← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

فصل الشرط (الثالث) للسَّلَم: (أن يذكر قَدْره) أي: المسلم فيه (بالكيل في المكيل، والوزن في الموزون) لما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "من أسْلَفَ في شيءٍ فلْيُسلِفْ في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ" متفق عليه (١)، ولفظه لمسلم. (و) أن يذكر قَدْره بـ (ــالذراع في المذروع، والعدّ في معدود يصح السَّلَم فيه) لأنه عوض غائب يثبت في الذمة، فاشتُرط معرفة قَدْره كالثمن. (فإن أسلم في مكيل وزنًا، أو) أسلم (في موزون كيلًا، لم يصح) السَّلَم؛ لأنه قدَّره بغير ما هو مقدَّرٌ به، فلم يجز، كما لو أسلم في المذروع وزنًا، وبالعكس. (وعنه: يصح) نقلها المرُّوذي (٢)؛ لأن الغرض معرفة قَدْره، وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأي قَدْر قدَّره جاز (اختاره الموفق وجمع) منهم الشارح وابن عبدوس في "تذكرته"، وجزم بها في "الوجيز" و"المنور" و"منتخب الأزجي". (ولا يصح) السَّلَم (في المَذروع إلا بالذَّرع) لما تقدم. (ولابُدَّ أن يكون المكيال ونحوه) كالصَّنجة، والذراع (معلومًا عند العامة) لأنه إذا كان مجهولًا تعذَّر الاستيفاء به عند التلف، وذلك مُخِلٌّ

стр. 3432

بالحكمة التي اشترط معرفة القَدْرِ لأجلها. (فإن شرط مكيالًا) بعينه (أو ميزانًا) بعينه (أو ذراعًا بعينه، أو صنجة بعينها غير معلومات، أو أسْلَم في مثل هذا الثوب ونحوه، لم يصح) السَّلَم؛ لأنه قد يهلك فتتعذَّر معرفة المسلم فيه، وهو غَرَر. (لكن لو عيَّن مكيال رجُلٍ، أو ميزانه، أو صنجته، أو ذراعه، صَحَّ) السَّلَم (ولم يتعين) فله أن يُسلِم بأي مكيال، أو ميزان، أو صنجة، أو ذراع؛ لعدم الخصوصية. وما لا يمكن وزنه بميزان كالأحجار (١) الكبار يُحطُّ في سفينة، وينظر إلى أي موضع تغوص، فيُعَلَّم، ثمْ يرفع، ويُحطُّ مكانَه رمل أو أحجار صغار إلى أن يبلغ الماء الموضع الذي كان بلغه، ثم يوزن، فما بلغ فهو زنة ذلك الشيء. (ويُسلِم في معدود مختلف يتقارب، غيرِ حيوان) كالجوز والبيض (عددًا) لأن التفاوت فيه يسير، ولهذا لا تكاد القيمة تختلف بين البيضتين والجوزتين، بخلاف البطيخ فإنه يتفاوت كثيرًا. (وفي غيره) أي: يُسلِم في المعدود الذي لا يتقارب (٢) كالبطيخ والفواكه المعدودة من الرمان ونحوه (وزنًا) لأنه يختلف كثيرًا ويتباين جدًّا، فلا ينضبط إلا بالوزن. وما ذكر من السَّلَم في المعدود غير الحيوان محلُّه (إن صَحَّ السَّلَم فيه، وتقدم (٣) قريبًا) في الشرط الأول حكاية الخلاف في ذلك، وقدَّم المصنف أنه لا يصح، وهو المذهب.

стр. 3433

فصل الشرط (الرابع) للسَّلَم: (أن يشترط) المُسْلَم إليه (أجلًا معلومًا) لقوله ﷺ : "من أسلفَ في شيءِ فليُسْلِفْ في كيلٍ معلومٍ، أو وزنٍ معلومٍ، إلى أجَلِ معلومٍ" (١) فأمر بالأجَل، كما أمر بالكيل والوزن. والأصل في الأمر الوجوب (له) أي: الأجل (وَقْعٌ في الثمن عادة، كشهر) لأن الأجل إنما اعتُبر ليتحقق الرَّفق الذي شُرع من أجله السَّلَم، فلا يحصُل ذلك بالمدة التي لا وَقْعَ لها في الثمن (وفي "الكافي": أو نصفِه، ونحوه) أي: نحو النصف. وفي "المغني" و"الشرح": وما قارب الشهر. قال الزركشي وكثير من الأصحاب يُمثِّل بالشهر والشهرين. فمِن ثَمَّ قال بعضهم: أقله شهر. (فإن اختلفا في قَدْره) أي: قَدْر الأجل، بأن قال المسلِم: إلى شهر مثلًا، فقال المسلَم إليه: بل شهرين؛ فقول مسلَم إليه. (أو) اختلفا في (مضيِّه) أي: الأجل (أو) اختلفا في (مكان التسليم، فقول مُسلَمٍ إليه) بيمينه؛ لأن الأصل بقاء الأجل، وبراءة ذمة المُسلَم إليه من مؤنة نقله إلى الموضع الذي يدعيه المُسلِم. وكذا إن اختلفا في قَدْر المسلَم فيه أو صفته، كما في "المستوعب". (وإن اختلفا في أداء المسلَم فيه، فقول المُسلِم) بيمينه؛ لأنه منكر للقبض، والأصل عدمه.

стр. 3434

(أو (١)) اختلفا (في قَبْض الثمن) الذي وقع عقد السَّلَم عليه (فقول المسلَم اليه) بيمينه؛ لأنه منكر، والأصل عدم القبض. (فإن اتفقا عليه) أي: على قبض الثمن (وقال أحدهما: كان) القبض (في المجلس قبل التفرُّق، وقال الآخر): بل كان القبض (بعده) أي: بعد التفرُّق (فـ) ـالقول (قول من يدَّعي القبض في المجلس) بيمينه؛ لأنه يدعي الصحة، وذاك يدعي الفساد، والظاهر في العقود الصحة. (فإن أقاما بينتين بما ادَّعياه) أي: أقام مُدَّعي القبض في المجلس بينة به، وأقام الآخر بينة بضد ذلك (قُدِّمت -أيضًا- ببينته) أى: بينة مدَّعى القبض في المجلس؛ لأنها مثبتة، وتلك نافية؛ ولأن معها زيادة علم. (وإن أسلم حالًّا) لم يصح، لما تقدم من حديث ابن عباس (٢). (أو) أسلم (مطلقًا) أي: لم يعيّن أجلًا (لم يصح) السَّلَم لما تقدم (إلا أن يقع) العقد (بلفظ البيع فيصح حالًا، ويكون بيعًا بالصفة، وتقدم) في البيع (٣). قال القاضي: ويجوز التصرُّف (٤) قبل قبض رأس المال؛ لأنه بيع، ويحتمل أن لا يصح؛ لأنه بيع دَيْن بدَيْن. ذكره في "الكافي". وتقدم في البيع (٥): إن كان الموصوف في الذمة لم يصح إن تفرَّقا قبل قبضه، أو قبض ثمنه. (وإن أسلم إلى أجل قريب كاليومين والثلاثة؛ لم يصحَّ) السَّلَم؛ لفوات شرطه، وهو أن مثل ذلك لا وَقعْ له في الثمن (إلا أن يُسلِم في

стр. 3435

شيء كخبز ولحم ودقيق ونحوها. يأخذُ منها (١) كل يوم جزءًا معلومًا، فيصِحُّ) السَّلَم؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك. (فإن قَبَضَ البعضَ) مما أسلم فيه ليأخذ منه كل يوم قَدْرًا معلومًا (وتعذَّر قبض الباقي، رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للباقي فضلًا على المقبوض) لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء، فيقسط الثمن على أجزائه بالسوية كما لو اتَّحد أجله. (وإن أسلم في جنس واحد إلى أجلين) كَبُرٍّ بعضه إلى رجب، وبعضُه إلى شعبان، جاز بشرطه الآتي؛ لأن كل بيع جاز إلى أجل، جاز إلى أجلين وآجال، كبيوع الأعيان. (أو) أسلم (في جنسين) كبُرٍّ وشعير (إلى أجل) واحد (صح) السَّلَم، كالبيع (إن بيَّن قسطَ كلِّ أجَلٍ) وثمنه في الأولى (و) بيَّن (ثمن كل جنس) في الثانية؛ لأن الأجل الأبعد له زيادة وَقْع على الأقرب، فما يقابله أقل مما يقابل الآخر، فاعتُبر معرفة قسطه وثمنه، وبهذا يحصُل التمييز للثمن الآخر (وإلا) بأن لم يبين قسط كل أجل وثمنه (فلا) يصح السَّلَم؛ لما تقدم. (وإن أسلم جنسين) كذهب وفضة (فى جنس واحد) كبُرٍّ (لم يصح) السَّلَم (حتى يبين حصة كل جنس من المسلم فيه) كما لو أسلم في جنسين على ما تقدم. قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب. (و لابُدَّ أن يكون الأجل مقدرًا بزمن معلوم) لما تقدم من الحديث (٢).

стр. 3436

(فإن أسلم) مطلقًا، أو إلى حصاد ونحوه (أو باع، أو شرط الخيار مطلقًا، أو إلى حصاد، أو جذاذ ونحوهما) من كل ما يختلف، كنزول المطر، وهبوب الريح، وقدوم الحاج (لم يصح الشرط والعقد في السَّلَم) لفوات شرطه، وهو الأجل المعلوم؛ لاختلاف هذه الأشياء. (ولا) يصح (الشرط فى البيع، والخيار (١)) للجهالة (ويصح البيع فيهما) أي: فيما إذا باع مطلقا، أو إلى حصاد ونحوه، ويكون الثمن حالًا. وفيما إذا شرط الخيار مطلقًا، أو إلى حصاد ونحوه (وتقدم) (٢) ذلك (في الشروط في البيع) مفصلًا. (وإن (٣) قال): أسلمت في كذا (إلى شهر كذا) أي: رمضان ونحوه (أو) قال: (مَحِلُّه شهر كذا، أو) قال: مَحِلُّه (فيه) أي: في شهر كذا (صَحَّ) لأنه أجلٌ معلومٌ (وحَلَّ بأوله) كما لو علق عليه طلاقًا أو عتقًا. (وإن قال) المسلِم للمسلَم إليه: (تؤديه) أي: السَّلَم (فيه) أي: في شهر كذا (لم يصحَّ) السَّلَم؛ لأنه جعله كله ظرفًا، فاحتمل أوله وآخره، فلم يكن أجلًا معلومًا. (و) إن قال: أسلمتك في كذا (إلى أوله) أى: أول شهر كذا (أو) إلى (آخره، يَحلُّ) في الأولى (بأول جزء) من الشهر (و) في الثانية بـ (ـآخره) أي: آخر جزء من الشهر. (وإن قال): أسلمتُك في كذا (إلى ثلاثة أشهر؛ كان إلى انقضائها) فإن كانت مبهمة، فابتداؤها حين تلفظ بها. وإن قال: إلى شهر، انصرف إلى الهلال، إلا أن يكون في أثنائه، فإنه يكمل بالعدد.

стр. 3437

(وينصرِفُ) إطلاق الأشهر (إلى الأشهر الهلالية) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١). (و) يصح السَّلَم (إلى شهر رومي، كَشُباط ونحوه) مثل: كانون الأول، أو الثاني (أو) إلى (عيدٍ لهم) أي: للروم (لم يختلف، كالنيروز، والمِهْرجَان، ونحوهما مما يعرفه المسلمون، يصح إِن عَرَفاه) أي: المتعاقدان؛ لأنه معلومٌ، أشبه عيد المسلمين. (وإلا) بأن اختلف ذلك العيد المشروط (فلا يصح) السَّلَم (كالسَّعانين، وعيد الفَطِير) ونحوها مما يجهله المسلمون غالبًا، ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه. والسعانين -بسين ثم عين مهملتين؛ قاله ابن الأثير (٢) وغيره- وهو عيد للنصارى، قيل عيدهم الكبير بأسبوع، قال النووي (٣): ويقوله العوام، وشبههم من المتفقهة بالشين المعجمة، وذلك خطأ. (و) إن شرَطه (إلى العيد، أو) إلى (ربيع، أو) إلى (جمادى، أو) إلى (النَّفْر) من مِنًى ونحوها (مما يشترك فيه شيئان) كالنَّحْر (لم يصح) السَّلَم، حتى يعيِّن أحدهما؛ للجهالة. (و) إن شَرَطه (إلى عيد الفطر، أو) إلى عيد (النَّحْر، أو) إلى (يوم عرفة، أو عاشوراء أو نحوها) كالنَّفْرِ الأول، أو الثاني، وهما ثاني أيام التشريق وثالثها، فالنفر الأول لمن تعجَّل في يومين، والنَّفْر الثاني لمن

стр. 3438

تأخَّر (صَحَّ) السَّلَم؛ لأنه أجل معلوم. (ومثله) أي: السَّلَم (الإجارة) فيما ذكره، مما يصح أو يبطل. (وإن جاءه) أي: جاء المسلَمُ إليه المسلِمَ (بالمسلَم فيه في مَحِلِّه) أي: وقتَ حلول أجله (لزمه) أي: المسلِم (قبضه، كالمبيع المعيّن، ولو تضرَّر بقبضه) لأن الضرر لا يُزال بالضرر. (وإن أحضره بعد محل الوجوب، فكما لو أحضر المبيع بعد تفرقهما) من المجلس، فيلزمه قبضه، ولو تضرر. (وإن أحضره) أي: المسلَمَ فيه (قبل مَحلِّه، فإن كان فيه) أي: في قبضه (ضرر، لكونه) أي: المسلَم فيه (مما يتغيَّر، كالفاكهة التي يصح السَّلَم فيها) من الرطب والعنب ونحوهما (أو كان) المسلم فيه (قديمه دون حديثه، كالحبوب، أو كان) المسلم فيه (حيوانًا، أو ما يحتاج في حفظه إلى مؤنة، كالقطن ونحوه، أو كان الوقت مَخُوفًا يخشى) المسلِمُ (على ما يقبضه، لم يلزم المسلِمَ قَبوله) أي: قَبول السَّلَم قبل مَحِلِّه؛ لما عليه من الضَّرر فيه. (وإن لم يكن في قبضه) أي: المسلم فيه (ضرر ولا يتغيَّر) أي: يختلف (قديمه وحديثه كالحديد والرصاص، والزيت، والعسل ونحوها، لزمه قبضه) لأن الغرض حاصل مع زيادة تعجيل المنفعة، فجرى مجرى زيادة الصفة. (وحيث قلنا: يلزمه القبض) لكونه بعد محله، أو عنده، أو قبله ولا ضرر، وأتاه بالمسلم فيه على صفته (وامتنع) المسلِمُ (منه) أي: من قبضه (قيل) أي: قال (له) الحاكم: (إما أن تقبض حقّك، وإما أن تُبرئ

стр. 3439

منه، فإن أبى) الأمرين (رفع) المسلَم إليه (الأمر إلى الحاكم فقبضه) أي: المسلَم فيه (له، وبرئت ذمة المسلَمِ إليه فيه) أي: في ذلك المقبوض منه لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته، وليس له أن يبرئ. قلت: وقياسه لو غاب المسلِم. (وكذا) أي: كدَين السَّلَم (كلُّ دَيْن لم يحل إذا أتى) صاحبه (به) يلزمه قبضه حيث لا ضرر عليه فيه، وإن أتى به عند محِلِّه، أو بعده، لزمه مطلقًا. (ويأتي إذا عجَّل الكتابة قبل محِلِّها) أي: حلولها، في باب الكتابة. (لكن لو أراد) إنسان (قضاء دَيْن عن غيره فلم يقبله ربُّ الدَّين، أو أعْسَر زوج بنفقة زوجته، فبذلها أجنبي) وكذا لو لم يعسر، وبذلها أجنبيُّ (فلم تقبل) الزوجة (لم يُجبَرا) أي: ربُّ الدين والزوجة، على القبول من الأجنبي؛ لما فيه من تحمُّل مِنَّة الدافع، وتملك الزوجة حينئذ الفسخ بالإعسار. وعُلم من قوله: "فبذلها أجنبي" أنه لو أعسر الزوج، وبذلها قريبه الواجب عليه نفقته، كوالده وولده، وأخيه، وَجَبَ عليها القَبول، وأجبرت عليه، ولا فسخ لها. (إلا أن يكون) من أراد قضاء الدَّين عن غيره، أو بذل النفقة للزوجة (وكيلًا) عن المدين، أو الزوج، فيُجبران على القَبول منه؛ لقيامه مقام موكله (كتمليكه) أي: تمليك الأجنبي (للزوج؛ أو المديون) ما ينفقه أو يفي به دينه، إذا قبضاه ووفيا به ما عليهما، أجبرت الزوجة وربُّ الدَّين على القَبول منه؛ لعدم المِنَّة عليهما إذن.

стр. 3440

(وليس) يلزم المسلَمَ إليه (للمسلِم إلا أقلُّ ما تقع عليه الصفة) التي عقد عليها، فإذا أتاه به لم يطلب منه أعلى منه؛ لأنه أتاه بما تناوله العقد فبرئت ذمته منه. (و) يجب (على المسلَم إليه أن يسلِم الحبوبَ) المسلَمَ بها (نقية) أي: خالصة (من التبن، و) من (العُقَد، و) من (غير جنسها) كتراب، وزوان (١) في البُرِّ (فإن كان فيها تراب ونحوه) كزوان (يأخذ موضعًا من المكيال، لم يجز) له تسليمها كذلك، ولا يُجبر المسلِمُ على قَبولها كذلك (وإن كان) التراب أو نحوه (يسيرًا لا يؤثر، لزمه) أي: المُسلِم (أخذه) لأنه متعارف. (ولا يلزمه) أي: المسلِم (أخذ التمر) المسلَم فيه (ونحوه) كالزبيب وسائر الفواكه اليابسة التي يصح السَّلَم فيها (إلا جافًّا) جفافه المعتاد (ولا يلزم أن يتناهى جفافه) لما تقدم من أنه ليس له إلا أقل ما يقع عليه الصفة. (ولا يلزمه) أي: المسلِم (أن يقبل معيبًا) لأن الإطلاق يقتضي السلامة (فإن قبضه) أى: المسلَمَ فيه (فوجده معيبًا، فله إمساكه مع الأرش كما تقدم، وله ردُّه والمطالبة بالبدل) سليمًا (كالمبيع) غير المعين. فصل الشرط (الخامس) للسَّلَم (أن يكون المسلَمُ فيه عامَّ الوجود في مَحِلِّه). بكسر الحاء: وقت حلوله غالبًا، لوجوب تسليمه إذن (سواء كان) المسلَم فيه (موجودًا حال العقد أو معدومًا) كالسَّلَم في الرطب

стр. 3441

والعنب زمن الشتاء إلى الصيف. (فإن كان) المسلَم فيه (لا يوجد فيه) أي: في وقت حلوله (أو لا يوجد) فيه (إلا نادرًا، كالسَّلَم في الرطب والعِنب إلى غير وقته، لم يصح) السَّلَم؛ لأنه لا يمكن تسليمه غالبًا عند وجوبه، أشبه بيع الآبق، بل أَولى. (وإن أسلم في ثمرةٍ نخلةٍ بعينها، أو) أسلم (في ثمرة بستان بعينة، بدا صلاحه أو لا، أو) أسلم (في زرعه) أي: زرع بستان بعينه (استَحْصَدَ) أي: طلب الحصاد بأن اشتدَّ حبه (أو لا، أو) أسلم في ثمرةِ أو زرعِ (قرية صغيرة، أو) أسلم (في نِتاج فحْلٍ فلان، أو غنمه ونحوه، لم يصحَّ) السَّلَم في ذلك كله؛ لأنه لا يؤمن انقطاعه، ولما رُوي عنه ﷺ : "أنه أسلف إليه يهوديٌ في تمرِ حائطِ بني فلان، فقال النبي ﷺ : "أما في حائِطِ بني فُلانٍ فلا، ولكن كَيلٌ مسمَّىَ إلى أجلٍ مُسَمَّىَ" رواه ابن ماجه وغيره (١). قال

стр. 3442

ابن المنذر (١): المنع منه كالإجماع؛ لاحتمال الجائحة. (وإن أسلم إلى مَحِلٍّ) أي: وقت (يوجد فيه عامًا، فانقطع وتعذَّر حصوله، أو) حصول (بعضه إما لغيبة المسلَم إليه) وقت وجوده (أو) لـ (ـعجز) هـ (عن التسليم حتى عدم المسلَم فيه، أو لم تحمِل الثمار تلك السنة، وما أشبهه، خُيِّر) المسلِمُ (بين صبر) إلى أن يوجد المسلم فيه فيأخذه (و) بين (فسخٍ في الكل) المتعذِّر (أو البعض المتعذِّر، ويرجع برأس مال) ما فسخ فيه، كُلًا كان أو بعضًا، إن كان رأس المال موجودًا (أو عِوَضِه إن كان معدومًا) لتعذُر ردِّه، وعوضُه: مِثْلُ مِثليٍّ، وقيمةُ متقوَّم. وعُلم مما تقدم: أنه لو تحقَّق بقاء المسلم فيه، لزم المسلَمَ إليه تحصيلُه. قال في "شرح المنتهى": ولو شقَّ كبقية الديون. (وإن أسلم ذمي إلى ذمي في خمر، ثم أسلم أحدهما، رجع المسلم) أى: صاحب السَّلم (فأخذ رأسَ ماله) الذى دفعه إن كان موجودًا، أو عِوضَهُ إن عدم؛ لأنه اذا أسلم الأول فقد تعذَّر عليه استيفاء المعقود عليه، وإن أسلم الآخر فقد تعذَّر عليه الإيفاء.

стр. 3443

فصل الشرط (السادس) للسَّلَم: (أن يقبض) المسلَمُ إليه أو وكيله (رأس ماله) أي: السَّلَم (في مجلس العقد) قبل التفرُّق، استنبطه الشافعي (١) من قوله ﷺ : "من أسلف فليُسلِفْ" (٢) أي: فليعط، قال: لأنه لا يقع اسم السَّلَف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه. انتهى. وحذارًا (٣) أن يصير بيع دَيْن بدَيْن، فيدخل تحت النهي (أو ما في معنى القبض، كما لو كان عنده) أي: المسلَم إليه (أمانة، أو عين مغصوبة) ونحوها فجعلها ربها رأس مال سلم، فيصح؛ لأنه في معنى القبض. و (لا) يصح عقد السَّلَم (بما في ذمته) أي: المسلَم إليه، بأن يكون له عليه دَيْن فيجعله رأس مال سَلَم؛ لأنه بيع دين بدَيْن، فهو داخل تحت النهي، وتقدم (٤). (فإن قبض) المسلَم إليه (البعض) من رأس مال السَّلَم قبل التفرُّق (ثم افترقا قبل قبض الباقي، صَحَّ فيما قبض بقسطه، وبَطَل فيما لم يقبض) لتفريق الصفقة (وتقدَّم (٥)) ذلك (في الصَّرْف). لكن لو تعاقدا على مائة درهم في كُرٍّ (٦) طعام مثلًا، وشرط أن يُعجِّل له منها خمسين، وخمسين إلى أَجَل، لم يصح العقد في الكل؛ ولو قلنا بتفريق الصفقة؛ لأن للمعجَّل فضلًا على المؤجَّل، فيقتضي أن

стр. 3444

يكون في مقابلته أكثر مما في مقابلة المؤجَّل، والزيادة مجهولة، فلم يصح. (ويُشترط كونه) أي: رأس مال السَّلَم (معلوم الصفة والقَدْر) كالمُسلَم فيه؛ لأنه قد يتأخر تسليم المعقود عليه، ولا يؤمن انفساخه، فوجب معرفة رأس ماله ليردَّ بدله كالقرض (فـ) ـــــعلي هذا (لا يصح) السَّلَم (بصُبرة) مشاهدَةٍ لا يعلمان قَدْرها. (ولا) يصح السَّلَم (بما لا يمكن ضبطه بصفة، كجوهر ونحوه، فإن فعلا) أي: عقداه بذلك (فباطل) لفوات شرطه (ويرجع) أي: يرد المقبوض إذن (إن كان باقيًا، وإلا) بأن لم يكن باقيًا (فقيمته) إن كان متقوَّمًا، أو مثله إِن كان مثليًا، كصُبرة من نحو حبوب. (فإن اختلفا فيها) أي: في قيمة رأس مال السَّلَم الباطل، أو في قَدْر الصُّبرة المجعولة رأس مال سَلَم (فقول مسلَمٍ إليه) بيمينه؛ لأنه غارم. (فإن تعذَّر) عِلْمُ قَدْر القيمة، أو الصُّبرة، بأن قال المسلم إليه: لا أعلم قَدْر ذلك (فقيمة مسلم فيه مؤجَّلًا) إلى الأجل الذي عَيَّنَاه؛ لأن الغالب في الأشياء أن تُباع بقيمتها. (ولو قبَض) المسلَمُ إليه (رأس مال السَّلَم المعيّن، ثم افترقا، فوجده) المسلَم إليه (مَعيبًا من غير جنسه) كالنُّحاس في الفضة، والمِسِّ (١) في الذهب (أو ظهر) رأس مال السَّلَم المعيَّن (مستحَقًا بغصب أو غيره، بطل العقدُ) كما لو ظهر ثمن المبيع المعيَّن كذلك. (وإن كان العيب من جنسه) أي: جنس رأس المال، كالسواد في الفضة، والوضوح في الذهب (فله) أي: المُسلَم إليه (إمساكه وأخذ أَرْش

стр. 3445

عيبه، أو ردُّه وأخذ بدله في مجلس الرَّدٍّ) هكذا في "الإنصاف"، وهو غير ظاهر، بل متى ردَّه بطل العقد، كما في "المغني" لوقوعه على عينه، بخلاف ما في الذِّمة كما تقدم. وقد ذكرت كلام "المستوعب" في "الحاشية". (وإن كان العقد وقع على مالٍ في الذمة) وقبضه، ثم ظهر به عيب من جنسه (فله المطالبة ببدله في المجلس، ولا يبطل العقد بردِّه) لأنه لم يتعيَّن، فإن كان العيب من غير الجنس بطل العقد بالتفرُّق على الصحيح، كما في "الإنصاف". (وإن تفرَّقا) عن المجلس بعد قبضه (ثم علم) المسلم إليه (عيبه فردَّه، لم يبطل) السَّلَم (إن قبض) المسلَم إليه (البدل في مجلس الرَّدِّ) إقامة لمجلس الردِّ مقام جلس العقد. (وإن تفرَّقا عن مجلس الرَّدِّ قبل قبض البدل، بطل) السَّلَم؛ لفوات شرطه، وهو القبض قبل التفرُّق، وإن كان العيب من غير جنسه، وتفرَّقا قبل أَخْذ بدله، بطل العقد، وتقدم نظير ذلك في الصرف. (وإن وجد) المسلَم إليه (بعض الثمن رديئًا فردَّه، ففي المردود ما ذكرنا من التفصيل) المذكور. فصل الشرط (السابع) للسَّلَم: (أن يُسلِم في الذِّمة، فإن أسلمَ في عين) كدار وشجرة نابتة (لم يصح) السَّلَم (لأنه ربما تَلِفَ) أي: المعيَّن (قبل أوان تسليمه) ولأن المعيَّن بمكن بيعه في الحال، فلا حاجة إلى السَّلَم فيه، وتقدم (١).

стр. 3446

(ولا يُشترط) للسَّلَم (ذِكْر مكان الإيفاء) لأنه ﷺ لم يذكره؛ ولأنه عقد معاوضةٍ أشبه بيوعَ الأعيان. (إلا أن يكون موضعُ العقد لا يمكن الوفاء فيه، كبَرِّيَّه، وبحرٍ، ودار حرب) فيُشترط ذكره؛ لتعذُّر الوفاء في موضع العقد، وليس البعض أَولى من البعض، فاشترط تعيينه بالقول، كالكيل. (ويجب) الإيفاء (مكان العقد) إن عقدا في محل يصلح للإقامة (مع المُشَاحَّة) لأن العقد يقتضي التسليم في مكانه، فاكتفي بذلك عن ذكره. (وله) أي: المسلِمُ (أخذه) أي: المسلَم فيه (في غيره) أي: غير مكان العقد (إن رضيا) لأن الحق لا يعدوهما. و (لا) يجوز أخذه (مع أجرة حمله إليه) أي: إلى مكان العقد، قال القاضي: (كأخذ بدل السَّلَم. ويصح شرطه) أي: الإيفاء (فيه) أي: في مكان العقد (ويكون) ذلك الشرط (تأكيدًا) لمقتضى العقد. (و) يصح شرط الإيفاء (في غيره) أي: غير مكان العقد، كبيوع الأعيان. (ولا يصح بيعُ المسلَم فيه قبل قبضه) قال في "المغنى" و"المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ "لنهيه ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه (١) "؛ ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه قبل قبضه كالمَكيل (ولو) كان بيع المسلَم فيه (لمن هو في ذمته) لعموم ما سبق. (ولا) تصح (هبته) أي: هبة المسلَم فيه قبل قبضه لغير من هو

стр. 3447

عليه؛ لأنها تنقل الملك كالبيع (ولا هبة دين غيره) أي: غير السَّلَم، (لغير من هو في ذمته) لأن الهبة تقتضي وجود معيَّن وهو منتفٍ هنا (ويأتي) ذلك (في الهبة) مفصَّلًا. (ولا) يصح (أحد غيره) أي: المسلَم فيه (مكانه) لقوله ﷺ : "من أسلم في شيءٍ فلا يصْرفهُ إلى غيره" (١)؛ ولأن أخذ العِوض عنه بيع، فلم يجز، كبيعه، وسواء كان المسلَم فيه موجودًا، أو معدومًا، وسواء كان العوض مثله في القيمة، أو أقل، أو أكثر. (ولا) تصح (الحوالة به) أي: بدين السَّلَم؛ لأنها معاوضة بالمسلَم فيه قبل قبضه، فلم تجز كالبيع. (ولا) الحوالة (عليه) لأنها لا تصح إلا على دين مستقر، والسَّلَم عرضة للفسخ. (ولا) تصح الحوالة (برأس مال سَلَم بعد فسخه، ويأتي) ذلك (في) باب (الحوالة) موضحًا (ويأتي في الهبة: البراءة من الدين، و) من (المجهول، و) يأتي (في) باب (الشركة: القبض من الدَّين المشترك) مفصَّلًا. (ويصح بيع دينٍ مستقر؛ من ثمن) مبيع (وقرضٍ، ومهرٍ بعد دخوله، وأجرةٍ استوفى نفعها) إن كانت الإجارة على عمل، كخياطة ثوب (أو فرغت مدتها) أن كانت على مدة، كإجارة دار شهرًا (وأرْش جناية، وقيمة مُتلَفٍ، ونحوه) كجُعْل بعد عمل (لمن هو) أي: الدَّين (في

стр. 3448

ذمته) لخبر ابن عمر: "كنا نبيعُ الإبل بالبقيع بالدنانير ونأخذُ عنها الدَّراهم، وبالدَّراهم ونأخُذُ عنها الدنانيرَ، فسألنا رسول الله ﷺ عنه، فقال: لا بأس؛ إن أخذتها بسعر يومها، ما لم تتفرَّقا وبينكُما شيءٌ" رواه أبو داود وابن ماجه (١)، فدل على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر، وغيره يُقاس عليه. (و) يجوز (رهنه) أي: رهن الدَّين المستقر (عنده) أي: عند من هو في ذمته (بحق له) أي: لمن هو في ذمته؛ هذا أحد روايتين ذكرهما في "الانتصار" (٢). قال في "الإنصاف": الأولى الجواز، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب حيث قالوا: يجوز رهن ما يصح بيعه. انتهى. قلت: بل يكاد صريح كلامهم أن يكون بخلافه، حيث قالوا: الرهن: توثقة دينٍ بعين، بل صرَّح المجد في "شرحه" بعدم صحته. (إلا رأس مال سَلَمٍ بعد فسخ) السَّلَم (وقبل قبض) رأس ماله، فلا يصح بيعه ولو لمن هو عليه، ولا رهنه عنده؛ لما تقدم. (لكن إن كان) الدين (من ثمن مكيلٍ، أو موزون، باعه بالنسيئة) أو بثمن لم يقبض (فإنه لا يصح أن يأخذ عوضه ما يشارك المبيعَ في علَّةِ ربا فضلٍ أو نسيئةٍ) فلا يعتاض عن ثمن مكيل مكيلًا، ولا عن ثمن موزون موزونًا (حسمًا لمادة ربا النسبئة، وتقدم) ذلك (آخر كتاب البيع) (٣) مبينًا. (ويُشترط) لصحة بيع الدَّين الثابت في الذمة لمن هو عليه (أن يقبض عوضه في المجلس إن باعه بما لا يُباع به نسيئة) كأن باع الذهب

стр. 3449

بفضة، أو عكسه (أو) باعه (بموصوف في الذِّمة) فيُعتبر قبضه قبل التفرُّق؛ لئلا يصير بيع دَيْن بدين، وهو منهيٌّ عنه كما تقدم (١) (وإلا) بأن باعه بمعيّن يباع به نسيئة، كما لو كان الدَّين ذهبًا وباعه ببُرٍّ معين (فلا يُشترط) قبضه في المجلس. (ولا يصح بيعه) أي: الدَّين (لغيره) أي: غير من هو في ذمته مطلقًا؛ لأنه غير قادر على تسليمه، أشبه بيع الآبق. (ولا) يصح (بيع دَيْن الكتابة) ولو لمن هو في ذمته؛ لأنه غير مستقر (ولا) بيع (غيره) أي: غير دين الكتابة حال كونه (غير مستقر) كصداق قبل دخوله، وجُعْل قبل عمل. (ولا يجوز بيع الدَّيْن من الغريم) الذي هو عليه (بمثله) بأن كان له عليه دينار فباعه له بدينار (لأنه نفس حقه) الواجب له، فلا أثر للتعويض. (فلو قال) المسلَمُ إليه للمسلِم (في دَيْن السَّلَم: صالحني منه) أي: من أجله (على مثل الثمن) المعقود عليه (صَحَّ) ذلك (وكان إقالةً) بلفظ الصلح؛ لأنها تصح بكل ما أدَّى معناها. (وتصح الإقالة في المُسلَم فيه) حكاه ابن المنذر (٢) إجماع من يُحفظ عنه؛ ولأنها فسخٌّ للعقد وليست بيعًا. (و) تصح الإقالة أيضًا (في بعضه) أي: بعض المسلّم فيه؛ لأن الإقالة مندوب إليها، وكل مندوب إليه جاز في الجميع، جاز في البعض، كالإبراء والإنظار.

стр. 3450

(ولا يُشترط فيه) أي: في التقايل (قبض رأس مال السَّلَم) في مجلس الإقالة؛ لأنها ليست بيعًا (ولا) قبض (عوضه) أي: عوض رأس مال السَّلَم (إن تعذَّر) رأس مال السَّلَم بأن عدم (في مجلس الإقالة) متعلِّق بـ "قبض"، أي: لا يُشترط القبض في مجلسها؛ لأنها ليست بيعًا، كما تقدم. (ومتى انفسخ عقدُه) أي: عقد السَّلَم (بإقالة، أو غيرها) كعيب في الثمن (لزمه) أي: المسلَم إليه (ردُّ الثمن الموجود) لأنه عين مال المسلِم، عاد إليه بالفسخ (وإلا) أي: وإن لم يكن الثمن موجودًا، ردَّ (مثله) إن كان مِثْليًا (ثم قيمته) إن كان متقوّمًا؛ لأن ما تعذَّر ردُّه رجع بعوضه. (وإن أخذ بدله) أي: بدل رأس مال السَّلَم بعد الفسخ (ثمنًا وهو ثمنٌ، فَصَرْفٌ يُشترط فيه التقابض) قبل التفرُّق. (وإن كان) رأس مال السَّلَم (عَرْضًا فأخذ) المسلِم (عنه عَوْضًا، أو ثمنًا) بعد الفسخ (فبيع، يجوز فيه التفرق قبل القبض) لكن إن عوَّضه مكيلًا عن مكيل، أو موزونًا عن موزون، اعتبُر القبض قبل التفرُّق، كالصرف. (وإن كان لرجل سَلَم، وعليه سَلَم من جنسه، فقال) الرجل (لغريمه: اقبض سَلَمي لنفسك، ففعل، لم يصح قبضه لنفسه، إذ هو حَوالة بسَلَم) وتقدَّم (١) أنها لا تصح به. (ولا) يصح -أيضًا- قبضه (للآمِرِ؛ لأنه) أي: "الآمر (لم يجعله) أي: القابض (وكيلًا) عنه في القبض (والمقبوض باقٍ على مِلك الدافع) لعدم القبض الصحيح.

стр. 3451

(وإن قال) الرجل: (اقبضه) أيْ السَّلَم (لي، ثم اقبضه لنفسك) وفعل (صَحَّ) القبض لكل منهما؛ لأنه استنابه في قبضه له، فإذا قبضه لموكله، جاز أن يقبضه لنفسه، كما لو كان له وديعة عند مَن له عليه دين وأذنه في قبضها عن دينه (فيصح قَبْض وكيل من نفسه لنفسه نصًّا (١) إلا ما كان من غير جنس ماله) أي: دينه، فلا يصح قبضه من نفسه لنفسه؛ لأنها معاوضة لم يأذن له فيها. (و) يصح (عكسه) أي: عكس قبض الوكيل من نفسه لنفسه (وهو) أي: عكس قَبْض الوكيل من نفسه لنفسه (استنابة من عليه الحق للمستحِقِّ) في أخذ حقه، بأن يوكل المدينُ ربَّ الدَّيْن في قبضه له (وتقدم) ذلك (آخر) باب (خيار البيع (٢). ولو قال الأول) وهو من له سَلَم وعليه سَلَم (للثاني) الذي له وعليه السَّلَم: (احْضُر اكتيالي منه) أي: ممن لي عليه السَّلَم (لأُقَبِّضَه لك، ففعله) أي: حضر اكتياله منه، وسلَّمه له بغير كيل (لم يصح قبضه للثاني) لعدم كيله (ويكون الأول (قابضًا لنفسه) لاكتياله إياه. (وإن قال) الأول للثاني: (أنا أقبِضُه لنفسي، وخُذْه بالكيل الذي تشاهده، صَحَّ) ذلك (وكان) ذلك (قبضًا لنفسه، ولم يكن قبضًا للغريم المَقول له ذلك) لعدم كيله إياه، أشبه ما لو قبضه جزافًا، وتقدم (٣) في البيع أنه يصح قبض المبيع جزافًا إن علماه. فإما أن يكون كل من القولين على رواية؛ لأن المسألة ذات روايتين، وإما أن يقال: ما هنا خاص

стр. 3452

بالسَّلَم؛ لأنه أضيق، والأول مقتضى كلامه في "تصحيح الفروع" فإنه جعل ما هنا فردًا من أفراد المسألة السابقة، وقال: ظاهر كلام كثير من الأصحاب أنه لا يكفي ذلك، أي: قَبض المكيل جزافًا، ولابُدَّ من كيل ثانٍ، فيحمل ما تقدم على غير المكيل. (ومعنى القول بأنه ليس بقبض) للغريم: (أنه لا يُباح له التصرُّف فيه بدون كيل ثانٍ، لا بمعنى أنه لا تَبْرَأ ذمة الدافع) منه. (وإن اكتاله) الأول (ثم تركه في المكيال، وسَلَّمه إلى غريمه، فقبضه، صَحَّ القبض لهما) لأن الأول قد اكتاله حقيقة، والثاني حصل له استمرار الكيل، واستدامته كابتدائه، مع أنه لا تحصل زيادة علم بابتدائه، فلا معنى له. (وإن دفع زيدٌ لعمرٍو دراهم) وعلى زيد طعام لعمرو (فقال) زيد لعمرو: (اشترِ لك بها مثلَ الطعام الذي عليَّ، ففعل؛ لم يصحَّ) الشراء. قال في "الفروع": لأنه فضولي. لأنه اشترى لنفسه بمال غيره. (وإن قال) زيد لعمرو: (اشْترِ لي بها) أي: بالدراهم (طعامًا، ثم اقبضه لنفسك، ففعل، صح الشراء) لأنه وكيل عنه فيه (ولم يصح القبض لنفسه) لأن قبضه لنفسه فرع عن قبض موكله، ولم يوجد. (وإن قال) زيد لعمرو: اشْترِ لي بالدراهم مثل الطعام الذي عليَّ و (اقبضْه لي، ثم اقبضْه لنفسك. ففعل) بأن اشترى بها طعامًا له، ثم قبضه له؛ ثم قبضه لنفسه (صَحَّ) ذلك كله؛ لأنه وكيله (١) في الشراء والقبض، ثم الاستيفاء من نفسه لنفسه، وذلك صحيح كما تقدم. (و لو دفع إليه كيسًا وقال: استوفِ منه قَدْر حَقِّك، ففعل، صَحَّ)

стр. 3453

كما تقدم؛ لأنه من استنابة من عليه الحق للمستحق، والزائد أمانة. (ولو أذن لغريمه في الصدقة عنه بدينه الذي له عليه، أو في صَرْفه، أو) في (المضاربة به) ونحوه (أو قال: اعزِلْه، وضاربْ به) ففعل (لم يصح) ذلك (ولم يبرأ) الغريم من الدَّين بذلك؛ لأن ربَّ الدَّين لا يملكه حتى يقبضه. (ولو قال) ربُّ الدَّين (له) أي: لغريمه: (تصدَّق عنِّي بكذا) ولم يقل: من ديني (أو) قال: (اعطِ فلانًا كذا، ولم يقل: من ديني، صَحَّ) ذلك (وكان اقتراضًا) لا تصرُّفًا في الدَّين قبل قبضه (كما لو قاله لغير غريمه) فإنه يكون اقتراضًا (ويسقط من الدَّين) الذي للقائل على الغريم (بمقداره) أي: مقدار ما قال له تصدَّق به، أو أعطِه فلانًا عني (للمُقاصَّة) الآتية، وكذا لو قال: اشترِ لي كذا بكذا، ولم يقل: من ديني. (ومن ثبت له على غريمه مِثْلُ ما لَه عليه) من الدَّين (قَدْرًا وصفة، وحالًّا، أو مؤجَّلًا أجلًا واحدًا، لا حالًّا ومؤجلًا، تساقطا) إن اتفق الدَّيْنان قَدْرًا (أو بقدْر الأقل) إن كان أحد الدَّينين أكثر من الآخر (ولو بغير رضاهما) لأنه لا فائدة في اقتضاء الدين من أحدهما، ودفعه إليه بعد ذلك؛ لِشَبهه بالعبث. (إلا إذا كانا) أي: الدَّيْنان (أو) كان (أحدُهما دَيْنَ سَلَم) فلا مقاصَّة (ولو تراضيا) لأنه تصرُّف في دين السَّلَم قبل قبضه، وهو غير صحيح. وكذا لو تعلَّق بأحد الدينين حق، كما لو باع الراهن الرهن لتوفية دين المُرتَهِن ممن له عليه حق، مثل الثمن الذي باعه به، فلا مقاصَّة؛ لتعلُّق حق المُرتَهِن به، وكما لو بيع بعض مال المفلس على بعض غرمائه بثمن في الذِّمة من جنس ماله على المفلس، فلا مقاصَّة؛ لتعلُّق حق باقي الغرماء بذلك.

стр. 3454

(و من عليها دين من جنسِ واجبِ نفقتها، لم يُحتسب به) عليها من نفقتها (مع عُسْرتها) لأن قضاء الدَّين بما فضل عن النفقة ونحوها (ويأتي) ذلك (في النفقات) موضحًا. (ومتى نوى مديون بأدائه) إلى غريمه (وفاء دينه، برئ) منه (وإلا) ينوِ قضاءه (فمتبرعٌ) هكذا ذكروه هنا. وفي كتب الأصول (١): من الواجب ما لا يفتقر إلى نية، كأداء الدَّين، وردِّ الوديعة ونحوهما. ويمكن حمل ما هنا على ما إذا نوى التبرُّع، لا على ما إذا غفل؛ جمعًا بين الكلامين، كما أوضحتُه في "الحاشية". (وإن وفَّاه) أي: الدَّين (حاكمٌ قهرًا) على مدين لامتناعه (كَفَتْ نيتُه) أي: الحاكم (إن قضاه من) مال (مديون) وكذا لو قضاه غير الحاكم عن المديون من مال نفسه. (و يجب أداء ديون الآدميين على الفور عند المطالبة) لحديث: "مَطْلُ الغنيِّ ظُلْمٌ" (٢). (ولا يجب) أداء ديون الآدميين (بدونها) أي: بدون المطالبة (على الفور) بل يجب موسعًا. (قال ابن رجب (٣): إذا لم يكن) المدين (عيَّن له) أي: لربِّ الدين

стр. 3455

(وقت الوفاء) فيقوم تعيينه مقام المطالبة عنده (ويأتي) ذلك (أول الحَجْرِ) بأتم من هذا. (وإذا كان عليه دينٌ لم يعلم به صاحبه، وَجَبَ عليه) أي: المدين (إعلامه) أي: ربّ الدين بدينه؛ لئلا يكون خائنًا له. (ولا يقبض) ربُّ السَّلَم (المُسلَمَ فيه إلا بما قُدِّر به من كيلٍ وغيره) كوزن، وذرع، وعدٍّ. (فإن قبضه) أي: المُسلَم فيه (جزافًا) اعتبره بما قدر به أولًا؛ لأنه ﷺ : "نهى عن بيع الطعامِ حتى يجري فيه الصَّاعان" (١).

стр. 3456

(ومثله) أي: مثل قبضه جزافًا في عدم الصحة (لو قبض المكيل وزنًا، أو) قبض (الموزون كيلًا) فلا يصح القبض؛ لما تقدم (١) من أن قبض ما يُكال بالكيل، وما يُوزن بالوزن. (أو اكتال) من عليه الحق (له) أي: للمستحق (في غيبته، ثم قال) له بعد حضوره: (خُذْ هذا قَدْرَ حقِّك، فقبضه بذلك) الكيل السابق، لم يكن قبضًا؛ لعدم مشاهدته كيله، و (اعتبره) قبل التصرُّف فيه (بما قُدِّر) أي: كيل (به أولًا). وكذا حكم موزون ومذروع ومعدود. (ولا يتصرَّف في حقه) إذا قبضه بغير معياره الشرعي (قبل اعتباره) لفساد القبض، ويبرأ الدافع من ضمانه إذا تلف (ثم يأخذ) المستحق (قَدْرَ حَقِّه منه) أي: من المقبوض جزافًا ونحوه. (فإن زاد، فالزائد في يده أمانة) لا مضمون؛ لأنه قبضه بإذن ربه (يجب ردُّه) لربه. (وإن كان ناقصًا طالب بالنقص) وأخذه (والقول قوله) أي: القابض

стр. 3457

(في قَدْره) أي: النقص (مع يمينه) لأنه منكر لقبض الزائد، والأصل عدمه. (ويسلم) المسلم (إليه) أي: إلى ربِّ السلم (ملءَ المكيال، وما يحمله) لأنه المتعارف (ولا يكون) المكيال (ممسوحًا، ما لم تكن عادة) فيعمل بها؛ لأن المطلق في الشرع يُحمل على العُرف (ولا يَدُقُّ) المكيال (ولا يَهزُّ) هـ فتكره زلزلة الكيل كما تقدم؛ (١) لأنه قد يؤدي إلى أن يأخذ فوق حقه، ولأنه غير متعارف. (وإن قبضه) أي: المسلَم فيه (كيلًا) إن مكيلًا (أو وزنًا) إن كان موزونًا (ثم ادَّعى غلطًا ونحوه، لم يُقبل قوله) لأن الأصل عدم الغلط (وكذا حكم ما قبضه من مبيع، أو دينٍ آخر) غير السَّلَم إن قبضه جزافًا، قُبِل قوله في قَدْره، وإن قبضه بكيل أو وزن لم تُقبل دعواه الغلط، وتقدم (٢). و من قبض دينه، ثم بان لا دين له، ضمن ما قبضه، ولو أقرَّ بأخذ مال غيره، لم يبادر إلى إيجاب ضمانه حتى يفسر أنه عدوان. (ولا يصح أَخْذُ رهن ولا كفيل -وهو الضَّمين- بمُسلَمٍ فيه) رُويت كراهته عن علي (٣) وابن عباس (٤) وابن عمر (٥) إذ وضع الرهن للاستيفاء من ثمنه عند تعذُّر الاستيفاء من الغريم، ولا يمكن استيفاء المسلَم فيه من ثمن الرهن، ولا من ذمة الضامن، حذرًا من أن يصرفه إلى غيره، قال في "المبدع": وفيه نظر؛ لأن الضمير في "لا يصرفه" راجع إلى المسلَم فيه، ولكن يشترى ذلك من ثمن الرهن ويُسلمه، ويشتريه الضامن ويُسلمه،

стр. 3458

لئلا يصرفه إلى غيره، ولهذا اختار الموفق وجمعٌ الصحةَ. (ولا) يصح أخْذُ الرهن والضَّمين أيضًا (بثمنه) أي: رأس مال السلم بعد فسخه؛ لما تقدم، وفيه ما سبق.

стр. 3459

باب القرض بفتح القاف، وحُكي كسرها. (وهو) في اللغة: القطع، مصدر قرض الشيءَ يقرِضه بكسر الراء: قطعه. ومنه المِقْراض، والقرض: اسم مصدر بمعنى الاقتراض (١). وشرعًا: (دفع مالٍ إرفاقًا لمن ينتفع به، ويردُّ بدله) وهو نوع من المعاملات على غير قياسها لمصلحةٍ لاحظها الشارع، رفقًا بالمحاويج. والأصل فيه: الإجماع (٢)؛ لفعل النبي ﷺ (٣). (و) هو (نوع من السَّلَف لارتفاقه) أي: ارتفاق (٤) المقترض (به) أي: بما اقترضه. (ويصح) القرض (بلفظ: قرض، و) لفظ (سَلَف) لورود الشرع بهما (وبكل لفظ يؤدِّي معناهما) أي: معنى القرض والسَّلَف (كقوله:

стр. 3460

ملكتُكَ هذا على أن تردَّ لي بدله) أو خُذْ هذا انتفعْ به، ورُدَّ لي بدله، ونحوه. (أو توجدُ قرينة دالة على إرادته) أي: القرض؛ كأن سأله قرضًا. (فإن) قال: ملكتُكَ و (لم يذكر البدل، ولم توجد قرينة) تدلُّ عليه (فهو هبة) لأنه صريح في الهِبة. (فإن اختلفا) فقال المعطي: هو قرض؛ وقال الآخذ: هو هبة (فالقول قول الآخذ) إنه هبة؛ لأن الظاهر معه. (وهو) أي: القرض (عقدٌ لازم في حق المُقرِض) بالقبض؛ لكونه أزال ملكه عنه بعِوض من غير خيار؛ فأشبه البيع (جائز في حقِّ المقترض) في الجملة؛ لأن الحقَّ له فيه. (ولا يثبت فيه) أي: القرض (خيار) لأنه ليس بيعًا، ولا في معناه (وهو من المرافق) جمع مرفق -بفتح الميم وكسرها مع كسر الفاء وفتحها- وهو ما ارتفقت به وانتفعت (المندوب إليها في حق المُقرِض) لقول النبي ﷺ : "من كشفَ عن مؤمن كُربةً من كُربِ الدنيا، فرَّج الله عنه كُربة من كُربِ يوم القيامِة" (١). قال أبو الدرداء: "لأن أُقرضَ دينارينِ، ثمَّ يردان، ثم أقرضُهما، أحبُّ إلي من أن أتصدَّق بهما" (٢).

стр. 3461

و (لما فيه من الأجر العظيم) ومنه: ما في حديث أنس: أن النبي ﷺ قال: "رأيتُ ليلةَ أسريَ بي على بابِ الجنةِ مكتوبًا: الصدقة بعشرةِ أمثالها، والقرضُ بثمانيةَ عشرَ، فقلتُ: يا جبريلُ، ما بالُ القرضِ أفضلُ من الصدقةِ؟ قال: لأنَّ السائلَ يسألُ وعندهُ، والمقترضُ لا يستقرضُ إلا من حاجةٍ" رواه ابن ماجه (١).

стр. 3462

والقرض (مباحٌ للمُقترِض) وليس مكروهًا؛ لفعل النبي ﷺ ، ولو كان مكروهًا كان أبعد الناس منه. (ولا إثم على من سُئِلَ فلم يُقرِض) لأنه ليس بواجب، بل مندوب، كما تقدم (وليس هو) أي: سؤال القرض (من المسألة المذمومة) لما تقدم من فعل النبي ﷺ ، ولأنه إنما يأخذه بعوضِه، فأشبه الشراء بدين في ذمته. (وينبغي) للمقترِض (أن يُعلِم المُقرِضَ بحاله، ولا يَغُرَّه من نفسه، ولا يستقرض إلا ما يَقدِرُ أن يؤدِّيه، إلا الشيء اليسير الذي لا يتعذَّر مثله) عادة؛ لئلا يضرَّ بالمقرِض. (وكره) الإمام (أحمد (١) الشراءَ بدينٍ ولا وفاء) للدين (عنده، إلا اليسير) لعدم تعذره عادة. (وكذا الفقيرُ يتزوَّجُ) المرأةَ (الموسرةَ، ينبغي أن يُعلِمَها بحاله) أي: فقره (لئلا يَغرَّها. ويُشترط معرفة قَدْره) أي: القرض (بمقدَّرٍ معروف) من مكيال، أو صنجة، أو ذراع، كسائر عقود المعاوضات. (فلو اقترض دراهم، أو دنانير غير معروفة الوزن، لم يصحَّ) القرض للجهالة بمقدارها فيتعذَّر رَدُّ مثلها. (وإن كانت) الدراهم أو الدنانير (عددية يُتعامل بها عددًا) لا وزنًا (جاز قرضُها عددًا، ويَردُّ بدَلَها عددًا) عملًا بالعُرف. (ولو اقترض مكيلًا) جزافًا (أو موزونًا جزافًا، أو قدَّره) أي:

стр. 3463

المكيل (بمكيال بعينه، أو) قدَّر الموزون بـ (ـصنجة بعينها، غير معروفين عند العامة، لم يصح) القرض؛ لأنه لا يأمن تلف ذلك، فيتعذَّر رَدّ المِثْل (كالسَّلَم) وإن كان لهما عُرف، صحَّ القرض، لا التعيين. (ويُشترط وصفه) أي: معرفة وصفه ليردَّ بدله. (و) يُشترط (أن يكون المقرِض ممن يصح تبرُّعه) لأنه عقد إرفاق، فلم يصح إلا ممن يصح تبرُّعه كالصدقة. (ومن شأنه) أي: القرض (أن يُصادف ذِمة) قال ابن عقيل: الدَّيْن لا يثبت إلا في الذِّمم، ومتى أُطلقت الأعواض تعلَّقت بها، ولو عُينت الديون من أعيان الأموال لم يصح (فلا يصح قرض جهةٍ، كمسجد ونحوه) كمدرسة ورباط (وقال في "الفروع"، في باب الوقف: وللناظر الاستدانة عليه بلا إذن حاكم لمصلحة، كشرائه له) أى: للوقف (نسيئة، أو بنقد لم يعيّنه). وفي باب اللقيط: يجوز الاقتراض على بيت المال لنفقة اللقيط. وكذا قال في "الموجز": يصح قرض حيوان وثوب لبيت المال، ولآحاد المسلمين، نقله في "الفروع". قلت: والظاهر أنَّ الدَّين في هذه المسائل يتعلَّق بذمة المقترِض، وبهذه الجهات، كتعلُّق أَرْش الجناية برقبة العبد الجاني، فلا يلزم المقترِض الوفاء من ماله، بل من ريع الوقف وما يحدث لبيت المال، أو يقال: لا يتعلَّق بذمته رأسًا، وما هنا بمعنى الغالب، فلا تَرِد المسائل المذكورة؛ لندرتها. (ويصح) القرض (في كلِّ عين يجوز بيعها) من مكيلٍ، وموزون ومذروع، ومعدود وغيره (إلا الرقيق فقط) فلا يصح قَرْضه، ذكرًا كان أو أنثى؛ لأنه لم ينقل، ولا هو من المرافق؛ ولأنه يُفضي إلى أن يقترض

стр. 3464

جاريةً يطؤها ثم يردُّها. (ولا يصح قَرْض المنافع) لأنه غير معهود (وجوَّزه الشيخ (١)، مثل أن يَحصُد معه) إنسان (يومًا، ويَحصُد الآخر معه يومًا) بدله (أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر) دارًا (بدلها) كالعارية بشرط العِوض. (ويتم) عقد القرض (بقَبول) كسائر العقود. (ويُملك) القرض بقبضه (ويلزم بقبضه) لأنه عقد يقف التصرُّف فيه على القبض، فوقف الملك عليه كالهِبة، قال في "المبدع" و"شرح المنتهى": وفيه نظر؛ لأن الهبة تُملك بالعقد، كما يأتي (مكيلًا كان) القرض (أو موزونًا، أو معدودًا، أو مذروعًا، أو غير ذلك. وله) أي: للمقترض (الشراء به) أي: بالقرض (من مقرِضه) نقله مُهنَّا (٢)؛ لأنه ملكه، فكان له التصرُّف فيه بما شاء. (ولا يملك المقرِض استرجاعه) أي: القرض؛ للزومه من جهته بالقبض (ما لم يفلس القابض، وبُحْجَر عليه) للفَلَس قبل أخذ شيء من بدله، فله الرجوع به، كما يأتي في الحَجْر. (وله) أي: للمقرِض (طلبُ بدلِهِ) أي: القرض (في الحال) مطلقًا؛ لأن القرض يثبت في الذمة حالاًّ، فكان له طلبه كسائر الديون الحالة، ولأنه سبب يوجب رَدَّ المِثْل أو القيمة، فكان حالاًّ كالإتلاف. (ولا يلزم المقترِض رَدُّ عينه) أي: عين ما اقترضه؛ لأنه ملكه ملكًا تامًّا بالقبض. (فإن ردها) أي: عين ما اقترضه (عليه) أى: على المقرِض (لزمه قَبوله) أي: المردود (إن كان مثليًّا) لأنه ردّه على صفة حقه، فلزمه

стр. 3465

قَبوله كالسَّلَم (وهو) أي: المثلي (المكيل والموزون) الذي لا صناعة فيه مباحة يصح السَّلَم فيه. ويأتي في الغصب بأوضح من هذا (وإلا) أي: وإن لم يكن القرض مِثْليًّا، وردّه المقترض بعينه (فلا) يلزم المقرض قَبوله؛ لأن الذي وجب له بالقرض قيمته، فلا يلزمه الاعتياض عنها. وإذا كان القرض مِثْليًّا، وردّه المقترِض بعينه، لزم المقرِض أخذه (ولو تغيَّر سعرُه) ولو بنقصٍ (ما لم يتعيَّب) كحنطة ابتلَّت، أو عَفِنت، فلا يلزمه قَبولها؛ لأن عليه فيه ضررًا؛ لأنه دون حقه (أو يكن) القرض (فلوسًا، أو) يكن دراهم (مُكَسَّرة فيُحَرِّمها) أي: يمنع الناس من المعاملة بها (السلطان) أو نائبه، سواء اتفق الناس على ترك المعاملة بها أو لا؛ لأنه كالعيب، فلا يلزمه قَبولها (فله) أي: للمقرِض (القيمة) عن الفلوس والمكسَّرة في هذه الحالة (وقت قرض) سواء كانت باقية، أو استهلكها، وسواء نقصت قيمتها قليلًا أو كثيرًا، والمغشوشة إذا حرَّمها السلطان كذلك. وعُلم منه: أن الفلوس إن لم يُحرِّمها وجب ردُّ مثلها، غَلَت أو رخصت، أو كسدت. وتكون قيمة ذلك (من غير جنسه إن جرى فيه ربا فضل، كما لو أقرضه دراهم مُكَسَّرة، فحرَّمها السلطان، أُعطي قيمتها ذهبًا) حذرًا من ربا الفضل (وعكسه بعكسه) فلو أقرضه دنانير مكسورة فَحرَّمها السلطان، أعطى قيمتها فضة. (وكذا) في الحكم المذكور (لو كانت) الفلوس أو المكسَّرة التي حرَّمها السلطان (ثمنًا معينًا) في عقد بيع (لم يقبضه) البائع (في) وقت

стр. 3466

عقد على (مبيع) حتى حَرَّمها السلطان (أو ردَّ) المشتري (مبيعًا) لعيب، أو خيار مجلس، او شرط، أو تدليس، أو غبن (ورام أخذ ثمنه) وكان فلوسًا أو مكسَّرة، فحرَّمها السلطان، فله قيمتها يوم عقد من غير جنسه إن جرى بينهما ربا فضل. وكذا سائر الديون، كعِوض خلع وعتق ومتلَف من غصب ونحوه، وأجرة ونحوها، كما أشار اليه الشيخ تقي الدين (١) قال: وإذا كان المُقرَض ببلد المطالبة تحرم المعاملة به في سيرة السلطان، فالواجب على أصلنا القيمة، إذ لا فرق بين الكساد لاختلاف الزمان أو المكان، إذ الضابط أن الدَّيْن الذي في الذمة كان ثمنًا فصار غير ثمن. (ويجب) على المقترِض (رَدُّ مِثْلٍ في) قرض (مكيل وموزون) يصح السَّلَم فيه لا صناعة فيه مباحة. قال في "المبدع": إجماعًا (٢)؛ لأنه يضمن في الغصب والإتلاف بمثله، فكذا هنا، مع أن المِثْل أقرب شبهًا بالقرض من القيمة (سواء زادت قيمته) أي: المِثْل (عن وقت القرض أو نقصت) قيمته عن ذلك. (فإن أعوز المِثْل) قال في "الحاشية": عَوِزَ الشيء عَوَزًا من باب تعب: عزَّ فلم يوجد، وأعوزني المطلوب؛ مثل أعجزني، لفظًا ومعنىّ (لزم) المقترضَ (قيمتُه) أي: المِثْل (يوم إعوازه) لأنها حينئذ ثبتت في الذمة. (و) يجب على المقترِض رَدُّ (قيمة ما سوى ذلك) أى: المكيل والموزون؛ لأنه لا مِثْل له، فضمن بقيمته كالغصب.

стр. 3467

قال في "الاختيارات" (١): ويتوجَّه في المتقوَّم أن يجوز رَدّ المِثلْ بتراضيهما. انتهى. وهو ظاهر؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما. وتُعتبر قيمة ما لا يصح السَّلَم فيه (من جواهر وغيرها) مما لا ينضبط بالصفة (يوم قبضه) لأنها تختلف قيمتها في الزمن اليسير باعتبار قلة الراغب وكثرته، فتنقص، فينضر المقترِض، وتزيد زيادة كثيرة، فينضر المُقرِض. وقيمة ما سوى ذلك يوم القرض، كما في "التنقيح" و"الإنصاف"؛ وقال: جزم به في "المغني"، و"الشرح"، و"الكافي"، و"الفروع" وغيرهم. (ولو اقترض خبزًا) عددًا (أو) اقترض (خميرًا عددًا، أو ردَّ) خبزًا أو خميرًا، (عددًا بلا قصد زيادة، ولا) قَصْد (جودة، ولا شرطهما، جاز) ذلك؛ لحديث عائشة قالت: "قلت: يا رسول الله، الجيرانُ يستقرضُونَ الخبزَ والخميرَ، ويردونَ زيادةً ونقصانًا، ققال: لا بأسَ، إنما ذلك من مرافقِ الناس، لا يرادُ به الفضلُ" ذكره أبو بكر في "الشافي" (٢) بإسناده.

стр. 3468

ولأنه مما تدعو الحاجة إليه، فإن قَصَد الزيادة أو الجودة أو شرطهما، حَرُم؛ لأنه يجر نفعًا. (ولو اقترض تفاريق لزمه) أي: المقترض (أن يَردَّ جملة) بطلب ربها؛ لأن الجميع حالٌّ. (ويصح قرض الماء كيلًا) كغيره من المكيلات؛ لأن كل مائع مكيل كما تقدم (وكذا) يجوز (قرضه) أي: الماء (لسقي الأرض إذا قُدِّر) الماء (بأُنْبُوبة ونحوها) مما يتخذ من فخار، أو رصاص ونحوه على هيئتها. (وسئل) الإمام (أحمد عن عين) ماء (بين قوم لهم نوبات في أيام، يقترض) أحدهم (الماء من نوبة صاحب) يوم (الخميس ليسقي به ويرد عليه) نوبته في (يوم السبت؟ فقال) الإمام (١): (إذا كان) الماء (محدودًا يُعرف كم يخرج منه، فلا بأس) لتمكنه من رَدِّ المِثْل (وإلا) بأن لم يكن محدودًا يعرف كم يخرج منه (أكرهه) لأنه لا يمكنه رد مثله، ولعله لا يحرم؛ لأن الماء العِدَّ لا يُملك بملك الأرض، بل ربُّها أحق به، كما سبق. (ويثبت العِوض) عن القرض (في الذمة) أي: ذِمة المقترض (حالًّا

стр. 3469

وإن أجَّله) لأنه عقد منع فيه من التفاضل؛ فمنع الأجل فيه كالصَّرْف، إذ الحالُّ لا يتأجل بالتأجيل؛ وهو عدة وتبرع لا يلزم الوفاء به. قال أحمد (١): القرض حال، وينبغي أن يفي بوعده. (ويحرم الإلزام بتأجيله) أي: القرض، لأنه إلزام بما لا يلزم، وهذا معنى قوله في "الفروع" وغيره: يحرم تأجيله. (وكذا كل دَين حال، أو) كان مؤجَّلًا (حَلَّ أجلُه) لا يصح تأجيله، ويحرم الإلزام به. (ولا يلزم) المقرِض (الوفاء به) أي: بالتأجيل (لأنه وعد، لكن ينبغي له) أي: المقرِض (أن يفى بوعده) نصًّا (٢). (واختار الشيخ (٣) صحة تأجيله ولزومه إلى أجله سواء كان) الدَّين (قرضًا أو غيره) كثمن مبيع وقيمة مُتلَف ونحوه؛ لعموم حديث: "المؤمنون عندَ شروطِهم" (٤). (ويجوز شرط الرهن، و) شرط (الضَّمين فيه) أي: في القرض؛ "لأنه ﷺ استقرضَ من يهوديٍّ شعيرًا ورهنهُ درعَهُ" متفق عليه (٥). وما جاز فعله جاز شرطه؛ ولأنه يراد للتوثُّق بالحق، وليس ذلك

стр. 3470

بزيادة. والضَّمين كالرهن، فلو عيَّنهما وجاء بغيرهما، لم يلزم المقرِض قَبوله -وإن كان ما أتى به خيرًا من المشروط- وحينئذ يُخيَّر بين فسخ العقد وبين إمضائه، بلا رهن ولا كفيل. (وإن شرط) المقترِض (الوفاء أنقصَ مما اقترض) لم يجز؛ لإفضائه إلي فوات المماثلة (أو شَرَط أحدُهما على الآخر أن يبيعه أو يؤجره أو يُقرضه، لم يجز) ذلك؛ لأنه كبيعتين في بيعة المنهي عنه (كشرط) المقرض (زيادة وهدية، وشرط ما يجر نفعًا، نحو أن يُسكنه المقترض داره مجانًا، أو رخيصًا، أو يقضيه خيرًا منه) فلا يجوز؛ لأن القرض عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه. ولا فرق بين الزيادة في القَدْر أو الصفة، مثل أن يُقرضه مكسَّرة فيعطيه صحاحًا ونحوه. (أو) شرط أن يعطيه بدل القرض (في بلد آخر) لم يجز؛ لأن فيه نفعًا في الجملة. وفي "المغني" و"الشرح": إن لم يكن لحمله مؤنة جاز، وإلا، حرم. (أو) شَرَط المقرِضُ على المقترض أن (يبيعه شيئًا يرخصه عليه) لم يجز؛ لأنه يجر به نفعًا. (أو) شَرَط المقرِضُ على المقترض أن (يعمل له عملًا، أو) أن (ينتفع بالرهن أو) أن (يساقيه على نخلٍ، أو يزارعه على ضيعة، أو) أن (يسكنه المقرض عقارًا بزيادة على أجرته، أو) أن (يبيعه شيئًا بأكثر من قيمته، أو يستعمله في صنعة ويعطيه أنقص من أجرة مثله، ونحوه) من كل ما فيه جرُّ منفعة؛ فلا يجوز لما تقدم.
следующие страницы →