← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

صومه والترغيب فيه، على صومه مع غيره، فلا تعارض. (و) يُكره تعمُّدُ (إفراد يوم السبت) بصوم؛ لحديث عبد الله بن بُسر، عن أخته الصمَّاء: "لا تَصُومُوا يومَ السبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم" رواه أحمد بإسناد جيد، والحاكم (١)، وقال: على شرط البخاري.

стр. 2277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2279

ولأنه يومٌ تعظِّمه اليهود، ففي إفراده تَشبُّه بهم. ويوم السبت آخر أيام الأسبوع. قال الجوهري (١): سُمِّيَ يوم السبت لانقطاع الأيام عنده (٢). (إلا أن يوافقَ) يوم الجمعة، أو السبت (عادة) كأن وافق يوم عَرَفة، أو يومَ عاشوراء، وكان عادتُه صومهما، فلا كراهة؛ لأن العادة لها تأثيرٌ في ذلك. (و يُكره صومُ يوم الشَّكِّ تطوُّعًا) لقول عمار: "مَن صَامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه، فقد عَصَى أبا القاسِم ﷺ " رواه أبو داود، والترمذي وصحَّحه، وهو للبخاري تعليقًا (٣) (ويصح) صوم يوم الشَّكِّ.

стр. 2280

(أو) أي: ويُكره صوم يوم الشَّكِّ (بنيَّةِ الرمضانية احتياطًا) ولا يجزئ إن ظهر منه، كما تقدَّم. (وهو) أي: يوم الشَّكِّ (يوم الثلاثين مِن شعبان، إن لم يكن في السماء) في مطلع الهلال (عِلَّةٌ) مِن غيم، أو قَتَر، ونحوهما، (ولم يُرَ الهلالُ، أو شهد به من رُدَّت شهادته) لفِسق ونحوه. (إلا أن يوافق) يوم الشَّكِّ (عادة) كمَن عادته يصوم يوم الخميس والاثنين، فوافق يومُ الشَّكِّ أحدهما (١)، أو عادته يصوم يومًا ويفطر آخر، فوافق صومَه ذلك، فلا كراهة.

стр. 2281

(أو يصِلَه) أي: يوم الشَّكِّ (بصيام قبله) لقوله ﷺ : "لا تَقدَّموا رمضَانَ بصومِ يوم أو يومَينِ، إلا رجلًا كانَ يصومُ صومًا، فليصُمهُ" متفق عليه من حديث أبي هريرة (١). (أو يَصُمه) (٢) أي: يوم الشَّكِّ (عن قضاء، أو نَذْر) أو كفَّارة، فلا كراهة؛ لأن صومه واجب إذن (٣). (ويُكره إفراد يوم نَيروز) بصوم (و) يوم (مِهرجان، وهما عيدان للكفار) قال الزمخشري (٤): النَّيروز: اليوم الرابع من شهر ربيع. والمِهرجان: اليوم التاسع (٥) عشر من الخريف، لما فيه من موافقة الكفَّار في تعظيمهما. واختار المجد عدم الكراهة؛ لأنهم لا يعظمونهما بالصوم كالأحد. (و) على الأول: يُكره إفراد (كل عيد لهم) أي: للكفَّار (أو يوم يُفرِدونه بتعظيم) ذَكَرَه الشيخان وغيرهما. (إلا أن يوافق عادة) كأن يكون يوم خميس أو اثنين، وعادته صومهما، فلا كراهة. (ويُكره تقدُّم رمضان بـ) ــصوم (يوم، أو يومين) لحديث أبي هريرة

стр. 2282

المتفق عليه (١). (ولا يُكره) تقدُّم رمضان بصوم (أكثر مِن يومين) لظاهر الخبر السابق. وأما حديث أبي هريرة: "إذا انتَصَفَ شعبانُ، فلا تَصومُوا". رواه الخمسة (٢) فقد ضعَّفه أحمد وغيره مِن الأئمة، وصحَّحه الموفَّق،

стр. 2283

وحَمَله على نفي الفضيلة.

стр. 2284

(ويُكره الوِصَال إلا للنبي ﷺ فَمُبَاح له) لما روى ابن عُمر قال: "واصلَ رسولُ الله ﷺ في رمضانَ، فواصَلَ النَّاسُ، فنهى رسولُ الله ﷺ عن الوِصال، فقالُوا: إنَّكَ تُواصلُ؟! فقال: إني لستُ مثلَكُم، إني أُطعَمُ وأُسقَى" متَّفقٌ عليه (١). ولا يحرم؛ لأن النهي وقع رِفقًا ورحمة، ولهذا واصل رسول الله ﷺ ، وواصلوا بعده. (وهو) أي: الوِصال (ألَّا يُفطر بين اليومين. وتزول الكراهةُ بأكل تمرة ونحوها، وكذا بمجرَّد الشرب) لانتفاء الوِصال. (ولا يُكره الوِصال إلى السَّحَر) لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "فأيكُم أرَادَ أن يُواصِل فليواصِل إلى السَّحَرِ" رواه البخاري (٢) (ولكن تَرَكَ سُنَّة، وهي تعجيلُ الفِطر) فَتَركُ ذلك أَولى، محافظة على السُّنة. (و يحرم صومُ يومي العيدين، ولا يصحُّ فرضًا ولا نَفْلًا) لما روى أبو هريرة: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن صَومِ يومينِ: يوم فطر ويوم

стр. 2285

أضحى" متفق عليه (١). والنهيُ يقتضي فسادَ المنهي عنه وتحريمه. (وكذا أيامُ التشريق) يحرم صومها، ولا يصحُّ فرضًا ولا نَفْلًا؛ لما روى مسلم عن نُبَيشة الهُذلي مرفوعًا: "أيامُ التشرِيق أيامُ أكل وشُرب وذِكر الله" (٢). ولأحمد النهي عن صومها مِن حديث أبي هريرة (٣)،

стр. 2286

وسعد (١)، بإسنادين ضعيفين (إلا عن دَمِ مُتعَة وقِران، ويأتي) في باب الفِدية؛ لقول ابن عُمر وعائشة: "لم يُرخَّص في أيامِ التشرِيقِ أن يُصَمنَ إلا لمَن لم يجِدِ الهَدي" رواه البخاري (٢). (ويجوزُ صومُ الدَّهرِ، ولم يُكره (٣)) لأنَّ جماعة مِن الصحابة كانوا يَسرُدون الصومَ، منهم أبو طلحة. قيل: إنه صام بعد موت النَّبيِّ ﷺ أربعين سنة (٤) (إذا لم يترك به حقًّا، ولا خاف منه ضررًا، ولم

стр. 2287

يَصُم هذه الأيام) الخمسة: يومي العيدين وأيام التشريق (فإن صامها فقد فَعَلَ محرَّمًا) لما تقدَّم. (ومَن دخَلَ (١) في تطوُّع، غير حَجٍّ وعُمرة، استُحبَّ له إتمامُه) لأنه تكميل للعبادة، مطلوب (٢) (ولم يجب) عليه إتمامه؛ لقول عائشة: "يا رسولَ الله، أُهدِيَ لَنَا حَيسٌ، فقال: أَدْنِيه فلقد أصبحتُ صَائِمًا، فأكل" رواه مسلم والخمسة (٣). وزاد النسائي بإسناد جيد: "إنما مَثَلُ صومِ التطوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخرِجُ مِن مَالِهِ الصدقَةَ، فإن شاءَ أمضَاهَا، وإن شاء حَبَسهَا" (٤)، ولقوله ﷺ : "الصائمُ المتطوِّعُ أميرُ نفسِهِ؛ إن شاءَ صَامَ، وإن شاءَ أفطرَ" رواه أحمد (٥) وصحَّحه مِن

стр. 2288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2289

حديث أم هانئ، وضعَّفه البخاري (١). وغيرُ الصومِ مِن التطوعات كهو، وكالوضوء. أما الحجُّ والعُمرة فيجبان بالشروع، ويأتي؛ لأن الوصول إليهما لا يحصُل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة، ومشقَّة شديدة، وإنفاق مال كثير، ففي إبطالهما تضييع لماله، وإبطال لأعماله الكثيرة. (لكن يُكره قَطعُه بلا عُذر) لما فيه مِن تفويت الأجر (وإن أفسده) أي: التطوُّع (فلا قضاء عليه) لأن القضاء يتبع المقضي عنه، فإذا لم يكن واجبًا، لم يكن القضاء واجبًا، بل يُستحبُّ. (وكذا لا تلزم الصدقةُ ولا القراءةُ، ولا الأذكارُ بالشروع) فيها وفاقًا. (وإن دخل في فَرضِ كفاية) كصلاة جنازة (أو) دخل في (واجب) على الأعيان (موسَّع، كقضاء رمضان قبل رمضان الثاني، والمكتوبةِ في أول وقتها، وغير ذلك، كنَذْرٍ مُطلَق وكفَّارة) إن قلنا: هما غير واجبين على الفور، والمذهب خِلافه، كما تقدَّم (٢)، ويأتي (حَرُمَ خُروجُه منه بلا عُذر، بغير خلاف) لأن الخروج مِن عُهدة الواجب متعيِّن، ودخلت التوسعة في وقته رِفقًا، ومظنَّة للحاجة، فإذا شَرَعَ فيها، تعيَّنت المصلحة في إتمامها. (وقد يجبُ قَطعُه) أي: الفرض (كرَدِّ معصوم عن هلكة، وإنقاذِ

стр. 2290

غريق ونحوه) كحريق ومَن تحت هَدم (وإذا دعاه النبيُّ ﷺ في الصلاة) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (١) (وله قَطعُها) أي: الصلاة (بهَرَبِ غريمه، و) له (قَلْبُها نَفْلًا، وتقدم) ذلك موضحًا (٢). (وإن أفسَدَه) أي: الفرض (فلا كفَّارة) مطلقًا؛ لعدم النَّصِّ فيها (ولا يلزمه غير ما كان قبل شروعه) فيما أفسده. (ولو شرع في صلاة تطوُّع قائمًا، لم يلزمه إتمامها قائمًا) بغير خِلاف. قاله في "المبدع" (وذكر القاضي وجماعة أنَّ الطَّواف كالصلاة في الأحكام إلا فيما خصَّه الدليل) للخبر (٣). "تتمة": إذا قَطَعَ الصومَ ونحوه، فهل انعقد الجزء المؤدَّى، وحصل به قُربة أم لا؟ وعلى الأول: هل بَطَلَ حكمًا أو لا يبطل؟ اختلف كلام أبي الخطاب، وقَطَعَ جماعةٌ ببطلانه، وعدم الصحة. وفي كلام الشيخ تقي الدين (٤): إن الإبطال في الآية هو بطلان الثواب، قال: ولا نسلم بطلان جميعه، بل قد يُثاب على ما فَعَلَه، فلا يكون مبطلًا لعمله.

стр. 2291

فصل (وليلةُ القَدرِ شريفة معظَّمة، تُرجى إجابةُ الدُّعاء فيها) قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (١). قال المفسرون: أي: قيامها والعمل فيها خيرٌ مِن العمل في ألف شَهر خالية منها (٢). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذنبِهِ" (٣). زاد أحمد: "وما تأخرَ" (٤). (وسُمِّيت ليلةَ القَدْر؛ لأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في تلك السَّنَة) لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٥). وما رُوي عن عِكرمة: أنها

стр. 2292

ليلة النصف مِن شعبان (١)، ضعيف. وعن ابن عباس: "يقضي الله الأقضِيَةَ ليلَة النِّصفِ من شعبانَ، ويُسلِّمُهَا إلى أربَابِهَا ليلَةَ القدرِ" (٢) وقيل: سُمِّيت به؛ لعِظَمِ قَدْرِها عند الله. وقيل: لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها. وقيل: لأن للطاعات فيها قَدْرًا عظيمًا. (وهي باقية لم تُرفع) للأخبار في طَلبها وقيامها، خِلافًا لبعضهم في رَفعها. (وهي مختصَّة بالعشر الأواخر مِن رمضان، فتُطلَبُ فيه) لقوله ﷺ : "تحَرَّوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ" متفق عليه (٣) مِن حديث عائشة. وفي "المغني" و"الكافي": تُطلَبُ في جميع رمضان. وقال ابن مسعود: هي في كل السَّنَة (٤). (وليالي الوِتر آكدُ) لقوله ﷺ : "اطلُبوهَا في العشرِ الأواخِرِ، في ثلاث بقين، أو سَبع بقينَ، أو تسع بقينَ" (٥). وروى سالم، عن أبيه مرفوعًا: "أرَى رؤياكُم

стр. 2293

قد تَواطأت على أنها في العشر الأواخِرِ في الوِتر، فالتمسُوهَا في العشر الأواخِرِ، في الوِتر منها". متفق عليه (١). واختار المجد: كل العشر سواء. وللعلماء فيها أقوالٌ كثيرة (٢). (وأرجَاها ليلةُ سبع وعشرين، نصًّا) (٣) وهو قول أُبي بن كعب، وكان يَحلِفُ على ذلك ولا يَستثني (٤)، وابن عباس (٥)، وزِرِّ بن حُبيش (٦). قال أبيُّ بن كعب: "والله، لقد عَلِمَ ابنُ مسعُود أنها في

стр. 2294

رمضانَ، وأنها ليلة سَبع وعشرِينَ، ولكن كَرِهَ أن يخبرَكُم، فتَتَّكِلُوا". رواه الترمذي (١)، وصحَّحه. وعن معاوية أن النبي ﷺ قال: "ليلةُ القدرِ ليلةُ سبعِ وعشرِينَ". رواه أبو داود (٢). ويرشِّحه قول ابن عباس: "سورةُ القدرِ ثلاثُونَ كَلِمة، السابِعةُ والعشرون فيها: هي" (٣). والحكمة في إخفائها؛ ليجتهدوا في طلبها، ويَجِدُّوا في العبادة؛ طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعةَ الإجابة يومَ الجمعة، واسمه الأعظم في أسمائه، ورضاه في الحسنات، إلى غير ذلك. (وهي أفضل الليالي) ذَكَره الخطابي إجماعًا (٤) (حتى ليلة

стр. 2295

الجمعة) وذكر ابن عقيل رواية: أن ليلة الجمعة أفضل؛ لأنها تتكرَّر، ولأنها تابعة لما هو أفضل، واختاره جماعة. وقال أبو الحسن التميمي: ليلة القَدر التي أُنزل فيها القرآن أفضل مِن ليلة الجُمعة، فأما أمثالها مِن ليالي القَدْر فليلة الجمعة أفضل. (ويُستحبُّ أن ينام فيها مُتربِّعًا مستندًا إلى شيء، نصًّا (١). ويَذكرُ حاجتَه في دُعائه) الذي يدعو به تلك الليلة. (ويُستحبُّ) أن يكون منه، أي: مِن دعائه فيها (ما رَوت) أمُّ المؤمنين (عائشةُ) بنت أبي بكر الصديق (﵄ أنها قالت: "يا رسولَ الله، إن وافَقتُها فَبِمَ أدعُو؟ قال: قولي: اللهُمَّ إنَّكَ عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عَنِّي") رواه أحمد وابن ماجه (٢)

стр. 2296

وللترمذي (١) معناه وصحَّحه. ومعنى العفو: التَّرك، ويكون بمعنى السَّترِ والتغطية. فمعنى: "اعفُ عني": اترُك مؤاخذتي بجرمي، واستر عليَّ ذنبي، وأذهِب عني عقابك. وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعا: "سَلُوا الله العفوَ والعَافيةَ والمُعافاةَ، فما أوتِيَ أحدٌ بعد يقين خيرًا من مُعافاة" (٢).

стр. 2297

فالشرُّ الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة؛ لتضمُّنِها دوام العافية. (وتتنقَّلُ في العشر الأخير، لا أنها ليلة معينة، وحُكي ذلك عن الأئمة الأربعة (١) وغيرِهم فيمن قال لزوجته: أنت طالقٌ ليلةَ القَدْر، إن كان قبل مُضيِّ ليلةِ أول العَشر) الأخير مِن رمضان (وَقَعَ الطلاقُ)

стр. 2298

أي: تحقَّق وقوعه (في الليلة الأخيرة) مِن رمضان؛ لأن العشر لا يخلو منها، ونازع فيه ابنُ عادل في "تفسيره" (١)، بما حاصله: أن العصمة متيقَّنة، فلا تزول إلا بيقين، وقد قيل: إنَّ ليلة القَدْرِ في كلِّ السَّنَة، فلا تتحقَّق إلا بمضي السَّنة (وإن كان مَضَى منه) أي: مِن العشر الأخير مِن رمضان (ليلةٌ) فأكثر، ثم قال لزوجته: أنت طالق ليلة القَدْرِ (وَقَعَ الطلاقُ في الليلة الأخيرة) مِن رمضان (مِن العام المُقبِل) ليتحقَّق وجودها (قال المجد: ويتخرَّجُ حكم العتق واليمين على مسألة الطلاق. ومَن نَذَرَ قيامَ ليلةِ القَدْرِ، قام العَشرَ الأخيرَ كلَّه، ونَذْرُه في أثنائه) أي: العشر الأخير (كطلاق) ذكره القاضي. "تتمة": عن أُبيِّ بن كعب عن النبي ﷺ : "إن الشمسَ تطلعُ من (٢) صَبيحتها بيضَاءَ لا شُعَاعَ لهَا" (٣). وفي بعض الأحاديث: "بيضَاءَ مثل الطست" (٤). ورُوي - أيضًا - عنه ﷺ أن أمارةَ ليلَة القدرِ: أنها ليلَةٌ

стр. 2299

صَافِيةٌ بَلجَةٌ (١)، كأنَّ فيهَا قمرًا سَاطِعًا، ساكنةٌ سَاجيةٌ (٢)، لا بردَ فيهَا ولا حَرَّ، ولا يَحِلُّ لكوكب أن يُرمَى بهِ فيهَا حتَّى تصبحَ، وإنَّ أمارَتَها أنَّ الشمسَ صَبيحتَها تخرجُ مستوية، ليس فيها شُعاعٌ مثلَ القمرِ ليلةَ البدرِ، لا يَحِلُّ للشيطانِ أن يَخرجَ معها يومئذ" (٣). (و) شهرُ (رمضانَ أفضلُ الشهورِ) ويَكفُر مَن فضَّل رجبًا عليه، ذَكَره في "الاختيارات" (٤) (قال الشيخ (٥): ليلةُ الإسراء في حَقِّ النبيِّ ﷺ أفضل مِن ليلة القَدْر) وليلة القَدْر أفضل بالنسبة إلى الأُمة. وقد ذكرت ما فيه في "الحاشية" (وقال (٦): يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع) إجماعًا (وقال: يوم النَّحرِ أفضل أيام العام) كذا ذكره جَدُّه صاحب "المحرر" في صلاة العيد مِن شرحه "منتهى الغاية": أن يوم النَّحرِ أفضل. (وظاهرُ ما ذَكَره أبو حكيم) إبراهيم النهرواني (٧). (أن

стр. 2300

يومَ عَرَفة أفضل. قال في "الفروع": وهو أظهرُ) وقاله أكثرُ الشافعية (١). وبعضهم: يوم الجمعة. (و عَشْرُ ذي الحِجَّة أفضلُ مِن العَشرِ الأخير مِن رمضانَ) لياليه وأيامه. وقد يقال: ليالي العَشرِ الأخير مِن رمضان أفضل، وأيام ذلك أفضل. قال أبو العباس: والأول أظهر، ذكره في "الاختيارات" (٢). (و) عَشرُ ذي الحِجَّةِ أفضل (مِن أعشار الشُّهور كلِّها) لما في "صحيح ابن حِبان" عن جابر مرفوعًا قال: "ما مِن أيام أفضَلُ عندَ الله مِن أيامِ ذي الحِجَّةِ" (٣). قال ابنُ رجب في "اللطائف" (٤): والتحقيق: ما قاله بعضُ أعيان المتأخِّرين مِن العلماء: أن يقال: مجموع هذا العَشر أفضلُ مِن مجموع عَشْرِ رمضان، وإن كان في عَشْرِ رمضان ليلة لا يَفضلُ عليها غيرها (والله أعلم).

стр. 2301

باب الاعتكاف وأحكام المساجد (وهو) أي: الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (١) يقال: عَكَفَ، بفتح الكاف، يَعكُفُ، بضمها وكسرها. وشرعًا: (لُزُومُ المسجدِ لطاعةِ الله، على صِفَة مَخصوصَة) يأتي بيانها (مِن مُسلم) لا كافر، ولو مرتدًّا (عاقل، ولو مميزًا) فلا يصحُّ مِن مجنون، ولا طفل؛ لعدم النيَّة (طاهر مما يوجب غُسلًا) فلا يصحُّ مِن جُنُب، ونحوه، ولو متوضئًا. (وأقلُّه) أي: الاعتكاف (ساعةٌ) قال في "الإنصاف": أقلُّه إذا كان تطوُّعا، أو نَذرًا مطلقًا، ما يُسمَّى به معتكفًا لابثًا. قال في "الفروع": ظاهره: ولو لحظة. وفي كلام جماعة مِن الأصحاب: أقلُّه ساعةٌ، لا لحظة، وهو ظاهر كلامه في "المذهب" وغيره. انتهى. وقال الزركشيُّ: وأقلُّه أدنى لُبْثٍ. انتهى. وقول المصنف بعد: "ولا يكفي عُبوره" يدلُّ على أن المراد بالساعة ما يتناول اللحظة. وقد حكيت كلامه في "حاشيته" في "حاشية المنتهى". (فلو نَذَر اعتكافًا وأطلَقَ) فلم يقيده بمُدَّة (أجزأته) الساعة، على ما تقدم.

стр. 2302

(ولا يَكفي عُبُوره) لمسجد مِن غير لُبْث؛ لأنه لا يُسمَّى معتكفًا. (ويُستحبُّ أن لا يَنقصَ) الاعتكاف (عن يوم وليلة) خروجًا مِن خِلاف مَن يقول: أقلُّه ذلك. (ويُسَمَّى) الاعتكاف (جِوارًا) لقول عائشة عنه ﷺ : "وهو مُجَاوِرٌ في المسجِدِ". متفق عليه (١). وفي "الصحيحين"، مِن حديث أبي سعيد مرفوعًا قال: "كنتُ أجاوِرُ هذا العَشرَ - يعني الأوسَطَ - ثم قد بدَا لي أن أُجَاوِرَ هَذا العَشرَ الأواخِرَ، فمن كانَ اعتكف مَعِي، فَليَلبَثْ في مُعتَكَفِهِ" (٢). (قال ابن هُبيرة (٣): و) هذا الاعتكاف (لا يَحلُّ أن يُسَمَّى خَلوة) ولم يزد على هذا. وكأنه نظر إلى قول بعضهم (٤). إذا ما خلوتَ الدهرَ يومًا فلا تقُل … خلوتُ ولكن قُل عليَّ رقيبُ (قال في "الفروع": ولعل الكراهة أَولى) أي: مِن التحريم. (وهو سُنَّةٌ كلَّ وقت) قال في "شرح المنتهى": إجماعًا (٥)؛ لأن النبيَّ ﷺ فعَلَه وداوم عليه؛ تَقرُّبًا إلى الله تعالى، واعتكف أزواجه

стр. 2303

بعده (١) ومعه (٢) (إلا أن يَنذُرَه) أي: الاعتكاف (فيجب على صِفة ما نَذَر) مِن تتابع وغيره؛ لحديث: "مَن نَذَر أن يُطيعَ الله، فليطِعهُ" (٣). وعن عُمر أنه قال: "يا رسول الله، إني نذَرتُ أن أعتكِفَ ليلة في المسجدِ الحرامِ؟ فقال النبيُّ ﷺ : أَوفِ بنذرِكَ" (٤). رواهما البخاري. (ولا يختصُّ) الاعتكاف (بزمان) دون غيره، وهو معنى ما تقدم مِن قوله: كل وقت. (وآكدُه في رمضانَ) إجماعًا (٥). قال في "الفروع": ولم يفرِّقِ الأصحاب بين الثَّغرِ وغيره، وهو واضحٌ. ونقل أبو طالب (٦): لا يعتكِفُ في الثَّغرِ؛ لئلا يشغله نفيرٌ.

стр. 2304

(وآكدُه العَشرُ الأخيرُ منه) أي: مِن رمضان؛ لحديث أبي سعيد المتقدم (١)، ولأن ليلة القَدْرِ تُطلب فيه كما تقدم (٢). (وإن عَلَّقه) أي: نَذر الاعتكاف (أو) عَلَّقَ (غيرَه مِن التطوُّعات) كالصلاة والصوم والصدقة عند نَذرِها (بشَرط، فله شَرطُه) أي: فلا يلزمه حتى يوجد شرطُه، وذلك (نحو) أن يقول: (لله عليَّ أن أعتكف شهرَ رمضانَ، إن كنتُ مقيمًا أو معافى، فلو كان) الناذرُ (فيه) أي: في شهر رمضان (مريضًا، أو مسافرًا، لم يلزمه شيءٌ) لعدم وجود شَرْطِه. (ويصحُّ) الاعتكاف (بغيرِ صوم) لحديث عمر قال: "يا رسولَ الله، إني نذرتُ في الجاهلية أن أعتكِفَ ليلَة بالمسجد الحرام. فقال النبيُّ ﷺ : أَوفِ بنذرِكَ" رواه البخاري (٣). ولو كان الصوم شَرطًا، لما صَحَّ اعتكافُ الليل؛ لأنه لا صيامَ فيه؛ ولأنه عبادةٌ تصحُّ في الليل، فلم يشترط له الصيام، كالصلاة وكسائر العبادات؛ ولأن إيجاب الصَّوم حكمٌ لا يثبت إلا بالشرع، ولم يثبت فيه نصٌّ ولا إجماع، وما رُوي عن عائشة: "لا اعتِكافَ إلَّا بصَوم" (٤) فموقوف

стр. 2305

عليها، ومَن رَفَعَه فقد وَهِم، قاله في "الشرح" وغيره. ثم لو صحَّ،

стр. 2306

فالمراد به الاستحباب؛ فإن الصوم فيه أفضل؛ ولأن الاعتكاف لُبْثٌ في مكان مخصوص، فلم يُشترط له الصوم كالوقوف (إلا أن يقول في نَذْرِه) أي (١): نَذرٌ عليَّ أن أعتكف (بصوم) فيلزمه الصومُ؛ لنَذرِه إيَّاه. (و) الاعتكاف (به) أي: بالصوم (أفضل) لما تقدَّم، وخروجًا مِن الخلاف (فيصحُّ) الاعتكاف (في ليلة مفردَة) (٢) عن يومها؛ لحديث عمر (٣). (و) يصحُّ الاعتكاف (في بعض يوم، وإن كان مفطرًا) لعدم اشتراط الصوم فيه (وإذا لم يشترط الصومَ في نَذرِه، فصامَ) وهو معتكفٌ (ثم أَفطر عامدًا بغير عُذر، لم يبطل اعتكافُه، ولم يلزمه شيء) لصحَّة اعتكافه بغير صوم. (ومَن نَذَر أن يعتكفَ صائمًا) أو بصوم، وتقدَّم قريبًا (أو) نَذَرَ أن (يصومَ معتكفًا، أو باعتكاف، أو) نَذَرَ أن (يعتكفَ مصليًا، أو) أن (يصلِّي معتكفًا، لزمه الجمعُ) بين الاعتكاف والصيام، أو بين الاعتكاف والصلاة؛ لقوله ﷺ : "ليسَ على المعتَكف صيامٌ إلا أن يجعلَهُ على نفسِه" (٤). والاستثناء مِن النفي إثباتٌ، ويُقاس على

стр. 2307

الصوم الصلاةُ؛ ولأن كلًّا من الصوم والصلاة صِفةٌ مقصودة في الاعتكاف، فلزمت بالنَّذرِ كالتتابع، وكَنَذرِ القيام في صلاة النافلة، و (كنَذْرِ صلاة بسُورة معينة) مِن القرآن (لكن لا يلزمه أن يصلِّي جميعَ الزمان إذا نَذَرَ أن يعتكف) يومًا - مثلًا - (مصليًا. والمرادُ) يكفيه (ركعةٌ أو ركعتان) بناء على ما لو نَذَرَ الصلاة وأطلق، على ما يأتي. وإن نَذَرَ اعتكاف أيام متتابعة بصوم، فأفطر يومًا، أفسَدَ تتابعه، ووجب الاستئناف؛ لإخلاله بالإتيان بما نَذَره على صفتِه، قاله في "الشرح". (وإن نَذَرَ اعتكافَ عَشرِ رمضانَ الأخير، فَنَقَصَ) العَشرُ (أجزأه) لأنه يُسَمَّى بالعَشرِ الأخير، وإن كان ناقصًا (بخلاف نَذْرِه عَشرَة أيام من آخر الشهر فنَقَصَ) الشهر (فيقضي يومًا) عِوَضَ النقص. قلت: ويكفِّر؛ لفوات المحلِ (١). (وإن نَذَرَ أن يعتكفَ رمضانَ ففاته) اعتكاف رمضان؛ لعُذر أو غيره (لزِمه) اعتكاف (شَهر غيره) ليفيَ بنَذرِه (ولا يلزمه الصوم) في الشهر الذي يعتكفه قضاء عن رمضانَ. (ولا يجوز الاعتكافُ للمرأةِ والعبدِ بغير إذن زَوج وسَيِّد) لأن

стр. 2308

منافع المرأة والعبد مملوكة لغيرهما، والاعتكاف يفوتها ويمنع استيفاءها، وليس بواجب بالشرع، فلم يَجز إلا بإذن مالك المنفعة، وهو الزوج والسيِّدُ (فإن شَرَعا) أي: المرأة والعبد (فيه) أي: في الاعتكاف (بغير إذن) الزَّوجِ والسيد (فلهما تحليلُهما) منه (ولو كان) الاعتكاف (نَذرًا) لحديث أبي هريرة: "لا تصومُ المرأة وزوجُهَا شاهِدٌ يومًا مِن غيرِ رمضانَ إلا بإذنِه". رواه الخمسة (١) وحسَّنه الترمذي. وضررُ الاعتكاف أعظم؛ ولأن إقامتهما على ذلك تتضمن تفويت حَقِّ غيرهما بغير إذنه، فكان لصاحب الحقِّ المنع منه، كربِّ الحقِّ مع غاصبه (فإن لم يُحلِّلَاهما) مِن الاعتكاف (صَحَّ، وأجزأ) عنهما. (وإن كان) الاعتكاف (بإذن) من الزوج والسيِّد (فلهما تحلِيلُهما، إن كان تطوُّعًا) لأنه ﷺ أَذِنَ لعائشةَ وحفصةَ وزينبَ في الاعتكافِ، ثم مَنَعهُنَّ منه بعد أن دخلن (٢). ولأن حقَّ الزوج والسيد واجبٌ،

стр. 2309

والتطوُّع لا يَلزم بالشروع؛ ولأن لهما المنعَ منه ابتداء، فكان لهما المنعُ دوامًا، كالعارية. ويخالف الحجَّ؛ لأنه يَلزم بالشروع، ويجب المضيُّ في فاسده. (وإن كان) الاعتكاف الذي شرعت فيه الزوجة أو القِنُّ (١) بإذن الزوج أو السيد (نَذْرًا، ولو غير معيَّن، فلا) يحللانهما؛ لأنه يتعيَّن بالشروع فيه، ويجب إتمامه كالحجِّ. (ولو رَجعا) أي: الزوج والسيد (بعد الإذن) للزَّوجة والقِنِّ في الاعتكاف (قبل الشروع) في الاعتكاف (جَاز) الرجوعُ، كعزل الموكِّل وكيله (والإذن في عَقدِ النَّذرِ إذنٌ في فِعلِهِ أن نَذَرا) أي: الزوجة والقِن (زمنًا معينًا بالإذن) كما لو أذن الزوج أو السيد لهما في نَذر اعتكاف العَشرِ الأخير مِن رمضان، فيكون إذنا في فِعلِه (وإلا) أي: وإن لم يكن الزمن معينًا بالإذن (فلا) يكون الإذن في النَّذر إذنًا في الفعل؛ لأن زَمَن الشروع لم يقتضه الإذن السابق (وأم الولد، والمدبَّر، والمُعلَّق عتقُه بصفة، كعبد) فيما تقدم؛ ولأن (٢) منافعهم مستحقة للسيد. (وللمُكاتَبِ أن يعتكف بلا إذن سيِّدِه) نصَّ عليه (٣)؛ لأن السيد لا يستحقُّ منافعه، ولا يملك إجباره على الكسب، فهو مالك لمنافعه، كحُرٍّ مَدين، بخلاف أم الولد والمُدبَّر. وظاهره: لا فَرقَ بين الواجب

стр. 2310

وغيره، وسواء حلَّ نَجْمٌ (١) أو لا. (وله) أي: للمُكاتَب (أن يحجَّ بغير إذنه) أي: إذن سَيِّده (٢)؛ لما سبق (ما لم يحلَّ نَجمٌ) مِن نجومِ الكتابة. ونقل الميموني (٣): له الحج مِن المال الذي جَمَعه، ما لم يأتِ نجمُه. وحمله القاضي وغيره على إذنه له. ويجوز بإذنه، أطلقه (٤) بجماعة، وقالوا: نصَّ عليه (٥). ولعل المراد ما لم يحلَّ نَجْمٌ، وصرَّح به بعضُهم. وعنه: المنع مطلقًا، قاله في "الفروع". ويأتي في الكتابة: لسيده منعه من السَّفر، كحُرٍّ مَدين. (ولا يُمنع) المكاتب (مِن إنفاق المال في الحجِّ) كتَركِ التكسُّب. (ومَن بعضُه حرٌّ) وباقيه رقيق (إن كان بينهما مُهايَأةٌ، فله أن يعتكفَ) في نوبته (و) أن (يحجَّ في نوبته بلا إذنه) أي: إذن سيِّده؛ لأن منافعه إذن غير مملوكة لسيِّده، بل هي له كالحُّرِّ (وإلا) أي: وإن لم يكن بينه وبين سيده مُهايَأة (فلسيِّده مَنعُه) مِن الاعتكاف والحجِّ؛ لأن له ملكًا في منافعه في جميع الأوقات، فتجويزه يتضمَّن إبطال حقِّ غيره، وليس بجائز. (وإذا اعتكفتِ المرأةُ استُحِبَّ لها أن تستترَ (٦) بِخباء ونحوِه) لفعل

стр. 2311

عائشة وحفصة وزينب في عهده ﷺ (١) (وتجعلُه في مكان لا يُصلِّي فيه الرجالُ) لأنه أبعد في التحفُّظِ لها. نقل أبو داود (٢): يَعتَكِفنَ في المساجدِ، ويُضرَبُ لَهُنَّ فيها الخِيَمُ. (ولا بأس أن يستترَ الرِّجال - أيضًا -) ذكره في "المغني" و"الشرح"؛ لفعله ﷺ (٣)، ولأنه أخفى لعملهم. ونقل ابن إبراهيم (٤): لا، إلا لبرد شديد. (و لا يصحُّ الاعتكافُ (٥) إلا بنيَّة) لحديث: "إنما الأعمَالُ بالنِّيَّاتِ" (٦) ولأنه عبادة محضة كالصوم. (فإن كان) الاعتكافُ (فرضًا) أي: منذورًا (لزِمَه نيَّةُ الفَرضيَّة) ليتميزَ المنذور عن التطوُّع (وإن نوى الخروجَ منه) أي: مِن الاعتكاف (أي: نوى إبطاله، بَطلَ؛ إلحاقًا له بالصلاة والصيام) لأنه يخرج منه بالفساد، بخلاف الحجِّ والعمرة. (ولا يبطُلُ) الاعتكاف (بإغماء) كما لا يبطل بنوم، بجامعِ

стр. 2312

بقاءِ التكليف. (ولا يصحُّ الاعتكاف من رَجُل تلزمُه الصلاةُ جماعة، إلا في مسجد تُقام فيه) الجماعة، فلا يصحُّ بغير مسجد، بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١) فلو صحَّ في غيرها، لم تختصَّ بتحريم المباشرة، إذ هي محرَّمة في الاعتكاف مطلقًا. ولأنه ﷺ "كان يُدخِلُ رأسَهُ إلى عائشةَ وهو معتكِفٌ، فتُرَجِّلُهُ" متفق عليه (٢)، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة. ولا يصحُّ مِمَّن تلزمه الجماعة إلا بمسجد تُقام فيه؛ حِذارًا مِن ترك الجماعة، أو تكرُّرِ الخروج المنافي له، مع إمكان التحرُّز منه. وخرج منه المعذورُ، والصبيُّ، ومَن هو في قرية لا يصلي فيها غيرُه؛ لأن الممنوع منه تَركُ الجماعة الواجبة، وهي منتفية هنا (ولو) كانت إقامة الجماعة (مِن رَجُلين) أو رَجُل وامرأة (معتكفَين) لانعقاد الجماعة بهما، فيخرج مِن عهدة الواجب (إن أتى عليه) أي: الرَّجُل الذي تلزمه الصلاة جماعة (فِعلُ الصلاة زمنَ اعتكافه وإلا) أي: وإن لم يكن المعتكفُ رجلًا تلزمُه الصلاة جماعة، بأن كان امرأة، أو عبدًا، أو صبيًّا، أو معذورًا، أو لم يأتِ عليه زمنَ اعتكافه فِعلُ صلاة، كما لو اعتكف من طلوع الشمس إلى الزوال (صحَّ) اعتكافُه (في كلِّ مسجد) لعموم الآية، والجماعة غير واجبة إذن. وما روى حرب بإسناد جيد عن ابن عباس: "أنه سُئِلَ عن امرَأة

стр. 2313

جَعلت عليها أن تعتكِفَ في مسجِد بيتِها؟ فقال: بِدعَةٌ، وأبغَضُ الأعمالِ إلى الله البِدَعُ، فلا اعتِكافَ إلا في مسجد تُقامُ فيهِ الصَّلاة" (١). أي: مِن شأنه أن تُقام فيه. (وإن كانت) الجماعة (تُقامُ فيه في بعض الزمان) دون بعض (جاز الاعتكافُ فيه) ممن تلزمه الجماعة (في ذلك الزمن) الذي تُقام فيه (فقط) دون الزمان الذي لا تُقام فيه؛ لما سبق. (ولا يصحُّ) الاعتكافُ ممَّن تلزمُه الجماعة (في مسجد تُقام فيه الجمعة دون الجماعة) إذا كان يأتي عليه وقت صلاة؛ لما مَرَّ. (وَظهرُه) أي: المسجد، منه (ورَحَبَتُه (٢) المحوطة وعليها باب، نصًّا) (٣) منه (ومنارتُه التي بابُها فيه، منه) بدليل مَنع الجُنُبِ، وكذا إذا كانت المنارة فيه وإن لم يكن بابها منه (وكذا ما زِيدَ فيه) أي: في المسجد، فهو منه (حتى في الثَّوابِ في المسجد الحرام، وكذا مسجدُ النبيِّ ﷺ ) ما زيدَ فيه؛ حكمُه حكمُه، حتى في الثَّواب (عند الشيخ (٤) وابن رجب (٥) وجَمع، وحُكي عن السَّلف) لما رُوي عن أبي هريرة

стр. 2314

قال: قال رسول الله ﷺ : "لو بُنِيَ هذا المسجدُ إلى صنعاءَ، كان مسجدِي" (١). وقال عمرُ لما زاد في المسجد: "لو زِدنا فيه حتَّى يبلغَ الجبَّانَةَ (٢)، كانَ مسجدَ رسولِ الله ﷺ " (٣). قال ابن رجب في "شرح البخاري" (٤): وقد قيل: إنه لا يُعلم عن السلف خِلافٌ في المضاعفة، وإنما خالف بعضُ المتأخرين مِن أصحابنا منهم ابن الجوزي وابن عَقيل. (وخالفَ فيه ابنُ عَقيل وابن الجوزي وجَمْعٌ. قال في "الفروع": وهو ظاهرُ كلام أصحابنا، وتوقَّفَ أحمدُ) وقال في

стр. 2315

"الآداب" (١): وهذه المضاعفة تختصُّ المسجد (٢) غير الزيادة، على ظاهر الخبر، وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم، أي قوله ﷺ : "في مسجدِي هذا" (٣)؛ لأجل الإشارة. (ولو اعتكف مَن لا تلزمُه الجمعةُ) كالعبد، والمسافر، والمرأة (في مسجد لا تُصلَّى فيه) الجمعةُ (بَطَلَ) اعتكافه (بخروجه إليها، إن لم يشترط) الخروج إليها؛ لأنه خروج لما له بدٌّ منه (والأفضلُ الاعتكافُ في المسجدِ الجامعِ، إذا كانت الجمعةُ تتخلَّلُهُ) أي: الاعتكاف؛ لئلا يحتاجَ إلى الخروج إليها، فيترك الاعتكاف، مع إمكان التحرُّز منه. (وللمرأةِ ومَن لا تلزمُه الجماعةُ، كالمريض، والمَعذُور) بسفر أو غيره (ومَن في قرية لا يُصَلِّي فيه غيرُه، الاعتكافُ في كلِّ مسجد) لعموم الآية (إلا مسجد بيتها، وهو ما اتخذَتهُ لصلاتها) لما تقدم عن ابن عباس (٤)؛ ولأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكمًا، ولو جاز؛ لفعلته أمهاتُ المؤمنين ولو مرة؛ تبيينًا للجواز. (ومَن نَذَرَ الاعتكافَ أو الصلاةَ في مسجد غيرِ) المساجد (الثلاثة، فله فِعلُه) أي: النذر مِن اعتكاف، أو صلاة (في غيره) لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعًا، فلم يتعيَّن بالنذر، ولو تعيَّن؛
следующие страницы →