وَالدّين سَوَاء هلك بِهِ، وَإِن كَانَت قِيمَته أقل رَجَعَ الْمُرْتَهن على الرَّاهِن بِمَا بَقِي من الدّين، وَإِن كَانَت أَكثر رَجَعَ الرَّاهِن على الْمُرْتَهن بِمَا زَاد) الطَّحَاوِيّ: عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: " أَن رجلا ارْتهن فرسا، فَمَاتَ الْفرس فِي يَد الْمُرْتَهن، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : ذهب حَقك. وَعنهُ: عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد، عَن أَبِيه قَالَ: " أدْركْت من فقهائنا الَّذين ينتهى إِلَى قَوْلهم مِنْهُم سعيد بن الْمسيب، وَعُرْوَة بن الزبير، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، وخارجة بن زيد، وَعبيد الله فِي مشيخة من نظرائهم، أهل فقه وَصَلَاح وَفضل، فَذكر جَمِيع مَا جمع من أقاويلهم فِي كِتَابه على هَذِه الصّفة أَنهم قَالُوا: الرَّهْن بِمَا فِيهِ إِذا هلك وعميت قِيمَته. وَرفع ذَلِك مِنْهُم الثِّقَة إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] ". فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْمَدِينَة وفقهاؤها يَقُولُونَ: إِن الرَّهْن يهْلك بِمَا فِيهِ. وَيَرْفَعهُ الثِّقَة مِنْهُم إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَأَيهمْ حَكَاهُ فَهُوَ حجَّة، لِأَنَّهُ فَقِيه إِمَام. فَقَوْلهم جَمِيعًا بذلك واجتماعهم عَلَيْهِ / قد ثَبت بِهِ ذَلِك. فَإِن قيل: فقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] :

стр. 479

" لَا يغلق الرَّهْن، لصَاحبه غنمه وَعَلِيهِ غرمه "، فَفِي هَذَا دَلِيل أَن الرَّهْن لَا يضيع بِالدّينِ وَأَن لصَاحبه غنمه وَهُوَ سَلَامَته، وَعَلِيهِ غرمه وَهُوَ غرم الدّين بعد ضيَاع الرَّهْن. قيل لَهُ: هَذَا حَدِيث مُنْقَطع، وَأَنت لَا تَقول بالمنقطع. فَإِن قَالَ: إِنَّمَا قلت بِهِ وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا لِأَنَّهُ عَن سعيد بن الْمسيب، ومنقطع سعيد بن الْمسيب يقوم مقَام الْمُتَّصِل. قيل لَهُ: وَمن جعل لَك أَن تخْتَص سعيد بن الْمسيب بِهَذَا وتمنع مِنْهُ مثله من أهل الْمَدِينَة مثل أبي سَلمَة، وَسَالم، وَعُرْوَة، وَسليمَان بن يسَار، وأمثالهم من أهل الْمَدِينَة. وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وأمثالهما من أهل الْكُوفَة. وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَمن كَانَ فَوْقهم من الطَّبَقَة الأولى من التَّابِعين مثل عَلْقَمَة، وَعمر بن شُرَحْبِيل، وَعبيد الله، وَشُرَيْح، لَئِن كَانَ هَذَا لَك مُطلقًا فِي سعيد بن الْمسيب فَإِنَّهُ مُطلق لغيرك فِيمَن ذكرنَا، وَإِن كَانَ غَيْرك مَمْنُوعًا عَن ذَلِك فَإنَّك مَمْنُوع (عَن) مثله، لِأَن هَذَا تحكم وَلَيْسَ لأحد أَن يحكم فِي دين الله بالتحكم، ثمَّ نقُول: هَذَا تَأْوِيل قد أنكرهُ أهل الْعلم جَمِيعًا باللغة وَزَعَمُوا أَنه لَا وَجه لَهُ.

стр. 480

قَالَ الطَّحَاوِيّ: " وَقد قَالَ أهل الْعلم فِي تَأْوِيل الحَدِيث غير مَا ذكرت. عَن إِبْرَاهِيم فِي رجل دفع إِلَى رجل رهنا وَأخذ مِنْهُ دَرَاهِم وَقَالَ: إِن جئْتُك بحقك إِلَى كَذَا وَكَذَا وَإِلَّا فالرهن لَك بحقك. فَقَالَ إِبْرَاهِيم: لَا يغلق الرَّهْن. قَالَ أَبُو عبيد فَجعله جَوَابا لمسألته. وَقد رُوِيَ عَن طَاوس مثل هَذَا، قَالَ الطَّحَاوِيّ: " بَلغنِي ذَلِك عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن (عَمْرو عَن طَاوس) قَالَ: وَأَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، عَن مَالك بن أنس وسُفْيَان بن سعيد أَنَّهُمَا كَانَا يفسرانه على هَذَا التَّفْسِير. وَعَن الزُّهْرِيّ قَالَ: سَمِعت ابْن الْمسيب يَقُول: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا يغلق الرَّهْن ". فبذلك يمْنَع صَاحب الرَّهْن من ابتياعه من الَّذِي رَهنه عِنْده حَتَّى يُبَاع من غَيره. فَذهب الزُّهْرِيّ فِي ذَلِك الغلق إِلَى أَنه فِي البيع لَا فِي الضّيَاع، فَهَؤُلَاءِ المتقدمون يَقُولُونَ بِمَا ذكرنَا / ثمَّ سعيد بن الْمسيب وَهُوَ الْمَأْخُوذ مِنْهُ قَول رَسُول الله [ ﷺ ] : لَا يغلق الرَّهْن. وَقد زعمت أَيهَا الْمُخَالف أَن من روى حَدِيثا فَهُوَ أعلم بتأويله حَتَّى قلت فِي عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس: " إِن رَسُول الله [ ﷺ ] قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد: قَالَ عَمْرو: فِي الْأَمْوَال. (فَجعلت قَول عَمْرو فِي هَذَا حجَّة ودليلا لَك أَن ذَلِك الحكم فِي الْأَمْوَال) دون سَائِر الْأَشْيَاء، فلئن كَانَ قَول عَمْرو هَذَا وتأويله يجب بِهِ حجَّة، فَإِن قَول سعيد بن الْمسيب الَّذِي ذكرنَا وَتَأْويل الزُّهْرِيّ فِيمَا روى أَحْرَى أَن يكون حجَّة ". الطَّحَاوِيّ: (عَن عبيد بن عُمَيْر) : " أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ

стр. 481

قَالَ فِي الرجل (يرْهن) الرَّهْن فيضيع. قَالَ: إِن كَانَ بِأَقَلّ ردوا عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بِأَفْضَل فَهُوَ أَمِين فِي الْفضل ". وَعنهُ: عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أَن عليا قَالَ: " إِذا رهن الرجل رهنا فَقَالَ الْمُعْطِي لَا أقبله إِلَّا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعطيتك فَضَاعَ رد عَلَيْهِ (الْفضل) ، وَإِن رَهنه وَهُوَ أَكثر مِمَّا أعطي بِطيب نفس من الرَّاهِن (فَضَاعَ) فَهُوَ بِمَا فِيهِ ". وَعنهُ: عَن خلاس: أَن عليا قَالَ: " إِذا كَانَ (فِي الرَّهْن) فضل فأصابته جَائِحَة فَهُوَ بِمَا فِيهِ، وَإِن لم تصبه جَائِحَة (واتهم فَإِنَّهُ يرد الْفضل) ". وَعنهُ: أَن الْحسن وشريحا (قَالَا: " الرَّهْن بِمَا فِيهِ ". وَعنهُ: عَن أبي حُصَيْن قَالَ سَمِعت شريحا) يَقُول: " ذهبت الرِّهَان بِمَا فِيهَا ". فَهَذَا الْحسن وَشُرَيْح قد رَأيا الرَّهْن يبطل بضياعه (الدّين) . وَعنهُ: عَن ابْن جريج، عَن عَطاء: " فِي رجل رهن رجلا جَارِيَة فَهَلَكت، قَالَ: هِيَ بِحَق الْمُرْتَهن ". فَهَذَا عَطاء يَقُول هَذَا وَقد رُوِيَ (عَنهُ) ، عَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " لَا يغلق الرَّهْن ". فقد خَالف من خَالَفنَا هَذَا كُله، وَخَالف مَا روينَاهُ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَعَن عمر، وَعلي، وَعَمن ذكرنَا من التَّابِعين، فَمن إِمَامه فِي هَذَا؟

стр. 482

وبمن اقْتدى فَهَذَا مَذْهَب أَصْحَابنَا، وَكَانُوا يذهبون إِلَى قَول سعيد بن الْمسيب: " لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه " أَن ذَلِك (فِي) البيع، يُرِيدُونَ إِذا بيع (الرَّهْن) وَفِيه نقص عَن الدّين غرم للْمُرْتَهن ذَلِك النَّقْص، وَهُوَ غرمه الْمَذْكُور (فِي الحَدِيث) وَإِن بيع بِفضل عَن الدّين أَخذ الرَّاهِن ذَلِك الْفضل، وَهُوَ غنمه الْمَذْكُور (فِي الحَدِيث) . وَالله أعلم.

стр. 483

فارغة

стр. 484

(كتاب الشُّفْعَة) (بَاب الْجَار الملاصق لَهُ شُفْعَة) التِّرْمِذِيّ: عَن عَطاء، عَن جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الْجَار أَحَق بشفعته، (ينْتَظر بهَا) وَإِن كَانَ غَائِبا إِذا (كَانَ) طريقهما وَاحِدًا " هَذَا حَدِيث (حسن) غَرِيب. وَعنهُ: عَن الْحسن، عَن سَمُرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] :

стр. 485

" (جَار الدَّار أَحَق بِالدَّار ". هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: سمع الْحسن من سَمُرَة. فَإِن قيل: فقد قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] ) : " الشُّفْعَة فِي كل شرك بِأَرْض أَو ربع (أَو) حَائِط ". وروى البُخَارِيّ: عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: " قضى النَّبِي [ ﷺ ] بِالشُّفْعَة فِي (كل) مَا لم يقسم، فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة ". قيل لَهُ: أما الحَدِيث الأول: فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل علينا، لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي أَن تكون وَاجِبَة فِي غَيره، لِأَنَّهُ لم يقل أَن الشُّفْعَة لَا تكون إِلَّا فِي شرك. ثمَّ فِي حَدِيث جَابر الَّذِي ذكرنَا إِيجَاب الشُّفْعَة فِي الْمَبِيع الَّذِي لَا شرك فِيهِ بالشرك فِي الطَّرِيق، فَالْأولى أَن يجمع (بَينهمَا) فَيكون حَدِيث جَابر فِيهِ إِخْبَار عَن حكم الشُّفْعَة (فِي الْمَبِيع الَّذِي لَا شرك لأحد فِيهِ بِالطَّرِيقِ. والْحَدِيث الآخر فِيهِ إِخْبَار عَن حكم الشُّفْعَة) للشَّرِيك فِي الَّذِي بيع مِنْهُ.

стр. 486

وَأما الحَدِيث الثَّانِي: لَا يجب بِهِ حجَّة على أصل المحتج (بِهِ) علينا، لِأَن الْأَثْبَات من أَصْحَاب مَالك ﵀ مثل القعْنبِي وَأبي عَامر - إِنَّمَا رَوَوْهُ عَن مَالك مُنْقَطِعًا، والمنقطع لَا يقوم بِهِ حجَّة. (ثمَّ) لَو ثَبت هَذَا الحَدِيث واتصل إِسْنَاده لم يكن فِيهِ عندنَا مَا يُخَالف الحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ، عَن عَطاء، عَن جَابر، لِأَن الَّذِي فِي هَذَا الحَدِيث (إِخْبَار عَن قَضَاء رَسُول الله [ ﷺ ] بقوله: " قضى رَسُول الله) ﷺ ، بِالشُّفْعَة فِيمَا لم يقسم ". فَكَانَ بذلك مخبرا عَن رَسُول الله [ ﷺ ] بِمَا قضى. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: فَإِذا وَقعت الْحُدُود فَلَا شُفْعَة. وَكَانَ ذَلِك قولا من رَأْيه لم يحكه عَن رَسُول الله [ ﷺ ] . وَإِنَّمَا يكون هَذَا الحَدِيث حجَّة علينا لَو كَانَ رَسُول الله قَالَ: " الشُّفْعَة فِيمَا لم يقسم فَإِذا وَقعت الْحُدُود فَلَا شُفْعَة ". الطَّحَاوِيّ: عَن عَامر، عَن شُرَيْح قَالَ: " الشُّفْعَة شفعتان شُفْعَة للْجَار وشفعة للشَّرِيك ". وَعنهُ: عَن أبي بكر بن حَفْص: " أَن عمر كتب إِلَى شُرَيْح / أَن تقضي بِالشُّفْعَة للْجَار الملازق ". التِّرْمِذِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الشَّرِيك شَفِيع، وَالشُّفْعَة فِي كل شَيْء ".

стр. 487

(وَمعنى) هَذَا فِي الدّور وَالْعَقار وَالْأَرضين بِدَلِيل مَا روى: (الطَّحَاوِيّ) : عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: " لَا شُفْعَة فِي الْحَيَوَان ". فَإِن قيل: إِن الشَّرِيك يُسمى جارا، وَلِهَذَا سميت الْمَرْأَة جَارة زَوجهَا. قيل لَهُ: تَسْمِيَة الشَّرِيك جارا لَا تُوجد فِي لُغَة الْعَرَب، وَإِنَّمَا سميت الْمَرْأَة جَارة زَوجهَا لقربها مِنْهُ، لَا لكَونهَا شريكة لَهُ. وَإِلَى هَذَا ذهب الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك رحمهمَا الله تَعَالَى.

стр. 488

(كتاب الْإِجَارَات) (بَاب الْأُجْرَة إِنَّمَا تجب بالفراغ من الْعَمَل (لَا بِالْعقدِ) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ . رتب وجوب (إيتَاء) الْأجر على الْفَرَاغ من الرَّضَاع. (بَاب الْأَب إِذا اسْتَأْجر ابْنه لخدمته لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الْأجر) لِأَن خدمته مُسْتَحقَّة عَلَيْهِ من غير إِجَارَة، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفدة﴾ .

стр. 489

(بَاب لَا بَأْس بِأُجْرَة الْحجام) الطَّحَاوِيّ: عَن المحيصة - رجل من بني حَارِثَة -: " أَنه (قد) كَانَ لَهُ حجام فَسَأَلَ رَسُول الله [ ﷺ ] عَن كَسبه، فَنَهَاهُ، ثمَّ عَاد فَنَهَاهُ، فَلم يزل يُرَاجِعهُ حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] : اعلف كَسبه ناضحك، وَأطْعم ذَلِك رقيقك ". وَقد رَوَاهُ عَن الْمُزنِيّ، عَن الشَّافِعِي ﵁. فَدلَّ هَذَا أَن إِبَاحَة النَّبِي [ ﷺ ] كسب الْحجام كَانَت بعد نَهْيه عَنهُ، وَفِي إِبَاحَته أَن (يطعمهُ) للناضح وَالرَّقِيق دَلِيل على حلّه، لِأَن (المَال) الْحَرَام لَا يحل لأحد أَن يطعمهُ رَقِيقه. (بَاب كل طَاعَة يخْتَص بهَا الْمُسلم لَا يجوز الِاسْتِئْجَار عَلَيْهَا) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لَا يبخسون﴾ . فَفِي هَذَا دَلِيل على أَن مَا سَبيله أَن لَا يفعل إِلَّا على وَجه

стр. 490

الْقرْبَة لَا يجوز أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهِ، لِأَن الْأُجْرَة من حظوظ الدُّنْيَا، فَمَتَى أَخذ عَلَيْهِ الْأجر فقد خرج من أَن يكون قربَة بِمَا تلوناه من الْكتاب، وبالسنة وَهُوَ مَا روى ابْن مَاجَه: عَن (أبي) بن كَعْب قَالَ: " علمت رجلا الْقُرْآن، فأهدى لي قوسا فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله [ ﷺ ] / فَقَالَ: إِن أَخَذتهَا أخذت قوسا من نَار فرددتها ". الطَّحَاوِيّ: عَن الْأسود بن ثَعْلَبَة، عَن عبَادَة قَالَ: " كنت (أعلم) نَاسا من أهل الصّفة الْقُرْآن، فأهدى إِلَيّ رجل (مِنْهُم) قوسا على أَن أقبلها فِي سَبِيل الله، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: إِن أردْت أَن يطوقك (الله) بهَا طوقا من النَّار فاقبلها ". وَعنهُ: عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل الْأنْصَارِيّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " اقرأوا الْقُرْآن وَلَا تغلوا فِيهِ، وَلَا تجفوا عَنهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، (وَلَا تَسْتَكْثِرُوا) بِهِ ".

стр. 491

التِّرْمِذِيّ: " عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: " إِن من آخر مَا عهد إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] أَن اتخذ مُؤذنًا لَا يَأْخُذ على أَذَانه أجرا ". وَهَذَا حَدِيث حسن. وَأما قَوْله ﵇ فِي حَدِيث الرّقية: " خذوها واضربوا لي بِسَهْم ". وَقَوله: " إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله " فَالْجَوَاب عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا: أَن الْقَوْم كَانُوا كفَّارًا فَجَاز أَخذ أَمْوَالهم. وَالثَّانِي: أَن حق الضَّيْف لَازم وَلم يضيفوهم. وَالثَّالِث: أَن الرّقية لَيست بقربة مَحْضَة، فَجَاز أَخذ الْأجر عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ (على العلاجات كلهَا. وَإِن كُنَّا نعلم أَن الْمُسْتَأْجر على الرقي يدْخل فِيمَا يرقى فِيهِ بعض الْقُرْآن، لِأَنَّهُ لَيْسَ على النَّاس أَن يرقوا بَعضهم بَعْضًا، فَإِذا استؤجروا (على) أَن (يعلمُوا) مَا لَيْسَ عَلَيْهِم أَن (يعلموه) جَازَ ذَلِك. وَتَعْلِيم الْقُرْآن وَاجِب أَن يعلم بَعضهم بَعْضًا، لِأَن فِي ذَلِك التَّبْلِيغ عَن الله، إِلَّا أَن من علم ذَلِك مِنْهُم فقد أَجْزَأَ ذَلِك عَن بَقِيَّتهمْ، فَإِذا اسْتَأْجر بَعضهم بَعْضًا على تَعْلِيم ذَلِك كَانَت إِجَارَته تِلْكَ واستئجاره إِيَّاه بَاطِلا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَأْجرهُ على أَن يُؤَدِّي فرضا هُوَ عَلَيْهِ لله تَعَالَى وَفِيمَا يَفْعَله لنَفسِهِ لِأَنَّهُ

стр. 492

إِنَّمَا سقط عَنهُ الْفَرْض بِفِعْلِهِ إِيَّاه، والإجارات على (خلاف) ذَلِك. وَقَوله ﵇: " إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله "، يَعْنِي إِذا رقيتم بِهِ. الطَّحَاوِيّ: عَن يحيى الْبكاء: " أَن رجلا (قد) قَالَ لِابْنِ عمر: إِنِّي أحبك فِي الله، فَقَالَ لَهُ ابْن عمر: لكني أبغضك فِي الله، لِأَنَّك تبغي فِي أذانك أجرا، وَتَأْخُذ على الْأَذَان أجرا ". فَثَبت كَرَاهِيَة الْأَذَان بِالْأَجْرِ، فَكَذَلِك تَعْلِيم الْقُرْآن، وَقد أَمر رَسُول الله [ ﷺ ] بالتبليغ عَن الله وَعَن رَسُوله وَلَو آيَة من كتاب الله وَقد / أوجب (الله) التَّبْلِيغ على رَسُوله وَقَالَ: " بلغُوا عني وَلَو آيَة من كتاب الله، وَحَدثُوا عَن بني إِسْرَائِيل، وَلَا حرج عَلَيْكُم فِي أَن تحدثُوا عَنْهُم فِي ذَلِك ". وَقد ذهب الزُّهْرِيّ وَإِسْحَاق إِلَى أَنه لَا يجوز أَخذ الْأجر على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَذهب ابْن سِيرِين وَالْحسن وَالشعْبِيّ (إِلَى) أَنه لَا بَأْس بِأخذ المَال على ذَلِك مَا لم يشْتَرط، وَهُوَ وفَاق مَذْهَبنَا أَيْضا. (بَاب لَا ضَمَان على الْأَجِير الْمُشْتَرك) لِأَن الْعين فِي يَده أَمَانَة، وَإِذا كَانَت أَمَانَة فَلَا يضمن، لما روى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده: " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: لَا ضَمَان على مؤتمن ".

стр. 493

فارغة

стр. 494

(كتاب الْعَارِية) (بَاب الْعَارِية أَمَانَة إِن هَلَكت من غير تعد لم تضمن، وَكَذَا الْوَدِيعَة. ووافقنا مَالك ﵀ فِي الْأَمْوَال الظَّاهِرَة، مثل (الْحَيَوَان والرباع)) الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَيْسَ على الْمُسْتَعِير غير الْمغل ضَمَان، وَلَا على الْمُسْتَوْدع غير الْمغل (ضَمَان) . فقد سوى رَسُول الله فِي هَذَا الحَدِيث بَين الْمُسْتَعِير والمستودع. فَإِن قيل: هَذَا الحَدِيث يرويهِ (عَمْرو بن عبد الْجَبَّار) وَعبيدَة بن حسان وهما ضعيفان، وَقد رُوِيَ عَن شُرَيْح القَاضِي غير مَرْفُوع.

стр. 495

قيل لَهُ: الْجرْح لَا يقبل مَا لم يبين سَببه، وَرِوَايَة من وَقفه لَا يقْدَح فِي رِوَايَة من رَفعه. فَإِن قيل: قَوْله ﵇ لِصَفْوَان بن أُميَّة حِين اسْتعَار درعه وَقَالَ لَهُ: " أغصباء يَا مُحَمَّد؟ فَقَالَ: لَا بل عَارِية مَضْمُونَة ". مؤاده يدل على (أَن) الْعَارِية مَضْمُونَة (لِأَنَّهُ) لَا يَسْتَقِيم حمله على شَرط الضَّمَان، إِذْ الصِّيغَة لوصف الْعَارِية وَبَيَان حكمهَا، لَا للاشتراط كَمَا فِي قَوْله " مُؤَدَّاة ". قيل لَهُ: الْجَواب عَن هَذَا الحَدِيث من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه لَا دلَالَة فِيهِ على مَحل الْخلاف، بل هُوَ صفة للعارية الَّتِي استعارها النَّبِي [ ﷺ ] وَبَيَان حكمهَا، وَلَيْسَ فِيهِ عُمُوم لِأَن الْجَواب يتَقَيَّد بِمَا فِي السُّؤَال. فَقَوله: " أغصبا يَا مُحَمَّد "، لَيْسَ بسؤال عَن حكم العواري، بل سُؤال عَمَّا أَخذه مِنْهُ أَو طلبه مِنْهُ، فَجَوَابه ﵇ ينْصَرف إِلَيْهِ. الثَّانِي: أَنه مَحْمُول على اشْتِرَاط الضَّمَان، وَهُوَ مُسْتَقِيم، / وَأما قَوْله: " مُؤَدَّاة " (إِنَّمَا) منعنَا من حمله على الِاشْتِرَاط مَا روى التِّرْمِذِيّ: عَن أبي أُمَامَة رَضِي الله، عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول فِي الْخطْبَة فِي حجَّة الْوَدَاع: " الْعَارِية مُؤَدَّاة، (والمنحة مَرْدُودَة) ، والزعيم غَارِم، وَالدّين مقضي ". هَذَا حَدِيث (صَحِيح) .
следующие страницы →