الفَوْر؛ لحديث ابن عباس: "أن امرأةً من خَثْعَم قالت: يا رسول الله، إنَّ أبي أدركَتهُ فريضَةُ الله في الحجِّ شيخًا كبيرًا لا يَسْتَطيعُ أن يسْتَوي على الراحِلَة، أفأحُجُّ عنه؟ قال: حجِّي عنه". متفق عليه (١). ولأنه عبادة تجب الكفَّارة بإفسادها، فجاز أن يقوم غيره فيه، كالصوم. وسواء وجب عليه حال العجز أو قبله (ولو) كان النائب (امرأةً عن رَجُل، ولا كراهة) في نيابة المرأة عن الرَّجُل؛ للخبر السابق، وكعكسه (٢) (وقد أجزأ) حجُّ النائب (عنه) أي: عن المَعْضوب (وإن عُوفي قبل فراغه) أي: النائب (أو بعده) لأنه أتى بما أُمر به، فخرج من العُهدة، كما لو لم يَبرأ، وكالمتمتع إذا شرع في الصوم، ثم قدر على الهَدي.
(وإن عُوفي) المعضوبُ (قبل إحرام النائب، لم يجزئه) أي: المَعْضوب حجُّ النائب عنه اتفاقًا (٣)؛ للقدرة على المُبدل قبل الشروع في البدل، كالمتيمم يجد الماء (كما لو استناب من يُرجى زوال عِلَّته) أي: مرضه ونحوه كالمحبوس.
(ولو كان) المعضوب (قادرًا على نفقة راجل) دون راكب (لم يلزمه الحجُّ) أي: استنابة من يحج عنه، حيث بعدت المسافة؛ لأنه ليس بمستطيع لما تقدم (٤).
стр. 2417
(وإن كان) المعضوب (قادرًا) على نفقة راكب (ولم يجد) المعضوب (نائبًا) في الحج عنه (ابتنى بقاؤه في ذِمَّته على إمكان المسير، على ما يأتي) فإن قلنا: هو شرط للزوم الأداء، بقي في ذِمَّته حتى يجد نائبًا، وإن قلنا: شرط للوجوب -وهو المذهب- لم يثبت في ذِمَّته، فإذا وجد النائب بعد، لم تلزمه الاستنابة إلا أن يكون مستطيعًا إذ ذاك.
(ومن أمكنه السعيُ إليه) أي: إلى الحج والعمرة (لَزِمَه) السعي إليه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكالسعي إلى الجمعة (إذا كان في وقت المسير) أي: مسير أهل بلده إلى الحج على العادة، فلو أمكنه أن يسير سيرًا مجاوزًا للعادة، لم يلزمه (ووجد طريقًا آمنًا) لأن في اللزوم بدونه ضررًا، وهو منتفٍ شرعًا، وسواء كان بعيدًا أو قريبًا (ولو غيرَ الطريقِ المُعتاد، بحيث يُمكن سلوكُه حسب ما جرت به العادة، برًّا كان) الطريق (أو بحرًا، الغالب فيه) أي: البحر (السلامة) لحديث عبد الله بن عمرو، "لا يرْكَبُ البحرَ إلا حَاجٌّ، أو معتمِرٌ، أو غازٍ في سَبيلِ الله" رواه أبو داود (١)، وفيه مقال. ولأنه يجوز سلوكه بأموال
стр. 2418
اليتامى، أشبه البَرَّ.
(وإن غَلَب الهلاكُ، لم يَلزَمْه سُلوكُه) ذكره المجد إجماعًا في البحر (١).
(وإنْ سَلِمَ فيه قومٌ وهَلَك قومٌ، ولا غَالب) منهما بل استويا (لم يَلزَمْه سُلوكُه. قال الشيخُ (٢). أعان على نفسِه، فلا يكون شهيدًا. وقال القاضي: يَلزمُه) سلوكه.
(و يُشترط أن لا يكون في الطريق خفارة) بتثليث الخاء، جُعْلُ الخفير، يقال: خَفرتُ الرجل: حميته وأجرته من طالبيه، فأنا خفير، قاله في "حاشيته" (فإن كانت) الخفارة (يسيرةً، لَزِمه، قاله الموفق والمجد) لأنه ضرر يسير فاحتمل (وزاد) المجد (إذا أمِنَ) باذل الخفارة (الغَدْرَ من المَبذول له) قال في "الإنصاف": (ولعلَّه مرادُ من أطلق) بل يتعين (قال حفيدُه) أي: حفيد المجد وهو الشيخ تقي الدين (٣): (الخفارةُ تجوزُ عند الحاجةِ إليها في الدّفْعِ عن المُخَفَّرِ، ولا تجوز مع عدمها) أي: عدم الحاجة إليها، كما يأخذه السلطان من الرعايا. وقال الجمهور: لا يلزمه الحجُّ مع الخفارة، وإن كانت يسيرة، ذكره في
стр. 2419
"المبدع"، وهو ظاهر "المنتهى"؛ لأنها رشوة، فلم يلزم بذلها في العبادة.
(ويُشترط أن يوجد فيه) أي: الطريق (الماءُ والعلفُ، على المعتاد) بأن يجده في المناهل (١) التي ينزلها (فلا يَلزَمه حَمْلُ ذلك لكلِّ سفره) لأنه يؤدِّي إلى مشقَّة عظيمة، بل يتعذَّر، بخلاف زاد نفسه، فإنه يمكنه حَمْله، فعلى هذا يجب حَمْلُ الماء من مَنْهل إلى مَنْهل، والكلأ من موضع إلي موضع (فسَعَةُ الوقت؛ وهو إمكانُ المسير، بأن تكمُل الشرائطُ فيه، وفي الوقت سَعَة) بحيث (يتمكَّن من المسير لأدائه) أي: الحج، أي: بحيث يمكنه تحصيل كل ما يحتاج إليه، ولا تفوته الرفقة (وأمن الطريق، بأن لا يكون فيه) أي: الطريق (مانعٌ من خَوْف ولا غيرِه، من شرائط الوجوب) أي: وجوب الحجِّ (كقائد الأعمى، ودليل البصير الذي يَجهلُ الطريق) فمن عدم ذلك غير مستطيع؛ لتعذُّر فِعْل الحجِّ معه، كعدم الزاد والراحلة.
(ويَلزمه) أي: الأعمى والجاهل بالطريق (أجرةُ مِثْلِه) أي: القائد والدليل؛ لأنه مما تَمَّ (٢) به الواجب (ولو تبرَّعَ) القائد والدليل (لم يَلزمه) أي: الأعمى والجاهل (للمنَّة. وعنه (٣)) -أي: عن الإمام- أنَّ سعة الوقت، وأمن الطريق، وقائد الأعمى، ودليل الجاهل (من شرائط لُزُومِ الأداء، اختاره الأكثر) لأنه ﷺ فسَّر السبيلَ بالزاد والراحلة (٤)؛ ولأن إمكان الأداء ليس شرطًا في وجوب العبادة، بدليل ما لو زال
стр. 2420
المانعُ ولم يبقَ من وقت الصلاة ما يمكن الأداء فيه، وكما تقدم في الزكاة (١)؛ ولأنه يتعذر الأداء دون القضاء، كالمرض المرجو برؤه، وعدم الزاد والراحلة يتعذَّر معه الجميع، (فـ) ـعلى هذا (يأثم إن لم يَعزم على الفِعل) أي: الحج إذا اتسع الوقت، وأمنت الطريق، ووجد القائد أو الدليل (٢) (كما نقول في طَريان الحيضِ) بعد دخول الوقت، فإنَّ الحائض تأثم إن لم تعزم على القضاء إذا زال (فالعزمُ في العبادات مع العجزِ) عنها (يقومُ مقامَ الأداءِ في عَدَم الإثم) حال العجز؛ لحديث: "إذا أمرتكُم بأمرٍ، فائتُوا منه ما استَطعتُم" (٣). (فإن مات (٤)) من وَجَد الزاد والراحلة (قبل وجود هذين الشرطين) أي: سعة الوقت وأمن الطريق (أُخرج عنه من مالِه لمن ينوب عنه على) القول (الثاني) لموته بعد وجوبه عليه (دون) القول (الأول) لعدم وجوبه عليه (ويأتي) ذلك.
(ومن وَجَب عليه الحجُّ) لاجتماع الشروط السابقة (فَتُوفِّي قبلَه، فرَّط) في الحج بأن أخَّره لغير عُذر (أو لم يُفرِّط) كالتأخير لمرض يُرجى برؤه، أو لحبس، أو أسر ونحوه (أُخرج عنه من جميع ماله حَجَّةٌ وعُمرةٌ، ولو لم يُوص به) لحديث اين عباس: "أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إنَّ أمِّي نذرَتْ أن تَحُجَّ قلم تحجَّ حتى ماتَتْ، أفأحُجُّ عنها؟ قال: نعم، حجِّي عنها، أرَأيتِ لو كان على أمِّكِ دَينٌ، أكنْتِ قَاضِيَته؟ اقضُوا الله؛ فالله أحقُّ بالوَفَاءِ" رواه البخاري (٥). ولأنه حقٌّ استقرَّ
стр. 2421
عليه، فلم يسقط بموته، ولهذا كان من جميع ماله؛ لأنه ﷺ شبَّهه بالدين، فوجب مساواته له، ولا فَرق بين الواجب بأصل الشرع، أو إيجابه على نفسه.
(ويكون) الإحجاج عنه (من حيث وجب عليه) لا من حيث موته؛ لأن القضاء يكون بصفة الأداء (ويجوز) أن يُستناب عنه (من أقرب وطنيه) لتخير المنوب عنه لو كان حيًّا (و) يجوز (من خارج بلده دون مسافة القصر) لأن ما دونها في حكم الحاضر، و (لا) يجوز أن يُستناب عنه. مما (فوقها) أي: فوق مسافة القصر؛ لما تقدم (ولا يجزئه) حجُّ من استنيب عنه مما فوق المسافة؛ لعدم إتيانه بالواجب.
(ويَسقطُ) الحج عن الميت (بحجِّ أجنبي عنه، ولو بلا إذن) وليِّه؛ لأنه ﷺ شَبَّهه بالدين، بخلاف من حج عن حي بلا إذنه، كدفع زكاة مال غيره بغير إذنه (وإن (١) مات هو) أي: من وجب عليه الحج واستقر في ذمته (أو) مات (نائبه في الطريق، حُج عنه من حيث مات) هو أو نائبه (فيما بقي، مسافةً وقولًا وفعلًا) لفعله قبل موته بعض ما وجب عليه، وهو السعي إلى ذلك الموضع الذي مات فيه، فلا يلزم أن يُحج عنه من وطنه؛ لأن المنوب عنه لم يكن عليه أن يرجع إلى وطنه، ثم يعود إلى الحج. (وإن صُدَّ) من وجب عليه الحجُّ أو نائبه (فُعل) عنه (ما بقي) مسافةً وقولًا وفعلًا، لما تقدم.
(وإن وصَّى بحجِّ نَفلٍ، وأطلق) بأن لم يُعيِّن محل الاستنابة (جاز) أن يُحجَّ عنه (من الميقات) أي: ميقات بلد الموصي، نص عليه (٢) (ما لم تَمنع منه قرينةٌ) بأن يوصي أن يُحجَّ بقَدْر يكفي للنفقة من
стр. 2422
بلده، فيتعين منها كالواجب، فإن لم يَفِ ثلثه بالحج من محل وصيته، حج به من حيث بلغ، أو يُعان به في الحج، نص عليه (١) (فإن ضاق ماله عن ذلك) أي: عن الحج من بلده، بأن لم يخلف مالًا يفي به (أو كان عليه دَين، أخذ للحج بحصته، وحُجَّ به من حيث يبلغ، نصًّا (٢)) لما تقدم من تشبيهه بالدين.
فصل
(ويُشترط لوجوب الحج على المرأة -شابةً كانت أو عجوزًا، مساقةَ قَصرٍ ودونها- وجودُ مَحرَم) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لا تسافِر امرأةٌ إلا مع ذي مَحرم، ولا يُدخَل عليهَا إلا ومعَها مَحرَمٌ، فقال رَجُل: يا رسولَ الله، إنِّي أرِيد أن أخرُجَ في جيش كذَا وكذَا، وامرَأتِي تُريدُ الحجَّ. فقال: اخرج معهَا" رواه أحمد (٣) بإسناد صحيح.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يحِلُّ لامرأةٍ تؤمِنُ بالله واليوم الآخرِ أن تسافِرَ مَسِيرةَ يومٍ وليلةٍ ليس معهَا مَحْرَمٌ" رواه البخاري (٤). ولمسلم: "ذُو مَحرَمٍ منهَا" (٥) وله أيضًا: "ثلاثًا" (٦) وهذا مخصص لظاهر الآية. ولأنها أنشأت سفرًا في دار الإسلام، فلم يجز بغير مَحْرم كحج التطوُّع والزيارة والتجارة.
стр. 2423
(وكذا يُعتبر) المَحْرم (لكلِّ سفر يُحتاج فيه إلى مَحْرم) أي: لكل ما يُعدُّ سفرًا عُرفًا. و (لا) يُعتبر المَحْرَم إذا خرجت (في أطراف البلد مع عدم الخوف) عليها؛ لأنه ليس بسفر.
(وهو) أي: المَحرَم (معتبرٌ لمن لعورتها حُكمٌ، وهي بنت سبع سنين فأكثر) لأنها محل الشهوة، بخلاف من دونها (قال الشيخ (١): وإماء المرأة يسافِرنَ معها) تبعًا لها (ولا يفتقرن إلى مَحرَم؛ لأنه لا مَحرَم لهنَّ في العادة الغالبة. انتهى. ويتوجه في عتقائها من الإماء مثله على ما قاله) أي: الشيخ تقي الدين: من أنه لا مَحرَم لهن في العادة. ويحتمل عكسه لانقطاع التبعية، ويملكن أنفسهن بالعتق (قال في "الفروع": وظاهر كلامهم) أي: الأصحاب (اعتبارُ المَحرَم للكلِّ) أي: الأحرار وإمائهن وعتقائهن؛ لعموم الأخبار (وعدمُه) أي: المَحرم للمذكورات (كعدم المَحرَم للحُرَّة) الأصل، فلا يباح لها السفر بغيره مطلقًا.
"تنبيه": ظاهر كلام المصنف وغيره: أن الخُنثى كالرجُل، قاله في "الإنصاف".
(والمَحرَم) هنا (زوجها) سمي محرمًا مع كونها تحلُّ له لحصول المقصود من صيانتها وحفظها، مع إباحة الخلوة بها بسفره معها (أو من تَحرم عليه على التأبيد بنسبٍ) كالأب، والابن، والأخ، والعم، والخال (أو سبب مباح) كزوج أمها، وابن زوجها، وأبيه، وأخيها من رضاع؛ لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليومِ الآخرِ أن تسافِر سفرًا يكون ثلاثَة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو
стр. 2424
ابنُها، أو زوْجُهَا، أو ذو مَحرَمٍ منها". رواه مسلم (١) (لحرمتها، لكن يُستثنى من سببٍ مباح نساءُ النبي ﷺ ) فإنهن مُحرَّمات على غيره على الأبد، ولسنا مَحارم لهن؛ إلا من بينه وبينهن نسب، أو رضاع مُحَرِّمٌ، أو مصاهرة، كذلك. وحكمهن وإن كان انقطع بموتهن، لكن قصد بيان خصوصيتهن وفضيلتهن.
(وخرج به) أي: بقوله: "مباح" (أمُّ الموطوءة بشُبهةٍ أو زنًى، وبنتها) أي: بنت الموطوءة بشُبهة أو زنًى، فليس الواطئ مَحرَمًا لهن؛ لعدم إباحة السبب.
(وخرج بقوله "لحرمتها" المُلاعنةُ، فإن تحريمها عليه) أي: الملاعن (عقوبة وتغليظ، لا لحرمتها) فلا يكون المُلاعن مَحرَمًا لها.
(إذا كان ذَكَرًا) فأمُّ المرأة وبنتها ليست مَحرَمًا لها (بالغًا عاقلًا مسلمًا) فمن دون البلوغ والمجنون والكافر ليس مَحرَمًا؛ لأن غير المكلف لا يحصل به المقصود من الحفظ، والكافر لا يؤمن عليها، كالحضانة، وكالمجوسي؛ لاعتقاده حِلها. ولا تُعتبر الحُرية، فلهذا قال: (ولو عبدًا) وهو أبوها، أو أخوها من نسب أو رضاع، أو ولد زوجها، أو أبوه، ونحوه.
(ونفقتُه) أي: المَحْرَم إذا سافر معها (عليها) لأنه من سبيلها (ولو كان مَحْرَمُها زوجَها) فيجب لها عليه بقَدرِ نفقة الحضر كما تقدم؛ وما زاد فعليها (فيُعتبر أن تملك زادًا وراحلة لهما) أي: لها ولمَحْرَمها، صالحين لمثلهما (ولو بذلت النفقة) لمَحرمها (لم يلزمه السفر معها) للمشقة، كحجِّه عن مريضةٍ، وما تقدم من أمره ﷺ -في خبر ابن
стр. 2425
عباس (١) - الزوجَ بأن يسافر مع زوجته، أُجيب عنه: بأنه أمْرٌ بعد حَظْرٍ، أو أمر تخيير، وعَلِمَ ﷺ من حاله أنه يعجبه أن يسافر معها (وكانت) من امتنع مَحرَمها من السفر معها (كمَن لا مَحرَم لها) على ما يأتي بيانه.
(وليس العبدُ مَحْرمًا لسيدته، نصًّا (٢)) من حيث كونها مالكة له؛ لحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "سفَر المرأةِ مَع عبدهَا ضيعةٌ" (٣). ولأنه غير مأمون عليها، ولا تحرم عليه أبدًا (ولو جاز له النظرُ إليها) لأنه للحرج والمشقة.
(فلو (٤) حجَّت) المرأة (بغير مَحرم، حَرُم) عليها ذلك (وأجزأ) ها الحج وفاقًا (٥)، كمن حَجَّ وقد ترك حقًّا يلزمه من دين وغيره، وكذا العُمرة.
(ويصحُّ) الحجُّ (من مغصوب، و) من (أجير خدمة بأجرة أو لا، ومن تاجر) وقاصد رؤية البلاد النائية أو النزهة، ونحوه (-ويأتي- ولا
стр. 2426
إثم) عليه، قال تعالى: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) (والثواب بحسب الإخلاص) في العمل؛ لقوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢).
(وأن مات المَحرَم قبل خروجها) للسفر (لم تخرج) بلا مَحرَم؛ لما تقدَّم (٣) من النهي عن السفر بلا مَحرَم (و) إن مات (بعده) أي: بعد خروجها (فإن كان) مات (قريبًا، رجعت) لأنها في حكم الحاضرة (وإن كان) مات (بعيدًا، مضت) في سفرها للحج؛ لأنها لا تستفيد بالرجوع شيئًا؛ لكونها بغير مَحرَم (ولو مع إمكان إقامتها ببلد) لأنها تحتاج إلى الرجوع (ولم تَصِر مُحصَرة) لأنها لا تستفيد بالتحلل زوال ما بها كالمريض (لكن إن كان حجُّها تطوعًا، وأمكنها الإقامة ببلد، فهو أولى) من السفر بغير محرَم (وإن كان المَحرَمُ الميت زوجَها، فيأتي له تتمة في العِدَد) مفصلًا.
(ومن عليه حَجَّةُ الإسلام، أو) عليه حَجَّة (قضاءٍ، أو نَذْرٍ، لم يصحَّ، ولم يَجز أن يحجَّ عن غيره) لحديث ابن عباس: "أنَّ النبي ﷺ سمعَ رَجُلًا يقولُ: لبيكَ عن شُبرُمَةَ. فقال. حجَجْتَ عن نفَسِك؟ قال: لا، قال: حُجَّ عن نَفسِك، ثم حجَّ عن شُبرمةَ" (٤). احتجَّ به أحمد في
стр. 2427
رواية صالح (١)، وإسناده جيد، وصحَّحه البيهقيُّ. ولأنه حج عن غيره قبل حَجِّه عن نفسه؛ فلم يَجُزْ كما لو كان صبيًّا (ولا نَذرُه ولا نافلته) أي: لا يجوز أن يُحرِم بنَذرٍ ولا نافلة من عليه حَجَّة الإسلام (فإن فَعَل) بأن حج عن غيره وعليه حجة الإسلام، أو أحرم بنذر أو نافلة إذن (انصرف إلى حجة الإسلام) في الصور كلها؛ لما روى الدارقطني بإسناد ضعيف: "هذه عنك، وحُجَّ عن شُبرمَةَ" (٢). وقوله أولًا: "حُجَّ
стр. 2428
عن نفسك" أي: استدمه، كقولك للمؤمن: آمن، ولأن نية التعيين ملغاة، فيصير كما لو أحرم مطلقًا. وقوله ﷺ : "اجعَل هذه عَن نَفسِكَ" رواه ابن ماجه (١). أجاب القاضي عنه: بأنه أراد التلبية؛ لقوله: "هذه عنك" ولم يَجُزْ فسخ حجٍّ إلى حجٍّ (ورَدَّ) النائب (ما أخذ) من غيره ليحج عنه؛ لعدم إجزاء حجَّه عنه، ووقوعه عن نفسه.
(و العُمرةُ كالحجِّ في ذلك) فمن عليه عُمرة الإسلام، أو قضاء، أو نَذْر، لم يَجُزْ ولم يصح أن يعتمر عن غيره، ولا نَذْره ولا نافلته.
(ومن أتى بواجب أحدهما) بأن أتى بحجَّة الإسلام أو عمرته (فله فِعْلُ نَذْره ونَفْله) أي: ما أتى بواجبه (قبل الآخرِ) فمن حجَّ حجَّة الإسلام، له أن يحج نَذْرًا ونفلًا قبل أن يعتمر. ومن اعتمر عُمرة الإسلام، فله أن يعتمر نذرًا ونفلًا قبل أن يحجَّ.
(وحكم النائبِ كالمَنُوب عنه) في ذلك ؛ لأنه فَرْعه (فلو أحرمَ بنذَرٍ أو نَفْل عمَّن عليه حَجَّة الإسلام، وَقَع) إحرامه (عنها) وكذا لو كان عليه حَجَّة قضاء، أو حَجة نذر، وأحرم بنفل.
(ولو استناب عنه) المَعضوب (أو) استناب وارث (عن ميت واحدًا في فرضه، وآخر في نَذره في سنة) واحدة (جاز) وزعم ابن عقيل أنه أفضل من التأخير؛ لوجوبه على الفَور (ويُحرِم بحَجَّة الإسلام قبل
стр. 2429
الأخرى، وأيهما أحرم أولًا، فعن حَجَّة الإسلام، ثم) إحرام (الآخر عن نَذره، ولو لم ينوه) أي: ينوِ الثاني أنها عن النذر، لعدم اعتبار التعيين في الحَجِّ؛ لانعقاده مبهمًا، ثم يُعين.
(ويَصحُّ أنْ ينوب الرَّجُل عن المرأة، و) أن تنوب (المرأةُ عن الرجل في الحج والعمرة) بلا كراهة؛ لما تقدم (١) (وأن ينوب في الحج من أسقطه عن نفسه) بأن حج (مع بقاء العُمرة في ذِمَّته، وأن ينوب في العُمرة من أسقطها عن نفسه مع بقاء الحج في ذِمَّته) لأنهما عبادتان متغايرتان.
(و لا يصحُّ أن ينوبَ في نُسُك من لم يكن أسقطه عن نفسه) كالصبي والعبد؛ لأنه لم يحجَّ عن نفسه حَجَّة الإسلام، ولم يعتمر كذلك.
(وتصحُّ الاستنابة في حج التطوع وفي بعضه لقادر) على الحج (وغيره) كالصدقة، ولأنها حَجَّة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها، كالمعضوب.
(ومن أوقع) نُسُكًا (فرضًا أو نفلًا عن حيٍّ بلا إذنه، أو) أوقع نسكًا (لم يؤمر به، كأمْرِه بحج فيعتمر، وعكسه) بأن يؤمر بالاعتمار فيحج (لم يجز) عن الحي (كزكاة) أي: كإخراج زكاة حيِّ بلا إذنه (٢) (ويَردُّ) المأمور المخالف فيما تقدم (ما أخذه) من الآمر؛ لعدم فِعله ما أخذ العوض لأجله.
(ويقع) الحجُّ والعُمرة (عن الميت، ولا إذن له) ولا لوارثه
стр. 2430
(كالصدقة) عنه، ولما تقدم (١) من تشبيهه ﷺ له بالدين.
(ويتعين النائب بتعيين وصيٍّ جُعِل إليه التعيينُ) لقيامه مقام الموصي (فإن أبى) الوصيُّ التعيين (عَيَّنَ غيرُه) كوارث أو حاكم. وكذا لو أبى موصى إليه بحجٍّ عن غيره؛ لسقوط حقِّه بإبائه.
(و يكفي النائب أن ينوي النُّسُكَ عن المستنيبِ) له (ولا تُعتبر تسميته لفظًا، نصًّا (٢)، وإن جَهِل) النائب (اسمَه أو نسيَه، لبَّى عمَّن سَلَّمَ إليه المال ليحج به عنه) لحصول التمييز بذلك.
(ويُستحبُ أن يَحجَّ عن أبويه إن كانا ميتين، أو عاجزين، زاد بعضهم: إن لم يَحجَّا، ويقدِّمُ أمَّه، لأنها أحقُّ بالبِر، ويقدِّمُ واجبَ أبيه على نَفلها) لإبرائه (٣) ذِمته. نصَّ عليهما (٤).
وعن زيد بن أرقم مرفوعًا: "إذا حجَّ الرجلُ عنه وعن والدَيه يقبلُ منه (٥) وعنهمَا، واستبشَرَت أرواحُهُمَا في السمَاءِ، وكُتبَ عند الله برًّا" رواه الدارقطني (٦). وفي إسناده أبو أمية الطرسوسي؛ وأبو
стр. 2431
سعد (١) البقال: ضعيفان.
وعن جابر مرفوعًا: "من حجَّ عنْ أبيهِ أو أمِّه فقد قَضَى عنه حجتهُ، وكان لهُ فضلُ عشرِ حِجَجٍ" ضعيف. رواه الدراقطني (٢).
"تتمة": النائب أمينٌ فيما أُعطيه ليحجَّ منه، فيركب وينفق منه بالمعروف، ويضمن ما زاد على ذلك ويردُّ ما فضل. وتُحسب له نفقةُ رجوعه، ولو طالت إقامته بمكة، ما لم يتخذها دارًا، فإن اتخذها دارًا ولو ساعة، فلا نَقَقة لرجوعه. وله -أيضًا- نفقةُ خادمه إن لم يخدم نفسه مثله، ويرجع بما استدانه لعذرٍ، وبما أنفق على نفسه بنيَّة رجوع (٣)، وما لزمه بمخالفته، فمنه. ولو مات أو أحصر أو مَرِض أو ضلَّ الطريق، لم يلزمه الضمان لما أنفق، نصًّا (٤)، ودم الإحصار على المستنيب.
وإن أفسد حجَّه، فعليه القضاء، ويرد ما أخذه؛ لأن الحجَّ لم يقع عن المستنيب. وكذا إن فاته الحجُّ بتفريطه، وإلا احتُسِبَ له بالنفقة. وإن مرض في الطريق فعاد، فله نفقةُ رجوعه؛ لأنه لابدَّ له منه، ولا تفريط، بخلاف ما لو خاف المرض؛ لأنه متوَهّم.
стр. 2432
ودم المتعة والقِران على المستنيب، إن أذن فيهما، وإلا فعلى النائب كجنايته. وإذا أمره بحجٍّ فتمتَّع، أو اعتمر لنفسه من الميقات، ثم حج، فإن خرج أبي الميقات فأحرم منه بالحج، جاز، ولا شيء عليه، نصًّا (١).
وإن أحرم بالحج من مكة، فعليه دَمٌ، لتَرك ميقاته، ويَردُّ من النفقة بقَدر ما تَرَك من إحرام الحج، فيما بين الميقات ومكة. وقال القاضي: لا يقع فِعله عن الآمر، ويَردُّ جميع النفقة.
وإن أُمر بالإفراد، فَقَرن، لم يضمن شيئًا، ويَردُّ من النفقة بقَدْرِ العُمرة، إن أمره بها ولم يفعل.
وإن أمره بالتمتع فَقَرَن، وقع عن الآمر، ولا يَردُّ شيئًا من النفقة في ظاهر كلام أحمد (٢). وقال القاضي: يَردُّ نصف النفقة. وإن أفرد، وقع عن المستنيب أيضًا، ويَردُّ نصف النفقة.
وإن أمره بالقِران فأفرد أو تمتَّع، صحَّ، ووقعا عن الآمر، ويَردُّ من النفقة بقَدر ما تَرَك من إحرام النُّسك الذي تَرَكه من الميقات. وفي جميع ذلك إذا أمره بالنسكين، فَفَعل أحدهما دون الآخر، ردٌّ من النفقة بقَدْرِ ما ترَك، ووقع المفعول عن الآمر. وللنائب عن النفقة، بقَدره، قاله في "الشرح" ملخصًا.
стр. 2433
فصل
(ومن أراد الحجَّ فليبادر) فعلى كل خير مانع (وليجتهد في الخروج من المظالم) بردِّها لأربابها، وكذلك الودائع والعواري والديون، ويَستحلّ من له عليه ظلامة، ويستمهل من لا يستطيع الخروج من عُهدته.
(ويجتهد في رفيق صالحٍ) يكون عونًا له على نَصَبه وأداء نُسكه، يهديه إذا ضلَّ، ويذكِّره إذا نسي (وإن تيسر أن يكون) الرفيق (عالمًا، فليستمسِك بغَرزِه) -بفتح الغين المعجمة وسكون الراء- أي: رِكابه، ليكون سببًا في بلوغه رشده.
(ويصلي ركعتين، يدعو بعدهما بدعاء الاستخارة) قبل العزم على الفعل، كما تقدم في الاستخارة في صلاة التطوُّع (١) (ويَستخير: هل يَحجُّ العامَ أو غيره -إن كان الحجُّ نفلًا -أو لا يَحجُّ؟).
وأما الفَرْض فواجب فورًا (ويصلي في منزله ركعتين، ثم يقول: اللهم هذا دِيني وأهلي ومالي وولدي وديعةٌ عندك اللهم أنت الصاحبُ في السفر، والخليفة في الأهلِ والمالِ والولدِ) قاله ابن الزاغوني وغيره (وقال الشيخ (٢): يدعو قبل السلام أفضل) منه بعد السلام.
(ويخرجُ يومَ خميس. قال ابن الزاغوني وغيره: أو) يوم (اثنين، ويبكِّر) في خروجه.
(ويقول إذا نَزَل منزلًا) ما وَرد، ومنه: "أعوذ بكلمات الله
стр. 2434
التامَّات من شر ما خلق" (١) (أو دخل بلدًا ما ورد) ومنه: "اللهمَّ رب هذه السمواتِ السبعِ وما أظلَلنَ، وربَّ الأرضينَ وما أقلَلنَ، وربَّ الشياطين وما أضلَلْنَ، وربَّ الرياح وما ذَرَينَ، أسألك خيرَ هذه القريةِ، وخيرَ أهلِها، وخيرَ ما فيها، وأعوذُ بك من شرِّها، وشرِّ أهلها، وشرِّ ما فيها" (٢). ويقول -أيضًا- إذا ركب ونحوه ما ورَدَ، وتقدم بعضه في صلاة التطوُّعِ (٣)، وذكرت منه جملة في كتابي "نصيحة الناسك ببيان أحكام المناسك".
стр. 2435
باب المواقيت
(وهي) جَمْعُ ميقات، وهو لغةً: الحدُّ. وشرعًا: (مواضعُ وأزمنةٌ معينةٌ، لعبادة مخصوصة).
وقد بدأ بالمواضع، فقال: (وميقاتُ أهلِ المدينة) المنوَّرة (ذو الحُلَيفة) -بضم الحاء وفتح اللام- وهي أبعد المواقيت (وبينها وبين مكة عشرُ مراحل، وبينها وبين المدينة ستَّة أميال) أو سبعة، وتُعرف الآن بأبيار علي.
(و) ميقات (أهلِ الشَّام، و) أهل (مصر، و) أهل (المغرب الجُحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة (وهي قريةٌ كبيرةٌ) جامعة على طريق المدينة، وكان اسمها مَهْيَعَة، فجَحَف السيلُ بأهلها، فسميت الجُحفة. وهي (خَرِبة، بقرب رابغ الذي يُحرِم منه الناس) الآن (على يسار الذاهب إلى مكَّة، ومن أحرم من رابغ، فقد أحرمَ قبل محاذاة الجُحفة بيسير) وتلي ذا الحُلَيفة في البعد (بينها وبين مكَّة ثلاثُ مراحل. وقيل: أكثر) وهي على ستة أميال عن البحر، ثماني مراحل من المدينة (والثلاثة الباقية) من المواقيت (بين كلٍّ منها وبين مكة مرحلتان) فهي متساوية أو متقاربة.
(و) ميقات (أهل اليمن) وهو كلُّ ما كان على يمين الكعبة من بلاد الغور، والنسبة إليه: يمني، على القياس، ويمان، على غير القياس (يَلَمْلَم، ويقال: ألملم، لغتان، وهو جبل) معروف.
(و) ميقات (أهل نجد اليمن، و) أهل (نجد الحجاز) قال صاحب "المطالع": وهو ما بين جُرَش إلى سواد الكوفة، وكلها من
стр. 2436
عمل اليمامة، وقال ابن خطيب الدهشة (١): وأوله من ناحية الحجاز ذات عِرق، وآخره سواد العراق (و) أهل (الطائف: قَرْنٌ، وهو جبل) بسكون الراء، ويقال له: قَرن المنازل، وقرن الثعالب.
(و) ميقاتُ (أهل المشرق والعراق وخُراسان: ذاتُ عِرق، وهي قرية خَرِبة قديمة، من علاماتها المقابرُ القديمة، وعِرق: هو الجبل المشرف على العقيق) وفي "المبدع" و"شرح المنتهى": ذاتُ عِرق: منزل معروف سُمِّي به؛ لأن فيه عِرقًا، وهو الجبل الصغير. وقيل: العِرق: الأرض السبخة تُنبت الطَرْفاء.
(وهذه المواقيت كلها ثبتت بالنصِّ) لحديث ابن عباس قال: "وقَّت رسولُ الله ﷺ لأهل المدينَةِ ذَا الحُلَيفَةِ، ولأهلِ الشام الجُحفَةَ، ولأهلِ نَجدٍ قَرنَ المنازل، ولأهلِ اليمنِ يلَملَم، هنَّ لهُنَّ، ولمن أتى عليهن من غيرِ أهلِهنَّ، لمن (٢) يريدُ الحجَّ والعمرةَ، ومن كان دونهُنَّ فمُهَلُّهُ من أهلهِ، وكذلكَ أهلُ مكةَ يُهلُّونَ منهَا" (٣). وعن ابن عُمرَ نحوه (٤).
стр. 2437
وعن عائشة "أن النبي ﷺ وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عِرقٍ" رواه أبو داود والنسائي (١).
стр. 2438
وعن جابر نحوه مرفوعًا، رواه مسلم (١). وما في البخاري عن ابن عُمر قال: "لما فُتح هذَانِ المِصرَانِ أتَوا عُمر بنَ الخطابِ، فحَدَّ لهم ذَاتَ عِرْقٍ" (٢) فالظاهر أنه خفي (٣) النصُّ فوافقه برأيه، فإنه موفَّقٌ للصواب. وما رواه أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس "أن النبي ﷺ
стр. 2439
وقَّتَ لأهلِ المشرقِ العقيقَ" (١) وهو وادٍ قبلَ ذاتِ عِرقٍ بمرحلةٍ أو مرحلتينِ، يلي الشَّرْق (٢). تفرّد به يزيد بن أبي زياد، وهو شيعي مُختلف فيه، وقال ابن معين، وأبو زرعة: لا يُحتجُّ به (٣). قال ابن عبد البرّ: ذات عِرق ميقاتهم بإجماع (٤).
(والأفضلُ: أن يُحرِمَ من أول الميقات، وهو الطَّرف الأبعدُ عن مكة) احتياطًا (وإن أحرم) من الميقات (من الطرف الأقرب من مكَةَ، جاز) لإحرامه من الميقات.
(وهي) أي: المواقيت السابقة (لأهلها) الذين تقدَّم ذِكرهم (ولمن مَرَّ عليها من غير أهلِها، ممن يريد حجًّا أو عُمرة، فإن مَرَّ الشامي، أو المدني أو غيرهما) كالمصري (على غير ميقات بلده)
стр. 2440
كالشامي يمرُّ بذي الحُلَيفة (فإنه يُحرِمُ من الميقات الذي مَرَّ عليه؛ لأنه صار ميقاته.
ومن منزله دون الميقات، أي: بين الميقات ومكَّة) كأهل خُلَيْص وعُسفان (فميقاتُه من موضعه) لخبر ابن عباس (١) (فإن كان له منزلان، جاز أن يُحرم من أقربهما إلى مكة، والأولى) أن يُحرِم (من البعيد) في مكة، كما تقدم في طرفي الميقات.
(وأهلُ مكَّة ومن بها) أي: بمكة (من غيرهم، سواء كانوا في مكة أو في الحرم) كمنى ومزدلفة (إذا أرادوا العُمرة فمن الحِلِّ) لأن النبي ﷺ "أمرَ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُعمرَ عائشة منَ التَّنعيم". متفق عليه (٢).
ولأن أفعال العُمرة كلها في الحَرَم، فلم يكن بدٌّ من الحِل؛ ليجمع في إحرامه بين الحِلِّ والحَرَم، بخلاف الحج؛ فإنه يخرج إلى عَرَفة فيحصُل الجمع، ومن أي الحِلِّ أحرم جاز (ومن التنعيم أفضل) للخبر السابق.
(وهو) أي: التنعيم (أدناه) أي: أقرب الحِل إلى مكة. وقال أحمد (٣): كلما تباعد فهو أعظم للأجر. وفي "التلخيص" و"المستوعب": الجِعْرانة؛ لاعتِمَارهِ ﷺ منها (٤) (ويأتي آخر صفة الحج) عند الكلام على صِفة العُمرة.
(فإنْ أحرموا) أي: أهل مكة، وحَرَمِها (من مكَّة، أو من الحَرَم،
стр. 2441
انعقد) إحرامهم بالعُمْرة؛ لأهليتهم له، ومخالفة الميقات لا تمنع الانعقاد، كمن أحرم بعد الميقات (وفيه دم) لمخالفة الميقات، كمن جاوز الميقات بلا إحرام (ثم إن خَرَج إلى الحِلِّ قبل إتمامها) أي: العُمْرة (ولو بعد الطواف، أجزأته عُمْرته) عن عُمْرة الإسلام؛ لأن الإحرام من المَحلِّ المشروع له ليس شرطًا لصحة النُّسُك.
(وكذا) تجزئه العُمرة (إن لم يخرج) إلى الحِلِّ؛ لما سبق (قدَّمه في "المغني". قال الشيخ (١) والزركشي: هو المشهور؛ إذ فوات الإحرام من الميقات لا يقتضي البطلان) لأن الإحرام من الميقات ليس شرطًا.
(فإن أحرم) من مكَّة أو الحرم (قارنًا، فلا دَمَ عليه؛ لأجل إحرامه بالعُمْرة من مكَّة؛ تغليبًا للحجِّ) على العُمرة؛ لاندراجها فيه، وسقوط أفعالها (وإن أرادوا) أي: الذين بمكَّة، أو الحرم (الحجَّ) فإنهم يُحرمون (من مكَّة، مكيًّا كان) الحاج (أو غيره، إذا كان فيها) أي: مكة (من حيث شاء منها) لقول جابر: "أمرَنَا رسولُ الله ﷺ لما حَللْنَا أن نُحْرِمَ مِنَ الأبْطَحِ" رواه مسلم (٢) (ونصه) في رواية حرب (٣): (من المسجد، وفي "الإيضاح" و"المبهج": من تحت الميزاب) ويُسمَّى الحطيم.
(ويجوز) إحرامه (من سائر الحَرَم) لما تقدم (و) يجوز إحرامه (من الحلِّ، كالعُمرة) وكما لو خرج إلى الميقات الشرعي. ومنع
стр. 2442
القاضي وأصحابه وجوب إحرامه من مكَّة والحرم (ولا دَمَ عليه) لعدم الدليل على وجوبه.
(ومن لم يكن طريقه على ميقات) من المواقيت السابقة، كعَيْدان (١)، فإنها في طُرق العرب (أو عَرَّج عن الميقات) بأن مشى في طريق لا تمرُّ عليه (فإذا حاذى أقربَ المواقيت إليه) أي: إلى طريقه (أحرَمَ) لقول عُمر: "انْظُروا حَذْوها عِن قُدَيْدٍ (٢) ". رواه البخاري (٣). ولأنه يُعرف بالاجتهاد والتقدير، فإذا اشتبه، دخله الاجتهاد، كالقِبلة (ويُستحبُّ الاحتياطُ مع جَهْلِ المُحاذاةِ) إذ الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه حرام (فإن تساويا) أي: الميقاتان (في القُرْب إليه) أي: إلى طريقه (فـ) ـإنه يُحْرِم (من) حذو (أبعدهما عن مكة) من طريقه. فإن أحرم ثم عَلِمَ بعدُ أنه قد جاوز ما يُحاذي الميقات غير مُحْرِم، فعليه دَم، قاله في "الشرح".
(ومن لم يحاذِ ميقاتًا، أحرم عن مكة بقَدْرِ مرحلتين) قاله في "الرعاية". قال في "المبدع": وهو متَّجه إن تعذَّر معرفة المحاذاة. ومعناه في "الفروع".
стр. 2443
فصل
(ولا يجوز لمن أراد دخولَ مكَّةَ، أو) دخول (الحَرَم، أو) أراد (نُسُكًا تجاوزُ الميقات بغير إحرام) لأنه ﷺ وقَّت المواقيت، ولم يُنقل عنه ولا عن أحدٍ من أصحابه أنهم تجاوزوها بغير إحرام.
وعن ابن عباس مرفوعًا: "لا يدْخُل أحدٌ مكة إلا بإحرَامٍ" (١) فيه ضعف؛ فإنه من رواية حجاج، ومحمد بن خالد الواسطي. وظاهر كلامه: أنه إذا (٢) أرادها لتجارة أو لزيارة، أنه يلزمه، نصَّ عليه (٣)، واختاره الأكثر؛ لأنه من أهلِ فَرْضِ الحج، ولعدم تكرر حاجته. فإن لم يُرِد الحرمَ، ولا نُسكًا، لم يلزمه بغير خلاف؛ لأنه ﷺ وأصحابه أتوا بدرًا مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد، فيمرُّون بذي الحُلَيفة بغير إحرام. (إن كان حُرًّا مسلمًا مكلفًا) بخلاف الرقيق، والكافر، وغير المكلف؛ لأنهم ليسوا من أهل فَرْضِ الحج (فلو تجاوزه (٤)) أي: الميقات (رقيقٌ، أو
стр. 2444
كافرٌ، أو غير مكلف، ثم لزمهم) الإحرام (بأن عَتَق) الرقيق (وأسلم) الكافر (وكُلِّف) غير المكلف (أحرموا من موضعهم) لأنه قد حصل دون الميقات على وجه مباح، فكان له أن يُحْرِم عنه كأهل ذلك الموضع (ولا دَمَ عليهم) إذا أحرموا من موضعهم؛ لأنهم لم يجاوزوا ميقاتهم بلا إحرام.
(إلا لقتالٍ مباح) لدخوله ﷺ يومَ فتْحِ مكَّةَ، وعلى رأسِه المِغْفَرُ (١).
ولم ينقل عنه، ولا أحد من أصحابه الإحرام يومئذ (أو خَوف) أي: وإلا من تجاوز الميقات لخوف؛ إلحاقًا له بالقتال المباح (أو حاجةٍ متكرِّرةٍ، كحطَّاب وفَيْج) -بالجيم- وهو رسول السلطان (وناقل الميرة، ولصيد، واحتشاش، ونحو ذلك) لما روى حرب عن ابن عباس: "لا يدخلُ إنسانٌ مكَّةَ إلا محرمًا، إلا الحمَّالينَ، والحطَّابينَ، وأصحابَ منافِعِهَا" (٢).
احتج به أحمد (٣) (ومكّي يتردَّد إلى قريته بالحِلِّ) إذ لو وجب عليه الإحرام، لأدى إلى الضَّرر والمشقَّة، وهو منفيٌّ شرعًا. قال ابن عقيل: وكتحية المسجد في حق قيِّمه؛ للمشقَّة.
(ثم إن بدا له) أي: لمن لا يلزمه الإحرام ممن تقدَّم ذِكْرهم، ممن
стр. 2445
تتكرَّر حاجته، والمكي المتردِّد إلى قريته بالحِلِّ (النُّسُك، أو) بدا (لمن لم يُرِدِ الحرمَ) إرادة الحرم، أو النُّسُك (أحرمَ من موضعه) لأنه صار كأهل ذلك المكان؛ ولأن مَنْ منزله دون الميقات لو خرج إليه ثم عاد، لم يلزمه شيء.
(و من تجاوز) الميقات (بلا إحرام، لم يلزمه قضاءُ الإحرام) الذي فاته من الميقات، ويأتي حُكم رجوعه إليه.
(وحيثُ لَزِمَ الإحرامُ من الميقات لدخول مكَّة) أو الحرم (إلا لنُسُكٍ، طاف وسَعَى، وحَلَق وحَلَّ) من إحرامه.
(و أُبيح للنبيِّ ﷺ وأصحابِه دخولُ مكَّة مُحلّين ساعةً من نهار، وهي من طُلوع الشمس إلى صلاة العصرِ، رواه) الإمام (أحمدُ (١). لا قَطعُ شَجَرٍ) لأن النبي ﷺ "قامَ الغدَ من يوم فتح مكة فحمدَ الله وأثنى عليْهِ، فقال: إن مكَّةَ حرَّمَهَا الله ولم يحرمْهَا النَّاسُ، فلا يحلُّ لامرئ يؤمنُ بالله واليوم الآخِر أن يسفِكَ بها دَمًا، ولا يعضد بِهَا شجرَةٌ، فإن أحدٌ ترخَّص بقتالِ رسول الله ﷺ فقولُوا: إن الله أذنَ لرسُوله ولم يأذَنْ لكم، وإنما أُحلَّت لي ساعةً منْ نَهارٍ، وقد عادَتْ حرمتُها كحرمَتِها، فلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ منكم الغَائِبَ" (٢).
стр. 2446
(ومن جاوزه) أي: الميقات (مُريدًا للنُّسُك (١)) بلا إحرام (أو كان النُّسُك فرضه) بأن لم يحجَّ أو يعتمر (ولو) كان (جاهلًا) بالميقات (٢) أو الحكم (أو ناسيًا لذلك أو مكرهًا، لَزِمَه أن يرجعَ) إلى الميقات (فَيُحْرِمَ منه) لأنه واجب أمكنه فِعْله، فلزمه كسائر الواجبات (ما لم يخفْ فوات الحجِّ أو يخف) فوات (غيره) كخوفه على نفسه، أو أهله، أو ماله (فإن رَجَع) إلى الميقات (فأحرم منه، فلا دَمَ عليه) لأنه أتي بالواجب عليه، كما لو لم يجاوزه ابتداء (وإن أحرم دونه) أي: الميقات (من موضعه أو غيره، لعُذْرٍ أو غيره، فعليه دم) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "من تَركَ نُسكًا فعَليهِ دَمٌ" (٣) ولتركه الواجب (وإن رَجَع مُحْرِمًا إلى الميقات، لم يسقط الدَّمُ برجوعه) نصَّ
стр. 2447
عليه (١)؛ لأنه وجب لتركه (٢) إحرامه من ميقاته، فلم يسقط، كما لو لم يرجع (وإن أفسد نُسُكَه هذا) الذي تجاوز فيه الميقات بلا إحرام (لم يسقط دَمُ المجاوزة) نصَّ عليه (٣)، كدم محظور، ولأنه الأصل. ونقل مُهنَّا: يسقط؛ لأن القضاء واجب.
(ويُكره أن يُحْرِمَ قبل ميقاته (٤)) المكاني؛ لما روى الحسن "أنَّ عِمرانَ بنَ حُصينٍ أحْرَمَ من مِصرهِ فبلغ ذلك عُمرَ فغضب، وقال: يتسامَعُ النَّاسُ أنَّ رَجُلًا منْ أصحابِ رسول الله ﷺ أحرَم من مِصْرِهِ" (٥) وقال: "إن عبد الله بنَ عامر أحرَمَ من خُرَاسانَ، فلمّا قدِمَ على عثمانَ لامَهُ فيما صنَعَ، وكرهَه له" (٦) رواهما سعيد والأثرم. وقال البخاري:
стр. 2448
"كرِهَ عثمانُ أن يحرمَ من خراسَانَ أو كرمَانَ" (١). وروى أبو يعلى الموصلي بإسناده عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : "يسْتَمْتِعُ أحَدُكُم بِحِلّه ما استطاعَ، فإنّهُ لا يَدْرِي ما يَعْرضُ له في إحرامه" (٢). وأما حديث أم سلمة قالت: سمعت النبي ﷺ فيقول: "مَنْ أهَلَّ بحجّةٍ أو عمْرَةٍ منَ المسجدِ الأقصَى إلى المسجدِ الحرامِ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، ووَجَبَتْ له الجَنَّةُ" شك عبد الله بن عبد الرحمن أيتهما قال. رواه أبو داود (٣)، فقال القاضي: معنى "أهلَّ" أي: قصد من المسجد الأقصى، ويكون إحرامه من الميقات.
(و) يُكره أن يُحرِم (بالحجِّ قبل أشهره) لقول ابن عباس: "مِنَ
стр. 2449
السُّنَّةِ أنْ لا يُحْرِمَ بالحجِّ إلا في أشهُرِ الحَجِّ" رواه البخاري (١). ولأنه أحرم بالعبادة قبل وقتها، فأشبه ما لو أحرم قبل الميقات المكاني.
(فإن فَعَل) ب أن أحرم قبل الميقات المكاني أو الزماني (فهو مُحْرِمٌ) حكى ابن المنذر (٢) الصحةَ في تقدُّمِه على ميقات المكان إجماعًا؛ لأنه فِعْلُ جماعة من الصحابة (٣) والتابعين (٤)، ولم يقل أحدٌ منهم: إنه لا يصح.
ويدلُّ لصحة إحرامه بالحجِّ قبل أشهره قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٥) وكلها مواقيت للناس، فكذا للحج، وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٦). أي:
стр. 2450
معظمه في أشهر، كقوله ﷺ : "الحجُّ عَرَفَةُ" (١). أو أراد حَجَّ التمتُّع، وإن أضمرَ (٢) الإحرام، أضمرنا الفضيلة. والخصم يضمر الجواز، والمُضْمَر لا يعمُّ، وقول ابن عباس محمول على الاستحباب.
(ولا ينعقد) أي: ينقلب (إحرامُه بالحجِّ) قبل ميقاته المكاني أو الزماني (عُمْرة) خلافًا لما اختاره الآجري وابن حامد. نقل أبو طالب وسِندي (٣): يلزمه الحج، إلا أن يفسخه
стр. 2451
بعُمْرة (١)، فله ذلك على ما يأتي.
(و ميقات العُمْرة) الزماني (جميعُ العام) لعدم المخصِّص لها بوقت دون آخر (ولا يُكره الإحرام بها يوم النَّحر، و) لا يوم (عَرَفة، و) لا (أيام التشريق) كالطواف المجرَّد؛ إذ الأصل عدم الكراهة، ولا دليل عليها.
(وأشهرُ الحجِّ: شوال، وذو القعدة) بالفتح والكسر (وعشرٌ من ذي الحِجَّة) بكسر الحاء على الأشهر، رواه ابن عُمرَ مرفوعًا (٢)، وقاله جَمْعٌ في الصحابة (٣) (فيوم النَّحْر عنها، وهو يوم الحجِّ الأكبر) نصَّ عليه (٤)؛ للخبر؛ لأن العشر بإطلاقه للأيام كالعدة. قال القاضي والموفق وغيرهما: العرب تُغلِّب التأنيث في العدد خاصة، لسبق
стр. 2452
الليالي، فتقول: سِرنا عشرًا. وإنما فات الحج بفجر يوم النَّحْر؛ لخروج وقت الوقوف فقط، والجمع يطلق على اثنين، وعلى اثنين وبعض آخر، كعِدَّة ذات القروء.
стр. 2453
باب الإحرام والتلبية وما يتعلق بهما
(وهو) أي: الإحرام لغةً: نية الدُّخول في التحريم، يقال: أَشْتَى، إذا دخل في الشتاء، وأربع، إذا دخل في الربيع.
وشرعًا: (نية النُّسُك) أي: الدُّخول فيه، لا نيته ليحجَّ أو يعتمر. (سُمِّي) الدخول في النُّسُك (إحرامًا؛ لأن المُحْرِم بإحرامه حرَّم على نفسه أشياء كانت مُباحةً له) من النكاح والطيب وأشياءَ من اللباسِ ونحوها، ومنه في الصلاة: "تحريمها التكبيرُ" (١).
(ويُسَنُّ لمريدِه) أي: الإحرام (أن يغتسلَ، ذَكَرًا كان أو أنثى، ولو حائضًا ونُفُساء (٢)) لأن النبي ﷺ : "أمرَ أسَماءَ بنتَ عُميسٍ وهي نُفساءُ أن تَغتِسلَ" رواه مسلم (٣). وأمرَ عائشة: "أن تَغْتَسِلَ لإهْلالِ الحجِّ، وهِي حَائِضٌ" (٤) (فإن رجتا) أي: الحائض والنُّفساء (الطُّهْرَ قبل الخروج من الميقات، استُحبَّ) لهما (تأخير الغسل حتى تطهُرا) ليكون أكمل لهما (وإلا) أي: وإن لم تَرجُوا الطُّهرَ قبل الخروج من الميقات (اغتسلتا) قبل الطُّهر؛ لما تقدم؛ ولأن مجاوزة
стр. 2454
الميقات بلا إحرام غير جائزة، على ما تقدم (١) (ويتيمم عادمُ الماء) لإحرامه، وكذا العاجز عن استعماله، كسائر ما يُستحبُّ له الغسل (وتقدَّم) في باب الغسل (٢) (ولا يضرُّ حَدثُه بعد غُسْلِه قبل إحرامه) كحدثه بعد غُسْل الجمعة، وقبل صلاتها.
(و) يُسنُّ لمريد الإحرام (أن يتنظَّف بإزالة الشَّعْر، مِنْ حَلْقِ العانة، وقصِّ الشاربِ، ونَتْفِ الإبطِ، وتقليم الأظفار، وقَطْعِ الرائحة الكريهة) لقول إبراهيم: "كانوا يستحبُّون ذلك، ثم يَلبَسونَ أحسَنَ ثيابهم"، رواه سعيد (٣). ولأن الإحرام عبادة، فَسُنَّ فيه ذلك، كالجُمعة؛ ولأن مُدته تطول.
(و) يُسَنُّ لمريد الإحرام (أن يتطيَّب -ولو امرأةً- في بدنه، سواء كان) الطيب (مما تبقى عينُه كالمِسك، أو أثرُه كالعُودِ، والبخور، وماءِ الورد) لقول عائشة: "كنتُ أطيِّبُ رسولَ الله ﷺ لإحرامِهِ، قبلَ أن يُحْرِمَ"، رواه البخاري (٤). وقالت: "كأنِّي أنظُرُ إلى وَبِيصِ المِسْكِ في مَفارِقِ رسول الله ﷺ وهو مُحْرِمٌ". متفق عليه (٥).
(ويُستحبُّ لها) أي: للمرأة إذا أرادت الإحرام (خِضابٌ بِحنَّاءٍ) لحديث ابن عمر: "مِنَ السُّنَّةِ أن تدلكَ المرأة يدَيْهَا في
стр. 2455
حِنَّاء" (١)؛ ولأنه من الزينة، أشبه الطيب.
(ويُكره تطييبُه) أي: مريد الإحرام (ثوبَه) وحرَّمه الآجري. (فـ) ـعلى الأول (إن طيَّبه) أي: طيَّب مريدُ الإحرام ثوبَه (فله استدامته) أي: استدامة لبسه (ما لم ينزِعْه، فإن نَزَعه، فليس له لُبْسُه والطيب فيه) لأن الإحرام يمنع الطيب ولبس المطيَّب، دون الاستدامة (فإن فَعَل) أي: لَبِسَه بعد نزعه (وأثرُ الطيب باقٍ) لم يغسله حتى يذهب، فَدَى؛ لاستعماله الطيب (أو نَقَلَه) أي: الطيب (من موضع من بدنه إلى موضع) آخر (أو تعمَّد مسَّه بيده، فعَلِقَ) الطيب (بها، أو نحَّاه) أي: الطيب (عن موضعه، ثم ردَّه إليه) بعد إحرامه (فَدَى)؛ لأنه ابتداء للتطيب، (فإن ذاب) الطيبُ (بالشمس، أو بالعرق، فسال إلى موضع آخر) من بدن المُحْرِم (فلا شيء عليه) لحديث عائشة قالت: "كُنَّا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مَكَّةَ، فنضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ (٢) عند الإحْرَام، فإذا عَرِقَتْ إحْدانا، سال على وَجْهِها، فيراها النبيُّ ﷺ ، فلا يَنهاها". رواه أبو داود (٣).
(ويُسَنُّ) لمن يريد الإحرام (أن يلبس ثوبين أبيضين) لحديث: