والأجرة عليه في الموضعين) لأن عليه توفية العمل، وهذا من توفيته.
(وإذا ظهرت الثمرة، ثم تلفت إلا واحدةً، فهي بينهما) على ما شرطا كالكلِّ.
(ويلزم من بلغت حصتُه منهما نصابًا زكاتُه) لأن العامل يملك حصته بالظهور، كربِّ المال.
(وإن ساقاه على أرض خراجية، فالخراج على ربِّ المال) لأنه يجب على رقبة الأرض، سواء أثمرت الشجر، أو لم تثمر، زرع الأرض أو لم يزرعها.
(وإذا ساقى) ربُّ المال (رجلًا، أو زارعه، فعاملَ العاملُ غيرَه على الأرض، أو الشجر بغير إذن ربِّه، لم يجز) كالمضارب لا يضارب بالمال.
(فإن استأجر أرضًا، فله أن يُزارع فيها) لأن منافعها صارت مستحقة له، فملك المزارعة فيها كالمالك (والأجرة على المستأجر دون المُزارع) لما تقدم في الخراج (١).
(وكذلك يجوز لمن في يده أرضٌ خراجيَّةٌ أن يُزارِعَ فيها، والخراجُ عليه دون المُزارِع) كما مرَّ في المساقاة.
(وللموقوف عليه أن يُزارِع في الوقف ويُساقيَ على شجره) كالمالك، وكذلك ينبغي في ناظر الوقف إذا رآه مصلحة.
(ويُتَّبع في الكُلف السلطانية) أي: التي يطلبها السلطان (العُرْفُ، ما لم يكن شَرْط) فيُعمل بمقتضاه، فما عُرف أَخْذُه من ربِّ المال، كان عليه، وما عُرف أَخْذُه من العامل، كان عليه.
(وما طُلب من قرية من كُلف سُلطانية ونحوها، فعلى قَدْر الأموال،
стр. 3887
فإن وُضِعَ على الزَّرع، فعلى ربِّه، أو) وُضِعَ (على العقار، فعلى ربِّه، ما لم يشرط على مستأجر، وإن وُضِعَ مطلقًا فالعادة) قاله الشيخ (١).
وقال (٢): ولمن له الولاية على المال، أن يصرف فيما يخصُّه من الكُلف، كناظر الوقف، والوصي، والمضارب، والوكيل. قال (٢): ومن لم يخلص مال غيره من التلف إلا بما أدى عنه، رجع به في أظهر قولي العلماء.
(ويُعتبر) في مزارعة (معرفةُ جنس البَذْر، ولو تعدَّد) البَذْر (و) معرفة (قَدْره) أي: البذر، كالشجر في المساقاة؛ ولأنها معاقدة على عمل، فلم تجز على غير معلوم الجنس والقَدْر، كالإجارة (وفي "المغني": أو تقدير المكان) وتعيينه، أو بمساحته.
(وإن شرط) ربُّ المال للعامل (إن سقى سيحًا، أو زرعها شعيرًا، فالربعُ، و) إن سقى (بكُلفة، أو) زرع (حنطه، النصفُ) لم يصح للجهالة (أو) قال ربُّ المال: (لك نصفُ هذا النوع، ورُبْع الآخر، ويَجهلُ العاملُ قَدْرهما) أي: النوعين، لم يصح للجهالة (أو) قال: (لك الخُمسان إن لزمتك خسارةٌ، وإلا الربعُ) لم يصح للجهالة (أو قال) ربُّ المال: (ما زرعتَ من شعير فلي رُبْعُهُ، وما زرعتَ من حنطة فلي نصفُه) ولم يبيّن البذر، لم يصح للجهالة.
(أو) قال: (سَاقَيْتُك على هذا البستان بالنصف على أن أُساقيك على الآخر بالربع، لم يصح) لأنه كبيعتين في بيعة المنهي عنه.
(وإن قال: ما زرعتَ من شيء فلي فصفه، صح) لما تقدم أن النبيَّ
стр. 3888
- ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (١).
(وإن ساقى أحدُ الشريكين شريكَه، وجعل له من الثمر أكثر من نصيبه، مثل أن يكون الأصل بينهما نصفين، فجعل له ثلثي الثمرة، صح، وكان السُّدس حصته من المساقاة) كما لو ساقى أجنبيًّا بذلك.
(وإن جعل الثمرة بينهما نصفين، أو جعل للعامل الثلث، فَسَدت) المساقاة؛ لأنه لم يُجعل للعامل شيء في مقابلة عمله (ويكون الثمر بينهما بحكيم الملك) نصفين، وشرط الثلث للعامل باطل؛ لأن غير العامل يأخذ من نصيب العامل جزءًا ويستعمله بلا عوض، فلا يصح (ولا يستحق العامل شيئًا) في نظير عمله (لأنه متبرِّع) به. وإن شرط للعامل كلَّ الثمرة، فَسَدت أيضًا، وله أُجرة مِثْله.
فصل في المزارعة
وتقدم تفسيرها أول الباب (تجوز) المزارعة (بجزء مشاع معلوم يُجعل للعامل من الزَّرع، كما تقدم) لقصة خَيبر.
(فإن كان في الأرض شجرٌ، فزارعه الأرضَ، وساقاه على الشجر) الذي بها (صح) سواء قلَّ بياض الأرض أو كَثُر، نص عليه (٢)، وقال: قد "دَفَعَ النَّبيُّ ﷺ خَيبَر على هذا". ولأنهما عقدان يجوز إفرادُ كلِّ واحد منهما، فجاز الجمع بينهما، كالبيع والإجارة.
стр. 3889
(وإن أجره الأرضَ، وساقاه على الشجر) الذي بها (صح، كجمع بين إجارة وبيع) ما لم يكن حيلة.
(وإن كان حيلةً على بيع الثمرة قبل وجودها، أو قبل بُدُوِّ صلاحها، بأن أجره الأرضَ بأكثر من أجرتها وساقاه على الشجر بجزء من ألف جزء ونحوه، حَرُم) ذلك (ولم يصح) كلٌّ من الإجارة والمساقاة.
قال المنقِّح: قياس المذهب بطلان عقد الحيلة مطلقًا. ومقتضى ما قدَّمه في "المنتهى": أنه يصح في الإجارة، ويبطل في المُساقاة.
(وسواء جَمَعَا بين العقدين) أي: الإجارة والمساقاة (أو عَقَدَا واحدًا بعد الآخر، فإن قُطع بعض الشجر المثمر - والحالة هذه - فإنه ينقص من العوض المستحَقِّ بقَدْر ما ذهب من الشجر، سواء قيل بصحة العقد، أو فساده، وسواء قطعه المالك أو غيره) قاله الشيخ تقي الدين (١).
قلت: مقتضى القواعد: أنه لا يسقط من أجرة الأرض شيء إذا قلنا بصحتها؛ لأن الأرض هي المعقود عليها، ولم يَفُتْ منها شيء، وأما إذا فسدت، فعليه أجرة مثل الأرض، ويرد الثمرة وما أخذه من ثمر الشجر، وله أجرة مِثْل عمله فيها، والله أعلم.
(ولا تصح إجارة الأرض وشجر فيها لحَمْلها) أي: حمل الشجر، وهو ثمرها وورقها ونحوه، وحكاه أبو عبيد إجماعًا (٢)، وجوَّزه ابن عقيل تبعًا للأرض ولو كان الشجر أكثر، واختاره الشيخ تقي الدين (٣)
стр. 3890
وصاحب "الفائق".
(وتصح إجارتها) أي: الشجرة (لنشر الثياب عليها ونحوه) كالاستظلال بها؛ لأنه نفع مباح.
(ويُشترط) للمزارعة (كون البذر من ربِّ الأرض ولو أنه العامل، وبقَرِ العمل من الآخر) لأنهما يشتركان في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال من أحدهما، كالمضاربة.
(ولا تصح) المزارعة (إن كان البذر من العامل، أو) كان البذر (منهما) أي: من العامل وربِّ الأرض (أو) كان البذر (من أحدهما والأرض لهما) لما تقدم (أو) البذر من واحد، و (الأرض والعمل من الآخر، أو) الأرض من واحد والعمل من آخر و (البذر من ثالث، أو) الأرض من واحد، والعمل من آخر، والبذر من ثالث، و (البقر من رابع) فلا تصح في جميع هذه الصُّور؛ لأن البذر ليس من ربِّ الأرض.
(وعنه (١): لا يشترط كون البذر من ربِّ الأرض، واختاره الموفَّق، والمجد، والشارح، وابن رَزين، وأبو محمد) يوسف (الجوزي، والشيخ (٢)، وابن القيم (٣)، وصاحب "الفائق" و"الحاوي الصغير"، وهو الصحيح) قاله في "المغني"، قال في "الإنصاف": وهو أقوى دليلًا (وعليه عمل الناس) لأن الأصل المعوَّل عليه في المزارعة قضية خَيبر، ولم يذكر النبيُّ ﷺ أن البذر على المسلمين.
(وإن قال) ربُّ أرضٍ لعامل: (آجرتُكَ نصفَ أرضي بنصفِ البذر،
стр. 3891
ونصفِ منفعتِك ومنفعة بقَرِك وآلتِك، وأخرج المُزارعُ البذر كلَّه، لم يصح؛ لجهالة المنفعة.
وكذلك لو جعلها) أي: المنفعة (أُجرةً لأرضٍ أخرى، أو) أجرة لـ (ــدارٍ، لم يَجُزْ) لجهالة المنفعة.
(و) إذا فسدت وكان البذر من العامل، فـ (ــالزرع كلُّه للمُزارع) لأنه صاحب البذر، لأنه عَيْنُ ماله، تَقلَّب من حال إلى حال (وعليه أجرة مِثْل الأرض) لأن ربَّها دخل على أن يأخذ ما سُمِّي له، فإذا فات، رجع إلى بدله؛ لكونه لم يرضَ ببذل أرضه مجانًا، وإن كان البذر منهما فالزرع لهما بحسبه.
(فإن أمكن عِلْمُ المنفعة) أي: منفعة العامل، وبَقَره، وآلته (وضبطُها بما لا تختلف معه، ومعرفةُ البذر) وأجرة نصف الأرض بنصف البذر والمنفعة (جاز) لانتفاء الغرر والجهالة (وكان الزرع بينهما) نصفين؛ لأن البذر الذي هو أصله كذلك.
(وإن شرط) المزارع (أن يأخذ ربُّ الأرض مثل بذره، و) أن (يقتسما الباقي ففاسد) كأنه اشترط لنفسه قُفزانًا مَعلومةً، وهو شرط فاسد تفسد به المُزارعةُ؛ لأنه قد لا يخرج من الأرض إلا ذلك القدر، فيختصُّ به المالك، وربما لا تخرجه، وموضوعها على الاشتراك.
(وإن شرط) في المزارعة، أو المساقاة (لأحدهما) أي: رب البذر والشجر، أو العامل (قُفْزانًا معلومة) لم تصح لما تقدم (أو) شرط لأحدهما (دراهم معلومة) لم تصح؛ لأنه ربما لا يخرج من الأرض إلا ذلك فيؤدي إلى الضرر (أو) شرط لأحدهما (زرعَ ناحيةٍ معينة) فسدت،
стр. 3892
قال في "المغني" و"المبدع": بإجماع العلماء (١) (أو) يشترط لأحدهما (ما على الجداول، إما منفردًا، أو مع نصيبه؛ فَسدت المزارعةُ والمساقاة.
ومتى فَسد العقدُ) أي: عقد المزارعة والمساقاة (فالزرعُ) لصاحب البذر، وعليه أجرة العامل (والثمرُ لصاحبه) أي: البذر، أو الشجر (وعليه الأجرة) للعامل؛ لأنه عَمِل بعوض لم يُسَلَّم له.
(وحكمُ المزارعة حكمُ المساقاة فيما ذكرنا) فيما تقدم من الأحكام (والحصادُ، والدِّياسُ، والتصفيةُ) أي: تصفية الحبِّ من التبن (واللِّقاطُ، على العامل) لأنه من العمل الذي لا يستغنى عنه، ولقصة خيبر.
(ويُكره الحصاد والجذاذ ليلًا) لأنه ربما أصابه أذىً من نحو حيَّة.
(وإن دفع رجل بذره إلى صاحب الأرض ليزرعَهُ في أرضه، ويكون ما يخرج بينهما؛ ففاسدٌ) لكون البذر ليس من ربِّ الأرض (ويكون الزرع لمالك البذر) لأنه عين ماله تقلَّب من حال إلى حال (وعليه أُجرة الأرض، و) أجرة (العمل) في الزرع؛ لأنه إنما بذل نفعهُ، ونفع أرضه بعوض، لم يُسَلَّم له، فرجع ببدله.
(وإن قال) ربُّ أرض: (أنا أزرع الأرض ببذري، وعواملي، وتسقيها بمائك، والزرع بيننا، لم يصح) لأن موضوع المزارعة على أن يكون من أحدهما الأرض، ومن الآخر العمل، وصاحب الماء ليس منه أرض ولا عمل ولا بذر، ولأن الماء لا يباع ولا يستأجر، فكيف تصح المزارعة به؟!
(و إن زارع شريكَهُ في نصيبه، صح؛ بشرط أن يكون للعامل أكثرُ من نصيبه) بأن يكون الأصل بينهما نصفين، فيقول أحدهما للآخر: اعمل
стр. 3893
عليه ولك الثلثان، فيصح، ويكون السدس الزائد في نظير عمله في حصة شريكه.
(وتقدم) نحوه في المساقاة (١) (قريبًا.
وما سقط من حبٍّ وقتَ حصادٍ، فَنَبت في العام القابل فلِربِّ الأرض مالكًا كان) ربُّ الأرض (أو مستأجرًا، أو مستعيرًا) نص عليه (٢)؛ لأن ربَّ الحبِّ أسقط حقه منه بحكم العُرف، وزال ملكه عنه؛ لأن العادة ترك ذلك لمن يأخذه.
(وكذا نصَّ) الإمام (٣) (في من باع قصيلًا، فحُصِد، وبقي يسيرًا، فصار سنبلًا، فـ) ــهو (لربِّ الأرض) لما تقدم.
(ويُباح التقاط ما خَلَّفه الحصَّادون من سُنْبُلٍ، وحبٍّ، وغيرهما) بلا خلاف، لجريان ذلك مجرى نبذه على سبيل الترك له (ويَحرُم منعُه، قاله في "الرعاية") لأنه منعٌ من مباح.
(وإذا غَضَبَ زرعَ إنسانٍ، وحَصَده) الغاصب (أُبيح للفقراء التقاطُ السنبلِ المتساقِطِ، كما لو حصدها المالك، وكما يُباحُ رَعْيُ الكلأ من الأرض المغصوبة) واستشكل بدخول الأرض المغصوبة.
(وإن خرج الأكَّار) أي: الزرَّاع (باختياره، وترك العمل قبل الزرع، أو بعده قبل ظهوره) أي: الزرع (وأراد) الأكَّار (أن يبيع عمل يديه) في الأرض (٤) من حرث ونحوه (وما عمل) أي: أنفق (في
стр. 3894
الأرض؛ لم يجز) ذلك، خلافًا للقاضي في "الأحكام السلطانية" (١) (ولا شيء له) كالعامل في المساقاة.
(وإن أخرجه مالكُ ذلك، فله أجرةُ) مِثْل (عمله، وما أنفق في الأرض) لأنه عمل بعوض لم يُسَلَّم له، فوجب له بدله، وهو قيمته. وعُلم منه: أنه إذا فسخت المزارعة بعد ظهور الزرع، للعامل نصيبه، وعليه تمام العمل كالمساقاة.
(ولا يجوز) لربِّ الأرض (أن يَشرط على الفلاح شيئًا مأكولًا، ولا غيره) أي: غير مأكول (من دجاج، ولا غيرها التي يسمُّونها خدمة) ويُسمَّى الآن ضيافة، (ولا أخذه) أي: الدجاج ونحوه (بشرط ولا غيره) إلا أن ينوي مكافأته، أو الاحتساب به من أجرة الأرض، أو كانت العادة جارية بينهما به قبل أن يعطيه أرضه، على قياس ما تقدم في القرض (٢).
(ولو أجر) إنسان (أرضه سنة لمن يزرعها، فزرعها) المستأجر زرعًا ينبت في سنة (فلم ينبت الزرع في تلك السنة، ثم نبت في السنة الأخرى، فهو للمستأجر، وعليه الأجرة لربِّ الأرض مدة احتباسها) فيلزمه المُسمَّى للسنة الأولى، وأجرة المِثل للثانية (وليس لربِّ الأرض مطالبته) أي: المستأجر (بقلعه) أي: الزرع (قبل إدراكه) لأنه وضعه بحقٍّ، وتأخره ليس بتقصيره.
стр. 3895
باب الإجارة
مشتقة من الأجر، وهو العِوَض، ومنه سُمِّي الثواب أجرًا؛ لأن الله تعالى يُعوِّض العبدَ به على طاعته، أو صبره عن معصيته.
وهي ثابتة بالإجماع (١).
وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢)، ومن السنة: حديث عائشة في خبر الهجرة قالت: "واستأجَر رسولُ الله ﷺ وأبو بكر رجلًا منْ بَني الدِّيل هاديًا خِرِّيتًا". والخِّريت: الماهِر بالهداية؛ رواه البخاري (٣).
والحاجة داعية إليها، إذ كل إنسان لا يقدر على عقار يسكنه، ولا على حيوان يركبه، ولا على صنعة يعملها، وأرباب ذلك لا يبذلونه مجانًا، فجوِّزت طلبًا للرفق.
(وهي) لغة: المجازاة.
وشرعًا: (عقد على منفعة مباحة معلومةٍ، تؤخذ شيئًا فشيئًا).
وهي ضربان، أُشير (٤) إلى الأول منهما بقوله: (مدَّة معلومة، من عين معلومة) معينة، كـ: أجرتُك هذا البعير (أو) من عين (موصوفة في الذِّمة) كـ: أجرتُك بعيرًا صفته كذا، ويستقصي صفته.
стр. 3896
وأُشير إلى الضرب الثاني بقوله: (أو عمل معلوم) وقوله: (بعِوض معلوم) راجع للضربين، فعلمت أن المعقود عليه هو المنفعة لا العين، خلافًا لأبي إسحاق المروزي؛ لأن المنفعة هي التي تُستوفى، والأجرة في مقابلتها، ولهذا تُضمن دون العين، وإنما أُضيف العقد إلى العين؛ لأنها محل المنفعة ومنشؤها، كما يُضاف عقد المساقاة إلى البستان، والمعقود عليه الثمرة، والانتفاع تابع، ضرورة أن المنفعة لا توجد (١) عادة إلا عقبه.
(ويُستثنى من) قولهم: (مدة معلومة) صورتان: إحداهما تقدمت في الصلح (٢). والأخرى: (ما فُتح عَنوةً ولم يُقْسم) بين الغانمين (فيما فعله عمر ﵁ (٣)) في أرض الخراج، فإنه وقف أرض ذلك على المسلمين، وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام، ولم يقدِّر مدتها؛ لعموم المصلحة فيها.
وأركان الإجارة خمسة: المتعاقدان، والعوضان، والصيغة.
(وهي) أي: الإجارة (والمساقاة، والمزارعة، والعرايا، والشُّفعة، والكتابة، ونحوها) كالسَّلَم (من الرُّخص المباحة المستقرِّ حكمها على وفق القياس) قال في "الفروع": لأن من لم يخصص العلَّة، لا يُتصور عنده مخالفة قياس صحيح، ومن خصَّصها فإنما يكون الشيء خلاف (٤) القياس إذا كان المعنى المقتضي للحكم موجودًا فيه، وتخلَّف الحكم عنه.
стр. 3897
(ولا تصح) الإجارة (إلا من جائز التصرُّف) لأنها عقد معاوضة كالبيع.
(وتنعقد) الإجارة (بلفظ: إجارةٍ (١) وما في معناها) كالكراء، سواء (أضافه إلى العين، نحو: آجرتُكَها، أو: أكريتُكَها، أو) أضافه (إلى النفع، نحو) قوله: (آجرتُك) نفع هذه الدار (أو: أكريتُك) نفع هذه الدار (أو: ملكتُك نفعَها.
و) تنعقد - أيضًا - (بلفظ: بيع، إضافةً إلى النفع، نحو) قوله: (بعتُك نفعَها، أو): بعتُك (سُكنى الدار، ونحوه، أو أطلق) لأنها بيع، فانعقدت بلفظه كالصرف.
قال الشيخ تقي الدين (٢): التحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ كان من الألفاظ التي عَرَف بها المتعاقدان مقصودَهما، وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحد حدًّا لألفاظ العقود، بل ذكرها مطلقة. وكذا قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٣)، وصحَّحه في "التصحيح" و"النظم". وقال في "المنتهى": وبلفظ بيع؛ إن لم يضف إلى العين. ومعناه في "التلخيص" قال: مضافًا إلى النفع، كـ: بعتُك نفعَ هذه الدار شهرًا، وإلا لم يصح، نحو: بعتُكها (٤) شهرًا.
(و لا تصح) الإجارة (إلا بشروط ثلاثة:
أحدها: معرفة المنفعة) لأنها هي المعقود عليها؛ فاشترط العلم بها كالمبيع، ومعرفتها: (إما بالعُرف) وهو ما يتعارفه الناس بينهم
стр. 3898
(كسُكْنى الدَّار شهرًا) لأن السُّكنى متعارفة بين الناس، والتفاوتُ فيها يسير، فلم يحتج إلى ضبطه (و) كـ (ــخدمة الآدمي سنة) لأن الخدمة - أيضًا - معلومة بالعُرف، فلم تحتج إلى ضبط كالسُّكنى (فيخدمه في الزمن الذي يقتضيه العُرف) قال في "النوادر" و"الرعاية": إن استأجره شهرًا يخدم ليلًا ونهارًا، فإن استأجره للعمل استحقه ليلًا. انتهى. والمراد: ما جرت به العادة من الليل، قال في "الهداية": يخدم من طلوع الشمس إلى غروبها، وبالليل ما يكون من خدمة أوساط الناس.
(فإذا كان لهما عُرف، أغنى عن تعيين النفع، و) عن تعيين (صفته، وينصرف الإطلاق إليه) أي: إلى العُرف؛ لتبادره إلى الذهن.
(فإذا كان عُرف الدار السُّكنى) واكتراها فله السُّكنى، على ما يأتي (أو لم يكن) للدار عُرف (واكتراها) أي: الدار (لها) أي: للسُّكنى (فله السُّكنى.
و) له (وَضْع متاعه فيها، ويترك فيها من الطعام ما جرت عادة الساكن به) قال في "المبدع": ويستحق ماء البئر تبعًا للدار في الأصح.
(وله) أي: المستأجر (أن يأذن لأصحابه، وأضيافه في الدخول) بها (والمبيت فيها) لأنه العادة. وقيل لأحمد (١): يجيء زوار، عليه أن يخبر صاحب البيت بهم؟ قال: ربما كثروا، أرى أن يخبر، وقال: إذا كان يجيئه الفرد، ليس عليه أن يخبره.
(وليس له) أي: للساكن (أن يعمل فيها حدادةً، ولا قصارةً) لأنه ليس العُرف، و - أيضًا - يضر بجدرانها.
(ولا) يجعلها (مخزنًا للطعام) لأنه يضرُّ بها، والعُرف لا يقتضيه.
стр. 3899
(ولا أن يُسكِنها دابة) لما تقدم. قلت: إن لم تكن قرينة، كالدار الواسعة التي فيها إسطبل مُعدٌّ للدواب، عملًا بالعُرف.
(ولا يَدَع) المستأجر (فيها رمادًا، ولا ترابًا، ولا زبالة، ونحوها) مما يضرُّ بها؛ لحديث: "لا ضَررَ ولا ضِرار" (١).
(وله) أي: المستأجر (إسكان ضيف وزائر) لأنه ملك السُّكنى، فله استيفاؤها بنفسه، وبمن يقوم مقامه.
(وإما بالوصف، كحمل زُبْرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين) فلا بُدَّ من ذكر الوزن والمكان الذي يحمل إليه؛ لأن المنفعة إنما تُعرف بذلك، وكذا كلُّ محمول.
(ولو كان المحمول كتابًا، فوجد) الأجيرُ (المحمولَ إليه غائبًا) ولا وكيل له (فله) أي: الأجير (الأجرة) المسمَّاة (لذهابه، و) له أجرة مثل (ردِّه) لأنه ليس سوى رده إلا تضييعه، وقد علم أنه لا يرضى تضييعه، فيتعين رده.
(وإن وجده) أي: وجد الأجيرُ المحمولَ إليه (ميتًا، ففي "الرعاية" وهو ظاهر "الترغيب": له المُسمَّى فقط، ويردُّه) لأنه أمانة بيده. ولعل الفرق أن الموت ليس من فعل الميت، بخلاف الغيبة، فكان الباعث مفرِّطًا بعدم الاحتياط.
(قال أحمد (٢): يجوز أن يستأجر) الأجنبي (الأَمَةَ والحُرَّة للخدمة) لأنها منفعة مباحة (ولكن يصرف) المستأجر (وجهه عن النظرة) للحُرة (ليست الأَمَة مثل الحُرَّة) فلا يُباح للمستأجر النظر لشيء من الحُرَّة
стр. 3900
بخلاف الأَمَة، فينظر منها إلى الأعضاء الستة، أو إلى ما عدا عورة الصلاة، على ما يأتي في النكاح. والحاصل: أن المستأجر لهما كالأجنبي (ولا يخلو) المستأجر (معها) أي: الحُرَّة (في بيت) بل ولا مع الأَمَة، كما يأتي في النكاح (ولا ينظر إليها متجرِّدة، ولا إلى شعرها) المتصل؛ لأنه عورة من الحرة بخلاف الأَمَة.
(و) تصح الإجارة (لبناء) دار ونحوها؛ لأنه نفع مباح (ويُقدَّر) البناء (بالزمان) كيوم أو شهر.
(وإن قُدِّر بالعمل) بأن استأجره لبناء حائط (فلا بُدَّ من معرفة موضعه) أي: البناء (لأنه يختلف بقرب الماء وسهولة التراب، ولا بُدَّ من ذِكْرِ طول الحائط، وعرضه، وسَمْكه) بفتح السين وسكون الميم، أي: ثخانته، وهو في الحائط بمنزلة العمق في غير المنتصب؛ ذكره في "الحاشية" (وآلته) أي: البناء (من طين، ولَبِنٍ، وآجُرٍّ، وشِيدٍ) أي: جِيرٍ (وغير ذلك) كالجص؛ لأن معرفة المنفعة لا تحصل إلا بذلك، والغرض يختلف، فلم يكن بدٌّ مِن ذِكره.
(ولو استؤجر لحفر بئرٍ، عشرة أذرع طولًا، وعشرة) أذرع (عرضًا، وعشرة) أذرع (عمقًا، فَحَفَر) الأجير (خمسة طولًا في خمسة عرضًا في خمسة عمقًا) وأردت أن تعرف ما يستحقه من الأجرة المسماة له (فاضرب عشرة في عشرة تبلغ مائة، ثم اضرب المائة في عشرة تبلغ ألفًا) فهي التي استؤجر لحفرها (واضرب خمسة في خمسة، بخمسة وعشرين، ثم اضربها في خمسة؛ بمائة وخمسة وعشرين) وذلك الذي حفره (و) إذا نسبت (ذلك) إلى الألف وجدته (ثُمن الألف، فله ثُمنُ الأجرة) لأنه وفَّى
стр. 3901
بثمن العمل (إن وجب له شيءٌ) من الأجرة، بأن ترك العمل لنحو صخرة منعته من الحفر. هذا قول صاحب "الرعاية". ويأتي في الباب ما يقابله، والآتي هو الصحيح من المذهب.
(وإن استأجره ليبني له بناءً معلومًا) كحائط موصوفة بما تقدم (أو) ليبني له (في زمن معلومٍ) كيوم أو أسبوع (فبناه) الأجير (ثم سَقَطَ البناء، فقد وفَّى) الأجير (ما عليه، واستحقَّ الأجرة) كاملة؛ لأن سقوطه ليس من فِعله، ولا تفريطه، هذا (إن لم يكن سقوطه من جهة العامل (١).
فأما إن) كان سقوطه من جهته بأن (فرَّط، أو بناه محلولًا، أو نحو ذلك، فسقط، فعليه إعادتُه، وغَرامةُ ما تلف منه) لتفريطه.
(وإن استأجره لبناء أذرع معلومة، فبنى بعضَها، ثم سقط) على أيِّ وجهٍ كان (فعليه إعادةُ ما سقط، و) عليه (تمام ما وقعت عليه الإجارة من الأذرع) مطلقًا؛ لأنه لم يوف بالعمل، وعليه غرم ما تلف إن فرَّط.
(ويصح الاستئجار لتطيين الأرض والسطوح والحيطان، و) الاستئجار لـ (ــتجصيصها) ونحوه؛ لأنه مباح، ويُقدَّر بالزمن.
(ولا يصح) الاستئجار (على) ذلك إذا قُدِّر بـ (ــعمل معين) بأن يقول: استأجرتُك لتطيين هذه الحائط، أو تجصيصها (لأن الطين) أو الجص (يختلف في الرقة والغِلظ، و) كذلك (الأرض منها العالي والنازل، وكذلك الحيطان والسطح) منها العالي والنازل (فلذلك لم يصح) الاستئجار لذلك (إلا على مدة) معلومة، كيوم أو شهر.
(وتصح إجارةُ أرضٍ معينة) برؤية؛ لأن الأرض لا تنضبط بالصفة (لزرعِ كذا) من بُرٍّ، أو قطن، ونحوهما (أو غرس) معلوم كمِشْمِش (أو
стр. 3902
بناء معلوم) كدار وصفها، بلا خلاف (أو) إجارتها (لزرع ما شاء، أو لغرس ما شاء) أو لبناء ما شاء (١) (كـ: أجرتُك لتزرع ما شئت، أو) أجرها (لغرسٍ، ويسكت) أو لبناء أو زرع، ويسكت (أو أجره الأرضَ وأطلق) بأن لم يعين زرعًا ولا غرسًا ولا بناء (وهي تصلح للزرع وغيره) فتصح الإجارة في جميع هذه الصور؛ للعلم بالمعقود عليه. قال الشيخ تقي الدين (٢): إن أطلق، أو قال: انتفِع بها ما شئت، فله زرع وغرس وبناء. (ويأتي له تتمة) في الباب.
(ويجوز الاستئجار لضرب اللَّبِن على مُدَّةٍ) كيوم أو شهر (أو) على (عمل) معلوم.
(فإن قدَّره بالعمل، احتاج إلى تعيين عدده، و) إلى (ذِكْرِ قَالبه، وموضع الضَّرب) لأنه يختلف باعتبار التركيب والماء (فإن كان هناك قالبٌ معروف لا يختلف، جاز) كما لو كان المكيال معروفًا.
(وإن قَدَّره بالطول والعَرْض والسمك، جاز) لانتفاء الغرر (ولا يكتفى بمشاهدة قالب الضَّرب إذا لم يكن معروفًا) لأن فيه غررًا، وقد يتلف كالسَّلَم.
(ولا يلزمه) أي: الأجير (إقامة اللَّبِن ليجفَّ) لأنه إنما استؤجر للضرب لا للإقامة (ما لم يكن شَرْطٌ، أو عُرفٌ) فيُرجع إليه. وظاهر ما قدَّمه في "المبدع" و"شرح المنتهى": لا يلزمه مع عُرف.
(ومثله) أي: إقامة اللَّبِن (إخراج الآجُرِّ من التنور الذي استؤجر
стр. 3903
لِشَيِّه) فلا يلزمه إن لم يكن شَرْطٌ، أو عُرفٌ؛ لما تقدم.
(وإن استؤجر لحفر قَبْرٍ، لزمه ردُّ ترابه) أي: القبر (على الميت؛ لأنه العُرف) و (لا) يلزمه (تطيينه) لأنه ليس بمشروع. وظاهره ولو كان العُرف.
(وإن استأجر للركوب، ذَكرَ) المستأجر (المركوبَ، فرسًا أو بعيرًا، ونحوه) كحمار (كمبيع) إن لم يكن مرئيًا (و) ذكر (ما يركب به من سرج وغيره) لأن ضرر المركوب يختلف باختلاف ذلك (و) ذكر (كيفية سيره، من هِملاج وغيره) لأن الغرض يختلف باختلافه. والهِملاج بكسر الهاء: من الهملجة (١)؛ مشية معروفة.
(ولا يُشترط ذِكرْ ذكوريته) أي: المركوب (وأنوثيته، ونوعه) فلا يُشترط في الفرس أن يقول: حِجْر (٢) أو حصان، ولا عربي أو بِرْذون (٣) ونحوه؛ لأن التفاوت بين ذلك يسير.
(ولا بُدَّ من معرفة راكب برؤية، أو صفة، كمبيع) لاختلافه بالطول والسِّمَن وضدهما.
(ويُشترط) أيضًا (معرفة توابعه) أي: الراكب (العُرفية، كزادٍ، وأثاثٍ من الأغطية، والأوطئة، والمعاليق، كالقِدْر والقِربة ونحوهما، إما برؤية، أو صفة، أو وزنٍ) لأن ذلك يختلف.
(وله) أي: الراكب (حَمْلُ ما نقص من معلومه) أي: من الذي قدَّره للمؤجر (ولو بأكل معتاد، ويأتي في الباب) موضحًا.
стр. 3904
(وإن كان) استأجر (للحمل لم يحتج إلى ذِكْر ما تقدم) من ذكر ما يحمل عليه وآلته (إن لم يتضرر المحمول بكثرة الحركة، أو يُفوِّت غرض المستأجر) باختلاف ما يحمل عليه (وإلا) بأن تضرَّر المحمول، أو فات غرض المستأجر باختلافه (اشتُرط، كحامل زجاج، وخزف) أي: فخار، (وفاكهة، ونحوه) أي: نحو ما ذكر، لأن فيه غرضًا.
(ويُشترط معرفةُ المتاع المحمول برؤيةٍ أو صفة، وذكر جنسه من حديد، أو قُطن أو غيره، و) معرفة (قَدْره بالكيل أو بالوزن، فلا يكفي ذِكْر وزنه فقط) لاختلاف الغرض، خلافًا لابن عقيل.
(و يُشترط معرفة أرضٍ) إذا استؤجر (لحرثٍ) برؤية ؛ لأنها لا تنضبط بالصفة، فيختلف العمل باختلافها.
فصل
الشرط (الثاني) للإجارة: (معرفة الأجرة) لأنه عوض في عقد معاوضة، فوجب أن يكون معلومًا، كالثمن. وقد روي عنه ﷺ : "مَنِ استأجَرَ أجيرًا فلْيُعلِمه أجْرَه" (١).
стр. 3905
ويصح أن تكون في الذِّمة، وأن تكون معينة (فما في الذِّمة) حكمه (كَثَمنٍ) فما صح أن يكون ثمنًا في الذمة، صح أن يكون أجرة (و) الأجرة (المعينة كمبيعٍ) معين.
(ولو جعل الأجرة صُبْرة دراهم، أو) صُبْرة (غيرها، صحَّت) الإجارة (كبيع) بخلاف السَّلَم؛ لأن المنفعة هاهنا أُجريت مجرى الأعيان؛ لأنها متعلقة بعين حاضرة، والسَّلَم متعلِّق بمعدوم، فافترقا.
(و تجوز إجارةُ الأرض بجنس ما يخرج منها) بأن أجرها لمن يزرعها بُرًّا بقفيز بُرٍّ، إن لم يقل: مما يخرج منها، وإلا؛ لم يصح (وتقدم في الباب قبله (١)) مفصلًا.
стр. 3906
(ويصح استئجار أجيرٍ وظِئْرٍ) أي: مرضعة، ولو أمًّا (بطعامهما وكسوتهما) وإن لم يصف الطعام والكسوة (أو بأجرة معلومة وطعامهما وكسوتهما).
أما المرضعة: فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) فأوجب لهنَّ النفقة والكسوة على الرضاع؛ ولم يفرِّق بين المُطلَّقة وغيرها، بل في الآية قرينة تدلُّ على طلاقها؛ لأن الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية، وإن لم ترضع، ولقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١) والوارث ليس بزوج.
وأما الأجير: فلما روي عن أبي بكر، وعمر، وأبي موسى رضي الله تعالى عنهم: أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم (٢)، ولم يظهر له نكير، فكان كالإجماع.
و (كما لو شرطا) أي: المرضعة والأجير (كسوةً ونفقة معلومتين
стр. 3907
موصوفتين، كصفتهما في السَّلَمِ) بأن يوصفا بما لا يختلفان معه غالبًا.
(وهما) أي: المرضعة والأجير (عند التنازع) في صفة الكسوة والنفقة، أو قدرهما (كزوجةٍ) قال في "الشرح": لأن الكسوة عُرفًا، وهي كسوة الزوجات، والإطعام عُرفًا، وهو الإطعام في الكفَّارات، وفي الملبوس إلى أقل ملبوس مثله؛ لأن الإطلاق يجزئ فيه أقل ما يتناوله اللفظ، كالوصية.
(ويُسنُّ إعطاء ظِئْرٍ حرَّةٍ عند الفطام عبدًا أو أَمَة، إن كان المسترضع موسرًا) لما روى أبو داود بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجَّاج، عن أبيه، قال: "قلت: يا رَسُول الله، ما يُذْهِب عني مَذِمة الرَّضاع؟ قال: الغُرَّة: العبْدُ أو الأَمَة" قال الترمذي: حسن صحيح (١).
стр. 3908
(قال الشيخ (١): لعلَّ هذا في المتبرعة بالرضاعة. انتهى.
وإن كانت الظِّئر أمَةً استُحب) لمسترضع موسر (إعتاقها) لأنه يحصُل أخص الرقاب بها لها، وتحصُل به المجازاة التي جعلها النبيُّ ﷺ مجازاة للوالد من النسب (٢).
стр. 3909
(ولو استؤجرت) المرأة (للرَّضاع والحضانة، لزماها) أي: الرضاع والحضانة؛ لأنه مقتضى العقد.
(وإن استؤجرت للرَّضاع، وأطلق) الرضاع (لزمتها الحضانة تبعًا) عملًا بالعُرف.
(وإن استؤجرت للحضانة وأطلق) العقد (لم يلزمها الرَّضاع) لأنه ليس داخلًا في الحضانة. وقال في "المنتهى": وإن أطلقت، أو خصص رضاع، لم يشمل الآخر.
(والمعقودُ عليه في الرَّضاع: الحضانة واللَّبن) لأن كلًّا منهما مقصود، ولأن العقد لو كان على الخدمة وحدها لما لزمها سقي لبنها، وأما كونه عينًا فلا يمنع؛ للضرورة إلى حفظ الآدمي؛ لأن غيره لا يقوم مقامه.
(ولو وقعت الإجارة على الحضانة والرَّضاع، وانقَطَع اللَّبَن، بَطَلا) أي: بطلت الإجارة فيهما؛ لتعذُّر المقصود منها.
(ويجبُ على المُرضِعة أن تأكل، وتشربَ ما يُدِرُّ لبنَها ويصلُحُ به، وللمكتري مطالبتُها بذلك) لأنه من تمام التمكين (١) من الرضاع، وفي تركه إضرارٌ بالصبي.
(فإن لم تُرضعه، لكن سقته لبن الغنم) أو غيرها (أو أطعمته، أو دفعته إلى خادمها) أو غيرها (فأرضعته، فلا أُجرة لها) لأنها لم توفِ بالمعقود عليه.
(وإن) اختلفا، فـ (ــقالت: أرضعتُهُ، فأنكر المسترضع) أنها
стр. 3910
أرضعتْه (فالقول قولها) بيمينها؛ لأنها مؤتمنة.
(ويُشترط) لصحة الإجارة للرَّضاع (رؤية المرتضع) ولا يكفي وصفه؛ لأن الرضاع يختلف باختلاف كبره وصغره، ونهمته (١) وقناعته.
(و) يُشترط - أيضًا - (معرفة مدة الرضاع) لأنه لا يمكن تقدير الرضاع إلا بها، فإن السقي والعمل فيها يختلف.
(و) يُشترط - أيضًا - معرفةُ (مكانه) أي: الرَّضاع (هل هو عند المرضعة، أو عند وليِّه؟) لأنه يختلف، فيشق عليها في بيت المستأجر، ويسهل في بيتها.
(ولا بأس أن ترضع المُسلِمة طفلًا لكتابي بأجرة، لا) طفلًا (لمجوسي) ونحوه ممن يعبد غير الله. قال في "الفروع": رخَّص أحمد (٢) في مُسلِمة تُرضع طفلًا لنصارى بأُجرة، لا لمجوسي. وسوَّى أبو بكر وغيره بينهما؛ لاستواء البيع والإجارة.
(ولا يصح استئجار دابة بعلفِها، أو بأجر مُعين وعلفها) لأنه مجهول، ولا عُرْفَ له يرجع إليه (إلا أن يشترطه) أي: العلف (موصوفًا) كشعير ونحوه، وقَدْره بمعلوم، فيجوز.
(وعنه (٣): يصح) مطلقًا (اختاره الشيخ (٤)، وجمعٌ) كاستئجار الأجير بطعامه.
(وإن شرط للأجير) لخدمة أو رضاع (طعام غيره وكسوته) أي: الغير (موصوفًا) ما ذكر من الطعام والكسوة (جاز) لأنه معلوم (كـ) ــما لو
стр. 3911
شَرَط له طعام نفسه، وكسوة (نفسه، ويكون ذلك للأجير، إن شاء أطعمه) له (وإن شاء تَرَكه) لأنه في مقابلة منافعه (وإن لم يكن) ما شَرَطه للأجير من طعام غيره وكسوته (موصوفًا، لم يصح) لأن ذلك مجهول (وإنما جاز) ذلك إذا شرط (للأجير) نفسه (للحاجة إليه) وجري العادة به، فلا يلزم احتمالها مع عدم ذلك.
(وليس له) أي: المستأجر (إطعامه) أي: الأجير (إلا ما يوافقه من الأغذية) لأن عليه ضررًا، ولا يمكنه استيفاء الواجب له منه.
(وإن استغنى الأجير عن طعام المستأجر) بطعام نفسه أو غيره (أو عَجَز عن الأكل لمرضٍ أو غيره، لم تسقط نفقته، وكان له المطالبة بها) لأنها عوض، فلا تسقط بالغنى عنه، كالدراهم.
(وإن احتاج) الأجيرُ (إلى دواءٍ لمرض، لم يلزم المستأجر) لأنه ليس من النفقة، كالزوجة (لكن يلزمه) أي: المستأجر (بقَدْرِ طعام الصحيح) يدفعه له، فيصرفه فيما أحب من دواء، أو غيره.
(وإن قبض لأجير طعامَهُ، فأحبَّ) الأجير (أن يستفضل بعضه لنفسه، وكان المستأجر دفع إليه أكثر من الواجب له ليأكل منه قَدْر حاجته، ويُفْضل الباقي) منع منه؛ لأنه لم يُمَلِّكه إياه، وإنما أباحه أكل قَدْر حاجته (أو كان في تَرْكه لأكله كلِّه ضررٌ على المستأجر، بأن يضعف الأجير عن العمل، أو يقل لَبَنُ الظِّئر، منع منه) لأن على المستأجر ضررًا بتفويت بعض ماله من منفعته، فمنع منه كالجمَّال إذا امتنع عن (١) علف الجِمَال.
стр. 3912
(وإن دفع) المستأجر (إليه قَدْر الواجب فقط) من غير زيادة (أو) دفع إليه (أكثر منه) أي: الواجب (وملَّكه إياه، ولم يكن في تفضيله لبعضه ضرر بالمستأجر، جاز) للأجير أن يستفضل بعضه لنفسه؛ لأنه لا حقَّ للمستأجر فيه ولا ضرر عليه، أشبه الدراهم.
(فإن قدَّم) المستأجر (إليه) أي: الأجير (طعامًا فنُهب، أو تَلِف قبل أكله، وكان) الطعام (على مائدة لا يخصُّه) المستأجر (فيها بطعامه، فـ) ــالطعام (من ضمان المستأجر) لأنه لم يسلِّمه إليه.
(وإن خصَّه) المستأجر (بذلك) الطعام (وسلَّمه إليه) ثم نُهب، أو تَلِف (فمن مال الأجير) لأنه تسليم عوض على وجه التمليك، أشبه البيع.
(والدَّاية التي تَقْبَل) الولد في (الولادة، يجوز لها أخذ الأجرة على ذلك، و) يجوز لها (أن تأخذ) على ذلك (بلا شرط) لأنه عمل لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة.
(ولا بأس أن) يستأجر من (يحصد الزرعَ) بجزء مُشاع منه (و) أن يستأجر من (يصرم) أي: يجذُّ ثمر (النخل بسدس ما يخرج منه) أو بربعه ونحوه (قال) الإمام (أحمد (١): هو أحب إليَّ من المقاطعة، يعني مع جوازها) أي: المقاطعة.
(ولا يجوز نفض (٢) الزيتون ونحوِه ببعض ما يسقط منه) أي: بآصُع
стр. 3913
معلومة منه؛ للجهالة؛ لأنه لا يدري الباقي بعدها (وله) أي: الأجير (أُجرة مثله) لأنه عمل بعوض لم يسلم له.
(ويجوز نفضُ كُلِّه) أي: الزيتون ونحوه (ولقطه ببعضه مُشاعًا) كالثلث والسدس، كما سبق في الزرع والنخل. وتقدم (١) ذلك في آخر المضاربة.
(ويجوز للرجل) وللمرأة (أن يؤجر أَمَته) ولو أمَّ ولد (٢) (للإرضاع) لأنها ملكه، ومنافعها له (وليس لها إجارة نفسها) لرضاع، ولا غيره؛ لأنها لا تملك منافعها، إلا بإذن سيدها.
(فإن كان لها ولد لم يجز) لسيدها (إجارتها للإرضاع إلا أن يكون فيها) أي: الأمَة (فضلٌ عن رِيِّه) أي: ولدها (لأن الحق) في اللَّبَن (للولد، وليس للسيد إلا الفاضِلُ عنه) أي: عن الولد من اللَّبَن.
(فإن كانت) الأمَة (متزوِّجة بغير عبده، لم يجز) للسيد (إجارتها لذلك) أي: للرضاع (إلا بإذن الزوج) لأن فيه تفويتًا لحقه.
(وإن أجرَهَا) السيد (للرَّضاع، ثم زوَّجها، صحَّ النكاح، ولا تنفسخ الإجارة) بالنكاح، كالبيع (وللزوج الاستمتاع بها وقت فراغها من الرَّضاع والحضانة) لسبق حق المستأجر.
(وتأتي إجارة الحرَّة) نفسَها (في) باب (عشرة النساء) مفصَّلة.
(ولا يُقبل قولُها) أي: التي أجرت نفسها، ثم ادَّعت (أنها ذات زوجٍ) لتسقط حق المستأجر من الإجارة إلا ببينة (أو مؤجرةٌ) أي: إذا تزوَّجت ثم ادَّعت أنها كانت مؤجرة (قبل نكاح) لم يُقبل قولُها (بلا بينة)
стр. 3914
لأنه يتضمن إسقاط حق الزوج في مدة الإجارة.
فصل
(وإن دفع) إنسان (ثوبه إلى قَصَّار، أو خيَّاط، ونحوهما) كصَبَّاغ (ليعمله) أي: ليقصرَه، أو يخيطه، أو يصبغه ونحوه (ولو لم تكن له) أي: للقصَّار ونحوه (عادة بأخذ أُجرة، ولم يَعقِدا) أي: القصَّار والخياط (عقدَ إجارة) صح، وله أجرة مثله حيث كانا منتصبين لذلك، وإلا؛ لم يستحقَّا أجرًا، إلا بشرط، أو عقدٍ، أو تعريض (١)؛ لأنه لم يوجد عُرف يقوم مقام العقد، فهو كما لو عمل بغير إذن مالكه (أو استعمل) إنسان (حمَّالًا ونحوه، أو) استعمل (شاهدًا إن جاز له) أي: الشاهد (أخذ أُجرة) بأن عَجَزَ عن المشي، أو تأذَّى به، فله أخذ أُجرة مركوب، كما يأتي في الشهادات (صَحَّ، وله أجرة مِثْله) لأن العُرف الجاري بذلك يقوم مقام القول.
وقال شيخ مشايخنا الفارضي (٢): فإن قيل: يحرم الأخذ على الشهادة، فالجواب: أن الذي يحرم إنما هو في نحو ما إذا تحمَّل الشهادة، وأبى أن يؤدِّيها إلا بجُعْل، أو سُئل في أن يشهد، فأبى أن يشهد إلا بجُعْل. أما لو دعا زيدًا مثلًا فذهب معه وشهد، وتكلَّف زيدٌ لدابة مثلًا، أو مضى زمنٌ لمِثْله أجرة، لا سيما مع بُعْد المكان، فله أُجرة مِثْله.
стр. 3915
نقلته من خط شيخي ولد العم عبد الرحمن البهوتي (١) على "حاشية الفروع".
(كتعريضه) أي: الدَّافع (بها) أي: بالأجرة (نحو: خُذْه، وأنا أعلم أنك متعيِّش (٢)، أو): خُذْه و (أنا أُرضيك، ونحوه) مما يدل على إعطاء الأجرة.
(وكذا دخول حمَّام، وركوب سفينة ملَّاح، وحلق رأسه، وتغسيله، وغسل ثوبه، وبيعه له) شيئًا (وشربه منه ماء) أو قهوة ونحوها من المباحات، وما يأخذه البائع ثمن الماء أو القهوة ونحوها، وأجرة الآنية والساقي والمكان، قياسًا على المسألة بعدها.
(وقال في "التلخيص": ما يأخذه الحمَّامي أجرةُ المكان والسطل والمئزر، ويدخل الماء تبعًا) لأنه لا يصح عقد الإجارة عليه، وهذا بخلاف مسألة الشرب، فإن الماء مبيع.
ولا ينبغي لمن دخل الحَمَّام أن يستعمل فوق المعتاد؛ لأنه غير مأذون فيه لفظًا ولا عُرفًا؛ بل يحرم عليه، كاستعماله من الموقوف فوق القَدْرِ المشروع، أخذًا من قولهم: يجب صرف الوقف للجهة التي عيَّنها الواقف.
(ويجوز إجارة دار بسُكنى دار) أخرى (و) بـ (ــخدمة عبد،
стр. 3916
و) بـ (ــتزويج امرأة) لقصة شُعيب ﵇ (١)؛ لأنه جعل النكاح عوض الأُجرة، ولأن كل ما جاز أن يكون ثمنًا في البيع، جاز عوضًا في الإجارة، فكما جاز أن يكون العوض عينًا، جاز أن يكون منفعة، سواء كان الجنس واحدًا كالأول، أو مختلفًا كالثاني. قال المجد في "شرحه": فإذا دفعت عبدك إلى خيَّاط، أو قصَّار، أو نحوهما ليعلِّمه ذلك العمل بعمل الغلام سنة، جاز ذلك في مذهب مالك (٢) وعندنا.
(وتصح إجارة حَلْي بأجرة من غير جنسه، وكذا) بأجرة (من جنسه) لأنه عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقائها، فجازت إجارته كالأراضي (مع الكراهة) أي: يُكره إجارة الحلي بنقد من جنسه، خروجًا من خلاف من قال: لا تصح؛ لأنها تحتك بالاستعمال، فيذهب منه أجزاء، وإن كانت يسيرة، ليحصُل الأجر في مقابلتها ومقابلة الانتفاع بها، فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر. ورُدَّ: بأن الأجرة في مقابلة الانتفاع، لا في مقابلة الذاهب، وإلا لما جاز إجارة أحد النقدين بالآخر؛ لإفضائه إلى التفرق قبل القبض.
(وإن قال) صاحب الثوب لخيَّاط: (إن خِطْتَ هذا الثوب اليوم) فلك درهم (أو) إن خِطته (روميًا، فلك درهم، و) إن خِطته (غدًا، أو فارسيًا فـ) ــلك (نصفه) أي: نصف درهم، لم يصح.
(أو) قال ربُّ أرض: (إن زرعتها بُرًّا) فبخمسة (أو) قال ربُّ حانوت: (إن فتحت خيَّاطًا، فبخمسة، و) إن زرعت (ذرة أو) فتحت (حدادًا، فبعشرة، ونحوه) مما لم يقع فيه جزم (لم يصح) العقد؛ لأنه
стр. 3917
عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير ونحوهما، فلم يصح، كـ: بعتك بعشرة نقدًا، أو أحد عشرة نسيئة، ما لم يتفرقا على أحدهما، كما تقدم (١) في البيع.
(وإن أَكْراه دابة، وقال: إن رددتَها اليوم فبخمسة، وغدًا فبعشرة، أو أَكْراه عشرة أيام بعشرة) دراهم (وما زاد فلكل يوم كذا، صح) لأنه لا يؤدِّي إلى التنازع؛ لأنه عيَّن لكل زمن عِوضًا معلومًا، فصح.
(ولا يصح أن يكتري مدَّةً مجهولة، كـ) ــاكترائه فرسًا (مُدَّة غزاته، أو غيرها) لأنه لا يدري متى تنقضي، وقد تطول وتقصر، فيؤدي إلى التنازع (وإن سَمَّى لكل يوم شيئًا معلومًا، جاز) وصح العقد، لما تقدم.
(وإن أكراه) الدار ونحوها (كلَّ شهر بدرهم، أو) اكتراه للسقي (كلَّ دلو بتمرة، صح) العقد؛ لما روي عن علي قال: "جُعْتُ مَرَّةً جُوعًا شديدًا، فخرجْتُ أطْلُبُ العملَ في عوالي المدينةِ، فإذا أنا بامرأة قد جَمعتْ بَذْرًا (٢)، فَظننْتُ أنها تُرِيدُ بَلَّه، فقاطعتها كلَّ ذَنُوبٍ بتمرةٍ، فَمددْتُ ستة عشرَ ذَنُوبًا، فَعدَّت لي ستَّ عَشرةَ تَمرة. فأتيت النبيَّ فأخبرتهُ، فأكل معي منها" رواه أحمد (٣).
стр. 3918
ومثله ما تقدَّم إذا باعه الصُّبْرة كل قفيز بدرهم، فعلى هذا تلزم الإجارة في الشهر الأول بإطلاق العقد، قاله في "المغني" و"الشرح"، وما بعده يكون مراعىً، ونبَّه عليه بقوله: (وكلَّما دخل شهر، لزمهما حكم الإجارة إن لم يفسخا) الإجارة أوله؛ لأن دخوله بمنزلة إيقاع العقد على عينه ابتداء؛ لأن شروعه في كل شهر مع ما تقدم في العقد من
стр. 3919
الاتفاق على تقدير أجره، والرضا ببذله به، جرى مجرى ابتداء العقد عليه، وصار كالبيع بالمعاطاة، إذا جرى من المساومة ما دلَّ على الرضا بها، قاله في "المغني".
(ولكلِّ) واحد (منهما) أي: من المؤجر والمستأجر (الفسخ عقب تَقضِّي كل شهر على الفور في أول الشهر) بأن يقول: فسخت الإجارة في الشهر الآخر، وليس بفسخ على الحقيقة؛ لأن العقد الثاني لم يثبت، قاله في "المغني" و"الشرح". وفي "الرعاية": قلت: أو يقول: إذا مضى هذا الشهر فقد فسختها. انتهى. وهو ظاهر؛ لما تقدم أنه يصح تعليق فسخ بشرط. قال في "المغني" و"الشرح": إذا ترك التلبس به، فهو كالفسخ لا تلزمه أجرة؛ لعدم العقد.
(ولو أجره) دارًا، أو نحوها (شهرًا غير معيَّن، لم يصح) العقد؛ للجهالة.
(ولو قال) المؤجر: (أجرتك هذا الشهر بكذا وما زاد فَبِحسابه، صح) العقد (في الشهر الأول) فقط؛ لأنه معلوم دون ما بعده.
(و) إن قال: (أجرتُك داري عشرين شهرًا) من وقت كذا (كل شهرٍ بدرهم، صَحَّ) العقد. قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأن المدة والأجرة معلومان، وليس لواحد منهما الفسخ؛ لأنها مدة واحدة، أشبه ما لو قال: أجرتُك عشرين شهرًا بعشرين درهمًا.
(و) إن قال ربُّ صُبرة: (استأجرتُك لحمل هذه الصُّبرة إلى مصر بعشرة) صح؛ لأنه عيَّن المحمول والمحمول إليه.
(أو) قال: استأجرتُك (لحملها (١)) إلى كذا (كل قفيز بدرهم)
стр. 3920
صح؛ لأن القفيز معلوم، وأجره معلوم، وجهالة عدد قفزانها تزول باكتيالها.
(أو) قال: استأجرتُك (لتحمِلها لي) إلى كذا (كل قفيزٍ بدرهم، وما زاد) على القفيز (فبحساب ذلك، صح) العقد؛ لأنه في قوة قوله: كل قفيز بدرهم.
(وكذلك كلُّ لفظٍ يدلُّ على إرادة حمل جميعها، كقوله: لتحمل قفيزًا منها بدرهم وسائرها بحساب ذلك. أو قال: وما زاد فبحساب ذلك، يريد باقيها كلَّه إذا فَهِما) أي: العاقدان (ذلك من اللفظ؛ لدلالته) أي: اللفظ (عندهما عليه، أو لقرينة صرفت إليه) لأن الغرض يحصُل به.
(وإن قال): استأجرتُك (لتحمل قفيزًا منها بدرهم وما زاد فبحساب ذلك، يريد) المستأجر (بذلك) القول (مهما حَمَلته من باقيها) فلك بكل قفيز درهم، لم يصح؛ للجهالة.
(أو) قال: استأجرتُك (لتنقل لي منها كل قفيزٍ بدرهم) لم يصح؛ لأن "من" للتبعيض، و"كل" للعدد، فكأنه قال: لتحمل منها عددًا، فلم يصح؛ للجهالة، بخلاف ما لو أسقط "منها".
(أو) قال: استأجرتك (على أن تحمل لي منها قفيزًا بدرهم، وعلى أن تحمل الباقي بحساب ذلك، لم يصح) العقد؛ لأنه من قبيل بيعتين في بيعة المنهي عنه.
(وإن قال): استأجرتُك (لتحمِل لي هذه الصُّبرة؛ كل قفيز بدرهم، وتنقل لي صُبرة أخرى في البيت بحساب ذلك، فإن كانا يعلمان الصُّبرة التي في البيت بالمشاهدة) أو وصفاها (صح) العقد فيهما للعلم بهما (وإن
стр. 3921
جهلها أحدهما، صح) العقد (في الأولى) للعلم بها (وبطل في الثانية) للجهل بها.
(وإن قال): استأجرتُك (لتحمل لي هذه الصُّبرة، والتي في البيت بعشرة، فإن كانا يعلمان التي في البيت صح فيهما) بالعشرة، وإن جهلاها، أو أحدهما فقياس ما تقدم (١) في البيع، إذا جمع بين معلوم ومجهول لا يتعذَّر علمه، يصح في المعلوم بقسطه: أنه يصح في المعلومة بقسطها من العشرة، ويبطل في الأخرى.
(وإن قال): استأجرتُك (لتحمِل لي هذه الصُّبرة، وهي عشرة أقفزة بدرهم، فإن زاد على ذلك فالزائد بحساب ذلك، صَحَّ) العقد (في العشرة فقط) للعلم بها دون ما زاد، فإنه مجهول، و-أيضًا- عقده معلَّق، ولا يصح تعليق الإجارة. وقال في "المنتهى": أو على حمل زُبْرة إلى محلَّ كذا على أنها عشرة أرطال، وإن زادت فلكلِّ رطلٍ درهم، صح. انتهى. ويمكن حمله على ما هنا، أي: صح في الزُّبْرة فقط.
(وإن قال): استأجرتُك (لتحمِلها كل قفيزٍ بدرهم، فإن قَدِمَ لي طعام فحملتَه فبحساب ذلك، صح -أيضًا- في الصُّبرة فقط) -لما تقدم- دون ما زاد.
فصل
الشرط (الثالث) للإجارة: (أن تكون المنفعة مباحة لغير ضرورة) أي: بأن تُباح مطلقًا، بخلاف ما يُباح للضرووة، أو للحاجة، كأواني الذهب، والكلب (مقصودة) عادة.
стр. 3922
إذا تقرر ذلك (فلا تصح الإجارة على الزِّنى، والزَّمْر، والغناء، والنياحة) لأنها غير مباحة (ولا إجارةُ كاتب يكتب ذلك) أي: الغناء والنوح، وكذا كتابة شِعْر مُحرَّم، أو بدعة، أو كلام مُحرَّم؛ لأنه انتفاع مُحرَّم.
(ولا إجارة الدَّار لتُجعل كنيسةً، أو بيتَ نار، أو لبيع الخمر، أو للقمار) لأن ذلك إعانة على المعصية، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وسواء (شُرط) ذلك (في العقد، أو لا) إذا دلَّت عليه القرائن.
(ولو اكترى ذِميٌّ من مسلم دارًا) ليسكنها (فأراد بيع الخمر فيها، فلصاحب الدار منعُهُ) من ذلك؛ لأنه معصية.
(ولا تصح إجارة ما يُجمِّل به دكانه من نقد، وشمع ونحوهما) كأوانٍ (ولا طعام ليتجمَّل به على مائدته ثم يردَّه؛ لأن منفعة ذلك غير مقصودة) وما لا يُقصد، لا يقابل بعوض.
(ولا) يصح استئجار (ثوب لتغطية نعش) الميت؛ ذكره في "المغني" و"الشرح".
(ولا) يصح الاستئجار على حمل ميتة، ونحوها، لأكل، لغير مضطر) لأنه إعانة على معصية، فإن كان الحمل لمضطرٍ صحَّتْ.
(و) لا يصح الاستئجار على حَمْل (خمر) لمن (يشربها) لأنه ﷺ "لَعَنَ حاملَها والمَحْمُولةَ إليه" (٢) (ولا أجرةَ له) أي: لمن استؤجر لشيء
стр. 3923
محرَّم مما تقدم.
(ويصح) الاستئجار (لإلقاء) الميتة (و) لـ (ـإراقة) الخمر؛ لأن
стр. 3924
ذلك مما تدعو الحاجة إليه، ولا تندفع بدون إباحة الإجارة له (ولا يُكره أكل أجرة ذلك) أي: الإلقاء والإراقة.
(ويصح) الاستئجار (لِكَسْحِ كَنِيف) لدعاء الحاجة إليه (ويُكره له أكل أجرته) لما فيه من الدناءة.
(كـ) ـما يُكره للحُرِّ أكل (أُجرة حَجَّام) لقوله ﷺ : "كَسْبُ الحَجَّام خَبِيثٌ" متفق عليه (١) وقال: "أطْعِمهُ ناضحَك ورقيقَك" (٢) قلت: ولعل
стр. 3925
الفرق بين ذلك وبين ما سبق من أجرة الإلقاء والإراقة: مباشرة النجاسة، إذ إلقاء الميتة وإراقة الخمر لا مباشرة فيه للنجاسة غالبًا، بخلاف كَسْحِ الكنيف. والله أعلم.
(ولو استأجره على سَلْخِ بهيمة بجلدِها) لم يصح؛ لأنه لا يعلم هل يخرج سليمًا أو لا؟ وهل هو ثخين أو رقيق؟ ولأنه لا يجوز أن يكون عوضًا في البيع، فكذا هنا (أو) استأجره (على إلقاء ميتة بجلدِها، لم يصح) لأنه ليس بمال. وإن قيل: إنه مال؛ فلما تقدم.
(وله) أي: الأجير على سلخ البهيمة بجلدها، أو على إلقاء الميتة بجلدها (أجرة مِثْله) لأنه عمل بعوض لم يُسلَّم له.
ويصح الاستئجار لإلقاء الميتة بالشعر الذي على جلدها، إن كان محكومًا بطهارته؛ ذكره في "الفصول".
ومن أعطى صيادًا أجرة ليصيد له سمكًا ليختبر بَخْتَهُ (١)؛ فقد استأجره ليعمل بشبكته؛ قاله أبو البقاء، واقتصر عليه في "الفروع".
(ومثله) أي: مثل استئجاره على سلخ بهيمة بجلدها في عدم الصحة استئجاره لـ (ـطحن قمح بنخالته، وعمل السمسم شَيْرَجًا