← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6227

مختصر الخلافيات للبيهقي

ابن فرح

Полный текст (2 058 стр.). Показаны 2031–2058 · переход к 2036.

стр. 2031

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا روى حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة ﵁ قَالَ: " قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر ". يُقَال فِي هَذَا الحَدِيث من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن حَمَّاد بن سَلمَة تفرد بِهِ هَكَذَا، وَخَالفهُ سعيد بن أبي عرُوبَة، فَرَوَاهُ عَن قَتَادَة عَن الْحسن من قَوْله: " عَن قَتَادَة عَن عمر، ﵁ ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم ، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَا: " حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة ﵁ عَن النَّبِي، ﷺ َ - ". وَقَالَ مُوسَى فِي مَوضِع آخر: " عَن سَمُرَة فِيمَا يحْسب حَمَّاد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر ". وَقَالَ أَبُو عِيسَى: " سَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَلم يعرفهُ عَن الْحسن عَن سَمُرَة إِلَّا من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ". وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ - رَحمَه الله تَعَالَى -: " والْحَدِيث تفرد بِهِ حَمَّاد بن سَلمَة وَخَالفهُ غَيره، ثمَّ شكّ هُوَ أَيْضا فِيهِ ، فَالصَّوَاب لمن راقب فِي

стр. 2032

دينه أَن يتَوَقَّف فِيهِ، وَلَا يحْتَج بِهِ ". وَالْوَجْه الآخر: إِن أَكثر الْمُحدثين يُنكرُونَ سَماع الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب غير حَدِيث الْعَقِيقَة وَيَقُولُونَ: إِنَّه كتاب، وَالله أعلم. وروى ضَمرَة بن ربيعَة عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر ". لَو كَانَ هَذَا الحَدِيث عَن سعيد الثَّوْريّ عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر ﵄ صَحِيحا لَكَانَ كالأخذ بِالْيَدِ، وَلما خَفِي على الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَاب سُفْيَان الَّذين هُوَ حفاظ حَدِيثه، لكنه تفرد بِهِ ضَمرَة بن ربيعَة عَن سُفْيَان، وضمرة غير مُحْتَج بِهِ. وَرُوِيَ بِإِسْنَاد آخر ضَعِيف، أخبرنَا أَبُو الفوارس الْحسن بن أَحْمد أبي الفوارس حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن سهل حَدثنَا مُحَمَّد بن صَالح الْكلابِي حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْمَقْدِسِي حَدثنَا

стр. 2033

مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر ". وروى الْعَرْزَمِي عَن أبي النَّضر عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " جَاءَ رجل - يُقَال لَهُ صَالح - بأَخيه، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي أُرِيد أَن أعتق أخي هَذَا، فَقَالَ: إِن الله أعْتقهُ حِين ملكته ". قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " الْعَرْزَمِي تَركه ابْن الْمُبَارك، وَيحيى الْقطَّان، وَابْن مهْدي، وَأَبُو النَّضر هُوَ مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ مَتْرُوك أَيْضا، وَهُوَ الْقَائِل: " كَمَا حدثت عَن أبي صَالح كذب ". قَالَ الْبَيْهَقِيّ - رَحمَه الله تَعَالَى -: " الْعَرْزَمِي والكلبي وَأَبُو صَالح بِأَذَان ضعفاء لَا يحل الِاحْتِجَاج بروايتهم، وَقد سبق ذكرنَا لَهُم "، وَالله أعلم. (مَسْأَلَة) (٣٧١) : وَلَا وَلَاء بِغَيْر جِهَة الْإِعْتَاق، وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ -:

стр. 2034

" إِذا أسلم على يَدَيْهِ وأولاه ثَبت وَلَاؤُه، يَرِثهُ وَيعْقل عَنهُ، إِلَّا أَن يكون لَهُ وَارِث ". وَدَلِيلنَا من الْخَبَر مَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ َ -: " إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق ". وَعِنْده أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قَالَ: " كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِين قدمُوا الْمَدِينَة يَرث المُهَاجر الْأنْصَارِيّ، دون ذِي رَحمَه للأخوّة الَّتِي آخى النَّبِي ﷺ َ - بَينهم، فَلَمَّا نزلت الْآيَة ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ﴾ قَالَ: " نسختها ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ﴿من النَّصْر والرفادة والنصيحة، ويوصي لَهُ، وَقد ذهب الْمِيرَاث﴾ ". وروى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: " حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن إِسْحَاق عَن دَاوُد بن الْحصين قَالَ: كنت أَقرَأ على أم سعد بنت الرّبيع، وَكَانَت يتيمة فِي حجر أبي بكر، ﵁ فَقَرَأت ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمَانُكُمْ﴾ فَقَالَ: " لَا تقْرَأ (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ

стр. 2035

أَيْمَانُكُمْ﴾ ، إِنَّمَا نزلت فِي أبي بكر وَابْنه عبد الرَّحْمَن حِين أَبى الْإِسْلَام، فَحلف أَبُو بكر ﵁ أَلا يورثه، فَلَمَّا أسلم أمره نَبِي الله ﷺ َ - أَن يؤتيه نصِيبه "، زَاد فِي رِوَايَة غير أَحْمد " فَمَا أسلم حَتَّى حمل على الْإِسْلَام بِالسَّيْفِ ". وَرُوِيَ عَن تَمِيم الدَّارِيّ قَالَ: " سَأَلت رَسُول الله ﷺ َ - عَن الرجل يسلم على يَدي الرجل ثمَّ يَمُوت، وَلَيْسَ لَهُ وَارِث، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: هُوَ أولى النَّاس بمحياه ومماته ". وروى مُعَاوِيَة بن يحيى الصَّدَفِي عَن الْقَاسِم الشَّامي عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: من أسلم على يَدَيْهِ رجل فَلهُ وَلَاؤُه "، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " الصَّدَفِي ضَعِيف ". وَقَالَ الدَّارمِيّ: " قلت ليحيى بن معِين: مُعَاوِيَة بن يحيى الصَّدَفِي قَالَ: لَيْسَ بِشَيْء ". وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن طَلْحَة بن مصرف عَن مُعَاوِيَة بن إِسْحَاق

стр. 2036

قَالَ: " جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: إِن فلَانا أسلم على يَدي، قَالَ هُوَ مَوْلَاك، فَإِذا مت فأوص لَهُ "، وَالله أعلم . (مَسْأَلَة) (٣٧٢) : وَبيع الْمُدبر جَائِز. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " لَا يجوز ". دليلنا من طَرِيق الْخَبَر مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر بن عبد الله دبر رجل من الْأَنْصَار عبدا لَهُ لم يكن لَهُ مَال غَيره، فَبَاعَهُ رَسُول الله ، ﷺ َ -. قَالَ جَابر: " اشْتَرَاهُ ابْن النحام عبدا قبطياً مَاتَ عَام (أول فِي إِمَارَة ابْن الزبير) ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن عَمْرو بن دِينَار عَنهُ أَن رجلا من الْأَنْصَار أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبر، وَلم يكن لَهُ مَال غَيره، فَبلغ ذَلِك النَّبِي، ﷺ َ -، فَقَالَ: " من يَشْتَرِيهِ مني؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله بثمان مائَة دِرْهَم، فَدَفعهَا إِلَيْهِ، قَالَ: سَمِعت جَابر بن

стр. 2037

عبد الله يَقُول: عبدا قبطياً مَاتَ عَام أول ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن عَطاء عَن جَابر ﵁ أَن رجلا أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبر، فَاحْتَاجَ فَأَخذه رَسُول الله ﷺ َ -، فَقَالَ: " من يَشْتَرِيهِ مني؟ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ نعيم بن عبد الله بثمان مائَة دِرْهَم فَدفع إِلَيْهِ ثمنه ". وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ أَن رجلا من الْأَنْصَار أعتق غُلَاما عَن دبر، وَكَانَ مُحْتَاجا، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ، ﷺ َ -، فَدَعَاهُ فَقَالَ: " أعتقت غلامك؟ " فَقَالَ: " نعم " فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " أَنْت أحْوج إِلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: " من يَشْتَرِيهِ؟ "، فَقَالَ نعيم بن عبد الله: " أَنا "، فَاشْتَرَاهُ، فَأخذ النَّبِي ﷺ َ - ثمنه، فَدفعهُ إِلَى صَاحبه. وَعند مُسلم أَيْضا عَنهُ قَالَ: " اعْتِقْ رجل من بني عذرة عبدا لَهُ عَن دبر، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله، ﷺ َ -، فَقَالَ: " أَلَك مَال غَيره؟ "، فَقَالَ: " لَا "، فَقَالَ: " من يشتره مني؟ "، فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام الْعَدوي بثمان مائَة دِرْهَم، فجَاء بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -، فَدَفعهَا إِلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: " ابدأ بِنَفْسِك، فَتصدق عَلَيْهَا، فَإِن فضل شَيْء فلأهلك، فَإِن فضل عَن أهلك شَيْء فلذي قرابتك، فَإِن فضل عَن ذِي قرابتك فَهَكَذَا وَهَكَذَا يَقُول، فَبين يَديك، وَعَن

стр. 2038

يَمِينك، وَعَن شمالك ". وروى الشَّافِعِي ﵀ أخبرنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار، وَعَن أبي الزبير سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول: " دبر رجل منا غُلَاما لَهُ، لَيْسَ لَهُ مَال غَيره، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: من يَشْتَرِيهِ؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام، قَالَ عَمْرو: سَمِعت جَابِرا يَقُول: عبدا قبطياً مَاتَ عَام أول فِي أَمارَة ابْن الزبير، زَاد أَبُو الزبير يُقَال لَهُ: يَعْقُوب ". وروى الدَّارَقُطْنِيّ أخبرنَا أَبُو عَمْرو يُوسُف بن يَعْقُوب حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الْعَزِيز الْمُقَوّم حَدثنَا سَالم بن قُتَيْبَة حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر ﵁ قَالَ: " أَمر رَسُول الله ﷺ َ - بِبيع الْمُدبر ". وروى أَبُو أَحْمد بن عدي الْحَافِظ حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف بن عَاصِم حَدثنَا يُوسُف بن مُوسَى حَدثنَا جرير عَن عبد الْغفار بن الْقَاسِم عَن أبي جَعْفَر قَالَ: " ذكر عِنْده الَّذِي كَانَ عَطاء وطاووس يَقُولُونَ عَن جَابر بن عبد الله فِي الَّذِي أعْتقهُ مَوْلَاهُ فِي عهد النَّبِي ﷺ َ - كَانَ

стр. 2039

أعْتقهُ عَن دبر فَأمر أَن يَبِيعهُ وَيَقْضِي دينه، فَبَاعَهُ بثمان مائَة دِرْهَم "، قَالَ أَبُو جَعْفَر: " شهِدت هَذَا الحَدِيث من جَابر، فَقَالَ: إِنَّمَا يَأْذَن فِي بيع خدمته ". قَالَ ابْن عدي: " حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس الْقرشِي، قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: أَبُو مَرْيَم الْحَنَفِيّ اسْمه عبد الْغفار بن الْقَاسِم، وَكَانَ يضع الحَدِيث ". قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ أخبرنَا عبد الصَّمد بن عَليّ بن مكرم حَدثنَا أسلم بن سهل الوَاسِطِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن أبان حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان عَن عُثْمَان بن عُمَيْر عَن عُمَيْر أخبرنَا عَطاء بن أبي رَبَاح حَدثنَا جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ َ - (بَاعَ مُدبرا، فَأتيت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ، فَقلت لَهُ: إِن عَطاء بن أبي رَبَاح حَدثنَا عَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ -) بَاعَ خدمَة الْمُدبر ". كَذَا رُوِيَ عَن عبد الْغفار بن الْقَاسِم عَن أبي جَعْفَر عَن جَابر وَهُوَ وهم، وَأَبُو شيبَة ضَعِيف الحَدِيث، قد سبق ذكري لَهُ، وَعبد الْغفار أَيْضا ضَعِيف قَالَه لي أَبُو عبد الرَّحْمَن عَن عَليّ بن عمر الْحَافِظ، وَالصَّوَاب عَن أبي جَعْفَر عَن النَّبِي ﷺ َ - مُرْسلا، أخبرناه أَبُو

стр. 2040

عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أخبرنَا عَليّ بن عمر الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا يزِيد بن هَارُون حَدثنَا عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن أبي جَعْفَر قَالَ: " بَاعَ رَسُول الله ﷺ َ - خدمَة الْمُدبر ". قَالَ أَبُو بكر: " لم أجد فِيهِ حَدِيثا غير هَذَا، وَأَبُو جَعْفَر وَإِن كَانَ من الثِّقَات فَإِن حَدِيثه مُرْسل ". أَخْبرنِي أَبُو عبد الرَّحْمَن أخبرنَا عَليّ بن عمر حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد بن صاعد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، قَالَ: " سَمِعت يحيى بن سعيد يَقُول: أَخْبرنِي أَبُو عمْرَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن حَارِثَة - وَهُوَ أَبُو الرِّجَال - عَن عمْرَة عَن عَائِشَة ﵂ أَصَابَهَا مرض، وَإِن بعض بني أَخِيهَا ذكرُوا شكواها لرجل من الزط يتطبب، وَأَنه قَالَ لَهُم: إِنَّكُم لتذكرون امْرَأَة مسحورة، سحرتها جَارِيَة لَهَا فِي حجر الْجَارِيَة الْآن صبي قد بَال فِي حجرها، فَذكرُوا ذَلِك لعَائِشَة، ﵂، فَقَالَت: ادعوا لي فُلَانَة لجارية لَهَا، فَقَالُوا فِي حجرها فلَان صبي لَهُم، قد بَال فِي حجرها، فَقَالَت: ايتوني بهَا، فَقَالَت: سحرتيني؟ قَالَت: نعم، قَالَت: لمه؟ قَالَت: أردْت أَن أعتق، وَكَانَت عَائِشَة ﵂ أعتقتها عَن دبر مِنْهَا، فَقَالَت: إِن لله عَليّ أَن لَا تعتقين أبدا، انْظُرُوا أَسْوَأ الْعَرَب ملكة، فبيعوها مِنْهُم، واشترت بِثمنِهَا جَارِيَة فأعتقتها ".

стр. 2041

قَالَ الشَّافِعِي ﵀: " جَابر بن عبد الله، وَعَائِشَة، ﵄، وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَابْن الْمُنْكَدر، وَغَيرهم يَبِيعهُ بِالْمَدِينَةِ، وَعَطَاء، وَطَاوُس، وَمُجاهد، وَغَيرهم من المكيين، وعندك بالعراق من يَبِيعهُ، يَعْنِي الْمُدبر ". وروى عُبَيْدَة بن حسان عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " الْمُدبر لَا يُبَاع، وَلَا يُوهب، وَهُوَ حر من الثُّلُث ". قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " لم يسْندهُ غير عُبَيْدَة بن حسان وَهُوَ ضَعِيف، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر مَوْقُوف من قَوْله "، حَدثنَا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ أَنه كره بيع الْمُدبر. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: " هَذَا هُوَ الصَّحِيح مَوْقُوف وَمَا قبله لَا يثبت مَرْفُوعا. وَرُوَاته ضعفاء "، وَالله أعلم. (مَسْأَلَة) (٣٧٣) : وَلَا تجوز الْكِتَابَة على أقل من نجمين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة -

стр. 2042

رَحمَه الله -: " تصح حَالَة ". قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْرا﴾ ﴿النُّور: ٣٣﴾ . وَالْكِتَابَة من الْكتب، وَمَا لم يكن مُؤَجّلا فَلَا معنى للكتب، وَلَو جَازَ غير مُؤَجل لم يكن لتسميته بِالْكِتَابَةِ معنى، فتسميته بِالْكِتَابَةِ دَلِيل شَرط الْأَجَل فِيهِ. وَقد نهى رَسُول الله ﷺ َ - عَن الْغرَر، وَلَيْسَ الْغرَر بِأَكْثَرَ من بيع مَاله بِمَالِه، لَكِن الله تَعَالَى جوزه بِهَذِهِ الْآيَة، ووردت الْأَخْبَار والْآثَار بذلك، وَلم يسمع أَن أحدا من السّلف كَاتب عَبده كِتَابَة حَالَة، وَإِنَّمَا كاتبوهم بِذكر الْأَجَل فِيهِ، فَصَارَ إِجْمَاعهم على ذَلِك بَيَانا لِلْآيَةِ، فَلَا يجوز حَالا ، وَالله أعلم. وروى الشَّافِعِي ﵀ أخبرنَا مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " جَاءَتْنِي بَرِيرَة، فَقَالَت: إِنِّي كاتبت أَهلِي على تسع أَوَاقٍ فِي كل عَام (أُوقِيَّة فأعينيني) "، وَذكر الحَدِيث عَنهُ، ﷺ َ -، (اتفقنا على

стр. 2043

صِحَّته، وَالله أعلم) . (مَسْأَلَة) (٣٧٤) : وَلَا يعْتق الْمكَاتب مَا لم يقل سَيّده فِي عقد كِتَابَته، فَإِذا أدّيت إِلَيّ فَأَنت حر. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " يعْتق بأَدَاء نُجُوم الْكِتَابَة، وَإِن لم يقل إِن أدّيت ". أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ أَخْبرنِي أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن الْحسن القَاضِي بهمذان حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن حَدثنَا عَفَّان بن مُسلم حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم بن سُلَيْمَان، وَعلي بن زيد عَن عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن سلمَان، قَالَ: " كاتبت أَهلِي على أَن أغرس لَهُم خَمْسمِائَة فسيلة، فَإِذا علقت فَأَنا حر، فَأتيت النَّبِي، ﷺ َ -، فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: اغرس، وَاشْترط لَهُم، فَإِذا أردْت أَن تغرس فَآذِنِّي، فآذنته فجَاء، فَجعل يغْرس إِلَّا وَاحِدَة غرستها بيَدي، فعلقن جَمِيعًا إِلَّا الْوَاحِدَة "، وَالله أعلم . (مَسْأَلَة) (٣٧٥) : وَإِذا مَاتَ الْمكَاتب، وَقد بَقِي عَلَيْهِ شَيْء من مَال الْكِتَابَة، مَاتَ

стр. 2044

رَقِيقا، وانفسخت كِتَابَته بِمَوْتِهِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: " إِذا خلف وَفَاء بِمَال كِتَابَته أدّى عَنهُ، وَعتق حكما قبل مَوته (بِغَيْر فصل) ". أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا يحيى بن أبي طَالب أخبرنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ عَن زيد بن ثَابت ﵁ قَالَ: " الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم ". وبإسناده إِلَى يزِيد أخبرنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عبد الله أبي نجيح عَن مُجَاهِد قَالَ: " كَانَ زيد ﵁ يَقُول: الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم من مُكَاتبَته ". وبإسناده إِلَى يزِيد حَدثنَا ابْن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن معبد الْجُهَنِيّ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: " الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم ". وبإسناده عَن قَتَادَة قَالَ: " قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁: إِذا مَاتَ الْمكَاتب وَترك مَالا فَهُوَ لمواليه، وَلَيْسَ لوَرثَته شَيْء ".

стр. 2045

وبإسناده أخبرنَا يزِيد أخبرنَا مُحَمَّد بن سَالم عَن الشّعبِيّ قَالَ: " كَانَ زيد بن ثَابت ﵁ يَقُول -: الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم، لَا يَرث وَلَا يُورث ". وَكَانَ عَليّ ﵁ يَقُول: " إِذا مَاتَ الْمكَاتب وَترك مَالا قسم مَا ترك على مَا أدّى، وعَلى مَا بَقِي، فَمَا أصَاب مَا أدّى فللورثة، وَمَا بَقِي فلمواليه ". وَكَانَ عبد الله يَقُول: " يُؤَدِّي إِلَى موَالِيه مَا بَقِي عَلَيْهِ من مُكَاتبَته، ولورثته مَا بَقِي. أخبرنَا أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي، وَأَبُو الْحُسَيْن بن بَشرَان قَالَ: " أخبرنَا إِسْمَاعِيل الصفار حَدثنَا سَعْدَان بن نصر حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة

стр. 2046

مُحَمَّد بن خازم الضَّرِير عَن عَمْرو بن مَيْمُون بن مهْرَان عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عَائِشَة ﵂ قَالَ: " اسْتَأْذَنت عَلَيْهَا، فَقَالَت: من هَذَا؟ فَقلت سُلَيْمَان، قَالَت: كم بَقِي عَلَيْك من مُكَاتَبَتك؟ قَالَ: قلت: عشرَة أَوَاقٍ، قَالَت: ادخل فَإنَّك عبد مَا بَقِي عَلَيْك دِرْهَم "، وَالله أعلم. (مَسْأَلَة) (٣٧٦) : وإيتاء الْمكَاتب بعض مَال الْكِتَابَة، أَو الْحَط لبَعض مَال الْكِتَابَة وَاجِب على السَّيِّد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: " إِنَّه غير وَاجِب ".

стр. 2047

وَدَلِيلنَا قَوْله : ﴿وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِيءَاتَاكُمْ﴾ . أخبرنَا الإِمَام أَبُو طَاهِر الزيَادي أخبرنَا أَبُو بكر الْقطَّان حَدثنَا أَبُو الْأَزْهَر حَدثنَا روح حَدثنَا ابْن جريج، وَهِشَام بن أبي عبد الله قَالَا

стр. 2048

" أخبرنَا عَطاء بن السَّائِب عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن عَليّ ﵁ فِي قَوْله: ﴿وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِيءَاتَاكُمْ﴾ . قَالَ: " ربع الْكِتَابَة "، وَرُوِيَ بِمَعْنَاهُ مَرْفُوعا. وَأخْبرنَا أَبُو طَاهِر أخبرنَا أَبُو بكر الْقطَّان حَدثنَا أَبُو الْأَزْهَر حَدثنَا روح حَدثنَا حَمَّاد عَن الْجريرِي عَن أبي بصرة عَن أبي سعيد مولى آل أسيد أَنه كَاتب مولى لَهُ على ألف دِرْهَم (ومائتي دِرْهَم) ، قَالَ: " فَأَتَيْته بمكاتبتي، فَرد عَليّ مِائَتي دِرْهَم ". أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْجَبَّار حَدثنَا وَكِيع عَن أبي شبيب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن عمر ﵃ كَاتب عبدا لَهُ يكنى بِأبي أُميَّة فَجَاءَهُ بنجمه حِين حل، فَقَالَ: " اذْهَبْ واستعن بِهِ فِي مُكَاتَبَتك "، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَو تركته حَتَّى يكون آخر نجم، قَالَ: " إِنِّي أَخَاف أَن لَا أدْرك ذَلِك، ثمَّ قَرَأَ ﴿وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِيءَاتَاكُمْ﴾ . قَالَ عِكْرِمَة: " فَكَانَ أول نجم أُدي فِي الْإِسْلَام ". أخبرنَا أَبُو عبد الله حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس حَدثنَا يحيى بن أبي طَالب أخبرنَا يزِيد بن حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن

стр. 2049

عَبَّاس ﵃ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: يُؤَدِّي الْمكَاتب بِحِصَّة مَا أدّى دِيَة حر، وَمَا بَقِي دِيَة عبد ". وَبِه عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " إِذا أصَاب الْمكَاتب حدا أَو مِيرَاثا ورث بِحِسَاب مَا أعتق مِنْهُ، وأقيم عَلَيْهِ الْحَد بِحِسَاب مَا عتق مِنْهُ ". أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن بن الْفضل الْقطَّان أخبرنَا أَبُو سُهَيْل بن زِيَاد حَدثنَا إِسْحَاق بن الْحسن حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا وهيب حَدثنَا أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: يُؤَدِّي الْمكَاتب بِقدر مَا أدّى "، رِوَايَة عِكْرِمَة عَن عَليّ ﵁ مُرْسل، وَالله تَعَالَى أعلم. تمّ الْكتاب، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد، وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ، وَسلم .

стр. 2050

(فارغة)

стр. 2051

الخاتمة الْحَمد لله الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات، أَحْمَده - سُبْحَانَهُ - حمد الشَّاكِرِينَ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ولي الصَّالِحين، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْأمين، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ. أما بعد ... فقد احتوى هَذَا الْكتاب الْقيم على مِائَتَيْنِ وَثَلَاث وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَة فِي الْقسم الأول وعَلى (٣٧٦) ثَلَاثمِائَة وست وَسبعين مَسْأَلَة فِي هَذَا الْقسم، وَكلهَا منحصرة فِيمَا للإمامين أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، أَو أَحدهمَا قَول فِي الْمسَائِل الخلافية بَينهمَا، وَهِي عُمْدَة الْخلاف بَين المذهبين، ونحوي جلّ الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا بَين الصَّحَابَة، ﵃، وَكَذَلِكَ كثيرا مِمَّا اخْتلف فِيهِ الإمامان أَحْمد وَمَالك مَعَ الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة، أَو أَحدهمَا، أَو مَا اخْتلف فِيهِ مَالك وَأحمد، رحم الله الْجَمِيع. وَلَقَد استخلصت من خلال تحقيقي لهَذَا الْقسم النتائج التالية: ١ - سَعَة أفق الشَّرِيعَة الإسلامية وشمولها لمختلف الأفهام، حَيْثُ إِن الْخلاف ناجم عَن ذَلِك، وَعَن ثُبُوت الدَّلِيل وَفهم الدّلَالَة مِنْهُ، وَهَذِه الشَّرِيعَة صَالِحَة لكل زمَان وَمَكَان، فقد أَتَت بسعادة البشرية، وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء لَا حكم لَهُ فِي الشَّرْع قطّ، وَلَكِن تخْتَلف الْقُدْرَة عَن الْعلمَاء فِي استنباط الْأَحْكَام وإيضاحها للنَّاس. ٢ - أَن هَذَا الْخلاف لم يكن فِي يَوْم من الْأَيَّام سَببا للعداوة والبغضاء بَين الْأَئِمَّة المعتبرين؛ لِأَن قصدهم الْحق والتقريب إِلَى الله

стр. 2052

تَعَالَى ببيانه للنَّاس والصدع بِهِ. وَقد كَانَ هَذَا الْخلاف علما لَهُ أُصُوله وقواعده، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة يدرسون أَسبَابه ويلتمسون الْأَعْذَار لمن خالفهم فِي حكم مَسْأَلَة؛ لعلمهم أَن كل مُجْتَهد اتَّقى الله مَا اسْتَطَاعَ، فَهُوَ مُطِيع لله سُبْحَانَهُ، لَيْسَ بآثم، وَلَا مَذْمُوم، الْمُصِيب مِنْهُم وَاحِد وَله أَجْرَانِ، والمخطئ لَهُ أجر، كَمَا قَالَ ﷺ َ -: " إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا اجْتهد وَأَخْطَأ فَلهُ أجر "، مُتَّفق عَلَيْهِ. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم - يعلمُونَ أَن الْمُصِيب وَاحِد. قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية: " قَالَ ابْن مَسْعُود لما سُئِلَ عَن مَسْأَلَة: أَقُول فِيهَا برأيي، فَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله، وَإِن يكن خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان، وَالله وَرَسُوله بريئان مِنْهُ ". قَالَ ابْن تَيْمِية: " وَلَا يُمكن لوَاحِد أَن يُحِيط بِجَمِيعِ سنة رَسُول الله ﷺ َ - بِلَا وَلَا يَدعِي ذَلِك. وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن أَبَا بكر ﵁ وَهُوَ الَّذِي لَا يُفَارق النَّبِي ﷺ َ - حضرا وَلَا سفرا سَأَلَ عَن مِيرَاث الْجدّة فَأخْبرهُ الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَمُحَمّد بن مسلمة بِقَضَاء رَسُول الله ﷺ َ -. وَكَذَلِكَ عمر ﵁ خفيت عَلَيْهِ أَحْكَام، مِنْهَا حكم الْمَجُوس فِي الْجِزْيَة حَتَّى أخبرهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بقول النَّبِي ﷺ َ -: " سنوا بهم سنة أهل الْكتاب ". وَكَذَلِكَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ لم يكن يعلم أَن المتوفي عَنْهَا زَوجهَا تَعْتَد فِي بَيت الْمَوْت، حَتَّى أخْبرته الفريعة بنت مَالك بذلك .

стр. 2053

وَأفْتى عَليّ، وَزيد، وَابْن عمر ﵃ بِأَن المفوضة إِذا مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا فَلَا مهر لَهَا، وَلم يبلغهم حَدِيث بروع بنت واشق. وَلَيْسَ تدوين كتب السّنة دَلِيلا على انحصار حَدِيث رَسُول الله ﷺ َ - فِيهَا، ثمَّ لَو فرض فَلَيْسَ كل مَا فِي الْكتب يُعلمهُ عَالم، بل الَّذين كَانُوا قبل جمع هَذِه الدَّوَاوِين أعلم بِالسنةِ من الْمُتَأَخِّرين؛ لِأَن كثيرا مِمَّا بَلغهُمْ وَصَحَّ عِنْدهم قد لَا يبلغنَا إِلَّا عَن مَجْهُول، أَو بِإِسْنَاد مُنْقَطع، أَو لَا يبلغنَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَت دواوينهم فِي صُدُورهمْ الَّتِي تحوي أَضْعَاف مَا فِي الدَّوَاوِين ... " اه. وَقد بلغ من شدَّة اعتناء الْعلمَاء بِالْخِلَافِ أَن بَعضهم ذكر أَن خلاف الصَّحَابَة لَا ينسخه إِجْمَاع يحصل بعده. وصنفت المصنفات الْكَثِيرَة فِي علم الْخلاف، فَمِنْهَا رِسَالَة " رفع الملام عَن الْأَئِمَّة الْأَعْلَام " لِابْنِ تَيْمِية، ﵀، وَكتاب صِحَة أصُول مَذْهَب أهل الْمَدِينَة لِابْنِ تَيْمِية، قَالَ عَنْهَا: " وَالْمَقْصُود هُنَا أَن عمل أهل الْمَدِينَة الَّذِي يجْرِي النَّقْل حجَّة بِاتِّفَاق الْمُسلمين، كَمَا قَالَ مَالك لأبي يُوسُف - لما سَأَلَهُ عَن الصَّاع وَالْمدّ وَأمر أهل الْمَدِينَة بإحضار صيعانهم وَذكروا لَهُ أَن إسنادها عَن أسلافهم -: " أَتَرَى هَؤُلَاءِ - يَا أَبَا يُوسُف - يكذبُون؟ " قَالَ: " لَا وَالله، مَا يكذبُون "، قَالَ: " فَأَنا حررت هَذِه الصيعان فَوَجَدتهَا خَمْسَة أَرْطَال وَثلثا بأرطالكم، يَا أهل الْعرَاق " فَقَالَ: " رجعت إِلَى قَوْلك، يَا أَبَا عبد الله، وَلَو رأى صاحبى مَا رَأَيْت لرجع كَمَا رجعت ".

стр. 2054

وَمِنْهَا كتاب " الْإِنْصَاف " للبطليوسي، وَفِيه قَالَ: " إِن الْخلاف عرض لأهل ملتنا - أهل السّنة وَالْجَمَاعَة - من ثَمَانِيَة أوجه، كل ضرب من الْخلاف متولد مِنْهَا متفرع عَنْهَا. الأول مِنْهَا: اشْتِرَاك الْأَلْفَاظ والمعاني، وَالثَّانِي: الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَالثَّالِث: الْإِفْرَاد والتركيب، وَالرَّابِع: الْخُصُوص والعموم، وَالْخَامِس، الرِّوَايَة وَالنَّقْل، وَالسَّادِس: الِاجْتِهَاد فِيمَا لَا نَص فِيهِ، وَالسَّابِع: النَّاسِخ والمنسوخ، وَالثَّامِن: الْإِبَاحَة والتوسع ". وَمِنْهَا كتاب " الْكَوْكَب الدُّرِّي فِيمَا يتَخَرَّج على الْأُصُول النحوية من الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة، لجمال الدّين الأسنوي، وَقد ذكر فِيهِ أَن علم الْحَلَال وَالْحرَام مستمد من علم أصُول الْفِقْه والعربية؛ لِأَن أدلته عَرَبِيَّة فَيتَوَقَّف فهم تِلْكَ الْأَدِلَّة على فهمها. وَمِنْهَا كتاب " الِاتِّبَاع " للْقَاضِي ابْن أبي الْعِزّ الْحَنَفِيّ، بَين فِيهِ وجوب اتِّبَاع النَّبِي ﷺ َ - وَأَن التعصب والتقليد قد يكون من عوامل الِاخْتِلَاف عِنْد بعض النَّاس. وَمِنْهَا " أَسبَاب اخْتِلَاف الْفُقَهَاء " للدكتور عبد المحسن التركي، وَذكر فِيهِ من أَسبَاب اخْتِلَاف الْفُقَهَاء الْقِرَاءَة الشاذة. وَمِنْهَا " الْخلاف بَين الْعلمَاء وموقفنا مِنْهُ " للشَّيْخ مُحَمَّد بن صَالح العثيمين ، وَبَين فِيهِ أَن الْخلاف بَين الْأمة لم يكن فِي أصُول دينهَا ومصادره الْأَصْلِيَّة، وَإِنَّمَا كَانَ فِي أَشْيَاء لَا تمس وحدة الْمُسلمين الْحَقِيقِيَّة، وَهُوَ أَمر لَا بُد أَن يكون.

стр. 2055

وثمت كتب اعتنت بِذكر الْمسَائِل الخلافية بَين الْعلمَاء مُقَارنَة بَين أَقْوَالهم وحججهم، فَكَانَت ثروة مباركة، وَمِنْهَا الإفصاح لِابْنِ هُبَيْرَة، وَالْمُغني لِابْنِ قدامَة، والخلافيات للبيهقي، أصل هَذَا الْمُخْتَصر، وَشرح الْمُهَذّب للنووي، والاستذكار لمذاهب فُقَهَاء الْأَمْصَار وعلماء الأقطار لِابْنِ عبد الْبر، ومجموع فتاوي ابْن تَيْمِية، وَغَيرهَا كثير. لقد كَانَ الْعلمَاء السَّابِقُونَ - رَحِمهم الله تَعَالَى - يعْرفُونَ لأهل الْعلم فَضلهمْ، ويعذرونهم فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ، ويلتمسون الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة للْأَحْكَام ودلالتها، وكل مِنْهُم يرجع إِلَى كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله، ﷺ َ -، وَلَا يَقُولُونَ على الله - سُبْحَانَهُ - بِلَا علم، فَكَانَ مِنْهُم مُجْتَهد لَهُ مَأْخَذ شَرْعِي فِيمَا يَعْتَقِدهُ، وَلَا يحل لأحد أَن يتَصَدَّى للْفَتْوَى إِلَّا أَن يكون بَصيرًا بِخِلَاف الْعلمَاء، وَقد تحققت فِيهِ شُرُوط الْفَتْوَى، مِنْهَا الْأَمَانَة وَالتَّقوى وَالْعلم وَالْعَدَالَة. وَقد كَانَ السّلف يتدافعون الْفَتْوَى من شدَّة الْوَرع، رَحِمهم الله تَعَالَى رَحْمَة وَاسِعَة. وَالْيَوْم تَجِد جمَاعَة من الْبشر لَا خلاق لَهُم يتعرضون لعلماء الْمُسلمين ودعاتهم بالذم ويسعرون نَار الْبغضَاء فِي قُلُوب الغافلين من الْمُسلمين لعلمائهم ودعاتهم؛ ليحققوا مآربهم الدُّنْيَوِيَّة فِي إِثْبَات أنفسهم، وإظهارهم بمظهر الْعلم، ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ... .﴾ ﴿فاطر: ٨﴾ . فَهَؤُلَاءِ حسابهم عِنْد الله عسير؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ . ٣ - أَن هَذَا الْكتاب الْقيم يمثل حَقِيقَة هَامة، وَهِي أَن بضَاعَة

стр. 2056

الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء من الحَدِيث صَحِيحَة غزيرة؛ لِأَن الْفِقْه الإسلامي يعْتَمد على الْكتاب وَالسّنة، وَمَا فهمه صحابة رَسُول الله ﷺ َ - رضوَان الله عَلَيْهِم؛ لأَنهم أعلم بالتنزيل، ثمَّ مَا قَرَّرَهُ عُلَمَاء الْأمة من التَّابِعين وَمن تَبِعَهُمْ من سلف صَالح الْمُؤمنِينَ، يحملهُ من كل خلف عدوله، ينفون عَنهُ تَحْرِيف الْجَاهِلين وَتَأْويل المبطلين وتنطع الهالكين، وَهَذَا الْكتاب يمثل أنموذجاً صَادِقا لهَذِهِ الْحَقِيقَة . ٤ - أَن الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ ﵀ إِمَام بارز فِي الحَدِيث وَالْفِقْه، شَافِعِيّ الْمَذْهَب، بل من أَئِمَّة الْمَذْهَب، وَله اختيارات يخْتَلف فِيهَا مَعَ إِمَام الْمَذْهَب الشَّافِعِي - رَحمَه الله تَعَالَى - ويستقل فِيهَا بِرَأْيهِ الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده. ٥ - يَتَّصِف الْبَيْهَقِيّ بالمنهجية العلمية، فَهُوَ يذكر أَدِلَّة خَصمه وَيرد عَلَيْهَا، وَرُبمَا تَركهَا فِي بعض المواطن، وَلَعَلَّ عذره أَنَّهَا تعليلات عقلية، مثل مَسْأَلَة ٢٤٤، ص ٢٧٣ ج ٤، وَإِن كَانَ ﵀ من المتساهلين فِي الرِّجَال، كَمَا قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ، فَهُوَ يحْتَج بِحَدِيث رَوَاهُ ضَعِيف مثل ابْن لَهِيعَة أَو الْحجَّاج بن أَرْطَأَة، وَيَردهُ إِن ورد عِنْد الْمُخَالف، مثل مَسْأَلَة ٢٤٤ ص ٣٧٣ ج ٤، وَمَسْأَلَة ٢٤٧ ص ٢٨٤ ج ٤، وَمَسْأَلَة ٢٥٥ ص ٣٠٠ ج ٤، وَمَسْأَلَة ٢٧٧ ص ٣٧٤ ج ٤، وَمَسْأَلَة ٢٦٩ ص ٣٤٦ ج ٤. ٦ - أَن سَنَد الْبَيْهَقِيّ يَتَّصِف بالعلو، فَهُوَ يروي الحَدِيث وَهُوَ إِمَام يروي عَن أَئِمَّة تقدّمت وفاتهم وَتقدم سَمَاعه عَنْهُم بِإِسْنَاد مُتَّصِل إِلَى النَّبِي ﷺ َ - أَو الصَّحَابِيّ؛ ﵁. ٧ - أَن هَذَا الْكتاب ذُو قيمَة علمية كَبِيرَة، حَيْثُ إِنَّه يخْتَص بالمسائل الخلافية بَين الْإِمَامَيْنِ، فَهُوَ يخْتَلف عَن الْمسَائِل الْمُخْتَلف

стр. 2057

فِيهَا بَين المذهبين، وَلذَلِك لم يذكر الْمسَائِل الَّتِي لَيْسَ للإمامين أَو أَحدهمَا قَول فِيهَا، مثل سَرقَة الْمُصحف، فَهَذِهِ مَسْأَلَة اخْتلف الْعلمَاء - رَحِمهم الله تَعَالَى - فِيهَا على قَوْلَيْنِ: القَوْل الأول: إِنَّه لَا يقطع بِسَرِقَة الْمُصحف، وَبِهَذَا قَالَ الأحناف، وَبَعض الْحَنَابِلَة. القَوْل الثَّانِي: إِنَّه يجب الْقطع بِسَرِقَة الْمُصحف، وَبِه قَالَ الْمَالِكِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة، وَبَعض الْحَنَابِلَة، وَهُوَ قَول الظَّاهِرِيَّة. وَحجَّة الْقَائِلين بِالْقطعِ عُمُوم أَدِلَّة قطع السَّارِق، وَحجَّة الْقَائِلين بِعَدَمِ الْقطع أَن الْآخِذ يتَأَوَّل فِي أَخذه الْقِرَاءَة وَالنَّظَر فِيهِ فَلَا يقطع لذَلِك، وَأَن الْمُصحف لَا مَالِيَّة لَهُ؛ لِأَن الْمُعْتَبر تِلَاوَته، وَأَن الْمَقْصُود من الْمُصحف كَلَام الله وَهُوَ مِمَّا لَا يجوز أَخذ الْعِوَض عَنهُ، فَلَا يقطع بسرقته. ٨ - أَن الْمُخْتَصر تحلى بالأمانة العلمية، حَيْثُ كَانَ اختصاره جيدا، فقد قرب الْكتاب بَين يَدي الْقَارئ وَأبقى كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي رجال الحَدِيث، وَحذف بعض الْأَسَانِيد المكررة، وَاقْتصر على مَوضِع

стр. 2058

الشَّاهِد من الْأَحَادِيث الطَّوِيلَة، وأحال على بعض الْأَحَادِيث المكررة فِي أصل الْكتاب وَلم يكررها كثيرا، رَحمَه الله تَعَالَى. ٩ - أَن الْمُخْتَصر من الْعلمَاء المعروفين، وَمن أهل الشان فِي الْفِقْه والْحَدِيث، قَالَ الذَّهَبِيّ: " عني بِهَذَا الشَّأْن، ثمَّ أقبل على تَقْيِيد الْأَلْفَاظ، وَفهم الْمُتُون ومذاهب الْعلمَاء ". وعده السخاوي مِمَّن يعْتد بقوله فِي الرِّجَال، وَقد ظَهرت خبرته فِي هَذَا الْمُخْتَصر، كَمَا فِي مَسْأَلَة ٢٧٢ ص ٣٤٧ ج ٤، وَمَسْأَلَة ١٠٩ ص ٣٤٦ ج ٣. وَبعد ... فَهَذَا جهد الْمقل، وحسبي أَنِّي بذلت جهداً وحرصت على إِظْهَار هَذَا السّفر النفيس. وأشكر الله وأحمده على جزيل إنعامه، وأشكره على توفيقه وامتنانه. وأسأل الله - جلت قدرته - أَن يَرْزُقنِي الْإِخْلَاص فِي القَوْل وَالْعَمَل، وَأَن يَجْعَل هَذَا الْعَمَل خَالِصا لوجهه الْكَرِيم. وَصلى الله وَسلم على نَبينَا مُحَمَّد بن عبد الله، وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ. وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين.