← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

(وكان) ﷺ في حَجَّة الوداع (قارنًا. نصًّا) قال أحمد (١): لا أشكُّ أنه كان قارنًا، والمتعةُ أحبُّ إليَّ. انتهى. واستدل (٢) له بما روى أنس: سمعتُ النبيَّ ﷺ يُلبِّي بالحَج والعُمْرَةِ جَميعًا، يقُولُ: "لَبَّيكَ عُمْرَةٌ وحَجًّا". متفق عليه (٣). وقال عمر: سمعتُ النبي ﷺ بوادي العَقِيق يقولُ: "أتَانِي اللْيلَةَ آتٍ من رَبِّي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المباركِ، وقلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ" (٤)، وفي رواية: "قل: عُمْرَة وحَجَّة" (٥). رواهما البخاري. واعتمر ﷺ بعد الهجرة أربعًا، قال أنس: "حَجَّ النبيُّ ﷺ حَجَّةً واحِدَةً، واعتمرَ أربعَ عُمَرٍ: واحدة (٦) في ذي القعدةِ وعُمرة الحُديبية، وعُمرةً معَ حَجَّتِهِ، وعُمرَةَ الجِعْرانة إذ قَسَمَ غَنيمةَ حُنَينٍ" متفق عليه (٧).

стр. 2382

قال أحمد (١): ورُوي عن مجاهد: أنه حجَّ قبل ذلك حَجَّة (٢) وهو ما ثبت (٣) عندي. ورُوي عن جابر قال: "حجَّ النبيُّ ﷺ ثلاثَ حجَجٍ: حَجَّتينِ قبلَ أن يهاجرَ، وحجةً بعدما هاجرَ" (٤) وهذا حديث غريب. قاله في "المغني" (٥). (والعُمرةُ)، لغةً: الزيارة، ويُقال: اعتمره، إذا زاره. وشرعًا:

стр. 2383

(زيارةُ البيتِ على وجهٍ مخصوص) يأتي بيانه. (وتجبُ) العمرة (على المكِّيِّ كغيرِه) أي: غير المكِّيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١). ولحديث عائشة: "يا رسولَ الله، هل على النسَاء من جهاد؟ قال: نعم، عَليهِنَّ جِهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ والعُمْرَةُ" رواه أحمد وابن ماجه (٢)، ورواته ثقات. وعن أبي رَزين العقيلي، "أنه أتى النبيَّ ﷺ فقال: إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ؛ لا يَسْتطيعُ الحَجَّ ولا العُمْرَةَ، ولا الظَّعْنَ، قال: حُجَّ عن أبيكَ واعتَمِرْ" رواه الخمسة (٣)، وصحَّحه الترمذي.

стр. 2384

ولأنها تشتمل على إحرام وطواف وسعي، فكانت واجبة كالحَجِّ. وأما بعض الأحاديث المسكوت فيها عنها؛ فلأن اسم الحجِّ يتناولها، روى مسلم من حديث ابن عباس: "دخَلتِ العُمْرَةُ في الحجِّ إلى يومِ القيامة" (١). وفي كتاب النبي ﷺ مع عمرو بن حزم إلى أهل اليمن: "إنَّ العُمْرَةَ الحجُّ الأصغَرُ" رواه الأثرم بإسناده (٢). وأما حديث طلحة بن عبيد الله مرفوعًا: "الحجُّ جهادٌ، والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ" فأجيب (٣) بأنه ضعيف. رواه ابن ماجه (٤).

стр. 2385

(ونصُّه (١): لا) تجب على المكِّيِّ، بخلاف غيره، ونَصَرَها في "المغني"؛ إذ ركن العُمرة ومعظمها الطواف. قال أحمد (١): كان ابنُ عبَّاس يَرى العُمْرَة وَاجبَةً، ويقولُ: يا أهلَ مكةَ، ليس عليكم عُمْرَةٌ، إنما عُمْرَتُكُم الطَّوافُ بالبَيتِ (٢). وهو من رواية إسماعيل بن مسلم، وهو المكَّيُّ، وهو ضعيف. وتأوَّلها القاضي على أنه نفى عن دَمَ التمتع. قال في "الفروع": كذا قال. انتهى. وفي "الشرح": وحَمَل القاضي كلامَ أحمدَ على أنه لا عُمرة عليهم مع الحَجِّ؛ لأنه يتقدم منهم فِعلها في غير وقت الحَجِّ. وأجاب صاحب "المحرر" وغيره عما تقدم بأنه لا يصحُّ في حَقِّ من لم يطف، ومن طاف يجب أن لا يجزئه عنها، كالآفاقي.

стр. 2386

(ويَجِبَان في العُمُرِ مرةً واحدةً) لما روى أبو هريرة قال: "خطبنا رسولُ الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، قد فُرض عليكم الحَجُّ فحجُّوا، فقال رجلٌ: أكلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكتَ حتى قالها ثلاثًا، فقال النبيُّ ﷺ : لو قلتُ: نعم، لوجَبَتْ، ولمَا استطعتُمْ" رواه أحمد ومسلم والنسائي (١). وعن ابن عباس قال: "خطبنا رسولُ الله ﷺ فقال: يا أيها الناسُ، كُتبَ عليكم الحجُّ، فقامَ الأقرعُ بن حابس، فقال: أفي كلِّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فقال: لو قلتُهَا؛ لوجبَتْ، ولو وجبت لم تعمَلُوا بها، ولم تستطيعُوا أن تعْمَلوا بها، الحجُّ مرةً، فمن زادَ فهو تَطوُّعٌ". رواه أحمد والنسائي (٢) بمعناه. (على الفَوْرِ) نصَّ عليه (٣). فيأثم إن أخَّر بلا عُذرٍ، بناء على أنَّ

стр. 2387

الأمر المطلق للفَوْرِ، ويؤيده: خبر ابن عباس مرفوعًا قال: "تَعَجَّلُوا إلى الحجِّ -يعني: الفريضَةَ- فإنَّ أحدَكُم لا يدري ما يعْرضُ له" رواه أحمد (١).

стр. 2388

وعن عبد الرحمن بن سابط يرفعه قال: "من مات ولم يحجَّ حَجّةَ الإسلام -لم يمنَعْهُ مرضٌ حابسٌ، أو سلطَانٌ جائرٌ، أو حاجَةٌ ظَاهِرةٌ- فَلْيَمُتْ على أي حال، يهوديًّا أو نَصْرَانيًّا". رواه سعيد في "سننه" (١). ولأنه أَحدُ مباني الإسلام، فلم يَجُزْ تأخيره إلى غير وقت معيَّن، كبقية المباني، بل أَولى. وأما تأخيره ﷺ هو وأصحابه؛ بناءً على أن الحجَّ فُرض سنة تسع، فيحتمل أنه كان في آخرها، أو لأنه تعالى أطلع نبيَّه على أنه لا يموت حتى يحجَّ، فيكون على يقينٍ من الإدراك، قاله أبو زيد الحنفي (٢). أو لاحتمال عدم الاستطاعة، أو حاجة خوف في حقِّه منعه من الخروج، ومَنَعَ أكثر أصحابه، خوفًا عليه، أو لأنَّ الله تعالى كَرِه له الحجَّ مع المشركين عُراة حول البيت، أو غير ذلك. (بخمسة شروط): أحدها: (الإسلامُ، و) الثاني: (العقلُ) وهما شرطان للوجوب والصحة (فلا يجبُ) حجٌّ ولا عُمرةٌ (على كافرٍ ولو مرتدًّا) لأنه ممنوع عن دخول الحرم، وهو منافٍ له (ويُعاقب) الكافرُ (عليه) أي: على الحجِّ، وكذا العُمرة (وعلى سائر فروع الإسلام) كالصلاة والزكاة والصوم (كالتوحيد، إجماعًا (٣)) وتقدم

стр. 2389

موضحًا (١) (ولا يجب) الحجُّ (عليه) ومثله العمرة (باستطاعته في حال رِدَّته فقط) بأن استطاع زمنَ الرِّدة دون زمنِ الإسلام؛ لأنه ليس من أهل الوجوب زمنَ الرِّدة (ولا تبطلُ استطاعتُه) في إسلامه (بردَّته) بل يثبت الحجُّ في ذمته إذا عاد للإسلام. (وإن حجَّ) واعتمر (ثم ارتدَّ، ثم أسلم وهو مستطيع، لم يلزمه حجٌّ) ولا عُمْرة؛ لأنهما إنما يجبان في العُمر مرةً، وقد أتى بهما، ورِدَّته بعدهما لا تبطلهما إذا عاد إلى الإسلام كسائر عباداته (وتقدَّم (٢) بعضُ ذلك في كتاب الصلاة. ولا يصحُّ) الحجُّ (منه) أي: من الكافر، ولو مرتدًّا، وكذا العُمْرة؛ لأن كلًّا من الحج والعُمْرة عبادة، من شرطها النية، وهي لا تصحُّ من كافر (ويبطل إحرامُه، ويخرجُ منه برِدَّته فيه) لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣) وكالصوم. (ولا يجب) الحجُّ (على المجنون (٤)) كالعُمْرةِ؛ لحديث: "رُفعَ القلمُ عن ثلاث" (٥). (ولا يصحُّ) الحجُّ (منه) أي: من المجنون، ولا العُمْرة (إن عَقَده بنفسه، أو عَقَده له وليُّه) كالصوم، وإنما صحَّ من الصغير دون التمييز إذا عَقَده له وليُّه؛ للنصِّ (٦).

стр. 2390

(ولا تَبْطلُ استطاعتُه بجنونه) فيُحج عنه (ولا) يَبْطل (إحرامُه به) أي: بالجنون (كالصوم) لا يبطل بالجنون (ولا يبطل الإحرام بالإغماء والموت والسُّكْرِ) كالنوم. (و) الشرط الثالث: (البلوغ. (و) الرابع: (الحرية) أي: كمالها، وهما شرطان للوجوب والإجزاء فقط (فلا يجب) الحجُّ ولا العُمْرة (على صغير) للخبر (١)، ولأنه غير مكلَّف (ولا على قِنٍّ) لأن مدتها تطول، فلم يَجبا عليه؛ لما فيه من إبطال حَقِّ السيد، كالجهاد، وفيه نظر؛ لأن القصد منه الشهادة، قاله في "المبدع" (وكذا مُكاتَبٌ، ومُدَبَّرٌ، وأمُّ ولد، ومُعتَقٌ بعضُه) ومعلَّق عتقه بصفة. (ويصحُّ) الحج (منهم) كالعُمرة، أي: من الصغير، والقِنِّ، والمُكاتَب، والمُدَبَّرِ، وأم الولد، والمُعتق بعضُه؛ لحديث ابن عباس: "أن امرأةً رَفعتْ إلى النبي ﷺ صبيًّا، فقالت: يا رسولَ الله، ألهذا حجٌّ؟ قال: نعم، ولك أجْرٌ" رواه مسلم (٢). والعبد من أهل العبادة، فصحَّا منه كالحُرِّ. (ولا يجزئُ) حجُّهم (عن حَجَّة الإسلامِ) لقول ابن عباس: إن النبيَّ ﷺ قال: "أيما صبيَّ حجَّ ثم بلغَ، فعليه حجَّةٌ أخرى، وأيما عبد حجَّ ثم عتق، فعليه حجَّةٌ أخرى" رواه الشافعي والبيهقي (٣). قال بعض

стр. 2391

الحُفَّاظ: لم يرفعه إلا يزيد بن زُريع عن شعبة، وهو ثقة. ولأنهم فعلوا ذلك قبل وجوبه، فلم يجزئهم إذا صاروا من أهله، كالصبي يصلّي ثم يبلغ في الوقت. وهذا قول عامة العلماء إلا شذوذًا، بل حكاه ابنُ

стр. 2392

عبد البَرَّ إجماعًا (١). (إلا أن يُسْلِمَ) الكافر (أو يُفيقَ) المجنون، ثم يُحْرِم قبل الدفع من عَرَفة، أو بعده، إن عاد فوقف في وقته، ثم أتم حَجَّه (أو يَبلغَ) الصغيرُ (أو يَعتِقَ) القِنُّ، أو المُكاتب، أو المُدَبَّر، أو أم الولد (في الحجِّ، قبل الخروج من عَرَفة أو بعده) أي: بعد الوقوف بعَرَفة (قبل فَوْت وقته) أي: الوقوف (إن عاد فوقف) في وقته؛ لأنهما أتيا بالنُّسك حال الكمال فأجزأهما، كما لو وُجِدَ قبل الإحرام، واستدلَّ أحمد بأن ابن عباس قال: "إذا عَتَقَ العبدُ بعَرفَةَ، أجزأتْ عنه حجتُهُ، وإن أُعتقَ بجَمْعٍ، لم تجزئ عنه" (٢) (ويلزمه) أي: القِن، إذا عتق بعد الدفع من عَرَفة، قبل فوات وقته (العودُ) إلى عرفة في وقت الوقوف (إنْ أمكنه) العودُ؛ لوجوب الحج على الفَوْر، كما تقدم (٣). (و) لا تجزئ عُمْرتهم عن عُمْرة الإسلام، إلا أن يُسلِم أو يُفيق أو يَبلغ أو يَعتق (في العُمْرة قبل طوافها) أي: الشروع فيه (فيجزئهم) لما تقدم (قال الموفَّقُ وغيره في إحرام العبد والصبي: إنما يُعتدُّ بإحرامٍ ووقوفٍ موجودَين إذن) أي: حين البلوغ والعتق (وما قبله) من الإحرام والوقوف (تطوُّعٌ لم ينقلب فرضًا) ولا اعتداد به، وقدَّمه في "التنقيح" و"المنتهى" (وقال المجدُ وجَمْعٌ) منهم صاحب "الخلاف" و"الانتصار": (ينعقدُ إحرامُه موقوفًا، فإذا تغيَّر حالُه) بالبلوغ أو العتق (تبين فرضيته) كزكاة معجَّلة. (ولو سعى قِنٌّ أو صغيرٌ بعد طواف القُدُوم، وقبل الوقوف والعِتق

стр. 2393

والبلوغ، وقلنا: السعيُ رُكنٌ -وهو المذهب- لم يجزئه) الحجُّ عن حجَّة الإسلام؛ لوقوع الرُّكن في غير وقت الوجوب، أشبه ما لو كبَّرَ للإحرام ثم بلغ، فعلى هذا لا يجزئه (ولو أعاد السعي) بعد البلوغ والعِتق (لأنه لا يُشرع مجاوزةُ عددِه، ولا تكرارُه، وخالف الوقوفَ) من حيث إنه إذا بلغ أو عتق بعده وأعاده في وقته يجزئه (إذ هو مشروع) أي: استدامته مشروعة (ولا قَدْرَ له محدودٌ. وقيل: يُجزئهُ إذا أعاد السعي) لحصول الرُّكن الأعظم، وهو الوقوف وتبعية غيره له، ولا تجزئ العُمْرة من بلغ أو عتق في طوافها، وإن أعاده وفاقًا. (ويُحْرِمُ المميزُ بنفسه بإذن وليِّه) لأنه يصح وضوؤه، فصحَّ إحرامه كالبالغ، ولأن العبادات أحد نوعي العقود، فكان منه ما يعقده المميز لنفسه بإذن وليِّه كالبيع، (وليس له) أي: ولي المميز (تحليله) إذا أحرم بإذنه كالبالغ. (ولا يصحُّ) إحرامه (بغير إذنه) أي: إذن وليِّه؛ لأنه يؤدِّي إلى لزوم مالٍ، لم ينعقد بنفسه كالبيع. ولا يُحْرِم الولي عن المميز؛ لعدم الدليل. (وغيرُ المميزِ يُحْرِمُ عنه وليُّه) أي: يعقد له الإحرام؛ لما روى جابر قال: "حجَجنَا مع النبي ﷺ ومعَنَا النساءُ والصبيانُ، فأحرَمْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ" رواه سعيد (١)، فيعقد له وليه الإحرام (ولو كان الوليُّ مُحْرِمًا، أو) كان الولي (لم يحجَّ عن نفسه) كما يعقد له النكاح، ولو كان مع

стр. 2394

الولي أربع نسوة. (وهو) أي: الولي (من يَلِي ماله) من أب ووصيه وحاكم. (ولا يصحُّ من غير الوليِّ من الأقارب) كالإخوة والأعمام، كما أنه لا يصحُّ بيعهم له ولا شراؤهم. وظاهر رواية حنبل (١): يصحُّ من الأم -أيضًا- اختاره جماعة. وتقدم أنه إذا لم يكن له وَليٌّ، يقبض له الزكاة والكفَّارة من يليه، فينبغي هنا كذلك؛ لظاهر الخبر السابق. (ومعنى إحرامِه) أي: الولي (عنه) أي: عمَّن لم يميز (عَقْدُه الإحرامَ له، فيصيرُ الصغيرُ بذلك مُحْرِمًا) كما يعقد له النكاح، فيصير الصغير زوجًا (دون الولي) ولهذا صحَّ من وليِّه، وإن كان مُحْرِمًا أو لم يحجَّ عن نفسه (وكلُّ ما أمكنه) أي: الصغير مميزًا كان أو دونه (فِعلُه بنفسه كالوقوفِ) بعَرَفة (والمبيت) بمزدلِفة وليالي منى (لَزِمَه) فِعله، بمعنى أنه لا يصحُّ أن يُفعل عنه؛ لعدم الحاجة إليه، لا بمعنى أنه يأثم بتركه؛ لأنه غير مكلف (وسواءٌ أحضره الوليُّ فيهما) أي: الوقوف والمبيت (أو غيرُه) أي: غير الولي، أو لم يحضره أحد (وما عَجَزَ عنه) الصغير (فَعَلَه عنه الوليُّ) لحديث جابر قال: "لبَّينَا عن الصبيَان ورَمينَا عنهم" رواه أحمد وابن ماجه (٢). ورُوي عن ابن عمر في

стр. 2395

الرَّمي (١). وعن أبي بكر "أنهُ طافَ بابْنِ الزبير في خِرقةٍ" (٢)، رواهما الأثرم. (لكن لا يجوز أن يرمي عنه) أي: عن الصغير (إلا من رمى عن نفسه، كما في النيابة في الحجِّ، أي: إن كان الوليُّ مُحْرِمًا) بفرضه، قاله في "المبدع" و"شرح المنتهى" ورمى (٣) عن الصغير أولًا (وَقَعَ) الرميُ (عن نفسه) كمن أحرم عن غيره وعليه حَجَّة الإسلام (وإن كان) الوليُّ

стр. 2396

(حلالًا، لم يُعتدَّ به) أي: برميه؛ لأنه لا يصحُّ منه لنفسه رمي، فلا يصحُّ عن غيره (وإن أمكن الصبي أن يناول النائبَ الحصى، ناوَله) إيَّاه (والا اسْتُحبَّ أن تُوضع الحصاةُ في كفِّه، ثم تُؤخذ منه فتُرمى عنه، فإن وَضَعها النائبُ في يدِه ورمى بها (١)، فجعل يده كالآلة، فَحَسنٌ) ليوجد منه نوع عمل. (وإن أمكنه) أي: الصغير (أنْ يطوفَ) ماشيًا (فَعَله) كالكبير (وإلا طِيفَ به محمولًا) لما تقدم من فِعْلِ أبي بكر (٢) (أو راكبًا) كالمريض. (ويصحُّ طوافُ الحلالِ به) أي: بالصغير (و) طواف (المُحْرِم) به، (طاف) المُحْرِم (عن نفسه أوْ لا) أي: أو لم يطف عن نفسه، بخلاف الرمي. وأشار إلى الفرق بينهما بقوله: (لوجود الطوافِ من الصبيِّ، كمَحمولٍ مريضٍ، ولم يوجد من الحامل إلا النيةُ، كحالة الإحرام) بخلاف الرمي. (وتُعتبرُ النيةُ من الطَّائفِ به) قلت: ولعله إذا كان دون التمييز، وإلا، فلابد من النيةُ منه، كالإحرام (ويأتي في باب دخول مكَّة. و) يُعتبر -أيضًا- (كونه ممن يَصحُّ أن يَعقِد له الإحرام) بأن يكون وليًّا له في ماله؛ لأن الطواف تُعتبر له النية، فلما تعذَّرت من الصغير، اعتُبرت ممن له النيابة عنه بالشرع، بخلاف الوقوف والمبيت (فإن نوى) الطائف بالصغير (الطوافَ عن نفسه وعن الصبي، وقع) الطواف (عن الصبي، كالكبير يُطاف به محمولًا لعُذرِ) لأن الطَّواف فِعْلٌ واحد، لا يصح وقوعه عن اثنين.

стр. 2397

(ونفقةُ الحجِّ التي تزيد على نفقة الحضر وكفَّاراتُه، في مال وليِّه، إن كان) وليُّه (أنشأ السفرَ به تمرينًا على الطاعة) لأنه السبب فيه، وكما لو أتلف مال غيره بأمره، قاله ابن عقيل. ولا حاجة إلى التمرُّن عليه؛ لأنه لا يجب في العُمُرِ إلا مرة واحدة، وقد لا يجب. وعُلم منه: أن نفقة الحضر في مال الصبي بكلِّ حال؛ لأنه لابُدَّ له منها، مقيمًا كان أو مسافرًا. (وأما سفرُ الصبيِّ معه) أي: مع الولي (لتجارة أو خدمة، أو إلي مكة ليستوطِنَها، أو ليقيمَ بها؛ لعِلْمٍ أو غيرِه مما يُباح له) أي: الولي (السفرُ به) أي: الصبي (في وقت الحج وغيره، ومع الإحرام وعدمه، فلا نفقة على الوليِّ) بل هي على الصبي. قال في "المبدع": هي (١) رواية واحدة. (وعمدُه) أي: الصبي (هو ومجنون خطأ) لعدم صحة قصدهما (فلا يجب بفعلهما شيء، إلا فيما يجب على المكلَّف في خطأ ونسيان) كإزالة الشعر، وتقليم الظُّفر، وقتل الصيد، والوطء، بخلاف الطيب، ولبس المخيط، وتغطية الرأس. (وإن فَعَل بهما الوليُّ فِعلًا لمصلحةٍ، كتغطية رأسه) أي: الصغير أو المجنون المُحْرِم (لبرد) أو حرٍّ (أو تطييبه لمرض، أو حلق رأسه) لأذًى (فكفَّارتُه على الولي -أيضًا-) لعله فيما إذا كان الولي أنشأ السفر به تمرينًا على الطاعة، بخلاف ما لو سافر به لتجارة ونحوها، فهو في مال الصبي، كما لو فَعَله الصبي نفسه. هذا مقتضى ما نقله في "الفروع" و"المبدع" و"شرح المنتهى" عن المجد، واقتصروا عليه.

стр. 2398

فأما إن فَعَله الوليُّ لا لعُذرٍ، فكفَّارته عليه بكل حال، كمن حَلَقَ رأس مُحرِم بغير إذنه. (وإن وجب في كفَّارةٍ صومٌ، صام الوليُّ) قاله في "التنقيح"، وقال في "الفروع" و"الإنصاف": حيث أوجبنا الكفَّارة على الولي بسبب الصبي، ودخلها الصوم، صام عنه؛ لوجوبها عليه ابتداء. انتهى. أي: فصومُ الوليِّ عن نفسه لا بالنيابة عن الصبي، إذ الصوم الواجب بالشرع لا تدخله النيايةُ، كقضاء رمضان، وعلى هذا: لو كانت الكفَّارةُ على الصبي ووجب فيها صوم، لم يصم الوليُّ عنه، بل يبقى في ذمته حتى يبلغ، فإن مات أطعم عنه؛ كقضاء رمضان. وهذا مقتضى كلامه أيضًا في "المبدع" و"شرح المنتهى". (ووطءُ الصبي كوطء البالغ ناسيًا، يمضي في فاسده، ويلزمُه القضاء بعد البلوغ، نصًّا (١) ولا يصح قضاؤه قبل بلوغه، نصَّ عليه (١)؛ لأنه إفساد لإحرام لازم، وذلك يقتضي وجوب القضاء. وبِنْيَةُ الصبي تمنع التكليف بفعل العبادات البدنية؛ لضعفه عنها. ونظير ذلك وجود الاحتلام أو الوطء من المجنون، فإنه يوجب الغسل عليه، لوجود سببه، ولا يصحُّ منه إلا بعد الإفاقة، لِفَقدِ أهليته للغسل في الحال. (وكذا الحكمُ إذا تحلَّل الصبيُّ من إحرامِه لفواتِ) وقت الوقوف، فإنه يقضيه إذا بلغ، وفي الهَدي التفصيل السابق (أو) تحلَّلَ الصبي لِـ (إحصارٍ) وقلنا: يجب القضاء، فيقضيه إذا بلغ، والفِدية على ما سبق. ويأتي: أن المُحْصر لا يلزمه قضاء (لكن إذا أراد) الصبيُّ

стр. 2399

(القضاءَ بعد البلوغ، لَزِمَه أن يُقدِّم حَجَّة الإسلام على المَقضيَّةِ) كالمنذورة (فلو خالفَ وفَعَلَ) بأن قدَّمَ المَقضيَّة على حجَّة الإسلام (فهو كـ) الحُرِّ (البالغ، يُحْرِمُ قبل الفَرْض بغيره) فينصرف فِعلُه إلى حجَّة الإسلام، ثم يقضي بعد ذلك. (ومتى بلغ) الصبي (في الحجَّة الفاسدةِ) التي وطئ فيها (في حال يجزئه عن حجَّةِ الفرض، لو كانت صحيحةً) بأن بلغ وهو بعَرَفة أو بعده، وعاد فوقف في وقته، ولم يكن سعى بعد طواف القُدوم (فإنها) أي: الحال والقصة -وفي نسخة: "فإنه" أي: الشأن- (يمضي فيها) أي: في تلك الحجَّة التي بلغ في أثنائها (ثم يَقضيها) فورًا (ويجزئه ذلك) الحجُّ القضاء (عن حَجَّة الإسلام والقضاء، كما يأتي نظيرُه في العبد) إذا عتق في حال يجزئه عن حَجَّة الفَرْض لو كانت صحيحة؛ لأن قضاءها كهي، فيجزيء كإجزائها لو كانت صحيحة. (وليس للعبد الإحرامُ إلا بإذن سيِّدِه) لتفويت حقِّه بالإحرام (ولا للمرأة الإحرام نفلًا إلا بإذن زوج) لتفويت حقِّه. وقيَّده بالنفل منها دون العبد؛ لأنه لا يجب عليه حجٌّ بحال، بخلافها، قاله ابن المُنَجَّى. ومراده: بأصل الشرع، فلا يَرِدُ عليه النذر؛ لتصريحهم بأنه لا خلاف في لزومه بالنذر للعبد؛ لأنه مكلف، فصحَّ نذرُه كالحُرِّ، ويأتي (فإن فَعَلا) أي: أحرم العبد والمرأة بغير إذن السيد والزوج (انعقد) إحرامهما؛ لأنه عبادة بدنية، فصحَّت بغير إذنٍ، كالصوم. وقال ابن عقيل: يتخرَّج بطلان إحرامه لغصبه نفسه، فيكون قد حجَّ في بدن غصب، فهو آكد من الحجَّ بمال غصب. قال في "الفروع": وهذا متوجِّهٌ ليس بينهما فرق

стр. 2400

مؤثِّر، فيكون هو المذهب. وصَرَّحَ به جماعةٌ في الاعتكاف، قاله في "المبدع". قلت: ويؤيده ما تقدم في الصلاة (١): ولا يصحُّ نَفْلُ آبقٍ. (ولهما) أي: السيد والزوج (تحلِيلُهما) أي: العبد والزوجة؛ لأن حقهما لازم، فملكا إخراجهما من الإحرام، كالاعتكاف (ويكونان كالمُحْصَر) لأنهما في معناه (فلو لم تَقبلِ المرأةُ تحليلَه أثمت، وله مباشرتُها) وكذا أَمَته المباحة له لولا الإحرام بغير إذنه. وعبارة "المنتهى": ويأثم من لم يمتثل. وهي أعمُّ. (وإن كان) إحرامهما (بإذن) السيد والزوج، لم يجز تحليلهما؛ لأنه قد لزم بالشروع، وكنكاحٍ ورَهنٍ (أو أحرما) أي: العبد والمرأة (بِنَذْرٍ، أذن لهما فيه أو لم يأذن) الزوج (فيه للمرأة، لم يجز تحلِيلُهما) لوجوبه، كما لو أحرمت بواجب بأصل الشرع. (وللسيدِ والزوجِ الرجوعُ في الإذن) في الإحرام للعبد والمرأة (قبل الإحرام) من العبد والزوجة، كالواهب يرجع فيما وهبه، قبل قَبْضِ الموهوب له، لا بعده (ثم إن عَلِمَ العبد برجوع سيِّده عن إذنه) له في الإحرام (فكما لو لم يأذن) السيد له ابتداءً؛ لبطلان الإذن برجوعه (وإلا) أي: وإن لم يعلم برجوعه في الإذن (فالخلافُ في عَزْلِ الوكيل قبل عِلْمِه) بعزل موكله له. والمذهب: أنه ينعزل، فيكون الحكم هنا كما لو لم يأذن. قلت: وكذا الحكم في المرأة في النفل. (و يَلزمُ العبدَ حكمُ جنايته) أي: إتيانه بشيء من محظورات الإحرام؛ لأنه مكلَّف (كحُرٍّ مُعْسِرٍ) لا مال له (فإن مات) العبد (ولم يَصُمْ) ما وجب عليه (فلسَيِّده أن يُطعِمَ عنه) ذكره في "الفصول".

стр. 2401

والمراد: يُسَنُّ، كما تقدم في قضاء رمضان (١). (وإن أفسد) قِنٌّ (حَجَّه بالوطء، لزمه المضي فيه) كالحُرِّ (و) لزمه (القضاء) أي: قضاء ما أفسده؛ لأنَّه مكلَّف (ويصح) القضاء (في رِقِّهِ) لأنه وجب فيه، فصح كالصلاة والصيام، بخلاف حَجَّة الإسلام (وليس للسيد مَنْعُه من القضاء إن كان شروعه) أي: القِنُّ (فيما أفسدَه بإذنه) لأن إذنه فيه إذن في موجبه، ومن موجبه قضاء ما أفسده على الفَورِ، وعُلم منه: أنَّه إذا لم يكن بإذنه، فله مَنعُه منه كالنَّذرِ. (وإن عَتق) القِن (قبل أن يأتي بما لزمه من ذلك) أي: قبل القضاء (لزمه أن يبتدئ بحجة الإسلام) لأنها آكد (فإن خالف) فبدأ بالقضاء (فحكمه كالحرِّ يبدأ بنذر أو غيره قبل حجة الإسلام) فيقع عن حجة الإسلام، ثم يقضي في القابل (فإن عتق) القِن (في الحجة الفاسدة في حال يجزئه عن حجة الفرض لو كانت صحيحة) بأن عتق وهو واقف بعَرَفة أو بعده، وعاد فوقف في وقته ولم يكن سَعى بعد طواف القدوم (فإنَّه يمضي فيها). أي: في الحجة الفاسدة كالحر (ثم يقضيها) فورًا (ويجزئه ذلك) الحجُّ (عن حجة الإسلام والقضاء) خلافًا لابن عقيل؛ لأنَّ القضاء له حكم الأداء. (وإن تحلل) القِنُّ (لحصر) عدو منعه الحرم (أو حلَّله سيِّدُه) لعدم إذنه له (لم يتحلل قبل الصوم) كالحُر المعسر إذا أُحصر (وليس له) أي: السيد (منعُه) أي: القن (منه) أي: الصوم، نصَّ عليه (٢)؛ لوجوبه بأصل الشرع، فهو كرمضان.

стр. 2402

(وإذا فسَدَ حجُّه) أي: القِن؛ بأن وطئ فيه قبل التحلُّل الأول (صام) بدل البدنة كالحُرِّ المُعسر (وكذا إن تمتعَ أو أقرنَ (١)) فإنَّه يصوم بدل الهَدي عشرة أيَّام: ثلاثة في الحجِّ، وسبعة إذا رجع؛ لأنَّه لا مال له. وحكم المدَبَّر، والمكاتب، والمعلَّق عتقه بصفة، والمبعَّض حكم القِن فيما ذكره. (ولو باعه سيده، وهو) أي: القِن (مُحرمٌ، فمشتريه كبائعه في تحليله) إذا كان إحرامه بغير إذن بائعه (و) في (عَدَمه) أي: عدم تحليله إذا كان بإذن بائعه. والحاصل: أنَّه إن كان في إحرام يملك البائع تحليله منه، كان للمشتري تحليله، وإن كان في إحرام لا يملك البائع تحليله منه، لم يكن للمشتري تحليله. (وله) أي: المشتري (فَسْخُ البيع إن لم يعلم) بإحرام القِن؛ لما فيه من تفويت منافعه عليه مدة الحج. (إلَّا أن يملك بائعه تحليله، فيُحللُه المشتري) إن شاء أو يبقيه، ولا خيار له؛ لأنَّه إذا كان في إحرام يملك تحليله منه كان إبقاؤه فيه كإذنه له فيه ابتداء. (وليس للزوج مَنعُ امرأته من حجِّ فَرضٍ إذا كَمُلَتِ الشُروطُ) لأنَّه واجب بأصل الشرع، أشبه الصوم والصلاة أول الوقت (ونفقتها عليه، كقَدرِ نفقة الحَضَر) وما زاد، في (٢) مالها (وإلا) أي: وإن لم تكمل شروط الحج للمرأة (فله) أي: لزوجها (٣) (منعُها من الخروج إليه، و) من (الإحرام به) لتفويتها حقه فيما ليس بواجب عليها. و (لا) يملك (تحليلَها) منه (إن أحرمت به) لوجوب إتمامه بشروعها فيه.

стр. 2403

(وليس له) أي: الزوجْ (مَنْعُها) من العُمْرة الواجبة إذا كَمُلَت شروطُها (ولا تحليلها من العمرة الواجبة) إذا أحرمت بها وإن لم تكمل شروطها؛ لوجوبها بالشروع كالحَجِّ. (وحيث قلنا: ليس له مَنْعُها، فيُستحبُّ لها أن تستأذنه) نصَّ عليه (١)، خروجًا من الخلاف (وإن كان) زوجها (غائبًا، كَتَبتْ إليه) تستأذنه (فإن أذن) فلا كلام (وإلا) أي: وإنْ لم يأذن (حجَّت بمَحرَمٍ) لتؤدي ما فُرض عليها، إذ لا يَسقط الفرضُ عنْها بعدم إذنه، ولا يجوز لها السفر إلَّا بمَحْرَم، أذن أو لم يأذن، كما يأتي. (ولا تخرجُ إلى الحجِّ في عِدَّةِ الوفاة) لوجوب إتمام العِدَّة في المسكن التي وجبت فيه، ولا يفوت الحجُّ بالتأخير (دون المبتوتة) أي: المفارقة في الحياة بائنًا فلا تُمنع من الحجِّ (ويأتي في العِدد) موضحًا. والرجعية حكمها كالزوجة فيما تقدَّم. (ولو أحرمت بواجب فحلف) زوجُها (بالطلاق الثلاث أنها لا تحجُّ العامَ، لم يجُز أن تَحِلَّ) من إحرامها لأن الطلاق مباح، فليس لها تَرك الفريضة لأجله. ونقل ابن منصور (٢): هي بمنزلة المُحْصَر. ورواه (٣) عن عطاء، واختاره ابن أبي موسى، كما لو مَنَعها عدوٌّ من الحجِّ إلا أن تدفع له (٤) مالها. ونقل مُهنَّا (٥). أن أحمد سُئل عن المسألة، فقال: قال

стр. 2404

عطاء: الطلاق هلاك، هي بمنزلة المُحْصَر. (و ليس للوالدين مَنعُ ولَدِهما من حَجِّ الفرض والنذرِ، ولا تحليله منه، ولا يجوز للولد طاعتهما فيه) أي: في تَرْك الحجِّ الواجب أو التحلُّل. وكذا كل ما وجب، كصلاة الجماعة والجُمَع، والسفر للعِلم الواجب؛ لأنها فرض عين، فلم يُعتبر إذن الأبوين فيها، كالصلاة. قال ابن مفلح في "الآداب" (١): وظاهر هذا التعليل: أن التطوع يُعتبر فيه إذن الوالدين كما نقوله في الجهاد، وهو غريبٌ! والمعروف اختصاص الجهاد بهذا الحُكم. والمراد والله أعلم: أنَّه لا يسافر لمُستحبٍّ إلَّا بإذنه، كسفر الجهاد، وأمَّا ما يفعله في الحضر كصلاة النافلة ونحو ذلك، فلا يُعتبر فيه إذنه، ولا أظنُّ أحدًا يَعتبره، ولا وجه له، والعمل على خِلافه، والله أعلم. (ولهما) أي: الأبوين (مَنعه من) الحج (التطوُّع، ومن كل سفَرٍ مُستحبٍّ، كالجهاد) أي: كما أن لهما مَنْعه من الجهاد مع أنَّه فرض كفاية؛ لأنَّ بر الوالدين فرض عين، وهو مقدَّمٌ على المُستحبِّ، وعلى فرض الكفاية (ولكن ليس لهما تحلِيلُه) من حج التطوُّع؛ لوجوبه بالشروع فيه. (ويلزَمُه طاعتهما في غير معصيةٍ، ولو كانا فاسقين) لعموم الأوامر ببرِّهما والإحسان إليهما، ومن ذلك طاعتهما. (وتحرُمُ طاعتُهمَا فيها) أَي: في المعصية؛ لحديث: "لا طاعة لمخْلُوق في معصِيَةِ الخَالقِ" (٢). (ولو أمره والده بتأخير الصلاة؛ ليصلِّيَ به) إمامًا مع

стр. 2405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2406

سعة الوقت (أخَّرها) وجوبًا، لوجوب طاعته، وتقدَّم (١). (ولا يجوز له) أي: للوالد (مَنعُ ولدِه من سُنَّةٍ راتبةٍ) ونحوها من التطوعات التي لا تحتاج إلى سفر، كما تقدم (٢) عن "الآداب". (ولوليِّ سَفيهٍ مبذِّرٍ تحليلُه) من إحرامه (إن أحرم بنفل، وزادت نفقتُه علي نفقةِ الإقامة، ولم يكتسِبها) في سفره؛ لما فيه من الضرر عليه، فيحلل بالصوم (وإلا) أي: وإن لم تزد نفقتُه على نفقة الإقامة، أو زادت واكتسبها في سفره (فلا) يمنعه، لأنَّه لا ضرر عليه إذن (وليس له) أي: ولي السفيه المبذِّر (مَنْعُه من حَجِّ فرض، ولا تحليله منه) كصلاة الفرض وصومه (ويدفعُ نَفَقَتَه إلى ثقةٍ يُنفقُ عليه في الطَّريق) فيقوم مقام الولي في التصرف له. (ولا يُحلَّلُ) بالبناء للمفعول (مَدينٌ) أي: لا يحلل الغريمُ مَدينه إذا أحرم؛ لوجوب إتمامه بالشروع (ويأتي في) كتاب (الحَجرِ). والعمرة -كما تقدم (٣) - كالحجِّ.

стр. 2407

فصل (الشرط الخامس) لوجوب الحجِّ والعُمرة دون إجزائهما: (الاستطاعة) لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ (١) فـ"من" بدل من "النَّاس" فتقديره: ولله على المستطيع؛ ولانتفاء تكليف ما لا يُطاق شرعًا وعقلًا. (وهي) أي: الاستطاعة (أن يملك زادًا وراحلةً لذهابه وعَودِه، أو) يملك (ما يَقْدِرُ به على تحصيل ذلك) أي: الزاد والراحلة، من نَقْدٍ أو عَرْضٍ؛ لما روى ابن عمر قال: "جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: ما يُوجِبُ الحجَّ؟ قال: الزادُ والراحِلَةُ" رواه التِّرمذيُّ (٢)، وقال: العمل

стр. 2408

عليه عند أهل العلم. وعن أنس: "أن النبي ﷺ سُئل عنِ السّبيل، فقال: الزادُ والراحلةُ" (١). وكذا رواه جابر (٢)، وابن عمر (٣)، وعبد الله بن عمرو (٤)،

стр. 2409

وعائشة (١) ﵃، رواه الدارقطني. ولأنها عبادة تتعلق بقَطْع مسافة بعيدة، فكان ذلك شرطًا لها، كالجهاد (فيعتبر الزادُ مع قربِ المسافةِ وبُعدِها إن احتاجَ إليه). لأنَّه لابُدَّ منه، فإن لم يحتج إليه لم يُعتبر. قال في "الفنون" (٢): الحج بدني محضٌ، ولا يجوز أن يُدَّعى أن المال شرط في وجوبه (٣)؛ لأنَّ الشرط لا يحصُل المشروط دونه، وهو المصحِّح للمشروط، ومعلوم أن المكي يلزمه، ولا مال له (فإن وَجَده) أي: الزاد (في المنازل، لم يلزمه حَمله) من بلده؛ عملًا بالعادة (إن وَجَده) أي: الزاد (يُباع بثمنِ مثله في الغلاء والرُّخص، أو بزيادة يسيرة) كماء الوضوء (وإلا) بأن لم يجده بالمنازل، أو وجده بزيادة كثيرة على ثمن مثله (لَزِمه حَملُه) معه من بلده. (والزادُ: ما يحتاج إليه من مأكولٍ ومشروب وكِسْوةٍ) وظاهر كلامه: لا يُعتبر أن يكون صالحًا لمثله. قال في "الإنصاف": وهو صحيح. قال في "الفروع": ويتوجَّه احتمال أنَّه كالراحلة. انتهى.

стр. 2410

وجزم به في "الوجيز" فقال: ووجد زادًا وراحلة صالحين لمثله. قال في "الفروع": والمراد بالزاد: أن لا يحصُل معه ضرر لرداءته. (و ينبغى أن يُكثر من الزاد والنفقة عند إمكانه ؛ لِيؤثرَ محتاجًا ورفيقًا، وأن تَطيبَ نفسُه بما يُنفِقُه) لأنَّه أعظم في أجره، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (١). (ويُستحبُّ أن لا يُشارك غيره في الزَّادِ وأمثاله) لأنَّه ربما أفضى إلي النزاع، أو أكل أكثرَ من رفيقه، وقد لا يرضى به (واجتماع الرِّفاق كل يوم على طعام أحدهم على المناوبة أليق بالورع من المشاركة) في الزاد. (ويُشترط أيضًا: القُدرة على وعاء الزاد) لأنَّه لابدَّ منه. (وتُعتبر الراحلة مع بُعدِ المسافةِ فقط، ولو قدر على المشي) لعموم ما سبق (وهو) أي: بُعد المسافة (ما تُقصر فيه الصَّلاة) أي: مسيرة يومين معتدلين، و (لا) تُعتبر الراحلة (فيما دونها) أي: دون المسافة التي تُقصر فيها الصَّلاة (من مكِّي وغيره) بينه وبين مكّة دون المسافة (ويَلزَمُه المشي) للقُدرة على المشي فيها غالبًا، ولأن مشقتها يسيرة، ولا يخشى فيها عَطَبٌ على تقدير الانقطاع بها، بخلاف البعيدة، ولهذا خَصَّ الله تعالى المكانَ البعيد بالذِّكر في قوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢) (إلا مع عَجزٍ لِكِبَرٍ ونحوه) كمرض، فتُعتبر الراحلة، حتَّى فيما دون المسافة؛ للحاجة إليها إذن (ولا يَلزمُه الحَبو) أي: السير إلى الحج حَبوًا و (إن أمكَنه) لمزيد مشقته.

стр. 2411

(و) يُعتبر (ما يَحتاج إليه من آلتِها) أي: آلة الراحلة، حيث اعتبرت، إذ لابُدَّ للراحلة من آلة، فتُعتبر القُدْرة عليهما (بِكِرَاءٍ أو شراء) حال كون ذلك (صالحًا لمثله عادة؛ لاختلاف أحوالِ النَّاس) في ذلك. (فإن كان ممن يكفيه الرَّحْلُ والقَتَبُ، ولا يخشى السُّقوطَ) بركوبه كذلك (اكتفى بذلك) أي: بالرَّحل والقَتَب عن المحمل (فإن (١) كان ممن لم تجرِ عادتُه بذلك، أو يخشى السُّقوطَ عنها) أي: عن الراحلة إن اكتفى بالرَّحْل والقَتَب (اعتُبر وجود مَحْمَل) صالح له (وما أشبَهَه، مما لا يُخشى سقوطُه عنه، ولا مشقة فيه) عليه؛ دفعًا للحرج والمشقَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) (وينبغي أن يكون المركوبُ جيِّدًا) لئلا يتضرَّر به بعد ذلك. (وإن لم يَقْدِرْ على خِدمة نفسه والقيام بأمرِه، اعتُبر من يَخدمُه) قاله الموفق. قال في "الفروع": وظاهره: لو أمكنه لَزِمه؛ عملًا بظاهر النصِّ. وكلام غيره يقتضي أنه كالراحلة؛ لعدم الفرق. وكذا (٣) دابته، إن كانت ملكه إذا لم يقدر على خدمتها والقيام بأمرِها، اعتُبرَ من يخدمها (لأنه من سبيله) فاعتُبرت قدرته عليه. (فإن تكلَّفَ الحجَّ من لا يلزَمُه) وحجَّ، أجزأه؛ لأن خَلْقًا من الصحابة حجُّوا ولا شيء لهم، ولم يؤمر أحدٌ منهم بالإعادة؛ ولأن الاستطاعة إنما شُرعت للوصول، فإذا وَصَل وفَعَل، أجزأه كالمريض

стр. 2412

(و) من لم يستطع و (أمكنه ذلك من غير ضَرَرٍ يلحق بغيره، مثل من يكتسبُ بصناعة) في سفره (كالخَرازِ، أو معاونةِ (١) من يُنفق عليه، أو يكتري لزاده) وله قوة على المشي (ولا يَسأل الناسَ، استُحِبَّ له الحجُّ) خروجًا من الخلاف (ولم يَجب عليه) لأنه ليس بمستطيع؛ لما تقدَّم (٢) من أن الاستطاعة ملك الزاد والراحلة. (ويُكره) الحج (لمن حِرفتُه المسألةُ، قال) الإمام (أحمدُ فيمن يدخل الباديةَ بلا زادٍ ولا راحلة: لا أحبُّ له ذلك؛ يتوكل على أزواد الناس) (٣). قلت: فإن توكَّل على الله، وحَسُنَ ذلك منه، ولم يَسأل الناسَ، فلا كراهة. (ويُعتبر كونه) أي: ما تقدم من الزاد والراحلة وآلتهما، أو ما يقدِرُ به على تحصيل ذلك (فاضلًا عما يحتاج إليه؛ من كتبٍ) لأنها في معنى المسكن ونحوه (ومسكنٍ للسُّكنى) لأنه من حاجته الأصلية؛ لأن المفلس يقدم به على غرمائه، فههنا أولى (أو) مسكن (يَحتاج إلى أُجرته؛ لنفقته أو نفقة عياله) لتأكد حقِّهم؛ لقوله ﷺ : "كفى بالمرْءِ إثمًا أنْ يضيِّعَ مَنْ يَعُولُ" رواه أبو داود (٤). (أو) أي: ويُعتبر أن يكون ذلك فاضلًا -أيضًا- عن (بضاعة يَختلُّ رِبحُها المحتاجُ إليه) لو صرف فيه شيئًا منها؛ لما فيه من الضرر عليه. (و) يُعتبر -أيضًا- أن يكون فاضلًا عن (خادمٍ) لأنه من الحوائج

стр. 2413

الأصلية؛ بدليل أن المفلس يقدم به على غرمائه. (و) يُعتبر -أيضًا- أن يكون فاضلًا عن (قضاء دينه، حالًّا كان) الدَّين (أو مؤجلًا، لله أو لآدمي) لأن ذِمَّته مشغولة به، وهو محتاج إلى براءتها. (و) يُعتبر -أيضًا- أن يكون فاضلًا عمَّا (لابُدَّ (١) منه) كمؤنته ومؤنة عياله الذين تلزمه مؤنتهم؛ لأن ذلك مقدم على الدَّين؛ فلأن يُقدَّم على الحجِّ بطريق الأولى (لكن إن فَضَلَ منه عن حاجته، وأمكن بيعه وشراء (٢) ما يكفيه) بأن كان المسكنُ واسعًا، أو الخادم نفيسًا فوق ما يصلح له، وأمكن بيعه وشراء قَدْر الكفاية منه (ويَفْضُلُ ما يحجُّ به، لَزِمه) ذلك، وكذا إذا استغنى بإحدى نسختي كتاب، باع الأخرى. (ويُقدِّمُ النكاحَ -مع عَدَمِ الوُسع) للنكاح والحجِّ- (من خاف العَنَت، نصًّا (٣)) وقوله: (ومن احتاج إليه) أي: ويُقدِّم النكاح مع عدم الوُسع من احتاج إليه، لم أره لغيره، بل قال في "المستوعب": وإن كان لا يخاف العَنَت، فلا اعتبار بهذه الحاجة قولًا واحدًا. انتهى. لأنه لا تعارض بين واجب ومسنون. (ويُعتبر) في الاستطاعة (أن يكون له إذا رَجَعَ) من حجّه (ما يقومُ بكفايته وكِفايةِ عياله على الدَّوام) لتضرُّره بذلك كالمفلس (ولم يُعتبر ما بعد رُجُوعه عليها) يعتي: ولم يُعتبر على رواية ما يكفيه بعد رجوعه (٤)، فيعتبر إذن أن يكون له ما يقوم بكفايته وكفاية عياله إلى أن

стр. 2414

يعود، جزم به في "الكافي "و"الروضة"، وقدَّمه في "الرعاية". قال في "المبدع": فيتوجه أن المفلس مثله وأَولى (من أجور عَقار، أو ربح بضاعة، أو) من (صناعة، ونحوها) كثمار، وعطاء من ديوان. (ولا يَصيرُ العاجزُ) عن ذلك (مستطيعًا ببذْلِ غيره له مالًا، أو مركوبًا، ولو) كان الباذل (ولدًا أو والدًا) لما فيه من المِنَّة، كبذل الرقبة في الكفَّارة. (فمن كَمُلت له هذه الشروطُ) الخمسة (وجب عليه الحج على الفَوْر، نصًّا (١)) لحديث ابن عباس: "تعجَّلُوا إلى الحجِّ" يعني: الفريضة. وحديث الفضل: "من أراد الحجِّ فليَتعَجَّلْ" رواهما أحمد (٢). وليس التعليق عن (٣) الإرادة هنا للتخيير بين الفعل والترك؛ لانعقاد الإجماعِ (٤) على خلاف، بل كقوله: "من أراد الجُمعة فليغتسل"، و"من أراد الصلاة فليتوضَّأ". وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٥) ولأن الحجِّ والعُمرة فَرْض العُمر، فأشبها الإيمان. وتقدم أول الباب جملة مما يتعلَّق بذلك. "تتمة": قال ابن بُختان (٦): سألت أبا عبد الله عن الرجل يغزو قبل الحجِّ؟ قال: نعم، إلا أنه بعد الحجِّ أجود. وسُئل -أيضًا عن رَجلٍ قدم، يريد الغزو ولم يحج، فنزل عليه قوم فثبَّطوه عن الغزو،

стр. 2415

وقالوا: إنك لم تحج، تريد أن تغزو؟! قال أبو عبد الله: يغزو ولا عليه، فإن أعانه الله حجَّ، ولا نرى بالغزو قبل الحجِّ بأسًا (١). قال أبو العباس: هذا مع أن الحج واجب على الفور عنده، لكن تأخيره لمصلحة الجهاد كتأخير الزكاة الواجبة على الفور؛ لانتظار قوم أصلح من غيرهم، أو لضرر أهل الزكاة، وتأخير الفوائت للانتقال عن مكان الشيطان، وهذا أجود ما (٢) ذكره بعض أصحابنا في تأخير النبي ﷺ الحجَّ، إن كان وجب عليه متقدمًا، وكلام أحمد يقتضي جواز الغزو، وإن لم يبقَ معه مال للحجِّ، فإنه قال: فإن أعانه الله حجَّ، مع أن عنده تقديم الحجِّ أَولى، كما ذكره أولًا، قاله في "الاختيارات" (٣) في الجهاد. (فإن عجز عن السعي إليه) أي: إلى الحجِّ والعُمْرة (لِكبَرٍ، أو زَمانَةٍ، أو مرض لا يُرْجى بُرؤه) كالسِلِّ (أو ثِقَلٍ لا يَقْدِرُ معه يركبُ إلا بمشقَّة شديدة، أو كان نِضْوَ الخِلْقة -وهو المهزولُ- لا يقدِرُ على الثبوتِ على الراحلة إلا بمشقَّة غير مُحتملةٍ، ويُسمَّى) العاجز عن السعي لزَمَانة ونحوها ممن تقدَّم ذكرهم (المعْضوب) من العَضْب، بالعين المهملة والضاد المعجمة، وهو: القطع، كأنه قُطع عن كمال الحركة والتصرُّف. ويقال: بالصاد المهملة، كأنه ضُرب على عصبه، فانقطعت أعضاؤه، قاله ابن جَماعة في "مناسكه" (٤) (أو أيِسَتِ المرأة من مَحْرَمٍ، لَزِمه) أي: من ذُكر (إن وَجَدْ نائبًا أن يقيم من بلده، أو من الموضع الذي أيس فيه) إن كان غير بلده (من يحجُّ عنه، ويعتمرُ) على

стр. 2416

الفَوْر؛ لحديث ابن عباس: "أن امرأةً من خَثْعَم قالت: يا رسول الله، إنَّ أبي أدركَتهُ فريضَةُ الله في الحجِّ شيخًا كبيرًا لا يَسْتَطيعُ أن يسْتَوي على الراحِلَة، أفأحُجُّ عنه؟ قال: حجِّي عنه". متفق عليه (١). ولأنه عبادة تجب الكفَّارة بإفسادها، فجاز أن يقوم غيره فيه، كالصوم. وسواء وجب عليه حال العجز أو قبله (ولو) كان النائب (امرأةً عن رَجُل، ولا كراهة) في نيابة المرأة عن الرَّجُل؛ للخبر السابق، وكعكسه (٢) (وقد أجزأ) حجُّ النائب (عنه) أي: عن المَعْضوب (وإن عُوفي قبل فراغه) أي: النائب (أو بعده) لأنه أتى بما أُمر به، فخرج من العُهدة، كما لو لم يَبرأ، وكالمتمتع إذا شرع في الصوم، ثم قدر على الهَدي. (وإن عُوفي) المعضوبُ (قبل إحرام النائب، لم يجزئه) أي: المَعْضوب حجُّ النائب عنه اتفاقًا (٣)؛ للقدرة على المُبدل قبل الشروع في البدل، كالمتيمم يجد الماء (كما لو استناب من يُرجى زوال عِلَّته) أي: مرضه ونحوه كالمحبوس. (ولو كان) المعضوب (قادرًا على نفقة راجل) دون راكب (لم يلزمه الحجُّ) أي: استنابة من يحج عنه، حيث بعدت المسافة؛ لأنه ليس بمستطيع لما تقدم (٤).

стр. 2417

(وإن كان) المعضوب (قادرًا) على نفقة راكب (ولم يجد) المعضوب (نائبًا) في الحج عنه (ابتنى بقاؤه في ذِمَّته على إمكان المسير، على ما يأتي) فإن قلنا: هو شرط للزوم الأداء، بقي في ذِمَّته حتى يجد نائبًا، وإن قلنا: شرط للوجوب -وهو المذهب- لم يثبت في ذِمَّته، فإذا وجد النائب بعد، لم تلزمه الاستنابة إلا أن يكون مستطيعًا إذ ذاك. (ومن أمكنه السعيُ إليه) أي: إلى الحج والعمرة (لَزِمَه) السعي إليه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكالسعي إلى الجمعة (إذا كان في وقت المسير) أي: مسير أهل بلده إلى الحج على العادة، فلو أمكنه أن يسير سيرًا مجاوزًا للعادة، لم يلزمه (ووجد طريقًا آمنًا) لأن في اللزوم بدونه ضررًا، وهو منتفٍ شرعًا، وسواء كان بعيدًا أو قريبًا (ولو غيرَ الطريقِ المُعتاد، بحيث يُمكن سلوكُه حسب ما جرت به العادة، برًّا كان) الطريق (أو بحرًا، الغالب فيه) أي: البحر (السلامة) لحديث عبد الله بن عمرو، "لا يرْكَبُ البحرَ إلا حَاجٌّ، أو معتمِرٌ، أو غازٍ في سَبيلِ الله" رواه أبو داود (١)، وفيه مقال. ولأنه يجوز سلوكه بأموال

стр. 2418

اليتامى، أشبه البَرَّ. (وإن غَلَب الهلاكُ، لم يَلزَمْه سُلوكُه) ذكره المجد إجماعًا في البحر (١). (وإنْ سَلِمَ فيه قومٌ وهَلَك قومٌ، ولا غَالب) منهما بل استويا (لم يَلزَمْه سُلوكُه. قال الشيخُ (٢). أعان على نفسِه، فلا يكون شهيدًا. وقال القاضي: يَلزمُه) سلوكه. (و يُشترط أن لا يكون في الطريق خفارة) بتثليث الخاء، جُعْلُ الخفير، يقال: خَفرتُ الرجل: حميته وأجرته من طالبيه، فأنا خفير، قاله في "حاشيته" (فإن كانت) الخفارة (يسيرةً، لَزِمه، قاله الموفق والمجد) لأنه ضرر يسير فاحتمل (وزاد) المجد (إذا أمِنَ) باذل الخفارة (الغَدْرَ من المَبذول له) قال في "الإنصاف": (ولعلَّه مرادُ من أطلق) بل يتعين (قال حفيدُه) أي: حفيد المجد وهو الشيخ تقي الدين (٣): (الخفارةُ تجوزُ عند الحاجةِ إليها في الدّفْعِ عن المُخَفَّرِ، ولا تجوز مع عدمها) أي: عدم الحاجة إليها، كما يأخذه السلطان من الرعايا. وقال الجمهور: لا يلزمه الحجُّ مع الخفارة، وإن كانت يسيرة، ذكره في

стр. 2419

"المبدع"، وهو ظاهر "المنتهى"؛ لأنها رشوة، فلم يلزم بذلها في العبادة. (ويُشترط أن يوجد فيه) أي: الطريق (الماءُ والعلفُ، على المعتاد) بأن يجده في المناهل (١) التي ينزلها (فلا يَلزَمه حَمْلُ ذلك لكلِّ سفره) لأنه يؤدِّي إلى مشقَّة عظيمة، بل يتعذَّر، بخلاف زاد نفسه، فإنه يمكنه حَمْله، فعلى هذا يجب حَمْلُ الماء من مَنْهل إلى مَنْهل، والكلأ من موضع إلي موضع (فسَعَةُ الوقت؛ وهو إمكانُ المسير، بأن تكمُل الشرائطُ فيه، وفي الوقت سَعَة) بحيث (يتمكَّن من المسير لأدائه) أي: الحج، أي: بحيث يمكنه تحصيل كل ما يحتاج إليه، ولا تفوته الرفقة (وأمن الطريق، بأن لا يكون فيه) أي: الطريق (مانعٌ من خَوْف ولا غيرِه، من شرائط الوجوب) أي: وجوب الحجِّ (كقائد الأعمى، ودليل البصير الذي يَجهلُ الطريق) فمن عدم ذلك غير مستطيع؛ لتعذُّر فِعْل الحجِّ معه، كعدم الزاد والراحلة. (ويَلزمه) أي: الأعمى والجاهل بالطريق (أجرةُ مِثْلِه) أي: القائد والدليل؛ لأنه مما تَمَّ (٢) به الواجب (ولو تبرَّعَ) القائد والدليل (لم يَلزمه) أي: الأعمى والجاهل (للمنَّة. وعنه (٣)) -أي: عن الإمام- أنَّ سعة الوقت، وأمن الطريق، وقائد الأعمى، ودليل الجاهل (من شرائط لُزُومِ الأداء، اختاره الأكثر) لأنه ﷺ فسَّر السبيلَ بالزاد والراحلة (٤)؛ ولأن إمكان الأداء ليس شرطًا في وجوب العبادة، بدليل ما لو زال

стр. 2420

المانعُ ولم يبقَ من وقت الصلاة ما يمكن الأداء فيه، وكما تقدم في الزكاة (١)؛ ولأنه يتعذر الأداء دون القضاء، كالمرض المرجو برؤه، وعدم الزاد والراحلة يتعذَّر معه الجميع، (فـ) ـعلى هذا (يأثم إن لم يَعزم على الفِعل) أي: الحج إذا اتسع الوقت، وأمنت الطريق، ووجد القائد أو الدليل (٢) (كما نقول في طَريان الحيضِ) بعد دخول الوقت، فإنَّ الحائض تأثم إن لم تعزم على القضاء إذا زال (فالعزمُ في العبادات مع العجزِ) عنها (يقومُ مقامَ الأداءِ في عَدَم الإثم) حال العجز؛ لحديث: "إذا أمرتكُم بأمرٍ، فائتُوا منه ما استَطعتُم" (٣). (فإن مات (٤)) من وَجَد الزاد والراحلة (قبل وجود هذين الشرطين) أي: سعة الوقت وأمن الطريق (أُخرج عنه من مالِه لمن ينوب عنه على) القول (الثاني) لموته بعد وجوبه عليه (دون) القول (الأول) لعدم وجوبه عليه (ويأتي) ذلك. (ومن وَجَب عليه الحجُّ) لاجتماع الشروط السابقة (فَتُوفِّي قبلَه، فرَّط) في الحج بأن أخَّره لغير عُذر (أو لم يُفرِّط) كالتأخير لمرض يُرجى برؤه، أو لحبس، أو أسر ونحوه (أُخرج عنه من جميع ماله حَجَّةٌ وعُمرةٌ، ولو لم يُوص به) لحديث اين عباس: "أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إنَّ أمِّي نذرَتْ أن تَحُجَّ قلم تحجَّ حتى ماتَتْ، أفأحُجُّ عنها؟ قال: نعم، حجِّي عنها، أرَأيتِ لو كان على أمِّكِ دَينٌ، أكنْتِ قَاضِيَته؟ اقضُوا الله؛ فالله أحقُّ بالوَفَاءِ" رواه البخاري (٥). ولأنه حقٌّ استقرَّ
следующие страницы →