عامًا، وتخصيصها بذلك لتأكدها، لا لتخصيصها، كقوله ﷺ : "ضالَّةُ المسلم حَرَق النَّارِ" (١) وضالة الذمي مقيسة عليها.
стр. 4377
"تتمة" قال أبو عبيد (١): المُنشد المعرّف، والناشد الطالب.
(أو كان سقوطها) أي: اللُّقطة (من صاحبها بـ) ـــسبب (عدوان غيره) عليه؛ لعموم ما سبق.
فصل
(ولا يجوز له) أي: الملتقِط (التصرف فيها) أي: اللُّقطة بعد تعريفها الحول، ولو بخلط بما لا تتميز منه (حتى يَعْرف وعاءَها، وهو ظَرْفها، كيسًا كان أو غيره) كخرقة مشدودة فيها، وقِدْر وزِقّ فيه اللقطة المائعة، ولفافة على ثياب.
(و) حتى يَعْرف (وكاءَها) بالمدِّ (وهو الخيط) أو السير (الذي تُشَدُّ به) فيَعْرف كونه خيطًا، أو سيرًا، وكون الخيط من إبريسم، أو قطن، أو كتان ونحوه.
(و) حتى يَعْرف (عِفَاصها) بكسر العين المهملة (وهو الشَّد والعَقْد، أي: صفتُهما) فيَعْرف الربط هل هو عقدة أو عقدتان، وأُنْشُوطة (٢) أو غيرها؛ للاتفاق (٣) على الأمر بمعرفة صفاتها، وهذه منها. والأنشوطة:
стр. 4378
قال في "القاموس" (١): كأنبوبة: عُقْدة يسهل انحلالها كعُقْدة التِّكَّة. وقال في العفاص (٢): ككتاب: الوعاء فيه النفقة، جلدًا أو خرقة، وغلافُ القارورة، والجلدة (٣) تغطى به رأسها. انتهى. فالعفاص مشترك، لكن لما ذُكر مع الوعاء، حُمل على ما يغايره؛ لأنه الأصل في العطف.
(و) حتى يَعْرف أيضًا (قَدْرَها) أي: اللقطة بمعيارها الشرعي، من كيل، أو وزن، أو ذرع، أو عدٍّ.
(و) حتى يَعْرف (جِنْسها، وصِفتَها) التي تتميز بها، وحتى نوعها، ولونها؛ لحديث زيد، وفيه: "فإن جاءَ صاحبُها، فعرَف عفاصها، وعددها ووكاءها، فأعطِها إياه، وإلَّا؛ فهي لكَ" رواه مسلم (٤). وفي حديث أُبي بن كعب: "فإن جاء أحدٌ يُخبِرُكَ بعددِها، ووِعائها، ووِكائها، فأعْطِها إيَّاهُ" (٥) (أي: يجب معرفة ذلك عند إرادة التصرُّف فيها) أي: في اللُّقطة؛ لما تقدم، ولأن دفعها إلى رَبِّها يجب بما ذكر، فلا بُدَّ من معرفته، نظرًا إلى ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأنه إذا عدم ذلك لم يبقَ سبيل إلى معرفتها.
(ويُسنُّ ذلك) أي: أن يَعْرف وعاءها (٦) وعفاصها، وجنسها،
стр. 4379
وصفتها، وقَدْرها (عند وجدانها) لأن فيه تحصيلًا للعلم بذلك.
(و) يُسنُّ للملتقِط أيضًا (إشهاد عدلين عليها) لقوله ﷺ : "مَنْ وَجَدَ لُقطةً فليُشهِدْ ذَوَي عَدْلٍ" رواه أبو داود (١).
و (لا) يُسنُّ الإشهاد (على صفتها) أي: اللُّقطة؛ لاحتمال شيوعه، فيعتمده المدعي الكاذب. قال في "الشرح" و"المبدع": ويستحب كَتْبُ صفاتها، ليكون أثبت لها؛ مخافة نسيانها.
(فمتى جاء طالبها) ولو بعد الحول (فوصفَها) بالصفات السابقة (لزم دفعها إليه إن كانت عنده، ولو بلا بينة ولا يمين، ظنَّ صدقه أو لا) لقوله ﷺ : (فإن جاء طالبُها يومًا مِنَ الدَّهرِ، فأدِّها إليه" (٢)؛ ولأنه يتعذر إقامة البينة عليها غالبًا؛ لسقوطها حال الغفلة والسهو، فلو لم يجب دفعها بالصفة لما جاز التقاطها.
(فإن وجدها) طالبها (قد خرجت عن) ملك (الملتقِط ببيع، أو غيره) بأن باعها الملتقِط، أو وهبها، أو وقفها (بعد مِلْكها) أي: بعد أن
стр. 4380
عرَّفها حولًا كاملًا (فلا رجوع) لطالبها في عينها؛ لأن تصرف الملتقِط وقع صحيحًا، لدخولها في ملكه (وله) أي: لطالبها (بدلها) على الملتقِط، أي: مثلها إن كانت مِثلية، وإلا، فقيمتها؛ لتعذُّر ردِّها، لما تقدم.
(فإن أدركها) طالبها (مبيعة بيع الخيار) بأن بيعت بشرط الخيار (للبائع، أو لهما) أي: البائع والمشتري، وقوله (في زمنه) متعلق بـ "أدركها" أي: زمن الخيار (وجبَ) على البائع (الفسخ) ليردها لربِّها؛ لقدرته عليه. وعُلم من كلامه: أنه لو كان الخيار للمشتري وحده، فليس لربِّها إلا البدل، ما لم يختر المشتري الفسخَ، ولا يلزمه.
(أو) أدركها ربُّها بعد الحول (مرهونة) ولو مقبوضة (فله انتزاعها) من المرتهن أو نائبه؛ لقيام ملكه، وانتفاء إذنه؛ قاله الحارثي. وقال في "الإنصاف": قلت: يتوجَّه عدم الانتزاع؛ لتعلُّق حقِّ المرتهن به، ويؤيده قوله في "الشرح": وسائر أحكام الرجوع ههنا، كحكم رجوع الزوج على ما نذكره إن شاء الله.
(فإن صادفها ربُّها، قد رجعت إليه) أي: إلى الملتقِط بعد خروجها عن ملكه (بفَسخٍ أو غيره، أخذها) لأنه وجد عين ماله في يد الملتقِط، فكان له أخذها كالزوج إذا طلَّق قبل الدخول، فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة.
وحيث أخذ اللُّقطة طالبها فإنه يأخذها (بنمائها المتصل) لأنه ملك مالكها، ولا يمكن انفصالها عنه؛ ولأنه يتبع في العقود والفسوخ.
(فأما) النماء (المنفصل قبل مضي الحول، فـ) ــهو (لمالكها) لأنه نماء ملكه (و) النماء المنفصل (بعده) أي: بعد حول التعريف (لواجدها)
стр. 4381
لأنه مَلَك اللُّقطة بمضي الحول، فنماؤها إذًا نماء ملكه؛ ولأنه يضمن النقص بعد الحول، فتكون له الزيادة، ليكون الخراج بالضمان، بخلاف المفلس، فإنه لا يضمن النقص لغيره.
(ووارث ملتقِط، كهو) أي: كالملتقِط (في تعريفٍ وغيره) لقيامه مقامه، فإن مات قبل تمام الحول، قام وارثُه مقدمه في إتمام تعريفها، ودخلت في ملكه بعد تمام التعريف، وإن مات بعد الحول، ورثها ورثته كسائر أمواله.
(فإن مات الملتقِطُ بعد تمام الحول، ثم جاء صاحبُها، أَخَذها من الوارث) إن كانت موجودة، كما يأخذها من الموروث.
(وإن كانت) اللُّقطة (معدومة، فصاحبها غريم بها) أي: بمثلها، إن كانت مثلية، أو بقيمتها، فيأخذ ذلك من تركته، وإن ضاقت، زاحم الغرماء، و (إن كان تَلَفها بعد الحول بفعله) أي: المورث أو الوارث (أو بغير فعله) لأنها قد دخلت في ملكه بمضي الحول.
(وإن تلِفت) اللُّقطة (أو نقصت، أو ضاعت قبل مضي الحول، لم يضمنها) الملتقِط ولا وارثه (إن لم يفرِّط؛ لأنها في يده أمانة.
و) إن تلفت، أو نقصت، أو ضاعت (بعد الحول، يضمنها - ولو لم يفَرِّط -) لدخولها في ملكه إذًا (بمثلها، إن كانت مثلية، وإلا) تكن مثلية، ضَمِنها (بقيمتها يومَ عرف ربَّها، سواء تلفت بفعله، أو بغير فعله) لصيرورتها بملكه بعد حول التعريف.
وإذا مات الملتقِط، ولم يُعلم تلف اللُّقطة، ولم توجد في تركته، فصاحبها غريم بها، سواء كان قبل الحول، أو بعده؛ لأن الأصل بقاؤها.
(ولا يكفي تصديق عبد) ولا أَمَةِ (ملتقِط) أي: لو كان بيد قنٍّ عينٌ،
стр. 4382
وجاء طالبها، وقال: هي لُقطة، ووصفها، لم يكف تصديق القِن (لواصف) على أنها لُقطة (بل لا بُدَّ من بينة؛ لأن إقرار العبد لا يصح فيما يتعلق بنفسه) أي: برقبته؛ لأنه إقرار على سيده، بخلاف إقراره بنحو طلاق.
(فإن وصفها) أي: اللقطة (اثنان) فأكثر (معًا، أو وصفها الثاني) بعد الأول، لكن (قبل دفعها إلى الأول) أُقرع بينهما (أو أقاما بينتين) باللقطة (أُقرع بينهما) لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر (فمن قَرَع) أي: خرجت له القرعة (حلف) أن اللقطة له؛ لاحتمال صدق صاحبه (وأخذها) لأن ذلك فائدة القرعة.
(و) إن وصفها إنسان (بعد دفعها) لمن وصفها أولًا (لا شيء للواصف الثاني) لأن الأول استحقها بوصفه إياها، مع عدم المنازع له حين أخذها، وثبتت يده عليها، ولم يوجد ما يقتضي انتزاعها منه، فوجب بقاؤها له كسائر ماله.
(ولو ادعاها) أي: اللقطة (كلُّ واحد منهما، فوصفها أحدهما دون الآخر، حلف) واصفها (وأخذها) لترجُّحه بوصفها.
(ومثله وَصفُه مغصوبًا ومسروقًا) ومنهوبًا ونحوه، فإنه (يستحقه بالوصف) ولا يكلف بينة تشهد به (ذكره القاضي وأصحابه على قياس قوله) أي: الإمام (١): (إذا اختلف المؤجر والمستأجر في دِفن الدار) بكسر الدال، أي: المدفون بها (مَنْ وصَفَه، فهو له) لترجُّحه بالوصف.
стр. 4383
قال في القاعدة الثامنة والتسعين (١): من ادَّعى شيئًا ووصفه، دُفع إليه بالصفة، إذا جُهل ربه، ولم تثبت عليه يد من جهة مالكه، وإلا؛ فلا.
(ولا يجوز) للملتقِط (دفعها) أي: اللقطة لطالبها (بغير وصف ولا بينة، ولو ظهر صدقه) لاحتمال كذبه، ويضمن الدافع إن جاء آخرُ ووصَفها، وقرار الضمان على الآخذ، وللملتقط مطالبة آخذها بها، إن لم يأت أحد؛ لأنه لا يأمن مجيء ربها وطلبه بها، ولأنها بيده أمانة.
(وإن) وصفها إنسان، ودفعها إليه، ثم (أقام آخرُ بينةً أنها له، أخذها من الواصف) لأن البينة أقوى من الوصف.
(فإن تلفت عند الواصف، ضَمِنها) الواصف؛ لأن يده عادِيَة، كالغاصب (ولم يضمن الدافع، وهو الملتقِط، إن كان الدَّفْع بإذن حاكم) لأن الدفع إذن واجب عليه، فكأنه بغير اختياره، فلم يضمن، كالمُكرَه.
(ولا يرجع الواصف عليه) أي: على الملتقِط بما يغرمه لمن أقام البينة، بل يستقر عليه ضمانه.
(وكذا لو كان الدَّفْع) من الملتقط للواصف (بغير إذن، حاكم) لأنه بإذن الشرع، فلا ضمان على الملتقِط (لوجوبه) أي: الدفع (عليه) لمن وصفها؛ لما تقدم.
وإن كان الواصف أخذ بدلها لتلفها عند الملتقِط، لم يطالبه ذو البينة، وإنما يرجع على الملتقِط، ثم يرجع الملتقِط على الواصف، إن لم يكن أقر له.
(ومؤنة رَدّها) أي: اللُّقطة (على ربِّها) إن احتاجت لذلك، كالوديعة.
стр. 4384
(ولو قال مالكها) أي: اللقطة (بعد تلفها) في حول التعريف بلا تفريط (أخَذْتَها لتَذْهب بها) لا لتعرِّفها، فأنت ضامن (وقال الملتقِط: بل) أخذتُها (لأُعَرِّفها، فقوله) أي: الملتقِط (مع يمينه) لأنه منكِرٌ، والأصل براءته.
(وإن وجد) مشترٍ (في حيوان اشتراه، كشاة ونحوها، نقدًا، فـ) ــهو (لقطة لواجده، يُعَرِّفها) أي: يلزمه تعريفها، كسائر الأموال الضائعة.
(ويبدأ) في التعريف (بالبائع؛ لأنه يحتمل أن تكون) الشاة (ابتلعتها من ملكه؛ كما لو وجد صيدًا مخضوبًا، أو في أذنه قُرْطٌ، أو في عنقه خرز) فإنه لُقطة؛ لأن ذلك الخضاب ونحوه يدل على ثبوت اليد عليه قبل ذلك.
(وإن اصطاد سمكةً من البحر (١)، فوجد في بطنها دُرَّةً غير مثقوبة، فهي) أي: الدُّرَّة (له) (٢) للصائد؛ لأن الظاهر ابتلاعها من معدنها؛ لأن الدُّرَّ يكون في البحر، قال تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (٣).
(وإن باعها) أي: السمكة (غيرَ عالم بها) أي: بالدُّرَّة (لم يَزُل ملكُه) أي: الصياد (عنها) أي: الدُّرَّة (فتردُّ إليه) لأنه إذا علم ما في بطنها لم يبعه، ولم يرض بزوال ملكه عنه، فلم يدخل في البيع (كما لو باع دارًا له فيها مال) مدفون (لم يَعْلَم به.
وإن وجد) الصياد (في بَطْنِها) أي: السمكة (ما لا يكون إلا لآدمي،
стр. 4385
كدراهم أو دنانير، أو) وجد فيه (دُرَّة أو غيرها مثقوبة، أو متصلة بذهبٍ، أو فضةٍ، أو غيرهما) فلُقطة، لا يملكها الصياد، بل يُعرِّفها.
(أو) وجد ما ذكر (في عَيْنٍ، أو نهر، ولو) كان النهر (مُتَّصلًا بالبحر، فَلُقطة، على الصياد تعريفها) عملًا بالقرائن.
(وإن وَجَدها) أي: الدراهم، أو الدنانير، أو الدُّرَّة المثقوبة ونحوها (المشتري) للسمكة (فالتعريف عليه) لأنه الملتقِط.
(وإن اصطادها) أي: السمكة (من عين، أو نهر غير متصل بالبحر، فكالشاة، في أنَّ ما وجد في بطنها من دُرَّة مثقوبة، أو غير مثقوبة، لُقطةٌ) لأن العين والنهر غير المتصل ليس معدنًا للدُّرِّ.
وعُلم منه: أنه إن كان متصلًا بالبحر، وكانت الدُّرَّة غير مثقوبة، أنها للصياد.
(وإن وجد) إنسان (عنبرة على الساحل، فحازها، فهي له) لأن الظاهر أن البحر قذف بها، فهي مباحة، ومن سبق إلى مباح فهو له. وإن لم تكن على الساحل، فلُقطة يُعرِّفها.
(ومن أُخِذ متاعُه، كثياب في حمَّام) وتُرِك له بدله، فلُقطة (أو أُخِذ مداسه، وتُرك بدله، فلُقطة) لا يملكه بذلك؛ لأن سارق الثياب، ونحوها، لم يجرِ بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عنها، فإذا أخذها فقد أخذ مال غيره، ولا يعرف صاحبه، فيعرِّفه كاللُّقطة.
(ويأخذ) ربُّ الثياب ونحوها (حقَّه منه) أي: مما تُرِكَ له (بعد تعريفه) من غير رفعه إلى حاكم. قال الموفق: هذا أقرب إلى الرفق بالناس؛ لأن فيها نفعًا لمن سُرقت ثيابه، بحصول عوض عنها، ونفعًا للآخر - إن كان سارقًا - بالتخفيف عنه من الإثم، وحفظًا لهذه الثياب عن
стр. 4386
الضياع، فلو كانت الثياب المتروكة أكثر قيمة من المأخوذ، فإنما يأخذ منها بقَدْر قيمة ثيابه، لأن الزائد فاضل عما يستحقه، ولم يرضَ صاحبها بتركها عوضًا عَمَّا أخذه، ويتصدَّق بالباقي.
(ومن وَجَد لُقطة بدار حرب، وهو) أي: الواجد (في الجيش، عَرَّفها سنة، ابتداؤها) أي: السنة (في الجيش) لاحتمال أن تكون لأحدهم (و) يُعرِّفها (بقيتها) أي: بقية السَّنة (في دار الإسلام، ثم) إذا تَمَّ تعريفها (وضعها) أي: اللُّقطة (في المغنم) لأنه وصل إلها بقوة الجيش، فأشبهت مباحات دار الحرب، إذا أخذ منها شيئًا.
(وإن كان) الملتقِط (دخل) دار الحرب (بأمان، عرَّفها) أي: اللُّقطة (في دارهم) حولًا؛ لأن أموالهم محرَّمة عليه (ثم هي) أي: اللُّقطة (له) أي: لواجدها (إلا أن يكون في جيش، فكالتي قبلها) أي: يضعها في المغنم؛ لما تقدم.
وإن دخل إليهم متلصصًا، فوجد لُقطة، عرَّفها في دار الإسلام؛ لأن أموالهم مباحة له، ثم يكون حكمها حكم غنيمته، ويحتمل أن تكون غنيمة له لا تحتاج إلى تعريف؛ لأن الظاهر أنها من أموالهم؛ قاله في "المغني".
(وإن وجد لُقطة في غير طريق مأتي) أي: مسلوك (فهي لُقطة) تُعرَّف، كالتي في الطريق المسلوك.
стр. 4387
فصل
(ولا فرق) في وجوب تعريف اللُّقطة حولًا، وملكها بعده (بين كون الملتقط غنيًّا أو فقيرًا، مسلمًا أو كافرًا، عَدْلًا أو فاسقًا، يأمن نفسه عليها) لأن الالتقاط نوع اكتساب، فاستووا فيه، كالاحتشاش والاصطياد، وأما من لا يأمن نفسه عليها، فيحرم عليه أخذها، وتقدم (١).
(ويُضَمُّ) أي: يضم الحاكم إذا علم بها (إلى الكافر والفاسق أمين في تعريفها وحفظها) قطع به في "المغني" وغيره؛ لأنهما لا يؤمنان على تعريفها، ولا يؤمن أن يُخِلَّا في التعريف بشيء من الواجب عليهما. وأجر المشرف عليهما؛ قاله في "المغني" و"الشرح" في المشرف على الكافر، وقالا: وإن لم يمكن المشرف حفظها منه، انتزعت من يده وتركت في يد عدل، فإذا عرَّفها، وتمَّت السنة، ملكها ملتقطها؛ لأن سبب الملك وُجِد منه.
(وإن وجدَها) أي: اللُّقطة (صغيرٌ، أو سفيهٌ، أو مجنونٌ) صَحَّ التقاطه؛ لأنه نوع تكسُّب كالاصطياد، و (قام وليُّه بتعريفها) لأنه قد ثبت لواجدها حق التملك فيها، فكان على وليه القيام بها (فإذا عرَّفها) الولي (فهي لواجدها) لأن سبب الملك تمَّ بشرطه.
ولو كان الصغير مميزًا، فعرَّفها بنفسه، قال الحارثي: فظاهر كلامه في "المغني" عدم الإجزاء، والأظهر: الإجزاء؛ لأنه يعقل التعريف، فالمقصود حاصل. انتهى.
وإن لم يعرِّفها الصغير، ولا الولي، فنص الإمام (٢): إن وجد
стр. 4388
صاحبها، دفعها إليه، وإلا؛ تصدق بها، قد مضى أجل التعريف فيما تقدم من السنين. وهذا يؤيد ما جزم به المصنف فيما تقدم أن تأخير التعريف لعُذر كتأخيره بلا عُذر؛ لأن الصغير من أهل العُذر.
(وإن تركها الولي بيده) أي: يد الصغير، أو السفيه، أو المجنون (بعد علمه) أي: الولي بها (ضمنها الولي) لأنه المضيع لها؛ لأنه يلزمه حفظ ما يتعلق به حقُّ موليه.
(وإن تلفت) اللُّقطة (بيد أحدهم) أي: الصغير، أو المجنون، أو السفيه (بغير تفريط) من أحد منهم، ولا من الولي (فلا ضمان عليه) لأنها كالأمانة (وإن فرَّط) فيها واجدها الصغير، أو السفيه، أو المجنون، فتلفت (ضَمِنها في ماله، كإتلافه، وكعبد.
وللعبد التقاطها) لعموم الأحاديث؛ ولأن الالتقاط سبب يملك به الصغير، ويصح منه، فصح من الرقيق.
(و) للعبد إذا التقطها (تعريفها بلا إذن سَيِّده، كاحتطابه واحتشاشه واصطياده) لأنه فِعْلٌ حِسي، فلم يمكن ردُّه.
(وله) أي: العبد (إعلام سَيِّده العَدلِ بها، إن أمنه) عليها (وإلا) يأمن سيده عليها (لزم) العبد (سترها عنه) أي: عن سيده؛ لأنه يلزمه حفظها، وذلك وسيلة إليه، ويسلِّمها للحاكم ليعرِّفها، ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان.
(ولسيِّده العدل أخْذُها منه) ليعرِّفها، فإن عرَّفها وأدَّى الأمانة فيها، فتلفت في الحول الأول بغير تفريط، فلا ضمان فيها؛ لأنها لم تتلف بتفريط أحدهما (أو تَرْكها) أي: ولسيده تركها (معه) أي: العبد (ليعرِّفها
стр. 4389
إن كان) العبد (عَدْلًا) فيكون السيد مستعينًا به في حفظها، كما يستعين به في حفظ سائر ماله.
وإن كان العبد غير أمين، كان السيد مفرِّطًا بإقرارها في يده، فيضمنها إن تلفت، كما لو أخذها من يده، ثم رَدَّها إليه؛ لأن يد العبد كيده.
وإن أعتق السيد عبده بعد التقاطه، كان له انتزاع اللُّقطة من يده؛ لأنها من كسبه.
(فإن أتلفها) أي: اللُّقطة (العبد، أو تلفت) اللُّقطة (بتفريطه قبل الحول، أو بَعْده، ففي رقبته) ضمانها؛ لأنه أتلف مال غيره، فكان ضمانه في رقبته، كغير اللقطة.
(ومثله) أي: العبد فيما تقدم (أمُّ ولد، ومدبَّرٌ، ومعلَّقٌ عتْقُه بصفة، لكن إن تلفت) اللقطة (بتفريط أُمِّ الولد، فداها سَيدُها بالأقلِّ من قيمتها، أو قيمة ما أتلفته) كسائر إتلافاتها.
(والمكاتَب) في التقاط (كالحرِّ) لأن المُكاتَب يملك أكسابه، وهذا منها، ومتى عاد قِنًّا بعجزه، كانت كَلُقطة القِن.
(و) لُقطة (من بعضُه حُرٌّ، بَيْنَه وبينَ سيِّده) على قَدْر ما فيه من الحرية والرق، كسائر أكسابه (ولو كان بينَهما) أي: بين المبعَّض وسيده (مُهايَأةٌ) أي: موافقة على أن يكون كسبه لنفسه مدة معلومة، ولسيده مدة معلومة.
(وكذا حكم نَادرٍ مِن كَسْبه، كهبةٍ وهديَّة ووَصيَّةَ ورِكازٍ ونحوه) كنثار يقع في حجره؛ لأن الكسب النادر لا يعلم وجوده ولا يظن، فلا يدخل في المُهايأة.
стр. 4390
وإن كان الرقيق الملتقط بين شركاء، فاللقطة بينهم على قَدْر حصتهم منه.
(ولو استيقظَ نائِمٌ) أو مغمىً عليه (فوجَد في ثوبه مالًا لا يدري من صَرَّه) أو وجد في كيسه - قلت: أو جيبه - مالًا لا يدري من وضعه فيه (فهو) أي: المال (له) أي: للنائم ونحوه (ولا تعريف) عليه؛ لأن قرينة الحال تقتضي تمليكه له.
стр. 4391
باب اللقيط
فعيل بمعنى مفعول، كقتيل وجريح، والأنثى لقيطة.
(وهو) أي: اللَّقيط (طِفْل) لا مميز (لا يُعرف نَسبه، ولا) يُعرف (رِقُّه، نُبذ) بالبناه للمفعول، أي: طُرح في شارع، أو باب مسجد ونحوه (أو ضَلَّ) الطريق، ما بين ولادته (إلى سِنِّ التمييز) قال في "الإنصاف": فقط، على الصحيح من المذهب (وقيل: والمُمَيِّزُ) لقيط - أيضًا - (إلى البُلُوغ، وعليه الأكثرُ) قاله في "التنقيح". قال في "الفائق": وهو المشهور، قال الزركشي: هذا المذهب. قال في "التلخيص": والمختار عند أصحابنا أن المميز يكون لقيطًا؛ لأنهم قالوا: إذا التقط رجل وامرأة معًا من له أكثر من سبع سنين، أقرع ولم يخير، بخلاف الأبوين.
وعُلم مما تقدم: أنه لو نُبذ أو ضَلَّ طفل معروف النسب، أو معلوم الرق، فرفعه من يعرفه أو غيره، فهو لقيط لغةً؛ لا شرعًا.
(والتقاطُه فَرضُ كفايةٍ) لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١)؛ ولأن فيه إحياء نفسه، فكان واجبًا، كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من نحو غرق، فلو تركه جميع من رآه أثموا.
ويحرم النبذ، لأنه تعريض بالمنبوذ للتلف.
(ويُستحبُّ للملتقِط الإشهادُ عليه) كاللُّقطة، ودفعًا لنفسه؛ لئلا تراوده باسترقاقه.
(و) يُستحب - أيضًا - للملتقِط الإشهاد (على ما معه) أي: اللقيط، من مال؛ صونًا لنفسه عن جحده.
стр. 4392
(وهو) أي: اللقيط (حرٌّ في جميع أحكامه) حتى في قذف وقَوَد؛ لأنها الأصل في الآدميين، فإن الله خلق آدم وذريته أحرارًا، وإنما الرِّق لعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض، فله حكم الأصل.
وهو - أيضًا - (مسلم) لظاهر الدار، وتغليب الإسلام، فإنه يعلو ولا يُعلى عليه (إلا أن يُوجد) اللقيط (في بلد كُفَّار حرب، ولا مُسلمَ فيه) أي: في بلد الحرب (أو فيه مسلم كتاجر وأسير، فكافر رقيق) لأن الدار لهم، وإذا لم يكن فيها مسلم كان أهلها منهم، وإن كان فيها قليل من المسلمين، غلب فيها حكم الأكثر من أجل كون الدار لهم. قال في "الرعاية": وإن كان فيها مسلم ساكن، فاللقيط مسلم، وإلى ذلك أشار الحارثي، فقال: مَثَّل الأصحاب في المسلم هنا بالتاجر والأسير، واعتبروا إقامته زمنًا ما، حتى صَرَّح في "التلخيص" أنه لا يكفي مروره مسافرًا.
(فإن كَثُر المسلمونَ) في دار الحرب (فـ) ــاللقيط (مسلم) قلت: حرٌّ؛ لما تقدم.
(وإن وجد) اللقيط (في دار الإسلام في بلدٍ كلُّ أهلها) أهل (ذِمَّةٍ، فكافر) لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال، وهذه لا مسلم فيها يحتمل كونه منه. وقال القاضي وابن عقيل: مسلم؛ لأن الدار للمسلمين؛ ولاحتمال كونه من مسلم يكتم إيمانه.
(وإن كان فيه) أي: بلد الإسلام الذي كلُّ أهلهِ ذمةٌ (مسلم) ولو واحدًا (فـ) ــاللقيط (مسلم، إن أمكن كونه) أي: اللقيط (منه) أي: من المسلم بها؛ تغليبًا للإسلام، ولظاهر الدار، وإن لم يبلغ من قلنا بكفره تبعًا للدار، حتى صارت دار إسلام، فَمُسلم.
стр. 4393
(ولا تجب نفقته) أي: اللقيط (على ملتقطِه) لأنه لا يرثه (ويُنفَق عليه من بيت المال، إن لم يكن معه) أي: اللقيط (ما ينفق عليه) لما روى سعيد عن سُنَين أبي جميلة قال: "وَجدْتُ ملقُوطًا، فأتَيْتُ به عمرَ ﵁، فقال عريفي: يا أمير المؤمنينَ إنَّه رجلٌ صالحٌ، فقال عمرُ: أكذلكَ هو؟ قال: نَعَمْ، قال: فاذهَبْ، هو حُرٌّ، ولكَ ولاؤُهُ، وعلينا نفقتُهُ أو رضاعُهُ" (١).
(فإن تعذَّر) الإنفاق عليه من بيت المال؛ لكونه لا مال فيه، أو لكون البلد ليس بها بيت مال ونحوه (اقترضَ حاكمٌ على بيتِ المال) وظاهره: ولو مع وجود متبرع بها؛ لأنه أمكن الإنفاق عليه بدون منة تلحقه في المستقبل، أشبه الأخذ لها من بيت المال؛ قاله في "شرح المنتهى".
(فإن تَعذَّر) على الحاكم الاقتراض على بيت المال، أو كان لا
стр. 4394
يمكن الأخذ منه (فعلى مَنْ عَلم حاله الإنفاقُ) عليه (مجَّانًا) للأمر بالتعاون على البر والتقوى، وبالعدل والإحسان؛ ولأنه إحياء معصوم، وإنقاذ له من التلف، فوجب، كإنقاذ الغريق.
(ولا يرجع (١)) المنفِق بما أنفقه عليه (لأنها فرض كفاية) إذا قام بها البعض، سقطت عن الباقين؛ لحصول المقصود، وإن ترك الكلُّ أثموا، ولأنها وجبت للمواساة، فهي كنفقة القريب وقِرى الضيف.
(وإن اقترضَ الحاكمُ ما أنفق عليه) أي: اللقيط (ثم بان رقيقًا، أو له أب موسر، رَجَع) الحاكم (عليه) أي: على سيد الرقيق، وأبي الحرِّ الموسر؛ لأن النفقة حينئذ واجبة عليهما. قلت: وقياس الأب وارث موسر، ويؤيده قوله (فإن) اقترض الحاكم على اللقيط، و (لم يَظْهر له أحدٌ) تجب عليه نفقته (وفَّى) الحاكم ما اقترضه (مِنْ بيت المال) لأن نفقته حينئذ واجبة فيه، وإن كان للقيط مال تعذَّر الإنفاق منه لمانع، أو ينتظر حصوله من وقف أو غيره، فلمَن أنفق عليه بنية الرجوع أن يرجع؛ لأنه في هذه الحالة غني عن مال الغير؛ هذا معنى كلام الحارثي، وقال: وإذا أنفق الملتقِط أو غيره نفقة المِثْل بإذن الحاكم ليرجع، فله الرجوع. وقال في "المغني" و"الشرح": وإن لم يتبرَّع أحد بالإنفاق عليه، فأنفق عليه الملتقط أو غيره؛ بنية الرجوع إذا أيسر، بأمر الحاكم؛ لزم اللقيط ذلك، إذا كانت النفقة قصدًا بالمعروف. وبغير أمر الحاكم، فقال أحمد (٢): يؤدي النفقة من بيت المال.
(وما وُجِدَ معه) أي: اللقيط (من فِراش تحتهُ) كوطاء، وبساط،
стр. 4395
ووسادة، وسرير (أو ثياب) أو حَلْي، أو غطاء عليه (أو مال في جَيْبه، أو تحت فراشه) أو وسادته (أو مدفونًا تحته طريًّا، أو) وجد (مطروحًا قريبًا منه، كثَوْب موضوع إلى جانبه، أو حيوان مشدودٍ بثيابه، فهو له) وكذا ما طُرح فوقه، أو رُبط به، أو بثيابه، أو سريره، وما بيده من عنان دابة، أو مربوط عليها، أو مربوطة به، أو بثيابه؛ قاله الحارثي؛ لأن يده عليه، فالظاهر أنه له، كالمكلَّف، ويمتنع التقاطه بدون التقاط المال الموجود؛ لما فيه من الحيلولة بين المال ومالكه.
(وإن كان) اللقيط (في خيمة) أو نحوها (أو دار، فهي له) إذا لم يكن فيها غيره.
فإن كان ثَمَّ بالغٌ في جميع ما تقدم، فهو به أخص؛ إضافة للحكم إلى أقوى السببين، فإن يد اللقيط ضعيفة بالنسبة إلى يد البالغ. وإن كان الثاني لقيطًا، فهو بينهما نصفين؛ لاستواء يدهما، إلا أن توجد قرينة تقتضي اختصاص أحدهما بشيء دون شيء، فيعمل بها، وما وُجِدَ بعيدًا عنه، أو مدفونًا تحته غير طري، فَلُقطة.
(وأَولى الناس بحضانته) واجده؛ لأنه سبق إليه، فكان أَولى به.
(و) أَولى الناس بـ (ـــحفظ ماله واجده) لأنه وليه (إن كان أمينًا) لما تقدم عن عمر ﵁ (مكلفًا) لأن غير المكلف لا يلي أمر نفسه، فلا يلي أمر غيره (رشيدًا) لأن السفيه لا ولاية له على نفسه، فغيره أَولى (حرًّا) تامَّ الحرية؛ لأن كلًّا من القنِّ، والمدبَّر، وأمّ الولد، والمعلَّق عتقه بصفةٍ؛ منافعُه مستحَقَّة لسيده، فلا يصرفها في غير نفعه إلا بإذنه، وكذا المكاتَب ليس له التبرُّع بماله ولا منافعه إلا بإذن سيده (عَدْلًا) لأن عمر ﵁ أقرَّ اللقيط في يد أبي جميلة حين قال له عريفه: "إنَّهُ رجلٌ
стр. 4396
صالحٌ" (١) (ولو) كان (ظاهرًا)، أي: لم تعلم عدالته باطنًا، كولاية النكاح والشهادة فيه، وأكثر الأحكام.
(وله) أي: لواجده المتصف بما تقدم (الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكم) لأنه وليه، بخلاف من أودع مالًا وغاب وله ولد، فلا ينفق الوديع على ولده من الوديعة؛ لأنه لا ولاية له، بل تقوم امرأته إلى الحاكم حتى يأمره بالإنفاق؛ لاحتياجه إلى نظر الحاكم.
(والمستحبُّ) لواجد اللقيط الإنفاق (بإذنه) أي: الحاكم (إنْ وُجِد) لأنه أبعد من التهمة، وأقطع من الظنة (٢)، وفيه خروج من الخلاف، وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق.
(وينبغي) لولي اللقيط (أن ينفق عليه بالمعروف كـ) ـــولي (اليتيم، فإن بلغ اللقيط، واختلفا) أي: اللقيط وواجده (في قَدْر ما أنْفق) واجده عليه، فقول المتفق بيمينه (أو) اختلفا (في التفريط في الإنفاق) بأن قال اللقيط: أنفقت فوق المعروف، وأنكره واجده (فقول المنفق) بيمينه؛ لأنه أمين، والأصل براءته.
(وله) أي: واجد اللقيط (قَبول هدية له) وهبة (وصدقة، ووصية) وزكاة، وكفارة، ونذر كولي اليتيم؛ ولأن القبول محض مصلحة، فكان له، كحفظه وتربيته.
قلت: ولعل المراد: تجب إذا لم يضرَّ باللقيط، كما تقدم في الحَجْر (٣) فيما إذا وهب لليتيم رحمه أنه يجب القَبول، إن لم تلزم نفقته.
стр. 4397
وإنما عبَّروا باللام في مقابلة من منع ذلك وجعله للحاكم.
(ولا يُقَرُّ) اللقيط (بيد صبي، و) لا بيد (مجنون، و) لا بيد (سفيه، و) لا بيد (فاسق) ظاهر الفسق؛ لما تقدم (و) لا يُقر - أيضًا - بيد (كافر، واللقيط مسلم) لانتفاء ولاية الكافر على المسلم، ولا يؤمن فتنته في الدِّين (ولا) يُقر اللقيط - أيضًا - (بيد رقيق بلا إذن سَيّده) لانتفاء أهليته للحضانة والولاية على الأحرار.
(وليس له) أي: القِن (التقاطُه بغير إذْنِ سيِّده) لأنه مستحق المنفعة للسيد (إلا ألّا يجد) الرقيق (مَنْ يلتقطه، فيجب) على الرقيق (التقاطه؛ لأنه تخليص له) أي: اللقيط (من الهلكة) وهو واجب في هذه الحال؛ لانحصاره فيه (فإن أذن له سيده) في التقاطه (فهو نائبه) فلا ينزع منه؛ لأن التقاطه إذًا للسيد، والعبد نائب عنه. قال ابن عقيل: وليس للسيد الرجوع في الإذن.
(والمدبَّر، وأمُّ الولد، والمعلَّق عتقُه) بصفة (والمكاتَب، ومَنْ بعضُه حُرٌّ، كالقن) لقيام الرقِّ.
(ولا يُقَرُّ) اللقيط (بيد بدويٍّ يتنقَّلُ في المواضع) لأنه إتعاب للطفل بتنقُّله، فيؤخذ منه ويُدفع إلى من في قرية؛ لأنه أرفه له، وأخف عليه.
(ولا) يُقر - أيضًا - بيد (مَنْ وجَدهُ في الحضَر، وأراد نقله إلى البادية) لأن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه، وأرفه له، وأرجى لكشف نسبه، وظهور أهله.
(فإن التقَطه في البادية مقيمٌ في حِلَّةٍ) بكسر الحاء المهملة: وهي بيوت مجتمعة للاستيطان، أُقر معه؛ لأن الحِلَّة كالقرية في كون أهلها لا ترحل لطلب الماء والكلأ (وأراد) أي: وأراد واجد اللقيط ببادية (النُّقْلة)
стр. 4398
به (إلى الحضر، أُقِرَّ) اللقيط (معه) لأنه أرفق به.
(ويصح) أي: يجوز (التقاط ذِمِّي لذمي، ويُقَرُّ) الذمي (بيده) أي: الذمي؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١).
(ولو التقط) اللقيطَ (الكافرَ مسلمٌ وكافرٌ، فهما سواء) لاستوائهما في الالتقاط، وللكافر على الكافر الولاية (وقيل: المسلم أحق؛ اختاره جمع) منهم صاحب "المغني" و"الشرح" والناظم. قال الحارثي: وهو الصحيح بلا تردُّد؛ لأنه عند المسلم ينشأ على الإسلام، ويتعلم شرائع الدِّين، فيفوز بالسعادة الكبرى.
(وإن التقطه في الحضر من يريد النُّقْلةَ إلى بلدٍ آخر) لم يُقر بيده (أو) التقطه في الحضر من يريد النقلة (مِن بلدٍ إلى قرية، أو من محلَّة إلى محلَّة) أي: من حِلَّة إلى حِلَّة (لم يُقَرَّ بيده) لأن بقاءه في بلده، أو قريته، أو حِلَّته أرجى لكشف نسبه، وكالمنتقل به إلى البادية (ما لم يكنِ البلدُ الذي كان فيه) واجد اللقيط (وَبِيئًا) أي: وخيمًا (كغُور بِيسان) بكسر الباء الموحدة يليها ياء مثناة تحت ساكنة ثم سين مهملة: بلد بأرض الشام (ونحوه) كالجُحْفَة، فإن كان البلد ربيئًا، أُقِرَّ اللقيط بيد المنتقل عنه إلى بلد لا وباء به، أو دونه في الوباء؛ لأنه مصلحة.
وإن أراد السفر به لغير نقلة، فإن عرفت عدالته، وظهرت أمانته، أُقر بيده.
وإن كان مستور الحال، ففيه وجهان.
(وحيث يقال بانتزاعه) أي: اللقيط (من الملتقِط فيما تقدم) من المسائل (فإنَّما ذلك) الانتزاع (عند وجود الأَولى به) من الملتقِط (فأما إذا
стр. 4399
لم يوجد) أَولى منه (فإقراره في يده أَولى كيف كان) لرجحانه بالسبق إليه.
(ويقدَّم مُوسر ومقيم من أهل الحضانة، إذا التقطاه) أي: الموسر وضده، أو المقيم وضده (معًا على ضدِّهما) فيقدم الموسر على المعسر؛ لأنه أحظ للقيط، ويقدَّم المقيم على المسافر؛ لأنه أرفق باللقيط (فإن تساويا) أي: الملتقطان في اليسار أو الإقامة (وتَشَاحَّا) بأن لم يرض أحدهما بإسقاط حقه، وتسليم اللقيط إلى صاحبه (أُقْرع بينهما) لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (١)؛ ولأنه لا مرجِّح لأحدهما، والحضانة لا تتبعض، والمهايأة فيها إضرار بالطفل؛ لأنه تختلف عليه الأغذية والأنس والإلف.
(والبَلديُّ، والكريم، وظاهر العدالة، وضدُّهم) أي: البلدي والقروي سواء، والكريم والبخيل سواء، وظاهر العدالة ومستورها سواء؛ لاستوائهما في الأهلية (والرجل والمرأة سواء) فلا تُقدم عليه، بخلاف الحضانة؛ لأنهما أجنبيان عن الطفل، فيستويان فيه، وإنما قُدِّمت في الحضانة؛ لقرابتها المقتضية للشفقة، وكون الرجهل إنما يحضن بأجنبية.
(والشركة في الالتقاط أن يأخُذاه جميعًا) أي: معًا (ووضْعُ اليد عليه كالأخذ، ولا اعتبارَ بالقيام المجرَّد) عن الأخذ، ووضع اليد (عنده) أي: عند اللقيط؛ لأن الالتقاط حقيقة في الأخذ، وفي معناه: وضع اليد، فلا يوجد بدونهما (إلا أن يأخذه) الملتقط (للغير بأمره، فالملتقط هو الآمر في قول) من يقول بصحة التوكيل في الالتقاط (والآخِذُ نائب عنه) أي: الآمر، فهو كاستنابته في أخذ المباح، وتقدم في
стр. 4400
الوكالة (١): لا تصح في الالتقاط، فالملتقِط هو الآخذ لا الآمر (فإن نوى) المأمور (أخذَهُ لنفسه، فهو أحق به) ولو قلنا بصحة الوكالة؛ لأنه بنيَّة أَخْذِه لنفسه عزَل نفسَه.
(وإن اختلفا في الملتقِط منهما) بأن ادَّعى كلٌّ منهما: أنه الذي التقطه وحده (قُدِّم عن له بينةٌ) به (سواءٌ كان في يده، أم في يد غيره) إعمالًا لبيِّنته (فإن كان لكلِّ واحد منهما بينةٌ، قُدِّم أسبقهما تاريخًا) لأن الثاني إنما أخذ ممن ثبت الحق له. قال الحارثي: وهذا التعليل يقتضي أن اللقيط لا يقبل الانتقال من شخص إلى شخص، وليس كذلك، فإنه جائز في بعض الحالات، فهو كالمال، فيجري فيه ما في بينة المال من رواية اعتبار سبق التاريخ، ورواية (٢) تساويهما؛ أعني البينتين.
(فإن اتحدتا تاريخًا، أو أُطلِقَتا، أو أُرِّخت إحداهما، وأُطلقت الأخرى، تعارضتا وسقطتا) فيصيران كمن لا بينة لهما، إن لم يكن بيد أحدهما، فإن كان بيد أحدهما، فكدعوى المال، فَتُقدَّم بينة خارج.
(وإن لم تكن لهما بينة، قدِّم صاحب اليد مع يمينه) لأن اليد تفيد الملك، فأَولى أن تفيد الاختصاص.
(فإن كان) اللقيط (في أيديهما، أقرع بينهما) لتساويهما في موجب الاستحقاق، ولا سبيل إلى اشتراكهما في كفالته كما تقدم (فمن قَرَع) أي: خرجت له القُرعة (سلِّم إليه مع يمينه.
وإن لم يكن لهما يدٌ، فوصفَه أحدُهما بعلامةٍ مستورة في جسده) بأن يقول: بظهره، أو بطنه، أو كتفه، أو فخذه شامة، أو أَثَرُ جرح أو
стр. 4401
نار، ونحوه، فكشف ووجد كما ذكر (قُدِّم)، على من لم يصفه به؛ لأن هذا نوع من اللقطة، فقدم بوصفها كلقطة المال، ولأنه يدل على سبق يده عليه (فإن وصفاه جميعًا) بما تقدم (أُقرع بينهما) لانتفاء المرجح لأحدهما على الآخر.
(وإن لم يكن) اللقيط (في أيديهما، ولا في يد واحد منهما، ولا بينة لهما، ولا لأحدهما، ولا وصفاه، ولا) وصفه (أحدهما، سلَّمه القاضي إلى مَنْ يرى (١) منهما، أو من غيرهما) لأنه لا يَدَ لهما ولا بينة، فاستويا وغيرهما فيه، كما لو لم يتنازعاه. وقال في "المغني": الأولى أن يُقرع بينهما.
(ولا تخيير للصبي) إذ لا مستند له، بخلاف اختياره أحد الأبوين؛ لأنه يستند إلى تجربة تقدمت؛ قاله في "التلخيص".
(ومن أسقطَ حَقَّه) من المتنازعين فيه، أو ممن التقطاه معًا (منه) أي: من اللقيط (سقط) حقه؛ لأن الحق لهما، فكان لكلٍّ منهما تركه للآخر، كالشفيعين.
فصل
(وميراث اللَّقيط) - إن مات - لبيت المال، إن لم يخلِّف وارثًا، ولا يرثه الملتقِط؛ لأنه إذا لم يكن رحِم ولا نِكاح، فالإرث بالولاء، وقد قال النبي ﷺ : "إنَّما الولاءُ لمَن أعتقَ" (٢) والملتقِط ليس معتِقًا. وحديث
стр. 4402
واثلةَ بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "المرأةُ تحوزُ ثلاثةَ مواريثَ: عَتِيقَها، ولقِيطَها، وولَدَها الذي لاعَنَتْ عليه" أخرجه أبو داود والترمذي (١) وقال: حديث حسن. قال ابن المنذر: لا يثبت (٢). وقول
стр. 4403
عمر: "ولكَ ولاؤُهُ" (١) أي: ولايته.
(وديَتُه) أي: اللقيط (إن قُتِل لبيت المال) لأنها من ميراثه كسائر ماله (إن لم يُخلِّف) اللقيط (وارثًا) بفرض، أو تعصيب، فإن كانت له زوجة، فلها الربع، والباقي لبيت المال، وإن ماتت لقيطة لها زوج، فله النصف والباقي لبيت المال، وإن كان له بنت، أو بنت ابن، أو ابن بنت، أخذ جميع المال؛ لأن الرد والرحم مقدَّم على بيت المال (ولا ولاءَ عليه) أي: اللقيط لقوله ﷺ : "إنَّما الولاءُ لمَن أعتقَ" (٢)؛ ولأنه لم يثبت عليه رِقٌّ، ولا ولاء على آبائه، فلم يثبت عليه، كالمعروف نسبه؛ ولأنه إن كان ابن حُرَّين، فلا ولاء عليه، وإن كان ابن مُعتقَين، فلا يكون عليه ولاء لغير معتقهما.
(وإن قُتل) اللقيط (عمدًا، فوليُّه الإمام) لقوله ﷺ : "السُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ له" (٣)؛ ولأن المسلمين يرثونه، والسلطان يَنوب منابهم، فـ (ــإن شاء) الإمام (اقتصَّ، وإن شاء أخذ الدِّية) حسب الأصلح؛ لأنه حرٌّ معصوم، والاستحقاق منسوب إلى جهة الإسلام، لا إلى آحاد المسلمين، حتى يمنع منه كون فيهم صبيان ومجانين.
(وإن قُطِعَ طرفه) أي: اللقيط (عمدًا، انتظر بلوغه مع رشده) ليقتص أو يعفو؛ لأن مستحقَّ الاستيفاءِ المجنيُّ عليه، وهو حينئذ لا يصلح للاستيفاء، فانتظرت أهليته، وفارق القصاص في النفس؛ لأن القصاص ليس له، بل لوارثه، والإمام هو المتولي عليه (فيحبس الجاني)
стр. 4404
على طرف اللقيط (إلى أوان البلوغ والرشد) لئلا يهرب (إلا أن يكون) اللقيط (فقيرًا، ولو) كان اللقيط (عاقلًا، فيجب على الإمام العفوُ على مال) فيه حظ للقيط (ينفق عليه) دفعًا لحاجة الإنفاق، وما جزم به المصنف من التسوية بين المجنون، والعاقل، قال في "شرح المنتهى": إنه المذهب. وقال في "الإنصاف": هو الصحيح من المذهب، ويأتي في باب استيفاء القصاص: أن لولي المجنون العفو؛ لأنه لا أمدَ له ينتهي إليه، بخلاف ولي العاقل، وقطع به في "الشرح" هنا.
(وإن ادَّعى الجاني عليه) أي: على اللقيط رِقَّه (أو) ادَّعى (قاذِفُه رِقَّه، وكذَّبه اللقيط بعد بلوغه، فالقول قول اللقيط) لأنه موافق للظاهر؛ لأنه محكوم بحريته؛ ولأنه لو قذف إنسانًا، لوجب عليه حدُّ الحُرِّ، فللقيط طلب حدِّ القذف، واستيفاء القصاص من الجاني، وإن كان حرًّا.
وإن أوجبت الجنابة مالًا، طالب بما يجب في الحُرِّ.
وإن صَدَّق اللقيط قاذفه، أو الجاني عليه على كونه رقيقًا، لم يجب عليه إلا ما يجب في قذف الرقيق، أو جنايته عليه.
(وإن جنى اللَّقيط جنايةً تحملُها العاقلةُ، فـ) ــأرشها (على بيت المال) لأن ميراثه ونفقته في بيت المال، فكان عقله فيه، كعصباته.
(وإن كانت) الجناية (لا تحملها العاقلةُ) كالعمد المحض، وإتلاف المال (فحكمه) أي: اللقيط (فيها حكم غير اللقيط).
فـ (ــإن كانت) الجناية (توجب القصاص، وهو) أي: اللقيط (بالغ عاقل، اقتص منه) مع المكافأة.
(وإن كانت) الجناية من اللقيط (موجبةً للمال، وله) أي: اللقيط (مال استُوفي) ما وجب بالجناية (منه) أي: من ماله (وإلَّا) بأن لم يكن له
стр. 4405
مال (كان) ما وجب بالجناية (في ذمته، حتى يُوسِر) كسائر الديون.
(وإن ادَّعى أجنبي) أي: غير الملتقِط (أن اللقيط مملوكه) وهو في يده، صُدِّق بيمينه، إن كان اللقيط طفلًا أو مجنونًا.
(أو) ادَّعى إنسان أن (مجهول النسبِ غيرهُ) أي: اللقيط (مملوكُه وهو في يده، صُدِّق) المدَّعي؛ لدلالة اليد على الملك (مع يمينهِ) لإمكان عدم الملك، ثم إذا بلغ وقال: أنا حرٌّ، لم يُقبل قوله؛ قاله الحارثي.
(وإلا؛ فلا) أي: وإن لم يكن اللقيط أو مجهول النسب بيد المدعي، فلا يصدق؛ لأن دعواه تُخالف الأصل والظاهر.
(فلو شهدت له) أي: لمدَّعي اللقيط غير ملتقطه، أو لمدعي مجهول النسب (بَينةٌ باليد) بأن قالا: نشهد أنه كان بيده. حكم له باليد، فيحلف أنه ملكه، ويُحكم له بملكه؛ لأن اليد دليل الملك.
(أو) شهدت بـ (ــالملك، أو) شهدت (أنه عبدُه، أو مملوكه) أو قِنه أو رقيقه (ولو لم تَذْكر البينةُ سببَ الملك) حكم له به، كما لو شهدا بملك دار أو ثوب.
(أو) شهدتْ (أن أَمَته) أي: المدَّعي (ولدتْه في ملكه، حُكم له به) لأن الغالب أنها لا تلد في ملكه إلا ملكه.
(وإن) شهدت أنه ابن أَمَته، أو أن أَمَته ولدته، و (لم تقل: في ملكه، لم يحكم له) به؛ لأنه يجوز أن تكون ولدته قبل ملكه لها، فلا يكون له، مع كونه ابن أَمَته، وكونها ولدته.
وهل يكفي في البينة التي تشهد أن أَمَته ولدته في ملكه، امرأة واحدة، أو رجل واحد؛ لأنه مما لا يطَّلع عليه في غالب الأحوال رجال؟ وبه جزم في "المغني"، أو لا بُدَّ في ذلك من رجلين أو رجل وامرأتين،
стр. 4406
كما ذكره القاضي؟ فيه وجهان. قال الحارثي عن قول القاضي: إنه أشبه بالمذهب.
(وإن ادَّعاه) أي: ملك اللقيط (الملتقِط، لم يُقبل إلا ببينة) تشهد بملكه، أو أن أَمَته ولدته في ملكه، ولا تكفي يده ولا بينة تشهد له باليد؛ لأن الأصل الحرية، ويده عن سبب لا يفيد الملك، فوجودها كعدمها، بخلاف المال، فإن الأصل فيه الملك (وإن كان المدَّعَى) - بفتح العين - أنه مملوك، من لقيط، أو مجهول نسب (بالغًا عاقلًا) وكذا إن كان مميزًا، كما يأتي في الدعاوى (فأنكر) أنه رقيق، وقال: أنا حرٌّ (فالقول قوله إنه حرٌّ) لأن الأصل معه.
(وإن كان للمدَّعي) رق اللقيط أو مجهول النسب (بيِّنة) بدعواه (حُكِم) له (بها) أي: ببينته.
(فإن كان الملتقَط) بفتح القاف، وفي نسخ: اللقيط (قد تصرف قبل ذلك) أي: قبل أن يحكم به لمدعي رقه ببينة (ببيع أو شراء) أو هبة ونحوها (نُقضت تصرفاته) لأنه بأن أنه كان تصرف بغير إذن سيده.
(وإن أقر) اللقيط أو مجهول النسب (بالرقِّ بعد بلوغه، لم يقبل إقراره، سواء تقدم إقرارَه تصرُّفٌ ببيع، أو شراء، أو تزويج، أو إصداق ونحوه، أو لم يتقدمه) تصرُّفٌ (بل) كان (أقر بالرق جوابًا) لدعوى مدَّع (أو) أقر به (ابتداء، ولو صدَّقه المقَرُّ له) بالرق؛ لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها، فلم يصح (كما لو تقدمه إقرار بحريته) ولأن الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه ولا حريتها، ولم يتجدد له رق بعد التقاطه.
(وإن أقر اللقيط أنه كافر وقد حكمنا بإسلامه من طريق الظاهر، تبعًا
стр. 4407
للدار) بأن كان وجد في دار إسلام، فيه مسلم يمكن كونه منه (لم يُقْبل قوله) أنه كافر بعد بلوغه؛ لأن دليل الإسلام وجد عريًا عن المعارض، وثبت حكمه واستقر، فلم يجز إزالة حكمه بقوله، كما لو قال ذلك ابن مسلم، وقوله لا دلالة فيه أصلًا؛ لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه، ولا ما كان دينه، وإنما يقول ذلك من تلقاء نفسه.
(وحكمه حكم المرتد) يُستتاب ثلاثًا، فإن تاب، وإلا؛ قُتل.
(كما لو بلغ سنًّا يصح إسلامه فيه) كسبع سنين (ونطق بالإسلام) وهو يعقله (ثم قال: إنه كافر) فإنه يُستتاب بعد بلوغه ثلاثًا، فإن تاب، إلا؛ قُتل؛ لأن إسلامه متيقَّن.
فصل
(وإن أقرَّ إنسان أنه) أي: اللقيط (ولده) وقوله (مسلمٌ أو ذمي) صفة لـ "إنسان" (يمكن كونه) أي: اللقيط (عنه) أي: المقِر (حُرًّا كان) المقِرُّ (أو رقيقًا، رجلًا كان أو امرأة، ولو) كانت (أَمةً، حيًّا كان اللقيط أو ميتًا، أُلحق به) لأنه استلحاق لمجهول النسب ادعاه من يمكن أنه منه، من غير ضرر فيه، ولا دافع عنه، ولا ظاهر يرده، فوجب اللحاق؛ ولأنه محض مصلحة للطفل؛ لوجوب نفقته وكسوته واتصال نسبه، فكما لو أقرَّ له بمال.
(ولا تجب نفقته) أي: اللقيط (على العبد) إذا ألحقناه به؛ لأنه لا يَملك (ولا حضانة له) أي: للعبد على من استلحقه؛ لاشتغاله يالسيد فيضيع، فلا يتأهل للحضانة، قال الحارثي: وإن أذن السيد جاز؛ لانتفاء مانع الشغل.
стр. 4408
(ولا) تجب نفقة من استلحقه العبد (على سيده؛ لأنه) أي: اللقيط (محكوم بحرِّيَّته) والسيد غير نسيب له (وتكون) نفقته (في بيت المال) لأنه للمصالح العامة.
(ولا يلحق) اللقيط (بزوجِ المرأة المُقِرَّة به بدون تصديقه) أي: الزوج؛ لأن إقرارها لا ينفذ، على غيرها، فلا يلحقه بذلك نسب لم يقرَّ به.
(ولا) يلحق اللقيط (بالرقيق) إذا استلحقه (في رقه) لأنه خلاف الأصل وإضرار بالطفل (بدون بيِّنة الفراش فيهما) فإن أقامت المرأة بينة أنها ولدته على فراش زوجها، لحق به.
وكذا لو أقيمت بينة برِقه، بأن تشهد أنه عبده، أو قِنه، أو أن أَمته ولدته في ملكه، على ما تقدم.
(كما لو استلحق) حرٌّ (رقيقًا) فيثبت نسبه دون حريته، إلا ببينة تشهد أنه ولد على فراشه.
(ولا) يلحق اللقيط (بزوجة المُقِرِّ بدون تصديقها) لأن إقراره لا يسري عليها.
(ويلحق) اللقيطُ (الذِّمِّي) إذا استلحقه (نسبًا) كالمسلم (لا دينًا) لأنه محكوم بإسلامه، فلا يتأثر بدعوى الكافر؛ ولأنه مخالف للظاهر، وفيه إضرار باللقيط.
(ولا حق له) أي: الذمي (في حَضانته) أي: اللقيط الذي استلحقه؛ لأنه ليس أهلًا لكفالة مسلم، ولا تؤمن فتنته عن الإسلام، ونفقته في بيت المال.
(ولا يسلَّم إليه إلا أن يقيم) الذمي (بَيِّنةً أنه وُلِدَ على فراشه، فيلحقه دِيْنًا) لثبوت أنه ولد ذميين، كما لو لم يكن لقيطًا (بشرط استمرارِ أبويْه
стр. 4409
على الحياة والكفر) إلى بلوغه عاقلًا، فإن مات أحدهما، أو أسلم قبل بلوغه، حكم بإسلامه.
(والمجنون كالطفل) إذا أقر إنسان أنه ولده، لحق به (إذا أمكن أن يكون منه، وكان) المجنون (مجهولَ النسب) لأن قول المجنون غير مُعتبر، فهو كالطفل.
(وكلُّ مَنْ ثَبت لحاقه بالاستلحاق، لو بلغ) أو عقل (وأنكر، لم يُلتفت إلى قوله) لنفوذ الإقرار عليه في صغره أو جنونه لمستند صحيح، أشبه الثابت بالبينة.
(وإن ادَّعاه) أي: نسب اللقيط (اثنان أو أكثر) سُمعت؛ لأن كل واحد لو انفرد صحت دعواه، فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى، ولا فرق بين المسلم والكافر، والحر والعبد.
فإن كان (لأحدهما بينة، قُدِّم بها) لأنها تظهر الحق وتبينه.
(وإنْ كان) اللقيط المدَّعى نسبه (في يدِ أحدهما، وأقاما بينة قدمتْ بينةُ خارج) كالمال.
(وإن كان) اللقيط (في يدِ امرأةٍ) وادعت نسبه، وأقامت به بينة (قدمتْ على امرأة ادَّعتْهُ بلا بينة) لأن البينة موضحة.
(وإن تساووا في البينة) بأن أقام كل منهم بينة، والطفل بأيديهم، أو ليس بيد واحد منهم (أو) تساووا في (عدمها، عُرض) اللقيط (معهما) أي: المدعيين إن ادعياه معًا، وإلا؛ لحق بالأول، إلا أن تلحقه القافةُ بالثاني، فيلحق به، وينقطع نسبه عن الأول؛ لأنها بينة في إلحاق النسب، فيزول بها الحكم الثابت بمجرد الدعوى (على القافَة) بالتخفيف: جمع قائف، ويأتي .............................
стр. 4410
معناه (١). وكان إياس بن معاوية قائفًا (٢)، وكذا شريح (٣)؛ قاله في "المبدع".
(أو) عرض (مع أقاربهما، إن ماتا) أي: المدعيين (كالأخ والأخت والعمة والخالة، فإن ألحقتْهُ) القافة (بأحدهما، لحق (٤) به) لحديث عروة عن عائشة قالت: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرورٌ، فقال: أيْ عائشةُ، ألمْ تَري أن مُجزِّزًا المُدْلجي دخل؛ فرأى أسامةَ وزيدًا وعليهما قَطِيفَةٌ، قد غَطّيا رؤوسَهما، وبَدَتْ أقدامُهما، فقال: إنَّ هذه الأقدامَ بعضُها مِنْ بعض". وفي لفظ: "دخل قَائِفٌ والنبيُّ ﷺ شاهدٌ، وأسامةُ بن زيدٍ وزيدُ بن حارثةَ مضْطجعان، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضُها مِنْ بعضٍ، فَسُرَّ بذلك النبيُّ ﷺ ، وأعجبهُ، وأخبَرَ به عائشةَ" متفق عليهما (٥).
وبه قال عمر (٦) وأبو موسى (٧) وابن عباس (٨) وأنس (٩)، وقضى به عمر بحضرة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، فكان إجماعًا (١٠).
стр. 4411
(وإن ألحقته) القافة (بهما) أي: المدعيين (لحق) نسبه (بهما) لما روى سعيد عن عمر "في امرأة وطئها رجلانِ في طُهْرٍ، فقال القائفُ: قد اشتركا فيه جميعًا، فجعلَهُ بينهما" (١). وبإسناده عن الشعبي قال: وعلي يقول: "هو ابنُهُما، وهما أبواهُ، يرثُهُما ويرثانه" (٢) ورواه الزبير بن بكار عن عمر.
(فيرثُ) الملحق بأبوين (كلَّ واحد منهما إرثَ ولدٍ كامل، ويرثانه إرثَ أبٍ واحد) لما تقدم.
(وإن وُصِّي له) أي: الملحق باثنين (قَبِلا) الوصية له (جميعًا)
стр. 4412
لأنهما بمنزلة أب واحد، وعلى قياس ذلك سائر التصرفات من نكاح وقول هبة ونحوها. قال الموضِّح: وهما وليان في غير ذلك، كنكاح وغيره.
(وإن خلَّف) الملحق باثنين (أحدَهما، فله إرث أب كامل، ونسبه ثابت من الميت) كما أن الجدة إذا انفردت، أخذت ما يأخذه الجدات، والزوجة كالزوجات (ولأمَّيْ أبوَيْه مع أُمِّ أُمّه نصفُ السُّدس) لأنهما بمنزلة أُم أب مع أُمِّ أم (ولها) أي: لأم أُمه (نصفه) أي: السدس.
(ولو توقفت القافة في إلحاقه بأحدهما، أو نَفَتْه عن الآخر، لم يلحق بالذي توقفت فيه) لأنه لا دليل له.
(ولا يلحق) الولد (بأكثر من أُمٍّ واحدة) لأنه يستحيل أن يكون من أُمَّين (فإن ألحقته القافة بأكثر من أُم، سقط قولها) ولم يلحق بواحدة منهما؛ لتبين خطأ القافة، وليست إحداهما أَولى من الأخرى.
(وإن ادَّعى نسبه رجلٌ وامرأةٌ، ألحق بهما) لأنه لا تنافي بينهما؛ لإمكان كونه منهما بنكاح، أو وطء شُبهة، فيكون ابنهما بمجرد دعواهما، كالانفراد.
(فإن قال الرجل: هو ابني من زوجتي، وادعتْ زوجتُه ذلك) أي: أنه ابنها منه، وادعت امرأة أخرى أنه ابنها (فهو ابنه) و (تُرجَّح زوجته على الأخرى) لأن زوجها أبوه، فالظاهر أنها أُمه.
(والقَافة قوم يعرفون الأنساب بالشَّبَهِ) جمع قائف (ولا يختص ذلك بقبيلة معينة) كبني مُدْلج (بل من عُرف منه المعرفة بذلك، وتكرَّرت منه الإصابة، فهو قائف) قال في "الصحاح" (١): يقال: قفت وقَفَوْت، وقَاف
стр. 4413
واقْتَاف أثره، إذا اتَّبعه، وهو أقوف الناس. اهـ.
والقائف كالحاكم، فلو ألحق (١) بواحد، لم يصح إلحاقه منه أو من غيره بعد ذلك بآخر، وإن أقام الآخر بينة أنه ولده، حكم له به، وسقط قول القائف؛ لأنه بدل، فيسقط بوجود الأصل.
(وإن ادعاه) أي: نسب اللقيط ونحوه (أكثر من اثنين) كثلاثة فأكثر (فألحق) أي: ألحقته القافة (بهم، لحق بهم وإن كثروا) لأن المعنى الذي لأجله ألحق باثنين موجود فيما زاد عليه قياسًا.
وقولهم: إن إلحاقه باثنين على خلاف الأصل؛ ممنوع، وإن سلَّمناه، لكن ثبت لمعنىً موجود في غيره، فيجب تعدية الحكم إليه.
(والحكم كما تقدم) من أنه يرث كلَّ واحد منهم إرث ولد كامل، ويرثونه إرث أب واحد، ويقبلون له الوصية ونحوها.
(ولا يرجَّحُ أحدُهم بذكر علامة في جسده) لأنه قد يطلع عليها الغير، فلا تحصل الثقة بذكرها.
(وإن نفته القافة عنهم أو أشكَل عليهم، أو لم توجد قافة) يمكن الذهاب إليها (ولو بعيدة فيذهبون إليها) ضاع نسبه؛ لأنه لا دليل لأحدهم، أشبه من لم يدع نسبه (أو اختلف قائفان، أو) اختلف (اثنان وثلاثة فأكثر، ضاع نسبه) لعدم المرجِّح لأحد المدعيين، كما لو تعارضت بينتاهما.
(وإن اتفق) قائفان (اثنان، وخالفهما) قائف (ثالث؛ أخذ بهما) لكمال النصاب إن اعتبر التعدد، وإلا؛ فتعارض القائفين يقتضي تساقطهما، والثالث خلا عن معارض فيعمل به.
стр. 4414
(ومثله طبيبان وبَيْطاران في عَيْب) خالفهما ثالث، فيقدمان عليه (ولو رجعا) بعد التقويم، بأن قوَّماه بعشرة، ثم رجعا إلى اثني عشر، أو ثمانية؛ لم يُقبل. قال الحارثي: وينبغي حمله على ما بعد الحكم.
ولو رجع من ألحقته به القافة عن دعواه، لم يُقبل منه، ومع عدم إلحاقها بواحد من اثنين، فرجع أحدهما، يلحق بالآخر.
(ولو ألحقته) القافة (بواحد؛ لانفراده بالدعوى، ثم عادت فألحقته بغيره) كان للأول.
(أو ألحقته قافة بواحد، فجاءت قَافةٌ أخرى فألحقَتْه بآخر، كان للأول) لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، كحكم الحاكم (١).
وإن أقام الآخر بينة أنه ولده، حكم له به، وسقط قول القائف؛ لأنه بدل، فسقط بوجود الأصل.
(وإن وَلدتِ امرأة ذكرًا، و) ولدت (أخرى أنثى، وادعت كلُّ واحدةٍ منهما أن الذَّكر ولدها دون الأنثى، عُرِضَتا مع الولدين على القافة، فيلحق كل واحد منهما بمن ألحقته به) القافة، كما لو لم يكن لها ولد آخر.
(فإن لم توجد قافةٌ، اعتُبر باللبن خاصة، فإن لَبَنَ الذَّكر يُخالف لَبَنَ الأنثى في طبعه وزِنَته، وقد قيل: إنَّ لبن الابن أثقل من لبن الأنثى، فمن كان لبنها لبن الابن، فهو ولدها، والبنت للأخرى، وإن كان الولدان ذكرين أو أنثيين، وادعتا أحدهما، تعين عَرْضُه) أي: الولد المتنازع فيه (على القافة) كما تقدم.
وإن ادَّعى اثنان مولودًا، فقال أحدهما: هو ابني، وقال الآخر: هو بنتي. نظر إن كان ذكرًا فلمدعيه، وإن كان أنثى فلمدعيها، سواء كان
стр. 4415
هناك بينة أو لا؛ لأن كل واحد منهما لا يستحق سوى ما ادعاه، وإن كان خنثى مشكلًا، عُرض معهما على القافة؛ لأنه ليس قول أحدهما أولى من الآخر.
(وإن وطئ اثنان امرأة بشُبهة، أو) وطئا (جاريةً مشتركةً بينهما في طُهْرٍ واحد، أو وُطِئتْ زوجة رجل، أو) وُطِئت (أُمُّ ولده، وأتت بولدٍ يمكنُ أن يكون منه) أي: الواطئ (فادَّعى الزوج أنه من الواطئ، أُري) الولد (القافة معهما) أي: الواطئين، إن كانا موجودين، وإلا؛ فمع أقاربهما، كاللقيط، وأُلحق بمن ألحقوه به منهما (سواء ادَّعياه، أو جحداه، أو) ادَّعاه (أحدهما) وجحده الآخر، وقد ثبت الفراش؛ ذكره القاضي وغيره، وهو المذهب؛ قاله الحارثي.
فقول المصنف: "فادَّعى الزوج أنه من الواطئ" تبعًا لأبي الخطاب و"المقنع" و"المستوعب": فيه نظر؛ إذ لا يلائم آخرَ كلامه، لكنه تبع صاحب "الإنصاف"، وعبارة "المبدع" - أيضًا - موهمة، وعلى قول أبي الخطاب ومتابعيه إن ادَّعاه الزوج وحده، اختص به؛ لقوة جانبه؛ ذكره في "المحرر"، وكذا لو تزوجها كل منهما تزويجًا فاسدًا، أو كان أحدهما صحيحًا، والآخر فاسدًا، أو بيعت أَمته، فوطئها المشتري قبل الاستبراء، وليس لزوج أُلحق به اللعانُ لنفيه.
(ونفقة المولود) المشتبه نسبه (على الواطئَين) لاستوائهما في إمكان لحوقه بهما.
(فإذا أُلحق) الولد (بأحدهما، رجَع) من لم يلحق به (على الآخر بنفقته) لتبين أنه محل الوجوب.
(ويُقبل قول. . . . . . . . . . . . . . .