(ويُسنّ تفريق وصيته) لما فيه من تعجيل الأجر. واقتضى ذلك تقديم الدين مطلقًا على الوصية؛ لقول علي: "قضى رسول الله ﷺ بالدين قبل الوصية" (١). وأما تقديمها في الآية؛ فلأنها لما أشبهت
стр. 1542
الميراث في كونها بلا عوض، كان في إخراجها مشقة على الوارث، فقُدّمت حثًّا على إخراجها. قال الزمخشري (١): ولذلك جيء بكلمة: "أو" التي تقتضي التسوية، أي: فيستويان في الاهتمام وعدم التضييع، وإن كان مقدمًا عليها.
(كل ذلك) أي: قضاء الدين، وإبراء ذمته، وتفريق وصيته (قبل الصلاة عليه) لأنه لا ولاية لأحد على ذلك إلا بعد الموت والتجهيز. وفي "الرعاية": قبل غسله. و"المستوعب": قبل دفنه، ويؤيد ما ذكره المصنف ما كان في صدر الإسلام من عدم صلاته ﷺ على من عليه دين، ويقول: "صلوا على صاحبكم" (٢) إلى آخره، كما يأتي في
стр. 1543
الخصائص (١).
(فإن تعذَّر إيفاء دينه في الحال) لغيبة المال ونحوها (استُحبَّ لوارثه، أو غيره أن يتكفَّل به عنه) لربه، بأن يضمنه عنه، أو يدفع به رهنًا؛ لما فيه من الأخذ في أسباب براءة ذمته، وإلا، فلا تبرأ قبل وفائه، كما يأتي.
(ويُسنُّ الإسراع في تجهيزه) لقوله ﷺ : "لا ينبغي لجيفةِ مسلمٍ أن تُحبس ببن ظهراني أهلهِ" رواه أبو داود (٢)، ولأنه أصون له، وأحفظ من التغير. قال أحمد: كرامة الميت تعجيله (٣) (إن مات غير فجأة)
стр. 1544
وتُيقن موتهُ.
(ولا بأس أن ينتظر به من يحضُره من وَليّ) أي (١): وارث، (وكثرة جَمْعٍ إن كان قريبًا، ما لم يخشَ عليه) أي: الميت (أو يشقّ على الحاضرين) نص عليه (٢)؛ لما يؤمل من الدعاء له إذا صُلِّي عليه (وفي موت فجأة) أي: بغتة (بصعقة، أو هدم، أو خوف من حرب أو سَبُع، أو تردٍّ من جبل، أو غير ذلك، وفيما إذا شكَّ في موته حتى يُعلم) موته يقينًا (بانخساف صُدغيه، وميل أنفه) وذكر جماعة: (وانفصال كفيه، وارتخاء رجليه، وغيبوبة سواد عينيه في البالغين، وهو أقواها) لأن هذه العلامات دالة على الموت يقينًا. زاد في "الشرح" و"الرعاية": وامتداد جلدة وجهه.
ووجه تأخيره إذا مات فجأة أو شُكَّ في موته (لاحتمال أن يكون عَرَض له سكتة) مرض معروف (ونحوها، وقد يُفيق بعد ثلاثة أيام بلياليها. و) قد (يعرف موت غيره) أي: غير من مات فجأة، أو شُكَّ في موته (بهذه العلامات -أيضًا- وبغيرها (٣)) كتقلُّص خصيتيه إلى فوق، مع تدلي الجلدة.
(ويُكره النعي، وهو النداء بموته) نص عليه (٤). ونقل صالح: لا يعجبني؛ لحديث: "إياكم والنعي، فإن النعي من عملِ الجاهلية"، رواه الترمذي (٥) عن ابن مسعود مرفوعًا.
стр. 1545
والنعي المعروف في مصر تفعله النساء بدعة محرمة، كما يُعلم مما يأتي.
(ولا بأس أن يُعلم به أقاربه، وإخوانه، من غير نداء) لإعلامه ﷺ أصحابه بالنجاشي في اليوم الذي مات فيه، متفق عليه (١) من حديث أبي هريرة. وفيه كثرة المصلين، فيحصل لهم ثواب ونفع للميت.
(قال الآجري فيمن مات عشية: يُكره تركه في بيت وحده، بل يبيت معه أهله) قال النخعي: كانوا لا يتركونه في بيت وحده، يقولون: يتلاعب به الشيطان.
"تتمة": قال أحمد: قال النبي ﷺ : "المؤمن يموت بعرقِ الجبينِ"، ورواه النسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه، من حديث
стр. 1546
بُريدة (١).
(و لا بأس بتقبيله، والنظر إليه) ممن يباح له ذلك منه حال حياته (ولو بعد تكفينه) نص عليه (٢)؛ لحديث عائشة قالت: "رأيت رسول الله ﷺ يقبِّل عثمانَ بن مظعون وهو ميتٌ، حتَّى رأيتُ الدموعَ تسيلُ" (٣). وقال جابر: "لما قُتلَ أبي جعلتُ أكشفُ الثوبَ عن وجهه
стр. 1547
وأبكي، والنبيُّ ﷺ لا ينهاني" (١). قال في "الشرح": والحديثان صحيحان.
فائدة: عرض الأديان على العبد عند الموت ليس عامًا لكل أحد، ولا منفيًا عن كل أحد، بل من النَّاس من تعرض عليه الأديان، ومنهم من لا تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا، والشيطان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم وقت الموت. ذكره في "الاختيارات" (٢).
стр. 1548
فصل في غسل الميت وما يتعلق به
(غسل الميت المسلم، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه متوجهًا إلى القبلة، وحمله فرض كفاية) لقوله ﷺ في الذي وَقَصَتْه راحلتُه: "اغسلوهُ بماءِ وسدرٍ وكفِّنوهُ في ثوبيه"، متفق عليه (١) من حديث ابن عباس. وقال ﷺ : "صلوا على من قال: لا إلهَ إلَّا الله"، رواه الخلَّال والدارقطني، وضعّف ابن الجوزي طرقه كلها (٢).
стр. 1549
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (١)، ولأن في تركه أذى للناس، وهتكًا لحرمته، وحمله وسيلة لدفنه، وصرح في "المذهب" باستحبابه. وأمَّا اتباعه فسنة، ويأتي؛ لخبر البراء (٢).
(ويُكره أخذ أجرة على شيء من ذلك) يعني الغسل والتكفين والحمل والدفن. قال في "المبدع": كره أحمد للغاسل والحفار أخذ أجرة على عمله، إلا أن يكون محتاجًا، فيُعطى من بيت المال، فإن تعذَّر، أُعطي بقدر عمله. (ويأتي) في الإجارة أن ما يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، لا يجوز أخذ الأجرة عليه، بل ولا الرزق، ولا
стр. 1550
الجعالة على ما لا يتعدى نفعه، كالصلاة والصيام والحج.
(فلو دُفن قبل الغسل مَن أمكن غسلُه، لزم نبشُه)، وأن يُخرج ويغسل؛ تداركًا لواجب غسله (إن لم يُخَفْ تفسخه، أو تغيره) فإن خيف ذلك، ترك بحاله، وسقط غسله، كالحي يتضرر به.
قلت: وهل يُيَمَّمُ، كما لو تعذر غسله قبل دفنه، أو لا ينبش بالكلية؟ لم أر من تعرض له.
(ومثله) أي: مثل من دُفن بلا غسل أمكن (من دفن غير متوجه إلى القبلة) فينبش، ويُوجه إليها؛ تداركًا لذلك الواجب.
(أو) دفن (قبل الصَّلاة عليه) فينبش، ويُصلَّى عليه؛ ليوجد شرط الصَّلاة، وهو عدم الحائل. وقال ابن شهاب والقاضي: لا ينبش، ويصلى على القبر، وهو مذهب الأئمة الثلاثة (١)؛ لإمكانها عليه (أو) دفن (قبل تكفينه) فيخرج ويكفن، نص عليه (٢)، كما لو دُفن بغير غسل؛ استدراكًا للواجب، وهو التكفين، ويُصلَّى عليه، ولو كان قد صُلي عليه؛ لعدم سقوط الفرض بالصلاة عليه عريانًا؛ لما روى سعيد، عن شريح بن عبيد الحضرمي، "أن رجالًا قبروا صاحبًا لهمْ لم يغسلوهُ، ولم يجدوا له كفنًا، ثم لقوا معاذَ بن جبل، فأخبروه، فأمرهم أن يخرجوه، فأخرجوه من قبرهِ، ثم غُسِّل وكُفنَ وحُنّط، وصُلِّي عليه" (٣).
стр. 1551
(ولو كُفّن بحرير، فـ) ـهل ينبش؟ فيه وجهان. قال في "الإنصاف": (الأَوْلى عدم نبشه) احترامًا له.
(ويجوز نبشه لغرض صحيح، كتحسين كفنه) لحديث جابر قال: "أتى النَّبيُّ ﷺ عبدَ الله بن أُبَيٍّ بعدما دفن، فأخرجه، فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه"، رواه الشيخان (١). (و) كـ (ـدفنه في بقعة خير من بقعته) التي دُفن فيها، فيجوز نبشه لذلك (و) لـ (ـمجاورة صالح) لتعود عليه بركته (٢) (إلا الشهيد) إذا دُفن بمصرعه، فلا ينقل عنه لغيره (حتَّى لو نُقل) منه (رُدَّ إليه (٣)) ندبًا (لأن دفنه في مصرعه) أي: المكان الذي قتل به (سُنَّة) لقوله ﷺ : "تدفن الأجسادُ حيثُ تقبضُ الأرواح" (٤)، فإنَّه محمول على الشهداء؛ لأنَّ السنة في غيرهم دفنهم في الصحراء؛ لفعله ﷺ بعثمان بن مظعون وغيره (٥)، (ويأتي)
стр. 1552
ذلك موضَّحًا.
(وحَمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة مكروه) لما نُقل عن عائشة أنَّه "لما مات عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرِ بالحبش (١) -وهو مكان بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلًا ونُقل إلى مكة، أتت قبره، وقالت: والله لو حضرتك، ما دفنتك إلَّا حيثُ متَّ، ولو شهدتك، ما زرتكَ"، رواه التِّرمذيُّ (٢)، وهو محمول على أنها لم تَرَ غرضًا صحيحًا في نقله، أو أنَّه تأذى به. فإن كان لغرض صحيح، فلا كراهة؛ لما في "الموطأ" عن مالك، أنَّه سمع غير واحد يقول: "إن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة ودفنا بها" (٣). وقال سفيان بن عيينة: مات ابن عمر هاهنا، وأوصى أن لا
стр. 1553
يدفن هاهنا، وأن يدفن بسَرِفٍ، ذكره ابن المنذر (١).
(ويجوز نبشه) أي: الميت (إذا دُفن لعذر بلا غسل ولا حنوط) فيغسل، ويحنط؛ لأنَّه غرض صحيح. (وكإفراده في قبر عمَّن دفن معه) أي: يجوز نبشه لذلك؛ لقول جابر: "دُفن مع أبي رجلٌ، فلم تطبْ نفسي حتى أخرجته، فجعلته في قبر على حدةٍ" (٢)، وفي رواية: "كان أبي أول قتيل -يعني: يومَ أُحد- فدفن معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستةِ أشهرٍ، فإذا هو كيوم وضعته غيرَ أذنهِ" (٣)، رواهما البخاري.
(و الحائض والجنب إذا ماتا، كغيرهما في الغسل، يسقط غُسلُهما بغسل الموت) لتداخل الموجبات كما تقدم، فيما إذا اجتمعت أحداث توجب وضوءًا أو غسلًا، ونوي أحدها، ارتفع سائرها. وفي كلامه تلويح بالرد على "التنقيح"، حيث قال: وغسله فرض كفاية، فيتعين مع جنابة أو حيض، ويسقطان به، وحمله
стр. 1554
صاحب "المنتهى" على أنَّه ينتقل إلى ثواب فرض العين إذن؛ لأنَّ الغسل تعين على الميت قبل موته، ثم مات وهو في ذمته، فالذي يتولى غسله ينوب منابه في ذلك، فيكون ثوابه كثوابه.
(ويُشترط له) أي: لغسل الميت (ماء طهور) مباح، كغسل الحي.
(و) يشترط له أيضًا (إسلام غاسل) لأنَّه عبادة، وليس الكافر من أهلها.
(ونيته) لحديث: "إنَّما الأعمال بالنياتِ" (١).
(وعقله) لأنَّ غير العاقل ليس أهلًا للنية.
(ويُستحبُّ أن يكون) الغاسل (ثقة، أمينًا، عارفًا بأحكام الغسل). ونقل حنبل (٢): لا ينبغي إلَّا ذلك. وأوجبه أبو المعالي (ولو) كان الغاسل (جنبًا وحائضًا) لأنَّ كلًّا منهما يصح منه الغسل لنفسه، فكذا لغيره (من غير كراهة) هو ظاهر "المنتهى" وغيره، حيث لم يذكروها، لكن تقدم (٣) أنَّه يكره أن يقرباه.
(وإن حضره) أي: الميت (مسلم) عاقل، ولو مميزًا (ونوى غسله، وأمر كافرًا بمباشرة غسله، فغسله) الكافر (نائبًا عنه) أي: عن المسلمِ (فظاهر كلام) الإمام (أحمد (٤) لا يصح) غسله له؛ لأنَّ الكافر نجس، فلا يُطهِّر غسله المسلم (وقدم في "الفروع" الصحة)
стр. 1555
وجزم بمعناه في "المنتهى" وغيره. قال في "شرح المنتهى": صح غسله في أصح الوجهين، كَمُحْدِثٍ نوى رفع حديثه، وأمر كافرًا بغسل أعضائه.
(ويجوز أن يغسل حلال محرمًا، وعكسه) بأن يغسل محرم حلالًا؛ لأن الماء والسدر لا يحرم بالإحرام. (لكن لا يكفنه) أي: لا يكفن المحرمُ الحلال (لأجل الطيب، إن كان) في الكفن طيب؛ لأنَّه يحرم على المحرم.
(ويُكره) الغسل من مميز؛ لما فيه من الاختلاف في إجزائه. (ويصح) غسل الميت (من مميز) لصحة غسله لنفسه. قال في "الفروع": فدل أنه لا يكفي من الملائكة، وهو ظاهر كلام الأكثر. وفي "الانتصار": ويكفي إن علم، وكذا في "تعليق القاضي"، واحتج بغسلهم لحنظلة (١)، وبغسلهم لآدم
стр. 1556
عليه السلام (١) وبأن سعدًا لما مات أسرع النبي ﷺ في المشي إليه،
стр. 1557
فقيل له؟ فقال: "خشيتُ أن تسبقنا الملائكة إلى غسله، كما سبقتنا إلى غسل حنظلة" (١). قال في "الفروع": ويتوجه في مسلمي الجن كذلك، وأَولى لتكليفهم.
(و أَولى الناس بغسل الميت وصيُّه إن كان عدلًا) لأنه حق للميت، فقدم فيه وصيه على غيره، كباقي حقوقه؛ ولأن أبا بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء (٢)، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين (٣).
стр. 1558
(ثم أبوه) لحنوِّه وشفقته ثم جدُّه (وإن علا) لمشاركته الأب في المعنى (ثم ابنه، وإن نزل) لقربه (ثم الأقرب فالأقرب من عَصَبَاته نسبًا) فيقدم الأخ لأبوين، ثم لأب ثم ابن الأخ لأبوين، ثم لأب، ثم عم لأبوين، ثم لأب، وهكذا.
(ثم) عصباته (نعمة) فيقدم المعتق، ثم عصبته الأقرب فالأقرب.
(ثم ذوو أرحامه) كالأخ لأم، والجدّ لها، والعم لها، وابن الأخت، ونحوهم (كميراث.
ثم الأجانب، ويُقدَّم الأصدقاء منهم) قاله بعضهم. قال في "الفروع": فيتوجه منه تقديم الجار على أجنبي.
(ثم غيرهم) أى: غير الأصدقاء (الأدين الأعرف) فيقدم على غيره؛ لتلك الفضيلة. قال ﷺ : "لِيَلِهِ أقربُكم إن كان يعلم، فإنْ لم يكن يعلم؛ فمَنْ تَرَون عنده حظًا من ورع وأمانة"، رواه أحمد (١) (الأحرار في الجميع) من عصبات النسب، والولاء، وذوي الأرحام، والأجانب.
(والأجانب أَولى من زوجة) للخروج من الخلاف في تغسيل أحد
стр. 1559
الزوجين الآخر. (وهي) أي الزوجية (أَولى من أم ولد) لبقاء علق الزوجية من الاعتداد، والإحداد، بخلاف أم الولد. (وأجنبيةٌ) بغسل امرأة (أولى من زوج) خروجًا من خلاف من منعه غسلها. (و) أجنبيةٌ أولى بغسل أَمَة من (سيد) للخروج من خلاف من لم يبح له غسلها.
(والسيد أحق بغسل عبده) لأنه مالكه ووليه (ويأتي.
ولا حق للقاتل في غسل المقتول -إن لم يرثه- عمدًا كان القتل، أو خطأ) لمبالغته في قطيعة الرحم، نقل في "الفروع" معناه عن أبي المعالي، قال: ولم أجد من ذكره غيره، ولا يتجه في قتل لا يأثم به. ولهذا قال في "المنتهى": وليس لآثم بقتل حقٌّ في غسل مقتول.
(ولا في الصلاة) عليه، (و) لا في (الدفن) لما سبق.
(وغسل المرأة أحق الناس به بعد وصيتها -على ما سبق- أُمُّها، وإن علت، ثم بنتها وإن نزلت، ثم القربى فالقربي كميراث. ويُقدّم منهن من يقدم من الرجال) فتقدم الأخت الشقيقة على الأخت لأب، كما في الرجال (وعمتها وخالتها سواء، كبنت أخيها، وبنت أختها). لاستوائهما في القرابة والمحرمية.
(ثم الأجنبيات) بعد ذوات الرحم، كما في الرجال.
(ولكل واحد من الزوجين -إن لم تكن الزوجة ذِمّية- غسل صاحبه، ولو) كان الموت (قبل الدخول، ولو وضعت) الزوجة (عقب موته) أي: موت زوجها (أو) كان الموت (بعد طلاق رجعي، ما لم تتزوج) المرأة التي وضعت عقب موت زوجها، فلا تغسله؛ لأنها بالتزوج صارت صالحة لأن تغسل الثاني لو مات، ولا يجوز أن تكون
стр. 1560
غاسلة لزوجين في وقت واحد. والأصل في تغسيل كل من الزوجين الآخر ما تقدم من وصية أبي بكر بأن تغسله زوجتُه أسماء، فغسلته (١). وغسَّل أبو موسى زوجته أم عبد الله (٢). ذكرهما أحمد (٣). وقول عائشة: "لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ، ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤُه". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه (٤). وأوصى جابر بن زيد أن تغسله امرأته (٥)، وأوصى عبد الرحمن بن الأسود امرأته أن تغسله (٦)، رواهما سعيد في "سننه".
стр. 1561
وقوله: "إن لم تكن الزوجة ذِمية" احتراز عما لو كانت كذلك، فلا تغسله؛ لأنها ليست أهلًا لغسله كما تقدم.
و (لا) تغسل (مَن أبانها، ولو في مرض موته) المخوف فرارًا؛ لانقطاع الزوجية، وإنما ورثت؛ تغليظًا عليه بقصده حرمانها.
(ويَنظر من غسَّل منهما) أي: الزوجين (صاحبه، غير العورة). قال في "الفروع": وفاقًا لجمهور العلماء (١)، وجوَّزه في "الانتصار" وغيره بلا لذة، واللمس، والخلوة، ويتوجه أنه ظاهر كلام أحمد (٢)، وظاهر كلام ابن شهاب، واختلف كلام القاضي في نظر الفرج، فتارة أجازه بلا لذة، وتارة منعه.
(وسيد وأمته -وطئها أَوْ لا- وأم ولده، كالزوجين) فلكل منهما أن يغسل الآخر، وينظر إلى غير العورة.
(ويغسِّل) السيد (مكاتبته، ولو لم يشترط وطأها) لأنه يلزمه كفنها، ومؤنة تجهيزها، ودفنها. (وتغسله) أي: تغسل المكاتبة سيدها (إن شرَطه) أي: وطْأها، لإباحتها له (وإلا) أي: وإن لم يشترط وطء مكاتبته (فلا) يباح لها أن تغسله؛ لحرمتها عليه من قبل الموت.
(ولا يُغسِّل) سيدٌ (أَمَته المزوَّجة، ولا) أَمَته (المعتدّة من زوج) تبع المصنف في ذلك صاحب "الفروع"، واستشكله في "الإنصاف"، وقال في "تصحيح الفروع" -ومعناه أيضًا في "الإنصاف"-: الذي
стр. 1562
يظهر أن هذه المسألة من تتمة كلام أبي المعالي، وإلا كيف يقال: لا يغسل السيد أَمَته المزوجة والمعتدة من زوج، ثم يحكي خلافًا في الأولوية، فيما إذا اجتمع زوج وسيد؟ إلى أن قال: فيقال: الصحيح من المذهب صحة غسل السيد لأَمَته المعتدة والمزوجة، وهو الذي قدمه المصنف. وأبو المعالي يقول: لا يغسلهما، قال: وإن لم نحمله على هذا، يحصل التناقض.
(ولا) يغسل السيد (المعتَقَ بعضُها) لحرمتها عليه قبل موتها، ومثلها المشتركة. (ولا) يغسل (من هي في استبراءٍ واجب) بناء على أنه لا يغسل المعتدة؛ لأنها في معناها.
(ولا تغسله) أي: لا تغسل الأَمَةُ المزوِّجة، أو المعتدةُ من زوج، أو المعتق بعضها، أو مَنْ هي في استبراء واجب سيدَها، وفيه -في غير المعتَق بعضها- ما تقدم.
(وإن مات له أقارب) أو موالٍ الأَوْلى بهم غيرُه (دفعة واحدة، بهدم ونحوه) كغرق وطاعون (ولم يمكن تجهيزهم دفعة واحدة، استحب أن يبدأ بالأخوف فالأخوف) لئلا يفسد بتأخيره. (فإن استووا) في الخوف، أو عدمه (بدأ بالأب، ثم بالابن، ثم بالأقرب فالأقرب، فإن استووا كالإخوة والأعمام) المستوين (قدم أفضلهم، ثم أسنَّهم، ثم) إن استووا في جميع ذلك، فالتقديم (بقُرْعة) أي: يقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة قدم؛ لعدم المرجح سواها.
(ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين) من ذكر وأنثى؛ لأنه لا حكم لعورته، بدليل: أن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسله
стр. 1563
النساء (١). (ولو) كان دون السبع سنين (بلحظة. و) لكل منهما (مس عورته، ونظرها) لأنه لا حكم لها. قال ابن المنذر (٢): أجمع كل من نحفظ عنه أن المرأة تغسل الصبي الصغير، فتغسله مجردًا من غير سترة، وتمس عورته، وتنظر إليها.
(وليس له) أي: الرجل (غسل ابنة سبع) سنين (فأكثر، ولو) كان (مَحْرَمًا) لها، كأبيها، وابنها، وأخيها؛ لأنها محل للشهوة، ويحرم النظر إلى عورتها المغلظة، أشبهت البالغة.
(ولا لها) أي: وليس للمرأة (غسل ابن سبع) سنين (ولو) كان (مَحْرَمًا) لها؛ لما تقدم (غير من تقدم فيهما) من تغسيل الرجل لزوجته، وأمته، وتغسيلهما له.
(وإن مات رجل بين نسوة لا رجل معهن) ممن لا يباح لهن غسله، بأن لم يكنَّ زوجاته ولا إماءه، يُمِّم بحائل. (أو عكسه) بأن ماتت امرأة بين رجال (ممن لا يباح لهم) أي: الرجال (غسله) أي: الميت، بأن لم يكن فيهم زوجها، ولا سيدها، يُمِّمَت؛ لما روى تمام في "فوائده" عن واثلة، أن النبي ﷺ قال: "إذا ماتت المرأةُ مع الرجالِ ليسَ بينها وبينهُم محرم، تُيَمَّم كما ييَمَّم الرجالُ" (٣). ولأنه لا
стр. 1564
يحصل بالغسل من غير مس تنظيفٌ، ولا إزالةُ النجاسة، بل ربما كثرت.
(أو) مات (خُنثى مشكل) له سبع سنين فأكثر، ولم تحضره أمة له (يُمِّم) لما تقدم (بحائل) من خرقة ونحوها، يلُفُّها على يده، فيُيَمَّم بها الميت في الصور الثلاث، حتى لا يمسه. (ويحرم) أن ييمم (بدونه) أي: دون (١) الحائل (لغير مَحْرَم) لما فيه من المس.
(ورجل أَوْلى بتيمُّم خُنثى مشكل) من امرأة، إذا مات الخنثى بين رجال ونساء؛ لأن الصنفين قد اشتركا في المحذور، وامتاز الرجل بفضيلة الذكورية. لكن إذا ماتت المرأة مع الرجال فيهم (٢) صبي لا شهوة له، علموه الغسل وباشره، نص عليه (٣). وكذا الرجل يموت مع نسوة فيهن صغيرة تطيق الغسل، ذكره في "شرح الهداية".
стр. 1565
قلت: وكذا الخنثى يموت مع رجال أو نسوة فيهن صغير، أو صغيرة تطيقه.
(وإن كانت له) أي: للخنثى المشكل (أَمَة، غسَّلته) لأنه إن كان أنثى، فلا كلام، وإن كان ذكرًا، فلأمته تغسيله (١).
فصل
(وإذا أخذ) أي: شرع (في غسله، ستر عورته وجوبًا) وهي: ما بين سُرَّته وركبته، قاله في "المبدع" وغيره. وفي "الإنصاف": على ما تقدم في حدها، انتهى. وعليه: فيستر من ابن سبع إلى عشر الفرجان فقط؛ حذارًا من النظر إليها؛ لقوله ﷺ لعلي: "لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حيِّ ولا ميتٍ" رواه أبو داود (٢) (لا من له دون سبع) سنين، فلا بأس بغسله مجردًا؛ لما تقدم.
(ثم جرَّده من ثيابه ندبًا) لأن ذلك أمكن في تغسيله، وأبلغ في تطهيره، وأشبه بغسل الحي، وأصون له من التنجيس، إذ يحتمل خروجها منه؛ ولفعل الصحابة، بدليل قولهم: "لا ندري أنجرِّدُ النبيَّ ﷺ كما نجرِّد موتانا؟ " (٣) والظاهر أن النبي ﷺ أمرهم به، وأقرَّهم عليه، ذكره في "المبدع". (إلا النبي ﷺ فلا) فإنهم لما اختلفوا هل يُجرِّدونهُ، أَوْ لا؟ أوقعَ الله تعالى عليهم النومَ، حتى ما منهم رجل،
стр. 1566
إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحيةِ البيت، لا يدرون من هو: أن غسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابُه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ ، فغسلوه وعليه قميصٌ، يصبون الماءَ فوق القميص، ويدلكون بالقميصِ دونَ أيديهم. رواه أحمد وأبو داود (١)؛ ولأن فضلاته كلها طاهرة (٢)، فلم يخش تنْجيس قميصه. (ولو غسَّله في قميص خفيف واسع الكمين، جاز) قال أحمد (٣): يعجبني أن يغسل وعليه ثوب، يدخل يده من تحت الثوب، وإن لم يكن واسع الكمين، توجه أن يفتق رؤوس الدخاريص (٤)، ويدخل يده منها.
(و) يسن (ستره) أي: الميت حال (٥) الغسل (عن العيون) لأنه ربما كان به عيب يستره في حياته، أو تظهر عورته. وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الَّذي يغسل فيه الميت مظلمًا، ذكره أحمد (٦). وأن يغسل (تحت ستر أو سقف ونحوه) كخيمة؛ لئلا يستقبل السماء بعورته.
(ويُكره النظر إليه) أي: الميت (لغير حاجة، حتَّى الغاسل، فلا
стр. 1567
ينظر إلَّا ما لابد منه. قال ابن عَقيل: لأن جميعه صار عورة) إكرامًا له (فلهذا شُرع ستر جميعه) أي: بالكفن (١) (انتهى) قال: فيحرم نظره.
ولا يجوز أن يحضره إلا من يعين في أمره، نقله عنه في "المبدع".
(و) كره (أن يحضره) أي: غسله (غير من يعين في غسله) لأنه ربما حدث ما يكره الحي أن يطلع منه على مثله، وربما ظهر منه شيء هو في الظاهر منكر، فيتحدث به، فيكون فضيحة، والحاجة غير داعية إلى حضوره، بخلاف من يعين الغاسل بصبٍّ ونحوه (إلا وليه، فله الدخول عليه كيف شاءَ) قاله القاضي وابن عقيل.
(ولا يغطِّي وجهه) نقله الجماعة (٢). والحديث المروي فيه (٣) لا أصل له.
стр. 1568
(ويُستحبُّ خَضْبُ لحية رجل، ورأس امرأة، ولو غير شائبين بحنَّاء) لقول أنس: "اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم" (١).
(ثم يرفع رأسه برفق في أول غسله إلى قريب من جلوسه، ولا يشق عليه، ويعصر بطن غير حامل بيده) ليخرج ما في بطنه من نجاسة، بخلاف الحامل؛ لخبر رواه الخلال (٢)؛ ولأنه يؤذي الحمل
стр. 1569
(عصرًا رفيقًا) لأن الميت في محل الشفقة والرحمة (ويكثر صبَّ الماء حينئذ) ليذهب ما خرج، ولا تظهر رائحته (ويكون ثَمَّ) أي: هنالك (١) في المكان الَّذي يغسل فيه (بَخُور) على وزن رسول؛ لئلا يتأذى برائحة الخارج (ثم يلفُّ) الغاسل (على يده خرقة خشنة، أو يدخلها) أي: يده (في كيس، فينجِّي بها أحد فرجيه، ثم) يأخذ خرقة (ثانية للفرج الثاني) فينجيه بها؛ إزالة للنجاسة، وطهارة للميت، من غير تعدي النجاسة إلى الغاسل، واعتبر لكل فرج خرقة؛ لأن كل خرقة خرج عليها شيء من النجاسة لا يعتدُّ بها، إلا أن تغسل. وظاهر "المقنع" و"المنتهى" وغيرهما: تكفيه خرقة، وقاله في "المجرد".
(و لا يحل مس عورة من له سبع سنين فأكثر) بغير حائل (ولا النظر إليها) لأن التطهير يمكن بدون ذلك، فأشبه حال الحياة. وذكر المروذي عن أحمد: "أن عليًّا حين غسل النبي ﷺ لفَّ على يدهِ خرقةً حينَ غسل فرجه" (٢).
стр. 1570
(ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة) لفعل عليٍّ مع النبي ﷺ ، وليأمن مس العورة المحرم مسها، ذكره في "المبدع". فحينئذ يُعِدُّ الغاسلُ ثلاث خرق: خرقتين للسبيلين، والثالثة لبقية بدنه.
(ولا يجب فعل الغسل، فلو ترك) الميت (تحت ميزاب ونحوه) مما يصب منه الماء (وحضر أهلٌ لغسله) وهو المسلم العاقل (ونوى) غسله (ومضى زمن يمكن غسله فيه) يعني وعَمَّه الماء (صحَّ) ذلك وأجزأ؛ لأن القصد تعميمه بالماء، وقد حصل كالحي، وهذا يردُّ ما سبق فيما إذا ماتت امرأة بين رجال وعكسه.
(ثم ينوي) غاسل الميت بعد تجريده، وستر عورته، وتنجيته (غسلَه) لتعذر النية من الميت، وقيام الغاسل مقامه (ونيته) أي: الغسل، (فرض) فلا يصح غسله بدونها؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (١)، لكن عدّها شرطًا أنسب؛ لِما تقدم. (وكذا تعميم بدنه) أي: الميت (به) أي: بالماء؛ فإنه فرض كالحي.
(ثم يسمي) الغاسل، فيقول: بسم الله، لا يقوم غيرها مقامها.
(وحكمها) أي: التسمية هنا (حكم تسمية وضوء، وغسل حي) فتجب مع الذِّكر، وتسقط سهوًا، قياسًا على الوضوء.
(ثم يغسل) الغاسل (كفيه) أي: الميت ندبًا، كغسل الحي.
стр. 1571
(ويُعتير غسل ما عليه من نجاسة) لأن المقصود تطهيره، ولا يحصل إلا بذلك.
قلت: ومقتضى ما سبق في الحي: لا يجب غسل النجاسة قبل غسله، إن لم تمنع وصول الماء؛ لما تقدم من أنَّه يرتفع حدث قبل زوال حكم خبث.
(ولا يكفي مسحها) أي: النجاسة (ولا وصول الماء إليها) بل لابد من الغسل، وسواء كانت على السبيلين، أو غيرهما. لكن قال في "مجمع البحرين": قلت: فإن لم يَعْدُ الخارجُ أي: من السبيلين موضع العادة، فقياس المذهب أنَّه يكفي فيه الاستجمار.
(ويُستحبُّ أن يدخل أصبعيه السَّبَّابة والإبهام، عليهما خرقة) صيانة لليد، وإكرامًا للميت (خشنة مبلولة بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه، و) في (منخريه، وينظفهما) لإزالة ما على تلك الأعضاء من الأذى. (ولا يدخله) أي: الماء (فيهما) أي: الفم والأنف؛ لأنه إذا وصل إلى جوفه، حرك النجاسة.
(ويتتبع ما تحت أظفاره) من وسخ (بعود) ليصل الماء إلى ما تحته (إن لم يمكن قلمها) فإن أمكن قَلَّمها.
(ويُسن) للغاسل (أن يوضئه في أول غسلاته كوضوء حَدَثٍ) لما في الصحيح: أن النبي ﷺ قال لأم عطية في غسل ابنته: "ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها" (١)، وظاهره أنَّه يمسح رأسه. قاله
стр. 1572
في "المبدع". (ما خلا المضمضة والاستنشاق) لأنه لا يؤمن منهما وصول الماء إلى جوفه، فيفضي إلى المثلة، وربما حصل منه الانفجار، وبهذا علل أحمد، قاله في "المبدع". ومحل كون الوضوء في الغسلة الأولى دون باقي الغسلات (إن لم يخرج منه شيء، فإن خرج) منه شيء (أعيد وضوؤه). قال في "المبدع": وهو مستحب؛ لقيام موجبه، وهو زوال عقله. وظاهر كلام القاضي وابن الزاغوني: أنَّه واجب. (ويأتي حكم) إعادة (غسله) إذا خرج منه شيء.
(ويجزئ غسله مرة) كالحي (وكذا لو نوى) الغاسل (وسمَّى، وغمسَه في ماء كثير مرة واحدة) فإنه يجزئ، كغسل الحي. (ويكره الاقتصار عليها) -أي: على المرة الواحدة- في غسل الميت، نص (١) عليه؛ لقوله: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا" (٢).
(ويُسن ضرب سدر، ونحوه) كخطْمي (فبغسل برغوته) -بتثليث الراء- (رأسه ولحيته فقط) لأن الرأس أشرف الأعضاء، ولهذا جُعل كشفُه شعارَ الإحرام، وهو مجمع الحواس الشريفة؛ ولأن الرغوة تزيل الدرن، ولا تتعلق بالشعر، فناسب أن تغسل بها اللحية؛ لتزول الرغوة بمجرد جري الماء عليها، بخلاف ثفل السدر.
(و) يغسل باقي (بدنه بالثُّفْل) أي: ثفل السدر.
(ويقوم الخِطمي ونحوه مقام السدر) لحصول الإنقاء به (ويكون
стр. 1573
السدر في كل غسلة) من الثلاث فأكثر. واعتبر ابن حامد أن يكون السدر يسيرًا، وقال: إنه الَّذي وجد عليه أصحابنا؛ ليجمع بين العمل بالخبر، ويكون الماء باقيًا على إطلاقه. وقال القاضي وأبو الخطاب: يغسل أول مرة بماء وسدر، ثم يغسل عقب ذلك بالماء القَراح، فيكون الجميع غسلة واحدة، والاعتداد بالآخر منها؛ لأن أحمد (١)؛ شبه غسله بغسل الجنابة، ولأن السدر إن كثر سلب الطهورية، وإن لم يغيره، فلا فائدة في ترك يسير لا يغير.
(ويُسن تيامنه، فيغسل شقه الأيمن من نحو رأسه إلى نحو رجليه، يبدأ بصفحة عنقه، ثم) يده اليمنى (إلى الكتف، ثم) كتفه وشق صدره، وفخذه وساقه (إلى الرجل، ثم الأيسر كذلك) لقوله ﷺ : "ابدأن بميامنها" (٢)؛ ولأنه مسنون في غسل الحي، فكذا الميت. (ويقلِّبه) الغاسل (على جنبه مع غسل شقيه، فيرفع جانبه الأيمن، ويغسل ظهره ووركه وفخذه، ويفعل بجانبه الأيسر كذلك، ولا يكبه على وجهه) إكرامًا له. (ثم يفيض الماء القَراح على جميع بدنه، فيكون ذلك غسلة واحدة، يجمع فيها بين السدر، والماء القَراح) -كما تقدم عن القاضي وأبي الخطاب- (يفعل ذلك) المذكور فيما تقدم (ثلاثًا) لقوله ﷺ للنساء اللاتي غسلن ابنته: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا -إن رأيتنَّ ذلك- بماء وسدر (٢) ". (إلا أن الوضوء) يكون (في) المرة (الأولى فقط) من الغسلات، إن لم يخرج شيء -وتقدم- (يُمِرُّ) الغاسل (في كل مرة يده على بطنه) برفق؛ إخراجًا لما
стр. 1574
تخلف، وأمنًا من فساد الغسل بما يخرج منه بعد. (فإن لم يُنَقَّ) الميت (بالثلاث) غسلات (غسَّله إلى سبع) لما تقدم. (فإن لم يُنَقَّ بسبع) غسلات، (فالأَوْلى غسله حتَّى ينقَّى) لقوله ﷺ : "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثرَ من ذلك -إن رأيتن-" (١). (ويقطع على وتر) لحديث: "إن الله وترٌ يحبُّ الوتر" (٢). (من غير إعادة وضوء) فإنه في الأولى خاصة -كما تقدم- إن لم يخرج شيء (وإن خرج منه) أي: الميت (شيء) من السبيلين، أو غيرهما (بعد الثلاث، أُعيد وضوؤه). قال في "المبدع" و"شرح المنتهى": وجوبًا (٣)، كالجنب؛ لما سبق، إذا أحدث بعد غسله؛ لتكون طهارته كاملة. وعنه (٤): لا يجب الوضوء.
(ووجب غسله كما خرج) منه شيء (إلى سبع) لما سبق؛ لأن الظاهر أن الشارع إنما كرر الأمر بغسلها؛ من أجل توقع النجاسة، ولأن القصد من غسل الميت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة، ألا ترى أن الموت جرى مجرى زوال العقل، ولا فرق بين الخارج من السبيلين وغيرهما. وعنه (٥) في الدم: هو أسهل.
стр. 1575
(وإن خرج منه) أي: الميت (شيء من السبيلين، أو غيرهما بعد السبع، غسلت النجاسة) لما تقدم. وتقدم كلام "مجمع البحرين" في إجزاء الاستجمار (ووُضِّئ) لما تقدم.
(ولا غسل) أي: لا يعاد غسله بعد السبع؛ لظاهر الخبر. (لكن يحشوه) أي: المخرج (بالقطن، أو يلجم به) أي: القطن (كما تفعل المستحاضة) لأنه في معناه. (فإن لم يمسكه ذلك) أي: الحشو بالقطن، أو التلجم به (حُشي) المحل (بالطين الحر) بضم الحاء أي: الخالص (الَّذي له قوة تمسك (١) المحل) ليمنع الخارج. (ولا يكره حشو المحل إن لم يستمسك) لدعاء الحاجة إليه.
(وإن خيف خروج شيء) كدم (من منافذ وجهه) كفمه وأنفه (فلا بأس أن يحشى بقطن) دفعًا لتلك المفسدة.
(وإن خرج منه) أي: الميت (شيء بعد وضعه في أكفانه ولفها عليه، حُمل ولم يُعَد غسل ولا وضوء، سواء كان) ذلك (في السابعة، أو قبلها). وسواء كان الخارج قليلًا، أو كثيرًا؛ دفعًا للمشقة؛ لأنه يحتاج إلى إخراجه، وإعادة غسله، وتطهير أكفانه، وتجفيفها، أو إبدالها، فيتأخر دفنه وهو مخالف للسنة، ثم لا يؤمن مثل هذا بعده.
وإن وضع على الكفن ولم يلفّ، ثم خرج منه شيء، أعيد غسله، قاله ابن تميم.
(ويسن أن يجعل) الغاسل (في) الغسلة (الآخرة (٢) كافورًا) لقوله
стр. 1576
- ﷺ : "واجعلنَ في الأخيرة كافورًا"، متفق عليه (١). ولأنه يصلب الجسم، ويبرده، ويطيبه، ويطرد عنه الهوام. (و) أن يجعل في الأخيرة (سدرًا) كسائر الغسلات؛ لما تقدم.
(وغسلُه) أي: الميت (بالماء البارد أفضل) لأن المسخن يرخيه، ولم ترد به السنة. (ولا بأس بغسله بماء حار) إن احتيج إليه لشدة برد؛ أو وسخ لا يزول إلا به. واستحبه ابن حامد؛ لأنه ينقي ما لا ينقي الماء البارد.
(و) لا بأس بـ (ـخِلالٍ) إن احتيج إليه لإزالة وسخ؛ لأن إزالته مطلوبة شرعًا. (والأولى أن يكون) الخلال (من شجرة لينة كالصفصاف) -بالفتح-: الخلاف، بلغة أهل الشام. قاله الأزهري (٢). (ونحوه مما ينقي ولا يجرح) لأنه يؤذي الميت ما يؤذي الحي. (وإن جعل) الغاسل ونحوه (على رأسه) أي: الميت (قطنا، فحسن) لشرفه. (ويزيل) الغاسل (ما بأنفه) أى: الميت (وصماخيه من أذى) تكميلًا لطهارته.
(و) لا بأس بغسله بـ (ـأُشنان إن احتيج إليهن) أي: الماء الحار والخلال والأشنان لوسخ أو نحوه. (وإلا) بأن لم يحتج إليهن (كره في الكل) لأن السنة لم ترد به، ومع عدم الحاجة يكون كالعبث.
(وإن كان الميت شيخًا (٣)، أو به حدب، أو نحو ذلك، وأمكن تمديده بالتليين والماء الحار، فعل ذلك) إزالة للمثلة. (وإن لم يمكن)
стр. 1577
ذلك (إلا بعسف، تركه بحاله) دفعًا لأذاه به.
(فإن كان) الميت (على صفة لا يمكن تركه على النعش إلا على وجه يشتهر بالمثلة، ترك في تابوت، أو) ترك في النعش (تحت مِكَبَّة كما يصنع بالمرأة) سترًا لذلك (ويأتي في فصل الحمل) أي: حمل الميت.
(ولا بأس بغسله في حمام) نص عليه (١) في رواية مهنا، وكالحي. لكن إن كان الماء حارًا، كره بلا حاجة.
(و) لا بأس (بمخاطبته) أي: الغاسل (له) أي: للميت (حال غسله، بنحو (٢): انقلب يرحمك الله) لقول الفضل وهو محتضن النبي ﷺ : "أرحْنى، أرحْنى، فقد قطعتَ وَتِيني، إني أجدُ شيئًا يتنزل) (٣) عليَّ" (٤). وقال علي لما لم يجد من النبي ما يجده من سائر الموتى: "يا رسول اللهِ، طبتَ حيًا وميتًا" (٥).
стр. 1578
(ولا يغتسل غاسله) أي: الميت (بفضل ماء سخن له، فإن لم يجد غيره، تركه حتى يبرد) قاله أحمد (١)، ذكره الخلال (٢).
(ويقص شارب غير مُحرِم، ويُقلِّم أظفاره إن طالا، ويأخذ شعر إبطيه) لأن ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو، أشبه إزالة الأوساخ والأدران، ويعضد ذلك العمومات في سنن الفطرة. (ويجعل ذلك) أى: ما أخذ من الشارب والأظفار وشعر الإبطين (معه) أي: الميت (كعضو ساقط) لما روى أحمد في "مسائل صالح"، عن أم عطية قالت: "تغسل رأس الميتةِ، فما سقط من شعرها في أيديهم غسلوه،
стр. 1579
ثم ردُّوهُ في رأسها" (١)؛ ولأن دفن الشعر والظفر مستحب في حق الحي، ففي حق الميت أولى. (ويعاد غسله) أي: غسل ما أخذ من الميت، من شعر شارب، وأظفار، وشعر إبط؛ لقول أم عطية فيما تقدم: "غسلوهُ ثم ردوه. . . " إلى آخره، و (لأنه جزء منه) أي: الميت (كعضو) من أعضائه. (والمراد: يُستحبُّ) إعادة غسل المأخوذ. قال في "الفروع": للاكتفاء بغسله أولًا.
(وإن كان الميت مقطوع الرأس، أو) كانت (أعضاؤه مقطعة، لُفِّق بعضها إلى بعض بالتقميط والطين الحر، حنى لا يتبين تشويهه. فإن فقد منها) أي: أعضاء الميت (شيء، لم يجعل له شكل من طين ولا غيره) لأنه تصوير.
(وإن كان في أسنانه شيء) منها (يتحرك، وخيف سقوطه، تُرك) بحاله (ولم يُنزع، ونص (٢): أنه يربط بذهب) كالحي. (فإن سقط) شيء من أسنان الميت (لم يربط به) أي: بالذهب؛ لعدم الحاجة إليه، وجعل مع الميت -كما تقدم- (ويؤخذ) أي: ما على سنه من ذهب كان ربط به (إن لم يسقط) سنه بسبب ذلك، وإلا ترك حتى يبلى.
(ويَحرم حَلْق شعر عانته) لما فيه من لمس عورته، وربما احتاج
стр. 1580
إلى نظرها وهو مُحرَّم، فلا يرتكب من أجل مندوب. (و) يحرم حلق شعر (رأسه) لأن ذلك إنما يكون لزينة أو نسك، والميت لا نسك عليه ولا يزين.
(و) يحرم (ختنه) إن كان أقلف؛ لأنه قطع لبعض عضو من الميت؛ ولأن التعبد بذلك قد زال؛ ولأن المقصود من الختان التطهير من النجاسة، وقد زال ذلك بموته.
(ولا يسرح شعره، قال القاضي: يكره) لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه. وروي عن عائشة: "أنها مرت بقوم يسرحونَ شعر ميتٍ، فنهتهمْ عن ذلك، وقالت: علامَ تنصُون ميتكمَ؟ " (١). أي: لا تسرحوا رأسه بالمشط؛ لأنه يقطع الشعر وينتفه.
(ويُبقى عظم نجس جُبر به) الميت قبل موته (مع مُثْلَةٍ) وتقدم في اجتناب النجاسة (٢).
(وتزال (٣) اللصوق) -بفتح اللام-: ما يُلصق على الجرح من الدواء، ثم أطلق على الخرقة ونحوها إذا شدت على العضو للتداوي، قاله في "الحاشية" (لغسل واجب، فيغسل ما تحتها)