- ﷺ : "واجعلنَ في الأخيرة كافورًا"، متفق عليه (١). ولأنه يصلب الجسم، ويبرده، ويطيبه، ويطرد عنه الهوام. (و) أن يجعل في الأخيرة (سدرًا) كسائر الغسلات؛ لما تقدم.
(وغسلُه) أي: الميت (بالماء البارد أفضل) لأن المسخن يرخيه، ولم ترد به السنة. (ولا بأس بغسله بماء حار) إن احتيج إليه لشدة برد؛ أو وسخ لا يزول إلا به. واستحبه ابن حامد؛ لأنه ينقي ما لا ينقي الماء البارد.
(و) لا بأس بـ (ـخِلالٍ) إن احتيج إليه لإزالة وسخ؛ لأن إزالته مطلوبة شرعًا. (والأولى أن يكون) الخلال (من شجرة لينة كالصفصاف) -بالفتح-: الخلاف، بلغة أهل الشام. قاله الأزهري (٢). (ونحوه مما ينقي ولا يجرح) لأنه يؤذي الميت ما يؤذي الحي. (وإن جعل) الغاسل ونحوه (على رأسه) أي: الميت (قطنا، فحسن) لشرفه. (ويزيل) الغاسل (ما بأنفه) أى: الميت (وصماخيه من أذى) تكميلًا لطهارته.
(و) لا بأس بغسله بـ (ـأُشنان إن احتيج إليهن) أي: الماء الحار والخلال والأشنان لوسخ أو نحوه. (وإلا) بأن لم يحتج إليهن (كره في الكل) لأن السنة لم ترد به، ومع عدم الحاجة يكون كالعبث.
(وإن كان الميت شيخًا (٣)، أو به حدب، أو نحو ذلك، وأمكن تمديده بالتليين والماء الحار، فعل ذلك) إزالة للمثلة. (وإن لم يمكن)
стр. 1577
ذلك (إلا بعسف، تركه بحاله) دفعًا لأذاه به.
(فإن كان) الميت (على صفة لا يمكن تركه على النعش إلا على وجه يشتهر بالمثلة، ترك في تابوت، أو) ترك في النعش (تحت مِكَبَّة كما يصنع بالمرأة) سترًا لذلك (ويأتي في فصل الحمل) أي: حمل الميت.
(ولا بأس بغسله في حمام) نص عليه (١) في رواية مهنا، وكالحي. لكن إن كان الماء حارًا، كره بلا حاجة.
(و) لا بأس (بمخاطبته) أي: الغاسل (له) أي: للميت (حال غسله، بنحو (٢): انقلب يرحمك الله) لقول الفضل وهو محتضن النبي ﷺ : "أرحْنى، أرحْنى، فقد قطعتَ وَتِيني، إني أجدُ شيئًا يتنزل) (٣) عليَّ" (٤). وقال علي لما لم يجد من النبي ما يجده من سائر الموتى: "يا رسول اللهِ، طبتَ حيًا وميتًا" (٥).
стр. 1578
(ولا يغتسل غاسله) أي: الميت (بفضل ماء سخن له، فإن لم يجد غيره، تركه حتى يبرد) قاله أحمد (١)، ذكره الخلال (٢).
(ويقص شارب غير مُحرِم، ويُقلِّم أظفاره إن طالا، ويأخذ شعر إبطيه) لأن ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو، أشبه إزالة الأوساخ والأدران، ويعضد ذلك العمومات في سنن الفطرة. (ويجعل ذلك) أى: ما أخذ من الشارب والأظفار وشعر الإبطين (معه) أي: الميت (كعضو ساقط) لما روى أحمد في "مسائل صالح"، عن أم عطية قالت: "تغسل رأس الميتةِ، فما سقط من شعرها في أيديهم غسلوه،
стр. 1579
ثم ردُّوهُ في رأسها" (١)؛ ولأن دفن الشعر والظفر مستحب في حق الحي، ففي حق الميت أولى. (ويعاد غسله) أي: غسل ما أخذ من الميت، من شعر شارب، وأظفار، وشعر إبط؛ لقول أم عطية فيما تقدم: "غسلوهُ ثم ردوه. . . " إلى آخره، و (لأنه جزء منه) أي: الميت (كعضو) من أعضائه. (والمراد: يُستحبُّ) إعادة غسل المأخوذ. قال في "الفروع": للاكتفاء بغسله أولًا.
(وإن كان الميت مقطوع الرأس، أو) كانت (أعضاؤه مقطعة، لُفِّق بعضها إلى بعض بالتقميط والطين الحر، حنى لا يتبين تشويهه. فإن فقد منها) أي: أعضاء الميت (شيء، لم يجعل له شكل من طين ولا غيره) لأنه تصوير.
(وإن كان في أسنانه شيء) منها (يتحرك، وخيف سقوطه، تُرك) بحاله (ولم يُنزع، ونص (٢): أنه يربط بذهب) كالحي. (فإن سقط) شيء من أسنان الميت (لم يربط به) أي: بالذهب؛ لعدم الحاجة إليه، وجعل مع الميت -كما تقدم- (ويؤخذ) أي: ما على سنه من ذهب كان ربط به (إن لم يسقط) سنه بسبب ذلك، وإلا ترك حتى يبلى.
(ويَحرم حَلْق شعر عانته) لما فيه من لمس عورته، وربما احتاج
стр. 1580
إلى نظرها وهو مُحرَّم، فلا يرتكب من أجل مندوب. (و) يحرم حلق شعر (رأسه) لأن ذلك إنما يكون لزينة أو نسك، والميت لا نسك عليه ولا يزين.
(و) يحرم (ختنه) إن كان أقلف؛ لأنه قطع لبعض عضو من الميت؛ ولأن التعبد بذلك قد زال؛ ولأن المقصود من الختان التطهير من النجاسة، وقد زال ذلك بموته.
(ولا يسرح شعره، قال القاضي: يكره) لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه. وروي عن عائشة: "أنها مرت بقوم يسرحونَ شعر ميتٍ، فنهتهمْ عن ذلك، وقالت: علامَ تنصُون ميتكمَ؟ " (١). أي: لا تسرحوا رأسه بالمشط؛ لأنه يقطع الشعر وينتفه.
(ويُبقى عظم نجس جُبر به) الميت قبل موته (مع مُثْلَةٍ) وتقدم في اجتناب النجاسة (٢).
(وتزال (٣) اللصوق) -بفتح اللام-: ما يُلصق على الجرح من الدواء، ثم أطلق على الخرقة ونحوها إذا شدت على العضو للتداوي، قاله في "الحاشية" (لغسل واجب، فيغسل ما تحتها)
стр. 1581
ليحصل تعميم البدن بالغسل، وكالحي. (فإن خيف من قلعها مُثْلَة) بأن خيف سقوط شيء من الميت بإزالتها ونحوه (مسح عليها) كجبيرة الحي.
(ولا يُبقى خاتم ونحوه) كخلخال (ولو ببرده، كحلقة في أذن امرأة) لأن في ترك ذلك معه إضاعة للمال من غير غرض صحيح. و (لا) يزال عنه (أنف ذهب) لما في إزالته من المثلة، (ويأتي آخر الباب) (١).
ويُسن ضفر شعر المرأة ثلاثة قرون، أي: ضفائر قرنيها وناصيتها، ويسدل خلفها) لقول أم عطية: "فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها" رواه البخاري (٢). (قيل لـ) لإمام (أحمد في العروس: تموت فتُجلى؟ فأنكره شديدًا (٣)) لأنه بدعة، خصوصًا مع ما ينضم إليه في هذه الأزمنة.
(فإذا فرغ) الغاسل (من غسله، نشَّفه بثوب ندبًا) لأنه هكذا فعل بالنبي ﷺ (٤)؛ لئلا يبتل كفنه، فيفسد به. (ولا يتنجس ما نُشف به)
стр. 1582
الميت من ثوب أو نحوه (لعدم نجاسته بالموت)، لحديث: "سبحانَ اللهِ! المؤمنُ (١) لا ينجُسُ" (٢).
(ومُحرِم ميتٌ كهو) أي: كمحرم (حيّ) لبقاء إحرامه (فيُجنّب) المحرم الميت (ما يجنب) المحرم (في حياته؛ لبقاء الإحرام، لكن لا يجب الفداء على الفاعل به ما يوجب الفدية لو فعله حيًّا) فلو ألبسه أحد المخيط، أو طيبه، أو حلق رأسه، لم تلزمه الفدية.
(ويُستر) المحرم (على نعشه بشيء) كغيره (ويكفن في ثوبيه نصًّا) (٣) لما في "الصحيحين" من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال في محرم مات: "اغسلوه بماء وسدرٍ، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوهُ، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يومَ القيامة ملبيًا" (٤). وللنسائي: "ولا تمسوهُ بطيب؛ فإنهُ يبعث يومَ القيامةِ محرمًا" (٥).
(وتجوز الزيادة) على ثوبيه إذا كفن (كبقية كفن حلال) فى ثلاث لفائف (فيغسل بماء وسدر، ولا يُلبس ذكر المخيط، ويغطى وجهه ورجلاه وسائر بدنه، لا رأسه، ولا وجه أنثى ولا يقرب طيبًا) لحديث ابن عباس.
стр. 1583
(ولا تمنع منه) أي: الطيب (معتدة ماتت) لأن منعها منه حال الحياة؛ لأنه يدعو إلى نكاحها، وقد فات ذلك بموتها.
(و لا يوقف) المحرم (بعرفة إن مات قبله، ولا يطاف به) بدليل المحرم الذي مات مع النبي ﷺ ؛ ولأنه لا يحس بذلك كما لو جنَّ.
فصل
(ويَحرم غسل شهيد المعركة المقتول بأيديهم) جزم به أبو المعالي، وحكي رواية (١)؛ لأنه أثر الشهادة والعبادة، وهو حي. قال في "التبصرة": لا يجوز غسله، وكلام الموفق وغيره يحتمل الكراهة والتحريم، ذكره في "الإنصاف"، وقال في "مجمع البحرين": لم أقف بتصريح لأصحابنا هل غسل الشهيد حرام، أو مكروه؟ فيحتمل الحرمة؛ لمخالفة الأمر. وقطع في "التنقيح" بأنه يكره، وتبعه في "المنتهى"، مع قولهما: ويجب بقاء دم شهيد عليه. (ولو) كان شهيد المعركة (غير مكلف، أو) كان (غالًّا) كتم من الغنيمة شيئًا (رجلًا) كان (أو امرأة) لعموم حديث جابر: أن النبي ﷺ أمر بدفن قتلى أحدٍ في دمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصلِّ عليهم. رواه البخاري (٢)، ولأحمد معناه (٣). وقد كان في شهداء أحد حارثة بن
стр. 1584
النعمان وهو صغير، قاله في "الشرح" (١).
لا يقال: إن ذلك خاص بهم؛ لأن النبي ﷺ علل ذلك بعلة توجد في سائر الشهداء، قال: "والذي نفسي بيده لا يُكْلَمُ أحد في سبيل الله -والله أعلمُ بمن يُكلَم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللونُ لونُ الدم، والريح ريحُ المسكِ". متفق عليه (٢) من حديث أبي هريرة. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣)، والحي لا يغسل.
وسمي شهيدًا؛ لأنه حيٌّ، وقيل: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل غير ذلك.
(إلا أن يكون) الشهيد (جنبًا) قبل أن يقتل، فيغسل؛ لما روى ابن إسحاق في "المغازي" عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، أن النبي ﷺ قال: "إن صاحبكم لتغسله الملائكةُ. يعني حنظلة، قالوا لأهله: ما شأنه؟ فقالت: خرجَ وهو جنبٌ حينَ سمعَ الهائعةَ، فقال النبي ﷺ : لذلكَ غسلتهُ الملائكةُ" (٤)، وفي "الكافي": إنه رواه
стр. 1585
أبو داود الطيالسي (١).
(أو) يكون (حائضًا أو نفساء طهرتا) أي: انقطع دمهما (أو لا، فيغسل غسلًا واحدًا) لما تقدم في الجنب؛ ولأنه غسل واجب لغير الموت، فلم يسقط، كغسل الجنابة.
(وإن أسلم) شخص ذكرًا كان أو أنثى (ثم استُشهد قبل غسل الإسلام، لم يغسل) للإسلام؛ لأن أصرم بن عبد الأشهل أسلم يوم أحد، ثم قتل، فلم يأمر بغسله (٢). قطع به في "المغني" و"الشرح"، وصححه ابن تميم، والشيخ تقي الدين، وقدمه في "الرعاية الكبرى" و"المبدع". وقدم في "الفروع" و"الإنصاف"، وهو ظاهر "الوجيز": يجب كالجنب والحائض. قال في "الفروع": ولا فرق بينهم، وجزم به فى "المنتهى".
(وإن قُتل) شهيدًا (وعليه حدث أصغر، لم يوضأ) لأن الوضوء
стр. 1586
تابع للغسل، وقد سقط.
(وتغسل نجاسته) أي: الشهيد، كالحى. (ويجب بقاء دم) شهيد (لا نجاسة (١) معه) لما تقدم من أمره ﷺ بدفن قتلى أحد في دمائهم (٢). (فإن لم تزل) النجاسة (إلا بالدم، غُسِلا) أي: الدم والنجاسة؛ لأن درء المفاسد -ومنه غسل النجاسة- مقدم على جلب المصالح، ومنه بقاء دم الشهيد عليه.
(وينزع عنه السلاح والجلود، و) منها (نحو فروة وخُفٍّ. ويجب دفنه في ثيابه التي قتل فيها) لحديث ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ أمرَ بقتلى أُحد أن ينزعَ عنهم الحديدُ والجلودُ، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم". رواه أبو داود وابن ماجه (٣)، ولأنه أثر العبادة. (وظاهره
стр. 1587
ولو كانت حريرًا) قال في "المبدع": ولعله غير مراد (فلا يزاد فيها) أي: في ثياب الشهيد (ولا ينقص) منها (ولو لم يحصل المسنون) بها، لنقصها أو زيادتها، وذكر القاضي في تخريجه: أنه لا بأس بهما، وأجاب القاضي عما روي: "أن صفية أرسلتْ إلى النبيِّ ﷺ ثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما، وكفَّنَ في الآخر رجلًا آخر" (١): بأنه يحتمل أن ثيابه سلبت، أو أنهما ضما إلى ما كان عليه. وقد روى في "المعتمد" ما يدل عليه، ذكره في "المبدع".
стр. 1588
(فإن كان) الشهيد (قد سُلِبها) أي: الثياب (كفن بغيرها) وجوبًا، كغيره.
(ويستحب دفنه) أي: الشهيد (في مصرعه) الذي قتل فيه، وتقدم (١).
(وإن سقط من شاهق) أي: مكان مرتفع، كجبل ونحوه، لا بفعل العدو فمات (أو) سقط عن (دابة لا بفعل العدو) فمات (أو رفسته) دابة (فمات، أو مات) في دار الحرب (حتف أنفه، أو عاد سهمه عليه) فقتله (أو) عاد (سيفه) عليه فقتله (أو وُجِدَ ميتًا، ولا أثر به، أو حُمل بعد جرحه، فأكل أو شرب، أو نام أو بال، أو تكلم، أو عطس، أو طال بقاؤه عرفًا، غُسِّل، وصُلي عليه وجوبًا).
أما من مات بغير فعل العدو؛ فلعدم مباشرتهم قتله وتسببهم فيه، فأشبه من مات بمرض.
وأما من وُجِدَ ميتًا ولا أثر به؛ فلأن الأصل وجوب الغسل والصلاة، فلا يسقط يقين ذلك بالشك في مسقطه، فإن كان به أثر، لم يغسل ولم يصلَّ عليه، زاد أبو المعالي: لا دمٌ من أنفه أو دبره أو ذكره؛ لأنه معتاد. قال القاضي وغيره: اعتبرنا الأثر هنا احتياطًا للغسل، ولم نعتبره في القسامة، احتياطًا لوجوب الدم.
وأما من حُمل بعد جرحه، فأكل ونحوه؛ فإنه يغسل؛ لتغسيله ﷺ سعد بن معاذ (٢)؛ ولأن ذلك لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة،
стр. 1589
والأصل وجوب الغسل والصلاة.
ومعنى قوله: حتف أنفه. أي بغير سبب يفضي إلى الموت من جرح أو ضرب أو غيره.
(ومن قُتل مظلومًا، حتى من قتله الكفار صبرًا في غير حرب (١)، أُلحق بشهيد المعركة) في أنه لا يغسل ولا يصلى عليه؛ لقول سعيد بن زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيدٌ، ومن قُتل دون ماله فهو شهيدٌ، ومن قتل دون أهله فهو شهيدٌ". رواه أبو داود والترمذي وصححه (٢). ولأنهم
стр. 1590
مقتولون بغير حق، أشبهوا قتلى الكفار، فلا يغسلون.
(تتمة): قال ابن تميم: من قتله المسلمون أو الكفار خطأ، يغسل رواية واحدة.
(والشهداء غير شهيد (١) المعركة) وهو من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال (بضعةٌ وعشرون) شهيدًا:
(المطعون) أي: الميت بالطاعون (والمبطون، والغريق، والشريق، والحريق، وصاحب الهدم) أي: من مات بانهدام شيء عليه، كمن ألقي عليه حائط ونحوه؛ لقوله ﷺ : "الشهداء خمسة: المطعونُ، والمبطونُ، والغريقُ، وصاحبُ الهدمِ، والشهيدُ في سبيل الله" (٢) قال الترمذي (٣): حسن صحيح.
(و) صاحب (ذات الجَنْب، و) صاحب (السِّلِّ) بكسر السين (وصاحب اللَّقوة) -بفتح اللام-: داء في الوجه (والصابر في الطاعون، والمتردي من رؤوس الجبال) إن لم يكن بفعل الكفار، فإن كان كذلك، فمن شهداء المعركة.
(ومن مات في سبيل الله) تعالى، ومنه من مات في الحج، كما
стр. 1591
تقدم عن صاحب "الفروع"، ومن مات في طلب العلم، كما تقدم أيضًا عنه.
(ومن طلب الشهادة بنية صادقة، وموت المرابط، وأمناء الله في الأرض) وهم العلماء (والمجنون، والنفساء، واللديغ، ومن قُتل دون ماله، أو أهله، أو دينه، أو دمه، أو مظلِمته) بكسر اللام (وفريس السبع، ومن خرَّ عن دابته، ومن أغربها موتُ الغريب) لما رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف، والدارقطني وصححه عن ابن عباس مرفوعًا: "موت الغريب شهادةٌ" (١).
(وأغرب منه) ما ذكره أبو المعالي بن المنجى وبعض الشافعية (١): (العاشق إذا عفَّ وكتم)، وأشاروا إلى الخبر المرفوع: "منْ عشقَ وعفَّ وكتمَ فماتَ، ماتَ شهيدًا". وهذا الخبر مذكور في ترجمة سويد بن سعيد فيما أنكر عليه، قاله ابن عدي والبيهقي (٢).
стр. 1594
(ذكر تعدادهم في "غاية المطلب") وعبارته: والشهيد -غير شهيد المعركة- بضعة عشرة: المطعون، والمبطون، والغريق، والشريق، والحريق، وصاحب الهدم، وذات الجَنْب، والمجنون، والنفساء، واللديغ، ومن قتل دون ماله أو أهله أو دينه أو دمه أو مظلمته، وفريس السبع، ومن خرَّ عن دابته، ومن أغربها موت الغريب، وأغرب منه العاشق إذا عفَّ وكتم. انتهى. فلم يستوعب ما ذكره المصنف.
(و كل شهيد غسِّل، صُلِّي عليه وجوبًا، ومن لا) يغسل (فلا) يُصلَّى عليه، ذكره في "المبدع" المذهب (١).
(والشهيد بغير قتل كغريق ونحوه مما تقدم ذكره) غير من استثني (يُغسل ويُصلَّى عليه) لأنه ليس بشهيد معركة ولا ملحقًا به.
(وإذا وُلِد السِّقط لأكثر من أربعة أشهر) أي: لأربعة أشهر
стр. 1595
فأكثر، (غُسل وصلي عليه)، نص عليه في رواية حرب وصالح (١)؛ لقوله ﷺ : "والسقْطُ يُصلَّى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمةِ" رواه أحمد وأبو داود (٢)، ورواه النسائي والترمذي وصححه، ولفظهما: "والطفلُ يصلَّى عليه" (٣)، واحتج به
стр. 1596
أحمد (١)؛ ولأنه نسمة نفخ فيها الروح (ولو لم يستهل) أي: يصوت عند الولادة؛ لعموم ما سبق.
(ويُستحبُّ تسميته، ولو وُلِد قبل أربعة أشهر) لأنه يُبعث في ظاهر كلام أحمد (٢)، فيُسمى، ليُدعى يوم القيامة باسمه.
(وإن جُهل أذكر أم أنثى؟ سُمي بصالح لهما، كطلحة وهبة الله) قاله الشيخ تقي الدين، وكثير من الفقهاء.
(ولو كان السقط من كافرين، فإن حكم بإسلامه) كما لو مات أحد أبويه بدارنا (فكمسلم) يغسل ويُصلى عليه، إذا وُلد لأربعة أشهر فأكثر (وإلا) أي: وإن لم يحكم بإسلامه (فلا) يغسل ولا يُصلى عليه؛ لأنه كافر.
(ويُصلَّى على طفل) من كافرين (حكم بإسلامه) لموت أحد أبويه بدار الإسلام أو سبيه منفردًا عنهما، أو عن أحدهما ونحوه. وكذا مجنون حكم بإسلامه بشيء مما سبق.
(ومن تعذر غسله لعدم ماء، أو عذرٍ غيره) كالحرق والجذام والتبضيع (٣)، (يُمِّمَ) لأن غسل الميت طهارة على البدن، فقام التيمم عند العجز عنه مقامه، كالجنابة. (وكُفِّن) بعد التيمم (وصُلي عليه) كغيره.
(وإن تعذر غسل بعضه) غسل ما أمكن منه، و (يُمِّمَ له) أي: لما
стр. 1597
تعذر غسله كالجنابة. (وأن أمكن صب الماء عليه بلا عرك، صُبَّ عليه) الماء بحيث يعمُّ بدنه (وترك عركه) لتعذره وتقدم أنه لا يجب الفعل، وإن لم يكن عذر.
(ثم إن يُمِّمَ) الميت (لعدم الماء وصلي عليه، ثم وُجد الماء قبل دفنه، وجب غسله) لإمكانه، وتعاد الصلاة عليه، ولو كانت بتيمم، والأولى بوضوء، وتقدم.
(وإن وجد) الماءُ (فيها) أي: في الصلاة على الميت وقد يُمِّمَ. (بطلت الصلاة) فيغسل، ثم يُصلَّى عليه، كالحي يجد الماء.
(ويلزم الوارث قَبول ماءٍ وُهِب للميت) ليغسل به؛ لأن المِنة فيه يسيرة و (لا) يلزمه قَبول (ثمنه) هبة؛ للمنة، كالحي.
(ويجب على الغاسل ستر قبيح رآه) لأن في إظهاره إذاعة للفاحشة. وفي الخبر مرفوعًا: "ليغسل موتاكم المأمونونَ" رواه ابن ماجه (١). وعن عائشة مرفوعًا: "من غسل ميتًا وأدى فيه الأمانة، ولم
стр. 1598
يُفْشِ عيبه، خرجَ من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه" رواه أحمد من رواية جابر الجعفي (١).
стр. 1599
(كطبيب) أى: كما يجب على الطبيب أن لا يحدث بشرٍّ؛ لما فيه من الإفضاح.
(ويُستحبُّ) للغاسل (إظهاره) أي: ما رآه من الميت (إن كان حسنًا) ليُترحَّم عليه. (قال جمع محققون: إلا على مشهور ببدعة مضلة، أو قِلَّة دين، أو فجور ونحوه) ككذب (فيستحب إظهار شره وستر خيره) ليرتدع نظيره.
ويحرم سوء الظن بالله، وبمسلم ظاهرِ العدالة، قاله القاضي وغيره. ويجب حسن الظن بالله تعالى، ويُستحب ظن الخير بالمسلم، ولا ينبغي تحقق ظنه في ريبة، ولا حرج بظن السوء بمن ظاهره الشر.
وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إياكم والظن، فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث" (١) محمول على الظن المجرد الذي لم تعضده قرينة تدل على صدقه.
وحديث: "احترسوا من الناسِ بسوءِ الظن" (٢) المراد به الاحتراس بحفظ المال، كغلق الباب خوف السُّرَّاق، هذا معنى كلام القاضي.
стр. 1600
ونرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.
(ولا نشهد) بجنة أو نار (إلا لمن شهد له النبي ﷺ ) قال الشيخ تقي الدين (١): أو اتفقت الأمة على الثناء أو الإساءة عليه. قال في "الفروع": ولعل مراده الأكثر، وأنه الأكثر ديانة، وظاهر كلامه: ولو لم تكن أفعال الميت موافقة لقولهم، وإلا لم تكن علامة مستقلة. انتهى. و من جُهل إسلامه، ووجد عليه علامة المسلمين، وجب غسله والصلاة عليه، ولو كان أقلف بدارنا، لا بدار حرب (٢)، ولا علامة، نص على ذلك (٣). ونقل علي بن سعيد (٤): يستدل بثياب وختان (٥).
стр. 1601
فصل في الكفن
وتقدم أن تكفينه فرض كفاية؛ لقوله ﷺ في المحرم: "كفنوه في ثوبيه" (١).
(يجب كفن الميت في ماله) لما تقدم من الخبر؛ ولأن حاجة الميت مقدمة في ماله على ورثته، بدليل قضاء دينه.
(و) تجب (مؤنة تجهيزه) -أي الميت- بمعروف، قياسًا على الكفن (غير حنوط وطيب) كماء ورد وعود للكفن؛ فإنه مستحب غير واجب، كحال الحياة. (ويأتي) ذلك. وقوله: في ماله -أي الميت- متعلق بـ"يجب"؛ لما تقدم (لحق الله تعالى، وحق الميت) فلا يسقط لو أوصى أن لا يكفن؛ لما فيه من حق الله (ذكرًا كان) الميت (أو أنثي) أو خنثي صغيرًا كان أو كبيرًا، حرًا كان أو عبدًا (ثوب) بدل من "كفن"، أو خبر لمحذوف تقديره: والواجب ثوب (واحد يستر جميع البدن) لأن العورة المغلظة يجزئ في سترها ثوب واحد، فكفن الميت أولى.
(فلو وصَّى بأقلَّ منه) أي: مما يستر جميع البدن (لم تُسمع وصيته) لتضمنها إسقاط حقِّ الله تعالى.
(ويشترط أن لا يصف البشرة) لأنَّ ما يصفها غير ساتر، فوجوده كعدمه.
(ويجب) أن يكفن في (ملبوس مثله في الجُمع والأعياد) لأمر
стр. 1602
الشارع بتحسينه، رواه أحمد ومسلم (١) (ما لم يوصِ بدونه) فتتبع وصيته؛ لإسقاطه حقه مما زاد.
(مقدَّمًا هو) أي: الكفن (ومؤنة تجهيزه على دين، ولو بِرَهْن وأرش جناية) ولو كانت متعلقة برقبة الجاني (ووصية وميراث، وغيرهما) لأن المفلس يقدم بالكسوة على الدين، فكذا الميت، وإذا قُدِّم على الدين، فعلى غيره أولى. (ولا ينتقل إلى الورثة (٢) من مال الميت إلا ما فضل عن حاجته الأصلية) من كفن ومؤنة تجهيز وقضاء دين، ولو لله تعالى؛ لقوله ﷺ : "كفنوه في ثوبيه" (٣).
(وإن أوصى) أن يكفن (في أثواب ثمينة لا تليق به، لم تصح) الوصية؛ لأنها بمكروه.
(والجديد أفضل من العتيق) لما تقدم من أمر الشارع بتحسينه (ما لم يوص بغيره) أي: غير الجديد فيمتثل؛ لما روي عن الصديق أنه قال: "كفنوني في ثَوبىَّ هذين؛ فإن الحيَّ أحوج إلى الجديد من الميت، وإنهما للمهنة (٤) والترابِ" رواه البخارى (٥) بمعناه.
стр. 1603
(ولا بأس باستعداد الكفن لحلٍّ أو لعبادة فيه. قيل لأحمد: يصلي فيه، أو يحرم فيه، ثم يغسله ويضعه لكفنه؟ فرآه حسنًا (١)) لما فيه من أثر العبادة والاستعداد للموت.
(ويجب كفن الرقيق) ذكرًا كان أو أنثى (على مالكه) كنفقته حال الحياة.
(فإن لم يكن للميت مال) بأن لم يخلف شيئًا، أو تلف قبل أن يجهز (٢) (فعلى من تلزمه نفقته) لأن ذلك يلزمه حال الحياة، فكذلك بعد الموت (وكذلك دفنه) أو (٣) مؤنته (وما لابد للميت منه) كحمله وسائر تجهيزه (إلا الزوج) فإنه لا يلزمه كفن امرأته، ولا مؤنة تجهيزها، نص عليه (٤)؛ لأن النفقة والكسوة وجبت (٥) في النكاح للتمكين من الاستمتاع -ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة- وقد انقطع ذلك بالموت، فأشبهت الأجنبية، وفارقت الرقيق؛ فإن نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع؛ ولهذا تجب نفقة الآبق وفطرته. فتكفن الزوجة من مالها إن كان، وإلا فعلى من يلزمه نفقتها لو لم تكن مزوَّجة، من قريب ومولى.
(ثم) إن لم يكن للميت مال ولا من تلزمه نفقته، وجب كفنه ومؤنه تجهيزه (من بيت المال، إن كان) الميت (مسلمًا) كنفقته إذن،
стр. 1604
قال أبو المعالي: وإن كفن من بيت المال فثوب، وفي الزائد للكمال وجهان. ويتوجه ثوب من الوقف على الأكفان، قاله في "الفروع" و"المبدع". وخرج الكافر ولو ذميًا، فلا يكفن من بيت المال؛ لأن الذمة إنما أوجت عصمتهم فلا نؤذيهم، لا لإرفاق بهم (١).
(ثم) إن لم يكن بيت مال، أو كان وتعذَّر الأخذ منه، فكفنه ومؤنة تجهيزه (على مسلم عالم به) أي: بالميت (٢)، كنفقة الحي وكسوته.
(ويكره) التكفين (في رقيق يحكي هيئة البدن) لرقته، ولو لم يصف البشرة. نص عليه (٣). كما يكره للحي لبسه.
(ويكره التكفين -أيضًا- (بشعر وصوف مع القدرة على غيره) لأنه خلاف فعل السلف.
(و) يكره التكفين (بمزعفر ومعصفر، ولو لامرأة حتى المنقوش، قطنًا كان أو غيره) لأنه غير لائق بحال الميت.
(ويحرم بجلود) لأمر النبي ﷺ "بنزع الجلود عن الشهداء، وأن يدفنوا في ثيابهم" (٤).
(و) يحرم -أيضًا- بـ (ـحرير ومذهَّب) ومفضَّض (ولو لامرأة) لأنه إنما أبيح لها في حال الحياة؛ لأنها محلُّ الزينة والشهوة، وقد زال ذلك بموتها (و) لو لـ (ـصبي) كما يحرم عليه حال الحياة وأولى.
стр. 1605
(ويجوز) التكفين (فيهما) أي: في الحرير والمذهب (ضرورة) أي: عند عدم غيرهما لوجوب ستره (ويكون) الكفن إذن (ثوبًا واحدًا) يستر جميعه؛ لاندفاع الضرورة به.
(فإن لم يجد) من يلي الميت (ما يستر) الميت (جميعه، ستَرَ العورة) لتقدمها على سائر جسده (ثم) إن بقي شيء، سترَ به (رأسه وما يليه وجُعل على باقيه حشيش أو ورق) لما روي "أن مصعبًا قُتل يومَ أحدِ فلم يوجدْ له شيء يكفنُ فيه إلا نمرة، فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاهُ، وإذا وضعتْ على رجليه خرجَ رأسه، فأمرَ النبي ﷺ أن تُغطَّى رأسه، ويجعل على رجليه الإذخر". رواه البخاري (١).
(فإن لم يوجد إلا ثوب واحد، ووُجِدَ جماعة من الأموات، جمع في الثوب ما يمكن جمعه) من الأموات (فيه) لخبر أنس في قتلى أُحد (٢). وقال ابن تميم: قال شيخنا يقسم بينهم ويستر عورة كل
стр. 1606
واحد، ولا يجمعون فيه.
(وأفضل الأكفان البياض) لقوله ﷺ : "وكفنوا فيه موتاكم" (١). (وأفضله القطن.
ويُستحبُّ تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض من قطن) لحديث عائشة قالت: "كُفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سَحولية جدد يمانية، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، أُدرج فيها إدراجًا" متفق عليه (٢)، زاد مسلم في رواية: "وأما الحلة فاشتبه على الناس فيها أنها اشتريتْ ليكفنَ فيها، فتركت الحلةُ، وكفن في ثلاثةِ أثواب بيض سَحولية". قال أحمد (٣): أصحُّ الأحاديث في كفن النبيِّ ﷺ حديث عائشة؛ لأنها أعلم من غيرها. وقال الترمذي (٤): قد روي في كفن
стр. 1607
النبي ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصحُّ الروايات التي رويت في كفنه. قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم.
(و) يكون (أحسنها) أي: اللفائف (أعلاها؛ ليظهر للناس كعادة الحي) في جعله أحسن ثيابه أعلاها.
(وتكره (١) الزيادة) على الثلاث، قاله في "المستوعب" و"الشرح" وغيرهما؛ لما فيه من إضاعة المال المنهي عنها، وصحح ابن تميم، وقدَّمه في "الفروع": أنه لا يكره، بل في سبعة أثواب. ذكره في "المبدع".
(و) يكره (تعميمه) صوَّبه في "تصحيح الفروع".
(ويكفن صغير في ثوب) واحد (ويجوز) تكفين الصغير (في ثلاثة) ثياب (وإن ورثه) أي: الصغير (غير مكلف) من صغير ومجنون (لم تجز (٢) الزيادة على ثوب لأنه تبرع، قاله المجد) وجزم بمعناه في "المنتهى".
(وقال) أبو الوفاء علي (بن عقيل: ومن أخرج فوق العادة، فأكثر الطيب والحوائج، وأعطى المقربين بين يدي الجنازة، وأعطى الحمَّالين، والحفار زيادة على العادة، على طريق المروءة، لا بقَدْرِ الواجب، فمتبرع) إن كان من ماله (فإن كان من التركة، فمن نصيبه. انتهى)
وكذا ما يُعطى لمن يرفع صوته مع الجنازة بالذِّكر ونحوه، وما يصرف في طعام (٣) ونحوه ليالي جمع، وما يصنع في أيامها من البدع
стр. 1608
المستحدثة خصوصًا إذا كان في الورثة قاصر أو يتيم.
(وتُكفَّن الصغيرة إلى بلوغ في قميص ولفافتين) لعدم حاجتها إلى خِمار في حياتها (وخنثى كأنثى) احتياطًا.
(فيبسط) من يكفن الرجل الميت (بعض اللفائف) الثلاث (فوق بعض) ليوضع الميت عليها مرة واحدة، ولا يحتاج إلى حمله، ووضعه على واحد بعد واحدة (ويجمرها بالعود) أو نحوه، أوصى به أبو سعيد (١) وابن عمر (٢) وابن عباس (٣)؛ ولأن هذا عادة الحي (بعد رشها
стр. 1609
بماء ورد أو غيره؛ ليعلق به) رائحة البخور، إن لم يكن الميت مُحْرمًا.
(ثم يوضع) الميت (عليها) أي: اللفائف (مستلقيًا) لأنه أمكن لإدراجه فيها، والأولى أن يستر بثوب في حال حمله، وأن يوضع متوجهًا، (ويجعل الحنوط، وهو أخلاط من طيب) يعدُّ للميت خاصة (فيما بينها (١)) أي: يذرُّ بين اللفائف و (لا) يجعل من الحنوط (على ظهر) اللفافة (العليا) لكراهة عمر (٢) وابنه (٣) وأبي هريرة (٤) ذلك.
(ولا) يوضع (على الثوب الذي) يجعل (على النعش) شيء من الحنوط، نص عليه (٥)؛ لأنه ليس من الكفن.
(ويجعل منه) أي: الحنوط (في قطن يجعل) ذلك القطن (بين أليتيه) برفق، ويكثر ذلك ليرد ما يخرج عند تحريكه (ويشد فوقه) أي: القطن (خرقة مشقوقة الطرف كالتبان) وهو السراويل بلا أكمام (تجمع أليتيه ومثانته) ليردَّ ذلك ما يخرج، ويخفي ما يظهر من الروائح.
стр. 1610
(وكذلك) يصنع (١) (في الجراح النافذة) لما ذكر (ويجعل الباقي) من القطن المحنط (على منافذ وجهه) كعينيه وفمه وأنفه، ويلحق بذلك أذناه (و) على (مواضع سجوده) كجبهته وأنفه ويديه وركبتيه، وأطراف قدميه، تشريفًا لها لكونها مختصة بالسجود (و) على (مغابنه) كطي ركبتيه، وتحت إبطه، وكذا سرته؛ لأن ابن عمر كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك (٢).
(ويطيب رأسه ولحيته) ولم يذكر ذلك في "المنتهى" وغيره (وإنْ طيَّب) من يليه (ولو بمسك بغير ورس وزعفران سائرَ بدنه غير داخل عينيه كان حسنًا) لأنّ أنسًا طُلي بالمسك (٣)، وطلى ابنُ عمر ميتًا
стр. 1611
بالمسك (١).
(ويكره) أن يطيب (داخل عينيه) نص عليه (٢)؛ لأنه يفسدهما.
(و) يكره أن يطيب (بورس وزعفران) لأنه ربما ظهر لونه على الكفن؛ ولأنه يستعمل غذاء وزينة، ولا يعتاد التطيب به.
(ويكره طليه) أي: الميت (بصبِر) بكسر الموحدة وتسكن في ضرورة الشعر (ليمسكه. و) يكره طليه أيضًا (بغيره) أي: غير الصبر مما يمسكه (ما لم ينقل) أي: ما لم يرد نقل الميت من مكان إلى آخر، فيباح ذلك للحاجة؛ لكن إنما يباح النقل لحاجة بلا مفسدة، بأن لا يخشى تفسخه أو تغيره (قاله المجد) عبد السلام بن تيمية، وجزم بمعناه في "المنتهى" وغيره.
(والطيب والحنوط غير واجبين، بل مستحبان) كحال الحياة وتقدم.
(ثم يردُّ طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، ثم) يرد (طرفها الأيمن على) شقه (الأيسر) لأنه عادة لبس الحي في قباء ورداء ونحوهما.
(ثم) يرد (الثانية) من اللفائف (والثالثة) منها (كذلك) أي: كالأولى؛ لأنهما في معناها (ويجعل ما عند رأسه) أي: الميت من
стр. 1612
فاضل الكفن (أكثر مما عند رجليه لشرفه) ولأنه أحق بالستر من رجليه (و) يجعل (الفاضل عن وجهه ورجليه عليهما) يعني يعيد الفاضل على وجهه ورجليه (بعد جمعه) ليصير الكفن كالكيس، فلا ينتشر.
(ثم يعقدها) أي: اللفائف (إن خاف انتشارها، ثم تحلُّ العقد في القبر) لقول ابن مسعود: "إذا أدخلتم الميتَ اللحد فحلُّوا العقدَ" رواه الأثرم (١) (زاد أبو المعالي وغيره: ولو نسي) الملحد أن يحلها نبش ولو كان (بعد تسوية التراب قريبًا؛ لأنه) أي: حلُّها (سنة) فيجوز النبش لأجله، كإفراده عمن دفن معه (ولا يحل الإزار) في القبر إذا كفن في إزار وقميص ولفافة. نص عليه (٢).
(ولا يخرق الكفن) لأنه إفساد له وتقبيح، مع الأمر بتحسينه. قال أبو الوفاء: (ولو خيف نبشه) قال في "المبدع" وغيره: وهو ظاهر كلام غيره. وجوزه أبو المعالي. إن خيف نبشه (وكرهه) أي: تخريق الكفن الإمام (أحمد (٣)) لما تقدم.
(وإن كفِّن في قميص) كقميص الحي (بكمين ودخاريص (٤)، و)
стр. 1613
في (إزار ولفافة، جاز من غير كراهة. وظاهره: ولو لم تتعذر اللفائف ويجعل المئزر مما يلي جسده) لأنه ﷺ : "ألبس عبدَ اللهِ بن أُبي قميصه لما مات" رواه البخاري (١) وعن عمرو بن العاص: "أن الميت يؤزر ويقمص ويلف بالثالثةِ (٢) " (٣) وهذا عادة الحي (ولا يزرُّ عليه) أي: الميت (القميص) لأنه لا يسن للحي زرُّه فوقَ إزار؛ لعدم الحاجة.
(و يدفن في مقبرة مُسَبَّلة بقول بعض الورثة ؛ لأنه لا منّة) لجريان العادة بذلك (وعكسه الكفن والمؤنة) أي: مؤنة التجهيز، فلا يصرف ذلك من مسبَّل بقول بعض الورثة؛ لما فيه من المنة (ولو بذله بعض الورثة من نفسه لم يلزم بقيتهم قَبولُه) لما في ذلك من المنَّة عليهم وعلى الميت. وكذلك إن تبرَّع أجنبي بتكفين، فأبى الورثة أو بعضهم (لكن ليس للبقية) أي: بقية الورثة إذا تبرَّع به أحدهم (نقله) أي: الميت (و) لا (سلبه من كفنه) الذي تبرَّع به أحدهم (بعد دفنه) لأنه ليس في تبقيته إسقاط حق لأحد (بخلاف مبادرته) أي: بعض الورثة
стр. 1614
(إلى ملك الميت) ودفنه فيه، فإنه ينقل بطلب باقيهم (لانتقاله) أي: الملك (إليهم) وفي إبقائه إسقاط لحقهم من التصرف فيه (لكن يكره لهم) نقله؛ لما فيه من هتك حرمته.
(ويُسنُّ تكفين امرأة في خمسة أثواب بيض) من قطن (إزار وخِمار ثم قميص وهو الدرع، ثم لفافتين) استحبابًا؛ لما روى أحمد وأبو داود -وفيه ضعف- عن ليلى الثقفية، قالت: "كنت فيمنْ غسلَ أمَّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، فكان أول مَا أعْطَانَا الحِقاء ثم الدِّرع، ثم الخِمار، ثم المِلْحَفَة، ثم أدرجتْ بعد ذلك في الثوب الآخر" (١). قال
стр. 1615
أحمد: الحِقاء: الإزار، والدرع: القميص (١). قال في "المبدع": فعلى هذا تؤزر بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمر بمقنعة، ثم تلف باللفافتين (ونصه (٢) -وجزم به جماعة-) منهم الخرقي وأبو بكر، وصاحب "المحرر": أن الخامسة (خرقة تشدُّ بها فخذاها، ثم مئزر، ثم قميص، ثم خِمار، ثم لِفافة. ولا بأس أن تنقب) ذكره ابن تميم وابن حمدان.
(وتسن تغطية نعش) لما فيه من المبالغة في ستر الميت وصيانته (بأبيض) لأنه خير الألوان. (ويكره) أن يغطى نعش (بغيره) أي: غير أبيض، ويحرم بحرير ومنسوج بذهب أو فضة.
(وإن مات مسافر، كفَّنه رفيقه من ماله، فإن تعذر) تكفينه من ماله (فمنه) أي: فإنه يكفنه من مال نفسه (ويأخذه من تركته) إن كانت (أو) يأخذه (ممن تلزمه نفقته) غير الزوج (إنّ نوى الرجوع) لأنه قام بواجب، فإن لم ينوِ الرجوع، فمتبرع (ولا حاكم، فإن وجد حاكم