الخوف، وهو موافق لقواعد المذهب. وتأتي أحكام سجود السهو في صلاة الخوف إذا لم يشتد، في الوجه الثاني.
ثم أخذ في بيان تفصيل الأحوال الثلاثة وحكمها، وبدأ بالزيادة، ثم هي إما زيادة أفعال أو أقوال، وزيادة الأفعال قسمان، أحدهما: ما ذكره بقوله: (ف متى زاد) المصلي فعلًا (من جنس الصلاة: قيامًا، أو قعودًا، أو ركوعًا، أو سجودًا، عمدًا بطلت) صلاته إجماعًا، قاله في "الشرح"؛ لأنه بها يخل بنظم الصلاة، وبغير هيئتها، فلم تكن صلاة، ولا فاعلها مصليًا.
(و) إن زاد ذلك (سهوًا، ولو) كان الجلوس الذي زاده في غير موضعه (قدر جلسة الاستراحة) عقب ركعة، بأن جلس عقبها للتشهد، سواء قلنا باستحباب جلسة الاستراحة، أو لم نقل به، لأنه لم يردها بجلوسه، إنما أراد التشهد سهوًا (سجد) له وجوبًا، لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: "فإذا زاد الرجلُ أو نقصَ في صلاتِهِ فليسجُدْ سجدتَين" رواه مسلم (١)، ولأن الزيادة سهو، فتدخل في قول الصحابي: سَها النَّبيُّ ﷺ فسجدَ. بل هي نقص في المعنى، فشرع لها السجود لينجبر النقص.
(ومتى ذكر) من زاد في صلاته (عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير) لإلغاء الزيادة، وعدم الاعتداد بها.
وإذا رفع رأسه من السجود ليجلس للاستراحة، وكان موضع جلوسه للفصل، أو التشهد، ثم ذكر، أتى بذلك، ولا سجود عليه. ولو جلس للتشهد قبل السجود، سجد لذلك. وإن جلس للفصل يظنه التشهد وطوله، لم يجب السجود.
стр. 1017
(ولو نوى القصر) من يباح له (فأتم سهوًا، ففرضه الركعتان) قاله في "المبدع" وغيره (ويسجد للسهو) استحبابًا؛ لأن عمده لا يبطلها (ويأتي) في صلاة المسافر.
(وإن زاد ركعة) أي قام إلى ركعة زائدة، كثالثة في صبح، أو رابعة في مغرب، أو خامسة في ظهر، أو عصر، أو عشاء (قطع) تلك الركعة بأن يجلس في الحال (متى ذكر) بغير تكبير، نص عليه (١)؛ لأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمدًا، وذلك مبطل لها (وبنى على فعله قبلها) أي قبل الزيادة لعدم ما يلغيه (ولا يتشهد، إن كان تشهد، ثم سجد) للسهو (وسلم).
وإن كان تشهد ولم يصل على النَّبيِّ ﷺ صلى عليه، ثم سجد للسهو، ثم سلم، ذكره في "الشرح" وغيره.
(ولا يعتد) أي لا يحتسب (بها) أي بالركعة الزائدة من صلاته (مسبوق) دخل مع الإمام فيها، أو قبلها؛ لأنها زيادة لا يعتد بها الإمام، ولا يجب على من علم الحال متابعته فيها؛ فلم يعتد بها للمأموم.
(ولا يصح أن يدخل معه) أي مع الإمام القائم لزائدة (فيها من علم أنها زائدة) لأنها سهو وغلط، وعلم منه: أنه لو دخل معه فيها مسبوق يجهل أنها زائدة: أنه تنعقد صلاته، وهو الصحيح من المذهب، ثم متى علم في أثناء صلاته أنها زائدة لم يعتد بها لما تقدم (٢)، وإن علم بعد سلامه (٣) فكترك ركعة، على ما يأتي.
стр. 1018
(وإن كان) الذي قام إلى زائدة (إمامًا أو منفردًا، فنبهه ثقتان فأكثر - ويلزمهم تنبيه الإمام على ما يجب السجود لسهوه -) لارتباط صلاتهم بصلاته، بحيث تبطل ببطلانها، وظاهره لا يجب على غير المأمومين تنبيهه، ولعله غير مراد، ولذلك قال في "المنتهى" و"المبدع" وغيرهما: ويلزمهم تنبيهه، فلم يقيدوا بالإمام - (لزمه الرجوع) جواب الشرط، وما بينهما اعتراض (سواء نبهوه لزيادة، أو نقص، ولو ظن خطأهما) نص عليه (١)، لأنه ﷺ رجع إلى قول أبي بكر وعمر (٢)، وأمر ﷺ بتذكيره (٣).
(ما لم يتيقن صواب نفسه، فيعمل بيقينه) ولا يجوز له الرجوع إليهما، كالحاكم لا يعمل بالبينة إذا علم كذبها.
(أو يختلف عليه المنبهون) له (فيسقط قولهم) كالبينتين إذا تعارضتا.
(ولا يلزمه) أي الإمام (الرجوع إلى فعلهم) أي المأمومين، كقيام، أو قعود (من غير تنبيه في ظاهر كلامهم) وقطع به في "المنتهى"، لأمر الشارع بالتنبيه.
стр. 1019
(ولا) يرجع (إلى تنبيه فاسقين) لعدم قبول خبرهما.
(ولا إذا نبهه واحد) نص عليه (١)، لأنه ﷺ يرجع إلى قول ذي اليدين وحده (٢) (إلا أن يتيقن صوابه) فيعمل بيقينه لا بتنبيهه (والمرأة المنبهة كالرجل في ظاهر كلامهم) وإلا لم يكن في تنبيه المرأة فائدة، ولما كره تنبيهها بالتسبيح ونحوه، وفي المميز خلاف (٣)، قاله في "الفروع".
(فإن لم يرجع إمام إلى قول الثقتين) المنبهين له (فإن كل) عدم رجوعه (عمدًا، وكان) رجوعه (لجبران نقص) بأن قام قبل أن يتشهد التشهد الأول، ونبه، فلم يرجع (لم تبطل) صلاته، لما روى أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، عن المغيرة بن شعبة "أنه نهض في الركعتين، فسح به من خلفه، فمضى، فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهوِ، فلما انصرف قال: رأيتُ النَّبي ﷺ يصنعُ كما صنعتُ" (٤) ويأتي الكلام على ذلك بأتم من هذا.
(وإلا) أي وإن لم يرجع عمدًا، وكان لغير جبران نقص (بطلت صلاته)
стр. 1020
لأنه ترك الواجب عمدًا (و) بطلت (صلاة المأموم، قولًا واحدًا، قاله ابن عقيل) لتعمده إبطال صلاته.
(وإن كان) عدم رجوع الإمام إلى قول الثقتين لغير جبران نقص (سهوًا بطلت صلاته) أي الإمام؛ لتركه واجبًا وهو الرجوع إلى قول الثقتين (و) بطلت (صلاة من اتبعه) من المأموم (عالمًا) ببطلان صلاته ذاكرًا، لأنه اقتدى بمن يعلم بطلان صلاته، كما لو اقتدى بمن يعلم حدثه، و (لا) تبطل صلاة من اتبعه من المأمومين (جاهلًا أو ناسيًا) لأن الصحابة تابعوا النَّبيَّ ﷺ في الخامسة حيث لم يعلموا، وتوهموا النسخ، ولم يؤمروا بالإعادة (١) (ووجبت
стр. 1021
مفارقته) أي الإمام القائم إلى زائدة على من علم ذلك، لاعتقاده خطأه (ويتم المفارق صلاته) لنفسه للعذر (وظاهره هنا: ولو قلنا تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه) فتكون هذه كالمستثناة من كلامهم لعموم البلوى بكثرة السهو، وقال في "المنتهى"، تبعًا "للشرح" و"المبدع"، وغيره: فإن أباه إمام قام لزائدة بطلت صلاته، كمتبعه عالمًا ذاكرًا.
(و يرجع طائف) في عدد الأشواط (إلى قول اثنين نصًا) قال في رواية أبي طالب (١): لو اختلف رجلان فقال أحدهما: طفنا سبعًا، وقال الآخر: ستًا، فقال: لو كانوا ثلاثة، فقال اثنان: طفنا سبعًا، وقال الآخر: طفنا ستًا، قبل قولهما؛ لأن النَّبيَّ ﷺ قبل قول القوم، يعني في قصة ذي اليدين، ومنه أخذ الأصحاب وجوب الرجوع إلى تنبيه الثقتين، وإن لم يكونا معه في العبادة، لأن الطواف لا مشاركة فيه.
(ولو نوى ركعتين نفلًا نهارًا، فقام إلى ثالثة سهوًا، فالأفضل إتمامها أربعًا ولا يسجد للسهو) لإباحة التطوع بأربع نهارًا.
(وله أن يرجع ويسجد) للسهو.
(ورجوعه) إذا نوى ركعتين نفلًا (ليلًا) وقام إلى ثالثة سهوًا (أفضل) من إتمامها أربعًا؛ لأن إتمامها مبطل لها، كما يأتي، وعدم إبطال النفل مستحب، لأنه لا يجب إتمامه (ويسجد) للسهو (فإن لم يرجع) من نوى اثنتين ليلًا، وقام إلى ثالثة سهوًا (بطلت) صلاته لقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنَى مثنَى" (٢) ولأنها صلاة شرعت ركعتين، أشبهت صلاة الفجر. وهذا معنى قول
стр. 1022
"المنتهى" وغيره: وليلًا، فكقيامه إلى ثالثة بفجر، قال في "الشرح": نص عليه أحمد (١)، ولم يحك فيه خلافًا في المذهب. فإن قيل: الزيادة على ثنتين ليلًا مكروهة فقط، وذلك لا يقتضي بطلانها. قلت: هذا إذا نواه ابتداء، وأما هنا فلم ينو إلا على الوجه المشروع، فمجاوزته زيادة غير مشروعة، ومن هنا يؤخذ أن من نوى عددًا نفلًا، ثم زاد عليه، إن كان على وجه مباح فلا أثر لذلك، وإلا كان مبطلًا له.
ثم أشار إلى القسم الثاني من زيادة الأفعال بقوله: (وعمل متوال مستكثر في العادة، من غير جنس الصلاة؛ كمشي، وفتح باب، ونحوه) كلف عمامة، وخياطة، وكتابة (يبطلها) أي الصلاة (عمده، وسهوه، وجهله) لقطعه الموالاة بين الأركان (إن لم تكن ضرورة) كخوف، وهرب من عدو، أو سيل، ونحوه، فلا يبطل الصلاة؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات (وتقدم) في الباب قبله.
(ولا يبطل) الصلاة عمل من غير جنس الصلاة (يسير) عادة، لما تقدم من فتحه ﷺ الباب لعائشة (٢)، وحمله أمامة ووضعها (٣)، وكذا لو كثر العمل وتفرق.
(ولا يشرع له سجود) ولو فعله سهوًا؛ لأنه لم يرد السجود له، ولا يصح قياسه على ما وررد السجود له، لمفارقته إياه.
(ولا بأس به) أي بالعمل اليسير من غير جنسها (لحاجة) لما تقدم من فعله ﷺ .
стр. 1023
(ويكره) العمل اليسير من غير جنسها (لغيرها) أي غير حاجة إليه، لأنه يذهب الخشوع.
(و إن أكل، أو شرب) في صلاة (عمدًا، فإن كان) ذلك (في فرض بطلت) صلاته (قل) الأكل، أو الشرب (أو كثر) لأنه ينافي الصلاة. قال في "المبدع": وهو إجماع من نحفظ عنه في الفرض، إلا ما حكاه في "الرعاية" قولًا: أنها لا تبطل بيسير شرب، لكنه غير معروف.
(و) إن كان من أكل، أو شرب (في) صلاة (نفل) فإنه (يبطل كثيره عرفًا) لقطع الموالاة بين الأركان (فقط) أي دون اليسير من الأكل والشرب، فلا يبطل النفل كغيرهما، وهذا رواية. وعنه أن النفل كالفرض، قدمه جماعة، وصححه في "الشرح"، قال في "المبدع": وبه قال أكثرهم؛ لأن ما أبطل الفرض أبطل النفل، كسائر المبطلات. وعنه: لا يبطل بيسير الشرب فقط، وهي مفهوم ما قطع به في "المنتهى"، والمصنف في "مختصر المقنع". وقال ابن هبيرة (١): إنه المشهور عنه. قال في "الفروع": والأشهر عنه بالأكل اهـ. أي يبطل النفل بيسير الأكل عمدًا، فعلم منه: أنه لا يبطل النفل بيسير الشرب، لما روي أن ابن الزبير (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، شربا في التطوع. قال الخلال: سهّل أبو عبد الله في ذلك، وفي "المبدع": وهو المذهب؛ وذلك لأن مدَّ النفل وإطالته مستحبة، مطلوبة، فيحتاج معه كثيرًا إلى جرعة ماء لدفع العطش، كما سومح به جالسًا وعلى الراحلة.
стр. 1024
(وإن كان) الأكل أو الشرب (سهوًا، أو جهلًا) ولم يذكره جماعة (لم يبطل يسيره فرضًا كان) ما حصل ذلك فيه (أو نفلًا) لأن تركهما عماد الصوم، وركنه الأصلي، فإذا لم يؤثرا فيه حالة السهو، فالصلاة أولى، وكالسلام، ولعموم قوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيانِ" (١) قال في "الكافي": فعلى هذا يسجد؛ لأنه يبطل الصلاة تعمده، وعفي عن سهوه، فيسجد له، كجنس الصلاة، واقتصر عليه في "المبدع" (٢).
(ولا بأس ببلع ما بقي في فيه) من بقايا الطعام من غير مضغ (أو) بقي (بين أسنانه من بقايا الطعام بلا مضغ، مما يجري به ريقه وهو اليسير) لأن ذلك لا يسمى أكلًا (وما لا يجري به ريقه، بل يجري بنفسه، وهو ما له جرم تبطل) الصلاة (به) أي يبلعه، هذا مفهوم ما في "الرعاية" و"الفروع" و"الإنصاف" و"المبدع"، وصريح كلام المجد، حيث قال: وكذلك إذا اقتلع من بين أسنانه ما له جرم وأبتلعه، بطلت صلاته عندنا، وعلله بعدم مشقة الاحتراز، وقال في "التنقيح": ولا يبلع ما بين أسنانه بلا مضغ، ولو لم يجر به ريق، نصًا، وتبعه عليه تلميذه العسكري في قطعته، وتبع العسكري تلميذه الشويكي في "التوضيح"، وصاحب "المنتهى".
(وبلع ما ذاب بفيه من سكر ونحوه) كحلوى وشيرخشك (٣) وترنجبيل (٣) (كأكل) وكما لو فتح فاه فنزل فيه ماء المطر فابتلعه.
стр. 1025
ثم شرع يتكلم على زيادة الأقوال، وهي قسمان: أحدهما: ما يبطل عمده الصلاة كالسلام، وكلام الآدميين، ويأتي
و الثاني: ما لا يبطلها مطلقًا، وقد ذكره بقوله: (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه غير سلام، ولو) كان إتيانه بالقول المشروع غير السلام (عمدًا كالقراءة في السجود، و) في (القعود، و) كـ (ــالتشهد في القيام، و) كـ (ــقراءة السورة في) الركعتين (الأخريين ونحوه) أي نحو ما ذكر، كالقراءة في الركوع (لم تبطل) الصلاة به، نص عليه؛ لأنه مشروع في الصلاة في الجملة.
(ويشرع) أي يسن (السجود لسهوه) لعموم قوله ﷺ : "إذا نسيَ أحدُكم فليسجدْ سجدتيْنِ" (١). وعلم منه: أنه إن أتى بذكر، أو دعاء، لم يرد الشرع به فيها، كقول: آمين رب العالمين، وفي التكبير: الله أكبر كبيرًا: أنه لا يشرع له سجود، وجزم به في "المغني" و"الشرح" وغيرهما؛ لأنه روي أن النَّبيَّ ﷺ سمع رجلًا يقول في الصلاة: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى" (٢) ولم يأمره بالسجود.
(و إن سلم قبل إتمام صلاته عمدًا أبطلها) لأنه تكلم فيها، والباقي منها إما ركن، أو واجب، وكلاهما تبطل الصلاة بتركه تعمدًا.
(وإن كان) السلام قبل إتمامها (سهوًا) لم تبطل به، رواية واحدة، قاله في "المغني" لأنه ﷺ فعله هو وأصحابه وبنوا على صلاتهم، ولأن جنسه مشروع
стр. 1026
فيها، أشبه الزيادة فيها من جنسها.
(ثم) إن (ذكر قريبًا عرفًا أتمها) أي الصلاة (وسجد) للسهو (ولو) انحرف عن القبلة، أو (خرج من المسجد) لما روى ابن سيرين عن أبي هريرة قال: "صلى بنا النَّبيُّ ﷺ إحدَى صلاتَيْ العشي - قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة لكن نسيت أنا - فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضَة في المسجدِ، فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يدَه اليمنى على اليسرى، وشبَّكَ بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفِّه اليسرى، وخرجت السرعان (١) من باب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماهُ، وفي القوم رجل في يده طولٌ يقال له: ذو اليدين (٢)، فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما يقولُ ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدم، فصلى ما ترك، ثم سلم ثم كبر، وسجدَ مثل سجودِه أو أطولَ، ثم رفع رأسه وكبر. فربما سألوه، فيقول: أنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم" متفق عليه (٣) ولفظه للبخاري.
стр. 1027
(فإن لم يذكر) من مسلم قبل إتمامها (حتى قام) من مصلاه (فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي) من صلاته (عن جلوس مع النية) لأن هذا القيام واجب للصلاة، ولم يأت به لها.
(وإن لم يذكر) من سلم قبل إتمام صلاته (حتى شرع في صلاة غيرها، قطعها) مع قرب الفصل، وعاد إلى الأولى فأتمها، لتحصل الموالاة بين أركانها، ثم سجد للسهو. وفي "الفصول" - فيما إذا كانتا صلاتي جمع -: أتمهما، ثم سجد عقبهما للسهو عن الأولى؛ لأنهما كصلاة واحدة. واقتصر عليه في "الفروع".
(وإن كان سلامه) قبل إتمام صلاته (ظنًا أن صلاته قد انقضت، فكذلك)، أي يعود فيتمها إذا ذكر قريبًا عرفًا، لها تقدم (لا إن سلم من رباعية) كظهر (يظنها جمعة، أو فجرًا، أو التراويح) فيبطل فرضه؛ لأنه ترك استصحاب حكم النية، وهو واجب (وتقدم) ذلك (في) باب (النية، فإن طال الفصل) عرفًا بطلت؛ لأنها صلاة واحدة، فلم يجز بناء بعضها على بعض، مع طول الفصل، لتعذر البناء معه. قال في "المغني" و"الشرح": والمقاربة كمثل حاله ﷺ في خبر ذي اليدين، إذ لم يرد بتحديده نص.
(أو أحدث) بطلت؛ لأن استمرار الطهارة شرط، وقد فات.
(أو تكلم لغير مصلحتها) أي الصلاة (كقوله: يا غلام اسقني ونحوه، بطلت) لما روي معاوية بن الحكم أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلحُ فيها شيء من كلامِ الآدميينَ" رواه مسلم، وأبو داود (١)، وقال مكان "لا يصلح": "لا يحل".
стр. 1028
(وإن تكلم) من سلم قبل إتمام صلاته سهوًا (يسيرًا) عرفًا (لمصلحتها) أي الصلاة (لم تبطل) صلاته، إمامًا كان أو مأمومًا، نص عليه في رواية جماعة (١). قال الموفق: إنه الأولى، وصححه في "الشرح"، وهو ظاهر كلام الخرقي، وجزم به في "الإفادات" وقدمه ابن تميم، وابن مفلح في "حواشيه"؛ لأن النَّبيَّ ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وذا اليدين تكلموا وبنوا على صلاتهم (٢)، فعلى هذا: إن أمكنه استصلاح الصلاة بإشارة ونحوها فتكلم، فذكر في "المذهب" وغيره: أنها تبطل صلاته.
وعنه: إن تكلم لمصلحتها سهوًا لم تبطل، وإلا بطلت، قال صاحب "المحرر": وهو أصح عندى؛ لأن النهي عام، وإنما ورد في حال السهو، فيختص به، ويبقى غيره على الأصل (و) قال القاضي علاء الدين المرداوي، المعروف بـ (ــالمنقح: بلى) تبطل صلاته، وإن تكلم يسيرًا لمصلحتها، قال في "الإنصاف": وهي المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، قاله المجد وغيره منهم: أبو بكر الخلال، وأبو بكر عبد العزيز، والقاضي، وأبو الحسين. قال المجد: وهي أظهر الروايات، وصححه الناظم، وجزم به في "الإيضاح"، وقدمه في "الفروع" و"المحرر" و"الفائق". وأجاب القاضي وغيره؛ عن قصة ذي اليدين بأنها كانت حال إباحة الكلام. وضعفه المجد، وغيره؛ لأن الكلام حرم قبل الهجرة عند ابن حبان، وغيره (٣)، أو بعدها بيسير، عند الخطابي وغيره (٤).
(ككلامه في صلبها) أي الصلاة، فتبطل به (ولو) كان (مكرهًا) لأنه أتى
стр. 1029
بما يفسد الصلاة عمدًا؛ ولأن الإكراه نادر.
(لا إن تكلم مغلوبًا على الكلام) بأن خرجت الحروف منه بغير اختياره (مثل إن سلم سهوًا) فلا تبطل صلاته به، وتقدم.
(أو نام فتكلم) لرفع القلم عنه، ولعدم صحة إقراره وعتقه. وقد توقف أحمد (١) عن الجواب عنه.
(أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة لا من القرآن) لأنه لا يمكنه التحرز منه.
(أو غلبه سعال، أو عطاس، أو تثاؤب، فبان حرفان) فلا تبطل صلاته، لما مر.
(و إن قهقه) في الصلاة (بطلت) حكاه ابن المنذر إجماعًا (٢) (ولو لم يبن حرفان) لما روى جابر أن النَّبيَّ ﷺ قال: "القهقهة تنقض الصلاةَ ولا تنقضُ الوضوء" رواه الدارقطني (٣) بإسناد فيه ضعف.
ولأنه تعمد فيها ما ينافيها، أشبه خطاب الآدمي.
стр. 1030
و (لا) تبطل الصلاة (إن تبسم) فيها، وهو قول الأكثر، حكاه ابن المنذر (١).
(وإن نفخ) فبان حرفان، فككلام، لما روى سعيد عن ابن عباس "من نفخ في صلاته فقد تكلم" (٢) وعن أبي هريرة نحوه (٣). لكن قال ابن المنذر (٤): لا يثبت عنهما، وما روي من عدم الإبطال به عن ابن مسعود (٥)، وغيره: الأولى حمله على ما إذا لم ينتظم منه حرفان.
(أو انتحب) أي رفع صوته بالبكاء (لا من خشية الله) فبان حرفان، فككلام لأنه من جنس كلام الآدميين، وظاهره: لا فرق بين ما غلب صاحبه وما لم يغلبه، لكن قال في "المغني" و"النهاية": إنه إذا غلب صاحبه لم يضره، لكونه غير داخل في وسعه، ولم يحكيا فيه خلافًا، قاله في "المبدع".
(أو تنحنح من غير حاجة، فبان حرفان، فككلام) لأنه إذا أبانهما كان متكلمًا أشبه ما لو أنَّ، أو تأوه لغير خشية الله، فبان حرفان. وظاهره: أنه إن تنحنح لحاجة لم تبطل، ولو بان حرفان، نقل المروذي ومهنا عن أحمد (٦): أنه كان يتنحنح في صلاته. ويعضده: ما روى أحمد، وابن ماجه، عن علي
стр. 1031
قال: "كان لي مدخلان من النَّبيِّ ﷺ بالليل والنهار، فإذا دخلت عليه وهو يصلي يتنحنح لي" (١) وللنسائي معناه، ولأنها صوت لا يدل بنفسه، ولا مع لفظ غيره على معنى لكونها حروفًا غير محققة، كصوت أغفل، ولا يسمى فاعلها متكلمًا بخلاف النفخ والتأوه.
"تنبيه" ما ذكره المصنف، وصاحب "المنتهى" ومن وافقهما: كالجمع بين كلام الإمام، والأصحاب، فإن الإمام كان يتنحنح في صلاته كما تقدم، والأصحاب جعلوا النحنحة، كالنفخ والقهقهة، وحملوا ما روي عن الإمام علي أنه لم يأت بحرفين، ورده الموفق بأن ظاهر حاله أنه لم يعتبر ذلك؛ لأن الحاجة تدعو إليها.
(و يكره استدعاء البكاء كـ) ــما يكره استدعاء (الضحك) لئلا يظهر حرفان فتبطل صلاته (ويأتي إذا لحن في الصلاة في) باب (صلاة الجماعة) مفصلًا.
"تتمة" علم مما سبق، أن الكلام المبطل للصلاة: ما انتظم حرفين فصاعدًا؛ لأن الحرفين يكونان كلمة، كأب وأخ، وكذلك الأفعال والحروف، لا تنتظم كلمة من أقل من حرفين، قاله في "الشرح"، ويرد عليه نحو: ق و ع (٢).
стр. 1032
فصل في السجود عن نقص في صلاته
(من نسى ركنًا غير التحريمة) أي تكبيرة الإحرام (لعدم انعقاد الصلاة بتركها) وكذا النية على القول بركنيتها (فذكره بعد شروعه في قراءة) الركعة (التي بعدها) أي بعد المتروك منها الركن (بطلت) الركعة (التي تركه منها فقط) نص عليه (١)؛ لأنه ترك ركنًا ولم يمكنه استدراكه لتلبسه بالركعة التي بعدها، فلغت ركعته، وصارت التي شرع فيها عوضًا عنها، ولا يعيد الاستفتاح، نص عليه في رواية الأثرم (٢). فإن كان الترك من الأولى صارت الثانية أولته، والثالثة ثانيته، والرابعة ثالثته، ويأتي بركعة، وكذا القول في الثانية والثالثة.
وعلم منه: أنه لا يبطل ما مضى من الركعات قبل المتروك ركنها، وقال ابن الزاغوني: بلى، وبعده ابن تميم وغيره.
(فإن رجع) إلى ما تركه (عالمًا عمدًا، بطلت صلاته) لأنه ترك الواجب عمدًا، وإن رجع سهوًا، أو جهلًا لم تبطل صلاته، لكنه لا يعتد بما فعله في الركعة التي تركه منها؛ لأنها فسدت بشروعه في قراءة غيرها، فلم تعد إلى الصحة بحال، ذكره في "الشرح".
(وإن ذكره) أي الركن المنسي (قبله) أي قبل شروعه في قراءة التي بعدها (عاد لزومًا، فأتى به) أي بالمتروك، نص عليه (٣)؛ لكون القيام غير مقصود في
стр. 1033
نفسه؛ لأنه يلزم منه قدر القراءة الواجبة وهي المقصودة، ولأنه أيضًا ذكره في موضعه، كما لو ترك سجدة من الركعة الأخيرة فذكرها قبل السلام، فإنه يأتي بها في الحال (و) أتى (بما بعده نصًا) من الأركان والواجبات، لوجوب الترتيب (فلو ذكر الركوع وقد جلس أتى به وبما بعده) لما تقدم.
(وإن سجد سجدة ثم قام) قبل سجوده الثانية ناسيًا (فإن كان جلس للفصل) بين السجدتين (سجد الثانية ولم يجلس) للفصل، لحصوله في محله (وإلا) أي وإن لم يكن جلس للفصل (جلس) له (ثم سجد) الثانية تداركًا لما فاته.
(وإن كان جلس) بعد السجدة الأولى (للاستراحة لم يجزئه) جلوسه (عن جلسته للفصل، كنيّته بجلوسه نفلًا) فإنه لا يجزئه عن جلسة الفصل لوجوبها.
(فإن لم يعد) إلى الركن المتروك من ذكره قبل شروعه في قراءة الأخرى (عمدًا، بطلت صلاته) لتركه الواجب عمدًا.
(و) إن لم يعد (سهوًا أو جهلًا، بطلت الركعة فقط) لأنه فعل غير متعمد، أشبه ما لو مضى قبل ذكر المتروك، حتى شرع في القراءة.
(فإن علم) بالمتروك (بعد السلام فهو كتركه ركعة كاملة) لأن الركعة التي لغت بترك ركنها غير معتد بها، فوجودها كعدمها، فإذا سلم قبل ذكرها فقد سلم من نقص (يأتي بها) أي بالركعة (مع قرب الفصل عرفًا كما تقدم) ولو انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد، نص عليه (١)، ويسجد له قبل السلام، نقله حرب (٢)، بخلاف ترك الركعة بتمامها، قاله في "المبدع".
стр. 1034
وإن طال الفصل، أو أحدث، بطلت لفوات الموالاة، كما لو ذكره في يوم آخر.
(فإن كان المتروك تشهدًا أخيرًا) أتى به وسجد وسلم.
(أو) كان المتروك (سلامًا أتى به وسجد) للسهو (وسلم) ولم يكن كترك ركعة. وظاهره أو صريحه: أن السجود هنا بعد السلام، مع أنه ليس من المسألتين الآتي استثناؤهما.
(وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات) من كل ركعة سجدة (وذكر في التشهد، سجد في الحال سجدة، فصحت له ركعة ثم أتى بثلاث ركعات، وسجد للسهو وسلم) لأن كل واحدة من الثلاث الأول بطلت بشروعه في قراءة التي بعدها، وبقيت الرابعة ناقصة، فيتمها بسجدة، فتصح، وتصير أولاه، ويأتي بالثلاث الباقية.
(وإن ذكر) أنه ترك أربع سجدات من أربع ركعات (بعد سلامه بطلت صلاته نصًا (١)) لأن الركعة الأخيرة بطلت أيضًا بسلامه فلم يصح له شيء من صلاته يبني عليه.
(وإن ذكر) ذلك (وقد قرأ في الخامسة، فهي أولاه) لأن الأولى بطلت بشروعه في قراءة الثانية، والثانية بطلت بشروعه في قراءة الثالثة، والثالثة بطلت بشروعه في قراءة الرابعة، والرابعة بطلت بشروعه في قراءة الخامسة فيبني عليها (وتشهده قبل سجدتي) الركعة (الأخيرة زيادة فعلية) يجب السجود لسهوها، ويبطل الصلاة عمدها، لأنه ليس محلًا للجلوس.
(و) تشهده (قبل السجدة الثانية زيادة قولية) يسن السجود لها سهوًا، ولا
стр. 1035
يبطل عمدها الصلاة، لأنه ذكر مشروع في الصلاة في الجملة، والجلوس له ليس بزيادة، لأنه بين السجدتين، فهو محل جلوس.
وإن نسي سجدتين، أو ثلاثًا من ركعتين جهلهما، أتى بركعتين، وثلاثًا، أو أربعًا من ثلاث جهلها، أتى بثلاث، وخمسًا من أربع، أو ثلاث أتى بسجدتين، ثم بثلاث ركعات أو بركعتين، ومن الأولى سجدة، ومن الثانية سجدتين (١)، ومن الرابعة سجدة أتى بسجدة ثم بركعتين.
(و إن نسي التشهد الأول وحده) بأن جلس له ولم يتشهد (أو) نسيه (مع الجلوس له ونهض، لزمه الرجوع والإتيان به) أي بما تركه من التشهد جالسًا (ما لم يستتم قائمًا) لما روى المغيرة بن شعبة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا قام أحدكم من الركعتينِ فلم يستتم قائمًا، فليجلسْ، وإذا استتم فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه (٢)، من رواية جابر الجعفي، وقد تكلم فيه. ولأنه أخل بواجب، وذكره قبل الشروع في ركن، فلزمه الإتيان به، كما لو لم تفارق ركبتاه الأرض، وظاهره: أنه يرجع، ولو كان إلى القيام أقرب.
(ويلزم المأموم متابعته) أي الإمام إذا رجع إلى التشهد (ولو بعد قيامهم وشروعهم في القراءة) لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٣) ولا اعتبار بقيامهم قبله.
стр. 1036
(وإن استتم قائمًا، ولم يقرأ) أي لم يشرع في القراءة (فعدم رجوعه أولى) من رجوعه، لما تقدم من حديث المغيرة، وإنما جاز رجوعه لأنه لم يتلبس بركن مقصود؛ لأن القيام ليس بمقصود في نفسه، ولهذا جاز تركه، عند العجز، بخلاف غيره من الأركان.
(ويتابعه) أي الإمام إذا قام سهوًا عن التشهد (المأموم) ويسقط عنه التشهد، والجلوس له إذن، كما تقدم. (ولو علم) المأموم (تركه) أي ترك الإمام التشهد (قبل قيامه) أي المأموم أو الإمام (ولا يتشهد) المأموم بعد قيام إمامه سهوًا، لحديث: "إنما جعل الإمامُ ليؤتم به، فلا تختلِفُوا عليه" (١).
(وإن رجع) الإمام بعد أن استتم قائمًا ولم يقرأ، إلى التشهد (جاز) أي لم يحرم (وكره) خروجًا من خلاف من أوجب المضي لظاهر حديث المغيرة (٢)، وصححه الموفق.
(وإن قرأ) ثم ذكر التشهد (لم يجز له الرجوع) إلى التشهد لحديث المغيرة، ولأنه شرع في ركن مقصود، كما لو شرع في الركوع.
وتبطل صلاة الإمام، إذا رجع بعد شروعه فيها، إلا أن يكون جاهلًا أو ناسيًا، ومتى علم بتحريم ذلك وهو في التشهد، نهض، ولم يتم الجلوس، وكذا حال المأمومين إن تبعوه، وإن سبحوا به قبل أن يعتدل، فلم يرجع تشهدوا لأنفسهم، وتبعوه. وقيل: بل يفارقونه، ويتمون صلاتهم (وعليه السجود لذلك كله) لحديث المغيرة، ولقوله ﷺ : "إذا سها أحدكم فليسجد سجدتين" (٣).
стр. 1037
(وكذا حكم تسبيح الركوع، والسجود، ورب اغفر لي بين السجدتين، وكل واجب تركه سهوًا ثم ذكره، فيرجع إلى تسبيح ركوع قبل اعتداله، لا بعده) ذكره القاضي، قياسًا على القيام من ترك التشهد. قال في "المبدع": وليس مثله؛ لأن التشهد واجب في نفسه، غير متعلق بغيره، بخلاف بقية الواجبات، لأنها تجب في غيرها كالتسبيح انتهى، وحيث جاز رجوعه فعاد إلى الركوع، أدرك المسبوق به الركعة به.
(وإن ترك ركنًا) كالركوع أو الطمأنينة فيه (لا يعلم موضعه) بأن جهل: أهو من الأولى أو غيرها؟ (بنى على الأحوط) ليخرج من العهدة بيقين (فلو ذكر في التشهد أنه ترك سجدة لا يعلم) أهي (من الأولى، أم من الثانية؟ جعلها من) الركعة (الأولى، وأتى بركعة) بدلها.
(وإن ترك سجدتين لا يعلم) أهما (من ركعة أو) من (ركعتين؟) جعلهما من ركعتين احتياطًا، فإن ذكرهما قبل الشروع في القراءة (سجد سجدة، وحصلت له ركعة) ثم يأتي بركعة، ليخرج من العبادة بيقين.
(وإن ذكره) أي المتروك، وهو سجدتان لا يعلم من ركعة، أو من ركعتين (بعد شروعه في قراءة الثالثة لغت الأولتان) لأن الأحوط كونهما من ركعتين، كما تقدم، وكل منهما تبطل بشروعه في قراءة التي بعدها.
(وإن ترك سجدة لا يعلم من أي ركعة، أتى بركعه كاملة) لاحتمال أن تكون من غير الأخيرة.
(ولو جهل عين الركن المتروك) بأن ذكر أنه ترك ركنًا وجهل عينه (بنى على الأحوط أيضًا، فإن شك في القراءة، والركوع) أي شك هل المتروك قراءة، أو ركوع؟ (جعله قراءة) فيأتي بها، ثم بالركوع، للترتيب.
(و إن شك في الركوع والسجود جعله ركوعًا) فيأتي به ثم بالسجود.
стр. 1038
(ف إن ترك آيتين متواليتين من الفاتحة جعلهما من ركعة) عملًا بالظاهر (وإن لم يعلم تواليهما جعلهما من ركعتين) احتياطًا، لئلا يخرج من الصلاة وهو شاك فيها، فيكون مغررًا بها لقوله ﷺ : "لا غرار في الصلاة ولا تسليم" رواه أبو داود (١).
قال الأثرم (٢): سألت أبا عبد الله عن تفسيره فقال: أما أنا فلا أراه يخرج منها إلا على يقين أنها قد تمت.
стр. 1039
فصل: القسم الثالث مما يشرع له سجود السهو الشك في بعض صوره
وقد ذكر بقوله: (من شك في عدد الركعات بنى على اليقين، ولو) كان الشاك (إمامًا) روي عن عمر (١)، وابنه (٢)، وابن عباس (٣)، لما روى أبو سعيد أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلى؟ (٤) فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلمَ" رواه مسلم (٥). وكطهارة، وطواف، ذكره ابن شهاب؛ ولأن الأصل عدم ما شك فيه، وكما لو شك في أصل الصلاة، وسواء تكرر ذلك منه أو لا، قاله في "المستوعب" وغيره.
(وعنه: يبني إمام على غالب ظنه) والمنفرد على اليقين، ذكر في "المقنع": أن هذا ظاهر المذهب، وجزم به في "الكافي" و"الوجيز"، وذكر في "الشرح" أنه المشهور عن أحمد، وأنه اختيار الخرقي، ولأن للإمام من ينبهه ويذكره إذا أخطأ الصواب، بخلاف المنفرد.
(إن كان المأموم أكثر من واحد، وإلا) أي وإن لم يكن المأموم أكثر من واحد (بنى) الإمام (على اليقين) كالمنفرد، لأنه لا يرجع إليه، بدليل (٦) المأموم
стр. 1040
الواحد لا يرجع إلى فعل إمامه.
(اختاره) أي القول بأن الإمام يبني على غالب ظنه (جمع) منهم من سبق بيانه.
(ويأخذ مأموم عند شكه بفعل إمامه، إذا كان المأموم اثنين فأكثر) لأنه يبعد خطأ اثنين وإصابة واحد. قال في "المبدع": وأما المأموم فيتبع إمامه، مع عدم الجزم بخطئه، وإن جزم بخطئه لم يتبعه ولم يسلم قبله.
(و) المأموم (في فعل نفسه يبني على اليقين) لما تقدم (فلو شك) المأموم (هل دخل معه) أي الإمام (في) الركعة (الأولى، أو الثانية؟ جعله) أي الدخول معه (في الثانية) فيقضي ركعة إذا سلم إمامه احتياطًا.
(ولو أدرك) المأموم (الإمام راكعًا ثم شك بعد تكبيره) للإحرام (هل رفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعًا؟ لم يعتد بتلك الركعة) لاحتمال رفعه من الركوع قبل إدراكه فيه.
(وحيث بنى) المصلي (على اليقين فإنه يأتي بما بقي عليه) من صلاته، ليخرج من عهدته (فإن كان مأمومًا أتى بما بعد سلام إمامه) كالمسبوق، ولا يفارقه قبل ذلك لعدم الحاجة إليه (وسجد للسهو) ليجبر ما فعله مع الشك، فإنه نقص في المعنى. (وإن كان المأموم واحدًا) وشك في عدد الركعات ونحوه (لم يقلد إمامه) لاحتمال السهو منه (كما لم يرجع ﷺ لقول ذي اليدين) وحده (ويبني على اليقين) لما تقدم، فإذا سلم إمامه أتى بما شك فيه.
(ولا أثر لشكه) أي المصلي (بعد سلامه، وكذلك سائر العبادات لو شك فيها بعد فراغها) لأن الظاهر أنه أتى لها على الوجه المشروع. وتقدم في الطهارة.
(ومن شك) قبل السلام (في ترك ركن فهو كتركه) ويعمل باليقين؛ لأن
стр. 1041
الأصل عدمه (ولا يسجد لشكه في ترك واجب) لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يسجد بالشك (ولا) يسجد (لشكه هل سها) لأن الأصل عدمه (١).
(أو) شكه (في زيادة) بأن شك في التشهد هل زاد شيئًا أو لا؟ لم يسجد؛ لأن الأصل عدم الزيادة.
(إلا إذا شك فيها وقت فعلها) بأن شك في الأخيرة هل هي زائدة أو لا؟ أو وهو ساجد هل سجوده زائد أو لا؟ فيسجد لذلك، جبرًا للنقص الحاصل فيه بالشك.
(ولا) يسجد (لشكه إذا زال) شكه (وتبين أنه مصيب فيما فعله) إمامًا كان أو غيره لزوال موجب السجود.
(ولو شك) من سها (هل سجد لسهوه أم لا؟ سجد) للسهو، وكفاه سجدتان.
(وليس على المأموم سجود سهو) لحديث ابن عمر يرفعه: "ليس على منْ خلفَ الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه" رواه الدارقطني (٢). وظاهره: ولو كان أتى بما محل سجوده بعد السلام.
(إلا أن يسهو إمامه فيسجد) المأموم (معه) سواء سها المأموم أو لا، حكاه إسحاق، وابن المنذر (٣)، إجماعًا؛ لعموم قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام
стр. 1042
ليؤتم بِه، فإذا سجد فاسجدوا" (١). (ولو لم يتم) المأموم (التشهد، ثم يتمه) بعد سجوده مع إمامه متابعة له. (ولو) كان المأموم (مسبوقًا؛ سواء كان سهو إمامه فيما أدركه) المسبوق (معه أو قبله، وسواء سجد إمامه قبل السلام، أو بعده) لعموم ما تقدم.
(فلو قام) المسبوق لقضاء ما فاته (بعد سلام إمامه، رجع) وجوبًا إن لم يستتم قائمًا، (فسجد معه) لسهوه، وإن استتم قائمًا كره رجوعه (وإن شرع في القراءة لم يرجع) أي حرم رجوعه، كما لو نهض عن التشهد الأول. هذا معنى كلامه في "الشرح".
(وإن أدركه) المسبوق (في إحدى سجدتي السهو الأخيرة سجد معه) السجدة التي أدركه فيها، متابعة له (فإذا سلم) إمامه (أتى) المسبوق (بـ) ــالسجدة (الثانية) من سجدتي السهو، ليوالي بين السجدتين (ثم قضى) المسبوق (صلاته نصًا) (٢) لعموم قوله ﷺ : "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" (٣).
(وإن أدركه) المسبوق (بعد سجود السهو وقبل السلام، لم يسجد) المسبوق لسهو إمامه، لأن سهو الإمام قد انجبر بسجوده قبل دخوله معه، أشبه ما لو لم يَسْهُ.
стр. 1043
(ويسجد مسبوق لسلامه مع إمامه سهوًا) لأنه صار منفردًا بسلام إمامه (و) يسجد مسبوق (لسهوه معه) أي مع إمامه.
(و) يسجد مسبوق لسهوه (فيما انفرد به) رواية واحدة، قاله في "المبدع"، وظاهره: ولو كان سجد مع إمامه لسهوه، كما يعلم مما صوروا به ست تشهدات في المغرب، ويأتي في الجماعة (حتى فيمن فارقه لعذر) أي لو سها الإمام، أو المأموم وهو معه، ثم فارقه لعذر يبيح المفارقة، فإنه يسجد للسهو، لأنه صار منفردًا.
(ولا يعيد) المسبوق (السجود إذا سجد مع إمامه لسهو إمامه) لأنه قد سجد وانجبرت صلاته، وظاهره: ولو كان من سُهي عليه فيما أدرك مع الإمام (١).
(وإن لم يسجد) المسبوق (معه) أي مع إمامه لسهوه لعذر (سجد) المسبوق (آخر الصلاة) وجهًا واحدًا، قاله في "المبدع".
(وإن لم يسجد الإمام) لسهوه (سهوًا، أو عمدًا، لاعتقاده عدم وجوبه، سجد المأموم بعد سلامه والإياس من سجوده) لأن صلاته نقصت بسهو إمامه، فلزمه جبرها، وكما لو انفرد لعذر، ولعموم قوله ﷺ : "فعليه وعلى من خلفه" (٢).
(لكن يسجد المسبوق) الذي لم يسجد إمامه لسهوه (إذا فرغ) من قضاء ما فاته؛ لأن محل سجود السهو آخر الصلاة، وإنما كان يسجد مع الإمام متابعة له.
стр. 1044
وإن ترك الإمام سجود السهو الواجب قبل السلام مع اعتقاده وجوبه عمدًا بطلت صلاة الإمام. قال في "المبدع": وفي صلاتهم روايتان، وفي "الشرح": وجهان. قلت: مقتضى ما تقدم بطلان صلاتهم، وإن كان محله بعد السلام لم تبطل صلاته ولا صلاتهم؛ لما يأتي.
ولما انتهى (١) الكلام على أسباب سجود السهو أخذ يتكلم على أحكامه، وكيفيته، وما يتعلق بذلك فقال:
(وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب) لقوله ﷺ : "ثم ليسجدْ سجدتيْن" (٢) والأصل في الأمر للوجوب (٣)، ودخل فيما يبطل عمده: الزيادة، والنقصان، والشك في صوره المتقدمة (سوى نفس سجود سهو) محله (قبل السلام، فإنها) أي الصلاة (تصح مع سهوه) أي مع تركه سهوًا، كسائر الواجبات (وتبطل الصلاة) (بتركه) أي ترك سجود السهو قبل السلام عمدًا كترك غيره من الواجبات.
(ولا يجب السجود له) أي لا يجب السجود لتركه سهوًا، بل إن ذكره قريبًا أتى به بشرطه الآتي، وإلا سقط، لفوات محله.
(وسوى ما إذا لحن لحنًا يحيل المعنى سهوًا أو جهلًا) فإن عمده يبطل الصلاة، ولا يجب السجود لسهوه، أو فعله جهلًا (قاله المجد) عبد السلام بن تيمية (في شرحه) على الهداية (والمذهب: وجوب السجود) للحن المحيل للمعنى سهوًا، أو جهلًا، كسائر ما يبطل عمده الصلاة.
стр. 1045
(ومحله) أي سجود السهو (ندبًا) قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرين، أي السجود قبل السلام وبعده، وإنما الكلام في الأولى والأفضل، فلا معنى لادِّعاء النسخ، (قبل السلام) لأنه إتمام للصلاة، فكان فيها كسجود صلبها.
(إلا في السلام قبل إتمام صلاته إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر) لحديث عمران بن حصين (١) وذي اليدين (٢)، ولأنه من إتمام الصلاة، فكان قبل السلام كسجود صلبها. وقوله: "عن نقص ركعة فأكثر" تبع فيه صاحب "الخلاف" و"المحرر" وغيرهما حيث قالوا: عن نقص ركعة وإلا قبله (٣)، نص عليه، ولم يقيده به في "المقنع" وغيره. قال في "المبدع": فظاهره لا فرق بين أن يسلم عن نقص ركعة أو أقل. ثم حكى ما تقدم عن "الخلاف"، و"المحرر" وغيرهما.
(و) إلا (فيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه إن قلنا به) وتقدم بيانه (فـ) ــإنه يسجد للسهو (بعده) أي بعد السلام (ندبًا أيضًا) لحديث علي (٤)، وابن مسعود مرفوعًا: "إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصوابَ فليتم
стр. 1046
عليه، ثم ليسجدْ سجدتيْن" متفق عليه (١)، وفي البخاري: "بعد التسليم".
(وإن نسيه) أي سجود السهو (قبل السلام) أتى به بعده، ما لم يطل الفصل، لما روى ابن مسعود أن النَّبيَّ ﷺ "سجد بعد السلامِ والكلامِ" رواه مسلم (٢).
(أو) نسيه (بعده) أي بعد السلام أي عقبه (أتى به ما لم يطل الفصل عرفًا، ولو انحرف عن القبلة، أو تكلم) لما تقدم.
(فلو) نسي سجود السهو. و (شرع (٣) في صلاة) ثم ذكر (قضاه إذا سلم) إن لم يطل الفصل.
(وإن طال الفصل) لم يسجد؛ لأنه لتكميل الصلاة، فلا يأتي به بعد طول الفصل، كركن من أركانها.
(أو خرج من المسجد) لم يسجد؛ لأن المسجد محل الصلاة، فاعتبرت فيه المدة، كخيار المجلس.
(أو أحدث لم يسجد) للسهو، لفوات شرط الصلاة (وصحت) صلاته لأنه جابر للعبادة، كجبرانات الحج، فلم تبطل بفواته.
(ويكفيه لجميع السهو سجدتان، ولو اختلف محلهما) أي محل السهوين؛ لأنه ﷺ "سها فسلمَ، وتكلمَ بعد سلامِهِ، وسجد لهما سجودًا واحدًا" ولأنه شرع للجبر، فكفى فيه سجود واحد، كلما لو كان من جنس، ولأنه
стр. 1047
إنما أخر ليجمع السهو كله.
وأما حديث ثوبان: "لكل سهو سجدتان بعد السلام" (١) فالسهو اسم جنس، ومعناه: لكل صلاة فيها سهو سجدتان يدل عليه قوله "بعد السلام" ولا يلزمه بعد السلام سجودان.
(و) إذا اجتمع سهوان، أحدهما قبل السلام، والآخر بعده فإنه (يغلب ما قبل السلام) على ما بعده؛ لأن ما قبل السلام آكد، ولسبقه.
(وإن شك في محل سجوده) بأن حصل له سهو وشك: هل السجود له قبل السلام أو بعده؟ (سجد قبل السلام) لأنه الأصل.
(ومتى سجد) للسهو (بعد السلام) سواء كان محله قبله أو بعده (كبر، ثم سجد سجدتين) كسجود صلب الصلاة (ثم جلس) مفترشًا في الثنائية، ومتوركًا في غيرها (فتشهد وجوبًا) التشهد الأخير ثم سلم. وهو قول جماعة، منهم ابن مسعود (٢)، لحديث عمران بن حصين "أن النَّبيَّ ﷺ سها، فسجد سجدتين، ثم تشهدَ ثم سلم" رواه أبو داود، والترمذي وحسنه (٣).
ولأنه سجود يسلم له، فكان معه تشهد يعقبه كسجود الصلب (وتقدم)
стр. 1048
بعضه (في الباب قبله).
(وإن سجد قبله) أي قبل السلام (سجد سجدتين بلا تشهد بعدهما) ذكره في "الخلاف" إجماعًا.
(وسجود سهو) كسجود صلب الصلاة (وما يقول فيه) أي في سجود السهو (و) ما يقول (بعد الرفع منه، كسجود صلب الصلاة) لما تقدم في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين: "ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر" (١).
(ومن ترك السجود الواجب) للسهو (عمدًا لا سهوًا بطلت) صلاته (بـ) ــترك (ما) محله (قبل السلام) لأنه ترك الواجب عمدًا كغيره من الواجبات، و (لا) تبطل (بـ) ــترك (ما) محله (بعده) أي بعد السلام (لأنه) جبر للعبادة خارج عنها (منفرد عنها) فلم تبطل بتركه، كجبرانات الحج، ولأنه (واجب لها كالأذان) يعني أنه يفرق بين الواجب في الصلاة والواجب لها؛ لأن الأذان واجب للصلاة كالجماعة، ولا تبطل بتركه، بخلاف الواجبات في الصلاة إذا ترك منها شيئًا.
стр. 1049
باب صلاة التطوع
قال في "الاختيارات" (١): التطوع تكمل به صلاة الفرض يوم القيامة إن لم يكن المصلي أتمها. وفيه حديث مرفوع رواه أحمد في "المسند" (٢)، وكذلك الزكاة، وبقية الأعمال اهـ.
وقال أبو العباس في الرد على الرافضي (٣): جاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلًا كعدمه لم يجبر بالنوافل شيء، والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم، وهو ما أبرأ الذمة. فقولهم: تبطل صلاة وصوم من ترك ركنًا بمعنى وجب القضاء لا بمعنى أنه لا يثاب عليها شيئًا في الآخرة.
стр. 1050
(وهو) أي التطوع في الأصل: فعل الطاعة.
و (شرعًا)، وعرفًا (طاعة غير واجبة) والنفل والنافلة: الزيادة، والتنفل التطوع.
(وأفضله) أي التطوع (الجهاد) قال أحمد (١): لا أعلم شيئًا بعد الفرائض أفضل من الجهاد. ويأتي له مزيد إيضاح في كتاب الجهاد.
(ثم توابعه) أي الجهاد (من نفقة وغيرها، فالنفقة فيه) أي الجهاد (أفضل من النفقة في غيره) من أعمال البر، لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية (٢).
(ثم علم، تعلمه وتعليمه، من حديث، وفقه، ونحوهما) كتفسير، وأصول، لحديث: "فَضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" الحديث، وتقدم في الخطبة (٣).
قال أبو الدرداء: "العالم والمتعلم في الأجر سواء، وسائر الناس همج لا خير فيهم" (٤).
ونقل مهنا (٥): طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته، قيل: فأي شيء تصحيح النية؟ قال: ينوي يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل.
стр. 1051
وقال لأبي داود: شرط النية شديد، حبب إليَّ، فجمعته.
وسأله ابن هانئ (١): يطلب الحديث بقدر ما يظن أنه قد انتفع به؟ قال: العلم لا يعدله شيء.
ونقل ابن منصور (٢): أن تذاكر بعض ليلة أحب إلى أحمد من إحيائها، وأنه العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم، قلت: الصلاة، والصوم، والحج، والطلاق، ونحو هذا؟ قال: نعم.
قال الشيخ تقي الدين (٣): من فعل هذا أو غيره مما هو خير في نفسه، لما فيه من المحبة له، لا لله، ولا لغيره من الشركاء، فليس مذمومًا، بل قد يثاب بأنواع من الثواب، إما بزيادة فيها وفي أمثالها، فيتنعم بذلك في الدنيا.
قال: وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدنيا، أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه، وهو معنى قول بعضهم (٤): "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله"، وقول الآخر (٥): "طلبهم له نية"، يعني نفس طلبه حسن ينفعهم.
стр. 1052
قال أحمد (١): ويجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، قيل له: فكل العلم يقوم به دينه، قال: الفرض الذي يجب عليه في نفسه لا بد له من طلبه، قيل: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله: صلاته، وصيامه، ونحو ذلك. ومراد أحمد: ما يتعين وجوبه، وإن لم يتعين ففرض كفاية، ذكره الأصحاب، فمتى قامت طائفة بعلم لا يتعين وجوبه قامت بفرض كفاية، ثم من تلبس به فنفل في حقه، ووجوبه مع قيام غيره به دعوى تفتقر إلى دليل.
وليحذر العالم ويجتهد، فإن ذنبه أشد، نقل المروذي (٢): العالم يقتدى به، ليس العالم مثل الجاهل. ومعناه لابن المبارك، وغيره (٣).
وقال الفضيل بن عياض (٤): يغفر لسبعين جاهلًا قبل أن يغفر لعالم واحد.
وقال الشيخ تقي الدين (٥): أشد الناس عذابًا يوم القيامة، عالم لم ينفعه الله بعلمه (٦)، فذنبه من جنس ذنب اليهود، والله أعلم.
стр. 1053
وفي آداب عيون المسائل: العلم أفضل الأعمال، وأقرب العلماء إلى الله وأولاهم به: أكثرهم له خشية.
(ثم صلاة) لما روى سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان أن النَّبيَّ ﷺ قال: "استقيمُوا ولن تحصوا، واعلمُوا أن خيرَ أعمالِكم الصلاة" رواه ابن ماجه (١)،
стр. 1054
وإسناده ثقات إلى سالم، قال أحمد (١): سالم لم يلق ثوبان، بينهما شعبان (٢) ابن أبي طلحة، وله طرق فيها ضعف.
ولأن فرضها آكد الفروض، فتطوعها آكد التطوعات، ولأنها تجمع أنواعًا من العبادات: الإخلاص، والقراءة، والركوع، والسجود، ومناجاة الرب، والتوجه إلى القبلة، والتسبيح، والتكبير، والصلاة على النَّبيِّ ﷺ .
(ونص) الإمام (أحمد: أن الطواف لغريب أفضل من الصلاة في المسجد الحرام) نقل حنبل (٣): نرى لمن قدم مكة أن يطوف؛ لأن الطواف أفضل من الصلاة، والصلاة بعد ذلك.
وعن ابن عباس: الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة (٤). وكذا عطاء (٥).
وذلك لأن الصلاة لا تختص بمكان، فيمكن التنفل بها في أي مكان أراد، بخلاف الطواف.
(ثم سائر ما تعدى نفعه من عيادة مريض، وقضاء حاجة مسلم، وإصلاح بين الناس ونحوه) كإبلاغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها إلى ذي سلطان؛ لأن نفعه متعدٍ، أشبه الصدقة.
стр. 1055
وعن أبي الدرداء مرفوعًا: "ألا أُخبركم بأفضل من درجةِ الصلاةِ، والصيامِ، والصدقةِ؟ قالوا: بلى قال: إصلاحُ ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (١) وصححه.
ونقل حنبل: اتباع الجنازة أفضل من الصلاة، ولهذا حمل صاحب "المحرر" وغيره أفضلية الصلاة على النافع القاصر كالحج، وإلا فالمتعدي أفضل (وهو) أي ما تعدى نفعه (متفاوت، فصدقة على قريب محتاج، أفضل من عتق) أجنبي، لأنها صدقة وصلة.
(وعتق أفضل من صدقة على أجنبي) لما فيه من تخليصه من أسر الرق (إلا زمن غلاء وحاجة) فالصدقة حتى على الأجنبي، أفضل من العتق، لمسيس الحاجة إليها.
(ثم حج) لحديث: "الحج جهادُ كلِّ ضعيفٍ" رواه ابن ماجه (٢) وغيره.