← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

عائشة وحفصة وزينب في عهده ﷺ (١) (وتجعلُه في مكان لا يُصلِّي فيه الرجالُ) لأنه أبعد في التحفُّظِ لها. نقل أبو داود (٢): يَعتَكِفنَ في المساجدِ، ويُضرَبُ لَهُنَّ فيها الخِيَمُ. (ولا بأس أن يستترَ الرِّجال - أيضًا -) ذكره في "المغني" و"الشرح"؛ لفعله ﷺ (٣)، ولأنه أخفى لعملهم. ونقل ابن إبراهيم (٤): لا، إلا لبرد شديد. (و لا يصحُّ الاعتكافُ (٥) إلا بنيَّة) لحديث: "إنما الأعمَالُ بالنِّيَّاتِ" (٦) ولأنه عبادة محضة كالصوم. (فإن كان) الاعتكافُ (فرضًا) أي: منذورًا (لزِمَه نيَّةُ الفَرضيَّة) ليتميزَ المنذور عن التطوُّع (وإن نوى الخروجَ منه) أي: مِن الاعتكاف (أي: نوى إبطاله، بَطلَ؛ إلحاقًا له بالصلاة والصيام) لأنه يخرج منه بالفساد، بخلاف الحجِّ والعمرة. (ولا يبطُلُ) الاعتكاف (بإغماء) كما لا يبطل بنوم، بجامعِ

стр. 2312

بقاءِ التكليف. (ولا يصحُّ الاعتكاف من رَجُل تلزمُه الصلاةُ جماعة، إلا في مسجد تُقام فيه) الجماعة، فلا يصحُّ بغير مسجد، بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١) فلو صحَّ في غيرها، لم تختصَّ بتحريم المباشرة، إذ هي محرَّمة في الاعتكاف مطلقًا. ولأنه ﷺ "كان يُدخِلُ رأسَهُ إلى عائشةَ وهو معتكِفٌ، فتُرَجِّلُهُ" متفق عليه (٢)، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة. ولا يصحُّ مِمَّن تلزمه الجماعة إلا بمسجد تُقام فيه؛ حِذارًا مِن ترك الجماعة، أو تكرُّرِ الخروج المنافي له، مع إمكان التحرُّز منه. وخرج منه المعذورُ، والصبيُّ، ومَن هو في قرية لا يصلي فيها غيرُه؛ لأن الممنوع منه تَركُ الجماعة الواجبة، وهي منتفية هنا (ولو) كانت إقامة الجماعة (مِن رَجُلين) أو رَجُل وامرأة (معتكفَين) لانعقاد الجماعة بهما، فيخرج مِن عهدة الواجب (إن أتى عليه) أي: الرَّجُل الذي تلزمه الصلاة جماعة (فِعلُ الصلاة زمنَ اعتكافه وإلا) أي: وإن لم يكن المعتكفُ رجلًا تلزمُه الصلاة جماعة، بأن كان امرأة، أو عبدًا، أو صبيًّا، أو معذورًا، أو لم يأتِ عليه زمنَ اعتكافه فِعلُ صلاة، كما لو اعتكف من طلوع الشمس إلى الزوال (صحَّ) اعتكافُه (في كلِّ مسجد) لعموم الآية، والجماعة غير واجبة إذن. وما روى حرب بإسناد جيد عن ابن عباس: "أنه سُئِلَ عن امرَأة

стр. 2313

جَعلت عليها أن تعتكِفَ في مسجِد بيتِها؟ فقال: بِدعَةٌ، وأبغَضُ الأعمالِ إلى الله البِدَعُ، فلا اعتِكافَ إلا في مسجد تُقامُ فيهِ الصَّلاة" (١). أي: مِن شأنه أن تُقام فيه. (وإن كانت) الجماعة (تُقامُ فيه في بعض الزمان) دون بعض (جاز الاعتكافُ فيه) ممن تلزمه الجماعة (في ذلك الزمن) الذي تُقام فيه (فقط) دون الزمان الذي لا تُقام فيه؛ لما سبق. (ولا يصحُّ) الاعتكافُ ممَّن تلزمُه الجماعة (في مسجد تُقام فيه الجمعة دون الجماعة) إذا كان يأتي عليه وقت صلاة؛ لما مَرَّ. (وَظهرُه) أي: المسجد، منه (ورَحَبَتُه (٢) المحوطة وعليها باب، نصًّا) (٣) منه (ومنارتُه التي بابُها فيه، منه) بدليل مَنع الجُنُبِ، وكذا إذا كانت المنارة فيه وإن لم يكن بابها منه (وكذا ما زِيدَ فيه) أي: في المسجد، فهو منه (حتى في الثَّوابِ في المسجد الحرام، وكذا مسجدُ النبيِّ ﷺ ) ما زيدَ فيه؛ حكمُه حكمُه، حتى في الثَّواب (عند الشيخ (٤) وابن رجب (٥) وجَمع، وحُكي عن السَّلف) لما رُوي عن أبي هريرة

стр. 2314

قال: قال رسول الله ﷺ : "لو بُنِيَ هذا المسجدُ إلى صنعاءَ، كان مسجدِي" (١). وقال عمرُ لما زاد في المسجد: "لو زِدنا فيه حتَّى يبلغَ الجبَّانَةَ (٢)، كانَ مسجدَ رسولِ الله ﷺ " (٣). قال ابن رجب في "شرح البخاري" (٤): وقد قيل: إنه لا يُعلم عن السلف خِلافٌ في المضاعفة، وإنما خالف بعضُ المتأخرين مِن أصحابنا منهم ابن الجوزي وابن عَقيل. (وخالفَ فيه ابنُ عَقيل وابن الجوزي وجَمْعٌ. قال في "الفروع": وهو ظاهرُ كلام أصحابنا، وتوقَّفَ أحمدُ) وقال في

стр. 2315

"الآداب" (١): وهذه المضاعفة تختصُّ المسجد (٢) غير الزيادة، على ظاهر الخبر، وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم، أي قوله ﷺ : "في مسجدِي هذا" (٣)؛ لأجل الإشارة. (ولو اعتكف مَن لا تلزمُه الجمعةُ) كالعبد، والمسافر، والمرأة (في مسجد لا تُصلَّى فيه) الجمعةُ (بَطَلَ) اعتكافه (بخروجه إليها، إن لم يشترط) الخروج إليها؛ لأنه خروج لما له بدٌّ منه (والأفضلُ الاعتكافُ في المسجدِ الجامعِ، إذا كانت الجمعةُ تتخلَّلُهُ) أي: الاعتكاف؛ لئلا يحتاجَ إلى الخروج إليها، فيترك الاعتكاف، مع إمكان التحرُّز منه. (وللمرأةِ ومَن لا تلزمُه الجماعةُ، كالمريض، والمَعذُور) بسفر أو غيره (ومَن في قرية لا يُصَلِّي فيه غيرُه، الاعتكافُ في كلِّ مسجد) لعموم الآية (إلا مسجد بيتها، وهو ما اتخذَتهُ لصلاتها) لما تقدم عن ابن عباس (٤)؛ ولأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكمًا، ولو جاز؛ لفعلته أمهاتُ المؤمنين ولو مرة؛ تبيينًا للجواز. (ومَن نَذَرَ الاعتكافَ أو الصلاةَ في مسجد غيرِ) المساجد (الثلاثة، فله فِعلُه) أي: النذر مِن اعتكاف، أو صلاة (في غيره) لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعًا، فلم يتعيَّن بالنذر، ولو تعيَّن؛

стр. 2316

لاحتاج إلى شدِّ رَحْل، وقد قال ﷺ : "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مساجِدَ: المسجِد الحرامِ، والمسجِدِ الأقصَى، ومسجِدي هذا". متفق عليه (١) من حديث أبي هريرة. قال في "المبدع": ولعل مرادهم إلا مسجد قباء؛ لأنه ﷺ "كانَ يأتيهِ كلَّ سبت رَاكبًا ومَاشِيًا، ويصلِّي فيه ركعتينِ" (٢). وكان ابن عمر يفعله. متفق عليه (٣). قال: وعلى المذهب: يعتكف في غير المسجد الذي عيَّنه. وظاهره لا كفَّارة (٤)، وجزم به في "الشرح". (وإن نَذَره) أي: الاعتكاف أو الصلاة (في أحدِ المساجدِ الثلاثةِ: المسجدِ الحرام، ومسجدِ النبيِّ ﷺ ، والمسجدِ الأقصى، لم يجزئه في غيرها) لفضل العبادة فيها على غيرها، فتتعيَّن بالتعيين. (وله شدُّ الرَّحْل إليه) أي: إلى المسجد الذي عيَّنه مِن الثلاثة؛ لحديث أبي هريرة السابق. (وأفضلُها: المسجدُ الحرام، ثم مسجدُ النبيِّ ﷺ ، ثم) المسجدُ (الأقصى) وهو مسجد بيت المقدس؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاةٌ في مسجِدِي هذا خيرٌ مِن ألفِ صلاة فيما

стр. 2317

سواهُ، إلا المسجدَ الحرامَ". رواه الجماعة إلا أبا داود (١)، ولأحمد وأبي داود من حديث جابر بن عبد الله، مثله، وزاد: "وصَلاة في المسجِدِ الحَرَامِ أفضَلُ من مائةِ ألف صلاة فيمَا سِواهُ" (٢). قال ابن عبد البر: هو أحسن حديث رُوي في ذلك (٣). ولأحمد من حديث عبد الله بن الزبير مثل حديث أبي هريرة، وزاد: "وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ من مائَةِ صلاة في هذا" (٤). وكون مسجد الرسول ﷺ

стр. 2318

والمسجد الأقصى لم يُفرض إتيانهما شرعًا، بخلاف المسجدِ الحرام، لا يَمنعُ وجوب الاعتكاف والصلاة فيهما بالنَّذرِ؛ لأن النَّذرَ موجب لما لم يكن واجبًا بأصل الشَّرعِ، وإلحاق غير الثلاثة بها ممتنع؛ لثبوت فضلها على غيرها بالنصِّ. (فإن عَيَّنَ الأفضلَ منها) وهو المسجدُ الحرام (في نَذرِه، لم يجزئه) الاعتكاف ولا الصلاة (فيما دونه) لعدم مساواته له (وعكسُه بعكسِه) أي: إن عَيَّنَ المفضول منها، أجزأه فيما هو أفضل منه، فمَن عَيَّنَ في نَذرِه مسجدَ المدينة، أجزأه فيه، وفي المسجد الحرام فقط، وإن عَيَّنَ الأقصى، أجزأه في كلِّ مِنْ المساجد الثلاثة؛ لحديث جابر "أنَّ رجُلا قال يوم الفتحِ: يا رسولَ الله، إنِّي نذرتُ إن فتحَ الله عليكَ مكَّةَ، أن أصلِّيَ في بيتِ المقدِسِ، فقال: صَلِّ هَاهُنا، فسأله فقال: صَلِّ هَاهُنا، فسألَهُ فقال: شأنُك إذَن" رواه أحمد وأبو داود (١). ورويا

стр. 2319

أيضًا هذا الخبرَ بإسنادهما عن بعض أصحاب النبي ﷺ وزاد: "فقال النبيُّ ﷺ : والذي بَعثَ محمدًا بالحَقِّ، لو صَلَّيتَ هاهنا لقَضَى عنكَ ذلك كلَّ صلاة في بيت المقدس" (١). (وإن نَذَره) أي: الاعتكاف أو الصلاة (في غير هذه المساجدِ) الثلاثة (وأراد الذَّهابَ إلى ما عيَّنه، فإن احتاجَ إلى شدِّ رَحْلٍ، خُيِّر) عند القاضي، وغيره، وهو معنى جَزْمِ بعضهم بإباحته، واختاره الموفَّق في القَصر، ومَنَعَ منه ابن عقيل والشيخ تقي الدين (٢). وإن لم يحتج إلى شَدِّ رَحل، ففي "المبدع": فالمذهب يُخيَّر. وفي "الواضح": الأفضل الوفاء. قال في "الفروع": وهذا أظهر. (وإن دخل فيه) أي: في معتكفه (ثم انهدمَ مُعتكَفُه ولم يُمكنِ المُقامُ فيه، لَزِمَ إتمامُه) أي: الاعتكاف إن كان منذورًا (في غيره، ولم

стр. 2320

يبطل) اعتكافُه بخروجه منه؛ لأنه خروج لما لا بدَّ له منه. (ومَن نَذَرَ اعتكاف شهر) بعينه، كرمضان (أو) نَذَر اعتكاف (عشر بعينه، كالعشر الأخير من رمضان، أو أراد ذلك تطوُّعًا، دخل معتكفَه قبل ليلته الأولى) أي: قبل غروب الشمس، نصَّ عليه (١)، إذ الشهر يدخل بدخول الليلة، بدليل ترتُّبِ الأحكام المعلَّقة به مِن حلول الدَّين، ووقوع الطلاق والعَتَاق المعلَّقَين به، وما لا يتم الواجب إلا به واجب. وأما حديث عائشة: "كان إذا أرادَ أن يعتَكِفَ، صلَّى الفجرَ ثم دخَل معتكَفَه" متفق عليه (٢)، فاعتكافه كان تطوُّعًا، والتطوُّع يَشرع فيه متى شاء. وقال القاضي: يحتمل أنه كان يفعل يوم العشرين ليستظهر ببياض يوم زيادة. (وخَرَجَ) من معتكفه (بعدَ آخرِه) أي: آخر ما عيَّنه، بأن تغرُب شمس آخر يوم منه. نصَّ عليه (٣)؛ لما تقدم. (ولو نَذَر) أن يعتكفَ (يوما معينًا) كيوم الخميس (أو) نَذَر يومًا (مطلقًا) بأن نَذَر أن يعتكف يومًا وأطلق (دَخَلَ) معتكفه (قبل فجرِه الثاني، وخرجَ بعدَ غروبِ شمسِه) لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (ولم يجز تفريقُه بساعات مِن أيام) لأنه يُفهم منه التتابع، أشبه ما لو قيَّده به.

стр. 2321

(فلو كان في وسط النهار، فقال: لله عليَّ أن أعتكف يومًا مِن وقتي هذا، لَزِمَه) الاعتكاف (مِن ذلك الوقت إلى مثله) ليتحقَّق مضي يوم مِن ذلك الوقت (ولا يدخل الليلُ) في نَذره اعتكافَ يوم، فلا يلزمه اعتكافه؛ لأنه ليس مِن اليوم. (وكلُّ زمان معيَّن) نَذَرَ اعتكافه (يدخل) معتكفه (قبلَه، ويخرج بعدَه) لما تقدم (وإن اعتكف رمضان، أو العشر الأخير منه، استُحبَّ أن يبيت ليلة العيد في معتكفه) ليُحييَ ليلة العيد (ويخرج منه إلى المُصلَّى) نصَّ عليه (١). قال إبراهيم (٢): كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفِطر في المسجد، ثم يغدو إلى المُصلَّى مِن المسجد. انتهى. ويكون في ثياب اعتكافه؛ لِيَصِلَ طاعة بطاعة. (وإن نَذَر شهرًا مطلقًا، لَزِمَه شهرٌ متتابعٌ، نصًّا (٣)) لأن الاعتكاف معنى يصحُّ ليلًا ونهارًا، فإذا أطلقه؛ لزمه التتابع، كقوله: لا كلَّمتُ زيدًا شهرًا. وكمدة الإيلاء، والعُنَّة، والعِدَّة. (وحكمُه في دخولِ معتكفِه وخروجِه منه كما تقدَّم) فيدخل قبل الغروب مِن أول ليلة منه، ولا يخرج إلا بعد غروب شمس آخر أيامه (ويكفي شَهرٌ هلاليٌّ ناقصٌ بلياليه، أو ثلاثون يومًا بلياليها) لأن الشهر اسمٌ لِمَا بين الهلالين، ناقصًا كان أو تامًّا، ولثلاثين يومًا.

стр. 2322

(وإن ابتدأ) اعتكافه (الثلاثينَ في أثناء النهار، فتمامُه في مثل تلك السَّاعة مِن اليوم الحادي والثلاثين، وإن ابتدأه في أثناءِ الليلِ، تمَّ) اعتكافُه (في مثل تلك الساعة مِن الليلة الحادية والثلاثين). (وإن نَذَرَ أيامًا) معدودة (أو) نَذَرَ (لياليَ معدودة، فله تفريقُها، إن لم ينوِ التتابعَ) لأن الأيام واليالي المطلقة توجد بدون التتابع، فلم يلزمه، كنذر صومها. واحتجاج ابن عباس (١) في قضاء رمضان بالآية يدلُّ عليه. (ونَذْرُ اعتكافِ يوم لا تدخل ليلتُه) لأنها ليست عنه (وكذا عكسُه) أي: إذا نَذَر اعتكاف ليلة لا يدخل يومها؛ لأنه ليس منها. (وإن نَذَر شهرًا متفرقًا) يعني: نَذَرَ ثلاثين يومًا متفرقة (فله تتابُعُه) ولا يلزمه. (وإن نَذَرَ أيامًا) متتابعة (أو) نَذَرَ (لياليَ متتابعة، لَزِمَه ما يتخللها من ليل) إذا نَذَر الأيام (أو نهار) إذا نَذَر الليالي، نصَّ عليه (٢)؛ لأن اليوم اسمٌ لبياض النهار، والليلُ اسمٌ لسواد الليل، والتثنيةُ والجمعُ تكرار الواحد، وإنما يدخل ما تخلل؛ للزوم التتابع ضمنًا، وهو حاصلٌ بما بينهما خاصة، فإن لم تكن متتابعة، لم يلزمه ما تخللها من ذلك. (وإن نَذر اعتكافَ يومِ يقدمُ فلانٌ، فقدِمَ في بعض النهار، لَزِمه اعتكافُ الباقي منه، ولم يَلزمه قضاءُ ما فات) مِن اليوم قبل قدومه؛

стр. 2323

لأنه فات قبل شرط الوجوب، فلم يجب (كَنَذرِ اعتكافِ زمن ماض) لعدم انعقاده (وإن قدِمَ ليلًا، لم يلزمه شيءٌ) لأنه إنما نَذَرَ يومَ يقدمُ، لا ليلةَ يقدم. ويَرِدُ عليه ما ذكروه في: أنتِ طالق يومَ يقدمُ فلان، فقدِمَ ليلًا، يحنث، ما لم ينوِ النهار. (فإن كان للناذر عُذرٌ يمنعه الاعتكافَ عند قُدومِ فلان، مِنْ حَبْسٍ أو مَرَض، قضى وكفَّر) كفَّارة يمين؛ لفوات المحل (ويقضي بقيةَ اليوم) الذي قدِمَ فيه فلان (فقط) دون ما مضى منه؛ لأن القضاء تابع للأداء. فصل (مَن لزمه تتابعُ اعتكاف (١)) كمن نَذَر شهرًا أو أيامًا متتابعة ونحوه (لم يَجُز له الخروجُ إلا لما لا بُدَّ منه) لما رُوي عن عائشة أنها قالت: "السُّنةُ للمعتكفِ أن لا يَخرجَ إلا لما لا بُدَّ له (٢) منه" رواه أبو داود (٣) (كحاجةِ الإنسان مِن بول وغائط) قال في "المبدع": إجماعًا (٤)، وسندُه قول عائشة: "كان النبيُّ ﷺ لا يَدخلُ البيتَ إلَّا لحاجة الإنسان" متفق عليه (٥). ولو بطل بالخروج إليهما، لم يصحَّ لأحد اعتكافٌ، وكُنِّيَ بها عنهما؛ لأن كل إنسان يحتاج إلى فِعلهما (و)

стр. 2324

كـ (قَيء بَغَتَهُ، وغَسلِ متنجِّس يحتاجُه) لأن ذلك في معنى البول والغائط (والطهارةِ عن حَدَث) كغسل جَنابة ووضوء لحَدَث، نصَّ عليه (١)؛ لأن الجُنُبَ يحرم عليه اللُّبْثُ في المسجد، والمُحدِثَ لا تصحُّ صلاتُه بدون وُضوء. و (لا) يخرج لطهارة غيرِ واجبة، كغُسل الجمعة، و (التجديدِ، وله تقديمها) أي: الطهارة الواجبة (ليصلِّي بها أول الوقت) لأنه لا بُدَّ مِن الوضوء للحَدَث؛ وإنما يتقدَّم عن وقت الحاجة إليه لمصلحة، وهي كونه على وُضوء، وربما يَحتاج إلى صلاة النافلة. (و) له أن (يتوضَّأ في المسجد) ويَغتسل فيه (بلا ضَرَر) أي: إذا لم يؤذِ بهما. (فإذا خَرَجَ) المعتكف لما لا بُدَّ له منه (فله المشيُ على عادته مِن غير عَجَلة) لأن عليه فيها مشقَّة (و) له (قَصْدُ بيته إن لم يجد مكانًا يليق به، لا ضَرَر عليه فيه ولا مِنَّةٍ، كسِقاية) أي: ميضأة (لا يَحتَشِمُ مثلُه منها، ولا نَقصَ عليه) في دخولها، قالوا: ولا مخالفة لعادته. وفيه نظر، قاله في "الفروع". (ويَلزمه قَصْدُ أقربِ منزليه) لِدَفعِ حاجته به، بخلاف مَن اعتكف في المسجد الأبعد منه، لعدم تعيين أحدهما قبل دخوله للاعتكاف. (وإن بَذَل له صديقُه أو غيرُه منزلَه القريبَ لقضاء حاجته، لم يلزمه) قَبوله (للمشقَّة بترك المروءة والاحتشام) منه. (ويَخرجُ) المعتكف (ليأتي بمأكول ومشروب يَحتاجه، إن لم يكن

стр. 2325

له مَن يأتيه به) نصَّ عليه (١)؛ لأنه في معنى ما سبق. (و لا يجوز خروجُه لأجل أكله وشُربِه في بيته) لعدم الحاجة، لإباحة ذلك في المسجد، ولا نقصَ فيه. وذكر القاضي أنه يتوجَّه الجواز، واختاره أبو حَكيم؛ لما فيه مِن تَرْكِ المروءة، ويَستحيي أن يأكل وحده، ويريد أن يخفي جنس قُوْتِهِ. (وله غَسْلُ يدِه فيه) أي: المسجد (في إناء مِن وَسَخ وزَفَر (٢) ونحوهما) كغسل يديه مِن نوم الليل في إناء (ليُفرَغَ خارجَ المسجدِ) لأنه لا ضرر على المصلين بذلك (ولا يجوز أن يَخرجَ لغَسلِهما) مما ذكر؛ لأن له منه بدًّا. (ويَخرجُ للجُمُعةِ إن كانت واجبة عليه) لأنه خروج لواجب، فلم يبطل اعتكافه، كالمُعتدَّة (أو شَرَطَ الخروجَ إليها) أي: وإن لم تكن واجبة؛ للشرط. (وله التبكيرُ إليها) نصَّ عليه (٣)؛ لأنه خروج جائز، فجاز تعجيلُه، كالخروج لحاجة الإنسان. (و) له (إطالةُ المُقامِ بعدَها) أي: الجمعة، ولا يُكره؛ لصلاحية الموضع للاعتكاف.

стр. 2326

(ولا يَلزمُه) إذا خرج للجُمُعةِ (سُلُوكُ الطريقِ الأقربِ) بل له سُلُوكُ الأبعدِ، وفي "المبدع": والأفضل سُلُوكُ الأبعد، إن خرج لجمعة وعيادة وغيرهما. وذكر قبله: قال بعض أصحابنا: الأفضل خروجه لذلك، وعوده في أقصر طريق، لا سيما في المنذور. (ويُستحبُّ له سُرعةُ الرُّجوعِ بعدَ) صلاته (الجُمُعةِ) إلى معتكفه، ليتم اعتكافه فيه. (وكذا) له الخروج (إن تعيَّن خروجُه لإطفاءِ حريق، وإنقاذِ غريق، ونحوه) كمن تحت هَدم (ولنفير متعيِّن إن احتيج إليه) لأن ذلك واجب كالجُمُعة (ولشهادة تعيَّن عليه أداؤها، فيلزمه الخروجُ) لذلك؛ لظاهر الآيات، والتحمُّل كالأداء، كما يأتي في الشهادات. (ولخوف مِن فتنة على نفسه، أو حُرْمتِه، أو ماله نَهبًا وحريقًا ونحوه) كالغرق (١)؛ لأنه عُذِرَ في تَرك الواجب بأصل الشرع كالجُمُعةِ، فههنا أَولى. (ولمرض يتعذَّر معه المُقامُ) كالقيام المتدارك (أو لا يمكنه) المُقام معه (إلا بمشقَّة شديدة، بأن يحتاج إلى خِدمة، أو فِراش) فله الخروجُ؛ لما تقدم (ولا يبطُلُ اعتكافُه) بخروجه لشيء مما تقدم لدعاء الحاجة إليه. و (لا) يجوز له الخروج (إن كان المرضُ خفيفًا، كصُداع وحُمَّى خفيفة) ووَجعِ ضرس؛ لأنه خروج لما له منه بُدٌّ، أشبه المبيت ببيته. (وإن أكرهه السلطانُ أو غيرُه على الخروج) مِن معتكفه (بأن

стр. 2327

حُمِل وأُخرج (١)، أو هدَّده قادرٌ) بسلطنة أو تغلب كلصٍّ وقاطع طريق (فخرج بنفسه، لم يبطل اعتكافُه) بذلك؛ لأن مثل ذلك يبيح تَرْك الجُمُعةِ والجماعة، وعِدَّة الوفاة بالمنزل، فما أوجبه بنَذره أَولى (كحائض، ومريض، وخائف أن يأخذه السُّلطانُ ظلمًا، فخرج واختفى) فلا يبطل اعتكافه بخروجه؛ للعُذر. (وإن أخرجَه) سلطان أو غيره (لاستيفاء حقٍّ عليه، فإن أمكنه الخروج منه) أي: مِن الحقِّ عليه (بلا عُذر، بَطَل اعتكافُه) لأنه خروج لما له منه بُدٌّ (وإلا) أي: وإن لم يمكنه الخروج منه (فلا) يبطل اعتكافُه (لوجوب الخروج) عليه. (وإن خَرَج) المعتكف (مِن المسجد ناسيًا، لم يبطل) اعتكافُه؛ لحديث: "عُفِي لأمتي عن الخطأ والنِّسيان وما استُكرهُوا عليه" (٢). (ويبني) على اعتكافه (إذا زال العُذرُ في الكُلِّ) أي: كل ما تقدم أن الاعتكاف لا يبطل فيه (فإن أخَّر الرجوع إليه) أي: إلى الاعتكاف (مع إمكانه، بَطَل ما مضى) كما لو خرج لما له منه بُدٌّ (كمرض وحيض) زالا، وأخَّر الرجوع بعد زوالهما، فإن اعتكافه يبطل بذلك. و (تَخرج المرأةُ) المعتكفة مِن المسجد (لوجود حَيض ونفِاس، فترجع إلى بيتها، فإذا طَهُرت) مِن الحيض والنفاس (رَجعت إلى المسجد) لأن اللُّبثَ معهما في المسجد حرام، هذا إن (٣) لم يكن

стр. 2328

للمسجد رَحَبَةٌ (١) (وإن كان له رَحَبةٌ غيرُ مَحوطة) قيَّدَ به ابن حمدان، وهو ظاهر؛ لأن المَحوطة مِن المسجد، فحكمها حكمه (يمكنها ضَرْبُ خِباء) - هو ما يُعمل من وَبَر أو صوف، وقد يكون مِن شعر، وجمعه: أخبية، بغير همز، مثل كساء وأكسية، ويكون على عودين، أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت، قاله في "الحاشية" - (فيها بلا ضَرر، سُنَّ) لها ضَرب الخِباء بها، وأن تجلِس بها (إن لم تخف تلويثًا، فإذا طَهُرت، دخلت المسجدَ) لِتُتِمَّ اعتكافَها؛ لما روى المقدام بن شُريح عن عائشة، قانت: "كُنَّ المعتكفاتُ إذا حِضنَ أمرَ رسول الله ﷺ بإخراجهنَّ مِن المسجدِ، وأن يَضربنَ الأخبِيةَ في رَحَبةِ المسجدِ حتَّى يَطهُرنَ" رواه أبو حفص (٢) بإسناده. (و) تَخرج المُعتكفة (لِعدَّة وفاة) في منزلها؛ لوجوبها شرعًا، كالجُمعة، وهو حَقٌّ لله ولآدمي، لا يُستدرك إذا تُرِك، بخلاف الاعتكاف، ولا يبطل به (ونحوها) أي: المذكورات (مما يجبُ الخروجُ له) كما إذا تعيَّنت عليه صلاة جنازة خارجة ودَفن ميت.

стр. 2329

(ولا تُمنعُ المستحاضة الاعتكاف) لأن الاستحاضة لا تمنع الصلاة، وقد قالت عائشة: "اعتكَفَت مَع رسول الله ﷺ امرأةٌ من أزواجِه مُستحاضَة، فكانت ترى الحُمرة والصُّفرةَ، وربما وضَعَت الطستَ تحتها وهي تُصلِّي" رواه البخاري (١) (ويجب عليها أن تتحفَّظ، وتتلجَّم؛ لئلا تلوِّث المسجدَ، فإن لم يمكن صيانتُه منها، خرجت منه) لوجوب صيانته عن النجاسات بأصل الشرع. (ولا يعودُ) المعتكف (مريضًا، ولا يشهدُ جِنازة، ولا يُجهِّزُها خارجَ المسجد إلا بشرط) بأن يشترط ذلك في ابتداء اعتكافه (أو وجوب) بأن يتعيَّن ذلك عليه، لعدم غيره؛ لأنه لا بُدَّ منه إذن (وكذا كل قُربة لا تتعيَّنُ) عليه (كزيارة) رَحِم أو صديق (وتحمُّلِ شهادة وأدائها) إذا لم يتعيَّنا عليه، لم يخرج إلا بشرط (وتغسيلِ ميِّت، وغيرِه) لا يخرج إليه إلا بشرط ما لم يتعيَّن عليه. (وإن شَرَط ما له منه بُدٌّ، وليس بقُربة، كالعشاء في منزله، والمبيتِ فيه، جازَ له فِعله) لأنه يجب بعقده، كالوقف، ولأنه يصير كأنه نَذَر ما أقامه، ولتأكُّد الحاجة إليهما، وامتناع النيابة فيهما. و (لا) يصحُّ الشرط (إن شَرَط) المعتكف (الوطءَ، أو) شرط الخروج لأجل (الفُرْجة، أو النُّزهة، أو الخروجَ للبيع والشراءِ للتجارة، أو) شرط (التكسُّب بالصناعة في المسجد) والخروج (٢) لما شاء؛ لأن ذلك ينافي الاعتكاف صورة ومعنى، كشرط تَرْك الإقامة

стр. 2330

بالمسجد، وكالوقف لا يصحُّ فيه شرط ما ينافيه. (وإن قال: متى مرضتُ، أو عَرض لي عارضٌ خرجتُ، فله شَرْطه) كالشرط في الإحرام، وإفادته: جواز التحلُّل إذا حدث عائق عن المضي. (وله السؤالُ عن المريض) ما لم يعرِّج أو يقف لمسألته (و) له (البيعُ والشراءُ في طريقه إذا خرج لما لا بُدَّ منه، ما لم يُعرِّج أو يقف لمسألة) لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (١)، ورُويَ عن عائشة قالت: "إن كنتُ لأدخلُ البيتَ والمريضُ فيه، فما أسألُ عنه إلا وأنا مارَّةٌ" متفق عليه (٢). ولأنه لم يترك بذلك شيئًا مِن اللُّبْثِ المستحق، فأشبه ما لو سَلَّم أو ردَّ السلام في مروره. (وله) أي: للمعتكف إذا خرج لما لا بُدَّ له منه (الدُّخولُ إلى مسجد) آخر (يُتمُّ اعتكافَه فيه، إن كان) ذلك المسجد (أقربَ إلى مكان حاجته من) المسجد (الأول) لأن المسجد الأول لم يتعيَّن بصريح النذر، فأَولى أن لا يتعيَّن بشروع الاعتكاف فيه؛ ولأنه لم

стр. 2331

يترك بذلك لُبْثا مستحقًّا، أشبه ما لو انهدم المسجد الأول، أو أخرجه منه سلطان، فخرج من ساعته إلى مسجد آخر، فأتمَّ اعتكافه فيه. (وإن كان) المسجدُ الذي دخل إليه (أبعدَ) مِن محلِّ حاجته من الأول (أو خرج) المعتكف (إليه) أي: إلى المسجد الثاني (ابتداء بلا عُذْر، بَطَل أعتكافُه) لتركه لُبْثا مستحقًّا. (فإن كان المسجدان متلاصِقين، بحيث يخرج مِن أحدهما فيصير في الآخر، فله الانتقالُ من أحدهما إلى الآخر) لأنهما كمسجد واحد انتقل مِن إحدى زاويتيه إلى الأخرى (وإن كان يمشي بينهما) أي: بين المسجدين (في غيرهما، لم يجز له الخروج، وإن قَرُب) ما بينهما، ويبطل اعتكافه بمشيه بينهما، لتركه اللُّبث المستحق إذن. (وإن خَرَج لما لا بُدَّ منه خُروجًا معتادًا) يعني لعُذر معتاد (كحاجة الإنسان) أي: البول (١) والغائط (وطهارة مِن الحدث، والطعام والشراب، والجُمُعة، والحيض، والنِّفاس، فلا شيء فيه) أي: لا قضاء؛ لأن الخروج له كالمستثنى؛ لكونه معتادًا، ولا كفَّارة؛ إذ لو وجب فيه شيء لامتنع معظم الناس مِن الاعتكاف، بل هو باق على اعتكافه، ولم تنقص به مدتُه. (وإن خَرَج لـ) ـعُذر (غير معتاد، كنفير، وشهادة واجبة، وخوف مِن فِتنة، ومرض ونحو ذلك) كقيء بَغَتَهُ، وغَسْل متنجس يحتاجه، وإطفاء حريق، ونحوه (ولم يتطاول، فهو على اعتكافه، ولا يقضي الوقتَ الفائت بذلك؛ لكونه يسيرًا) مباحا، أشبه حاجة الإنسان

стр. 2332

وغسل الجنابة (وإن تطاول) غير المعتاد مِن المذكورات (فإن كان الاعتكاف تطوُّعًا، خُيِّر بين الرُّجوع وعدمِه) لعدم وجوبه بالشروع (١)، كما تقدم (وإن كان) الاعتكاف (واجبًا، وَجَبَ عليه الرجوع إلى مُعتكفه) لأداء ما وجب عليه. (ثم لا يخلو) النذرُ (مِن ثلاثة أحوال) بالاستقراء: (أحدها: نَذَر اعتكافَ أيام غير متتابعة ولا معيَّنة) كنذره عشرة أيام مع الإطلاق (فيلزمُه أن يُتِمَّ ما بقي عليه) مِن الأيام محتسبًا بما مضى (لكنه يبتدئ اليومَ الذي خرج فيه مِن أوله) ليكون متتابعًا. وقال المجد: قياس المذهب: يُخير بين ذلك وبين البناء على بعض اليوم، ويُكفِّر، وهو ظاهر، قاله في "المبدع" (ولا كفَّارة) عليه؛ لأنه أتى بالمنذور على وجهه. (الثاني: نَذَرَ أيامًا متتابعة غير معيَّنة) بأن قال: لله عليَّ أن أعتكف عشرة أيام متتابعة، فاعتكف بعضها، ثم خَرَج لما تقدم وطال (فَيُخيَّر بين البناء على ما مضى، بأن يقضي ما بقي مِن الأيام، وعليه كفَّارة يمين) جبرًا لفوات التتابع (وبين الاستئناف بلا كفَّارة) لأنه أتى بالمنذور على وجهه، فلم يلزمه شيءٌ، كما لو نَذَر صوم شهر غير معين، فشرع فيه، ثم أفطر لعُذر. (الثالث: نَذَرَ أيامًا معينة، كالعشر الأخير مِن رمضان، فعليه قضاء ما تَرَك) ليأتي بالواجب (و) عليه (كفَّارة يمين) لفوات المحلِّ. (وإن خرج) المعتكفُ (جميعه لما لَه منه بُدٌّ مختارًا عمدًا، أو

стр. 2333

مكرهًا بحق) كمَن عليه دَينٌ يمكنه الخروج منه ولم يفعل، فأخرج له (بَطَلَ) اعتكافه (وإن قلَّ) زمنُ خروجه لذلك؛ لأنه خرج مِن معتكفه لغير حاجة، كما لو طال. وعُلِم من قوله: "جميعه" أنه لو خَرَجَ بعضُ جسده، لم يبطل اعتكافه، نصَّ عليه (١)؛ لقول عائشة: "كانَ رسول الله ﷺ إذا اعتكَفَ يُدني رأسَهُ إليَّ، فأرَجِّلُهُ" متفق عليه (٢). (ثم إن كان) المعتكف (في) نَذْر (متتابع بشرط أو نيَّة) بأن كان نَذَرَ عشرة أيام متتابعة أو نواها كذلك، ثم خرج لذلك (استأنف) لأنه لا يمكنه فِعل المنذور على وجهه إلا به (ولا كفَّارة) عليه؛ لإتيانه بالمنذور على وجهه (وإن كان) خرج مِن مُعتكفه (مُكرهًا بغير حَقٍّ، أو ناسيًا، فقد تقدم) حكمه قريبًا. (وإن كان) المعتكف (في) نَذْر (معيَّن متتابع، كنَذْرِ شعبان متتابعًا، أو في) نَذر (معيَّن) كشعبان (ولم يقيِّده بالتتابع، استأنف) لتضمُّن نَذْره التتابع، ولأنه أَولى مِن المُدَّة المطلقة (وكفَّر) كفَّارة يمين؛ لتركه المنذور في وقته المعين بلا عُذر. (ويكون القضاءُ) في الكُلِّ (والاستئناف في الكُلِّ على صفة الأداء فيما يمكن) فإن كان الأول مشروطًا فيه الصَّوم، أو في أحد المساجد الثلاثة أو نحو ذلك، فإن المقضي أو المستأنف يكون كذلك، بخلاف ما لا يمكن، كما لو عيَّن زمنًا ومضى، فإنه لا يمكن تداركه، لكن لو نَذَرَ اعتكافًا في شهر رمضان ثم أفسده، فهل يلزمه قضاؤه في مثل تلك الأيام؟ على وجهين، وظاهرُ كلام أحمد لزومه. وهو اختيار

стр. 2334

ابن أبي موسى؛ لأن في الاعتكاف في هذا الزمن فضيلة لا توجد في غيره، فلا يجزئ القضاء في غيره، كما لو نَذَرَ الاعتكاف في المسجد الحرام، ثم أفسده (١)؛ وعلى هذا: فلو نَذَرَ (٢) اعتكاف عشرة أيام، فشرع في اعتكافها في أول العشر الأواخر ثم أفسده، لزمه قضاؤه في العشر مِن قابل؛ لأن اعتكاف العشر لزمه بالشروع عن نَذرِه، فإذا أفسده، لزمه قضاؤه على صفة ما أفسده. ذكره ابن رجب (٣) في القاعدة الحادية والثلاثين. (ويَحرُمُ عليه) أي: المعتكف (الوطء) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤) (فإن وطئ) المعتكف (في فَرْجٍ ولو ناسيًا، فَسَدَ اعتكافُه) لما روى حَربٌ في "مسائله" عن ابن عباس قال: "إذا جامعَ المعتكفُ، بَطلَ اعتِكافُهُ، واستأنَفَ الاعتكافَ" (٥)؛ ولأن الاعتكاف عبادة تَفسد بالوطء عمدًا، فكذلك سهوًا، كالحجِّ (ولا كفَّارة للوطء) لعدم النصِّ، والقياس لا يقتضيه (بل) عليه الكفَّارة (لإفساد نَذْره) إذا كان معينًا، وهي كفَّارة يمين. (وإن باشر) المعتكفُ (دون الفَرْج) أو قبَّل (لغير شهوة، فلا

стр. 2335

بأس) كغسل رأسه، وترجيل شعره؛ لحديث عائشة (١) (و) إن باشر دون الفَرْج أو قبَّل (لشهوة، حَرُمَ) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢) (فإن أنزل، فكوَطء، فَيَفسُدُ) اعتكافُه، ولا كفَّارة له، بل لإفساد نَذره (وإلا) أي: وإن لم يُنزل بالمباشرة دون الفَرْج (فلا) إفساد كالصوم. (وإن سَكِرَ) المعتكف (ولو ليلًا) بطل اعتكافُه؛ لخروجه عن كونه مِن أهل المسجد، كالمرأة تحيض. (أو ارتدَّ) المعتكف (بَطَلَ اعتكافه) لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣) ولأنه خرج عن كونه مِن أهل العبادة (ولا يبني) إذا زال سُكرُه (٤) أو عاد إلى الإسلام (لأنه غير مَعذور) بخلاف المرأة تَحيضُ. (وإن شربَ) المعتكفُ مُسكرًا (ولم يَسكر، أو أتى كبيرةً، لم يَفسد) اعتكافُه؛ لأنه لا يخرج بذلك عن أهليته له. (ويُستحبُّ للمعتكف التشاغلُ بفعل القُرَبِ) أي: كل ما يُتقرَّب به إلى الله تعالى، كالصلاة، وتلاوة القرآن، وذِكْرِ الله تعالى، ونحو ذلك. (و) يُستحبُّ له (اجتنابُ ما لا يَعنيه) بفتح أوله، أي: يهمُّه (مِن جِدال ومِراء وكثرة كلام وغيره) لقوله ﷺ : "مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ

стр. 2336

تَرْكُهُ ما لا يَعنيه" (١) و (لأنه مَكروه في غيره) أي: غير الاعتكاف (ففيه أَولى) روى الخلال عن عطاء قال: "كانُوا يَكرهونَ فُضولَ الكلام، وكانُوا يَعدَّونَ فضولَ الكلام ما عَدا كتابَ الله أن تَقرأهُ، أو أمر (٢) بمعروف، أو نهي (٣) عن منكَر، أو تنطِق في مَعيشتِكَ بما لا بُدَّ لك مِنهُ" (٤). (ولا بأس أن تزورَه) في المسجد (زوجتُه وتتحدَّث معه، وتُصلِحَ رأسه أو غيره، ما لم يلتذَّ بشيء منها، وله أن يتحدَّث مع مَن يأتيه ما لم يُكثر) "لأن صفية زارته ﷺ فَتَحَدَّثَ معها" (٥) و"رَجَّلَت عائشةُ رأسَهُ" (٦). (و) له أن (يأمر بما يريد خفيفًا) بحيث (لا يَشغَلُه) لقول عليٍّ: "أيُّما رَجُل اعتكَفَ فلا يُسَاب ولا يَرفُث في الحديث، ويأمُرُ أهلَه

стр. 2337

بالحاجةِ، أي: وهو يمشي، ولا يجلس عندهم" رواه أحمد (١). (ولا يبيع) المعتكف (ولا يَشتري إلا ما لا بُدَّ له منه: طعام أو نحو ذلك) خارج المسجد، مِن غير أن يقف، أو يُعرِّج لذلك، كما تقدم (٢). ويأتي البيع والشراء في المسجد. (وليس الصَّمتُ مِن شريعة الإسلام، قال ابن عَقيل: يُكره الصمتُ إلى الليل. وقال الموفق والمجد: ظاهر الأخبار تحريمه، وجَزَمَ به في "الكافي") قال في "الاختيارات" (٣): والتحقيق في الصمت أنه إن طال حتى تضمَّن تَرْكَ الكلام الواجب، صار حرامًا، كما قال الصدِّيق (٤)، وكذا إن تعبَّد بالصمت عن الكلام المُستحبِّ. والكلام المحرَّم يجب الصمتُ عنه، وفضول الكلام ينبغي الصمتُ عنها. (وإن نَذَره) أي: الصمت (لم يفِ به) لحديث عليٍّ قال: "حفظتُ مِن رسول الله ﷺ أنهُ قال: لا صُمَاتَ يوم إلى الليلِ" رواه أبو داود (٥). وعن ابن عباس قال: "بينا النبيُّ ﷺ يخطبُ إذا هو برجل قائم، فسأل

стр. 2338

عنه، فقالوا: أبو إسرائيلَ، نَذَرَ أن يقومَ في الشمس، ولا يقعدَ، ولا يَستظِلَّ، ولا يَتكلَّمَ، وأن يصومَ، فقال النبي ﷺ : مروهُ فليستظِلَّ، وليتكلَّم، وليَقعد، وليُتِمَّ صومَهُ". رواه البخاري وابن ماجه وأبو داود (١).

стр. 2339

و"دخَلَ أبو بكر على امرَأة من أحمَسَ يُقالُ لها: زينب، فرآها لا تتكَلَّمُ، فقال: ما لها لا تَتكَلَّمُ؟ فقالوا: حجَّت مُصمتَة، فقال لها: تَكَلَّمِي، فإن هذا لا يحلُّ، هذا مِن عملِ الجاهليةِ، فتكلَّمَت" رواه البخاري (١). ويجمع بين قول الصدِّيق هذا وقوله: "مَن صَمَت نجا" (٢) بأن قوله الثاني محمول على الصمت عمَّا لا يَعنيه، كما قال تعالى: ﴿لَا

стр. 2340

خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). (ولا يجوزُ أن يجعل القرآنَ بدلًا مِن الكلام) لأنه استعمالٌ له في غير ما هو له، فأشبه استعمال المصحف في التوسُّدِ ونحوه (وتقدم) ذلك (في) باب (صلاة التطوُّع (٢). وقال الشيخ (٣): إن قَرأ عند الحُكم الذي أُنزل له، أو) قرأ (ما يُناسِبه، فَحَسنٌ، كقوله لمن دعاه لذنب تاب منه: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ (٤)، قوله عند ما أهمَّه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٥). ولا يُستحبُّ له) أي: للمعتكف (إقراءُ القرآن، وتدريسُ العِلم، ومناظرةُ الفقهاء ومجالستُهم، وكتابةُ الحديث فيه، ونحوُ ذلك مما يتعدَّى نفعُه) لأنه ﷺ كان يَعتكف، فلم يُنقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصَّة به، ولأن الاعتكاف عبادة مِن شرطها المسجد، فلم يُستحبَّ فيها ذلك كالطواف. واختار أبو الخطاب استحبابه إذا قَصَدَ به الطاعة، لا المباهاة. (لكن فِعلُه لذلك) أي: لإقراء القرآن، وتدريس العلم، ومناظرة الفقهاء، ونحو ذلك (أفضلُ من الاعتكاف؛ لتعدِّي نفعِه). (ولا بأس أن يتزوَّج في المسجد، ويشهد النكاحَ لنفسِه وغيره)

стр. 2341

لأن النكاح طاعة، وحضوره قُربة، ومدته لا تتطاول، فهو كتشميت العاطس وردِّ السلام. (و) لا بأس أن (يُصلِحَ بين القوم، ويعود المريضَ، ويصلِّي على الجنائز، ويهنيء، ويعزِّي، ويؤذِّن، ويُقيمَ، كلُّ ذلك في المسجد) لأنه لا ينافيه. (ويُستحبُّ له) أي: للمعتكف (تَرْكُ لُبس رفيع الثياب، والتلذُّذ بما يُباح له قبل الاعتكاف، و) أن (لا ينام إلا عن غَلبة، ولو مع قُرْبِ الماء، وأن لا ينام مضطجعًا، بل متربعًا مستندًا، ولا يُكره شيءٌ مِن ذلك، ولا بأس بأخذ شعره وأظفاره، و) لا بأس (أن يأكلَ في المسجدِ، ويضع سُفرة) وشبهها (يَسقطُ عليها ما يقعُ منه؛ لئلا يُلوِّث المسجدَ (١). ويُكره أن يتطيب) المعتكف؛ لأن الاعتكاف عبادة تختصُّ مكانًا فكان تَرْكُ الطيب فيها مشروعًا كالحجِّ. قال أحمد (٢): لا يُعجبني أن يتطيبَ.

стр. 2342

فصل في أحكام المساجد (يجبُ بناءُ المساجدِ في الأمصارِ والقُرى والمحالِّ) جَمْعُ محِلَّة بكسر الحاء (ونحوها، حَسَبَ الحاجة) فهو فرض كفاية. قال المَرُّوذي: سمعت أبا عبد الله يقول: ثلاثة أشياء لا بُدَّ للناس منها: الجسور، والقناطر - وأراه ذَكَرَ - المصانع (١) والمساجد (٢) انتهى. وفي الحثِّ على عمارة المساجد ومراعاة مصالحها آثارٌ كثيرة، وأحاديثُ بعضُها صحيح (٣). و يُستحبُّ اتخاذ المساجد في الدُّور، وتنظيفها، وتطييبها؛ لما روت عائشة قالت: "أمرَ رسولُ الله ﷺ ببناء المساجد في الدُّور، وأن تُنظَّفَ وتطيَّبَ". رواه أحمد (٤).

стр. 2343

(وأَحبُّ البلاد إلى الله مساجدُها، وأبغضُ البلاد إلى الله أسواقُها" رواه مسلم (١) عن أبي هريرة مرفوعًا. (ومَن بنى مسجدًا لله، بنى الله له بيتًا في الجنَّة) لحديث عُثمان قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن بنى مسجدًا - قال بُكَير: حسبت أنه قال: يبتغي به وَجهَ الله - بنَى الله له بيتًا في الجنَّة". متفق عليه (٢).

стр. 2344

(وعِمارة المساجد ومُراعاةُ أبنيتها مستحبَّة) للأخبار. (ويُسنُّ أن يُصان كلُّ مسجد عن كل وَسَخ، وقَذَر، وقَذاة (١)) عَين (ومُخاط، وتقليم أظفار، وقصِّ شارب، وحَلْق رأس، ونَتْفِ إبط) لحديث أنس قال: قال ﷺ : "عُرضت عليَّ أجورُ أمتِي، حتَّى القَذاة يُخرجها الرجلُ من المسجدِ". رواه أبو داود (٢). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أخرج أذى من المسجد، بنى الله له بيتًا في الجنة" (٣). لأن المساجد لم تُبنَ لذلك.

стр. 2345

(و) يُسَنُّ - أيضًا - أن يُصان (عن رائحة كريهة مِن بَصَل وثوم وكُرَّاث ونحوها) كفجل، وإن لم يكن فيه أحدٌ؛ لقوله ﷺ : "إن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الناسُ" رواه ابن ماجه (١). وقال: "مَن أكلَ من هاتين الشجرتين فلا يَقربَنَّ مُصلَّانا" (٢). وفي رواية: "فلا يَقرَبنا في مساجِدِنا" رواه الترمذي (٣) وقال: حسن صحيح.

стр. 2346

(فإن دَخَله) أي: المسجد (آكِلُ ذلك) أي: مَا لَهُ رائحةٌ كريهة من ثوم وبصل ونحوهما (أو) دَخَله (مَن له صُنَانٌ (١) أو بَخَرٌ، قَوِيَ إخراجه) أي: استحبابُ إخراجه؛ إزالة للأذى (وعلى قياسه: إخراجُ الريح من دُبُرِه فيه) أي: في المسجد بجامع الإيذاء بالرائحة، فيُسَنُّ أن يُصانَ المسجد عن ذلك، ويُخرج منه لأجله. (و) يُصان المسجد (عن (٢) بُزاق، ولو في هوائه) أي: هواء المسجد، كسطحه؛ لأنه كقراره (وهو) أي: البُزاق (فيه) أي: المسجد (خطيئة) للخبر (٣) (فإن كانت أرضُه) أي: المسجد (حصباءَ ونحوَها) كالتراب والرمل (فكفَّارتُها دَفنُها) للخبر (٤) (وإلا) أي: وإن لم تكن أرضُه حصباءَ ونحوها، بل كانت بلاطًا أو رُخامًا (مَسَحَها بثوبِه أو غيره) لأن القصد إزالتها (ولا يكفي تغطيتها بحصير) لأنه لا إزالة في ذلك (وإن لم يُزِلها) أي: البصقة أو النخامة، ونحوها (فاعلُها، لزم غيرَه) مِن كل مَن علم بها (إزالتُها بدَفن) إن كانت أرضُه حصباءَ ونحوها (أو غيره) كمسح بثوب ونحوه، إن لم تكن أرضُه كذلك.

стр. 2347

(فإن بَدرَه البُزاق) في المسجد (أخذه بثوبه وحكَّه) أي: الثوب (ببعضِه) ليذهب (وإن كان) البزاق ونحوه (على حائطِه، وجب - أيضًا - إزالتُها) لأنه من المسجد. (ويُسَنُّ تخليق (١) موضعِه) أي: موضع البُزاق مِن المسجد، سواء كان في حائط، أو غيره؛ لحديث أنس: "أنَّ رسولَ الله ﷺ رأى نُخامة في قِبلةِ المسجدِ، فغضبَ حتى احمرَّ وجهُه، فجاءته امرأةٌ مِن الأنصارِ فحكَّتها، وجعلت مكانَها خَلوقًا، فقال رسولُ الله ﷺ : ما أحسنَ هذا" رواه النسائي وابن ماجه (٢). (وتَحرُمُ زَخرفتُه) أي: المسجد (بذهب، أو فِضة، وتجبُ إزالتُه) إن تحصَّل منه شيء بالعرض على النار، كما تقدم (٣) في الزكاة موضَّحًا.

стр. 2348

وأوَّل مَن ذَهَّب الكعبةَ في الإسلام وزخرفها، وزخرف المساجدَ: الوليدُ بن عبد الملك (١). (ويُكره) أن يُزخرَف المسجدُ (بنَقْشٍ، وصَبْغ، وكتابة، وغير ذلك مما يُلهي المصلي عن صلاته غالبًا، وإن كان) فُعل ذلك (مِن مال الوقف، حَرُمَ) فِعله (ووجبَ الضمانُ) أي: ضمان مال الوقف الذي صُرفَ فيه؛ لأنه لا مصلحة فيه. وإن كان مِن ماله لم يرجع به على جهة الوقف. (وفي "الغُنية": لا بأس بتجصيصه. انتهى. أي: يُباح تجصيص حيطانه، أي: تبييضها. وصحَّحه) القاضي سعد الدين (الحارثي (٢). ولم يَرَه) الإمام (أحمد، وقال: هو مِن زينة الدُّنيا) (٣) قال في "الشرح": ويُكره تجصيص المساجد وزخرفتها؛ لما رَوى عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ساء عملُ قوم قطُّ إلا زخرفوا مساجدَهم" رواه ابن ماجه (٤). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2349

"ما أُمرتُ بتشييدِ المساجدِ" رواه أبو داود (١). فعليه: يَحرُم مِن مال الوقف، ويجب الضمان لا على الأول. (ويُصانُ عن تعليق مصحف أو غيره في قِبلتِه، دون وَضعه بالأرض) قال أحمد (٢): يُكره أن يُعلَّق في القِبلة شيء يحول بينه وبين القِبلة. ولم يُكره أن يوضع في المسجد المصحف، أو نحوه. (ويَحرم فيه) أي: المسجد (البيعُ والشراءُ والإجارةُ) لأنها نوعٌ مِن البيع (للمعتكف وغيره) وظاهره: قلَّ المبيع أو كَثُرَ، احتاج إليه أو لا؛ لحديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده قال: "نهى رسولُ

стр. 2350

الله ﷺ عن البيعِ والابتياعِ، وعن تناشدِ الأشعارِ في المساجد". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وحسَّنه (١). ورأى عِمران القصير (٢) رجلًا يبيع في المسجد، فقال: يا هذا، إن هذا سوق الآخرة، فإن أردت البيع، فاخرج إلى سوق الدنيا (٣). (فإن فَعَل) أي: باع أو اشترى في المسجد (فباطل) قال أحمد (٤): وإنما هذه بيوت الله، لا يُباع فيها ولا يُشترى. وجوَّز
следующие страницы →