الجذاذ، وذلك حين تتناهى حلاوة ثمرها) ولا يلزمه قطعها في الحال، إذ التفريغ جار على العُرف.
(و) أوان الجذاذ (في غير النخل حين يتناهى إدراكه) أي: الثمر (سواء استحقَّها) البائع ونحوه (بشرطه) بأن باعها ونحوه قبل التشقق والظهور، واشترطها (أو) استحقَّها (بظهورها) بأن باع ونحوه بعد التشقق ونحوه، فتترك إلى أوان أخذها في الموضعين لما تقدم (ما لم تَجرِ عادة بأخذه) أي: ثمر النخل (بُسْرًا، أو كان بُسْرُه خيرًا من رُطَبه، فإنه يَجُذُّه حين تستحكم حلاوة بُسْرِه) للعادة. (وإن قيل: إنَّ بقاءه في شجره خير له، أُبقي) كما سلف. وفي نسخ: "وأبقي"، فـ"إنْ" وصلية. وقوله: وأبقي، أي: إلى أن يصير بُسرًا (إن لم يشترط) المبتاع ونحوه، (قطعه، ولم تتضرر الأصول ببقائه.
فإن شَرَط) المبتاع ونحوه (قَطْعه، أو تضرر الأصل) ببقائه (أُجبر) البائع ونحوه (على القطع) عملًا بالشرط في الأولى، وإزالة للضرر في الثانية (هذا) أي: كون الثمر للمعطي، محلُّه (إن لم يشترطه آخذُ الأصل) وهو المبتاع ونحوه، لما تقدم من (١) حديث ابن عمر (٢)، فإن اشترطه كان له، وماعدا البيع من المذكورات مقيس عليه.
(بخلاف وَقْفٍ، ووصية، فإن الثمرة تدخل فيهما) إذا أُبقيت إلى يوم الموت، وإن تشققت وظهرت (كفسخٍ لعيب، ومقابلة في بيع، ورجوع أبٍ في هبة) أي: لولده (قاله في "المغني" ومن تابعه؛ لأن الطلع المتشقق عنده) أي: عند صاحب "المغني" (زيادةٌ متصلة لا تتبع في
стр. 3397
الفُسوخ) الصواب: إسقاط "لا" كما هو صدر عبارته، وعبارة "المغني": فإن الزيادة المتصلة تابعة في الفسوخ (انتهى. لكن يأتي في الهبة: أن الزيادة المتصلة تمنع الرجوع، فيحمل ما هنا على ما إذا كان الطلع موجودًا حال الهبة ولم يزد.
وصرًح القاضي وابن عقيل -أيضًا- في التفليس والرد بالعيب: أنه) أي: الطلع المتشقق (زيادة منفصلة (١)، وذكره منصوص أحمد (٢)، فلا تدخل الثمرة في الفسخ، ورجوع الأب) في هبته لولده (وغير ذلك) من العقود (وهو المذهب على ما ذكروه في هذه المسائل) وجزم به المصنف فيما تقدم (٣) في خيار العيب.
(ولو اشترط أحدهما) أي: المعطي أو الآخذ (جزءًا من الثمرة) مُشاعًا (معلومًا) كنصف أو ربع (صحَّ) الاشتراط (فيه) أي: في الجزء المشروط (كاشتراط) من ليست الثمرة له (جميعها، فمن اشترطها) أي: الثمرة (منهما، فهي له) سواء كان ذلك (قبل أن تتشقق أو بعده) عملًا بالشرط؛ ولما تقدم في حديث ابن عمر (٤). وقياس الباقي عليه.
(وكذلك) أي: كالنخل إذا بيع بعد تشقق طلعه (الشجرُ إذا) بيع ونحوه، و (كان فيه ثمرٌ بادٍ) أي: ظاهر (عند العقد، كعِنب، وتين، وتوت، ورُمَّان، وجوز، وما ظهر من نَوره ولو لم يتناثر) نَوره (كمشمش، وتفاح، وسفرجَل، ولوز، وما خرج من أكمامه) جمع كِمٍّ، بكسر الكاف (كورد، وقطن) فالثمر لبائع ونحوه؛ قياسًا من الطلع المتشقق.
стр. 3398
(وما) بيع ونحوه (قبل ذلك) أي: قبل ظهور الثمرة كما ذكر (فهو للمشتري) كالطَّلع قبل تشققِه.
(فإن اختلفا) أي: المتعاقدان (هل بدا) الثمرُ، أو تشقق الطَّلعُ (قبل بيع) ونحوه (أو بعده، فقول بائع) ونحوه: أنه بعد العقد؛ لأنه ينكر خروجه عن ملكه، والأصل عدمه.
(والورق) بالشجر المبيع (للمشتري، سواء كان ورق توت يُقصد أخذه لتربية دود القزِّ، أو غيره (١)) لأنه داخل في مُسمَّى الشجر، ومن أجزائه، وخُلِق لمصلحته، فهو كسائر المبيع.
(وإن ظهر بعضُ الثمرة) المبيعة شجرها (أو تشقَّق طلع بعض نخل) بيع ونحوه (فـ) ـما ظهر وما تشقَّق (لبائع، وما لم يظهر) من ثمر (أو تشقق) من طلع (فـ) ـــــهو (لمشترٍ) ونحوه (سواءٌ كان من نوع ما تشقَّق، أو غيره) لعموم ما سبق (إلا في الشجرة الواحدة) إذا تشقَّق بعضُ طَلعِها، أو ظهر بعض ثمرها (فالكل) أي: جميع ثمرها (لبائع) ونحوه؛ إلحاقًا لما لم يتشقق، أو لم يظهر بما تشقق، أو ظهر منها (٢). (ونصُّ) الإمام (أحمد (٣)) مبتدأ، أي: نصه: أن ما أُبَر للبائع، وما لم يؤبر للمشتري (ومفهوم الحديث) يعني حديث ابن عمر السابق: "من باع نخلًا مؤبرًا؛ فثمرتها للبائع؛ إلا أن يشترطها المُبتاعُ" متفق عليه (٤) (عمومهما يخالفه) خبر؛ أي: يخالف ما ذكره الأصحاب من أن الكل للبائع، هذا معنى كلامه في "المغني".
стр. 3399
قلت: لا مخالفة؛ لأن قول الإمام: "ما أُبِّر" صادق بما إذا أبِّر جميع النخلة أو بعضها، وكذلك الحديث. فقوله: "نخلًا مُؤَبرًا" صادق بتأبير جميع ثمرة كل واحدة من النخل، وبتأبير بعض كل نخلة منه.
(ولبائعٍ) سقيُ ثمرته لمصلحة (ولمشترٍ سقيُ ما له إن كان فيه) أي: السقيُ (مصلحة لحاجة وغيرها، ولو تضرَّر الآخر) بالسقي (فلا يُمنعان) ولا أحدهما منه؛ لأنهما دخلا في العقد على ذلك.
وليس لأحدهما السقي لغير مصلحة؛ لأن سقيه يتضمن التصرُّف في ملك غيره، والأصل المنع، وإنما إباحته للمصلحة.
(وأيهما التمَسَ) أي: طَلَبَ (السقيَ، فمؤنتُه عليه) وحده (ولا يَلزمُ أحدَهما سقيُ ما للآخر) ولا مشاركته في سقيه؛ لأنه لم يملكه من قبله.
فصل
(ولا يصح بيعُ الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها) لحديث ابن عمر قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار قبل بدُوِّ صلاحِها، نهى البائعَ والمُبتاعَ" متفق عليه (١)، والنهي يقتضي الفساد.
(ولا) يصح بيع (الزرع قبل اشتداد حَبِّه) لحديث ابن عمر: أن النبي ﷺ "نهى عن بيع السُّنبل حتى يبيَضَّ ويأمنَ العاهةَ" رواه مسلم (٢).
وعن أنس مرفوعًا "أنه نهى عن بيع الحبِّ حتى يشتدَّ" رواه أحمد، والحاكم (٣) وقال: على شرط مسلم.
стр. 3400
(إلا) إذا باع الثمرة قبل بُدوِّ، صلاحها، والزرع قبل اشتداد حَبِّه (بشرط القَطْع في الحال) فيصح، قال في "المغني": بالإجماع؛ لأن المنع إنما كان خوفًا من تلف الثمرة، وحدوث العاهة عليها، بدليل ما روى أنس أن النبي ﷺ : "نهى عن بيع الثمار حتى تزهي. قال: أرأيت إذا منع الله الثمرةَ بم يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟ " رواه البخاري (١)، (إن كان) ما ذكر (منتفعًا به حينئذ) أي: حين القطع، فإن لم ينتفع بهما كثمرة الجوز، وزرع التُّرمُس (٢)، لم يصح؛ لعدم النفع بالمبيع (ولم يكن) ما بيع من الثمر قبل بُدُوِّ صلاحه مُشاعًا، والزرع قبل اشتداد حبه (مُشاعًا، بأن يشتري نصف الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها، أو) يشتري (نصف الزرع قبل اشتداد حَبّه مشاعًا، فلا يصح) الشراء بـ (ـشرط القطع؛ لأنه لا يمكنه قَطعه) أي: ما يملكه (إلا بقطع ما لا يملكه، وليس له ذلك) أي: قَطع ما لا يملكه (إلا أن يبيعه) أي: ما ذكر عن الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها، والزرع الأخضر (مع الأصل، بأن يبيع الثمرة مع الشجر) فيجوز (أو يبيع الزرع مع الأرض)، فيجوز. (أو يبيع الثمرة لمالك الأصل) أي: الشجرة، فيجوز (أو) يبيع (الزرع لمالك الأرض فيجوز) البيع، ويصح؛ لأنه إذا بيع مع أصل (٣) دخل تبعًا في البيع، فلم يضرّ احتمال الغرر فيه، كما احتُملت الجهالة في بيع اللبن في الضَّرْع مع الشاة، والنَّوى في التمر مع التمر،
стр. 3401
وفيما إذا بيع مفردًا لمالك الأصل قد حصل التسليم التام للمشتري؛ لكونه مالك الأصل والقرار.
(فإن شَرَط عليه) أي على المشتري للثمر مع أصله، أو للزرع مع أرضه، أو لهما منفردين وهو مالك الأصل (القطعَ في الحال؛ صحَّ) البيع (ولا يلزم المشتري الوفاء به) أي: بالشرط (لأن الأصل له) فإن شاء فرَّغه، وإن شاء أبقاه مشغولًا.
(وكذا حكم رَطْبةٍ وبُقُول فلا يُباع) شئ منها (مفردًا بعد بُدُوِّ صلاحه، إلا جزَّةً جزَّةً، بشرط جَزِّه) أي: قطعه (في الحال) لأن الظاهر منه معلوم لا جهالة فيه ولا غَرَر، بخلاف ما في الأرض، فإنه مستورٌ مُغيَّب، وما يحدث منه معدوم، فلم يجز بيعه، كالذي يحدث من الثمرة.
(وإن اشترى الثمرة)، قبل بُدُوِّ صلاحها (بشرطِ القَطْعِ) في الحال (ثم استأجر الأصول أو استعارها) أي: الأصول (لتبقيتها، أي: الثمرة (إلى) أوان (الجذاذ، لم يصح).
وكذا لو اشترى الزرع الأخضر بشرط القَطْع في الحال، ثم استأجر الأرض، أو استعارها لتبقيته، لم يصح. ويأتي أن البيع يبطل بأول الزيادة.
(ولا يُباع القِثَّاء ونحوه) كالخيار، والباذنجان (إلا لقَطَةً لَقَطَةً) لأن الزائد على اللَّقطة لم يُخلق فلم يجز بيعه، كما لو باعه قبل ظهوره (إلا أن يبيعه) أي: القثاء ونحوه (مع أصله) فيصح؛ لأنه إذن تبعٌ للأصل، أشبه الحَمل مع أمه وأُسَّ الحائط معه (ولو لم تُبَع معه أرضه) كالثمر إذا بيع في الشجر.
(وإن باعه) أي: ما ذكر من القثاء ونحوه (دون أصله فإن لم يَبدُ
стр. 3402
صلاحه، لم يصح) البيع (إلا بشرط قطعه في الحال، إن كان ينتفع به) كما تقدم في الثمرة، وإن لم ينتفع به إذن لم يصح بيعه، كسائر ما لا نفع فيه.
(ويصح بيع هذه الأصول التي تتكرَّرُ ثمرتها) كأصول القثاء والخيار والباذنجان (من غير شرط القطع) كبيع الشجر (صغارًا كانت الأصول أو كبارًا، مثمرة) كانت (أو غير مثمرة) بدا صلاح ثمرها أو لم يبدُ كالشجر؛ لأن العقد على الأصول، وأما الثمرة فهي تابعة، كالحَمْل مع أمه.
(والقطن) ضربان، أحدهما: ما له أصل يبقى في الأرض أعوامًا. والثاني: ما يتكرر زرعه كل عام، فـ (ـــــإن كان له أصل يبقى في الأرض أعوامًا كقطن الحجاز، فحُكمه حُكم الشجر، فيجوز إفراده بالبيع) كالشجر وأصول القثاء (وإن بيعت الأرض، دخل في البيع) كالشجر (وثمره كالطلع إن تفتَّح فلبائع، وإلا فلمشترٍ.
وإن كان يتكرر زرعه كل عام) كقُطن مصر والشام (فـ) ــحكمه حكم (زرع) بُرٍّ، ونحوه، لشبهه به.
(ومتى كان جوزه ضعيفًا رطبًا لم يقوَ) أي: يشتدَّ (ما فيه، لم يصح بيعه) كالزرع الأخضر (إلا بشرط القطع) فى الحال (كالزرع الأخضر) لما تقدم.
(وإن قوي حبُّه واشتدَّ، جاز بيعه) مطلقًا، و (بشرط التبقية، كالزرع إذا اشتدّ حبُّه) جاز بيعه مطلقًا، وبشرط التبقية.
(وكذا الباذنجان) فحُكمه حكم القطن على ما تقدم.
(والحصاد) لزرع اشتراه (واللقاطُ) للقطةٍ اشتراها (والجذاذ) للثمرة المشتراة (على المشتري) لأن ذلك من مؤنة (١) ما اشتراه؛ كنقل الطعام
стр. 3403
المبيع، بخلاف أجرة الكيَّال ونحوه، فإنها على البائع؛ لأنها من مؤنة تسليم المبيع إلى المشتري، وهو على البائع، وهنا حصل التسليم بالتخلية دون القطع؛ بدليل جواز التصرُّف فيه.
(فإن شَرَطه) أي: الحصاد، أو الجذاذ، أو اللقاط، المشتري (على البائع، صَحَّ) الشرط، كشرطه حمل الحطب، أو تكسيره.
(وإن باعه) أي: ما ذكر من الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها، والزرع الأخضر، والقثاء، ونحوها دون أصوله (مطلقًا، فلم يذكر قطعًا ولا تبقية، أو باعه بشرط التبقية، لم يصح) البيع، لما سبق من الأدلة على اشتراط بُدُوِّ الصلاح في الثمرة، واشتداد الحب في الزرع، وجز المبيع لقطة لقطة فيما تتكرر ثمرته.
(وإن اشترى) إنسان (قَصِيلًا (١) فقطعه، ثم نبت) في العام المقبل، فلصاحب الأرض؛ لأن المشتري ترك الأصول على سبيل الرفض لها، فسقط حقُّه، كما يسقط حق حاصد الزرع من السنابل التي يخلفها، ولذلك أُبيح التقاطها.
(أو سقط من الزرع حبٌّ) عند الحصاد (فنبت في العام المُقبل، -ويُسمَّى: الزُّريعَ) بالتصغير- (فلصاحب الأرض) ويأتي في المساقاة.
(وإن شَرَط القطع) أي: باع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها أو القثاء ونحوها، الظاهرة بشرط القطع في الحال (ثم أخّره) أي: القطع (حتى بدا صلاحُ الثَّمرة) أو اشتدَّ الحب (أو طالت الجزَّةُ) من الرطبة ونحوها، أو كبرت اللقطة من القثاء ونحوها (أو اشترى عَريَّة ليأكلها رُطبًا) بشروطها
стр. 3404
السابقة (فأخَّر) أخذَها (حتى أتمرت) أي: صارت تمرًا (أو) أخَّر (الزرع) الأخضر، إذا اشتراه بشرط القطع (حتى اشتدَّ) الزرع (بطل البيعُ) فيما ذُكر (بمجرَّد الزيادة) لأن صحة ذلك يجعل ذريعة إلى الحرام، ووسائل الحرام حرام، كبيع العِيْنة، وقد عاقب الله تعالى أهل السبت بصنيعهم.
(و) إذا بطل البيع فـ (ـالأصل) من الثمرة، والزرع، والجزَّة، واللقطة على البائع (والزيادة) الطارئة بعده (للبائع) كأن العقد لم يوجد.
(لكن يُعفى عن يسيرها) أي: يسير الزيادة (عُرفًا كـ) ـتركه القطع (اليوم واليومين) فلا يبطل البيع بذلك؛ لمشقَّة التحرُّز منه.
(وإن تلفت) الثمرة المبيعة دون أصولها، قبل بُدُوِّ صلاحها بشرط القطع (بجائحة قبل التَّمكُّن من أخذه) أي: الثمر، أنَّثَ أولًا، وذكر ثانيًا؛ لأن اسم الجنس يجوز تأنيث ضميره وتذكيره، كقوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (١)، ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٢) (ضَمِنه) أي: الثمر (بائعٌ) لحديث جابر: "أن النبي ﷺ أمر بوَضعِ الجوائح" رواه مسلم (٣).
(وإلا) أي: وإن تلفت بعد تمكُّن المشتري من أخذها فعلى (مُشترٍ) أي: فتفوت على المشتري لتقصيره بتركها.
(ولو باع شجرًا فيه) أي: الشجر (ثمرٌ له) أي: البائع، بأن كان نخلًا تشقق طلعه، أو شجرًا ظهرت ثمرته (ونحوه) بأن باع ما فيه زهر، أو قطن خرج من أكمامه، أو أصول قثاء ونحوها بعد ظهور ثمرتها (ولم يأخذه) أي: يأخذ البائع الثمر الذي له ونحوه (حتى حدثت ثمرة أخرى)
стр. 3405
واختلطت بها (فلم تتميَّز، فهما) أي: البائع والمشتري (شريكان) في الثمرة (بقَدْر ثمرة كلِّ واحد منهما) فيقسمانها (١) كذلك، كما لو اشترى حنطة فانهَالتْ عليها أخرى.
(فإن لم يعلم قَدْرها) أي: قَدْر الثمرة الحادثة (اصطلحا) أي: البائع والمشتري على الثمرة؛ لدعاء الحاجة لذلك، إذ لا طريق لمعرفة حق كل منهما (والبيع صحيح) فلا يبطل بالاختلاط، كما تقدم (٢) في اختلاط الحنطة المبيعة بغيرها.
(وإن أخَّر) المشتري (قَطعَ خشب) اشتراه (مع شرطه) أي: القطع (فنما) الخشب (وغلظ، فالبيع لازم) لا يبطل بذلك (ويشتركان في الزيادة) لأنها حصلت في ملكهما؛ فإن الخشب مِلك للمشتري، وأصله ملك البائع، وهما سبب الزيادة، فيقوَّم الخشب يوم العقد ويوم الأخذ، فالزيادة ما بين القيمتين، فيشتركان فيها.
فصل
(وإذا بدا صلاح الثمرة واشتدَّ الحبُّ، جاز بيعه مطلقًا) أي: بغير شرط قطع أو تبقية.
(و) جاز بيعه (بشرط التبقية) لأن النهي عن بيع الثمرة قيل بُدُوِّ صلاحها (٣)، وعن بيع الحب حتى يشتدَّ (٤)، يدلُّ بمفهومه على جواز البيع بعد بُدُوِّ الصلاح والاشتداد؛ لأنه ﷺ علَّل بخوف
стр. 3406
التلف (١)، وهذا المعنى مفقود هنا.
(وللمشتري تبقيته) أي: ما ذكر من الثمر والزرع (إلى الحصاد والجذاذ) لأن العُرف يقتضيه.
(ويلزم البائع سَقيُهُ) إن احتاج إليه؛ لأنه يجب عليه تسليمه كاملًا، ولا يحصُل إلا به، بخلاف ما إذا باع الأصل وعليه ثمرة للبائع، فإنه لا يلزم المشتري سقيها؛ لأن البائع لم يملكها من جهته، وإنما بقي ملكة عليها (ويُجبَرُ) البائع على السقي إذن (إن أبى) السقيَ (ولو تضرَّر الأصل) بالسقي؛ لأنه دخل على ذلك.
(ولمشتريه) أي: الثمر بعد بُدُوِّ صلاحه (تعجيل قطعه، وبيعه قبل جَذِّه) لأن ملكه عليه تام.
(وإن تلفت ثمرةٌ، ولو في غير النخل) كرُمَّان، وعنب (أو) تلف (بعضها) أي: الثمرة (ولو) كان التالف (أقل من الثلث) أي: من ثلث الثمرة (بجائحة سماوية، وهي ما لا صُنْعَ لآدمي فيها، كريح، ومطرٍ، وثلجٍ، وبردٍ) بفتح الراء، المطر المنعقد (وبَرْدٍ) بسكون الراء، ضد الحَرِّ (وجليد، وصاعقة، وحَرٍّ، وعطش ونحوها، وكذا جراد ونحوه) كجندب (ولو) كان التلف (بعد قبضها، وتسلُّمِها) بالتخلية؛ لأنها ليست بقبض تام، فوجب كونه من ضمان البائع، كما لو لم يقبض و (رجع) المشتري (على بائع) الثمرة التالفة بثمنها إن تلفت كلها (لكن يُسامَح في تلف يسير لا ينضبط) فلا يرجع بقسطه من الثمن (ويُوضع من الثمن بتلف البعض) من الثمرة المبيعة (بقَدْرِ التالف) منها.
والأصل في ذلك كله حديث جابر أن النبي ﷺ : "أمر بوَضع
стр. 3407
الجوائحِ" (١)، وعنه أن النبي ﷺ قال: "إن بِعْتَ من أخيك تمرًا فأصابته جائحةٌ، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيكَ بغير حَق؟ " رواهما مسلم (٢).
(وإن تعيَّبت) الثمرة (بها) أي: بالجائحة المذكورة (من غير تَلَفٍ، خُيِّر) المشتري (بين إمضاء) البيع (مع) أخذ (أرش) العيب (وبين ردٍّ وأخذ الثمن كاملًا) لأن ما ضمن تلفه بسبب في وقتٍ، كان ضمان تعيبه فيه بذلك أَولى.
(وإن اختلفا) أي: البائع والمشتري (في التلف) أي: بأن قال البائع: لم يتلف شيء، وقال المشتري: بل تلف (أو) اختلفا في (قَدْره) أي: التالف (فقول بائع) لأنه منكرٌ لما يدعيه المشتري، والأصل عدمه.
(ومحل) وضع (الجائحة) عن المشتري (ما لم يشترها مع أصلها) لحصول القبض التام، وانقطاع عِلَقِ البائع عنها، قاله في "شرح المنتهى". ومقتضاه: أنها لو بيعت وحدها لمالك الأصل، فالحكم كذلك، ولم أجده منقولًا (أو يؤخِّرها عن وقت أخذِها المعتاد، فإن كان ذلك) التأخير عن الوقت المعتاد (فـ) ـالثمرة التالفة (من ضمان مشترٍ) لتفريطه.
(وما له أصلٌ يتكرَّر حمله، كقِثاءٍ وخيار وباذنجان وشِبهها، كشجرٍ) فيما تقدم (وثمرُه كثمرة) شجر كبار (فيما تقدم من) وضع (جائحةٍ وغيرها) على التفصيل السابق.
(وإن أتلفه) أي: ما ذكر من الثمر (آدميٌّ معيَّنٌ، أو) أتلفه (عسكرٌ
стр. 3408
ولُصوص، خُيِّر مشترٍ بين فسخ) البيع، ويرجع بما دفعه (و) بين (إمضاءٍ ومطالبةِ مُتلِفٍ) بالبدل، كالمكيل اذا أتلفه آدمي قبل القبض.
(وإن تلف الجميع) أي: جميع المبيع من الثمرة (بالجائحة، بطل العقد) فلا تخيير للمشتري (ويرجع المشتري بجميع الثمن) على البائع إن كان دفعه له، وإلا سقط عنه، لما تقدم من حديث جابر (١).
(وفي "الأجوبة المصرية" (٢)) لشيخ الإسلام أبي العباس: (لو استأجر بستانًا أو أرضًا، وساقاه على الشجر بجزء من ألف جزء، إذا تلف الثمر بجراد ونحوه من الآفات السماوية، فإنه يجب وضع الجائحة عن المستأجر) صورة (المشتري) حقيقة (فَيَحطُّ عنه من العِوض بقَدْرِ ما تَلِفَ) من الثمرة (سواء كان العقد فاسدا أو صحيحًا) لعموم حديث جابر السابق (١)؛ ولأن فاسد العقود كصحيحها في الضمان وعدمه.
(وإن اشترى الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها بشرط القطع، فتلفت بجائحة) سماوية (بعد تمكنه من قطعها فـ) ـهي (من ضمانه) أي: المشتري؛ لتفريطه.
(وإن لم يتمكن) المشتري من قطعها حتى تلفت (فـ) ـهي (من ضمان بائع) لحديث جابر السابق (١)، وتقدم ذلك في الفصل السابق (٣).
وعُلم مما تقدم: أن الحَبَّ إذا اشتراه وتلف، أنه من ضمان المشتري، وليس كالثمرة.
(وإن استأجر) إنسان (أرضًا فزرعها، فتلف الزرع) ولو بجائحة
стр. 3409
سماوية (فلا شيء على المؤجر) فيما قبضه من الأجرة، وإن لم يكن قَبَضَها، فله الطلب بها؛ لأنها تستقر بمضي المدة، انتفع المستأجر أو لا.
(وصلاح بعض ثمرة شجرة) في بستان (صلاح لها) أي: للشجرة (و) صلاح (لسائر النوع الذي في البستان الواحد) لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق، كالشجرة الواحدة.
و (لا) يكون صلاح ثمرة شجرة، أو بعضها صلاحًا لسائر (الجنس) الذي بالبستان؛ لأن الأنواع تتباعد ويتميز بعضها عن بعض، ولا يخشى اختلاطها.
(ولو أفرز ما لم يبدُ صلاحه) من البستان (مما بدا صلاحه، وباعه) أي: ما لم يبدُ صلاحه (لم يصح) البيع لحديث النهي السابق (١) وإنما صح بيعه مع ما بدا صلاحه تبعًا له.
(وإذا اشتدَّ بعض حبِّ الزرع جار بيع جميع ما في البستان من نوعه) أى: من نوع الحَبِّ المشتدِّ (كالشجرة) إذا بدا صلاح بعضها كان صلاحًا لجميع نوعها، كما تقدم.
إذا تقرَّر ذلك (فصلاح ثَمَر النخل) وهو: البلح (أن يحمَرَّ أو يصفرُّ.
و) صلاح (العنب أن يتموَّه بالماء الحلو) أي: أن يصفرَّ لونه، ويظهر ماؤه، وتذهب عفوصته (٢) من الحلاوة، قاله في "الحاشية". قال: فإن كان أبيض، حسن قشره وضرب إلى البياض، وإن كان أسود،
стр. 3410
فحين يظهر فيه السواد.
(و) صلاح (ما يظهر ثمره فمًا واحدًا (١) من سائر الثمر) كرُمَّان، ومشمش، وخوخ، وجوز (أن يظهر فيه النضجُ ويطيب أكلُه) لأنه ﷺ "نهى عن بيع الثمرة حتى تَطِيبَ" متفق عليه (٢). وقال المجد، وتبعه في "الفروع" وجماعة: بُدُوِّ صلاح الثمر: أن يطيب أكله ويظهر نضجه. قال في "الإنصاف": وهذا الضابط أولَى، والظاهر: أنه مراد غيرهم، وما ذكروه علامة على هذا. انتهى، وجزم به في "المنتهى".
(و) صلاح (ما يظهر فمًا بعد فمٍ، كقثَّاء ونحوه، أن يؤكل عادة).
(و) صلاح (في حَبٍّ: أن يشتدَّ، أو يبيضَّ) لأنه ﷺ جعل اشتداد الحب غايةً لصحة بيعه (٣)، كبُدُوِّ الصلاح في الثمرة.
فصل
(ومن باع رقيقًا) عبدًا، أو أَمَة (له مال ملَّكه) أي: الرقيق (سيده إيَّاه) أي: المال (أو خصَّه به، أو) باع رقيقًا (عليه حَليٌ) كأساور، وحياصة (فمالهُ وحليه للبائع، إلا أن يشترطه) المبتاع (أو) يشترط (بعضَه المبتاع، فيكون له) أي: للمبتاع (ما اشترط) من كلِّ أو بعض؛ لحديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "من باع عبْدًا وله مالٌ فمالُه للبائع، إلا أن يشترطَهُ المُبتاع" رواه مسلم (٤)؛ ولأن العبد وماله للبائع، فإذا باع العبدَ
стр. 3411
بقي المال، وسواء قلنا: العبد يَملك بالتمليك أو لا.
(فإن كان) المُبتاع (قصدُه المالَ) الذي هو مع الرقيق، بأن لم يقصد تركه للرقيق، كما يأتي (اشترط علمه) بالمال (وسائر شروط البيع) لأنه مبيع مقصود، أشبه ما لو ضَمَّ إليه عينًا أخرى (وله) أي: المبتاع (الفسخُ بعيب ماله) أي: مال الرقيق المقصود (كهو) كما أن له الفسخ بعيبٍ يجده في الرقيق.
(وإن لم يكن قصده (١)) أي: المبتاع (المال، وقصَدَ) المبتاع (تَرْكَ المال للرقيق لينتفع) الرقيق (به وحده، لم يُشترط) علمه بالمال، ولا غيره من الشروط؛ لأن المال دخل تبعًا.
(فإن كان عليه) أي: الرقيق (ثيابٌ، فقال) الإمام (أحمد (٢): ما كان للجمال فهو للبائع) لأنه زيادة عن العادة، ولا تتعلَّق به حاجة العبد، إلا أن يشترطه المبتاع (وما كان للُّبس المعتاد، فهو للمشتري) لجريان العادة ببيعها معه، وتتعلق بها مصلحته وحاجته، إذ لا غِنى له عنها.
(ويدخل عِذَار فرس) أي: لجامها (ومِقْود دابة) بكسر الميم (ونعلُها ونحوهن في مطلق البيع) لجريان العادة ببيعه معها.
(وإذا اشترط مالَ الرقيق ثم رَدَّه) أي: الرقيق (بإقالة، أو خيار، أو عيب) أو غبنٍ، أو تدليس ونحوه (رَدَّ ماله) معه؛ لأنه عين مال أخذه المشتري به، فيرده بالفسخ كالعبد.
(فإن تَلِفَ ماله) أي: الرقيق (وأراد) المشتري (ردَّه) بنحو عيب
стр. 3412
(فـ) ـله ذلك و (عليه) أي: المشتري (قيمة ما تلف) من المال (عنده) كما لو تعيّب عنده ثم ردَّه.
(ولا يُفرَّق بين العبد) أي: المبيع (وبين امرأته ببيعه، بل النكاح باقٍ) مع البيع؛ لعدم ما يوجب التفريق.
стр. 3413
باب السَّلَم والتصرف في الدِّين وما يتعلق به
قال الأزهري (١): السَّلَم والسَّلَف واحد في قول أهل اللغة، إلا أن السَّلَف يكون قرضًا. لكن السَّلَم لغة أهل الحجاز، والسَّلَف لغة أهل العراق، قاله الماوردي (٢)، وسُمِّي سَلَمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا؛ لتقديمه.
(وهو) أي: السَّلَم (عَقْدٌ على) شيء يصح بيعه (موصوف في الذمة) وهي وصف يصير به المكلِّف أهلًا للإلزام والالتزام (مؤجَّل) أي: الموصوف (بثمن) متعلّق بـ"عقد" (مقبوض) أي: الثمن (في مجلس العقد) قال في "المبدع": واعترض بأن قبض الثمن شرط من شروطه، لا أنه داخل في حقيقته، والأولى: أنه بيع موصوف في الذِّمة إلى أَجَلٍ.
وأجمعوا على جوازه، ذكره ابن المنذر (٣).
ودليله: من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٤).
ومن السُّنة ما روى ابن عباس: "أن النبي ﷺ قدم المدينة، وهم يُسْلِفون في الثمار؛ السَّنتين والثلاث، فقال: "منْ أسْلَفَ في شيءِ، فَلْيُسْلِف في كيلٍ معلومٍ، ووزن معلومٍ إلى أَجَلٍ معلومٍ" متفق عليه (٥).
стр. 3414
ولحاجة الناس إليه.
(ويُشترط له) أي: السَّلَم (ما يُشترط للبيع) لأنه نوع منه (إلا أنه) أي: السَّلَم لا (يجوز) إلا (في المعدوم) لما يأتي، بخلاف البيع؛ فإنه يجوز في الموجود وفي المعدوم بالصفة، كما تقدم (١). والمراد بالمعدوم هنا: الموصوف في الذِّمة، وإنْ كان جنسه موجودًا.
(ويصح) السَّلَم (بلفظ بيعٍ) كـ: ابتعتُ منك قمحًا صفتُه كذا، وكَيْلُه كذا إلى كذا؛ لأنه نوعٌ من البيع (و) يصحُّ أيضًا بلفظ، (سَلَم، وسَلَف) لأنهما حقيقة فيه (و) يصح -أيضًا- (بكل ما يصح به الببع) كـ: تملَّكتُ، واتَّهبتُ ونحوه.
(ولا يصح) السَّلَم (إلا بشروط سبعة) تأتي مفصلة:
(أحدها: أن يكون) السَّلمَ (فيما يمكن ضبط صفاته) لأن ما لا تنضبط صفاته يختلفُ كثيرًا، فيفضي إلى المنازعة المطلوبُ عَدَمُها، بأن يكون المسلَم فيه (من المكيل، من حبوب وغيرها) كأدهانٍ، وألبانٍ (والموزون، من الأخباز واللحوم النيئة، ولو مع عظمه) لأنه كالنوى في التمر (إن عيَّن موضع القطع، كلحم فخذٍ، وجَنْب، وغير ذلك) فإن لم يُعيّن، لم يصع السَّلَم فيه بعظمه؛ لاختلافه.
(ويُعتبر قوله) إذا أسْلَم في لحم (بقر) أو جواميس (أو غنم) الأولى إسقاطها، كما يأتي في نظائره (أو ضأن، أو معز، جَذَع أو ثَنِيٍّ، ذكر أو أنثى، خصي أو غيره، رضيع أو فطيم، معلوفة أو راعية، سمين أو هزيل) لأن الثمن يختلف بهذه الأشياء، فاعتبُر بيانها.
(ويلزم) المسلم إذا أسلم في اللحم وأطلق (قَبول اللحم بعظامه)
стр. 3415
لأن اتصاله بها اتصال خِلقة (كالنَّوى في التمر.
فإن كان السَّلَم في لحم طير، لم يحتج) في الوصف (إلى ذِكْرِ الذكورية والأنوثية، إلا أن يختلف) اللحم (بذلك) أي: بالذكورية والأنوثية (كلحم الدجاج) فيحتاج إلى بيان.
(ولا) يحتاج أيضًا في السَّلَم في الطيرِ (إلى ذِكْر موضع القطع، إلا أن يكون كبيرًا يؤخذ منه بعضه) كخمسة أرطال من لحم نعام، فيبين موضع القطع؛ لاختلاف العظم.
(ولا يلزمه) أي: المسلم إذا أسلم في لحم طير (قَبول الرأس والساقين) لأنه لا لحم بها.
(ويذكر في السمك) إذا أسلم فيه (النوع) فيقول: (بَرَدِيٌّ أو غيره، و) يذكر (الكبر والصغر، والسِّمَن والهزال، والطري، والمِلْح، ولا) يلزم المسلم أن (يقبل الرأس والذنب، وله ما بينهما) أي: الرأس والذنب بعظامه.
(ولا يصح) السَّلَم (في اللحم المطبوخ، ولا) اللحم (المشوي) لأنه يختلف.
(ويصح) السَّلَم (في الشحوم) كاللحوم. قيل لأحمد (١): إنه يختلف؟ فقال: كلُّ سلف يختلف.
(و) يصح السَّلَم في (المذروع من الثياب) والخيوط.
(وأما المعدود المختَلِفُ، فيصحُّ) السَّلم (في الحيوان منه) خاصة؛ لأنه الذي يتأتَّى ضبطه (ولو) كان المسلَم فيه (آدميًّا) ويأتي وصفه.
(ولا) يصح السَّلَم (في الحوامل من الحيوان) بأن أسلم في أمَةٍ
стр. 3416
حامل، أو فرس حاملٍ ونحوها؛ لأن الحمل مجهول غير متحقق.
(ولا) يصح السَّلَم (في شاة لبون) أي: ذات لبن؛ لأنه كالحمل (ولا في أمَةٍ وولدها، أو أختها، أو عمتها، أو خالتها) ونحوها من أقاربها (لندرة جمعها في الصفة.
ولا) يصح السَّلَم (في فواكه معدودة) كالرُّمان، والسفرجل، والخوخ ونحوها؛ لأنها تختلف بالصغر والكبر (فأما) الفواكه (المكيلة، كالرطب ونحوه، و) الفواكه (الموزونة، كالعنب ونحوه، فيصح) السَّلَمْ (فيه) أي: فيما ذكر من المكيلات والموزونات.
(ولا يصح) السَّلَم (في بُقُولٍ) لأنها تختلف، ولا يمكن تقديرها بالحزم (و) لا في (جلود) لأنها تختلف، ولا يمكن ذرعها؛ لاختلاف الأطراف (و) لا في (رؤوس، وأكارع) لأن أكثر ذلك العظام والمشافر، واللحم فيها قليل، وليست موزونة.
(و) لا يصح السَّلَم في (بيض) لاختلافه كبرًا وصغرًا (و) لا في (رمان، ونحوها) أي: المذكورات عن المعدودات المختلفة.
(ولا) يصح السَّلَم (في أوانٍ مختلفةِ رؤوس وأوساط، كَقِمَاقم) جمع قُمقُم بضم القافين (و) كـ (ـأصطال (١) ضيقةِ رؤوسٍ) لاختلافها (وقيل: يصح) السَّلَم فيها (حيث أمكن ضبطها) صححه في "التصحيح"، فيضبط نحو رمان بوزن، وإناء بارتفاع، وحائط ودور أسفله وأعلاه.
(ويصح) السَّلَم (فيما يَجمعُ أخلاطًا) واحدها خِلط، بكسر الخاء (مقصودة متميزة، كثياب منسوجة من نوعين) كإبريسم وقطن؛ لأن
стр. 3417
ضبطها ممكن (ونُشَّاب ونَبل مَرِيشين (١)، وخفاف، ورماح مُتوَّزة (٢) ونحوها) لإمكان ضبطها بالصفة.
و (لا) يصح السَّلَم (فيما يَجمع أخلاطًا غير متميزة، كقِسي مشتملة على خشبٍ، وقَرْنٍ، وعصب، وتَوْز) بفتح المثناة فوق وسكون الواو (ونحوها) كطلاء؛ إذ لا يمكن تمييز ما في القوس من كل نوع من هذه.
(ويصح) السَّلَم (في شَهْدٍ، وهو العسل في شمعها وزنًا) لأنه اتصال خِلقة، كالنَّوى في التمر، والعظم في اللحم.
(ولا يصح) السَّلَم (فيما لا ينضبط، كالجواهر كلها، من دُرٍّ، وياقوت، وعقيق، وشبهه) كلؤلؤ، ومرجان؛ لأنه يختلف اختلافا متباينًا بالكبر والصغر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور؛ لأن ذلك يختلف، ولا بشيء معين؛ لأنه قد يتلف.
(ولا) يصح السَّلَم (في عين من (٣) عقار، وشجر نابت، وغيرهما) لأن المعين يمكن بيعه في الحال، فلا حاجة إلى السَّلم فيه؛ ولأنه ربما تلف قبل أوان تسليمه، فلم يصح، كما لو شرط مكيالًا بعينه غير معلوم.
(ولا) يصح السَّلَم في مخلوطة بـ (ـما لا ينفعه خَلْط، كلبن مشوب) بماء، وحنطة مخلوطة بزوان (٤) لأنه مجهول لا ينضبط بالصفة (أو لا يتميز، كمغشوش من أثمان) فلا يصح السَّلَم فيها؛ لأن غشها يمنع العلم
стр. 3418
بالقَدْر المقصود منها (و) كـ (ـمعاجين، وحلوى، ونَدٍّ (١)، وغالية (٢)) فلا يصح السَّلَم فيها؛ لعدم ضبطها بالصفة.
(ويصح) السَّلَم (فيما يترك فيه شيء غير مقصود لمصلحة كالجبن توضع فيه الإنفَحَة، والخبز يوضع فيه الملح، وخل التمر يوضع فيه الماء، والسَّكَنْجَبين (٣) يوضع فيه الخل، ونحوها) كدهن ورد وبنفسج؛ لأن ذلك يسير مقصودٌ لمصلحة، فلم يؤثر.
(ويصح) السَّلَم (في أثمان) خالصة (ويكون رأس المال غيرها) أي: غير الأثمان (لأنـ) ـه يحرم النَّساء بين النقدين كما تقدم (٤).
و (كل مالَين حَرُم النَّساء فيهما، لا يجوز أن يُسلَم) بالبناء للمفعول (أحدهما في الآخر) لفوات التقابض في المجلس، فلا يصح أن يسلم بُرًّا في شعير، ولا خبزًا في جبن.
(ويصح) السَّلَم (في فلوس) ولو نافقة (عددية، أو وزْنِية، ولو كان رأس مالها أثمانًا؛ لأنها) أي: الفلوس (عوض (٥)) لا ثمن (وهذا أصوب) لكن تقدم لك في الربا أنها ملحقة بالأثمان على الصحيح، فلا يصح إن كان رأس مالها ثمنًا؛ لفوات التقابض (لكن إن كانت) الفلوس (وزْنية) أي: يتعامل بها وزنًا (فأسلَم فيها موزونًا، كصرف ونحوه) كخزٍّ، وكتان (لم يصح) السَّلَم (لاجتماعهما في علة ربا النسيئة)
стр. 3419
وهي الوزن.
(ويصح) السَّلَم (في عَرْض بعَرْض) إن لم يجرِ بينهما ربا النسيئة (فلو جاءه) أي: جاء المسلِم المسلَم إليه (بعين ما أخذ منه عند محِله) بكسر الحاء، أي: حلوله (لزمه) أي: المسلم (قَبوله إن اتَّحدا صفة) لأنه أتاه بالمسلَم فيه على صفته، فلزمه قَبوله، كما لو أتاه بغيره، والمثمن إنما هو في الذمة، وهذا عوض عنه.
(ومنه) أي: من مثال ما لو جاء بعين ما أخذ منه (لو أسلم جارية صغيرة في) جارية (كبيرة) ووصفها (فجاء المحل وهي) أي: الجارية المأخوذة (على صفة المسلَم فيه) وهي الجارية الكبيرة الموصوفة (فأحضرها) المسلم إليه (لزمه) أي: المسلِم (قَبولها) لما تقدم، إن لم يكن حيلة (فإن فعل ذلك حيلة لينتفع بالعين) التي جعلت رأس مال السَّلَم (أو ليطأ الجارية) التي أخذها رأس مال السلم (ثم يردّها بغير عِوض، لم يجز) لما تقدم من تحريم الحِيل.
ويصح السَّلَم في السُّكَّر والفانيد (١) والدبس، ونحو ذلك مما مسته النار؛ لأن عمل النار فيه معلوم بالعادة، ممكن ضبطه بالنشافة والرطوبة، فصح السَّلَم فيه كالمجفف بالشمس.
стр. 3420
فصل
الشرط (الثاني) للسَّلَم: (أن يصفه) أي: المسلَم فيه (بما يختلف به الثمن) اختلافا (ظاهرًا) لأن السَّلَم عوض يثبت في الذمة، فاشترط العلم به، كالثمن، وطريقه: الرؤية، أو الصفة، والأول ممتنع، فتعين الوصف.
(فـ) ـعلى هذا (يذكر جنسَه) أي: المسلَم فيه (فيقول مثلًا: تمرٌ. و) يذكر (نوعَه، فيقول) مثلًا: (بَرْنِيٌّ، أو: معقِليٌّ، ونحوه.
و) يذكر (قَدْرَ حَبِّه، فيقول: صغار، أو: كبار.
و) يذكر (لونه أن اختلف) اللون (كالطَّبرزد) نوع من التمر (يكون منه أسود وأحمر.
و) يذكر (بلده، فيقول) مثلًا: (كوفي، أو بصري.
و) يذكر (حداثته وقِدَمه، فإن أطلق العتيق) ولم يقيده بعام، أو أكثر (أجزأ أيُّ عتيق كان) لتناول الاسم له (ما لم يكن مُسوِّسًا ولا حشفًا)، وهو رديء التمر، قاله في "القاموس" (١) (ولا متغيرًا) فلا يلزم المسلِمَ قَبوله؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة من العيب.
(وإن شرط) المسلِم (عتيقَ عامٍ أو عامين، فهو على ما شرط) لوقوع العقد على ذلك (فيقول: حديث، أو قديم) بيان لذِكر حداثته وقِدمه.
(و) يذكر (جودته ورداءته؛ فيقول: جيد، أو رديء.
стр. 3421
والرطب كالتمر في هذه الأوصاف، إلا الحديث والعتيق) لأنه لا يتأتَّى فيه ذلك (وله) أي: للمسلِم في الرُّطب (من الرُّطب ما أرطب كله) لانصراف الاسم إليه (ولا يأخذ) من أسلم في رطبٍ (مُشدَّخًا) كمعظَّم، بُسرٌ يُغمز حتى ينشدخ، قاله في "القاموس" (١). (ولا) يأخذ (ما قارب أن يُتْمِر) لعدم تناول الاسم له.
(وهكذا) أي: كالرُّطب في نحو هذه الأوصاف (ما يشبهه من العنب والفواكه) التي يصح السَّلَم فيها (وكذلك سائر الأجناس) التي يسلم فيها (يذكر فيها ما يختلف به الثمن) اختلافًا ظاهرًا (فالجنس، والجودة، والرداءة، والقَدْر شرط في كل مُسْلَمِ فيه) من الحبوب وغيرها.
(ويميِّز مختلِفَ نوعٍ، و) يذكر (سنَّ حيوان) فيقول مثلًا: بنت مخاض، أو لبون، ونحو ذلك (و) يذكر (ذكوريته، وسمنه، وراعيًا، وبالغًا، وضدها) وهو الأنوثية والهزال والعلف والصغر (ويذكر اللون إذا كان النوع الواحد يختلف) لونه، كما تقدم في التمر.
(ويُرجع في سنِّ الرقيق إليه) أي: إلى الرقيق (إن كان بالغًا) لأنه أدرى به من غيره (وإلا) بأن لم يكن بالغًا (فالقول قول سيده) في قدْرِ سِنِّهِ؛ لأن قول الصغير غير مُعتدٍّ به (وإن لم يعلم) سيده سنَّه (رجع في ذلك إلى أهل الخبرة على) حسب (ما يغلب على ظنونهم تقريبًا) لعدم القدرة على اليقين.
(ويصف البُرَّ بأربعة أوصاف: النوع، فيقول: سلمونيٌّ. والبلد، فيقول: حوراني، أو: بِقاعي) إن كان بالشام، أو بحيري، إن كان بمصر مثلًا (وصغار الحبِّ أو كباره، وحديث أو عتيق. وإن كان النوع الواحد
стр. 3422
يختلف لونه، ذكره) كما تقدم (١).
(ولا يسلم فيه) أي: البُر (إلا مصفًّى) من تِبنه وعُقَدِهِ (وكذلك الشعير والقطنيات وسائر الحبوب) فيصفها بأوصاف البُرِّ.
(ويصف العسل بالبلد) كمصري (ورَبيعي أو صيفي، أبيض أو أشقر أو أسود، جيد أو رديء، وله مصفًّى) من الشمع.
(ويذكر) إذا أسلم في صيد (آلة صيدٍ، أحبولة (٢) أو كلبًا، أو فهدًا أو غيرها) كبازٍ، وشَرَك (لأن الأحبولة يوجد الصيد فيها سليمًا، ونكهة الكلب أطيب من) نكهة (الفهد) بل أطيب الحيوانات نكهة؛ لكونه مفتوح الفم في أكثر الأوقات. قال في "المغني": والصحيح أن هذا لا يُشترط؛ لأنه يسير.
(ويذكر في الرقيق قَدْرًا) فيقول: (خماسي أو سُداسي، يعني خمسه أشبار، أو ستة، أسود أو أبيض، أعجميٌّ أو فصيحٌ، وكَحَلًا أو دَعَجًا) والكحل محركًا: سواد العين مع سعتها. والدعج: أن يعلو الأجفان سواد خلقة، موضعَ الكحلِ، ذكره في "القاموس" (٣) (وتكلْثُمَ وَجْهٍ) أي: استدارة (وبكارةً، وثُيوبةً، ونحوها.
و) يذكر (كون الجارية) المسلم فيها (خميصةً ثقيلةَ الأرداف سمينةً، ونحو ذلك مما يُقصد، ولا يطول) في الأوصاف (ولا ينتهي في عِزَّةِ الوجودِ.
فإن استقصى الصفات حتى انتهى إلى حالٍ يندُر وجودُ المُسلَم فيه
стр. 3423
بتلك الصفات؛ بَطَلَ) السَّلَم؛ لأن من شرطه أن يكون المُسلَم فيه عامَّ الوجود عند (١) المحل، واستقصاء الصفات يمنع منه.
(ولا يُحتاجُ في) وصف (الجارية) المُسلَم فيها (إلى ذِكْر الجعودة والسبوطة) لأنه لا يختلف به الثمن اختلافًا بيِّنًا (كما لا تُراعى صفات الحُسن والملاحة) لأن الثمن لا يختلف معها اختلافًا ظاهرًا (فإن ذكر) المسلَم إليه (شيئًا من ذلك) وعقد عليه (لَزِمه) الوفاء به.
(وتضبط الإبل بأربعة أوصاف: النِّتاج، فيقول: من نِتاج بني فلان. والسِّن) فيقول: (بنت مخاض) أو (بنت لبون، ونحوه) كحقَّة، أو جَذَعة (واللون) فيقول: (بيضاء أو حمراء، أو ورقاء، و) يقول: (ذَكرَ أو أنثى. وأوصاف الخيل كأوصاف الإبل) الأربعة.
(وأما البغال والحمير، فينسبها إلى بلدها؛ لأنها لا تُنسب إلى نتاج، والبقر والغنم إن عُرِف لها نِتاج تُنسب إليه، وإلا) بأن لم يعرف لها نتاج (فهي كالحمير) تُنسب إلى بلدها.
(ولابُدَّ من ذِكْر النوع في هذه الحيوانات، فيقول في الإبل: بُخْتِيَّة أو عِرابية، وفي الخيل: عربية، أو هجين، أو برذون) وتقدم (٢) تفسيرها في قسمة الغنيمة (و) يقول (في الغنم: ضأن أو معز، إلا البغال والحمير فلا أنواع فيها.
ويضبط السَّمْنَ بالنوع، من ضأن أو غيره) كمعز، أو بقر، أو جاموس (واللون) فيقول: (أبيض أو أصفر) ويقول: (جيد أو رديء. قال القاضي: ويذكر المرعى، ولا يحتاج إلى ذِكْر حديث أو عتيق؛ لأن
стр. 3424
الإطلاق يقتضي الحديث، ولا يصح. السَّلَم في عتيقِه؛ لأنه عيب، ولا ينتهي إلى حَدٍّ يُضبط به.
ويصف الزُّبْدَ بأوصاف السَّمْن) السابقة (ويزيد: زُبد يومه أو أمْسِه، ولا يلزمه قَبول متغيِّر من السَّمَنِ والزُّبدْ، ولا) سمن أو زبُد (رقيق، إلا أن تكون رقته) أي: ما ذكر منهما (للحَرِّ.
ويصف اللَّبن بالمرعى والنوع، ولا يَحتاج إلى اللون) لعدم اختلافه (ولا) إلى قوله: (حَلْب يومه؛ لأن إطلاقه يقتضي ذلك) فإن ذكر كان مؤكدًا (ولا يلزمه قَبول) لبن (متغيِّرٍ) بنحو حموضة؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة.
(ويصح السّلَم في المَخيض (١) نصًّا (٢)) لأن ما فيه من الماء يسير، لمصلحته، وجرت به العادة، فهو كالملح في الجبن. قلت: والظاهر وصفه بوصفي اللبن.
(ويصف الجبن بالنوع) كبقري (و) بـ (ـالمرعى، و) بـ (ـــرَطْبٍ أو يابسٍ، جيد أو رديء.
ويصف اللِّبأ (٣) ويسْلِمُ فيه وزنًا) لأنه (٤) يجمد عقب حلبه، فلا يتحقق فيه الكيل (بصفات اللبن) من المرعى والنوع (ويزيد) اللِّبأ (اللون، ويذكر) في وصفه (الطبخ وعدمه.
ويصف غَزْلَ القطن، و) غزل (الكَتَّان بالبلد، واللون، والغِلظ والرِّقة. والنعومة والخشونة، ويصف القطن بذلك) أي: بالبلد واللون
стр. 3425
(ويجعل مكان الغلظ والدقة (١)، طويل الشعرة أو قصيرها. وإن شرط فيه منزوع الحب، جاز) وله شرطه (وإن أطْلق، كان له) القطن (بحبه كالتمر بنواه.
ويصف الإبْريسَم بالبلد، واللون، والغلظ والرقة.
ويصف الصوف بالبلد، واللون، وطويل الشعرة، أو قصيرها. والزمان) كقوله: (خريفي، أو: ربيعي، من ذكر أو أنثى) وفي "المغني" و"الشرح": احتمال أنه لا يحتاج إلى ذكر الذكورة والأنوثة؛ لأن التفاوت فيه يسير (وعليه) أي: المسلَم إليه (تسليمه) أي: الصوف (نقيًا من الشوك والبعر، ولو لم يشترط) عليه؛ لأنه مقتضى الإطلاق.
(وكذلك الشعر والوبر) فيوصفان بأوصاف الصوف، ويُسلَّمان نقيين من الشوك والبعر، وإن لم يشترط.
(ويضبط الرَّصاص) بفتح الراء (والنُّحاس) بضم النون (والحديد بالنوع، فيقول في الرصاص: قلعيٌّ، أو أُسْرُبٌ (٢)، و) يذكر (النعومة والخشونة، واللون إن كان يختلف) لونه (ويزيد في الحديد: ذَكرًا أو أنثى؛ فإن الذَّكر أحد وأمضى) من الأنثى.
(وتُضبط الأواني غيرُ مختلفة الرؤوس والأوساط) لأن السَّلَم لا يصح في مختلفها (بقَدْرها) أي: كبرها أو صغرها (وطولها، وسمكها، ودَوْرها، كالأسطال القائمة الحيطان.
ويضبط القِصاعَ والأقداح من الخشب بذكر نوع خشبها) فيقول: (من جوز، أو توت) أو نحوه (وقَدْرها في الصغر والكبر، والعمق
стр. 3426
والضيق، والثخانة والرقة.
وإن أسلم في سيف، ضُبط) السيف (بنوع حديده، و) ضبط (طوله وعرضه، ودقته وغلظه، وبلده، وقديم الطبع أو محدثه (١)، ماضٍ أو غيره، ويصف قَبيعته (٢) وجفنه) أي: قرابه.
(ويضبط خشب البناء بذكر نوعه، ورطوبته ويبسه، وطوله ودَوْرِهِ) إن كان مدوّرًا (أو سُمْكه وعرضه) إن لم يكن مدوّرًا (ويلزمه أن يدفع إليه من طرفه إلى طرفه بذلك العرض أو الدور) الموصوف.
(وإن كان أحد طرفيه أغلظ مما وصف له) والآخر كما وصف (فقد زاده خيرًا) ويلزمه قَبوله. (وإن كان) أحد طرفيه (أدقَّ) مما وصف له (لم يلزمه قَبوله) لأنه دون ما أسلم فيه.
(وإن ذكر الوزن، أو) ذكر (سَمْحًا (٣)، أو لم يذكره، جاز) السَّلَم، وصح (وله سَمْحٌ) أي: (خالٍ من العُقَدِ) لأنه مقتضى الإطلاق.
(وإن كان) الخشب المسلم فيه (للقِسيِّ، ذكر هذه الأوصاف، وزاد: سهليًّا أو جبليًّا، أو خُوطًا (٤)، أو فِلقة (٥)؛ فإن الجبلي أقوى من السهلي، والخوط أقوى من الفِلقة.
ويذكر فيما) أي: في خشب (للوقود: الغِلَظ) أو الدقة (واليُبس
стр. 3427
والرطوبة، والوزن، ويذكر فيما) أي: في خشب (للنَّصب: النوع والغلظ وسائرَ ما يحتاج إلى معرفته.
ويذكر في النشاب والنبل نوع خشبه، وطوله) أي: النشاب أو النبل (وقصره، ودقته، وغلظه، ولونه، ونصله، وريشه.
ويضبط حجارة الأرْحِية (١) بالدور، والثخانة، والبلد، والنوع إن كان يختلف، وإن كان) الحجر (للبناء ذكر اللون والقَدْر، والنوع والوزن.
ويذكر في حجارة الآنية: النوع، واللون، والقَدْر، واللين، والوزن، ويصف البلور بأوصافه) هكذا في "المغني"، مع أنه قال قبله: "لا يصح السَّلَم في البلور".
(ويصف الآجُرَّ، واللَّبن بموضع التربة، واللون، والدور والثخانة. ويذكر في الجص والنُّورة: اللون والوزن) وهكذا في "المغني"، و"المبدع" وغيرهما. وتقدم في الربا (٢) أنهما من المكيلات. وقال في "الإنصاف" هناك: وعليه فيبدل الوزن بالكيل. (ولا يقبل) المسلِم من الجص والنُّورة (ما أصابه الماء فجفَّ) لذهاب المقصود منه (ولا) يقبل -أيضًا- منهما (ما قَدُمَ قِدَمًا يؤثِّر فيه.
ويضبط العنبر باللون والبلد، وإن شرط قطعة أو قطعتين، جاز) وله شرطه (وإلا فله إعطاؤه صغارًا) بالوزن.
(ويصف العود الهندي ببلده، وما يُعرف به.
ويضبط اللُّبان والمَصْطكا (٣) وصمغ الشجر) بالوزن والبلد، وما
стр. 3428
يختلف به (و) يضبط (سائر ما يصح (١) السَّلَم فيه بما يختلف به. ويقول في الخبز: خبز بُّرٍّ، أو شعير، أو دُخْن) أو ذرة (أو أرز) ونحوه (و) يذكر (النشافة والرطوبة، واللون، فيقول: حُوَّارَى) بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء، أي: خالص من النخالة (أو خُشْكار (٢)، والجودة والرداءة.
ويذكر في طير: نوعًا، ولونًا، وكبرًا، وصغرًا، وجودة ورداءة) وصيد أُحبولة ونحوها على ما تقدم (٣).
(وما لا يختلف به الثمن لا يحتاج إلى ذِكره، فإن شَرَط الأجود) لم يصح؛ لتعذُّر الوصول إليه إلا نادرًا، إذ ما من جيد إلا ويحتمل وجود أجود منه (أو) شَرَطَ (الأردأ، لم يصح) لأنه لا ينحصر.
(وإن جاءه) أي: جاء المسلَمُ إليه المسلِمَ (بدون ما وصف) له، فله أخذه، (أو) جاءه بـ (ــنوع آخر) من جنس المسلم فيه، ولو بأجود منه (فله أخذه) لأن الحق له، وقد رضي بدونه، ومع اتحادهما في الجنس هما كالشيء الواحد، بدليل تحريم التفاضل (ولا يلزمه) أي: لا يلزم المسلِمَ أخذ دون ما وصف، ولا أخذ نوع آخر؛ لأنه غير المسلَمِ فيه، ولا يُجبر على إسقاط حقه. (وإن جاءه) المسلمُ إليه (بجنس آخر) بأن أسلم في بُرٍّ، فجاءه بأرز، أو شعير (لم يجز له أخذه) لحديث: "من أسلَم في شيءٍ فلا يَصْرِفهُ إلى غيره" رواه أبو داود وابن ماجه (٤).
стр. 3429
(و) إن جاءه (بأجود) مما وصف له (من نوعه) أي: من نوع ما أسلم فيه (لزمه قَبوله) لأنه جاءه بما تناوله العقد وزيادة تنفعه. قال في "المبدع": وظاهره ولو تضرَّر. انتهى. فإن كان من نوع آخر لم يلزمه.
(فإن قال: خُذْه) أي: الأجود (وزِدني درهمًا لم يجز) لأن الجودة صفة، فلا يجوز إفرادها بالعقد.
(وإن جاءه بزيادة في القَدْر، فقال ذلك) أي: خُذْه وزِدني درهمًا (صَحَّ) ذلك؛ لأن الزيادة هنا يصح إفرادها بالبيع.
(وإن قبض) المسلَمَ فيه (ووجد) به (عيبًا، فله إمساكُه مع أرشه، أو ردُّه) كسائر المعيبات.
(ويضبطُ الثيابَ) إذا أسلم فيها (فيقول: كتان، أو قُطن) أو إبريسم
стр. 3430
(والبلدَ، والطول والعرض، والصفاقة، والرقة والغِلَظَ، والنعومة والخشونة، ولا يذكر الوزن، فإن ذكره لم يصح) السَّلَم؛ لندرة جمع الأوصاف مع الوزن.
(وإن ذكر) في الوصف (الخام والمقصور، فله شَرطه، وإن لم يذكره، جاز) لأن الثمن لا يختلف بذلك اختلافًا ظاهرًا (وله خام) لأنه الأصل.
(وإن ذكر) في وصف الثوب (مغسولًا، أو لبيسًا، لم يَصِحَّ) السَّلَم؛ لأن اللبس مختلف، ولا ينضبط.
(وإن أسلم في مصبوغ مما يُصبغُ غزله، صَحَّ) السَّلَم لأنه مضبوط (وإن كان) المصبوغ (مما يُصبغ بعد نسجه لم يصح) السَّلَم فيه؛ لأن الصبغ لا ينضبط، ولأن صبغ الثوب يمنع الوقوف على نعومته وخشونته.
(وإن أسلم في ثوب مختلف الغزل) أي: من نوعين فأكثر (كقطن وكتان، أو قطن وإبريسم، وكانت الغزول) من كل نوع (مضبوطة بأن يقول: السَّدى إِبريسم، واللُّحمة كتَّان، أو نحوه) كقطن (صَحَّ) السَّلَم؛ للعلم بالمسلم فيه، وإلا؛ لم يصح.
(ويصح السَّلَم في الكاغَد (١)، ويضبطه بذكر الطول والعرض، والرقة والغلظ، واستواء الصنعة).
стр. 3431
فصل
الشرط (الثالث) للسَّلَم: (أن يذكر قَدْره) أي: المسلم فيه (بالكيل في المكيل، والوزن في الموزون) لما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "من أسْلَفَ في شيءٍ فلْيُسلِفْ في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ" متفق عليه (١)، ولفظه لمسلم.
(و) أن يذكر قَدْره بـ (ــالذراع في المذروع، والعدّ في معدود يصح السَّلَم فيه) لأنه عوض غائب يثبت في الذمة، فاشتُرط معرفة قَدْره كالثمن.
(فإن أسلم في مكيل وزنًا، أو) أسلم (في موزون كيلًا، لم يصح) السَّلَم؛ لأنه قدَّره بغير ما هو مقدَّرٌ به، فلم يجز، كما لو أسلم في المذروع وزنًا، وبالعكس.
(وعنه: يصح) نقلها المرُّوذي (٢)؛ لأن الغرض معرفة قَدْره، وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأي قَدْر قدَّره جاز (اختاره الموفق وجمع) منهم الشارح وابن عبدوس في "تذكرته"، وجزم بها في "الوجيز" و"المنور" و"منتخب الأزجي".
(ولا يصح) السَّلَم (في المَذروع إلا بالذَّرع) لما تقدم.
(ولابُدَّ أن يكون المكيال ونحوه) كالصَّنجة، والذراع (معلومًا عند العامة) لأنه إذا كان مجهولًا تعذَّر الاستيفاء به عند التلف، وذلك مُخِلٌّ
стр. 3432
بالحكمة التي اشترط معرفة القَدْرِ لأجلها.
(فإن شرط مكيالًا) بعينه (أو ميزانًا) بعينه (أو ذراعًا بعينه، أو صنجة بعينها غير معلومات، أو أسْلَم في مثل هذا الثوب ونحوه، لم يصح) السَّلَم؛ لأنه قد يهلك فتتعذَّر معرفة المسلم فيه، وهو غَرَر.
(لكن لو عيَّن مكيال رجُلٍ، أو ميزانه، أو صنجته، أو ذراعه، صَحَّ) السَّلَم (ولم يتعين) فله أن يُسلِم بأي مكيال، أو ميزان، أو صنجة، أو ذراع؛ لعدم الخصوصية.
وما لا يمكن وزنه بميزان كالأحجار (١) الكبار يُحطُّ في سفينة، وينظر إلى أي موضع تغوص، فيُعَلَّم، ثمْ يرفع، ويُحطُّ مكانَه رمل أو أحجار صغار إلى أن يبلغ الماء الموضع الذي كان بلغه، ثم يوزن، فما بلغ فهو زنة ذلك الشيء.
(ويُسلِم في معدود مختلف يتقارب، غيرِ حيوان) كالجوز والبيض (عددًا) لأن التفاوت فيه يسير، ولهذا لا تكاد القيمة تختلف بين البيضتين والجوزتين، بخلاف البطيخ فإنه يتفاوت كثيرًا.
(وفي غيره) أي: يُسلِم في المعدود الذي لا يتقارب (٢) كالبطيخ والفواكه المعدودة من الرمان ونحوه (وزنًا) لأنه يختلف كثيرًا ويتباين جدًّا، فلا ينضبط إلا بالوزن.
وما ذكر من السَّلَم في المعدود غير الحيوان محلُّه (إن صَحَّ السَّلَم فيه، وتقدم (٣) قريبًا) في الشرط الأول حكاية الخلاف في ذلك، وقدَّم المصنف أنه لا يصح، وهو المذهب.
стр. 3433
فصل
الشرط (الرابع) للسَّلَم: (أن يشترط) المُسْلَم إليه (أجلًا معلومًا) لقوله ﷺ : "من أسلفَ في شيءِ فليُسْلِفْ في كيلٍ معلومٍ، أو وزنٍ معلومٍ، إلى أجَلِ معلومٍ" (١) فأمر بالأجَل، كما أمر بالكيل والوزن.
والأصل في الأمر الوجوب (له) أي: الأجل (وَقْعٌ في الثمن عادة، كشهر) لأن الأجل إنما اعتُبر ليتحقق الرَّفق الذي شُرع من أجله السَّلَم، فلا يحصُل ذلك بالمدة التي لا وَقْعَ لها في الثمن (وفي "الكافي": أو نصفِه، ونحوه) أي: نحو النصف. وفي "المغني" و"الشرح": وما قارب الشهر. قال الزركشي وكثير من الأصحاب يُمثِّل بالشهر والشهرين. فمِن ثَمَّ قال بعضهم: أقله شهر.
(فإن اختلفا في قَدْره) أي: قَدْر الأجل، بأن قال المسلِم: إلى شهر مثلًا، فقال المسلَم إليه: بل شهرين؛ فقول مسلَم إليه.
(أو) اختلفا في (مضيِّه) أي: الأجل (أو) اختلفا في (مكان التسليم، فقول مُسلَمٍ إليه) بيمينه؛ لأن الأصل بقاء الأجل، وبراءة ذمة المُسلَم إليه من مؤنة نقله إلى الموضع الذي يدعيه المُسلِم.
وكذا إن اختلفا في قَدْر المسلَم فيه أو صفته، كما في "المستوعب".
(وإن اختلفا في أداء المسلَم فيه، فقول المُسلِم) بيمينه؛ لأنه منكر للقبض، والأصل عدمه.
стр. 3434
(أو (١)) اختلفا (في قَبْض الثمن) الذي وقع عقد السَّلَم عليه (فقول المسلَم اليه) بيمينه؛ لأنه منكر، والأصل عدم القبض.
(فإن اتفقا عليه) أي: على قبض الثمن (وقال أحدهما: كان) القبض (في المجلس قبل التفرُّق، وقال الآخر): بل كان القبض (بعده) أي: بعد التفرُّق (فـ) ـالقول (قول من يدَّعي القبض في المجلس) بيمينه؛ لأنه يدعي الصحة، وذاك يدعي الفساد، والظاهر في العقود الصحة.
(فإن أقاما بينتين بما ادَّعياه) أي: أقام مُدَّعي القبض في المجلس بينة به، وأقام الآخر بينة بضد ذلك (قُدِّمت -أيضًا- ببينته) أى: بينة مدَّعى القبض في المجلس؛ لأنها مثبتة، وتلك نافية؛ ولأن معها زيادة علم.
(وإن أسلم حالًّا) لم يصح، لما تقدم من حديث ابن عباس (٢). (أو) أسلم (مطلقًا) أي: لم يعيّن أجلًا (لم يصح) السَّلَم لما تقدم (إلا أن يقع) العقد (بلفظ البيع فيصح حالًا، ويكون بيعًا بالصفة، وتقدم) في البيع (٣).
قال القاضي: ويجوز التصرُّف (٤) قبل قبض رأس المال؛ لأنه بيع، ويحتمل أن لا يصح؛ لأنه بيع دَيْن بدَيْن. ذكره في "الكافي". وتقدم في البيع (٥): إن كان الموصوف في الذمة لم يصح إن تفرَّقا قبل قبضه، أو قبض ثمنه.
(وإن أسلم إلى أجل قريب كاليومين والثلاثة؛ لم يصحَّ) السَّلَم؛ لفوات شرطه، وهو أن مثل ذلك لا وَقعْ له في الثمن (إلا أن يُسلِم في
стр. 3435
شيء كخبز ولحم ودقيق ونحوها. يأخذُ منها (١) كل يوم جزءًا معلومًا، فيصِحُّ) السَّلَم؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك.
(فإن قَبَضَ البعضَ) مما أسلم فيه ليأخذ منه كل يوم قَدْرًا معلومًا (وتعذَّر قبض الباقي، رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للباقي فضلًا على المقبوض) لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء، فيقسط الثمن على أجزائه بالسوية كما لو اتَّحد أجله.
(وإن أسلم في جنس واحد إلى أجلين) كَبُرٍّ بعضه إلى رجب، وبعضُه إلى شعبان، جاز بشرطه الآتي؛ لأن كل بيع جاز إلى أجل، جاز إلى أجلين وآجال، كبيوع الأعيان.
(أو) أسلم (في جنسين) كبُرٍّ وشعير (إلى أجل) واحد (صح) السَّلَم، كالبيع (إن بيَّن قسطَ كلِّ أجَلٍ) وثمنه في الأولى (و) بيَّن (ثمن كل جنس) في الثانية؛ لأن الأجل الأبعد له زيادة وَقْع على الأقرب، فما يقابله أقل مما يقابل الآخر، فاعتُبر معرفة قسطه وثمنه، وبهذا يحصُل التمييز للثمن الآخر (وإلا) بأن لم يبين قسط كل أجل وثمنه (فلا) يصح السَّلَم؛ لما تقدم.
(وإن أسلم جنسين) كذهب وفضة (فى جنس واحد) كبُرٍّ (لم يصح) السَّلَم (حتى يبين حصة كل جنس من المسلم فيه) كما لو أسلم في جنسين على ما تقدم. قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب.
(و لابُدَّ أن يكون الأجل مقدرًا بزمن معلوم) لما تقدم من الحديث (٢).