Полный текст (888 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِه نستعين
الْحَمد لله الَّذِي رفع الْعلمَاء إِلَى أشرف المناصب وأعلا أسمائهم، وَفتح عَلَيْهِم بِمَعْرِِفَة الخلاق عَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وتحرير كل مَذْهَب فضلا مِنْهُ وحلما، وَنشر فِي الْخَافِقين أعلامهم، وأجرى بِالْأَحْكَامِ أقلامهم برقم (الطروس) رقما، فنعمان النِّعْمَة مَا خصهم علما وفهما، وَفضل مالكهم بموطأ الحَدِيث المرسم فِيهِ الْأَحْكَام رسما، وشافعي سائلهم، ودبر لَهُم من الْعلم نَصِيبا وقسما، وأحمدهم
стр. 2
لسيدهم مُسِنَّة إِلَيْهِ فَلَا يَخْشونَ لَدَيْهِ هما.
أَحْمَده حمدا لأنال بِهِ من الْإِخْلَاص حظا وقسما، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة أمحو بهَا ذَنبا وإثما، وَأشْهد أَن سيدنَا وَنَبِينَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي أذهب بِشَرِيعَتِهِ عَن الْقُلُوب هما، ومنحهم بهَا نعما جما. وَبعد.
فَإِن علم الْفِقْه هُوَ أفضل عُلُوم الدّين، وَأَعْلَى منزلَة أهل الْمعرفَة وَالْيَقِين لما جَاءَ فِيهِ عَن سيد الْمُرْسلين: " من يرد اللَّهِ بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين ".
أما قَوْله: " من يرد بِهِ خيرا " فَإِن هَذَا شَرط وَجَوَابه يفقهه، وهما مجزومان، وَقد أنجزم الفعلان بذلك وَكَانَ الأَصْل من يرد، وَكَذَلِكَ كَانَ يفقهه مَرْفُوعا، فانجزما بِجَوَاب الشَّرْط، فَحصل بذلك أَن الْمَعْنى: " من يرد اللَّهِ بِهِ خيرا يفقهه "، وَاقْتضى هَذَا أَن من لم يفقهه فِي الدّين لم يكن مِمَّن يرد اللَّهِ بِهِ خيرا، وَلم يقل: من يرد اللَّهِ بِهِ الْخَيْر، بِالْألف وَاللَّام، فَكَانَ يكون الْخَيْر الْمَعْهُود الْمُعَرّف بِالْألف وَاللَّام، فَدلَّ على أَن هَذَا التنكير للخير هَاهُنَا أوقع لِأَن من لم يفقهه فِي الدّين فَإِنَّهُ لَا يرد بِهِ خيرا، فَأَما يفقهه فَهَذِهِ الْهَاء مبدلة من الْهمزَة لِأَن أصل فقه الرجل: فقئ فالهاء
стр. 3
مبدلة من الْهمزَة، وَمعنى فقه الرجل: غاص على اسْتِخْرَاج معنى القَوْل من قَوْلهم: فقأت عينه إِذا نخستها فَجعلت بَاطِنهَا ظَاهرهَا، فَمَعْنَى الْفِقْه على هَذَا التَّأْوِيل هُوَ اسْتِخْرَاج الغوامض والإطلاع على أسرار الْكَلَام، وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن اللَّهِ قَالَ: ﴿إِن الدّين عِنْد اللَّهِ الْإِسْلَام﴾ ، وَيكون المُرَاد بِالدّينِ هَا هُنَا الْإِسْلَام بِدَلِيل قَول النَّبِي ﷺ َ -: " من يرد اللَّهِ بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين "، بِالْألف وَاللَّام.
ثمَّ أَنه ﷺ جَاءَ بِالْهدى والنور، وَمن ذَلِك مَا شرع اللَّهِ على لِسَانه من التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم والوصايا وَالْأَدب وسير الْأَوَّلين والأخرين، وَمَا قصّ من أحسن الْقَصَص، فَأَيْنَ كَانَ ﷺ َ - من الْجَانِب الغربي إِذا قضى اللَّهِ إِلَى مُوسَى الْأَمر، قَالَ اللَّهِ : ﴿وَمَا كنت بِجَانِب الغربي إِذْ قضينا إِلَى مُوسَى الْأَمر﴾ وَلما انقلبت العصى حَيَّة وَولى مُوسَى هَارِبا، وَقَوله: ﴿وَمَا كنت لديهم إِذْ يلقون أقلامهم أَيهمْ يكفل مَرْيَم﴾ ، وَكَانَت الْأَخْبَار الْمَاضِيَة غيب لَا يعلمهَا إِلَّا اللَّهِ ثمَّ من كَانَ فِيهَا فَأخْبر هُوَ ﵇ بهَا، وَشهِدت الْعلمَاء مِنْهُم بذلك كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله﴾ .
أَي أَنه لم يخْتَلف خَبره ﷺ َ - عَن خبر التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، فَكَانَ هَذَا أمرا وَاضحا جليا من إِعْلَام اللَّهِ لَهُ بِمَا كَانَ من ذَلِك الْغَيْب، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ غيبا من أهل وقته مِمَّا علم بِهِ كَقَوْلِه : ﴿وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا فَلَمَّا نبأت بِهِ وأظهره اللَّهِ عَلَيْهِ عرف بعضه وَأعْرض عَن بعض فَلَمَّا نبأها بِهِ قَالَت من أَنْبَأَك هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير﴾ ، فأحاط بِالْغَيْبِ من الْوُجُوه الثَّلَاثَة، الْمَاضِي كَقَوْلِه: ﴿إِذْ قضينا إِلَى مُوسَى الْأَمر﴾ وَغَيره.
стр. 4
والمستقبل كَقَوْلِه: ﴿سيغلبون﴾ ، والحاضر كَقَوْلِه: ﴿نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير﴾ ، فأحاط بِالْغَيْبِ من جَمِيع جهاته، وَمن آيَاته ترْجم المنجوم لبعثه، قَالَ اللَّهِ : ﴿وَأَنا لمسنا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا ملئت حرسا شَدِيدا وشهبا﴾ .
وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول: هَذِه كَانَت معهودة لِأَن اللَّهِ تَعَالَى أكذبه بقوله: ﴿وَأَنا كُنَّا نقعد مِنْهَا مقاعد للسمع فَمن يستمع الأن يجد لَهُ شهابا رصدا﴾ .
وَلَو كَانَ ذَلِك معهودا كَمَا قَالَ الْمُشْركُونَ، فَمَا هَذَا الَّذِي تجدّد علينا هَكَذَا كُنَّا، فَأمره ﷺ َ - وَاضح.
وَلَو استقصينا دَلَائِل نبوته ﷺ َ - لطال الْكَلَام، فَإِذا ثَبت بِالدَّلِيلِ أَنه رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَجب امْتِثَال أمره وَاجْتنَاب نَهْيه. فَهَذَا الأَصْل الَّذِي هُوَ: " لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ " أُوحِي إقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة
стр. 5
وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت.
وَإِنَّمَا ذكر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - بِنَاء الْإِسْلَام على خمس لِأَنَّهَا سمات الْإِسْلَام على كل مُسلم، وَهِي فرض عين لَا فرض كِفَايَة.
وَنحن نذْكر من فقه هَذَا الحَدِيث مَا نرجو أَن يَشْمَل الْوَاجِبَات اللَّازِمَة دون التفرعات الَّذِي علمهَا .
فصل
ونبدأ قبل ذكرهَا بِذكر أَشْيَاء من أصُول الْفِقْه على طَرِيقه الْمُتَقَدِّمين، فَنَقُول: حد الْعلم معرفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ عَلَيْهِ بِهِ، وَعلم الله قديم وَعلم المخلوقين يَنْقَسِم إِلَى ضَرُورِيّ ومكتسب، وَالدَّلِيل هُوَ المرشد.
وينقسم الْفِقْه على وَاجِب ومندوب إِلَيْهِ، ومباح ومحظور ومكروه، فَالْوَاجِب: مَا ينَال تَاركه الْوَعيد، وَالْمَنْدُوب إِلَيْهِ: مَا فعله فضل وَلَا إِثْم من تَركه، والمباح: مَا أطلق للْعَبد إِلَّا أَن نِيَّته فِيهِ يُثَاب عَلَيْهَا، والمحظور وَالْمحرم وَالْمَكْرُوه: مَا تَركه فضل وَفعله بخس.
ويستدل بأوامر اللَّهِ وأومر رَسُوله ﷺ َ -، وَفعله ﷺ َ - وَإِقْرَاره الْفَاعِل وَفِي الْكَلَام حَقِيقَة، وَفِيه الْمجَاز، والأسماء تُؤْخَذ شرعا ولغة وَقِيَاسًا، وللأمر صِيغَة تَقْتَضِي الْوُجُوب فَإِذا ورد الْأَمر بأَشْيَاء مَعَ التَّخْيِير، كَانَ الْوَاجِب وَاحِدًا غير
стр. 6
معنى، فَإِذا أَدَّاهُ الْمَأْمُور بِهِ أَجزَأَهُ، وَالْفَرْض هُوَ الْوَاجِب عِنْد الشَّافِعِي، وَعند أَحْمد وَأبي حنيفَة الْوَاجِب لَازم، وَالْفَرْض ألزم، والنهى ضد الْأَمر، والتعميم فِي أقل الْجمع اثْنَان فَصَاعِدا، فَإِذا عرف بِالْألف وَاللَّام فَهُوَ تَعْمِيم نَحْو: الْمُسلمين، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ بِصِيغَة الْوَاحِد كَانَ للْجِنْس نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ ، وَلَا يعم شَيْء من أَفعَال النَّبِي ﷺ َ - إِلَّا بِدَلِيل التَّخْصِيص يَعْنِي الْبَعْض دون الْكل. والنطق إِذا ورد على سَبَب تعلق بِهِ كَيفَ وَقع، ويخصص النُّطْق بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشّرط وَالتَّقْيِيد، وَمَفْهُوم الْخطاب يكون من فحواه ولحنه، وَلَا دَلِيل خطابه. والمجمل من القَوْل الْمُبْهم والمبين التَّعْيِين ولنسخ الرّفْع وَلَيْسَ بالبراء ، وَلَا يجوز النّسخ إِلَّا على مَا يتَنَاوَل تَكْلِيف الْخلق دون صِفَات الْخَالِق وتوحيده، وَيجوز نسخ الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ، وَالسّنة بِالسنةِ فِيمَا تماثل طَرِيقه وَالْفِعْل بِالْفِعْلِ، وَلَا ينْسَخ الْقُرْآن وَلَا السّنة بِالْإِجْمَاع وَلَا بِالْقِيَاسِ، وَإِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة وَلم يذكر مَا نسخهَا، لم يثبت نسخهَا.
стр. 7
وَشرع الْإِسْلَام مغنى عَن غَيره، وَفعل رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - شرع، وَكَذَلِكَ إِقْرَاره.
وللخبر صِيغَة وَمِنْه التَّوَاتُر والآحاد، وَمِنْه الْمُتَّصِل والمرسل. والمتصل مَا اتَّصل إِسْنَاده بالعنعنة، وأفضله أَن يَقُول الرَّاوِي: سَمِعت أَو حَدثنِي، فَإِن قَالَ أَخْبرنِي أَو أنبأني نقص عَن تِلْكَ الرُّتْبَة، لجَوَاز أَن يكون الْإِخْبَار إجَازَة فَأَما الْمُرْسل: فَمَا يرويهِ التَّابِعِيّ عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -.
وَإِذا روى الصَّبِي الْمُمَيز قبل خَبره.
وَمن شَرط قبُول رِوَايَة الرَّاوِي أَن يكون عدلا، غير مُبْتَدع.
وَالصَّحَابَة كلهم عدُول، وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان.
وَيلْزم الْجَارِح للراوي تعْيين مَا جرحه بِهِ، وَتقدم بَينه الْجرْح على التَّعْدِيل.
وَرِوَايَة حَدِيث رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - بِالْمَعْنَى غير جَائِزَة إِلَّا عِنْد بعض الْعلمَاء، للْعَالم دون غَيره. وَإِذا روى الرَّاوِي الحَدِيث ثمَّ نَسيَه لم يسْقط الحَدِيث .
стр. 8
وَلَا يفك الْأَمر الثَّابِت بِكِتَاب أَو سنة ثَابِتَة إو إِجْمَاع الْمُسلمين بِخَبَر الْوَاحِد، ويرجح الْخَبَر على الْمخبر بِفضل رَاوِيه وموافقة مَتنه لِلْقُرْآنِ، وَإِجْمَاع الْمُسلمين من الْمُجْتَهدين حجَّة فِي الشَّرْع.
وَقَول الصَّحَابَة مُتَقَدم على الْقيَاس وَالْقِيَاس مُتَقَدم على حمل الْفَرْع على أصل فِي بعض أَحْكَامه بِمَعْنى يجمع بَينهمَا ويحتج بِهِ من جَمِيع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وَقد سَمَّاهُ الْفُقَهَاء قِيَاس عِلّة وَقِيَاس دلَالَة وَقِيَاس شبه.
ويشتمل الْقيَاس على أَرْبَعَة أَشْيَاء: على الأَصْل وَالْعلَّة وَالْفرع وَالْحكم، وَالِاسْتِحْسَان عِنْد أبي حنيفَة أصل. والتقليد قبُول قَول النَّبِي من غير دَلِيل وَذَلِكَ ( ... ) الْمعَانِي وَلَا يجوز فِي أصُول الدّين وَلَا فِيمَا نقل نقلا عَاما لفرض الصَّلَاة.
والعالم لَا يسوغ لَهُ التَّقْلِيد، وَقد حكى عَن أَحْمد أَنه يسوغ لَهُ ذَلِك، وَالْمَعْرُوف من مذْهبه أَنه لَا يسيغ لمجتهد أَن يُقَلّد.
وَمن عرف طرق الْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة وموارد الْكَلَام ومصادره ومجازه وَحَقِيقَته وعامه وخاصة وناسخة ومنسوخة ومطلقه ومقيده ومفصله ومجمله وَدَلِيله، وَعرف من أصُول الْعَرَبيَّة مَا يُوضح لَهُ الْمعَانِي وَإِجْمَاع السّلف وخلافهم، وَعرف
стр. 9
الْقيَاس، وَمَا يجوز تَعْلِيله من الْأُصُول مِمَّا لَا يجوز، وَمَا يُعلل بِهِ وَمَا لَا.
وترتيب الْأَدِلَّة وَتَقْدِيم أولاها، ووجوه التَّرْجِيح ثِقَة مَأْمُونا قد عرف بِالِاحْتِيَاطِ للدّين، أفتى من استفتاه مفصحا عدل، ويختار المستفتين لدينِهِ من الْمُفْتِينَ، وَيقدم فتيا المحتاط لدينِهِ.
وَالْحق فِي أصُول الدّين فِي جِهَة وَاحِدَة، فَأَما الْفُرُوع فَإِنَّهَا كَذَلِك، إِلَّا أَن الْحَرج مَوْضُوع عَن الْمُجْتَهد المستخلص بل لَهُ أجر وَاحِد فِي الْخَطَأ، وَله فِي الْإِصَابَة أَجْرَانِ. وَالْقَوْلَان من الْفَقِيه فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة إِشْعَار مِنْهُ لدين مَنعه أَن يحتم حَتَّى يعلم، فَيكون لمن بعده الِاجْتِهَاد فِيهَا، فَأَما إِذا تقدم تَارِيخ أحد الْقَوْلَيْنِ فَالْعَمَل على الْأَخير. فَهَذِهِ أصُول الْفِقْه على طَرِيقه الِاخْتِصَار نشِير إِلَى مَا تفرع مِنْهَا.
وَلما انْتهى تدوين الْفِقْه إِلَى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وكل مِنْهُم عدل رَضِي اللَّهِ
стр. 10
عَنْهُم، ورضى عدالتهم الْأَئِمَّة، وَأخذُوا عَنْهُم لأخذهم عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاء وأستقر ذَلِك، وَإِن كلا مِنْهُم مقتدى بِهِ، وَلكُل وَاحِد مِنْهُم لَهُ من الْأمة أَتبَاع من شَاءَ مِنْهُم فِيمَا ذكره وهم: أَبُو حنيفَة، وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد ﵃.
رَأَيْت أَن أجعَل مَا أذكرهُ من إِجْمَاع مُشِيرا بِهِ إِلَى إِجْمَاع هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة، وَمَا أذكرهُ من خلاف مُشِيرا بِهِ إِلَى الْخلاف بَينهم، فَمن ذَلِك.
стр. 11
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الطَّهَارَة
أَجمعُوا على أَن الصَّلَاة لَا تصح إِلَّا بِطَهَارَة إِذا وجد السَّبِيل إِلَيْهَا لقَوْله تَعَالَى: ﴿يأيها الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وأمسحوا برءوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنْتُم جنبا فأطهروا وَأَن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فأمسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيد اللَّهِ ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ ... ... ... الْآيَة. قَالَ أهل اللُّغَة: الطّهُور هُوَ الْعَامِل للطَّهَارَة فِي غَيره، كَمَا يُقَال: قتول، قَالَ ثَعْلَب: الطّهُور الطَّاهِر فِي نَفسه المطهر لغيره، وَهَذَا مِمَّا لَا يُخَالف فِيهِ إِلَّا بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة
стр. 12
رَضِي اللَّهِ عَنهُ فَقَالُوا: الطّهُور هُوَ الطَّاهِر على سَبِيل الْمُبَالغَة.
وَأَجْمعُوا على أَن الطَّهَارَة تجب بِالْمَاءِ على كل من لَزِمته الصَّلَاة مَعَ وجوده، فَإِذا عدم فيبدله لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ إِن اللَّهِ كَانَ عفوا غَفُورًا﴾ ، وَلقَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يغشيكم النعاس آمِنَة مِنْهُ وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ، وَيذْهب عَنْكُم رجز الشَّيْطَان وليربط على قُلُوبكُمْ وَيثبت بِهِ الْأَقْدَام﴾ .
قَالَ أهل اللُّغَة وَالطَّهَارَة: التَّنَزُّه عَن الأدناس والأقذار، وَأَجْمعُوا على أَنه إِذا تغير المَاء عَن أصل خلقته بطاهر فغلب على أَجْزَائِهِ مِمَّا يسْتَغْنى المَاء عَنهُ غَالِبا لم يجز الْوضُوء بِهِ إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ جوز الْوضُوء بِالْمَاءِ الْمُتَغَيّر بالزعفران وَنَحْوه.
وَأَجْمعُوا على أَنه إِذا تغير المَاء بالنجاسات فَهُوَ نجس قل المَاء أَو كثر.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي المَاء إِذا كَانَ دون الْقلَّتَيْنِ، والقلتان خَمْسمِائَة رَطْل بالعراقي، وخالطته النَّجَاسَة، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه: هُوَ نجس.
стр. 13
وَقَالَ مَالك وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: إِنَّه مَا لم يتَغَيَّر فَهُوَ طَاهِر.
وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يجوز التوضئ بالنبيذ على الْإِطْلَاق إِلَّا أَبَا حنيفَة، فَإِن الرِّوَايَة اخْتلفت عَنهُ فَروِيَ عَنهُ: أَنه لَا يجوز ذَلِك كالجماعة، وَهِي اخْتِيَار أبي يُوسُف.
وَرُوِيَ عَنهُ: أَنه يجوز الْوضُوء بنبيذ التَّمْر الْمَطْبُوخ فِي السّفر عِنْد عدم المَاء.
وَرُوِيَ عَنهُ: أَنه يجوز الْوضُوء بِهِ، ويضيف إِلَيْهِ التَّيَمُّم وَهُوَ اخْتِيَار مُحَمَّد بن الْحسن
وأختلفوا فِي جَوَاز إِزَالَة النَّجَاسَة بِغَيْر المَاء من الْمَائِعَات فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز بِكُل مَائِع طَاهِر مزيل للعين. وَقَالَ ملك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز إِلَّا بِالْمَاءِ. وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى كمذهب أبي حنيفَة.
стр. 14
وَاتَّفَقُوا على أَن الْحَدث لَا يرفعهُ على الْإِطْلَاق إِلَّا المَاء.
بَاب النَّجَاسَات
اتَّفقُوا على أَن الْخمر إِذا انقلبت خلا من غير معالجة الْآدَمِيّ طهرت.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي معالجة الْآدَمِيّ لتخليلها وَهل تطهر إِذا خللها؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز تخليلها وتطهر.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يجوز تخليلها وَلَا تطهر بالتخليل، وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ كالمذهبين.
وَاخْتلفُوا فِي جُلُود الْميتَة هَل تطهر بالدباغ؟ ، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: تطهر، وَاسْتثنى أَبُو حنيفَة جلد الْخِنْزِير فَقَالَ: لَا يطهر، وَعند أبي يُوسُف إِذا ذبح الْخِنْزِير يطهر جلده بالدباغة، كَذَا فِي الْخُلَاصَة، هَذَا نَقله عَن شرح الْمجمع لِابْنِ قرشته.
وَاسْتثنى الشَّافِعِي جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَمَا تولد مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا، فَقَالَ: لَا يطهر.
стр. 15
وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ أَحدهمَا: لَا يطهر على الْإِطْلَاق، وَالْأُخْرَى: يطهر ظَاهره دون بَاطِنه.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، أَحدهمَا: كالأولى عَن مَالك وَهِي الْمَشْهُورَة عَن مَالك، وَالْأُخْرَى: يطهر بالدباغ مَا كَانَ ظَاهرا قبل الْمَوْت وَنَصّ نطقه أَنه سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: أَرْجُو.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يطهر بالذكاة مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: يطهر.
وَأَجْمعُوا على أَن صوف الْميتَة وشعرها طَاهِر إِلَّا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد فَإِنَّهُ نجس دلّ عَلَيْهَا كَلَامه وَأحد الْقَوْلَيْنِ عَن الشَّافِعِي أَنه نجس وَهُوَ أظهرهمَا. وَاتَّفَقُوا على أَن صوف الْكَلْب وَشعر الْخِنْزِير نجس حَيا وَمَيتًا، إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: ذَلِك طَاهِر، وَوَافَقَهُ مَالك فِي طَهَارَة صوف الْكَلْب حَيا وَمَيتًا.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي جَوَاز الِانْتِفَاع بِهِ من الخرز وَنَحْوه، فَرخص فِيهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك مَعَ النداوة الَّتِي فِي أَسْفَله وَمنع مِنْهُ الشَّافِعِي وَكَرِهَهُ أَحْمد وَقَالَ: يخرز بالليف أحب إِلَيّ.
وَاخْتلفُوا فِي عِظَام الْفِيل وَالْميتَة، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: هِيَ
стр. 16
نَجِسَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هِيَ طَاهِرَة، وَعَن مَالك من رِوَايَة ابْن وهب عَنهُ نَحوه.
بَاب الْأَوَانِي
اتَّفقُوا على أَن اسْتِعْمَال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة من الْمَأْكُول والمشروب وَالطّيب وَغَيره مَنْهِيّ عَنهُ.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي النَّهْي هَل هُوَ نهي تَحْرِيم أَو تَنْزِيه؟ .
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: أَنه نهي تَحْرِيم.
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ، أَحدهمَا: أَنه نهي تَنْزِيه، وَالْآخر أَنه نهى تَحْرِيم، وَهُوَ الَّذِي نَصه الشِّيرَازِيّ فِي التَّنْبِيه. وَاتَّفَقُوا على أَن هَذَا التَّحْرِيم فِي حق الرِّجَال وَالنِّسَاء. وَأَجْمعُوا على أَنه إِن خَالف مُكَلّف فَتَوَضَّأ مِنْهَا أَثم وَصحت طَهَارَته إِلَّا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَنه لَا تصح طَهَارَة من تطهر مِنْهَا، واختارها عبد الْعَزِيز، وَالْأُخْرَى يكره وَيجزئهُ وَهُوَ اخْتِيَار الْخرقِيّ.
وَأَجْمعُوا على أَن اتخاذها حرَام إِلَّا أَن بعض الشَّافِعِيَّة قَالَ: لَا يحرم إِلَّا
стр. 17
اسْتِعْمَالهَا فَقَط وَهُوَ وَجه لَهُم.
وَحكى ابْن أبي مُوسَى ذَلِك عَن الشَّافِعِي، ثمَّ قَالَ: وَعَن أَحْمد مثله.
وَاتَّفَقُوا على آثَار سُؤْر مَا يُؤْكَل لَحْمه من الْبَهَائِم طَاهِرَة. ثمَّ اخْتلفُوا فِي سُؤْر مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه من سِبَاع الْبَهَائِم كالأسد والنمر وَنَحْوهمَا، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه: هِيَ نجسه.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: هِيَ طَاهِرَة، وَاسْتثنى مَالك مَا يَأْكُل النَّجَاسَة مِنْهَا، فَحكم بِنَجَاسَة سؤره.
وَاخْتلفُوا فِي الْكَلْب وَالْخِنْزِير، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: هما نجسان، وَكَذَلِكَ سؤرهما، وَقَالَ مَالك فِي الْكَلْب طَاهِر، وسؤره كَذَلِك رِوَايَة وَاحِدَة.
وَالْخِنْزِير نجس وَفِي طَهَارَة سؤره عِنْده رِوَايَتَانِ وعَلى ذَلِك فسؤر الْكَلْب وَالْخِنْزِير فِي الرِّوَايَة الَّتِي يَقُول بِطَهَارَة سؤرهما مكروهان، وَيغسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب سبعا تعبدا إِلَّا لنجاسته، ويراق المَاء اسْتِحْبَابا، وَلَا يراق مَا ولغَ فِيهِ من
стр. 18
سَائِر الْمَائِعَات وَفِي غسل الْإِنَاء من ولوغ الْخِنْزِير عَنهُ رِوَايَتَانِ أَحدهمَا هُوَ كَالْكَلْبِ وَالثَّانِي لَا يغسل.
وَاتَّفَقُوا على أَن سُؤْر الْبَغْل وَالْحمار طَاهِر إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ شكّ فِي كَونه مطهرا، وروى ابْن جرير عَن مَالك كَرَاهِيَة سؤرهما.
وَاخْتلف عَن أَحْمد فروى عَنهُ الشَّك فيهمَا كَأبي حنيفَة.
وَفَائِدَته: أَنه إِذا لم يجد مَاء غَيره تَوَضَّأ بِهِ وأضاف إِلَيْهِ التَّيَمُّم، وَإِن وجد مَاء غَيره لم يتَوَضَّأ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنهُ أَن سؤرهما نجس وَهُوَ الَّذِي نَصره أَصْحَابه.
وَاخْتلفُوا فِي آثَار جوارح الطير، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه هِيَ طَاهِرَة إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة يكرهها مَعَ ثُبُوت طَهَارَتهَا عِنْده، وَقَالَ أَحْمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: هِيَ نَجِسَة، وَقَالَ مَالك: أَن كَانَت تَأْكُل النَّجَاسَة وتفترسها فَهِيَ نَجِسَة، وَإِن كَانَت لَا تأكلها وَلَا تفترسها فَهِيَ طَاهِرَة.
وَاتَّفَقُوا على طَهَارَة سُؤْر الْهِرَّة وَمَا دونهَا من الْخلقَة إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ يكرههُ.
стр. 19
وَاتَّفَقُوا على أَنه إِذا مَاتَ فِي المَاء الْيَسِير مَا لَيست لَهُ نفس سَائِلَة كالذباب وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَا يُنجسهُ إِلَّا فِي أحد قولي الشَّافِعِي فَإِنَّهُ يُنجسهُ، وَالْقَوْل الآخر أَنه لَا يُنجسهُ وَهُوَ الْأَظْهر.
وَاخْتلفُوا فِي اشْتِرَاط الْعدَد فِي إِزَالَة النَّجَاسَة.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يشْتَرط الْعدَد فِي شَيْء من ذَلِك وَلَا يجب إِلَّا أَن مَالِكًا اسْتحبَّ غسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب سبعا كَمَا ذكرنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجب الْعدَد فِي شَيْء من ذَلِك إِلَّا من الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَمَا تولد مِنْهُمَا من أَحدهمَا، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الولوغ على الأَرْض.
وَحكى ابْن الْقَاص عَن الشَّافِعِي قولا فِي الْقَدِيم أَنه يغسل من ولوغ الْخِنْزِير مرّة وَاحِدَة، وَالصَّحِيح من مذْهبه حكمه حكم الْكَلْب نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم.
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي أَن النَّجَاسَة تكون فِي
стр. 20
مَحل غير الأَرْض إِذْ لَا تخْتَلف الرِّوَايَة عَنهُ أَن الْعدَد لَا يشْتَرط فِيمَا إِذا كَانَت النَّجَاسَة على الأَرْض، فَالْمَشْهُور عَنهُ فيهمَا أَنه يجب الْعدَد فِي غسل سَائِر النَّجَاسَات سبعا سَوَاء كَانَت من السَّبِيلَيْنِ أَو من غَيرهمَا، وَعنهُ رِوَايَة ثَانِيَة أَنه يجب غسل سَائِر النَّجَاسَات ثَلَاثًا سَوَاء كَانَت من السَّبِيلَيْنِ أَو غَيرهمَا. وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة: إِن كَانَت فِي السَّبِيلَيْنِ فسبعا، وَإِن كَانَت فِي السَّبِيلَيْنِ أَو فِي غير الْبدن وَجب الْعدَد. وَكَانَ الْوَاجِب سبعا، وَإِن كَانَت فِي الْبدن، فقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: إِذا أصَاب جسده فَهُوَ أسهل، والخلال يُخطئ راويها، وَالْخَامِسَة: إِسْقَاط الْعدَد فِيمَا عدا الْكَلْب وَالْخِنْزِير.
وَاخْتلفُوا فِي رَوْث مَا يُؤْكَل لَحْمه وبوله، فَقَالَ مَالك وَأحمد: من الْمَشْهُور عَنهُ أَنه ظَاهر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: ذرق الْحمام والعصافير طَاهِر، وَالْبَاقِي نجس، وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ نجس على الْإِطْلَاق.
وَاتَّفَقُوا على أَن رَوْث مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه نجس إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ يرى أَن ذرق سِبَاع الطير كالبازي والصقر، والباشق وَنَحْوه طَاهِر.
стр. 21
وَاخْتلفُوا فِي المَاء الْمُسْتَعْمل من رفع الْحَدث، فَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَات عَنهُ: هُوَ نجس نَجَاسَة صَرِيحَة، إِلَّا أَنه يَقُول على هَذِه الرِّوَايَة، أما مَا يترشرش مِنْهُ على الثَّوْب أَو مَا يعلق بالمنديل عِنْد التنشيف من بلله طَاهِر، وَإِنَّمَا يحكم نَجَاسَته عِنْد استقراره مُنْفَصِلا إِلَى الأَرْض أَو الْإِنَاء.
وَعنهُ رِوَايَة ثَانِيَة: أَنه نجس نَجَاسَة مُخَفّفَة مثل بَوْل مَا يُؤْكَل فَلَا يمْنَع جَوَاز الصَّلَاة مَا لَا يبلغ ربع الثَّوْب.
وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة: أَنه طَاهِر غير مطهر، وَقَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ: هُوَ طَاهِر، وَزَاد مَالك فَقَالَ: مطهر وَعَن أَحْمد نَحوه.
وَأَجْمعُوا على جَوَاز وضوء الرجل بِفضل الْمَرْأَة إِن خلت بِالْمَاءِ إِلَّا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد فَإِنَّهُ منع من ذَلِك وَاحْتج لَهُ بِحَدِيث لم يرو فِي هَذَا
стр. 22
الْكتاب، وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى أَنه قَالَ: أكرهه.
وَأَجْمعُوا على أَن الْجنب وَالْحَائِض والمشرك إِذا غمس كل وَاحِد مِنْهُم يَده فِي إِنَاء فِيهِ مَاء قَلِيل، فَإِن المَاء بَاقٍ على طَهَارَته.
وَاخْتلفُوا فِي الْبِئْر تخرج مِنْهَا فَأْرَة وَقد كَانَ تَوَضَّأ مِنْهَا متوضئ، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَت متفسخة أعَاد ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن لم تكن متفسخة أعَاد صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة، وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: إِن كَانَ المَاء يَسِيرا أعَاد من الصَّلَوَات مَا يغلب على ظَنّه أَنه تَوَضَّأ مِنْهَا بعد وُقُوعهَا وَإِن كَانَ كثيرا وَلم يتَغَيَّر لم يعد.
وَإِن تغير أعَاد من وَقت التَّغَيُّر، وَمذهب مَالك أَنه إِن كَانَ المَاء معينا وَلم
стр. 23
يتَغَيَّر أَو ضَاقَ فَهُوَ طَاهِر وَلَا إِعَادَة على الْمُصَلِّي مِنْهُ، وَإِن كَانَ غير معِين كالمواجن وأشباهها فَلهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا: رَاعى فِيهَا التَّغَيُّر كالمعين، وَالْأُخْرَى لم يراع فِيهَا التَّغَيُّر. وَأطلق ابْن الْقَاسِم من أَصْحَابه القَوْل بِالنَّجَاسَةِ.
وَقَالَ أَصْحَاب مَالك كَعبد الْوَهَّاب وَغَيره: أَن هَذَا من ابْن الْقَاسِم على سَبِيل التَّوَسُّع فِي الْعِبَادَة، بِدَلِيل أَن الصَّلَاة إِنَّمَا تُعَاد عِنْده فِي الْوَقْت، وَلَو كَانَ نجسا نَجَاسَة خَفِيفَة لأعاد فِي الْوَقْت وَبعده.
بَاب السِّوَاك
اتَّفقُوا على اسْتِحْبَاب السِّوَاك عِنْد أَوْقَات الصَّلَوَات وَعند تغير الْفَم.
وَاخْتلفُوا فِي الصَّائِم هَل يكره لَهُ السِّوَاك بعد الزَّوَال؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا وَلم يَخْتَلِفُوا فِي أَنه يسْتَحبّ لَهُ قبل الزَّوَال.
стр. 24
بَاب الْوضُوء
أَجمعُوا على وجوب النِّيَّة فِي طَهَارَة الْحَدث، وَالْغسْل من الْجَنَابَة، لقَوْل النَّبِي ﷺ َ -: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ "
إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تجب النِّيَّة فيهمَا ويصحان مَعَ عدمهَا، وَمحل النِّيَّة الْقلب وكيفيتها أَن يَنْوِي رفع الْحَدث واستباحة الصَّلَاة، وَصفَة الْكَمَال أَن ينْطق بهَا بِمَا نَوَاه فِي قلبه ليَكُون من نطق وَقيام.
قيل: إِلَّا مَالِكًا، فَإِنَّهُ كره النُّطْق بِاللِّسَانِ فِيمَا فَرْضه النِّيَّة. وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو أقتصر بِالنِّيَّةِ بِقَلْبِه أَجزَأَهُ. بِخِلَاف مَا لَو نطق بِلِسَانِهِ دون أَن يَنْوِي بِقَلْبِه.
وَأَجْمعُوا على أَنه إِذا نوى عِنْد الْمَضْمَضَة واستدام النِّيَّة وأستصحب حكمهَا إِلَى غسل أول جُزْء من الْوَجْه صحت طَهَارَته.
стр. 25
ثمَّ اخْتلفُوا فِيمَن بَدَأَ بِالنِّيَّةِ عِنْد غسل أول جُزْء من الْوَجْه هَل يُجزئهُ؟ فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يُجزئهُ. وَقَالَ أَحْمد: لَا تصح طَهَارَته.
وَاتَّفَقُوا على أَن التَّرْتِيب والموالاة فِي الطَّهَارَة مشروعان. ثمَّ اخْتلفُوا فِي وجوبهما فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجبان.
وَقَالَ مَالك: الْمُوَالَاة وَاجِبَة دون التَّرْتِيب، وَقَالَ الشَّافِعِي: التَّرْتِيب وَاجِب قولا وَاحِدًا، وَعنهُ فِي الْمُوَالَاة قَولَانِ قديمهما أَنَّهَا وَاجِبَة، وجديدهما أَنَّهَا لَيست بواجبة.
وَقَالَ أَحْمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: هما واجبتان، وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى فِي الْمُوَالَاة أَنَّهَا لَا تجب.
وَاتَّفَقُوا على اسْتِحْبَاب غسل الْيَدَيْنِ عِنْد الْقيام من نوم اللَّيْل ثَلَاثًا.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي وُجُوبه فَقَالُوا: أَنه غير وَاجِب أَلا أَحْمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ فَإِنَّهُ أوجبه.
فصل فِي الِاجْتِهَاد
اخْتلفُوا فِي التَّحَرِّي فِي الْأَوَانِي إِذا اشْتبهَ عَلَيْهِ طَاهِر مِنْهَا بِنَجس، فَقَالَ أَبُو
стр. 26
حنيفَة: إِن كَانَ الْأَكْثَر هُوَ الطَّاهِر تحرى، وَإِن تَسَاويا أَو كَانَ الطَّاهِر هُوَ الْأَقَل فَلَا يتحَرَّى. وَقَالَ الشَّافِعِي: يتحَرَّى على الْإِطْلَاق إِذا اشْتبهَ عَلَيْهِ مَاء طَاهِر بِمَاء نجس، وَلَو اشْتبهَ عَلَيْهِ مَاء وَبَوْل فَلَا يتحَرَّى.
وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك، قوم مِنْهُم كمذهب الشَّافِعِي وَقَالَ قوم مِنْهُم: لَا يتحَرَّى بل يتَوَضَّأ من كل إِنَاء وَيُصلي بِعَدَد الْأَوَانِي، وَقَالَ أَحْمد: لَا يتحَرَّى بل يتَيَمَّم.
وَرَوَاهُ الْخرقِيّ عَنهُ بعد أَن قَالَ: يريقهما.
وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى رَوَاهَا أَبُو بكر أَن لَهُ التَّيَمُّم من غير إِرَاقَة وَاتَّفَقُوا على وجوب غسل الْوَجْه كُله، وَغسل الْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين وَغسل الرجلَيْن مَعَ الْكَعْبَيْنِ وَمسح الرَّأْس. ثمَّ اخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يَجْزِي من مسح الرَّأْس.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي رِوَايَة عَنهُ: يَجْزِي قدر الرّبع.
وَفِي رِوَايَة عَنهُ: يَجْزِي مِقْدَار الناصية.
وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة: قدر ثَلَاث أَصَابِع من أَصَابِع الْيَد.
وَقَالَ مَالك وَأحمد فِي أظهر الرِّوَايَات عَنْهُمَا: يجب استيعابه وَلَا يَجْزِي سواهُ.
стр. 27
وَقَالَ الشَّافِعِي: يجب أَن يمسح مِنْهُ أقل مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْمسْح.
وَاخْتلفُوا فِي تكْرَار الْمسْح لَهُ، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنْهُمَا: لَا يسْتَحبّ، رِوَايَة وَاحِدَة.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يسْتَحبّ.
وَأَجْمعُوا على أَن الْمسْح على الْعِمَامَة غير مَجْزِي إِلَّا أَحْمد فَإِنَّهُ أجَاز ذَلِك بِشَرْط أَن يكون من الْعِمَامَة شَيْء تَحت الحنك رِوَايَة وَاحِدَة، وَهل يشْتَرط أَن يكون قد لبسهَا على طَهَارَة، فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ، وَأَن كَانَت مُدَوَّرَة لَا ذؤابة لَهَا لم يجز الْمسْح عَلَيْهَا، وَعَن أَصْحَابه فِي ذَوَات الذؤابة وَجْهَان.
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ فِي مسح الْمَرْأَة على قناعها المستدير تَحت حلقها؟ فَروِيَ عَنهُ جَوَاز الْمسْح كعمامة الرجل ذَات الحنك، وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى الْمَنْع كوقاية الْمَرْأَة.
وَاخْتلفُوا فِي المضمضمة وَالِاسْتِنْشَاق، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: هما واجبتان فِي
стр. 28
الطَّهَارَة الْكُبْرَى مسنونان فِي الصُّغْرَى.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: هما مسنونان فيهمَا جَمِيعًا.
وَقَالَ أَحْمد: هما واجبتان فيهمَا.
والمضمضمة هِيَ تَطْهِير دَاخل الْفَم، وَصفَة ذَلِك أَن يُوصل المَاء إِلَى فِيهِ ثمَّ يخضخضه ويمجه، وَالِاسْتِنْشَاق يظْهر دَاخل الْأنف وَصفته أَن يجذب المَاء بِنَفسِهِ وينثره وتستحب الْمُبَالغَة فِيهِ إِلَّا أَن يكون صَائِما.
وَأَجْمعُوا على أَن مسح بَاطِن الْأُذُنَيْنِ وظاهرهما سنة من سنَن الْوضُوء، إِلَّا أَحْمد فَإِنَّهُ رأى مسحهما وَاجِبا فِيمَا نقل عَن حَرْب عَنهُ، وَقد سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: يُعِيد الصَّلَاة إِذا تَركه.
وَاخْتلفُوا هَل يمسحان بِمَاء الرَّأْس أَو يَأْخُذ لَهما مَاء جَدِيدا، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: هما من الرَّأْس فيمسحهما بمائه، وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ من أَصْحَاب أَحْمد: رَأَيْت أَحْمد يمسحهما مَعَ الرَّأْس، وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى أَنه يسْتَحبّ أَخذ مَاء جَدِيد.
وَاخْتلفُوا فِي تكْرَار مسح الْأُذُنَيْنِ، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي إِحْدَى
стр. 29
روايتيه، السّنة فيهمَا مرّة وَاحِدَة.
وَقَالَ الشَّافِعِي: تكْرَار ذَلِك ثَلَاثًا سنة.
وَعَن أَحْمد مثله فِي الرِّوَايَة الَّتِي حسن فِيهَا تكْرَار الْمسْح.
وَاخْتلفُوا فِي مسح الْعُنُق فَقَالَ: أَبُو حنيفَة: هُوَ من سنَن الْوضُوء، وَقَالَ مَالك: لَيْسَ ذَلِك سنة، وَقَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه: أَنه سنة لِأَن ابْنه عبد اللَّهِ قَالَ: رَأَيْت أبي كَانَ إِذا مسح رَأسه وَأُذُنَيْهِ فِي الْوضُوء مسح ذَلِك.
وَاتَّفَقُوا على أَن تَخْلِيل اللِّحْيَة إِذا كَانَت كثة وتخليل الْأَصَابِع سنة من سنَن الْوضُوء.
стр. 30
وَاخْتلفُوا هَل يجب إمرار المَاء على المسترسل من اللِّحْيَة؟
فَروِيَ عَن مَالك وَأحمد وُجُوبه، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ. وَاخْتلف عَن أبي حنيفَة أَيْضا، فَروِيَ عَنهُ: أَنه لَا يجب وَرُوِيَ وُجُوبه.
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يسْتَحبّ تنشيف الْأَعْضَاء من الْوضُوء ثمَّ اخْتلفُوا هَل يكره إِذا قلم ظفره بعد الْوضُوء؟ إِلَى أَنه يكره إِلَّا أَحْمد فِي إِحْدَى روايتيه، والصحيحة عَنهُ أَنه لَا يكره.
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي اسْتِحْبَاب تَجْدِيد الْوضُوء لكل صَلَاة هَل ترى فِيهِ فضلا؟ فَقَالَ: لَا أرى فِيهِ فضلا. وَنقل الْمروزِي قَالَ: رَأَيْت أَبَا عبد اللَّهِ يتَوَضَّأ لكل صَلَاة وَيَقُول: مَا أحْسنه لمن قوي عَلَيْهِ.
وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يجوز للمحدث مس الْمُصحف.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي حمله بغلافه أَو فِي غلافه، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي
стр. 31
إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ: لَا يجوز، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: يجوز.
وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يجوز للْجنب وَالْحَائِض قِرَاءَة آيَة كَامِلَة، إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: يجوز للْجنب أَن يقْرَأ آيَات يسيرَة.
وَاخْتلف عَنهُ فِي الْحَائِض فَروِيَ عَنهُ أَنَّهَا كالجنب.
وَرُوِيَ أَنَّهَا تقْرَأ على الْإِطْلَاق.
وَللشَّافِعِيّ قَول أَنه يجوز للحائض أَن تقرا، حَكَاهُ عَنهُ أَبُو ثَوْر، قَالَ صَاحب الشَّامِل: وَأَصْحَابه لَا يعْرفُونَ هَذَا القَوْل.
بَاب الِاسْتِنْجَاء
اخْتلفُوا فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها بالبول وَالْغَائِط، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَات عَنهُ: لَا يجوز ذَلِك لَا فِي الصَّحَارِي وَلَا فِي الْأَبْنِيَة.
стр. 32
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة الْمَشْهُورَة: لَا يجوز ذَلِك فِي الصَّحَارِي، وَيجوز فِي الْبيُوت.
وَعَن أَحْمد رِوَايَة ثَالِثَة أَنه لَا يجوز استدبارها دون استقبالها، رَوَاهَا عَنهُ بكر بن مُحَمَّد.
وَاخْتلفُوا فِي وجوب الِاسْتِنْجَاء، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ مُسْتَحبّ، وَلَيْسَ بِوَاجِب.
وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن مَالك، فَروِيَ عَنهُ أَنه لَا يجب وَهُوَ مُسْتَحبّ.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: هُوَ وَاجِب.
وَاخْتلفُوا فِي وجوب اعْتِبَار عدد الْأَحْجَار من الِاسْتِجْمَار، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: الِاعْتِبَار بالإنقاء، فَإِن حصل بِحجر وَاحِد لم يسْتَحبّ الزِّيَادَة عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: يعْتَبر مَعَ الانقاء الْعدَد وَهُوَ ثَلَاث أَحْجَار، حَتَّى لَو أنقى بِدُونِهَا لم يجزه حَتَّى ينقى بهَا، فَإِن لم ينق بِثَلَاثَة زَاد حَتَّى ينقى.
وَاخْتلفُوا هَل يَجْزِي الِاسْتِنْجَاء بالروث والعظم؟
стр. 33
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يجزى، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يَجْزِي.
وَاخْتلف موجبوا الْعدَد فِي الْحجر الَّذِي لَهُ ثَلَاث شعب هَل يقوم مقَام الثَّلَاث؟ فَقَالَ الشَّافِعِي: يقوم مقامهن، وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فَروِيَ الْمَاوَرْدِيّ عَنهُ جَوَاز ذَلِك، وَهُوَ اخْتِيَار الْخرقِيّ، وَنقل عَنهُ حَنْبَل أَنه لَا يُجزئهُ وأصل كَيْفيَّة الِاسْتِنْجَاء أَن يبْدَأ بالأحجار فَإِذا أنقي بِهن أتبعهن بِالْمَاءِ، وَأَن يبْدَأ بمقدمة بعد أَن يستبرئ بالنثر، ثمَّ يعْتَبر فِي الدبر ذهَاب اللزوجة وَظُهُور الخشونة، فَإِن أنس بحلقه الدبر شَيْئا من غير اللزوجة تبعه بِأُصْبُعَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء فِيمَا وَرَاء ذَلِك، وَأَن يكون عدد ذَلِك سبع مَرَّات، وَأَن ينْقض بعد ذَلِك بِشَيْء من المَاء ليزول عَنهُ الوسواس.
وَإِن اقْتصر على المَاء دون الْحجر فَهُوَ أفضل من أَن يقْتَصر على الْحجر دون المَاء.
стр. 34
وَالْجمع بَين الْحجر وَالْمَاء أفضل.
بَاب مَا ينْقض من الْوضُوء
اتَّفقُوا على أَن نوم المضطجع والمستند والمتكئ ينْقض الْوضُوء.
ثمَّ اخْتلفُوا فِيمَن نَام على حَالَة من أَحْوَال الْمُصَلِّين، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ينْقض وَإِن طَال إِن كَانَ على حَالَة من أَحْوَال الصَّلَاة، فَإِذا وَقع على جنبه أَو اضْطجع انْتقض وضوءه.
وَقَالَ مَالك: ينْقض فِي حَال الرُّكُوع وَالسُّجُود إِذا طَال دون الْقيام وَالْقعُود.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا كَانَ قَاعِدا أَي مُمكنا، لم ينْتَقض وضوءه وينقض فِيمَا عداهُ من الْأَحْوَال فِي الْجَدِيد، وَقَالَ فِي الْقَدِيم: لَا ينْتَقض وضوءه.
وَعَن أَحْمد رِوَايَات إِحْدَاهُنَّ: إِذا كَانَ يَسِيرا على حَالَة من أَحْوَال الصَّلَاة وَهِي
стр. 35
أَربع: الْقيام وَالْقعُود وَالرُّكُوع وَالسُّجُود، لم ينْتَقض الْوضُوء وَإِن طَال نقض.
وَقَالَ فِي هَذِه الرِّوَايَة: إِذا نَام رَاكِعا أَو سَاجِدا، فَإِن عَلَيْهِ إِعَادَة الرَّكْعَة، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَة الْوضُوء. وَالثَّانيَِة: لَا ينْقض فِي الْقيام وَالْقعُود كمذهب الْحَنَفِيَّة وَهُوَ اخْتِيَار الْخرقِيّ، وَالثَّالِثَة اخْتَارَهَا ابْن أبي مُوسَى: لَا ينْقض فِي حَالَة الْقعُود خَاصَّة وينقض قَائِما.
وَأَجْمعُوا على أَن الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ ينْقض الْوضُوء سَوَاء كَانَ نَادرا أَو مُعْتَادا قَلِيلا أَو كثيرا نجسا أَو طَاهِرا، إِلَّا مَالِكًا، فَإِنَّهُ لَا يرى النَّقْض بالنادر كالدود والحصى وَغَيره.
وَاخْتلفُوا فِي خُرُوج النَّجَاسَات من غير السَّبِيلَيْنِ كالقئ والحجامة والفصادة والرعاف.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ الْقَيْء يَسِيرا لَا ينْقض، وَإِن كَانَ دودا أَو حَصَاة أَو
стр. 36
قِطْعَة لحم، فَإِنَّهُ ينْقض على كل حَال.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا نقض بِشَيْء من ذَلِك على كل حَال.
وَقَالَ أَحْمد فِي ذَلِك كُله: إِن كَانَ كثيرا فَاحِشا نقض رِوَايَة وَاحِدَة، وَإِن كَانَ يَسِيرا فعلى رِوَايَتَيْنِ ذكرهمَا ابْن أبي مُوسَى فِي الْإِرْشَاد، أَحدهمَا: ينْقض، وَالثَّانِي: لَا ينْقض.
وَاخْتلفُوا فِي انْتِقَاض الْوضُوء بلمس النِّسَاء.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا نقض على الْإِطْلَاق إِلَّا أَن بَاشَرَهَا مُبَاشرَة بَالِغَة تَنْتَهِي إِلَى مَا دون الْإِيلَاج.
وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ بِشَهْوَة نقض، إِلَّا الْقبْلَة فِي رِوَايَة أصبغ بن الْفرج فَإِنَّهَا تنقض الْوضُوء على كل حَال.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا لمس امْرَأَة غير ذَات محرم من غير حَائِل انْتقض وضوءه بِكُل حَال وَله فِي لمس ذَوَات الْمَحَارِم قَولَانِ، أَحدهمَا: ينْقض الْوضُوء، وَالثَّانِي: لَا ينْقض. ولأصحابه من لمس الصَّغِيرَة والكبيرة اللَّتَيْنِ لَا يشتهى مثلهمَا وَجْهَان.
стр. 37
وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل ثَلَاث رِوَايَات، الأولى: لَا نقض بِحَال، وَالثَّانيَِة: ينْقض بِكُل حَال، وَالثَّالِثَة وَهِي الصَّحِيحَة عِنْده: أَنه ينْقض إِن كَانَ بِشَهْوَة، وَإِن كَانَ بِغَيْر شَهْوَة لَا ينْقض كمذهب مَالك.
وَاخْتلفُوا فِيمَن مس فرج غَيره. فَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: ينْقض وضوء اللامس، وَإِن كَانَ الملموس صَغِيرا أَو كَبِيرا حَيا أَو مَيتا. وَقَالَ مَالك ": ينْقض إِلَّا من الصَّغِير.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ينْقض بِحَال.
وَاخْتلفُوا فِي وضوء الملموس هَل ينْقض أَيْضا؟ فأنزله مَالك منزلَة اللامس، وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ أظهرهمَا أَنه لَا ينْتَقض طهر الملموس.
стр. 38
وَعَن احْمَد رِوَايَتَانِ.
وَاتَّفَقُوا فِيمَن مس فرجه بِغَيْر يَده من أَعْضَائِهِ أَنه لَا ينْقض وضوءه.
وَاخْتلفُوا فِيمَن مَسّه بباطن كَفه، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ينْقض وضوءه، وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: ينْقض، وَعَن أَحْمد فِي رِوَايَة أُخْرَى: أَنه لَا ينْقض. وَقَالَ مَالك فِي رِوَايَة المصريين مثل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة الْعِرَاقِيّين المراعاة للذة، فَإِن وجدت انْتقض، وَإِن لم تُوجد لم ينْتَقض كلمس النَّاسِي وَهُوَ الَّذِي نَصره أَصْحَابه، وَأجْمع من رأى الانتقاض بِهِ على أَن ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَ من غير حَائِل أما إِذا كَانَ من وَرَاء حَائِل لم ينْتَقض الْوضُوء بِحَال إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ لَا فرق عِنْده بَين وجود الْحَائِل وَعَدَمه إِذا لم يكن من الصفاقة بِحَيْثُ يمْنَع اللَّذَّة الْمُعْتَبرَة عِنْده، فَإِن
стр. 39
مَسّه بأصبع زَائِدَة أَو بِحرف كَفه أَو بِمَا بَين الْأَصَابِع فلأصحابه فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا لَا ينْتَقض.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا ينْقض بِكُل حَال.
وَقَالَ أَحْمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: ينْقض.
وَأَجْمعُوا على أَنه لَا وضوء على من مس أنثييه، سَوَاء كَانَ من وَرَاء حَائِل أَو من غير حَائِل.
وَأَجْمعُوا على أَن من لمس الْغُلَام الْأَمْرَد، وَإِن كَانَ بِشَهْوَة لَا ينْقض وضوءه إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: ينْقض وضوء، وَوَافَقَهُ أَبُو سعيد الاصطخري من أَصْحَاب الشَّافِعِي.
وَاخْتلفُوا فِي الْمَرْأَة تمس فرجهَا هَل ينْقض وضوءها؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا ينْتَقض وضوءها.
وَقَالَ الشَّافِعِي: ينْقض وضوءها قولا وَاحِدًا.
وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهمَا رِوَايَة الْمروزِي قَالَ: وَقد سُئِلَ عَن الْمَرْأَة تمس فرجهَا هَل هِيَ مثل الرجل تتوضأ؟ فَقَالَ: لم أسمع فِيهِ شَيْئا إِنَّمَا سَمِعت فِي الرجل.
فَظَاهر هَذَا أَنه لَا يجب الْوضُوء.
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى: أَنَّهَا ينْتَقض وضوءها.
وَاخْتلفُوا فِيمَن مس حلقه الدبر، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي إِحْدَى
стр. 40
الرِّوَايَتَيْنِ: لَا ينْقض وضوءه.
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: ينْتَقض وضوءه. وَللشَّافِعِيّ قَول آخر أَنه لَا ينْقض، حَكَاهُ ابْن القَاضِي عَنهُ.
وَأَجْمعُوا على أَن أكل لحم الْجَزُور وَالرِّدَّة، وَالْعِيَاذ بِاللَّه، وَغسل الْمَيِّت لَا ينْقض الْوضُوء إِلَّا أَحْمد فَإِن ذَلِك كُله عِنْده ينْقض الْوضُوء.
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: أكل لحم الْجَزُور ينْقض الْوضُوء، حَكَاهُ ابْن الْقَاص.
وَأَجْمعُوا على أَن القهقهة فِي الصَّلَاة تبطلها. وَاخْتلفُوا فِي انْتِقَاض الْوضُوء بهَا، فَقَالُوا: لَا ينْقض الْوضُوء إِلَّا أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ: تنقض الْوضُوء أَيْضا فِي صَلَاة ذَات رُكُوع وَسُجُود.
وَأَجْمعُوا على أَن من تَيَقّن الطَّهَارَة وَشك فِي الْحَدث فَهُوَ على الطَّهَارَة إِلَّا
следующие страницы →