стр. 1646
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 622
كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل
البهوتي
Полный текст (7 407 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1647
ستًا (١). وقال: إنه يروى أن عمر جمع الناس فاستشارهم، فقال بعضهم: "كبَّر النبي ﷺ سبعًا". وقال بعضهم: "أربعًا"، فجمع الناسَ عمرُ على أربع تكبيرات. وقال: هو أطول الصلاة (٢). يعني: أن كل تكبيرة على الجنازة مقام ركعة من الصلاة ذات الركوع، وأطول المكتوبات أربع ركعات.
(ولا) يجوز (النقص عن أربع) تكبيرات؛ لما تقدم.
(والأولى أن لا يزيد على الأربع) من التكبيرات؛ لجمع عمر الناس عليه؛ لأن المداومة على الأربع تدل على الفضيلة، وغيرها يدل على الجواز.
(فإن زاد إمام) على رابعة، (تابعه مأموم) لعموم قوله ﷺ : "إنما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلِفوا عليه" (٣). (إلى سبع) لما تقدم عن أحمد أنه أكثر ما جاء فيه (ما لم تُظن بدعته) أي: الإمام (أو رفضه،
стр. 1648
فلا يتابع) على ما زاد على أربع؛ لما في متابعته من إظهار شعارهم.
(ولا يدعو بعد) التكبيرة (الرابعة في المتابعة أيضًا) أي: كما لا يدعو لو كان يسلم عقبها (ولا يتابع) الإمام (فيما زاد على السبع) تكبيرات؛ لعدم وروده، كما تقدم.
(ولا تبطل) صلاة الجنازة (بمجاوزتها) أي: السبع تكبيرات (ولو عمدًا) لأنها زيادة قول مشروع في أصله داخل الصلاة، أشبه تكرار الفاتحة والتشهد، وسائر الأذكار. أو نقول: تكرار تكبيرة أشبه تكبير الصلوات. وعكسه زيادة الركعة؛ لأنها زيادة أفعال، ولهذا لو زاد ركوعًا أو سجودًا، أبطل الصلاة، وإن كان لا يقضي منفردًا؛ لكونه فعلًا.
(وينبغي أن يسبح بعدها) أي: السابعة (به) أي: بالإمام؛ لاحتمال سهوه، و (لا) ينبغي أن يسبح به (فيما) زاد على الأربع (دونها) أي: دون السابعة، أي: الخامسة (١) والسادسة والسابعة؛ للاختلاف فيها.
(ولا يسلِّم) المأموم (قبله) أي: قبل إمامه، ولو جاوز السبعَ تكبيرات، نص عليه (٢)، فيحرم؛ لأنه ترك المتابعة من غير عذر؛ لما تقدم من أنها لا تبطل بمجاوزة السبع.
(ومنفرد كإمام في الزيادة) على السبع، وفي النقص عن أربع، فلا يجوز له ذلك؛ لكن لا تبطل صلاته بمجاوزة السبع؛ لما سبق.
стр. 1649
(وإن كبَّر) إمام أو منفرد (على جنازة) تكبيرة واحدة (ثم جيءَ بـ) ـجنازة (أخرى، كبَّر) تكبيرة (ثانية ونواهما) أي: الجنازتين (فإن جِيءَ بـ) ــجنازة (ثالثة، كبَّر) التكبيرة (الثالثة، ونوى الجنائز الثلاث، فإن جِيءَ بـ) ــجنازة (رابعة، كبَّر) التكبيرة (الرابعة، ونوى) الجنائز (الكلَّ، فيصير مكبِّرًا على الأولى أربعًا، وعلى الثانية ثلاثًا، وعلى الثالثة اثنتينِ، وعلى الرابعة واحدة، فيأتي بثلاث تكبيرات أخر) تتمة السبع (فيتم) تكبيره (سبعًا، يقرأ) الفاتحة (في) التكبيرة (الخامسة، ويصلي) على النبي ﷺ (في) التكبيرة (السادسة، ويدعو) للموتى (في) التكبيرة (السابعة) ثم يسلم (فيصير مكبِّرًا على) الجنازة (الأولى سبعًا، وعلى الثانية ستًا، وعلى الثالثة خمسًا، وعلى الرابعة أربعًا.
فإن جِيءَ) بعد التكبيرة الرابعة (بـ) ـــجنازة (خامسة، لم ينوها بالتكبير، بل يصلِّي عليها بعد سلامه) لئلا يؤدي إلى تنقيصها عن أربع، أو زيادة ما قبلها على سبع، وكلاهما محظور.
(وكذا لو جِيءَ بـ) ــجنازة (ثانية عقب التكبيرة الرابعة) لم يجز إدخالها في الصلاة (لأنه لم يبقَ من السبع) تكبيرات (أربع) بل ثلاث، فيؤدي إلى ما سبق.
(فإن أراد أهل الجنازة الأولى رفعها) بعد الأربع تكبيرات و (قبل سلام الإمام؛ لم يجز) لأن السلام ركن لا تتم الصلاة إلا به.
(وفي "الكافي") فيما إذا جِيءَ بأخرى فأكثر، فكبَّر ونواها لهما أو لهم وقد بقي من تكبيره أربع (يقرأ في الرابعة الفاتحة ويصلِّي) على النبي ﷺ (في الخامسة، ويدعو لهم في السادسة) لتكمل الأركان لجميع الجنائز، وما قدمه المصنف قطع به في "الشرح" و"التنقيح"،
стр. 1650
وتبعه في "المنتهى".
(ومن سُبق ببعض الصلاة، كبَّر ودخل مع الإمام) حيث أدركه (ولو بين تكبيرتين ندبًا) كالصلاة (أو) كان إدراكه له (بعد تكبيره الرابعة في السلام) فيكبِّر للإحرام معه (ويقضي ثلاث تكبيرات) استحبابًا.
(ويقضي مسبوق ما فاته) قبل دخوله مع الإمام (على صفته) لأن القضاء يحكي الأداء كسائر الصلوات، ويكون قضاؤه (بعد سلام الإمام) كالمسبوق في الصلاة. قلت: لكن إن حصل له عذر يبيح ترك جمعة وجماعة، صحَّ أن ينفرد ويتم لنفسه، قبل سلامه.
(فإن أدركه) المسبوق (في الدعاء، تابعه فيه) أي: الدعاء (فإذا سلَّم الإمام، كبَّر وقرأ الفاتحة) بعد التعوذ والبسملة (ثم كبَّر وصلَّى على النبي ﷺ ، ثم كبَّر وسلَّم) لما تقدم أن المقضي أول صلاته، فيأتي فيه بحسب ذلك؛ لعموم قوله ﷺ : "وما فاتكُم فاقضُوا" (١).
وقوله: "ثم كبَّر وسلَّم" هكذا في "الشرح" وغيره. وإنما يظهر إذا كان الدعاء بعد الرابعة أو بعد الثالثة، لكنه لم يأتِ بها لنوم أو سهو ونحوه، وإلا لزم عليه الزيادة على أربع، وتركها أفضل، فإن كان أدركه في الدعاء وكبَّر الأخيرة معه، فإذا سلَّم الإمام، كبَّر وقرأ الفاتحة، ثم كبَّر وصلَّى عليه ﷺ ، ثم سلَّم من غير تكبير؛ لأن الأربع تمت.
"تتمة": متى أدرك الإمامَ في التكبيرة الأولى، فكبَّر وشرع في
стр. 1651
القراءة، ثم كبَّر الإمام قبل أن يتمها، تابعه، وقطع القراءة، كالمسبوق في بقية الصلوات إذا أدرك الإمام قبل إتمامه القراءة.
(فإن خشي) المسبوق (رفعها) أي: الجنازة (تابع) أي: والى (بين التكبير من غير ذكر) أي: قراءة وصلاة على النبي ﷺ (ولا دعاء، رفعت) الجنازة (أم لا) قدمه في"الفروع". وحكاه نصًّا (١). (فإن سلَّم) المسبوق (ولم يقضِ) ما فاته (صحَّ) ذلك، أي: صحَّت صلاته؛ لحديث عائشة أنها قالت: "يا رسول الله إني أصلِّي على الجنازةِ، وَيخفى عليَّ بعضُ التكبيرِ؟ قال: ما سمعتِ فكبِّرِي وما فاتكِ فلا قضاء عليكِ" (٢). وهذا صريح في عدم وجوب القضاء، لكن يستحب؛ ولأنها تكبيرات متواليات حال القيام، فلم يجب قضاء ما فات منها، كتكبيرات العيد.
(ومتى رفعت) الجنازة (بعد الصلاة) عليها (لم توضع لأحد) يريد أن يصلي عليها، تحقيقًا للمبادرة إلى مواراة الميت. وعبارة "المنتهى": ولا توضع لصلاة بعد حملها (فظاهره: يكره) ويبادر بدفنها. وقال القاضي: إلا أن يرجى مجيء الولي فتؤخَّر، إلا أن يُخاف تغيره.
(ومن لم يصلِّ) على الجنازة لعذر أو غيره (استحب له إذا وضعت) الجنازة (أن يصلي عليها قبل الدّفن أو بعده، ولو جماعة على القبر) لحديث أبي هريرة: "أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجدَ -
стр. 1652
أو شابًا -ففقدها النبيُّ ﷺ أو فقده، فسأل عنها أو عنه، فقالوا: ماتت أو مات، فقال: أفلا كنتُم آذنْتُمُوني؟ قال: فكأنهم صغّرُوا أمرَها أو أمرَه، فقال: دلوني على قبرها أو على قبرِه، فدلُّوه فصلّى عليها أو عليهِ" (١). وعن ابن عباس قال: "انتهى رسول الله ﷺ إلى قبرٍ رطبٍ فصلى عليهِ، وصفوا خلفه وكبرَ أربعًا" (٢) متفق عليهما. قال أحمد (٣): ومن يشك في الصلاة على القبر؟! يُروى عن النبي ﷺ من ستة وجوه (٤)، كلها حسان.
стр. 1653
(وكذا غريق ونحوه) كأسير، فيصلى عليه إلى شهر، ويسقط شرط الحضور للحاجة والغسل؛ لتعذره، أشبه الحي إذا عجز عن الغسل والتيمم (إلى شهر من دفنه) لما روى الترمذي عن سعيد بن المسيب: "أن أم سعد ماتتْ والنبيُّ ﷺ غائبٌ، فلما قدم، صلَّى عليهَا، وقد مضى لذلكَ شهْرٌ" (١) وإسناده ثقات. قال أحمد: أكثر ما سمعت هذا (٢). ولأنه لا يعلم بقاؤه أكثر منه، فتقيَّد به (و) إلى (زيادة يسيرة)
стр. 1654
على الشهر، قال القاضي: كاليومين. وإنما لم تجز على قبره ﷺ ؛ لئلا يتخذ مسجدًا.
(ويحرم) أن يصلى على قبر (بعدها) أي: بعد الزيادة اليسيرة، نص عليه (١). وحديث الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: "أنه صلى على قبرٍ بعد شهرٍ" (٢)، أجاب أبو بكر (٣): يريد شهرًا. كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٤) أراد الحين. ويمكن حمله على الزيادة اليسيرة، قال في "المبدع": فأما إذا لم يدفن فإنه يصلى عليه، وإن مضى أكثر من شهر. وقيَّده ابن شهاب، وقدمه في "الرعاية" بشهر.
(وإن شكَّ في انقضاء المدة) التي يصلى فيها على القبر ونحوه (صلى عليه، حتى يعلم فراغها) لأن الأصل بقاؤها.
(ويصلِّي إمام) أعظم (وغيره على غائب عن البلد، ولو كان دون مسافة قصر، أو) كان (في غير جهة القبلة) أي: قبلة المصلي (بالنية إلى شهر) كالصلاة على القبر، لكن يكون الشهر هنا من موته، كما في "شرح المنتهى"؛ لأنه ﷺ : "صلّى على النجاشي، فصفَّ وكبَّرَ
стр. 1655
عليه أربعًا" متفق عليه (١). لا يقال: لم يكن بأرض الحبشة من يصلي عليه؛ لأنه ليس من مذهب المخالف، فإنه يمنع الصلاة على الغريق والأسير، وإن لم يكن صلي عليه، مع أنه يبعد ذلك، فإن النّجاشي ملك الحبشة أَظهَر الإسلامَ، فيبعد أنه لم يوافقه أحد يصلي عليه، والقول بأن الأرض زويت له ﷺ ، وكشف له عن النجاشي، حتى رآه حين صلاته؛ لو كان له أصل لذكره لأصحابه، ولنقل (٢)؛ لما فيه من المعجزة العظيمة، كما نقل إخباره لهم بموته يوم مات، و-أيضًا- لو تم ذلك في حقه لما تم في حق أصحابه.
و (لا) يصلي على من (في أحد جانبي البلد ولو كان) البلد (كبيرًا، ولو لمشقة مطر أو مرض) لأنه يمكن حضوره، أشبه ما لو كانا في جانب واحد، ويعتبر انفصاله عن البلد بما يعدُّ الذهاب إليه نوع سفر، وقال القاضي: يكفي خمسون خطوة. قال الشيخ تقي الدين (٣): وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة؛ لأنه إذن من أهل الصلاة في البلد، فلا يعدُّ غائبًا عنها، وتقدم أنه لا يصلى على قبر وغائب وقت نهي.
(و لا يصلى كل يوم على كل غائب) لأنه لم ينقل، قاله الشيخ تقي الدين (٣).
(ومن صلَّى) على ميت (كُره له إعادة الصلاة) عليه. قال في "الفصول": لا يصليها مرتين كالعيد (إلا على من صلَّى عليه بالنية)
стр. 1656
كالغائب (إذا حضر) جزم به ابن تميم وابن حمدان. واقتصر عليه في "الفروع" (أو وجد بعض ميت، صلى على جملته، فتسن) إعادة الصلاة (فيهما) مرة ثانية (ويأتي) (١) ذلك (أو صلَّى عليه) أي: الميت (بلا إذن من هو أولى منه) بالصلاة (مع حضوره) أي: الأولى وعدم إذنه، ولم يصلِّ معه (فتعاد) الصلاة عليه (تبعًا) للولي؛ لأنها حقه، ذكر أبو المعالي. وظاهره: لا يعيد غير الولي. قاله فى "الفروع".
فصل
(ويحرم أن يغسل مسلم كافرًا ولو قريبًا، أو يكفنه، أو يصلِّي عليه أو يتبع جنازته، أو يدفنه) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) وغسلهم ونحوه تولٍّ لهم، ولأنه تعظيم لهم، وتطهير، فأشبه الصلاة عليه، وفارق غسله في حياته، فإنه لا يقصد به ذلك (إلا أن لا يجد من يواريه غيره، فيوارى عند العدم) لأنه ﷺ لما أخبِرَ بموتِ أبي طالب قال لعلي: "اذهبْ فوارِهِ". رواه أبو داود والنسائى (٣)، وكذلك قتلى بدر أُلقوا في القليب (٤)، ولأنه يتضرر بتركه ويتغير ببقائه (فإن أراد المسلم أن يتبع قريبًا له كافرًا
стр. 1657
إلى المقبرة، ركب) المسلم (دابته وسار أمامه) أي: قدام جنازته (فلا يكون معه) ولا متبعًا له.
(ولا يُصلِّى على مأكول في بطن سبع) قال في "الفصول": فأما إن حصل في بطن سبع؛ لم يصلَّ عليه، مع مشاهدة السبع (و) لا يصلى على (مستحيل بإحراق) لاستحالته (ونحوهما) أي: نحو أكيل السبع والمستحيل بإحراق، كأكيل تمساح، ومستحيل بِصيانةٍ (١) أو نحوها.
(ولا يُسن للإمام الأعظم، و) لا لـ (ـإمام كل قرية -وهو واليها في القضاء- الصلاة على غالٍّ، وهو: من كتم غنيمة أو بعضها) لأنه ﷺ امتنع من الصلاة على رجل من المسلمين. فقال: "صلُّوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه القومِ. فقال: إن صاحبكم غلَّ في سبيلِ اللهِ. ففتشنَا متاعَه فوجدْنا فيه خرزًا من خرزِ اليهود، ما يساوي درهَمين" رواه الخمسة إلا الترمذي (٢)، واحتج به أحمد (٣).
(و) لا على (قاتل نفسه عمدًا) لما روى مسلم عن جابر بن سمرة: "أن رجلًا قتلَ نفسَه بمشاقِص، فلم يصَلِّ عليهِ" (٤). وفي رواية
стр. 1658
للنسائي: قال النبي ﷺ : "أما أنا فلا أصلي عليه" (١) والمشاقص جمع مشقص، قال في "القاموس" (٢): والمشقص كمنبر: نصل عريض أو سهم فيه ذلك، والنصل الطويل أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش. انتهى. فامتنع النبي ﷺ من الصلاة على الغالِّ، وقاتل نفسه، وهو الإمام وأمَرَ غيرَه بالصلاة عليهما، وألحق به من ساواه في ذلك؛ لأن ما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، ما لم يقم على اختصاصه به دليل. وأما تركه ﷺ للصلاة (٣) على مَدِينٍ لم يخلِّف وفاءً (٤). فكان في ابتداء الإسلام، ثم نسخ، كما يأتي في الخصائص.
(ولو صلى) الإمام الأعظم أو قاضيه (عليهما) أي: على الغالِّ وقاتل نفسه عمدًا (فلا بأس، كبقية الناس) لأن امتناعه من ذلك ردع وزجر؛ لا لتحريمه.
(وإن ترك أئمة الدين الذين يُقتدى بهم الصلاة على قاتل نفسه، زجرًا لغيره فهذا حق) لأن له شبهًا بما سبق وبإقامة الحدود.
(ويصلى على كل عاصٍ: كسارق، وشارب الخمر، ومقتول
стр. 1659
قصاصًا أو حدًا، أو غيرهم) قال الإمام: ما نعلم أنه ﷺ ترك الصلاة على أحد إلا على الغالِّ وقاتل نفسه (١).
(و) يصلي الإمام وغيره (على مدين لم يخلف وفاء) لما تقدم، ويأتي نسخ امتناعه ﷺ منه.
(ولا يغسَّل) كل صاحب بدعة مكفِّرة (ولا يصلَّى على كل صاحب بدعة مكفِّرة نصًا (٢)، ولا يورث، ويكون ماله فيئًا) كسائر المرتدين (قال) الإمام (أحمد (٣): الجهمية والرافضة لا يُصلَّى عليهم. وقال: أهل البدع إن مرضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا، فلا تصلوا عليهم) وذلك لأن النبي ﷺ ترك الصلاة بأدوَن من هذا، فأولى أن تترك الصلاة به. ولحديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل أمةٍ مجوسًا، وإن مجوسَ أمتي الذين يقولون: لا قدر، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهَدُوهم" رواه أحمد (٤). ويأتي قول
стр. 1660
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1661
المصنف وغيره في الشهادات: ويكفر مجتهدهم الداعية، وغيره فاسق.
(وإن وجد بعض ميت تحقيقًا) أي: يقينًا أنه من ميت (غير شعر وظفر وسن، غُسل وكفن، وصلِّي عليه، ودفن وجوبًا) لأن أبا أيوب صلَّى على رِجل (١). قاله أحمد (٢). وصلى عمر على عظام بالشام (٣). وصلى أبو عبيدة على رؤوس بعد تغسيلها وتكفينها (٤). رواها عبد الله بن أحمد (٥) وقال الشافعي: ألقى طائر يدًا بمكة من وقعة الجمل عرفت بالخاتم، وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فصلي عليها أهل مكة (٦). واستثني الشعر والظفر والسن؛ لأنه لا حياة فيها. (وينوي) بالصلاة (ذلك البعض فقط) أي: دون الجملة، لأنها غير
стр. 1662
حاضرة بين يديه، ومحلُّ وجوب الصلاة على ذلك البعض (إن لم يكن صلى على جملته، وإلا) بأن كان صلى على جملته (سنت الصلاة) على ذلك البعض (ولم تجب) لتقدم الصلاة على جملته، وجعل الأكثر كالكل (ثم إن وجد الباقي) من الميت غسل وكفن وجوبًا، و (صلِّي عليه ودفن بجنبه) أي: جنب قبره، أو في جانب القبر (ولم ينبش) ما تقدم دفنه، ليضاف إليه الباقي؛ احترامًا له.
(ولا يُصلَّى على ما بان) أي: انفصل (من حيٍّ، كيدِ سارق ونحوه) كقاطع طريق وجانٍ، ومقطوع ظلمًا مادام حيًا.
(ولا يجوز أن يدفن المسلم في مقبرة الكفار، ولا بالعكس) بأن يدفن الكافر في مقبرة المسلمين، لما يأتي في أحكام الذمة من وجوب تمييزهم عنا.
(ولو جعلت مقبرة الكفار المندرسة مقبرة للمسلمين) بعد نقل عظامها إن كانت (جاز) كجعلها مسجدًا، ولعدم احترامهم (فإن بقي عظم) حربي (دفن بموضع آخر، وغيرُها) أي: غير مقبرة الكفار الدفن فيه (أولى إن أمكن) تباعدًا عن مواضع العذاب.
و (لا) يجوز (العكس) بأن تجعل مقبرة المسلمين الدارسة مقبرة للكفار، ولا نقل عظام المسلمين لتدفن بموضع آخر؛ لاحترامها.
(وإن اختلط من يصلَّى عليه بمن لا يصلَّى) بأن اختلط أموات من المسلمين والكفار (واشتبه) من يصلى عليه بمن لا يصلي عليه (كمسلم وكافر) اشتبها، ولو من غير اختلاط (صلى على الجميع، ينوي) الصلاة على (من يُصلى عليه) منهم؛ لأن الصلاة على
стр. 1663
المسلمين واجبة، ولا طريق إليها هنا إلا بالصلاة على الجميع. وصفةُ الصلاة عليهم: أن يصفَّهم بين يديه ويصلِّي عليهم دفعة واحدة، وينوي بالصلاة المسلمين منهم؛ لأن الصلاة على الكافر لا تجوز، فلم يكن بُدٌّ من ذلك (بعد غسلهم وتكفينهم) لأن الصلاة على الميت لا تصح إلا بعد غسله وتكفينه مع القدرة على ذلك، فوجب أن يغسلوا ويكفنوا كلهم، وسواء كان ذلك في دار الإسلام أو غيرها، كثر المسلمون منهم أو قلوا (ودفنوا منفردين) عن المسلمين والكفار، كل واحد بمكان وحده (إن أمكن) ذلك لئلا يدفن مسلم مع كافر (وإلا) أي: وإن لم يمكن إفرادهم (فـ) ـإنهم يدفنون (مع المسلمين) احترامًا لمن فيهم من المسلمين.
(وإن وجد ميت فلم يُعلم أمسلم هو أم كافر؟ ولم يتميز بعلامة من ختان وثياب وغير ذلك، فإن كان في دار إسلام، غسل وصلِّي عليه، وإن كان في دار كفر، لم يغسل ولم يصلِّ عليه) لأن الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها، يثبت له حكمهم، ما لم يقم على خلافه دليل، ولو مات من نعهده ذميًا، فشهد عدل أنه مات مسلمًا؛ لم يحكم بشهادته في توريث قريبه المسلم، وحكم بها في الصلاة عليه؛ بناء على ثبوت هلال رمضان بواحد.
(وتباح الصلاة عليه) أي: الميت (في مسجد، إن أمن تلويثه) قال الآجري: السنة أن يصلى عليه فيه؛ لقول عائشة: "صلى النبيُّ ﷺ على سهل بن بيضاءَ في المسجدِ" رواه مسلم (١)، وصُلِّي على أبي
стр. 1664
بكر (١) وعمر (٢) فيه، رواه سعيد، ولأنها صلاة فلم تكره فيه كسائر الصلوات (وإلا) أي: وإن لم يؤمن تلويث المسجد (حَرُمَ) أن يصلى على الميت فيه؛ خشية تنجيسه.
(وإن لم يحضره) أي: الميت (غير نساء، صلَّين عليه وجوبًا) لأن عائشة "أمرت أن تؤتى بأم سعد" (٣) وكسائر الصلوات، ولضرورة الخروج عن عهدة الفرض، ويسقط بهن فرضها، والمراد بواحدة.
وتسن لهن (جماعة) نص عليه (٤) (ويقدم منهن) للإمامة (من يقدم من الرجال) فإن كان الميت أوصى لإحداهن، قدمت على سائرهن، وإلا فأمه ثم جدته (٥)، ثم امرأة من عصباته القربى فالقربى، ثم من أرحامه، وإن كان فيهن قاضية أو والية، قدمت؛ لأن ولايتها وإن لم
стр. 1665
تصح، إلا أنه يسوغ فيها الاجتهاد، فهي مزية، ذكره ابن قندس عن "الفصول" (وتقف) إمامتهن (في صفهن كمكتوبة) استحبابًا (وأما إذا صلَّى الرجال) على الجنازة قبل النساء (فإنهن يصلين فرادى) في وجه، قاله في "المبدع" ومقتضاه أن المقدم خلافه.
(وله) أي: المصلى (بصلاة الجنازة قيراط) من أجر (وهو أمر معلوم عند الله) تعالى، وذكر ابن عقيل: أنه قيراط نسبته من أجر صاحب المصيبة (وله بتمام دفنها قيراط آخر، بشرط أن يكون معها من الصلاة حتى تدفن) لقوله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها، فله قيراط، ومن شهدهَا حتى تدفن، فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثلُ الجبلينِ العظيمينِ" (١). ولمسلم: "أصغَرُهما مثلُ أحدٍ" (٢)، وفي حديث آخر: "فكانَ معها حتى يصلى عليهَا، ويفرغَ من دفنها" (٣).
وسئل أحمد (٤) عمن يذهب إلى مصلى الجنائز، فيجلس فيه متصديًا للصلاة على من يحضر من الجنائز، فقال: لا بأس، قال في "الفروع": وكأنه يرى إذا تبعها من أهلها فهو أفضل، قال في حديث يحيى بن جعدة: "وتبعها من أهلها" يعني: من صلى على جنازة فتبعها من أهلها، فله قيراط.
стр. 1666
فصل
(حمله ودفنه من فروض الكفاية) وتقدم (١) (وكذا مؤنتهما) أي: مؤنة الحمل والدفن، فهي فرض كفاية، إن لم يخلف شيئًا ولم يكن له وارث، ولم يمكن الأخذ من بيت المال، والمراد على من علم به من المسلمين، كباقي مؤن التجهيز.
(ولا يختص أن يكون الفاعل) لحمل الميت ودفنه (من أهل القُربة) أي: مسلمًا (فلهذا يسقط) الحمل (بكافر) كالتكفين والدفن؛ لعدم اعتبار النية لها، بخلاف الغسل والصلاة.
(ويكره أخذ الأجرة على ذلك) أي: الحمل والدفن؛ لأنه يذهب بالأجر. (و) كذا يكره أخذ الأجرة (على الغسل) والتكفين، وتقدم (٢) (فيوضع الميت على النعش) بعد أن يغسل ويكفن (مستلقيًا) على ظهره؛ لأنه أمكن.
(ويستحب إن كان) الميت (امرأة أن يستر) النعش (بمكبَّة فوق السرير، تعمل من خشب، أو جريد، أو قصب، مثل القبة فوقها ثوب) قال بعضهم: أول من اتخذ له ذلك زينب أم المؤمنين (٣)، وقال ابن عبد البر: فاطمة بنت رسول الله ﷺ أول من غطي نعشها في
стр. 1667
الإسلام، ثم زينب بنت جحش (١).
(ويُسن أن يحمله أربعة؛ لأنه يُسن التربيع في حمله) لما روى سعيد وابن ماجه عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: "من اتبعَ جنازةٌ فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليطوع، وإن شاء فليدَعْ" (٢) إسناده ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، (وكرهه) أي: التربيع في حمله (الآجري وغيره، مع الازدحام) على الجنازة.
стр. 1668
(وهو) أي: التربيع (أفضل من الحمل بين العمودين) لما تقدم (وصفته) أي: التربيع (أن يضع قائمة النعش اليسرى المقدمة) في حال السير، وهي التي تلي يمين الميت (على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إلى) قائمة السرير اليسرى (المؤخّرة) فيضعها على كتفه اليمنى أيضًا، ثم يدعها لغيره (ثم يضع قائمته) أي: النعش (اليمنى المقدمة) وهي التي تلي يسار الميت (على كتفه اليسرى) ثم يدعها لغيره، (وينتقل إلى) قائمة السرير اليمنى (المؤخرة) فيضعها على كتفه اليسرى، فتكون البداءة من الجانبين بالرأس، والختام من الجانبين بالرجلين. نقله الجماعة عن أحمد (١)؛ لما فيها من الموافقة لكيفية غسله، حيث يبدأ بشقه الأيمن إلى رجله، ثم بالأيسر كذلك. لما تقدم أنه ﷺ "كان يحبُّ التيامن في شأنه كلِّه" (٢).
(وإن حمل) الميت (بين العمودين) وهما القائمتان (كل عمود على عاتق، كان حسنًا، ولم يكره) نص عليه (٣) في رواية ابن منصور؛ لأنه ﷺ "حمل جنازةً سعد بن معاذ بين العمودَين" (٤) وروي عن سعد (٥)
стр. 1669
وابن عمر (١) وأبي هريرة (٢) أنهم فعلوا ذَلك. قال في "الرعاية": إِن حمل بين العمودين فمن عند رأسه، ثم من عند رجليه. وفي "المذهب": من ناحية رجليه لا يصلح إلا التربيع. انتهى. لأن المؤخر إن توسط بين العمودين لم يَرَ ما بين قدميه، فلا يهتدي إلى المشي. فعلى هذا يحمل السرير ثلاثة: واحد من مقدمه، يضع العمودين المقدمين على عاتقيه، ورأسه بينهما، والخشبة المعترضة على كاهله، واثنان من مؤخره، أحدهما من الجانب الأيمن، والآخر من الجانب الأيسر يضع كل منهما عمودًا على عاتقه.
(ولا بأس بحمل طفل على يديه. و) لا بأس (بحمل الميت بأعمدة للحاجة) كجنازة ابن عمر. (و) لا بأس بحمل الميت (على دابة لغرض صحيح، كبعد) قبره (ونحوه) كسمن مفرط. قال في "الفروع" و"المبدع": وظاهر كلامهم: لا يحرم حملها على هيئة مزرية، أو هيئة يخاف معها سقوطها. قال في "الفروع": ويتوجه احتمال، وفاقًا للشافعي (٣).
(و لا بأس بالدفن ليلًا) أبو بكر دفن ليلًا (٤)، وعليٌّ دفن فاطمة
стр. 1670
стр. 1671
أولى؛ لأنه أسهل على متبعي الجنازة، وأكثر للمصلين عليها، وأمكن لاتباع السنة في دفنه وإلْحَادِه.
(ويكره) الدفن (عند طلوع الشمس، و) عند (غروبها، و) عند (قيامها) لقول عقبة: "ثلاث ساعاتٍ كان النبي ﷺ ينهانَا عن الصلاة فيهن، وأن نقبر فيهن موتَانا: حين تطلع الشمسُ بازغة حتَّى ترتفعَ، وحين يقومُ قائمُ الظهيرةِ، وحين تتضيف الشمسُ للغروب حتَّى تغربَ" رواه مسلم (١). ومعنى "تتضيف": تجنح وتميل للغروب. من قولك: تضيفت فلانًا، إذا ملت إليه.
(ويسن الإسراع بها) أي: بالجنازة؛ لقوله ﷺ : "أسرعُوا بالجنازةِ، فإن تكُ صالحةً، فخير تقدمونَها إليهِ، وإن كانت غيرَ ذلكَ، فشرٌّ تضعونَهُ عن رقابِكُم" متفق عليه (٢). ويكون (دون الخَبَبِ) نص عليه (٣). وفي "المذهب": وفوق السعي. وفي "الكافي": لا يفرط في الإسراع فيمخضها ويؤذي متبعها. وقال القاضي: يستحب أن لا يخرج عن المشي المعتاد، ولكن يراعي الحاجة، نص عليه (٣)؛
стр. 1672
لحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ : "أنه مر عليه بجنازةٍ تمخضُ مخضًا، فقال: عليكمْ بالقصدِ في جنائزِكم" رواه أحمد (١). فإن خيف عليه التغير، أسرع. والخبب: ضرب من العَدْوِ، وهو خطو فسيح، دون العَنَق -بفتحتين- ضرب من السير فسيح سريع (ما لم يخف عليها منه) أي: من الإسراع، فيمشي بحيث لا يضرها.
(واتباعها) أي: الجنازة (سنة) وفي آخر "الرعاية": اتباعها فرض كفاية؛ لأمر الشارع به في الصحيحين، من حديث البراء قال: "أمرنَا النبي ﷺ باتباع الجنائز" (٢).
стр. 1673
(وهو) أي: اتباع الجنازة (حق للميت ولأهله) قال الشيخ تقي الدين (١): لو قدر لو انفرد، -أي: الميت- لم يستحق هذا الحق، لمزاحم أو لعدم استحقاقه، تبعه لأجل أهله، إحسانًا إِليهم، لتألف أو مكافأة أو غيره، وذكر فعل النبي ﷺ مع عبد الله بن أُبي (٢).
(وذكر الآجري: أن من الخير (٣) أن يتبعها لقضاء حق أخيه المسلم) قال في "الشرح": و اتباع الجنازة على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يصلي عليها ثم ينصرف.
الثاني: أن يتبعها إلى القبر ثم يقف، حتَّى تدفن.
الثالث: أن يقف بعد الدفن، فيستغفر له، ويسأل الله له التثبيت، ويدعو له بالرحمة.
(ويكره لامرأة) اتباع الجنازة؛ لحديث الصحيحين عن أم عطية قالت: "نهينا عن اتباع الجنائزِ، ولم يعزم علينا" (٤). أي: لم يحتم علينا ترك اتباعها، بل نهينا نهي تنزيه.
стр. 1674
стр. 1675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1676
ولأنهم شفعاء، والشفيع يتقدم المشفوع له (١).
(ولا يكره) كون المشاة (خلفها) أي: الجنازة، بل قال الأوزاعي (٢): إنه أفضل؛ لأنها متبوعة.
(و) لا يكره أن يمشوا (حيث شاؤوا) عن يمينها أو يسارها، بحيث يعدون تابعين لها.
(و) يستحب أن يكون (الركبان، ولو في سفينة خلفها) لما روى المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "الراكبُ خلفَ الجنازةِ". رواه الترمذي (٣)،
стр. 1677
وقال: حسن صحيح. ولأن سيره أمامها يؤذي متبعها (فلو ركب وكان أمامها) أي: الجنازة (كره) قاله المجد. قال النخعي: كانوا يكرهونه. رواه سعيد (١).
(ويكره ركوب) متبع الجنازة؛ لحديث ثوبان قال: "خرجْنَا مع رسول الله ﷺ في جنازةٍ، فرأى ناسًا ركبانًا، فقال: ألا تَسْتَحْيُون؟ إن ملائكةَ اللهِ على أقدامِهم، وأنتمْ على ظهورِ الدوابِّ! " رواه الترمذي (٢). (إلا لحاجة) كمرض، (و) إلا (لعود) فلا يكره؛ لما روى جابر بن سمرة: "أن النبيّ ﷺ تبعَ جنازةَ ابن الدحداحِ ماشيًا، ورجع
стр. 1678
على فرسٍ" (١). قال الترمذي: حديث صحيح.
(والقرب منها أفضل) من البعد عنها (فإن بعد) عن الجنازة، فلا بأس (أو تقدم) الجنازة (إلى القبر، فلا بأس) بذلك، أي: لا كراهة فيه.
(و يكره أن يتقدم) الجنازة (إلى موضع الصلاة عليها.
و) يكره (أن تتبع) الجنازة (بنار) للخبر (٢). قيل: سبب الكراهة كونه من شعار الجاهلية. وقال ابن حبيب المالكي (٣): تفاؤلًا بالنار (إلا لحاجة ضوء) فلا يكره إذن للحاجة (وأن تتبع بماء ورد ونحوه. ومثله التبخير عند خروج روحه) يكره في ظاهر كلامهم. وقاله مالك (٤) وغيره؛ لأنه بدعة.
(ويكره جلوس من تبعها) أي: الجنازة (حتى توضع بالأرضِ للدفن) نص عليه (٥)، ونقله الجماعة، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "إذا تبعتُم الجنائز (٦) فلا تجلِسُوا حتى توضَعَ" رواه أبو داود (٧)، وروي
стр. 1679
عن أبي هريرة، وفيه: "حتى توضعَ بالأرضِ" (١). (إلا لمن بعد عنها) أي: عن الجنازة، فلا يكره جلوسه قبل وضعها بالأرض، لما في انتظاره قائمًا من المشقة.
(وإن جاءت) الجنازة (وهو جالس، أو مرت به) وهو جالس (كره قيامه لها) لحديث علي قال: "رأينا رسول الله ﷺ قامَ فقُمْنا تبعًا لهُ، وقعد فقعدنا تبعًا له، يعنى: في الجنازةِ" رواه مسلم وأحمد (٢). وعن ابن سيرين قال: "مُرَّ بجنازةٍ على الحسنِ بن عليٍّ، وابن عباسٍ، فقام الحسنُ، ولم يقمْ ابنُ عباس، فقال الحسنُ لابن عباس: أما قَام لَها رسول الله ﷺ ؟ قالَ ابنُ عباسٍ: قامَ ثم قعد". رواه النسائي (٣).
стр. 1680
(وكان) الإمام (أحمد إذا صلى على جنازة -هو وليها- لم يجلس حتى تدفن) نقله المروذي.
(ونقل حنبل (١): لا بأس بقيامه على القبر حتى تدفن؛ جبرًا وإكرامًا) ووقف عليٌّ على قبر، فقيل: "ألا تجلسُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ فقال: قليلٌ على أخينَا قيامُنا على قبرِه" (٢). ذكره أحمد محتجًا به (٣).
(ويكره رفع الصوت والضجَّة (٤) عند رفعها) لأنه محدث (وكذا) رفع الصوت (معها) أي: مع الجنازة (ولو بقراءة أو ذكر) لنهي النبي ﷺ "أن تتبعَ الجنازةُ بصوتٍ أو نارٍ". رواه أبو داود (٥). (بل يسن)
стр. 1681
القراءة والذكر (سرًا) وإلا الصمت.
(ويُسن) لمتبع الجنازة (أن يكون متخشعًا، متفكرًا في مآله) أي: أمره الذي يؤول إليه، ويرجع (متعظًا بالموت، وبما يصير إليه الميت) قال سعد بن معاذ: "ما تبعتُ جنازةً فحدثتُ نفسي بغير ما هُو مفعولٌ
стр. 1682
بِهَا" (١).
(ويكره) لمتبع الجنازة (التبسم، والضحك أشدُّ منه، والتحدث في أمر الدنيا.
وكذا مسحه بيديه (٢) أو بشيء عليها تبركًا) وقيل بمنعه كالقبر، وأولى. قال أبو المعالي: هو بدعة، يخاف منه على الميت. قال: وهو قبيح في الحياة، فكذا بعد الموت، وفي "الفصول": يكره. قال: ولهذا منع أكثر العلماء من مس القبر، فكيف بالجسد؟! ولأنه بعد الموت كالحياة، ثم حال الحياة يكره أن يمس بدن الإنسان؛
стр. 1683
للاحترام وغيره سوى المصافحة. وروى الخلال (١) في "أخلاق أحمد": أن علي بن عبد الصمد (٢) الطيالسي مسح يده على أحمد، ثم مسحها على يديه، وهو ينظر، فغضب شديدًا، وجعل ينفض يده ويقول: عمن أخذتم هذا؟! وأنكره شديدًا.
(وقول القائل مع الجنازة: استغفروا له، ونحوه بدعة) عند أحمد وكرهه (وحرَّمه أبو حفص) نقل ابن منصور: ما يعجبني (٣). وروى سعيد أن ابن عمر (٤) وسعيد بن جبير (٥) قالا لقائل ذلك: "لا غفر الله لك".
(ويحرم أن يتبعها مع منكر، وهو عاجز عن إزالته، نحو طبل ونياحة، ولطم نسوة، وتصفيق، ورفع أصواتهن) لأنه يؤدي إلى استماع محظور، ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك، وعنه: يتبعها وينكره بحسبه، وفاقًا لأبي حنيفة (٦). (فإن قدر) على إزالته، (تبع) الجنازة (وأزاله) أي: المنكر (لزومًا) لحصول المقصودين. قال في "الفروع": فيعايا بها (فلو ظن إن اتبعها أزيل المنكر؛ لزمه) اتباعها، إجراءً للظن مجرى العلم.
стр. 1684
(وضرب النساء بالدف منكر منهي عنه اتفاقًا، قاله الشيخ) (١) ومن دعي لغسل ميت، فسمع طبلًا أو نَوْحًا، ففيه روايتان، نقل المروذي في طبل: لا (٢). ونقل أبو الحارث وأبو داود في نَوْح: يغسِّله، وينهاهم (٣). قال في "تصحيح الفروع": الصواب إن غلب على ظنه زوال الطبل والنَّوْح بذهابه، ذهب وغسَّله. وإلا، فلا.
فصل في دفن الميت
وتقدم أنه فرض كفاية، وقد أرشد الله قابيل إلى دفن أخيه هابيل، وأبان ذلك ببعث غراب يبحث في الأرض، ليريه كيف يواري سوأة أخيه، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٤) أي: جامعة للأحياء في ظهرها بالمساكن، والأموات في بطنها بالقبور، والكفت: الجمع. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٥) قال ابن عباس: "معناه: أكرمه بدفنه" (٦).
стр. 1685
(ويسن أن يُدْخَل قبره من عند رجليه) أي: رجلي القبر (إن كان أسهل عليهم) لأنه ﷺ "سُلَّ من قبلِ رأسهِ سلًّا" (١) وعبد الله بن يزيد (٢) أدخل الحارث (٣) قبره من قبل رجل القبر، وقال: "هذا من السنة" رواه أحمد (٤). ولأنه ليس بموضع توجه، بل دخول، فدخول الرأس أولى، كعادة الحي؛ لكونه مجمع الأعضاء الشريفة.
(وإلا) أي: وإن لم يكن إدخاله القبر من عند رجليه أسهل،