← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

لزومه، وبقي) الرهن (كأنه لم يوجد فيه قَبْضٌ) لأن استدامة القبض شرط في اللزوم وقد زالت، والمشروط ينتفي بانتفاء شرطه (سواء أخرجه) المُرتَهِن إلى الراهن (بإجارة، أو إعارة، أو إيداع، أو غير ذلك) لما تقدم. (فإن ردَّه) أي: ردَّ الراهنُ الرهنَ (إليه) أي: إلى المرتَهِن (باختياره، عاد لزومه بحكم العقد السابق) لأنه أقبضه باختياره، فلزم كالأول، ولا يحتاج إلى تجديد عقد؛ لأن العقد الأول لم يطرأ عليه ما يبطله؛ أشبه ما لو تراخى القبض عن العقد. (وإن أزيلت) أي: أزال الراهن أو غيره (يده) أي: المُرتَهِن (بغير حق، كالغصب، والسرقة، وإباق العبد، وضياع المتاع، ونحوه، فلزومه) أي: الرهن (باقٍ) لأن يَدَ المُرتَهِن ثابتة عليه حكمًا. ولو سبى الكُفَّار العبدَ المرهون ثم استُنْقذ منهم عاد رهنًا بحاله، نص عليه (١)، قاله في القاعدة الثلاثين (١)، وقال: لو صالحه عن دين الرهن على ما يشترط قبضه في المجلس، صح الصلح وبَرِئت ذمته في الدَّيْن، وزال الرهن، فإن تفرَّقا قبل القبض، بطل الصلح، وعاد الدَّيْن والرهن بحاله. (وإن أقرَّ الراهن بالتقبيض) للرهن (ثم أنكره، وقال: أقررتُ بذلك، ولم أكن أقبضتُ شيئًا) فقول المُرتَهِن، مؤاخذة للراهن بإقراره. (أو أقرَّ المُرتَهِن بالقبض ثم أنكره، فقولُ المُقَرِّ له) مؤاخذة للمُقِرِّ بإقراره لحديث: "لا عُذرَ لمَنْ أقرَّ" (٢).

стр. 3502

(فإن طلب المُنْكِرُ يمينَه) أي: يمين خصمه أنه ما أقرَّ كاذبًا (فله ذلك) أي: تحليفه؛ لاحتمال صدقه. ويأتي في الإقرار. (وإن اختلفا) أي: الراهن والمُرتَهِن (في القبض، فقال المُرتَهِن: قبضتُه) أي: الرهن، فصار لازمًا (وأنكر الراهن) ذلك (فقولُ صاحب اليد) فإن كان بيد الراهن فقوله؛ لأن الأصل عدم القبض، وإن كان بيد المُرتَهِن فقوله؛ لأن الظاهر قبضه بحق. (وإن اختلفا في الإذن) في القبض (فقال الراهن: أخذْتَهُ) أي: الرهن (بغير إذني) فلم يلزم (فقال) المُرتَهِن: (بل) أخذتُهُ (بإذنك، وهو في يد المُرتَهِن، فقول الراهن) لأنه مُنْكِرٌ (جزم به في "الكافي". وإن قال) الراهن: (أذنتُ لك) في قبضه (ثم رجعتُ قبل القبضِ، فأنكر المُرتَهِن) رجوعه (فقوله) أي: المُرتَهِن؛ لأن الأصل عدم الرجوع. وإن كان الرهن في يد الراهن فقال المُرتَهِن: قبضتُه، ثم غصبْتَنيه، فأنكر الراهن، فالقول قوله؛ لأن الأصل معه. (ولو رهنه عصيرًا فتخمَّر، زال لزومه) لأن تخميره بمنزلة إخراجه من يده؛ لأنه لا يد لمسلم على خمر (ووجبت إراقتُهُ) حينئذ كسائر الخمر (فإن أُريق) ما تخمَّر من العصير (بطل العقد فيه، ولا خيار للمُرتَهِن) لأن التلف حصل في يده، وهذا بالنسبة للمسلمين. (وإن عاد) ما تخمَّر من العصير (خلًّا) قبل إراقته (عاد لزومه بحكم العقد السابق) كما لو زالت يد المرتهن عنه ثم عادت إليه. فلو استحال خمرًا قبل قبض المُرتَهِن، بطل العقد فيه، ولم يعد

стр. 3503

بعوده خلًّا؛ لأنه عقد ضعيف لعدم القبض، أشبه إسلام أحد الزوجين قبل الدخول. (وإن أجره) أي: أجر الراهن (١) (أو أعاره لمُرتَهِن، أو) أجره أو أعاره لـ (ــغيره) أي: غير مُرتَهِن (بإذنه) أي: إذن مُرتَهِن (فلزومه) أي: الرهن (باقٍ) لأن هذا التصرُّف لا يمنع البيع؛ فلم يفسد القبض (لكنه يصير) الرهن (في العارية مضمونًا) على المستعير من مُرتَهِن أو غيره؛ لأن العارية مضمونة كما يأتي. فصل (وتصرُّف راهنٍ في رهن لازم) أي: مقبوض (بغير إذن مُرتَهِن بما يمنع ابتداء عَقْده، كهبة، ووقف، وبيع، ورهن، ونحوه) كجعله عوضًا في صَداق أو طلاق (لا يصح) لأنه تصرُّف يُبطل حق المُرتَهِن من الوثيقة، وليس بمبني على السِّراية والتغليب، فلم يصح بغير إذن المُرتَهِن، كفسخ الرهن (إلا العتق مع تحريمه) لما فيه من إبطال حق المُرتَهِن من الوثيقة (فإنه ينفُذ) لأنه إعتاق من مالك قام الملك، فنفذ، كعتق المستأجر، ولأنه مبني على السراية والتغليب، بدليل أنه ينفذ في ملك الغير، ففي ملكه أولى (ولو كان) الراهن (مُعسِرًا) نفذ عتقه لما تقدم. (ويؤخذ من) راهن (مُوسِر) إذا أعتق الرهن (قيمتُه) لأنه أبطل حق المُرتَهِن من الوثيقة، أشبه ما لو أتلفه (وقتَ عتقه) لأنه وقت إتلافه يكون (رهنًا مكانه) لأنها نائبة عن الرهن أو بدل عنه. (ومتى أيسر) راهن (مُعسِرٌ) وقد أعتق الرهن (بقيمته قبل حلول

стр. 3504

الدَّين، أُخذت) القيمة (منه، وجُعلت رهنًا) مكانه؛ لأنها بدله. (وإن أيسر) الراهن (بعدَه) أي: بعد حلول الدَّين، وكان قد أعتق الرهن (طولب بالدَّين فقط) لأن ذمته تبرأ به من الحقين معًا. (وإن أَذِنَ) المُرتَهِن (فيه) أي: العِتق (أو في غيره مما تقدَّم) من الهبة، والوقف، والبيع، والرهن، ونحوه (صح) التصرُّف المأذون فيه؛ لأن الراهن إنما مُنع من مثل ذلك لتعلق حق المُرتَهِن، وقد أسقطه بالإذن (وبطل الرهن) لأن ما أذن فيه يمتنع معه جواز الرهن ابتداء، فامتنع معه دوامًا، ولهذا قيد فيما تقدم بقوله: "بما يمنع ابتداء عقده" احترازًا من نحو الإجارة والعارية والتزويج والكتابة ونحوها، فتصح بإذن المُرتَهِن، ولا يبطل بها الرهن؛ لأنها لا تمنع ابتداء عقده. (وإن أذن) المرتهن للراهن (في البيع، ففيه تفصيل يأتي قريبًا. وله) أي: للراهن (إخراج زكاته) أي: الرهن (منه بلا إذن مُرتَهِن إن عَدِم) الراهن (غيرَه) لتعلُّق الزكاة بعين المال، كتعلُّق أرش الجناية برقبة العبد الجاني (ومتى أيسر) الراهن (جعل بدله) أي: بدل ما أخرج زكاة (رهنًا) مكانه، كبدل ما أعتقه. (وله) أي: للراهن (غَرس أرضٍ) مرهونة (إذا كان الدَّين مؤجَّلًا) لأن تعطيل منفعتها إلى حلول الدَّين تضييع للمال، وقد نهي عنه بخلاف الحالِّ؛ فإن الراهن حينئذٍ يُجبر على فَكِّ الرهن بالوفاء أو بيعه، فلا تعطل منفعتها. قال في "الكافي": ولو ارتهن أرضًا فنبت فيها شيء، دخل في الرهن؛ لأنه من نمائها، سواء نبت بنفسه أو بفعل الراهن. (و) للراهن (وطء) مرهونة (بشرطٍ، أو إذن مُرتَهِن) لأن الراهن إنما منع من ذلك لأجل حق المُرتَهِن، وقد أسقطه بالإذن فيه، أو الرضا به.

стр. 3505

(و) لراهن (إجارة) الرهن (وإعارته بإذنه) أي: المرتهن (أيضًا، والرهن بحاله) وتقدم (١) قريبًا. (ويَحرم) على الراهن ما ذكر من الوطء، والإجارة، والإعارة (بدونه) أي: بدون إذن المُرتَهِن، قيل له في رواية ابن منصور (٢): أله أن يطأ؟ قال: لا والله. (ولا يُمنع) الراهن (من إصلاح الرَّهن، ودفع الفساد عنه، من سقي شجرٍ، وتلقيحٍ، وإنزاء فحلٍ على إناثٍ، ومُداواة، وفصْدٍ، ونحوه) كتشريط (وفتح رَهْصةٍ (٣)، وهو التبزيغ) أي: البيطرة؛ لأن ذلك مصلحة للرهن، وزيادة في حق المرتهن من غير ضرر عليه، فلم يملك المنع منه. وكذلك تعليمِ قِنٍّ صناعة، ودابةٍ السيرَ. (وإن كان الرهن فُحولًا لم يكن له) أي: للراهن (إطراقها بغير رضا المُرتَهِن) لأنه انتفاع بها (إلا أن تتضرَّر) الفحول (بتركه) أي: الإطراق (فيجوز) لأنه (كالمداواة) له. (ويمنع) الراهن (من قطع إصبع زائدة، و) قطع (سِلْعة (٤) فيها خطر) من مرهون؛ لأنه يُخاف عليه من قطعها، بخلاف ما لو كان به أكلة؛ فإنه يُخاف من تركها، لا قطعها. (ويُمنع) الراهن (من ختانه) أي: الرهن (إلا مع دَيْن مؤجَّل يبرأ) المختون (قبل أجله، والزمان معتدل لا يخاف عليه) أي: المختون (فيه)

стр. 3506

لأن الختان لا يضر المُرتَهِن إذن، ويزيد به الثمن. (وللمُرتَهِن مداواة ماشية) مرهونة (لمصلحة) لأن له فيها حق التوثق. (وليس للراهن الانتفاع بالرهن باستخدامٍ، ولا وطءُ الأَمَةِ، ولو) كانت (آيسةً، أو صغيرة) لا تحمل، كالمستبرأة. (ولا) للراهن (سُكنى) المرهون (ولا التصرُّف فيه: بإجارة، ولا إعارة، ولا غير ذلك بغير رضا المُرتَهِن) ولا يملك ذلك المُرتَهِن بغير. رضا الراهن (وتكون منافعه معطَّلة) إذا لم يتفقا على التصرُّف (فإن (١) كانت) المرهونة (دارًا أُغلقت، وإن كان) المرهون (عبدًا أو غيره، تعطَّلت منافعه، حتى يفكَّ الرهن) ولا ينفرد أحدهما بالتصرُّف؛ لأنه لا ينفرد بالحق. (ويصح رهن الأَمَة المزوَّجة) لأنه يصح بيعها (وليس له) أي: الراهن (تزويج الأَمَة المرهونة) بغير إذن المُرتَهِن (فإن فعل) أي: زوَّجها بغير إذن المُرتَهِن (لم يصح) لأنه ينقص ثمنها؛ فلم يصح كتزويج العبد (ولا وطؤها) أي: ليس للراهن وطء الأَمَةِ المرهونة (فإن فعل، فلا حدَّ عليه) لأنها ملكه (ولا مهر) لذلك. (وإن أتلف جزءًا منها، أو نقصها، مثل إن افتض البِكْرَ) أي: أزال بكارتها (أو أفضاها) أي: خرق ما بين سبيليها، أو ما بين مخرج البول ومني (فعليه قيمة ما أتلف) أي: أرش نقصها (فإن شاء) الراهن (جعله رهنًا معها، وإن شاء جعله قضاءً من الحق، إن لم يكن) الحق قد (حلَّ، وإن كان) الحق (قد حلَّ، جعله قضاءً) عن الحق (لا غير) لأنه يبرأ به من الحقين.

стр. 3507

(وإن أولدها) الراهن (بأن) وطئ المرهونة فـ (ــأحبلها بعد لزوم الرهن، وولدت ما تصير به أُمَّ ولد) وهو ما تبين فيه خلق إنسان، ولو خفيًّا (خرجت من الرهن) لأنها صارت أمَّ ولدٍ له؛ لأنه أحبلها بحرٍّ في ملكه (وأُخذت منه) أي: الراهن (قيمتُها حين أحبلها) لأنه وقت إتلافها (فجُعلت رهنًا) مكانها، كما لو أتلفها بغير ذلك، وإن تلفت بسبب الحمل، فعليه قيمتها؛ لأنها تلفت بسببٍ كان منه. (إلا أن يكون الوطء بإذن المُرتَهِن) لأن الوطء يُفضي إلى الإحبال، ولا يقف على اختياره، فالإذن في سببه إذن فيه. (فإن أذن) المُرتَهِن في الوطء (ثم رجع) قبله (فكمَنْ لم يأذن) فيه. (وإن اختلفا) أي: الراهن والمُرتَهِن، أو أحدهما، وَرَثَه الآخر، أو ورثتهما (في الإذن) في الوطء أو غيره (فالقول قول من ينكر) الإذن؛ لأن الأصل عدمه، فإن توجهت اليمين على وارث المُرتَهن، حلف على نفي العلم، وإن نكل من توجهت عليه اليمين قضي عليه بالنكول. (وإن أقرَّ المُرتَهِن بالإذن) في الوطء (وأنكر) المُرتَهِن (كون الولد من الوطء المأذون فيه) وقال: هو من وطء آخر (أو قال: هو) أي: الولد (من زوج أو زنىً، فقول الراهن بغير يمين) لأنا لم نُلْحقه به بدعواه، بل بالشرع (إن اعترف المُرتَهِن بالإذن في الوطء و) اعترف (بالوطء، و) اعترف (بالولادة، و) اعترف (بمضي عدة بعد الوطء يمكن أن تلده فيها) فإن عاش اعتُبر مضي ستة أشهر من وطئه؛ لأنها أقل مدة الحمل. (وإن أذن) الراهن للمُرتَهِن (في ضَرْبها) أي: ضرب المرهونة (فضربت فتلفت؛ فلا ضمان عليه) لأنه تولَّد من الضرب المأذون فيه.

стр. 3508

(وإذا رهنها) أي: الأَمَة (فبانت حائلًا) لا حمل بها (أو) بانت (حاملًا بولد لا يلحق بالراهن) لكونه من وطء شُبهة، أو زنىً، أو زوج (فالرهن) باق (بحاله) لعدم ما يبطله. (وكذلك إن كان) الولد (يلحق به) أي: بالراهن (لكن لا تصير به) الأَمَة (أُمَّ ولد، مثل إن وطئها وهي زوجته) أو بشبهة، أو زنىً (ثم مَلَكَها، ثم رَهَنها) فبانت حاملًا من ذلك الوطء. (وإن بانت) الأَمَة (حاملًا بما تصير به أُمَّ ولدٍ) بأن وطئها في ملكه، ثم رهنها، ثم ظهر حملها (بطل الرهن) أي: تبينا بطلانه؛ لأنه لا يصح بيعها (ولا خيار للمُرتَهِن، ولو كان) رهنها (مشروطًا في البيع) لأن المنع من رهنها من قبل الشرع، لا من المشتري. (وإن أقرَّ الراهن بالوطء بعد لزوم الرهن) وأنكر المُرتَهِن (قُبِلَ) قول الراهن (في حقه) وحده (ولا يُقبل) قوله (في حق المُرتَهِن) لأن الأصل عدم ذلك، وبقاء التوثقة حتى تقوم البينة به. (وإن أذن مُرتَهِن لراهن في بيع الرهن) فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يأذن له في البيع (بشرط أن يجعل ثمنه رهنًا مكانه) فيصح البيع. والشرط الثاني: ما أشار إليه بقوله: (أو أذن) مُرتَهِن (في بيعه) أي: الرهن (بعد حلول الدَّيْن، صح البيع) لصدوره من المالك بإذن المُرتَهِن (وبطل الرهن في عينه، وصار الثمن رهنًا) لأنه بدل الرهن (ويأخذ الدَّينَ الحال منه) لأن مقتضى الرهن بيعه، واستيفاء الحق من ثمنه (وما سواه) أي: سوى ما أخذ في الدَّيْن الحالِّ (يبقى رهنًا إلى) حلول (أجله) أي: المؤجَّل، فيوفى منه، أي: في حال الشرط.

стр. 3509

(و) الثالث: إذا أذن في بيع الرهن (بدونهما، أي: حلول الدَّين، أو شرط) جعل (ثمنه رهنًا) فـ (ــيبطل) الرهن بـ (ــالبيع) لخروجه عن ملك الراهن بإذن المُرتَهِن، ولا يكون ثمنه رهنًا مكانه؛ لعدم اشتراطه، وحلول الدَّيْن، خلافًا للقاضي ومتابعيه. وعبارة المصنف توهم بطلان البيع، وليس كذلك، قال في "الفروع": وبدونهما يبطل الرهن وقال في "الكافي": الثاني: أن يبيعه قبل حلول الدَّيْن بإذن مطلق؛ فيبطل الرهن ويسقط حق المُرتَهِن من الوثيقة؛ لأنه تصرَّف في عين الرهن تصرُّفًا لا يستحقه المُرتَهِن؛ فأبطله كالعتق. وكذا في "المغني". (فإن اختلفا في الإذن) بأن قال الراهن: بعته بإذن المرتهن، وقال المُرتَهِن: لم آذن له (فقول مرتَهِن) أو وارثه بيمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن. (فإن أقرَّ) المُرتَهِن (به) أي: الإذن (واختلفا في شرط جَعْلِ ثمنه (رهنًا) مكانه، بأن قال الراهن: لم تشترطه، وقال المُرتَهِن: اشترطته (فقول الراهن) أو وارثه بيمينه؛ لأنه منكر، والأصل عدم الاشتراط. (وإن أذن) المُرتَهِن (له) أي: للراهن (في بيعه) أي: الرهن، والدَّين مؤجَّل (بشرط أن يجعل (١) دينه من ثمنه) فباعه (صح البيع) للإذن فيه (ولغا الشرط) لأن التأجيل أخذ قسطًا من الثمن، فإذا أسقط بعض مدة الأجل في مقابلة الإذن فقد أذن بعوض، وهو ما يقابل الباقي من مدة الأجل من الثمن؛ وهذا لا يجوز أخذ العوض عنه فيلغو (ويكون الثمن) حينئذ (رهنًا) مكانه؛ لأن المُرتَهِن لم يأذن في البيع إلا طامعًا في وفاء دينه من ثمنه، فلم يسقط حقه منه مطلقًا.

стр. 3510

(وللمُرتَهِن الرجوع في كل تصرُّفٍ أذن فيه) للراهن (قبل وقوعه) لعدم لزومه. (فإن ادعى) المُرتَهِن (أنه رجع) عن الإذن (قبل البيع) ونحوه (لم يقبل) قوله (لأنه) أي: المبيع ونحوه (تعلَّق به حقٌّ ثالثٌ) فلم يقبل قوله في إبطاله (ولو ثبت رجوعه) أي: أن المُرتَهِن رجع قبل تصرُّف الراهن (وتصرَّف الراهن جاهلًا رجوعه، لم ينفذ تصرُّفه) كالوكيل إذا تصرَّف غير عالم بعزل موكله له. (ونماء الرهن؛ متصلًا كان) النماء (أو منفصلًا، وكسبه وغلاته (١)، وصوفه، ولبنه، وورق شجره المقصود، ومهره، وأرْش الجناية عليه الموجبة للمال) أو للقصاص واختير المال (وما يسقط من ليفه وسعفه، وعراجينه، وزَرَجُون الكرم) بزاي ثم راء مفتوحتين وجيم مضمومة: قضبان الكرم. ذكره الجواليقي (٢) (وما قُطع من الشجر من حَطَب، وأنقاض الدار، تكون رهنًا في يد مَن الرهن في يده) من المُرتَهِن، أو وكيله، أو من اتفقا عليه (كالأصل؛ فتُباع معه إذا بيع) لأن الرهن عقد على العين، فيدخل فيه ما ذكر، كالبيع والهبة، وفي الجناية عليه؛ لأنها بدل جزء منه، فكانت عن الرهن كقيمته إذا أتلفه إنسان (وتأتي الجناية) على الرهن (الموجبة للقصاص) مفصَّلة. (وإذا رهن أرضًا، أو دارًا، أو غيرهما) كبستان وطاحون (تَبِعه في الرهن ما يَتبع) المبيع (في البيع من شجرٍ وغيره، وما لا) يتبع في البيع (فلا) يتبع في الرهن.

стр. 3511

فصل (ومؤنة الرهن من طعامه، وكسوته، ومسكنه، وحافظه، وكفنه، وبقية تجهيزه - إن مات - وأجرة مخزنه - إن كان مخزونًا - و) أجرة (سقيه وتلقيحه وزباره) أي: قطع الأغصان الرديئة لِتَخْلُفَها أغصانٌ جديدة (١) من الكرم (وجذاذه، ورعي ماشيةٍ) مرهونة (ورَدِّه) أي: المرهون (من إباقه، و) أجرة (مداواته لمرض، أو جُرْح، وخِتانه على الراهن) لما روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه" رواه الشافعي والدارقطني (٢)، وقال: إسناده حسن متصل؛ ولأنه ملك للراهن؛ فكان عليه نفقته وما يحتاج إليه، ومؤنة تجهيزه تابعة لمؤنته. (فإن) امتنع الراهن من بذل ما وجب عليه مما تقدَّم، أجبره الحاكم عليه، فإن لم يفعل، أخذ الحاكم من ماله وفعله. فإن (تعذَّر أَخْذُ ذلك من الراهن) لغيبة أو غيرها، ولم يقدر له على مال (بيع منه) أي: الرهن (فيما يجب عليه) أي: الراهن (فِعْلُه بقدر الحاجة) لأن حفظ البعض أولى من إضاعة الكل. واحترز بقوله: "فيما يجب عليه فعله" من نحو مداواته وختانه. (فإن خيف استغراقُه) أي: استغراق البيع للرهن في الإنفاق عليه ونحوه (بيع كله) وجعل ثمنه رهنًا مكانه؛ لأنه أحظ لهما. (وعلى الراهن تجفيفُ الثمرة) المرهونة (إذا احتاجت إليه) أي:

стр. 3512

التجفيف (والحقُّ مؤجَّل) لأنه من جملة المؤنة التي تحفظ بها، وتقدَّم. (وإن كان) الحقُّ (حالًّا بيعت) الثمرة ووفِّي منها الدَّيْن؛ لعدم الحاجة إلى تجفيفها. (وإن اتفقا) أي: الراهن والمُرتَهِن (على بيعها) أي: الثمرة (وجعل ثَمَنِها رهنًا) مكانها (بـ) ــدين (مؤجَّل، جاز) لأن الحق لا يعدوهما. (فإن اختلفا) بأن طلب أحدهما البيع والآخر بقاءها (قُدِّمَ قول من يستبقيها) إلى حلول الدَّيْن؛ لأنه وقت وجوب بيعها (الا أن تكون) الثمرة (مما تقلُّ قيمته بالتجفيف، وقد جرت العادة ببيعه رطبًا) أو عنبًا (فَيُباع) كذلك؛ لأنه أحظ لهما (ويُجعل ثمنه رهنًا) مكانه؛ لأنه بدله. (وإن اتفقا) أي: المتراهنان (على قَطْعِها) أي: الثمرة (في وقت جاز؛ حالًّا كان الحق أو مؤجَّلًا، أو كان الأصلحُ القطعَ أو التركَ) لأن الحق لهما لا يعدوهما؛ فمهما تراضيا عليه، جاز. (ويُقدَّمُ قول من طلب الأصلحَ) من القطع أو الترك (إن كان ذلك) القطع (قبل حلول الحقِّ) لأنه لم يدخل وقت بيعها (وإلا) بأن كان بعد حلول الحق قُدِّم (قول من طلب القطع) منهما، وإن لم يكن أصلح؛ لأنه إن طلبه الراهن فالضرر عليه، وإن طلبه المُرتَهِن فهو لا يُجبر على تأخير حقه بعد حلوله. (وإن كانت الثمرة مما لا يُنتفَع بها قبل كمالها) كثمرة الجوز (لم يجز قطعُها قبله) أي: قبل كمالها (ولم يُجبَر عليه) لأنه إضاعة مال، وقد نهى عنه ﷺ (١). (وإن أراد الراهن السفر بالماشية ليرعاها في مكانٍ آخر، وكان لها

стр. 3513

في مكانها مرعىً تتماسك به، فللمُرتَهِن منعُه) من السفر بها؛ لأن فيه إخراجها عن يده ونظره. (وإن أجْدَب مكانها) أي: محل رعيها (فلم تَجِدْ ما تتماسك به، فله) أي: الراهن (السفر بها) لأنه موضع حاجة (إلا أنها تكون) الماشية (في يد عدل يرضيان به، أو ينصبه الحاكم) فيسافر هو بها (ولا ينفرد الراهن بها) لئلا يفوت حق المُرتَهِن من التوثق. (فإن امتنع الراهن من السفر بها) مع جَدْب مكانها (فللمُرتَهِن نقلُها) للحاجة. (وإن أراد) كلٌّ منهما (السفرَ بها، و) لكن (اختلفا في مكانها، قُدِّم من يعيِّن الأصلح، فإن استويا قُدِّم قول المُرتَهِن) لأنه أحق باليد. (وأيهما أراد نقلها عن البلد مع خصبه إلى مثله، أو) إلى (أخصب منه، لم يكن له ذلك) بغير إذن صاحبه، لعدم الحاجة إليه (وإن اتفقا) أي: الراهن والمُرتَهِن (عليه) أي: على نقلها إلى خصب مثل مكانها، أو أخصب (جاز) لأن الحق لا يعدوهما. (ولا يُجبر الراهن على مداواة الرهن) ولا فتح عرقه؛ لأن الشفاء بيد الله تعالى، وقد يجيء بدونه، بخلاف النفقة. (ولا) يُجبر الراهن على (إنزاء الفحل على الإناث) لأنه ليس مما يحتاج إليه بقائها (و) لا يُجبر على (نحو ذلك مما لا يُحتاج إليه لبقاء الرهن). وإن احتاجت الماشية لراعٍ، لزم الراهن؛ لأنه لا قِوام لها بدونه. (وإن جَرِبَتِ الماشية) المرهونة (فللراهن دَهْنها بما يُرجى نفعه ولا

стр. 3514

يُخاف ضرره، كالقَطِران والزيت اليسير) كمداواة القن (وإن خيف ضرره كـ) ــالزيت (الكثير، فللمُرتَهِن منعه) لأنه ربما فوَّت عليه الرهن. (وهو) أي: الرهن (أمانة في يد المرتهن) لحديث أبي هريرة السابق (١)؛ ولأنه لو ضُمن لامتنع الناس من فعله خوفًا من الضمان، وذلك وسيلة إلى تعطيل المداينات، وفيه ضرر عظيم؛ وهو منفي شرعًا؛ ولأنه وثيقة بالدين، فلا يضمن كالزيادة على قدر الدين (ولو قبل العقد) بأن دفع له العين ليرهنها بعد فتلفت فلا ضمان (كـ) ــما لو تلف الرهن (بعد الوفاء أو الإبراء) من الدين. (وإن تلف) الرهن (بغير تعدٍّ منه) أي: المرتهن (أو تفريط؛ فلا شيء عليه) أي: المُرتَهِن (كما لو تلف تحت يد العدل) لما تقدم من أنه أمانة بيده. (وليس عليه) أي: المُرتَهِن مؤنة (رده) بل يخلي بين المالك وبينه (كالوديعة) والمؤجرة، بخلاف العارية. (فإن سأله مالكُه) أي: الرهن (دَفْعَه إليه) بعد فكه (لزم من هو في يده من المرتَهِن، أو العدل دفعه إليه) أي: أن يخلي بينه وبينه، كما تقدم (إذا أمكنه) ذلك (فإن لم يفعل) المرتَهِن، أو العدل مع الإمكان (صار ضامنًا) بمنعه ربه منه بلا عذر. (وإن تعدى) المرتهن (فيه) أي: الرهن (أو فرَّط؛ زال ائتمانه، كوديعة، ويصير) الرهن (مضمونًا) حينئذ لتعديه أو تفريطه (والرهن) باقٍ (بحاله) لأنه يجمع أمانة واستيثاقًا، فإذا زال أحدهما بقي الآخر. (ولا يسقط بهلاكه) أي: الرهن (شيءٌ عن دَيْنه) إن لم يتعدَّ أو

стр. 3515

يُفرِّط؛ لأنه كان ثابتًا في ذمة الراهن قبل التلف، ولم يوجد ما يُسقطه، فبقي بحاله (كدَفْعِ عبدٍ) أو نحوه لربِّ دين (يبيعه، ويأخذ حقه من ثمنه، وكحبس عين مؤجرة) تعجَّل ربها أجرتها ثم انفسخ العقد (بعد الفسخ على الأجرة، ويتلفان) أي: العبد المدفوع لمن يبيعه ويأخذ حقه من ثمنه، والعين المؤجرة المحبوسة على أجرتها بعد الفسخ، فلا يسقط الدَّين ولا الأجرة بتلفهما؛ لعدم تعلُّقه بهما. (بخلاف حبس البائع المبيعَ المتميزَ على ثمنه، فإنه يسقطُ) ثمنه (بتلفِهِ) في رواية (١)؛ لأنه عوضه، والرهن ليس بعِوض الدَّين. (و إذا تَلِف الرهن، لم يلزم الراهن أن يرهن مكانه رهنًا آخر) لأن الرهن من أصله جائز غير واجب. (وإن قضى بعضَ دينه) أي: دين المدين (أو أبرأ منه، وببعضه) أي: الدين (رهنٌ أو كفيل، وقع عمًّا نواه الدافع أو المبرئ) لأن التعيين في ذلك له؛ فينصرف إلى ما عيَّنه، فمن عليه مائتان بإحداهما رهن أو كفيل فوفي منهما مائة، أو أُبرئ منها، فإن نوى القاضي، أو المبرئ المائة التي بها الرهن أو الكفيل، وقع عنها وانفك الرهن، وبرئ الكفيل، وإن نوى الأخرى وقع عنها، والرهق أو الكفيل بحاله. (والقول قوله) أي: القاضي أو المبرئ (في النية واللفظ) لأنه أدرى بما صدر منه. (فإن أطلق) ولم يعيِّن إحدى المائتين بلفظه ولا نيته حال القضاء أو الإبراء (صَرَفَه) بعد ذلك (إلى أيهما شاء) لأن له ذلك في الابتداء، فكان له ذلك بعده، كما لو كان له مالان: حاضر وغائب، فأدَّى قَدْر زكاة

стр. 3516

أحدهما، كان له صَرْفه إلى أيهما شاء. (وإن تَلِف بعض الرهن) وبقي بعضه (فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن) لأن الدَّين كله متعلِّق بجميع أجزاء الرهن. (ولو) كان الرهن (عينين تَلِفت إحداهما) فالدَّين متعلِّق بالأخرى، لما تقدم. (ولا ينفكُّ شيءٌ من الرهن، ولو أمكن قِسمتُه حتى يقضي جميعَ الدين) حكاه ابن المنذر (١) إجماعَ من يحفظ عنه؛ لأن حق الوثيقة متعلِّق بجميع الرهن، فيصير محبوسًا بكل الحق وبكل جزء منه، لا ينفك منه شيء حتى يقضي جميعه (حتى ولو قضى أحدُ الوارثين ما يخصُّه من دين برهن) رهنه مورثه؛ لما تقدم. (ويُقيل قولُه) أي: المُرتَهِن (في التلف) بيمينه إن أطلق، أو ذكر سببًا خفيًّا، كسرقة؛ لأنه أمين (دون الردِّ) فلا يُقبل قوله فيه؛ لأنه قبض العين لحظ نفسه. (وإن ادعاه) المُرتَهِن، أي: التلف (بحادثٍ ظاهر، قُبِل قولُه) أي: المُرتَهِن (فيه) أي: في التلف (ببيِّنة تشهد بالحادث) الظاهر، لعدم خفائه (ثم) بعد إقامة البينة بالحادث الظاهر، يُقبل (قوله) أي: المُرتَهِن (في تلفه به) أي: بالحادث الظاهر (بدونها) أي: بدون بينة تشهد بأنه تلف بالحادث الظاهر. (وإن رَهَنه عند رجلين) مثلًا (فوفَّى أحدَهما) انفك في نصيبه؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين، فكأنه رهن كل واحد منهما النصف منفردًا.

стр. 3517

(أو رهنه رجلان) مثلًا (شيئًا، فوفَّاه أحدُهما) ما عليه (انفكَّ) الرهن (في نصيبه) لأن الراهن متعدد، فتعلَّق على كل منهما بنصيبه (كتعدُّد العقد) فلو رهن اثنان عبدًا لهما عند اثنين بألف، فهذه أربعة عقود، ويصير كل ربع منه رهنًا بمائتين وخمسين، فمتى قضاه في شيء، انفكَّ من الرهن بقَدْر ذلك. ذكره القاضي. (فإن أراد من انفكَّ نصيبه) من الرهن (مقاسمة المُرتَهِن، وكان الرهن مما لا تنقصه القسمة، كالمكيل والموزون، فله ذلك، وإلا) بأن كان مما تنقصُه القِسمة (فلا) يجيبه المُرتَهِن؛ لما عليه من الضرر (ويُقَرُّ في يد المُرتَهِن بعضه رهنٌ وبعضه وديعة) حتى يوفي دينه دفعًا للضرر. (وإذا حلَّ الدينُ، لزم) المدين (الراهنَ الإيفاءُ) لأنه دين حالٌّ، فلزم إيفاؤه، كالذي لا رهن به. (فإن امتنع) المدين (من وفائه، فإن كان الراهن أذِنَ للمُرتَهِن) في بيعه (أو) أذن (العدل في بيعه، باعه) لأنه مأذون له فيه (ووفَّى الدين) من ثمنه (لكن لو باعه العدل) بإذن الراهن (اشتُرط إذن المُرتَهِن) لأن البيع لحقه، فلم يجز حتى يأذن فيه (ولا يحتاج إلى تجديد إذن الراهن) لأن الأصل بقاؤه على الإذن. (ويجوز للعدل أو المُرتَهِن) إذا أتلف الرهن وأخذت قيمته مكانه (بيع قيمة الرهن) أو مثله (كأصله) المأخوذ عنه القيمة (بالإذن الأول) ولا يحتاج إلى تجديد إذن؛ لأن البدل يقوم مقام مبدله. (فإن لم يكن) الراهن (أذن) في بيع الرهن (أو) كان (أذن) فيه (ثم عزله، رفع) المُرتَهِن (الأمر إلى حاكم فيجبره) أي: المدين (على وفاء الدَّين، أو بيع الرهن) للوفاء من ثمنه؛ لأن هذا شأن الحاكم.

стр. 3518

قال في "المغني": وقياس المذهب، أنه متى عزله عن البيع، فللمرتَهِن فسخ البيع الذي حصل الرهن بثمنه، كما لو امتنع الراهن من تسليم الرهن المشروط في البيع. (فإن لم يفعل) الراهن ذلك (حبسه) الحاكم (أو عزَّره ليبيعه) أو يوفي الدين (فإن أبى) الراهن (باعه) الحاكم (عليه، وقضى الدَّين) من ثمنه؛ لأنه تعيَّن طريقًا إلى أداء الواجب فوجب أداؤه. (و حكم) المدين (الغائب حكمُ الممتنع من الوفاء) فيبيع الحاكم عليه ويوفي الدين؛ لأن له ولاية مال الغُيَّب (١)، كما يأتي في القضاء. (قال الشيخ (٢): ومتى لم يُمكن بيعُ الرهن إلا بخروج المديون من الحبس أو كان في بيعه - وهو في الحَبْس - ضررٌ عليه، وجب إخراجه) من الحبس ليبيعه (ويضمن عليه، أو يمشي معه، هو) أي: رب الحق (أو وكيله) إن خيف هربه، دفعًا للضرر. فصل (وإذا قَبَض الرهنَ من تراضى المتراهنان أن يكون) الرهن (على يده، صح قبضه) للرهن (وكان وكيلًا للمُرتَهِن) في قبضه (وقام قبضُه مقامَ قبض المرتَهِن في اللزوم به) أي: بقبضه (إذا كان ممن يجوز توكيله؛ وهو الجائز التصرف) أي: الحر البالغ الرشيد (مسلمًا كان) من اتفقا على أن يكون الرهن تحت يده (أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا، ذكرًا أو أنثى) لأنه جاز

стр. 3519

توكيله في غير الرهن، فجاز فيه كالعدل، قاله في "الكافي" و"المغني" وغيرهما. وهو واضح، بخلاف ما توهمه عبارة "المقنع" و"المنتهى" من اعتبار العدالة (لا صبيًّا) أو مجنونًا، أو سفيهًا؛ لأنه غير جائز التصرُّف. (فإن فعلا)، أي: جعلاه تحت يد صبي، أو نحوه (فقبضه وعدمه سواء) لا أثر له. (ولا عبدًا بغير إذن سيده) لأن منافعه لسيده، فلا يجوز تضييعها في الحفظ من غير إذنه (ولا مكاتبًا بغير جُعْل) لأنه ليس له التبرُّع، وإن كان بجُعْل، جاز؛ لأن له التكسُّب بغير إذن سيده. (وإن شرط جعله) أي: الرهن (في يد اثنين، لم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه) لأن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما معًا، فلم يجز لأحدهما الانفراد كالوصيين. (ويمكن اجتماعهما في الحفظ؛ بأن يجعلاه) أي: الرهن (في مخزن عليه لكلِّ واحد منهما قُفْلٌ) بضم القاف؛ وهو الغَلَقُ من خشب أو حديد. (فإن سلَّمه) أي: الرهن (أحدهما إلى الآخر فعليه ضمان النصف) لأنه القدر الذي تعدى فيه (فإن مات أحدهما) أي: أحد الاثنين اللذين شرط جعل الرهن بيدهما (أو تغيَّرت حالُه بفسق، أو ضعف عن الحفظ، أو عداوة) لأحد المتراهنين (أُقيم مقامَه عدل يُضمُّ إلى الآخر) فيقيمه الحاكم إن لم يتراضَ المتراهنان. وإن شرط أن يكون الرهن يومًا بيد المرتهن، ويومًا بيد فلان، جاز، ذكره القاضي في مواضع، قاله المجد في "شرحه".

стр. 3520

(وليس للراهن ولا للمُرتَهِن - إذا لم يتفقا - ولا للحاكم نَقْل الرهن عن يد من تشارطا) أي: الراهن والمُرتَهِن (أن يكون) الرهن (على يده، إن كان) المشروط جعله تحت يده (عدلًا، ولم تتغير حاله عن الأمانة، ولا حدث (١) بينه وبين أحدهما عداوة) لأنهما رضيا به في الابتداء؛ ولأنهما إذا لم يملكاه، فالحاكم أولى. (وله) أي: لمن اتفقا أن يكون الرهن تحت يده (ردُّه) أي: الرهن (عليهما) أي: المتراهنين (وعليهما قَبوله) منه؛ لأنه أمين متطوع بالحفظ، فلم يلزمه المقام عليه؛ كسائر الأمانات (فإن امتنعا) أي: المتراهنان من أخذ الرهن من العدل (أجبرهما الحاكم) على أخذه منه (فإن دفعه الحاكم إلى أمين من غير امتناعهما) من أخذه (ضمن الحاكم والأمين معًا) الرهن؛ لتعدِّي الحاكم بدفعه مع حضور مستحقَّيه، وعدم امتناعهما؛ إذ لا ولاية له على الحاضر غير الممتنع، وتعدي الأمين بأخذه مال الغير بغير مقتضٍ. (وكذلك لو تَرَكه) أي: الرهن (العدلُ عند آخر مع وجودهما) أي: المتراهنين (ضمن العدل والقابض) الرهن، لما تقدم. (وإن امتنعا) أي: المتراهنان من قبض الرهن من العدل (ولم يجد) العدل (حاكمًا) أهلًا (فتركه) العدل (عند عدلٍ آخر، لم يضمن) أحدٌ منهما الرهن للعُذر. (وإن امتنع أحدُهما) أي: المتراهنين من قبض الرهن من العدل (لم يكن له) أي: للعدل (دفعه) أي: الرهن (إلى الآخر) فإن امتنع الراهن لم يدفعه للمُرتَهِن، أو امتنع المُرتَهِن لم يكن له دفعه للراهن؛ لأنه متى سلَّمه

стр. 3521

لأحدهما فوَّت على الآخر حقه (فإن فعل) أي: دفع العدل الرهن لأحدهما بغير إذن الآخر (ضمن) ما فات على الآخر. (فإن كانا) أي: المتراهنان (غائبين، أو تغيَّبا) مسافة القصر (وكان للعدل عُذر من مرض، أو سفر، أو نحوه، دَفَعه) العدل، أي: الرهن (إلى الحاكم فقبضه) منه (أو أقبضه) الحاكم (عدلًا) لقيام الحاكم مقامهما حينئذٍ. (فإن لم يجد) العدل (حاكمًا أودعه) العدل (ثقةً) للحاجة (فإن أودعه) العدل (الثقة وجود الحاكم) العدل (ضَمِن) لقيام الحاكم مقامهما؛ وقد عَدَل عنه. (وإن لم يكن له) أي: للعدل (عُذْر): من مرض، أو سفر ونحوهما (وكانت الغيبة) أي: غيبة المتراهنين (دون مسافة القصر، فكما لو كانا حاضرين) لأن ذلك في حكم الإقامة، وإن كانت مسافة القصر، قبضه الحاكم منه، فإن لم يجد حاكمًا دفعه إلى عدل، قاله في "المغني". (وإن كان أحدُهما) أي: الراهن والمُرتَهِن (غائبًا وحده، فحكمه (١) حاكم الغائبين، وليس له) أي: العدل (ردُّه) أي: الرهن (إلى الحاضر منهما) لأن في رده إليه تضييع حظ الغائب منه. (وكل موضع قلنا: لا يجوز له) أي: العدل (دفعه) أي: الرهن (إلى أحدهما) أي: الراهن والمُرتَهِن (إذا دفعه) العدل (إليه، فعليه) أي: العدل (ردُّه) أي: الرهن (إلى يده) استدراكًا لحظ الآخر (فإن لم يفعل) العدل (ضمن حق الآخر) لأنه فوته عليه.

стр. 3522

(وإن اتفقا) أي: الراهن والمُرتَهِن (على نقله) أي: الرهن (عن يده) أي: العدل (جاز) لأن الحق لا يعدوهما. (وكذلك لو كان الرهن في يد المُرتَهِن، فلم تتغيَّر حاله، لم يكن للراهن ولا للحاكم نقله من يده) إذ لا حاجة تدعو إلى ذلك. (فإن تغيَّرت حال العدل بفسق أو ضعف، أو حدثت عداوة بينه وبينهما، أو بينه وبين أحدهما، فلمن طلب نقْلَه) أي: الرهن (عن يده ذلك) لدعاء الحاجة إليه (ويضعانه) أي: يضع الراهن والمُرتَهِن الرهن (في يد من اتفقا عليه) أي: على أن يكون تحت يده؛ لأن الحق لا يعدوهما. (فإن اختلفا) فيمن يضعانه عنده (وضعه الحاكم عند عدل) قطعًا للنزاع. (وإن اختلفا) أي: الراهن والمُرتَهِن (في تغير حاله) أي: العدل (بحث الحاكم) عن حاله (وعمل) الحاكم (بما ظهر له) لأنه محل اجتهاد. (وهكذا لو كان) الرهن (في يد المُرتَهِن فتغيَّرت حاله) أي: المُرتَهِن (في الثقة) أي: العدالة (والحفظ؛ فللراهن رفعه) أي: الرهن (عن يده إلى الحاكم ليضعه) أي: الرهن (في يد عدل) لدعاء الحاجة إلى ذلك. وإن اختلفا في تغير حال المُرتَهِن، بحث الحاكم وعمل بما ظهر له، كما تقدم في العدل. (وإن مات العدل) والرهن بيده (أو) مات (المُرتَهِن) والرهن بيده (لم يكن لورثتهما إمساكه) أي: الرهن (إلا برضاهما) أي: الراهن

стр. 3523

والمُرتَهِن فيما إذا مات العدل؛ لأن المتراهنين لم يأمنا الورثة. وإن مات المُرتَهِن والرهن بيده لم يكن لورثته إمساكه إلا برضا الراهن؛ لأن الراهن لم يرضَ بحفظهم (فإن اتفقا عليه) أي: على بقاء الرهن بيد ورثة العدل، أو المُرتَهِن؛ جاز (أو) اتفقا (على عدل يضعانه) أي: الرهن (عنده) حينئذٍ (فلهما ذلك) لأن الحق لا يعدوهما. (وإن اختلفا) أي: الراهن والمُرتَهِن (عند موت العدل) فيمن يضعانه عنده (أو اختلف الراهن وورثة المُرتَهِن) بعد موته فيمن يضعانه عنده (رفعا الأمر إلى الحاكم ليضعه بيد عدل) قطعًا للنزاع. (وإن أذن الراهن والمُرتَهِن للعدل في البيع) وعيَّنا له نقدًا لم يخالفهما؛ لأنه وكيلهما (وإن أذن الراهن للمُرتَهِن فيه) أي: في بيع الرهن (وَعَيَّنَ) الراهن له (نقدًا، تَعيَّن) ذلك النقد، ولم يكن له مخالفته؛ لأنه وكيل (وإلا) بأن لم يعيِّنا للعدل نَقْدًا في الأولى، ولم يعيَّن الراهن للمُرتَهِن نقدًا في الثانية (لم يبع) العدل أو المرتهن (إلا بنقد البلد) لأن الحظ فيه. (فإن كانت فيه نقود باع بأغلبها) رواجًا (فإن تساوت) في الرواج (باع) الرهن (بجنس الدَّين) لأنه أقرب إلى وفاء الحق. (فإن لم يكن فيه) أي: في نقد البلد (جنس الدَّين، باع بما يرى أنه أصلح) لأن عليه الاحتياط فيما هو متوليه، كالحاكم (فإن تساوت) في نظره (عيَّن الحاكم) له (نقدًا يبيع به) لأنه أعرف بالأحظ، وأبعد من التُّهمة. (وإن اختلف الراهن والمُرتَهِن على العدل في تعيين النقد، لم يسمع) العدل (قول واحد منهما، ويرفع) العدل (الأمر إلى الحاكم،

стр. 3524

فيأمره) الحاكم (ببيعه بنقد البلد، سواء كان من جنس الحق، أو لم يكن) من جنسه، وسواء (وافق قول أحدهما، أو لا) لأن الحظ في ذلك. (وحكمه) أي: حكم العدل أو المُرتَهِن (في البيع) للرهن (حكم الوكيل في وجوب الاحتياط) على ما سيذكره في الوكالة؛ لأنه وكيل. (و) حكمه أيضًا حكم الوكيل في (المنع من البيع بدون ثمن المِثْل وغير ذلك) مما يأتي تفصيله (لكن لا يبيع هنا نَساءً) أي: حتى على القول بأن الوكيل يبيع نساءً؛ لأن قرينة الحال هنا تخالفه. (ومتى خالف) العدل أو المُرتَهِن (لزمه) في مخالفته (ما يلزم الوكيل المخالف) على ما يأتي. (وإن قبض) العدل (الثمن فتلف في يده من غير تعدٍّ، ولا تفريط - ويُقبل قوله في تلفه -) أي: تلف الثمن، وفي نفي تعد وتفريط؛ لأنه أمين (فمن ضمان الراهن) لأنه ملْكه، فيفوت عليه، وإن قال الراهن للعدل: ما قبضت الثمن من المشتري فالقول قول العدل؛ لأنه أمين. فصل (وإن استُحِقَّ الرهن المبيعُ) أي: خرج مستحقًا (رجع المشتري على الراهن) لأن المبيع له، فالعهدة عليه كما لو باع بنفسه، وحينئذٍ لا رجوع له على العدل (إن أعلمه العدلُ أنه وكيلٌ) لا يقال: يرجع المشتري على العدل؛ لكونه قبض الثمن بغير حق؛ لأنه سُلِّم إليه على أنه أمين في قبضه يسلمه إلى المُرتَهِن، فلم يجب عليه ضمانه (وإلا) بأن لم يعلمه أنه وكيل (فـ) ــإنه يرجع (على العدل) لأنه غرَّه (وهكذا كل وكيل باع مال غيره) ثم بان مستحقًّا.

стр. 3525

(فإن علم المشتري) باستحقاق المبيع (بعد تَلف الثمن في يد العدل رجع) المشتري (- أيضًا - على الراهن) بالثمن (ولا شيء على العدل) حيث أعلم المشتري بالحال، لما تقدم. (فأما المُرتَهِن فقد بان له أنَّ عقد الرهن كان فاسدًا) لكون الراهن رهنه ما لا يملكه بغير إذن ربه (فإن كان) الرهن (مشروطًا في البيع، ثبت له) أي: للمُرتَهِن (الخيار فيه) أي: في البيع؛ لأن المشتري لم يوفِ له بشرطه (وإلا) يكن الرهن مشروطًا في البيع (سقط حَقُّه) من الاستيثاق، ولم يملك المطالبة ببدله؛ لأن الرهن غير واجب، وكذا حكم قرض. (وإن كان الراهن مفلسًا حيًّا أو ميتًا) وباع العدل الرهن، وتلف ثمنه بيده، ثم ظهر مستحقًا (كان المُرتَهِن والمشتري أسوةَ الغرماء) لأنهم تساووا في ثبوت حقهم (١) في الذِّمة. (وإن خرج) الرهن (مستحقًا بعد دفع الثمن إلى المُرتَهِن، رجع المشتري على المُرتَهِن) بما قبضه؛ لأنه صار إليه بغير حق، فكان رجوعه عليه كما لو قبضه منه. (وإن كان) الرهن ليس مستحقًا لكن (المشتري ردَّه بعيب، لم يرجع على المُرتَهِن) لأنه قبضه بحق (ولا على العدل) إن أعلمه أنه وكيل؛ لأنه أمين (ويرجع) المشتري حينئذٍ (على الراهن) لأن الرهن ملكه، وعهدته عليه، كما تقدم. (وإن كان العدل حين باعه) أي: الرهن (لم يُعْلِم المشتري أنه وكيل، كان للمشتري الرجوع عليه) أي: العدل؛ لأنه غرَّه (ويرجع هو) أي: العدل (على الراهن) لأن قرار الضمان عليه، لما تقدم و (إن أقرَّ

стр. 3526

العدل بالعيب) في المبيع - لأنه يُقبل قوله فيما وُكِّلَ فيه - (أو ثبت) العيب (ببينة. وان أنكر) العدل العيب (فقوله مع يمينه) لأن الأصل عدم العيب، جزم به في "شرح المنتهى" وغيره هنا تبعًا "للمغني"، لكنه نبَّه بعد ذلك على الخلاف في المسألة، وتقدم أن القول قول المشتري بيمينه، حيث احتمل حدوث العيب، فلا يحتاج إلى إقرار العدل، ولا إلى بينة، ولا إلى تحليف العدل. ثم فرَّع على الأول: (فإن نَكَلَ) العدل (فقُضي عليه بالنُّكُول، ورجع المشتري عليه) أي: العدل (لم يرجع العدل على الراهن؛ لأنه يقر (١) أن المشتري ظَلَمه) ولا يرجع المظلوم إلا على من ظلمه، أو تسبب في ظلمه. (وإن تلف المبيع في يد المشتري، ثم بان) المبيع (مستحقًّا قبل وزن ثمنه) أو بعده (فللمغضوب منه تضمين من شاء من الغاصب) وهو الراهن (والعدل، والمُرتَهِن، والمشتري) ذكر معناه في "المغني" و"الكافي"، وقال: لأن كل واحد منهم قبض ماله بغير حق. انتهى. وهذا ظاهر أن وضع المُرتَهِن يده عليه، وإلا فلا طلب عليه، كما يدل عليه تعليله. قال ابن نصر الله: إذ لا تعلُّق للمُرتَهِن به؛ لأنه دم يقبضه ولا قبض ثمنه، فكيف يضمنه؟!. (ويستقرُّ الضمان على المشتري، ولو لم يعلم بالغَصْب؛ لأن التَّلَف) حصل (في يده) ويرجع على الراهن بالثمن الذي أخذ منه، إن كان أخذه منه.

стр. 3527

وإذا باع العدل الرهن بيعًا فاسدًا، وجب رده، فإن تعذَّر رده، فللمُرتَهِن تضمين من شاء من العدل والمشتري أقل الأمرين من قيمة الرهن، أو قَدْر الدين؛ لأنه يقبض ذلك مستوفيًا لحقه؛ لأنه رهنه، فلم يكن له أكثر من دينه، وما بقي للراهن يرجع به على من شاء منهما، وإن وفى الراهن المُرتَهِن، رجع بقيمته على من شاء منهما، ويستقرُّ الضمان على المشتري، لحصول التلف في يده، قاله في "الكافي". (وإن ادَّعى العدل دفعَ الثمن إلى المُرتَهِن، فأنكر) المُرتَهِن أخذه (ولم يكن) العدل (قضاه ببينة، ولا حضور راهن؛ ضمن) العدل؛ لتفريطه في القضاء بغير بينة (كما لو أمره) الراهن (بالإشهاد فلم يفعل) أي: يشهد (ولا يُقبل قوله) أي: العدل (عليهما) أي: على الراهن والمُرتَهِن (في تسليمه) أي: الثمن (لمُرتَهِن) أما كونه لا يُقبل قوله على الراهن؛ فلأنه يدَّعي الدفع إلى غيره، وأما أنه لا يقبل قوله على المُرتَهِن؛ فلأنه إنما هو وكيله في الحفظ، لا في دفع الثمن إليه (فيحلف مُرتَهِن) أنه ما أخذ دينه مثلًا (ويرجع على أيهما شاء) أي: العدل أو الراهن. (فإن رجع) المُرتَهِن (على العدل؛ لم يرجع العدل على أحد) لأنه يُقرُّ ببراءة ذمة الراهن، ويدَّعي أن المُرتَهِن ظلمه. (وإن رجع) المُرتَهِن (على راهن، رجع) الراهن (على العدل) لتفريطه في القضاء بغير بينة. (وإن دفعه العدل) أي: الثمن (إلى المُرتَهِن بحضرة الراهن) لم يرجع الراهن عليه، إذا أنكر المُرتَهِن، وغرم؛ لأنه لا يُعدُّ مفرطًا حينئذٍ (أو) دفع العدل الثمن للمُرتَهِن (ببينة، وسواء كانت) البينة (حاضرة أو غائبة، حية أو ميتة، إن صَدَّقه المُرتَهِن) صوابه: الراهن؛ إذ لو صدَّق

стр. 3528

المُرتَهِن لم يطالب بدينه (لم يرجع) الراهن إذا أنكر المُرتَهِن، ورجع على الراهن (عليه) أي: العدل؛ لأنه لا يُعدُّ مفرِّطًا مع الإشهاد. وعُلم منه: أن العدل لو ادَّعى القضاء بحضرة الراهن، أو أنه أشهد وغاب، أو مات شهوده، وأنكره الراهن، فقوله؛ لأن الأصل عدم ذلك. (ويأتي حكم الوكيل) في قضاء دين إذا أنكره المقضي في الوكالة، وأنه كالعدل في ذلك. (وإن غصب المُرتَهِن الرهن من العدل، ثم ردَّه إليه؛ زال عنه الضمان) لأنه ردَّه إلى وكيل الراهن في إمساكه، فأشبه ما لو أذن له في دفعه إليه. (ولو كان الرهن في يد المُرتَهِن فتعدَّى) المرتَهِن (فيه، ثم أزال التعدي، أو سافر) المُرتَهِن (به) أي: الرهن (ثم ردَّه) أي: عاد به من السفر (لم يَزُلْ عنه الضمان) كما لو صدر ذلك من العدل؛ لأن استئمانه زال بذلك، فلم يَزُل بفعله مع بقائه بيده، بخلاف ما قبلها، فإنه ردَّه إلى يد نائب مالكه. وعُلم من ذلك: أنه ليس له أن يسافر بالرهن مع القُدرة على صاحبه، فإن فعل صار ضامنًا، بخلاف ما قالوه في الوديعة. قال المجد: ولعل الفرق: أن الرهن يتعلَّق ببلده أحكام؛ من بيعه بنقده، وبيعه فيه لوفاء الدَّين، وغير ذلك، فلذلك تعيَّن بقاؤه فيه عند حاكم أو ثقة. (وإذا استقرض ذمي من مُسلمٍ مالًا، فرهنه خمرًا؛ لم يصح، سواء جعله في يد ذمي أو غيره) لأنها ليست مالًا (فإن باعها الراهن) الذمي (أو نائبه الذمي) من ذمي (وجاء المُقرِض بثمنها؛ لزمه قَبوله، فإن أبى) قَبوله

стр. 3529

(قيل له: إما أن تقبض، وإما أن تبرئ) لأن أهل الذِّمة إذا تقابضوا العقود الفاسدة جرى مجرى الصحيحة. قال عمر في أهل الذمة معهم الخمور: ولُّوهم بَيْعَهَا، وخُذُوا من أثمانها (١). (وإن جعلها) أي: الخمر (في يد مسلم، فباعها المسلم) ولو من ذمي (لم يجبر المرتَهِن على قَبول الثمن) بل ولا يجوز له قَبوله؛ لبطلان البيع، وبقاء الثمن على ملك ربه الأول. (وإن شَرَط) في الرهن (أن يبيع المُرتهن أو العدل الرهن) عند حلول الحق (صح) شرطه؛ لأن ما صح توكيل غيرهما فيه، صح توكيلهما فيه، كبيع عين أخرى (ولم يؤثِّر) ذلك الشرط (فيه) أي: في عقد الرهن فسادًا، كسائر الشروط الصحيحة في سائر العقود. (وكذا كل شَرْط وافق مقتضى العقد) ولم ينافه، سواء كان العقد رهنًا أو غيره، فلو أعاره شيئًا ليرهنه إلى أجل على دَيْن حالٍّ، يعني أنه شرط على المُرتَهِن أن لا يباع قبل الأجل المُسمَّى، فرهنه على ذلك، صح الرهن عندي، وظاهر كلام القاضي في "المجرد": أنه لا يصح، قاله المجد في "شرح الهداية". (وإن عزلهما) الراهن، أي: المُرتَهِن أو العدل، عن بيع الرهن (أو مات) الراهن (عُزِلا) لأن الوكالة عقد جائز، فلم يلزم المقام عليها، وسواء (٢) (عَلِما) بعزله أو موته (أو لم يعلما) ذلك، كسائر الوكلاء. (وإن أتلف الرهنَ في يد العدل أجنبيٌ، فعلى المُتلِف بدله) أي: مثل الرهن إن كان مثليًّا، وإلا فقيمته (يكون رهنًا في يده) أي: العدل

стр. 3530

(بمجرَّد الأخذ) من المُتلِف، كبدل هدي وأضحية. (وله) أي: للعدل (المطالبة به) أي: بالبدل على المُتلِف، كالوديعة؛ لأن له ولاية حفظه. (فإن كان البدل من جنس الدَّيْن، وقد أذن) الراهن (له) أي: العدل (في وفائه) أي: الدَّيْن (من ثمن الرهن، ملك إيفاءه منه) أي: من البدل من جنسه؛ لأنه كثمنه. وإن كان البدل من غير الجنس، فقياس المذهب له بيعه، كنمائه على ما ذكره القاضي، وجزم به المصنف فيما تقدم. وفي "الكافي": الصحيح لا؛ لأنه لم يؤذن له فيه، ولا هو تبع لما أذن فيه، بخلاف النماء. (وإن شرط) في الرهن (شرطًا لا يقتضيه العقد، كالمُحرَّم) من خمر أو خنزير ونحوهما (و) شرط رهن (المجهول والمعدوم، وما لا يقدر على تسليمه) كآبق وشارد (ونحوه) مما لا يصح بيعه، (أو) شرط ما (ينافيه) أي: ينافي مقتضى عقد الرهن (نحو: أن لا يُباع) الرهن (عند حلول الحق، أو لا يُباع ما خيف تَلفُه) مما يُسرع إليه الفساد ونحوه (١)، (أو) شرط (بيعه بأي ثمن كان، أو) شرط أن (لا يبيعه إلا بما يرضيه، أو) أن (ينتفع به الراهن، أو) أن ينتفع به (المُرتَهِن، أو) شرط (كونه مضمونًا على المُرتَهِن، أو) مضمونًا على (العدل، أو) شرط أن (لا يقبضه، أو) شرط (إن جاءه) الراهن (بحقه في مَحِلِّه) أي: أجله (وإلا، فالرهن له) أي: المُرتَهِن (بالدَّيْن) أو إن لم يأته بحقه، فالرهن مبيع له بالدَّيْن (الذي له عليه) أي: على الراهن (أو) شرط الراهن أنَّ المُرتَهِن (لا يستوفي الدَّيْن من ثمنه، أو شرطا الخيار للراهن، أو) شرطا أن (لا يكون العقد لازمًا في

стр. 3531

حقه) أي: الراهن (أو) شرطا (توقيت الرهن) بأن قالا: هو رهن عشرة أيام (١) (أو) شرطا أن (يكون الرهن يومًا رهنًا ويومًا لا) يكون رهنًا (أو) شرطا (كون الرهن في يد الراهن، فالشرط فاسد) لمنافاته مقتضى العقد (والرهن صحيح) مع فساد الشرط؛ لحديث: "لا يغلقُ الرهنُ"، رواه الأثرم عن عبد الله بن جعفر (٢). قال الإمام (٣): لا يدفع رهنًا إلى رجل ويقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا، وإلا فالرهن لك. ووجه الدليل منه: أنه ﷺ نفى غلق الرهن دون أصله؛ فدلَّ على صحته، وقيس عليه سائر الشروط الفاسدة. (لكن إذا لم يكن) الرهن (مقبوضًا) بيد المُرتَهِن، أو نائبه (فـ) ــهو (غير لازم) لأن شرط لزومه قبضه، كما سبق (٤). (و) لكن (إن كان) الرهن (مجهولًا، أو) كان (مُحرَّمًا ونحوه) كالمعدوم وسائر ما لا يصح بيعه، مما لا يقدر على تسليمه ونحوه (فباطل) لعدم حصول المقصود منه، وتقدَّم بعضه (٥).

стр. 3532

(وإذا رهنه أَمَةً، وشرط كونها عند امرأته (١)، أو) عند (ذي) رحم (مَحْرمٍ لها) بنسب أو غيره (أو) شرط (كونها في يد المُرتَهِن، أو أجنبي على وجه لا يُفضي إلى الخلوة بها، مثل أن يكون لهما) أي: للأجنبي والمُرتَهِن (زوجات، أو سراريّ، أو نساء من محارِمِهما معهما في دارِهما، جاز) لأنه لا يُفضي إلى الخلوة المُحرَّمة بها. (وإن لم يكن كذلك) بأن لم يكن للمُرتَهِن، أو الأجنبي زوجات، ولا سراريّ، ولا نساء معهما في دارهما (فسد الشرط؛ لإقضائه إلى الخلوة المُحرَّمة، ولا يفسد الرهن) لأنه لا يفضي إلى نقص ولا ضرر في حق المتعاقدين. (ويجعلها) أي: الأَمَة المرهونة (الحاكم) حينئذ (على يد من يجوز أن تكون عنده) من امرأة، أو مَحْرَمٍ، أو أمين له زوجات أو سراريّ، أو محارم على وجه لا يُفضي إلى الخلوة المُحَرَّمة. (وإن كان مرتَهِنُ العبد امرأة لا زوج لها، فشرطت كونه عندها على وجه يُفضي إلى خلوته بها) بأن لم يكن معها مَحْرَم ولا زوج (لم يَجُز - أيضًا -) لإفضائه إلى الخلوة المُحَرَّمة، ويجعله الحاكم عند أمين. (وإن قال الغريم: رهنتُك عبدي هذا على أن تزيدني في الأجل) بأن كان الدَّين مؤجلًا إلى رجب، ورهنه على أن يمده إلى رمضان مثلًا (كان) الرهن (باطلًا) لأن الأجل لا يثبت في الدَّين إلا أن يكون مشروطًا في عقد وجب به، وإذا لم يثبت الأجل فسد الرهن؛ لأنه في مقابلته (وإذا فسد الرهن وقبضه المرتَهِن، فلا ضمان عليه) إن تلف بيده؛ لما ذكره من أن

стр. 3533

فاسد العقود كصحيحها في الضمان وعدمه، والرهن الصحيح غير مضمون، ففاسده كذلك. (وكل عقد كان صحيحًا مضمونًا) كالبيع (أو غير مضمون) كالإجارة (ففاسده كذلك) أي: كصحيحه في الضمان وعدمه. (فإن كان) الرهن (مؤقتًا) فهو فاسد، جزم به في "الكافي". وظاهر ما قدَّمه في "المغني" و"المبدع" صحته، كما هو مقتضى كلام المصنف أولًا. (أو شرط أنه) أي: الرهن (يصير للمُرتَهِن بعد انقضاء مدته، صار بعد ذلك) أي: بعد انقضاء مدته (مضمونًا؛ لأنه مقبوض بحكم بيع فاسد) جزم به في "المغني" وغيره. وقال في "القواعد الفقهية" (١): والمنصوص عن أحمد في رواية محمد بن الحسين (٢) بن هارون: أنه لا يضمنه بحال. ذكره القاضي في "الخلاف" لأن الشرط فسد، فيصير وجوده كعدمه. (و حكمُ الفاسدِ من العقود حكمُ الصحيح في الضمان) فالمبيع بعقد صحيح مضمون، فكذا المقبوض ببيع فاسد كما سبق. فصل (وإذا اختلفا) أي: الراهن والمُرتَهِن (في قَدْرِ الدَّيْن الذي به الرهن، نحو أن يقول الراهن: رهنتك عبدي هذا بألف، فقال المُرتَهِن:

стр. 3534

بل بألفين) فقول راهن بيمينه، سواء اتفقا على أن (١) الدَّيْن ألفان، أو اختلفا. (أو) اختلفا في (قَدْر الرهن، نحو أن يقول) الراهن: (رهنتك هذا، فقال المُرتَهِن: وهذا - أيضًا -) فقول راهن بيمينه. (أو) اختلفا في (ردِّه) أي: ردّ الرهن، بأن قال المُرتَهِن: رددته إليك، وأنكر الراهن، فقوله بيمينه، وتقدم (٢). (أو قال) الراهن: (رهنتُك بـ) ــالدَّين (المؤجَّل من الألفين، فقال) المُرتَهِن: (بل) رهنتنيه (بالحالِّ) منهما، فقول الراهن بيمينه. (أو قال) الراهن: رهنتُكَه (ببعض الدَّيْن) أي: بنصفه، أو ربعه ونحوه (فقال المُرتَهِن: بل بكلِّه) أي: الدَّيْن، فقول الراهن بيمينه. (أو قال) الراهن: (أقبضتُك عصيرًا، في عقد شُرِطَ فيه رهنُه) بأن باعه بشرط أن يرهنه هذا العصير، وأقبضه إياه، ثم وجده خمرًا، فقال الراهن: أقبضتُكه عصيرًا، وتخمَّر عندك، فلا فسخ لك؛ لأني وفيت بالشرط (فقال) المُرتَهِن: (بل) أقبضتنيه (خمرًا) فلي الفسخ؛ لعدم الوفاء بالشرط، فقول راهن. (أو اختلفا في عين الرهن، نحو رهنتُك هذا) العبد (فقال المُرتَهِن: بل هذا) العبد (فقول الراهن يمينه) لأنه منكرٌ، والأصل عدم ما أنكره؛ ولأن القول قوله في أصل العقد، فكذلك في صفته. (وإن اختلفا) أي: الراهن والمُرتَهِن (في تلف العين) المرهونة (أو) اختلفا في (قيمتها، حيث لزمت) القيمة (المرتَهِن) لتلف العين المرهونة بتعديه، أو تفريطه (فقوله) أي: قول المُرتَهِن بيمينه، أما في تلف العين؛

стр. 3535

فلأنه أمين، وأما في قيمتها حيث لزمته؛ فلأنه غارم. (وإن أبرأه) أي: الراهن (المرتَهِن من أحد الدينين) اللذين له عليه (واختلفا في تعيينه) أي: الدين المبرَّأ منه (فقول مُرتَهِن) وهو المبرئ؛ لأنه أدرى بما صدر منه، وتقدم. (وإن قال) الراهن: (رهنتُك هذا العبد، فقال) المرتهن: (بل هذه الجارية، خرج العبد من الرهن) لإقرار المرتهن بأنه ليس رهنًا (وحلف الراهن أنه ما رهنه الجارية، وخرجت) الجارية (من الرهن - أيضًا -) لأن القول قوله في عدم رهنها؛ لأنه الأصل. (ولو ادعى المرتهن أنه قبضه) أي: الرهن (منه) أي: الراهن، وأنكره الراهن (قُبِلَ قوله) أي: المُرتَهِن (إن كان) الرهن (بيده) أنه قبضه؛ عملًا بظاهر اليد، وإلا، فقول راهن. (ولو كان بيد رجلٍ عبدٌ، فقال لـ) ـــرجل (آخر: رهنتني عبدك هذا بألف، فقال) مالكه: (بل غصبته، أو) قال: (هو وديعة عندك، أو عارية، فقول السيد، سواء اعترف اليد بالدَّين، أو جَحَده) لأن الأصل عدم الرهن. (ولو قال) المرتهن: (أرسلتَ وكيلكَ، فرهنَ عندي هذا على ألفين قبضهما مني، فقال) الراهن: (ما أذنت له إلا في رهنه بألف، فإن صدَّق الرسولُ الراهنَ، حلف الرسولُ ما رهنه إلا بألف، ولا قبض إلا ألفًا، ولا يمين على الراهن) لأن الدعوى على غيره (فإذا (١) حلف الوكيل، بَرِئا جميعًا، أي: الرسول والراهن، وإن نَكَل) الرسول عن اليمين، وقضي عليه بالنكول (فعليه الألف المختلَف فيه، ولا يرجع به على أحد) لأنه يدعي أن المُرتَهِن ظلمه، ولا يرجع الإنسان بظلامته إلا على من ظلمه،

стр. 3536

أو تسبب في ظلمه. (وإن صدَّق) الرسول (المُرتَهِن، فقول الراهن مع يمينه) أنه وصله ألف فقط، ولم يأذنه في غيرها (فإن نَكَل) الراهن عن اليمين (قضي عليه بالألف، ويدفع) الألف (إلى المُرتَهِن) ولا يرجع به على الرسول (وإن حلف) الراهن (برئ) من الألف (وعلى الرسول ألف) لأنه أقرَّ بقبضها (ويبقى الرهن بألف. وإن عَدِمَ الوكيل، أو تعذَّر إحلافه) لنحو أسر، أو مرض (فعلى الراهن اليمين: أنه ما أذن في رهنه إلا بألف، ولا قبض أكثر منه، وبقي الرهن بألف) لأنه منكِرٌ للزائد. (ولو قال: رهنتُك عبدي الذي بيدك بألف، فقال) ذو اليد: (بل بعتنيه بها، أو قال) المالك: (بعتُكه) أي: العبد (به) أي: بالألف (فقال) ذو اليد: (بل رهنتنيه به، ولا بينة) لواحد منهما (حلف كلٌّ منهما على نفي ما ادَّعى عليه به) لأنه ينكره، والأصل عدمه (وسقط) ما ادَّعى به كل منهما على الآخر، يحلف كل على نفيه (ويأخذ الراهن رهنه، ويبقى الألف بلا رهن) ومن نكَل منهما قضي عليه بالنُّكول، فإن نكلا، صرفهما على قياس ما تقدم في اختلاف المتبايعين (١). (وكل أمين يُقبل قوله في الرد) كالوديع، والوكيل، والوصي بغير جعل (فطُلِب منه) الرد (فليس له تأخيره) أي: الرد (حتى يشهد عليه) لعدم الحاجة إلى ذلك (ولو قلنا: يحلِف) إذ لا ضرر في الحلف صادقًا. (وكذا مستعير ونحوه) ممن لا يُقبل قوله في الرد، كمُرتَهِن، ووكيل بجُعْل (لا حجة) أي: بيِّنة (عليه) إذا طُلب منه الرد، ليس له

стр. 3537

تأخيره حتى يشهِدَ؛ لتمكنه من الإجابة، بنحو: لا حق له قِبَلي. (وإن كان عليه) أي: على المستعير ونحوه (حجة، فله تأخيره) حتى يشهِد (كدَيْن بحجة) له تأخيره حتى يشهِد؛ لدعاء الحاجة إلى ذلك (فإذا قبض الوديعة ببينة دفعها ببينة) بناءً على رواية (١): أنه إذا قبض الوديعة ببينة لم يُقبل قوله في الرد إلا ببينة. والمذهب (٢): يُقبل قوله في ردِّها بيمينه، وإن قبضها ببيِّنة، كما يأتي في الوديعة، فعلى هذا إذا طلبت منه، لزمه دفعها، ولا يؤخره ليشهد، كما تقدم. (ولا يلزمه) أي: مَن له دَيْن، أو عارية ونحوها بوثيقة (دفع الوثيقة) إلى خصمه (بل) يلزمه (الإشهاد بأخذه) أي: أخذ الدَّيْن ونحوه؛ لأنها ملكه، والغرض يحصُل بالإشهاد بأخذه. (قال في "الترغيب": لا يجوز للحاكم إلزامه به) أي: بدفع الوثيقة، لما تقدم. (وكذا الحكم في تسليم بائع كتاب ابتياعه إلى مشترٍ) أي: لا يلزم البائع ذلك (ويأتي) ذلك (آخر الوكالة. وإن أقرَّ الراهن أنه أعتق العبدَ) المرهون (قبل رهنه، وكذَّبه المرتَهِن، عتق) العبد؛ لأن السيد غير متهم في الإقرار بعتقه؛ لأنه لو أعتقه لنفذ عتقه، فكذا إذا أخبر به؛ لأن كل من صح منه إنشاء عقد، صح منه الإقرار به (وأخذت منه) أي: من الراهن (قيمته إن كان موسرًا، وجعلت) القيمة (رهنًا) مكانه (كما لو باشر عتقه) لأنه فوَّت عليه الوثيقة بالإقرار بالعتق، فلزمته القيمة، تجعل مكانه، جبرًا لما فاته من الوثيقة،

стр. 3538

وإن كان معسرًا، فعلى ما سبق من التفصيل. (وإن أقر) الراهن (أنه) أي: الرهن (كان جنى) قبل الرهن (أو أنه) كان (باعه، أو) كان (غصبه) قبل الرهن (قُبل) إقرار الراهن (على نفسه) إذ لا عُذر لمن أقرَّ. (ولم يقبل) إقراره (على المرتهن) لأنه متهم في حقه، وقول الإنسان على غيره غير مقبول (إلا أن يصدقه) أي: الراهنَ المرتهنُ؛ فيبطل الرهن، لوجود المقتضي السالم عن المعارض. (ويلزم المرتَهِن اليمينُ) إذا طُلب منه (أنه ما يعلم) صدق (ذلك) الذي أقرَّ به الراهن (فإن نكل) المرتَهِن عن اليمين (قضي عليه) بالنكول، لما يأتي في بابه. فصل (وإذا كان) الرهن (مركوبًا، أو محلوبًا، فله) أي: المُرتَهِن (أن يَركب ويَحلُب حيوانًا، ولو أَمَة مرضعة بغير إذن راهن بقَدْرِ نفقته نصًّا) من رواية محمد بن الحكم، وأحمد بن القاسم (١)؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "الظَّهرُ يُركب بنفقته إذا كانَ مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشربُ بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يَركبُ ويَشربُ النفقة" رواه البخاري (٢). لا يقال: المراد به أن الراهن ينفق وينتفع؛ لأنه مدفوع بما روي:

стр. 3539

"إذا كانت الدابةُ مرهونة فعلى المرتهن علفُها" (١) فجعل المرتَهِن هو المنفق، فيكون هو المنتفع، وقوله: "بنفقته" أي: بسببها، إذ الانتفاع عوض النفقة، وذلك إنما يتأتى من المرتهن، أما الراهن فإنفاقه وانتفاعه ليسا بسبب الركوب والشرب، بل بسبب الملك، ويكون المرتهن (متحريًّا للعدل في ذلك) أي: في كون الركوب والحلْب بقَدْرِ النفقة؛ لئلا يحيف على الراهن. (وسواء أنفق) المرتهن (مع تعذُّر النفقة من الراهن بـ) ــسبب (غيبة أو امتناع) أو غيرهما (أو) أنفق (مع القدرة على أخذ النفقة منه) أي: الراهن (أو استئذانه) لعموم الخبر. (ولا ينهكه) - أي: المحلوب والمركوب - بالحلب والركوب؛ لما فيه من الضرر به. (فإن فضل) عن النفقة (من اللبن شيء باعه المأذون له) من مرتهن أو غيره؛ لقيامه مقام المالك (وإلا) بأن لم يأذن الراهن لأحد في بيعه (باعه الحاكم) لقيامه مقامه، إذ لو تركه لفسد. (وإن فضل من النفقة شيء) بأن لم يَفِ اللبن والركوب بها (رجع) المُرتَهِن (به على راهن) إن نوى الرجوع عليه؛ لأنه قام عنه بواجب، وللمرتهن الرجوع في هذه الصورة إذا نوى الرجوع (وإن لم يرجع إذا أنفق على الرهن في غير هذه الصورة في ظاهر كلامهم) هذا معنى كلامه في

стр. 3540

"الإنصاف" نقلًا عن الزركشي (وإن كان) المرتهن (متطوِّعًا) بما فضل من النفقة (لم يرجع) بشيء. (و لا يجوز للمُرتَهِن أن يتصرَّف في) الرهن (غير المركوب والمحلوب، فلا ينفق على العبد والأَمَة، ويستخدمهما بقَدْر النفقة) قصرًا للنص على مورده. (و) يجوز (للمُرتَهِن أن ينتفع بالرهن بإذن راهن مجانًا) أي: بغير عوض، وبعوض (ولو بمحاباة) في الأجرة، لأنه كالانتفاع به بغير عوض (ما لم يكن الدَّين قرضًا) فلا ينتفع به المُرتَهِن، ولو أذن الراهن مجانًا أو بمحاباة؛ لأنه يصير قرضًا جرَّ نفعًا. "تنبيه": فرَّق المصنفُ هنا - كأكثر الأصحاب - بين القرض وغيره من الديون، وتقدم في القرض (١): أن كل غريم كالمقترض في الهدية ونحوها، فمقتضاه: عدم الفرق هنا (٢). وذكر صاحب "المستوعب": أن في غير القرض روايتين (٣)، فيكون المصنف كصاحب "المنتهى" مشى في كل باب على رواية. (وإن استأجره) أي: الرهن (المُرتَهِن، أو استعاره) المُرتَهِن (لم يخرج) المرهون (بذلك عن الرهن) خلافًا للقاضي (لأن القبض مُستدام) بيده، ولا تنافي بين العقدين (لكن يصير) الرهن (في العارية مضمونًا) بالانتفاع، وتقدم (٤).
следующие страницы →