← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

(وليس للأئمة أن يحموا لأنفسهم شيئًا) لما تقدَّم من قوله ﷺ : "لا حِمى إلا للهِ ولرسولهِ" (١). (ومن أخذ مما حَمَاه إمام، عُزِّرَ في ظاهر كلامهم) لافتياته على الإمام (وظاهره: ولا ضمان) على من أخذه مما حَمَاه (٢) الإمام شيئًا؛ لأنه مباح، والمنع من حيث الافتيات فقط. ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضًا عن مرعى موات أو حِمىً؛ لأنه ﷺ "شرَّكَ الناس فيه" (٣)؛ قاله في "الأحكام السلطانية" (٤). وإذا كان الحِمى لكافَّة الناس تساوى فيه جميعهم. فإن خص به المسلمين اشترك فيه غنيهم وفقيرهم، ومنع منه أهل الذمة، وإن خص به الفقراء منع منه الأغنياء وأهل الذمة، ولا يجوز أن يخص به الأغنياء، ولا أهل الذمة.

стр. 4342

باب الجعالة - بتثليث الجيم - رُوي عن ابن مالك (١). مشتقة من الجُعْل، بمعنى التسمية؛ لأن الجاعل يُسمِّي الجعل لمن يعمل له العمل، أو من الجَعْل بمعنى الإيجاب، يقال: جعلت له كذا، أي: أوجبت. ويُسمَّى ما يُعطاه الإنسان على أمر يفعله: جُعلًا، وجعالة، وجَعِيلة؛ قاله ابن فارس (٢). والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ (٣)، وحديث اللديغ (٤). (وهي جَعلُ شيءٍ) من المال (معلومٍ، كأجرة) بالرؤية أو الوصف، و (لا) يُشترط أن يكون معلومًا، إن كان (من مال حربي، فيصح) أن يجعل الإمام من مال حربي (مجهولًا) كثلث مال فلان الحربي، ونحوه لمن يدلُّ على قلعة ونحوها، وتقدم في الجهاد (٥). وقوله (لمن يعمل له عملًا مباحًا) متعلِّق بـ "جَعْل" (ولو) كان العمل المباح (مجهولًا (٦)) كخياطة

стр. 4343

ثوب لم يصفها، وردِّ لُقطة لم يُعيَّن موضعها؛ لأن الجعالة جائزة، لكل منهما فَسْخها، فلا يؤدي إلى أن يلزمه مجهولًا، بخلاف إجارة. (و) يصح - أيضًا - أن يجاعل (على) أن يعمل له (مدة، ولو مجهولة) كـ: من حَرَس زرعي فله كل يوم كذا. (سواء جعله لمعيَّن، بأن يقول من تصح إجارته) وهو جائز التصرف، لزيد مثلًا (إن رددت لُقَطتي، فلك كذا، فـ) ــيستحقه إن ردَّها، و (لا يستحقه من ردها سواه) أي: سوى المخاطب بذلك؛ لأن ربَّها لم يُجاعله على ردِّها. وإن كانت بيد إنسان، فجعل له مالكها جُعْلًا ليردها، لم يُبح له أخذه؛ ذكره في "المبدع". (أو) جعله لـ (ــصغير معيَّن بأن يقول: من ردَّ لُقَطتي، أو وجدها) فله كذا (أو) من (بنى لي هذا الحائط، أو) من (ردَّ عبدي) الآبق (فله كذا، فيصح العقد) مع كونه تعليقًا؛ لأنه في معنى المعاوضة، لا تعليقًا محضًا. (ويستحق) العامل (لجُعْل بالرد) أي: بعمل ما جُوعِل عليه، كرد اللُّقَطة أو العبد، وبناء الحائط ونحوه (ولو كان) المُسمَّى في ردِّ الآبق (أكثر من دينار، أو) أكثر من (اثني عشر درهمًا) فضة؛ لأنه قد استقرَّ على الجَاعل بالعمل (وإن لم يكن) المُسمَّى (أكثر) من دينار، أو اثني عشر درهمًا (فله) أي: العامل (في) ردِّ (العبد) الآبق (ما قَدَّره الشارع) دينارًا، أو اثني عشر درهمًا، وتلغى التسمية؛ قطع به الحارثي، وصاحب "المبدع"؛ لأن من أوجب عليه الشارع شيئًا مقدَّرًا من المال عند وجود

стр. 4344

سببه، استقر عليه كاملًا بوجود سببه، كأداء ربع مال الكتابة للمكاتَب عند أدائه مال كتابته، وقدم في "الفروع": أنه لا يستحق إلا المُسمَّى. قال في "التنقيح" و"شرح المنتهى": وهو ظاهر كلام غيره. وأطلق الوجهين في "المنتهى". (فمن فعله) أي: العمل المُسمَّى عليه الجُعْل (بعد أن بلغه الجعل، استحقه كدَيْن) أي: كسائر الديون عن المجاعل؛ لأن العقد استقرَّ بتمام العمل، فاستحق ما جُعل له، كالربح في المضاربة. (و) من بلغه الجُعْل (في أثنائه) أي: أثناء العمل الذي سُمي الجُعْل لمن عمله (يستحق) من الجُعل (حِصَّة تمامه) أي: العمل إن أتمَّه بنية الجُعل؛ لأن عمله فبل بلوغ الجُعل وقع غير مأذون فيه، فلم يستحق عنه عوضًا؛ لأنه بذلَ منافعَه متبرِّعًا بها، ويأتي: "من فَعَله قبل أن يبلغه الجُعل". (والجماعة) إن فعلت المُجَاعَل عليه (تقتسمه) أي: الجُعْل؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي به استحق الجُعل، بخلاف ما لو قال: من دخل هذا الثقب، فله دينار، فدخله جماعة، استحق كل واحد منهم دينارًا؛ لأنه دخل دخولًا كاملًا، بخلاف ردِّ اللُّقَطة ونحوه، فإنه لم يردها واحد منهم ردًّا كاملًا. ومن نحو ذلك لو قال: من نَقَبَ السورَ، فله دينار. فنقبه ثلاثة نقبًا واحدًا، اشتركوا في الدينار، وإن نَقَب كل واحد نقبًا، استحق كل واحد دينارًا. (وإذا ردَّ) العامل اللُّقَطة، أو العبد، ونحوهما (لم يكن له الحبس) أي: حبس المردود (على الجُعْل) فإن حبسه عليه وتلف، ضَمِنه (وإن تلف الجُعْل) بيد المجاعِل (كان له) أي: العامل (مثله إن كان مِثْليًا،

стр. 4345

وإلا) بأن لم يكن مِثْليًا (فقيمتُه) إذا ردّ. (فإن فاوت بينهم) أي: بين الجماعة العاملين (فجعل لواحد) على رَدّه (دينارًا، و) جعل (لآخر) دينارين (اثنين، و) جعل (لآخر ثلاثة) دنانير (جاز) على ما تراضوا عليه. (فإن) ردّه واحد استحق جعله، وإن (ردَّه الثلاثة، فلكل واحد ثلث جعله) وإن ردَّه اثنان منهم؛ فلكلٍّ منهما نصف جعله، وإن جعل لأحدهم دينارًا، وللآخرَين عوضًا مجهولًا فردوه، فلصاحب الدينار ثلثه، وللآخرَين أجرة عملهما. (وإن جعل) ربُّ العبد الآبق - مثلًا - (لواحد معيَّن) كزيد (شيئًا في ردِّه، فردَّه) زيد (هو وآخران معه، وقالا: رددناه معاونة له) أي: لزيد - مثلًا - (استحق) زيد (جميع الجُعْل، ولا شيء لهما) لأنهما تبرَّعا بعملهما. (وإن قالا: رددناه لنأخد العوض لأنفسنا، فلا شيء لهما) لأنهما عملا من غير جُعْل (وله) أي: زيد (ثلث الجُعْل) لأنه عمل ثلث العمل. (وإن نادى غيرُ صاحب الضالة، فقال: من رَدَّها فله دينار، فردَّها رجلٌ) أو امرأة (فالدينار على المنادي؛ لأنه ضَمِن) أي: التزم (العوض) ولا شيء على ربِّها؛ لأنه لم يلتزمه. (وإن قال) المنادي - غيرُ ربِّ الضالة - (في النداء: قال فلان: من ردَّ ضالتي، فله دينار) ولم يكن ربها قال ذلك (فردَّها رجل، لم يضمن المنادي) لأنه لم يلتزم العوض، والرَّادُّ مقصِّر بعدم الاحتياط. (وإن ردَّه) أي: العبد ونحوه (من دون المسافة المعينة، كأن قال) ربُّ آبق (من ردَّ عبدي من بلد كذا، فله كذا، فردَّه) إنسان (من بعض

стр. 4346

طريقه) أي: طريق البلد المُسمَّى (فـ) ــإنه يستحق (بالقسط) من الجُعْل المُسمَّى، فإن كان المحل الذي رَدَّه منه نصف المسافة، استحق نصف المُسمَّى، وإن كان أقل، أو أكثر، فبحسابه. (و) إن ردَّه (من) موضع (أبعد منها) أي: من البلدة المسماة (له المُسمَّى فقط) لأنه لم يجعل للزائد على المسافة عوضًا، فلم يستحق الراد في مقابلته شيئًا. (وإن رده) العامل (من غير البلد المُسمَّى) ومن غير طريقه (فلا شيء له) لأن ربه لم يجعل على رَدِّه من غير البلد الذي عَيَّنه عوضًا، فالرادُّ من غيره متبرِّع بعمله (كما لو جعل) ربُّ آبقين (له في رَدِّ أحد عبديه) كسالم، شيئًا (معينًا، فَرَدَّ) العبدَ (الآخر) فلا يستحق المعين. قلت: بل ما قَدَّره الشارع، وكذا التي قبلها. (وإن قال) ربُّ آبقين (من ردَّ عبْدَيَّ فله كذا، فردَّ أحدهما، فله نصف الجعالة) لأنه ردَّ نصفهما، ويأتي: لو هرب قبل تسليمه لم يستحق شيئًا. (ومن فعله) أي: العمل المجاعَل عليه (قبل أن يبلغه الجُعْل، لم يستحقه) أي: الجعل، ولا شيئًا منه؛ لأنه متبرِّع بعمله (وحرم) عليه (أخذه) أي: الجعل؛ لأنه مِن أكْلِ المال بالباطل (وسواء ردَّه) أي: سلَّم المردود ونحوه (قبل بلوغ الجعل، أو بعده) إذ الجعل في مقابلة العمل لا التسليم. (و يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل) كأن يقول: من خاط لي هذا الثوب في يومٍ، فله كذا، فإن أتى به فيها استحق الجعل، ولم يلزمه شيء آخر، وإن لم يَفِ به فيها، فلا يستحق شيئًا؛ قاله في "الشرح".

стр. 4347

بخلاف الإجارة، فالجعالة وإن كانت نوعَ إجارة، لكن تخالفها في أشياء، منها هذه المسألة، ومنها أن الفاعل لم يلتزم الفعل، وأن العقد قد يقع لا مع معين، كـ: من فعل كذا فله كذا. (وكل ما جاز أن يكون عوضًا في الإجارة، جاز أن يكون عوضًا في الجعالة) فيصح أن يجعل لعامل نفقته وكسوته، كاستئجاره بذلك مفردًا، أو مع دراهم مُسمَّاة، وتزيد الجعالة بجعل مجهول من مال حربي، وتقدم (١). (وكل ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة من الأعمال، جاز أخذه) أي: العوض (عليه في الجعالة، وما لا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة، كالغناء، والزَّمْر، وسائر المحرمات، لا يجوز أخذ الجُعْل عليه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢). (وما يختص أن يكون فاعله من أهل القُربة) بأن اشترط إسلام فاعله (مما لا يتعدى نفعه فاعلَه، كالصلاة، والصيام، لا يجوز أخذ الجعل عليه) كما تقدم في الإجارة (٣). (فأما ما يتعدَّى نفعه، كالأذان ونحوه) كتعليم فقه، وقرآن، وقضاء، وإفتاء، على تفصيل يأتي في القضاء، ورقية (فيجوز) لحديث أبي سعيد (٤) (وتقدم في الإجارة) مفصلًا (٥). (وإن جَعَل) لمن عمل له عملًا (عوضًا مجهولًا، كقوله: من ردَّ

стр. 4348

عبدي الآبق فله نصفه، أو: من ردَّ ضالتي فله ثلثها، أو: فله ثوب، ونحوه) من المجهولات (أو) جعل له عوضًا (محرَّمًا، كالخمر، فله في ذلك كله أُجرة المِثْل) لأنه عمل بعوض لم يُسلَّم له. (وإن قال: من داوى لي هذا) الجريح (حتى يبرأ من جرحه، أو) داوى هذا المريض حتى يبرأ من (مرضه، أو) داوى هذا الأرمد حتى يبرأ من (رَمَده، فله كذا، لم يصح) العقد فيها مطلقًا؛ صححه في "الإنصاف" وغيره. (وهي) أي: الجَعَالة (عقد جائز) من الطرفين. قال في "الشرح": لا نعلم في ذلك خلافًا (لكل واحد منهما) أي: من الجاعل، والمجعول له المعين (فَسْخها) متى شاء، كسائر العقود الجائزة (فإن فَسَخها العامل) ولو بعد شروعه في العمل (لم يستحق) لما عمله (شيئًا) لأنه فوَّت على نفسه، حيث لم يأتِ بما شُرط عليه، كعامل المساقاة. (وإن فَسَخها الجاعل) قبل شروع العامل، لم يلزمه شيء، و (بعد الشروع فعليه للعامل أجرة) مِثْلِ (عَمَله) لأنه عمل بعوض ولم يُسلَّم له، فكان له أجرة عمله، وما عمله بعد الفسخ لا أُجرة له عليه؛ لأنه عمل غير مأذون فيه. وإن زاد الجاعل، أو نقص من الجعل قبل الشروع في العمل، جاز، وعمل به؛ لأنها عقد جائز، فجاز فيه ذلك، كالمضاربة. (وإن اختلفا في أصل الجُعْل) أي: التسمية، بأن أنكرها أحدهما (فقول من ينفيه) لأن الأصل عدمه. (و) إن اختلفا (في قَدْره) أي: الجعل (أو) اختلفا في قَدْر (المسافة) بأن قال الجاعل: جعلت ذلك لمن ردَّه من عشرة أميال. فقال

стр. 4349

العامل: بل من ستة أميال مثلًا (فقول جاعل) لأنه منكِرٌ لما يدَّعيه العامل، زيادة عما يعترف به، والأصل براءته منه، وكذا لو اختلفا في عين العبد الذي جعل العوض في رَدِّه. (ومن عمل لغيره عملًا بغير جُعْل، فلا شيء له) لأنه بذل منفعته من غير عوض، فلم يستحقه؛ ولئلا يلزم الإنسان ما لم يلتزمه، ولم تطب نفسه به (إن لم يكن) العامل (مُعَدًّا لأخذ الأجرة، فإن كان) معدًّا لذلك (كالملَّاح، والمُكاري، والحَجَّام، والقصَّار، والخيَّاط، والدلَّال، ونحوهم) كالنقَّاد، والكيَّال، والوزَّان، وشبههم (ممن يرصد نفسه للتكسُّب بالعمل، وأذن له) المعمول له في العمل (فله أُجرة المِثْلِ) لدلالة العُرف على ذلك (- وتقدَّم معناه في الإجارة (١) - إلا في تخليص متاع غيره من بحر، أو فَمِ سَبُعٍ، أو فلاة، ولو) كان المخلِّص (عبدًا، فله) أي: العامل (أجرة مثله) وإن لم يأذن له ربه؛ لأنه يخشى هلاكه وتلفه على مالكه، بخلاف اللقطة. وكذا لو انكسرت السفينة، فخلَّص قوم الأموال من البحر، فتجب لهم الأجرة على الملَّاك؛ لأن فيه حثًّا وترغيبًا في إنقاذ الأموال من الهلكة، فإن الغوَّاص إذا علم أن له الأجرة، غرَّر بنفسه، وبادر إلى التخليص، بخلاف ما إذا علم أنه لا شيء له. (وإلا في ردِّ آبق من قِنٍّ، ومُدبَّر، وأمِّ ولد، إن (٢) كان) الرَّادُّ (غير الإمام، فله ما قدَّره الشارع: دينارٌ، أو اثنا عشر درهمًا) رُوي عن عمر (٣)

стр. 4350

وعلي (١) وابن مسعود (٢). وروى ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار - مرسلًا - أن النبي ﷺ "جَعل في ردِّ الآبقِ إذا جاء به خارجًا مِن الحرمِ دينارًا" (٣)، والمعنى فيه: الحث على حفظه على سيده، وصيانة العبد عما يخاف من لحاقه بدار الحرب، والسعي في الأرض بالفساد. ونقل ابن منصور" (٤): سُئل أحمد عن جُعْل الآبق؟ فقال: لا أدري، قد تكلَّم الناس فيه، لم يكن عندي فيه حديث صحيح. وعلى الأول: فإن ردَّه الإمام، فلا شيء له في رده نصًّا (٥)؛

стр. 4351

لانتصابه للمصالح، وله حق في بيت المال على ذلك (سواء ردَّه) أي: الآبق (من داخل المِصر أو خارجه، قَرُبت المسافة أو بَعُدت، وسواء كان) الآبق (يساوي المقدار) الذي قدَّره الشارع (أو لا، وسواء كان) الرَّادُّ (زوجًا للرقيق) الآبق (أو ذا رحمٍ في عيال المالك، أو لا) لعموم ما سبق. "تنبيه": يقال: أبق العبد: إذا هرب من سيده، بفتح الباء، يأبِقُ، بكسرها وضمها، فهو آبق. وقال الثعالبي في "سر اللغة" (١): لا يقال للعبد آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف، ولا كدٍّ في العمل، وإلا فهو هارب. (وإن مات السيد قبل وصول المُدبَّر، وأمِّ الولد) إليه (عَتَقا) إن خرج المُدبَّر من الثلث (ولا شيء له) أي: لرادهما، في نظير الرد؛ لأن العمل لم يتمَّ؛ لأن العتيق لا يُسمَّى آبقًا. (ويأخذ) رادُّ الآبق (منه) أي: من سيده، أو تركته (ما أنفق عليه، و) ما أنفق (على دابة) يجوز التقاطها (في قوتٍ وعلف، ولو لم يستأذن) المنفقُ (المالك) في الإنفاق (مع القُدْرة عليه) أي: على الاستئذان؛ لأن الإنفاق مأذون فيه شرعًا؛ لحُرمة النفس، وحثًّا على صون ذلك على ربِّه، بخلاف الوديعة ونحوها (حتى ولو هرب) المنفَق عليه (منه) أي: من واجده (في طريقه، أو مات، فله الرجوع عليه بما أنفق عليه قبل هربه) أو موته؛ لأن النفقة عليه مأذون فيها شرعًا، أشبه ما لو أنفق بإذن مالكه. قال في "الفروع": ويرجع بنفقته، ولو لم يستحق جُعلًا، كردِّه من غير

стр. 4352

بلد سَمَّاه، أو هربه منه، نص عليه (١)، وإنما يرجع بما أنفق (ما لم ينوِ التبرُّع) فلا نفقةَ له، وكذا لو نوى بالعمل التبرُّع، لا أجرة له، ومقتضاه: لا تُعتبر نية الرُّجوع، بخلاف الوديعة ونحوها. (لكن لا جُعل له إذا هرب) الآبق منه (قبل تسليمه) لسيده (أو مات) الآبق قبل تسليمه؛ لأنه لم يتمَّ العمل. (ولو أراد) واجد الآبق (استخدامه بدل النفقة، لم يجز) ذلك (كالعبد المرهون) وأولى. (ومن أخذ الآبق، أو) أخذ (غيره) من المال الضائع، ليوده لربِّه (فهو أمانة في يده، إن تلف) قبل التمكُّن من رَدِّه (بغير تفريط) ولا تعدٍّ (فلا ضمان عليه) فيه؛ لأنه محسن بأخذه. (وإن وجد) رادُّ الآبق (صاحبه، دفعه إليه إذا اعترف العبد أنه سيده، أن كان كبيرًا) لأنه إذا استحق أخذه بوصفه إياه، فبتصديقه على أنه مالكه أولى، وأما الصغير فقوله غير مُعتبر (أو أقام) صاحبه (بينة) أنه له، فيدفعه إليه. (فإن لم يجد) واجد الآبق (سيدَه، دفعه إلى الإمام، أو) إلى (نائبه، فيحفظه لصاحبه) إلى أن يجده (أو يبيعه) الإمام أو نائبه (إن رأى المصلحة فيه) أي: في بيعه، ويحفظ ثمنه لربه؛ لانتصابه لذلك. (فإن باعه الإمام، أو نائبه لمصلحة رآها، فجاء سيده، فاعترف أنه كان أعتقه) قبل بيع الإمام أو نائبه (قُبِلَ قوله، وبطل البيع) لأنه لا يجرُّ به إلى نفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضررًا، ولم يصدر منه ما ينافيه. (وليس لواجده) أي: العبد (بيعه، ولا تملكه بعد تعريفه) لأن العبد

стр. 4353

يتحفَّظ بنفسه (فهو كضوالِّ الإبل) لكن جاز التقاطه؛ لأنه لا يؤمن لحاقه بدار الحرب، وارتداده، واشتغاله بالفساد. (ومتى كان العمل في مال الغير إنقاذًا له من التلف المشرِف عليه، كان جائزًا) بغير إذن مالكه؛ لأنه إحسان إليه (كذبح الحيوان المأكول، إذا خيف موته، ولا يَضمن ما نقص بموته) أي: ذبحه؛ لأنه محسِن به. (ولو وقع الحريق بدار ونحوها، فَهَدمها غيرُ صاحبها بغير إذنه على النار؛ لئلا تسري) النار (أو هدم قريبًا منها، إذا لم يقدر على الوصول إليها، وخيف تعديها وعُتوّها، لم يضمن؛ ذكره) ابن القيم (في "الطرق الحكمية" (١)، ثم قال: ولو رأى السبلَ يقصد الدار المؤجَّرة، فبادر وهدم الحائط ليخرج السيل ولا يهدم الدار، كان محسِنًا، ولا يضمن. انتهى) وكذا في "إعلام الموقعين" (٢). (وإن وجد فرسًا لرجل مع المسلمين مع أناسٍ من العرب - أي: من البدو - فأخذ الفرسَ منهم، ثم إن الفرس مرض، بحيث لم يقدر على المشي، جاز للآخذ بيعه، بل يجب عليه في هذه الحالة أن يبيعه لصاحبه، وإن لم يكن وكَّله (٣) في البيع. وقد نص الأئمة على هذه المسألة ونظائرها، ويحفظ الثمن) لربِّه (قاله الشيخ. وهي) أي: هذه المسألة (في) الجزء (الخامس من "الفتاوى المصرية") (٤).

стр. 4354

باب اللقطة قال في "القاموس" (١): اللُّقَطة محركة، وكحُزْمة، وهُمَزة، وثُمَامة: ما التُقِط. انتهى. وقوله: محركة، أي: مفتوحة اللام والقاف. حكي عن الخليل (٢): اللُّقَطة، بضم اللام وفتح القاف: الكثير الالتقاط. وحكى عنه في "الشرح" (٣): أنها اسم للملتقِط؛ لأن ما جاء على فُعَلَة فهو اسم الفاعل، كالضُّحَكَة، والهُمَزَة، واللُّمَزَة. (وهي اسم لما يُلتقط، من مال) ضائع (أو مختصّ ضائع) كالساقط من رَبِّه بغير علمه (وما في معناه) أي: معنى الضائع، كالمتروك قصدًا لأمر يقتضيه (لغير حربي) فإن كانت لحربي ملكها واجدها، كالحربي إذا ضَلَّ الطريق، فوجده إنسان فأخذه، مَلَكه، وتقدم (٤) (يلتقطه غيرُ رَبِّه) فإن التقطه رَبُّه، لم يسمَّ لُقطة عُرفًا. والأصل في اللُّقطة: ما روى زيد بن خالد الجهني، قال: "سُئلَ النبيُّ ﷺ عن لُقَطَةِ الذّهب والوَرِقِ، فقال: اعْرِفْ وكاءَها وعِفاصها، ثمَّ عَرِّفها سنةً، فإنْ لم تعرف، فاستنفِقها، ولتكن وديعةً عندك، فإنْ جاء طالبها يومًا مِنَ الدهرِ فادفَعْها إليه. وسأله عن ضالةِ الإبل، فقال: ما لَكَ

стр. 4355

ولها؟ معها سِقاؤُها وحِذَاؤها، تَرِدُ الماءَ، وتأكلُ الشجر، حتى يجدهَا ربُّها. وسألهُ عن الشَّاةِ؟ فقال: خُذْها، فإنما هي لكَ، أو لأخيكَ، أو للذئب" متفق عليه (١). وأركانها ثلاثة: ملتقط، وملقوط، والتقاط. (و ينقسم) المال الضائع ونحوه (ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا تتبعه هِمَّة أوساط الناس) قال في "القاموس" (٢): الهِمَّة، بالكسر وتفتح: ما هُمَّ به من أمر ليُفْعَل (كالسوط) ما يُضرب به، وفي "شرح المهذب" (٣): هو فوق القضيب ودون العصا، وفي المختار: هو سوط لا ثمرة له (والشِّسْع) أحد سيور النعل الذي يدخل بين الإصبعين (والرغيف والكِسْرة، والتمرة، والعصا ونحو ذلك) كالخِرقة، والحبل، وما لا خطر له. قال في "المبدع": والمعروف في المذهب تقييده بما لا تتبعه هِمَّة أوساط الناس، ولو كثر.

стр. 4356

ونص في رواية أبي بكر بن صدقة (١): أنه يعرِّف الدرهم. وقال ابن عقيل: لا يجب تعريف الدَّانِق، وحمله في "التلخيص" على دَانِق الذهب؛ نظرًا لعُرف العراق. (وما قيمته كقيمة ذلك، فيملك بأخذه، وينتفع به آخذه بلا تعريف) لحديث جابر: "رخَّصَ النبيُّ ﷺ في العصا والسَّوْطِ والحبلِ، يلتقِطُهُ الرجلُ، يَنتفعُ به" رواه أبو داود (٢) (والأفضل أن يتصدق به) ذكره في "التبصرة". (ولا يلزمه) أي: الملتقط (دفع بدله، إن وَجَد رَبَّه) لأن لاقطه ملكه بأخذه (ولعل المراد: إذا تلف) قال في "الشرح": إذا التقطه إنسان، وانتفع به وتلف، فلا ضمان. (فأما إن كان) ما التقطه مما لا تتبعه الهِمَّة (موجودًا، ووَجَد) ملتقطُهُ (ربَّه، فيلزمه دفعه إليه) ويؤيده: تعبيرهم بالبدل، إذ لا يُعدل إليه إلا عند تلف المبدَل. ولهذا قال الموضح: ظاهر كلامهم: يلزم دفع عينه.

стр. 4357

(وكذا لو لقي كنَّاسٌ، ومن في معناه) كالمُقَلِّش (١) (قِطَعًا صغارًا مفرَّقة) من الفضة، فإنه يملكها بأخذها، ولا يلزمه تعريفها، ولا بدلها إن وَجَد رَبَّها (ولو كَثُرت) بضم بعضها إلى بعض؛ لأن تفرقها يدل على تغاير أربابها. (ومن ترك دابة بمهلكة أو فلاة، تَرْك إياس، لانقطاعها) أي: عجزها عن المشي (أو) تَرَكها لـ (ــعجزه عن عَلفها، ملكها آخذها) لحديث الشعبي، وتقدم (٢)، بخلاف عبد ومتاع (إلا أن يكون تَرَكَها ليرجع إليها، أو ضلَّت منه) فلا يملكها آخذها (وتقدم (٣) آخر إحياء الموات) موضحًا. (وكذا ما أُلقِيَ خوف الغرق) في البحر، فيملكه آخذه؛ لأن مالكه ألقاه باختياره - فأشبه المنبوذ - رغبة عنه، كما في "التنقيح" و"المنتهى" وغيرهما، فهو مخالف لما قَدَّمه في إحياء الموات، ويحتمل أن المراد التشبيه في تقدم حكمه، أو أنه مشبَّه بالمُستثنى، فلا مخالفة، وتقدم (٤) توضيح ذلك في إحياء الموات وبيان الخلاف فيه. القسم (الثاني: الضَّوالُّ التي تمتنع من صغار السباع، مثل ثعلب، وذئب، وابن آوى، وولد الأسد (٥)) والضَّوال جمع ضالَّة، وهي اسم للحيوان خاصة، ويقال لها: الهوامي، والهوافي، والهوامل، وامتناعها:

стр. 4358

إما لكبر جثتها (كإبل، وخيل، وبقر، وبغال، و) إما لطيرانها كـ (ــطيور تمتنع بطيرانها، و) إما بسرعة عدوها كـ (ــظباء، و) إما بنابها، كـ (ــفهود مُعلَّمة) أو قابلة للتعليم، وإلا؛ فليست مالًا، كما يُعلم مما تقدم في البيع (١) (وكـ) ــإبل (حُمُر) أهلية (وخالف الموفق فيها) فقال: الأولى إلحاقها بالشاة؛ لمساواتها لها في العلة. (فهذا القسم غير الآبق يحرم التقاطه) لما تقدم في الحديث من قوله ﷺ لما سُئل عن ضالة الإبل: "ما لكَ ولها؟ دَعْها، فإنَّ معها حِذاءَها وسِقاءَها، تَرِدُ الماءَ وتأكُلُ الشجرَ، حتى يَجِدَها ربُّها" (٢). وحذاؤها: خُفُّها؛ لأنه لقوته وصلابته يجري مجرى الحذاء. وسقاؤها: بطنها؛ لأنها تأخذ فيه ماءً كثيرًا، فيبقى معها، يمنعها العطش. ولقوله ﷺ : "لا يُؤْوِي الضَالَّة إلا ضالٌّ" رواه أحمد (٣) وغيره.

стр. 4359

وأما الآبق فيجوز التقاطه؛ صونًا له عن اللحوق بدار الحرب، وارتداده، وسعيه بالفساد، وتقدم (١). (و) هذا القسم (لا يملكه) ملتقطه (بتعريفه) لأنه متعدٍّ بأخذه، كالغاصب؛ لعدم إذن المالك والشارع، سواء كان زمنَ أمن أو فساد (وإن أنفق) الملتقط (عليه) أي: على ما ذكر في هذا القسم (لم يرجع) على رَبِّه بما أنفقه عليه (لتعديه) بالتقاطه وإمساكه. (فإن تبع شيء منها) أي: الضوال المذكورة (دوابه، فَطَرَده) فلا ضمان عليه (أو دخل) شيء منها (داره، فأخرجه، فلا ضمان عليه، حيث لم يأخذه، ولم تثبت يده عليه، لكن لإمام ونائبه فقط) دون غيرهما (أخذ ذلك) أي: ما ذكر من الضوال (ليحفظه لربِّه) لأن لهما نظرًا في حفظ مال الغائب، وفي أخذها على وجه الحفظ مصلحة لربِّها؛ لصونها. و (لا) يجوز لهما كغيرهما أخذها (على سبيل الالتقاط) لما تقدم (ولا يلزمهما) أي: الإمام أو نائبه (تعريفه) أي: تعريف ما أخذه من الضوال ليحفظه لربه؛ لأن عمر ﵁ لم يكن ليعرِّف الضوال (٢)؛ ولأنه إذا عُرِف من الإمام حفظ الضوال، فمن كانت له ضالة جاء إلى موضع الضوال، فمن عَرَف ماله، أقام البينة عليه. (ولا تكفي فيه الصفة) لأن الضالة كانت ظاهرة للناس حين كانت في يد مالكها، فلا يختص بمعرفة صفاتها دون غيره، وإقامة البينة عليها

стр. 4360

ممكنة؛ لظهورها للناس. (ومن أخذه) أي: ما يمتنع من صغار السباع (ولم (١) يكتمه، ضمنه إن تلف أو نقص) قبل رده (كغاصب) لأن التقاطه غيرُ مأذون فيه. (وإن كتمه وتلف، ضمنه) الكاتم (بقيمته مرتين) لربه (إمامًا كان) الملتقط (أو غيره). قال أبو بكر في "التنبيه": ثبت خبر عن النبي ﷺ أنه قال "في الضَّالَّةِ المَكتومةِ غَرامتُها ومثلُها معها" (٢) قال: وهذا حكم رسول الله ﷺ ، فلا يرد. (وإن لم يتلف) ما التقطه من الضوال (رده) إلى ربه - إن وجده - بلا غرم إن لم ينقص، وإلا؛ فأرش نقصه، وتقدم. (فإن دفعه إلى إمام (٣) أو نائِبهِ) ليحفظه لربه، زال عنه الضمان؛ لأن للإمام نظرًا فيها (أو أمره) الإمام أو نائبه (بردِّه إلى مكانه، زال عنه الضمان) لما روى الأثرم بسنده "أنَّ عمر قال لرجلٍ وجد بعيرًا: أرْسِلْهُ

стр. 4361

حيثُ وجدتَهُ" (١)؛ ولأن أمره برده كأخْذه منه، فإن رده إلى مكانه بغير إذن الإمام أو نائبه، وتلف، ضَمنه؛ لأنه بأخذه لزمه حفظه، وتركه تضييع له. (وكذا من أخذ من نائم، أو) أخذ من (ساهٍ) أي: غافل (شيئًا، لا يبرأ بردِّه) له نائمًا أو ساهيًا (بل بتسليمه لربِّه بعد انتباهه) من النوم والسهو؛ لأن الآخذ متعدٍّ بالأخذ، فهو سارق أو غاصب، فلا يبرأ من عُهدته إلا برَدِّه في حالٍ يصح قبض مالكه له فيها (أو) بتسليمه (لإمام أو نائبه) ليحفظه لربه، فيبرأ بذلك، وفيه نظر، إذ لا ولاية لحاكم على نائم وساهٍ، ولذلك لم يذكره في "المنتهى" ولم أره لغيره. (ويجوز التقاط الكلب المُعلَّم) الصيد، عند القاضي وغيره. قال الحارثي: وهو أصح؛ لأنه لا نص في المنع، وليس في معنى الممنوع (وينتفع به في الحال) بلا تعريف؛ لأنه ليس بمال، وقدم في "شرح المنتهى" أنه يحرم التقاطه، وجزم به في "التنقيح" تبعًا "للمغني" وغيره، لكن لا ضمان. (ويَسِمُ الإمام) من الوَسْم وهو العلامة (ما يحصُل عنده من الضَّوال) وقوله: (بأنها ضالة) متعلق بـ "يسم" (ويُشهِد عليها) لاحتمال تغيره. (ثم إن كان له حِمىً يرعى فيه) ما يجتمع عنده من الدواب (تركها) ترعى (فيه إن رأى ذلك، وإن رأى) المصلحة في (بيعها، أو لم يكن له

стр. 4362

حِمىً، باعها بعد أن يحليَها ويحفظ صفاتها، ويحفظ ثمنها لصاحبها) لأن ذلك أحفظ لها؛ لأن تركها يفضي إلى أن تأكل جميع ثمنها. (ويجوز التقاط الصُّيود المتوحشة التي إذا تُركت رجعت إلى الصحراء، بشرط عجز رَبِّها عنها) لأن تركها أضيع لها من سائر الأموال، والمقصود حفظها لصاحبها لا حفظها في نفسها، ولو كان القصد حفظها في نفسها، لما جاز التقاط الأثمان، فإن الدينار دينار حيثما كان، ولا يملكها بالتعريف؛ لأن الشرع لم يرد بذلك فيها، ومثله على ما ذكره في "المغني" وغيره: لو وجد الضالة في أرضٍ مَسْبعَةٍ (١)، يغلب على الظن أن الأسد يفترسها إن تركت، أو قريبًا من دار الحرب يخاف عليها من أهلها، أو بمحل يستحل أهله أموال المسلمين كوادي التيم (٢)، أو في برية لا ماء فيها ولا مرعى، فالأولى جواز أخذها للحفظ، ولا ضمان، ويسلمها لنائب الإمام، ولا يملكها بالتعريف. قال الحارثي: وهو كما قال. قال في "الإنصاف": لو قيل بوجوب أخذها والحالة هذه، لكان له وجه. (وأحجار الطواحين) مبتدأ (الكبيرة، والقدورُ الضخمة، والأخشاب الكبيرة) وقوله (ملحقة بإبل) خبرُه، أي: فلا يجوز التقاطها؛ لأنها لا تكاد تضيع عن صاحبها، ولا تبرح من مكانها، فهي أولى بعدم التعرُّض من الضوال. (ويجوز التقاط قِنٍّ صغير، ذكرًا كان) القن (أو أنثى) كالشاة (ولا

стр. 4363

يُملك بالالتقاط) ولو عرَّفه حولًا (قال الموفق: لأنه) أي: اللقيط (محكوم بحريته) لأنها الأصل، على ما يأتي في اللقيط. القسم (الثالث: سائر) أي: باقي (الأموال، كالأثمان، والمتاع، وما لا يمتنع من صغار السباع، كالغنم، والفُصلان) - بضم الفاء وكسرها -: جمع فصيل، وهو ولد الناقة، إذا فُصل عن أمِّه (والعجاجيل) جمع عجل، وهو ولد البقرة (وجِحاش الحمير، والأفلاء) بالمد: جمع فِلْو، بوزن سِحْر، وجَرْو، وعَدُوّ، وسُمُو، وهو الجحش والمهر، إذا فطما أو بلغا السنة؛ قاله في "القاموس" (١) (والإوز، والدجاج، ونحوها) كالخشبة الصغيرة، وقطعة الحديد، والنحاس، والرصاص، والزِّقِّ من الدهن، أو العسل، والغِرارة (٢) من الحبِّ، والكتب، وما جرى مجرى ذلك. والمريض من كبار الإبل ونحوها كالصغير (سواء وجد ذلك بمصرٍ أو بمهلكة، لم ينبِذْه ربُّه رغبة عنه) فإن نبذه كذلك، ملكه آخذه، وتقدم في إحياء الموات (٣). (فمن لا يأمن نفسه عليها) أي: اللقطة (لا يجوز له أخذها بحال) لما فيه من إضاعتها على ربها، فهو كإتلافها، وكما لو نوى تملكها في الحال أو كتمانها (فإن أخذها) أي: اللُّقطة (بهذه النية) أي: بنية الخيانة (ضَمِنهما) إن تلفت (ولو تلفت بغير تفريط) لأنه أخذ مال غيره على وجهٍ لا يجوز له أخذه، فضَمِنه، كالغاصب (ولم يملكها) أي: اللقطة، إذا

стр. 4364

أخذها وهو لا يأمن نفسه عليها، أو نوى تملُّكهَا في الحال، أو كتمانها (وإن عرَّفها) لأن السبب المحرَّم لا يفيد الملك؛ بدليل السرقة. (ومن أخذها) أي: اللقطة (بنية الأمانة، ثم طرأ) له (قصد الخيانة، لم يضمن) اللقطة، إن تلفت بلا تفريط في الحول، كما لو كان أودعه إياها. (ومن أمن نفسه عليها) أي: اللقطة (وقوي على تعريفها، فله أخذها) لحديث زيد بن خالد المذكور أول الباب (١) في النقدين، وقيس عليهما كل متموَّل غير الحيوان، وفي الشاة، وقيس عليها كل حيوان لا يمتنع بنفسه من صغار السباع، وظاهره: لا فرق بين الإمام وغيره. (والأفضل (٢)) لمن أمن نفسه عليها، وقوي على تعريفها (تركُها) أي: عدم التعرُّض لها. قال أحمد (٣): الأفضل ترك الالتقاط. وروي معناه عن ابن عباس (٤) وابن عمر (٥) ﵃ (ولو وجدها بمَضْيَعة) لأن في الالتقاط تعريضًا بنفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من تعريفها وأداء الأمانة فيها، فترك ذلك أَولى وأَسلم.

стр. 4365

(وإن عجز عن تعريفها (١)، فليس له أخذها) ولو بنية الأمانة؛ لأنه لا يحصل به المقصود من وصولها إلى ربها (ومتى أخذها) أي: أخذ الملتقط اللقطة (ثم ردها إلى موضعها) ضمنها (أو فرَّط فيها) فتلفت (ضَمِنها) لأنها أمانة حصلت في يده، فلزمه حفظها كسائر الأمانات، وتركُها والتفريط فيها تضييع لها (إلا أن يكون) الملتقط (رَدَّها بإذن الإمام أو نائبه) إلى موضعها، فلا يضمنها؛ لأن للإمام نظرًا في المال الذي لا يُعلم مالكه. وكذا لو التقطها ودفعها للإمام أو نائبه. (ولو) كان المُلْتَقَطُ (ممتنعًا) من صغار السباع، ورده إلى مكانه بإذن الإمام أو نائبه، فإنه يبرأ من ضمانه (كما تقدم. وإن ضاعت اللقطة من ملتقطها في حول التعريف بغير تفريط) منه (فلا ضمان عليه) لأنها أمانة في يده، فلم يضمنها، كالوديعة. (فإن) ضاعت منه، فـ (ــالتقطها آخر، فعَلم) الثاني (أنها ضاعت من الأول، فعليه) أي: الثاني (ردها إليه) أي: الأول؛ لأنه قد ثبت له حق التمول، وولاية التعريف والحفظ، فلا يزول ذلك بالضياع. (فإن لم يعلم الثاني بالحال حتى عرَّفها حولًا، ملكها) لأن سبب الملك وجد منه من غير عدوان (ولا يملك الأول انتزاعها منه) لأن الملك مقدم على حق التملك (فإذا جاء صاحبها أخذها من الثاني، وليس له مطالبة الأول) لأنه لم يفرط. (وإن علم الثاني بالأول، فردَّها إليه فأبى) الأول (أخذها، وقال) للثاني: (عرِّفها أنت، فعرَّفها) الثاني حولًا (ملكها - أيضًا -) لأن الأول

стр. 4366

ترك حقه، فسقط. (وإن قال) الأول للثاني: (عرِّفها، وتكون ملكًا لي، ففعل) الثاني (فهو نائبه في التعريف، ويملكها الأول) لأنه وكَّله في التعريف، فصح، كما لو كانت بيد الأول. (وإن قال) الأول للثاني: (عرِّفها، وتكون بيننا، ففعل) أي: عرَّفها (صح - أيضًا - وكانت بينهما) لأنه أسقط حقه من نصفها، ووكَّله في الباقي. (وإن غصبها غاصب من الملتقط، وعرَّفها) الغاصب (لم يملكها) لأنه متعدٍّ بأخذها، ولم يوجد منه سبب تملكها، فإن الالتقاط من جملة السبب، ولم يوجد منه، بخلاف ما لو التقطها ثانٍ، فإنه وُجدَ منه الالتقاط. (واللقطة) التي أُبيح التقاطها، ولم تُملك به، وهي القسم الثالث (على ثلاثة أضرب: أحدها: حيوان) مأكول، كفصيل، وشاة، ودجاجة (فيلزمه) أي: الملتقِط (فعل الأحظِّ) لمالكه (من) أمور ثلاثة: (أكله، وعليه قيمته) في الحال؛ لقوله ﷺ وسُئل عن لُقطةِ الشاةِ -: "هي لكَ، أو لأخيكَ، أو للذِّئب" (١)، فجعلها له في الحال، لأنه سَوَّى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأني بأكلها، ولأن في أكل الحيوان في الحال إغناء عن الإنفاق عليه، وحراسته لماليته على صاحبه إذا جاء، فإنه يأخذ قيمته بكمالها. (أو) من (بيعه) أي: الحيوان؛ لأنه إذا جاز أكله، فبيعه أَولى

стр. 4367

(و) إذا باعه (حفظ ثمنه لصاحبه، وله) أي: الملتقط (أن يتولى ذلك بنفسه، ولا يحتاج إلى إذن الإمام في الأكل) لظاهر الحديث السابق (و) لا يحتاج إلى إذن الإمام - أيضًا - في (البيع) لأنه إذا جاز أكله بلا إذنه، فبيعه أَولى (ويلزمه) أي: الملتقِط (حفظ صفتها) أي: اللقطة (فيهما) أي: فيما إذا أراد الأكل، أو البيع؛ ليتمكن من الرد إذا وصفها ربها. (أو) من (حفظه) أي: الحيوان (والإنفاق عليه من ماله) لما في ذلك من حفظه على مالكه (ولا يتملَّكه) أي: لا يصح أن يتملك الملتقِط الحيوان، ولو بثمن المِثل، كولي اليتيم لا يبيع من نفسه (فإن تركه) أي: ترك الحيوان (ولم ينفق عليه) حتى تلف (ضَمِنه) لأنه مُفرِّط. (ويرجع) الملتقِط (به) أي: بما أنفقه على الحيوان (ما لم يتعدَّ) بأن التقطه؛ لا ليعرِّفه، أو بنية تملّكه في الحال ونحوه (إن نوى الرجوعَ) على مالكه - إن وجده - بما أنفق، كالوديعة (وإلا) بأن أنفق ولم ينوِ الرجوع (فلا) رجوع له بما أنفق؛ لأنه متبرِّع. (فإن استوت) الأمور (الثلاثة) في نظر الملتقِط، ولم يظهر له الأحظ منها (خُيِّر بينها) لجواز كل منها مع عدم ظهور الأحظ. (قال الحارثي: وأَولى الأمور: الحفظ مع الإنفاق، ثم البيع وحفظ الثمن، ثم الأكل وغرم القيمة) وفي "الترغيب": لا يبيع بعض الحيوان. الضرب (الثاني: ما يخشى فساده) بتبقيته (كطبيخ، وبِطيخ، وفاكهة، وخضروات، ونحوها، فيلزمه) أي: الملتقِط (فعل الأحظ، من أكله، وعليه قيمته، وبيعه) ولو (بلا حكم) أي: إذن (حاكم، وحفظِ ثمنه) لأن في كل منها حفظًا لماليته على ربه، وكالحيوان. (ولو تركه) أي: ترك الملتقط ما يخشى فساده بلا أكل، ولا بيع

стр. 4368

(حتى تلف، ضَمِنه) لأنه مفرِّط. (فإن استويا) في نظر الملتقِط (خُيِّر بينهما) فأيهما فعل جاز له. (وقيَّده) أي: ما ذكر من البيع والأكل (جماعة - بعد تعريفه - بقَدْر ما (١) يخاف معه فساده، ثم هو بالخيار) بين أكله، وبيعه (إلا أن يمكن تجفيفه) أي: تجفيف ما يخشى فساده (كالعنب، فيفعل) الملتقِط (ما يرى الحظَّ فيه لمالكه، من الأكل) بقيمته (والبيعِ) مع حفظ ثمنه (والتجفيفِ) لأنه أمانة بيده، وفعل الأحظ في الأمانة متعين (وغرامة التجفيف) إن احتيج إليها (منه، فيبيع) الملتقط (بعضه في ذلك) أي: في تجفيفه؛ لأنه من مصلحته، فإن أنفق من ماله، رجع به في الأصح؛ قاله في "المبدع"، وإن تعذَّر بيعه، ولم يمكن تجفيفه، تعين أكله. الضرب (الثالث: سائر الأموال) أي: ما عدا الضربين المذكورين كالأثمان والمتاع، ونحوه. (ويلزمه) أي: الملتقط (حفظ الجميع) من حيوان وغيره؛ لأنه صار أمانة في يده بالتقاطه. (و) يلزمه (تعريفه على الفور) لظاهر الأمر؛ لأن مقتضاه الفور، ولأن صاحبها يطلبها عقب ضياعها (حيوانًا كان) الملتقَطُ (أو غيرَه) سواء أراد الملتقط تملُّكه، أو حفظه لصاحبه؛ لأنه ﷺ أمر به زيد بن خالد (٢)، وأُبي بن كعب (٣)، ولم يفرِّق، ولأن حفظها لصاحبها إنما يفيد بوصولها

стр. 4369

إليه، وطريقُهُ التعريف. ويكون التعريف (بالنداء عليه) أي: المُلْتَقَط (بنفسه) أي: المُلْتَقِط (أو بنائبه) ويكون النداء (في مجامع الناس، كالأسواق، والحمَّامات، وأبواب المساجد أدبار الصلوات) لأن المقصود إشاعة ذكرها. (ويُكره) النداء عليها (فيها) أي: في المساجد؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "مَن سمعَ رجلًا يَنشدُ ضالَّةً في المسجدِ، فليَقُلْ: لا أدَّاها الله إليكَ، فإنَّ المساجدَ لم تُبْنَ لهذا" (١) والإنشاد دون التعريف فهو أولى. (ويُكثر منه) أي: التعريف (في موضع وجدانها) لأنه مظنَّة طلبها (و) يُكثر - أيضًا - منه (في الوقت الذي يلي التقاطها) لأن صاحبها يطلبها عقب ضياعها، فالإكثار منه إذًا أقرب إلى وصولها إليه. ويكون التعريف (حولًا كاملًا) لحديث زيد بن خالد (٢)، وهو قول عمر (٣)،

стр. 4370

وعلي (١)، وابن عباس (٢) (نهارًا) لأنه مجمع الناس وملتقاهم (كل يوم مرة، أسبوعًا) أي: سبعة أيام؛ لأن الطلب فيه أكثر. (ثم) لا يجب تعريفها بعد أسبوع متواليًا، بل على عادة الناس؛ قطع به في "المنتهى" وغيره، وقَدَّم في "الترغيب"، و"التلخيص"، و"الرعاية" وغيرها: (مرة من كل أسبوع، من شهر، ثم مرة في كل شهر) حتى يتمَّ الحول. (ولا يصفه) أي: لا يصف ما يعرِّفه (بل يقول: من ضاع منه شيء، أو) من ضاع منه نفقة) قاله في "المحرر". وفي "المغني" و"الشرح": فيقول: من ضاع منه ذهب، أو فضة، أو دنانير، أو دراهم، أو ثياب، ونحو ذلك. انتهى. لكن اتفقوا على أنه لا يصفها؛ لأنه لا يؤمَن أن يدَّعيها بعض من سَمِعَ صفتها، فتضيع على مالكها. ومقتضى قولهم: "لا يصفها" أنه لو وصفها، فأخذها غير مالكها بالوصف، ضَمِنها الملتقِط لمالكها، كما لو دَلَّ الوديع على الوديعة من سرقها. (وإن سافر) الملتقِط في حول التعريف (وَكَّل من يعرِّفُها) عنه حتى يحضر، فينوب نائبه منابه.

стр. 4371

(فإن التقط) اللقطة (في صحراء، عَرَّفها في أقرب البلاد من الصحراء) التي التقطها فيها؛ لأنه مظنة طلبها. (وأجرة المنادي على الملتقِط) لأنه سبب في العمل، فكانت أجرته عليه، كما لو اكترى شخصًا يقلع له مباحًا (ولا يرجع) الملتقِط (بها) أي: بأجرة المنادي، على ربِّ اللقطة، ولو قصد حفظها لمالكها - خلافًا لأبي الخطاب - لأن التعريف واجب على الملتقط، فأجرته عليه. (و لا تعرَّف كلاب) ولو مُعلَّمة (بل ينتفع بالمباح منها) فيجوز التقاطه، كما تقدم؛ لأنه لا نص في المنع، وليس في معنى الممنوع، وفي أخذه حفظه على مستحقه، أشبه الأثمان، وأَولى من جهة أنه ليس مالًا، فيكون أخف. (وإن كان لا يرجى وجود صاحب اللقطة) ومنه: لو كانت دراهم، أو دنانير، ليست بصرة ولا نحوها، على ما ذكره ابن عبد الهادي في "مغني ذوي الأفهام"، حيث ذكر أنه يملكها ملتقطها بلا تعريف (١) (لم يجب تعريفها في أحد القولين) نظرًا إلى أنه كالعبث، وظاهر كلام "التنقيح"، و"المنتهى" وغيرهما: يجب مطلقًا. (ولو أخَّر) الملتقِط (التعريفَ عن الحول الأول) أَثِمَ، وسقط (أو) أخَّره (بعضه) أي: بعض الحول الأول (أَثِمَ) الملتقِط بتأخيره التعريفَ؛ لوجوبه على الفور، كما تقدم (وسقط) التعريف؛ لأن حِكمة التعريف لا تحصُل بعد الحول الأول، فإذا تركه في بعض الحول، عرَّف بقيته فقط (كـ) ــما يأثم بـ (ــالتقاطه بنية تملُّكه، أو) بالتقاط ما (لم يرد تعريفه)

стр. 4372

وتقدم. (ولا يملكها) أي: اللُّقطة، إذا لم يُعرِّفها في الحول الأول (بالتعريف بعد الحول الأول) لأن شرط الملك التعريف فيه، ولم يوجد. وهل يتصدق بها، أو يحبسها عنده أبدًا؟ على روايتين (١) (٢). (وكذا لو تركه) أي: التعريف (فيه) أي: الحول الأول (عجزًا، كمريض، ومحبوس، أو) تركه فيه (نسيانًا) فلا يملكها به بعده؛ لأن تعريفها في الحول الأول سبب الملك، والحكم ينتفي لانتفاء سببه، سواء انتفى لعذر أو غيره، وهذا أحد وجهين؛ قَدَّمه في "الرعايتين"، و"الحاوي الصغير"، و"شرح ابن رزين". والوجه الثاني: يملكها بتعريفها حولًا بعد زوال العُذر؛ لأنه لم يؤخِّر التعريف عن وقت إمكانه، فأشبه ما لو عرَّفها في الحول الأول، ومفهوم كلام "التنقيح": أنه المذهب؛ ذكره في "شرح المنتهى". (أو تركه) أي: التعريف (في بعض الحول) لعُذر أو غيره، على ما تقدَّم، فلا يملكها ولو عرَّفها بعده؛ لما تقدم. (أو وجدها صغير ونحوه) كسفيه (فلم يعرِّفها وليُّه) الحول الأول، فلا يملكها؛ لانتفاء سبب الملك، كما تقدم. (أو ضاعت) اللُّقطة (فعرَّفها) الملتقِط (الثاني، مع علمه بـ) ــالملتقِط (الأول، ولم يُعْلِمْه) بها، لم يملكها (أو أعلمه) أي: أعلم الثاني الأولَ (وقصد) الثاني (بتعريفها لنفسه) دون الأول، ولم يأذنه

стр. 4373

الأول (لم يملكها) الثاني؛ لأن ولاية التعريف للأول، وهو معلوم، فأشبه ما لو غصبها من الملتقط غاصب فعرَّفها. والوجه الثاني: يملكها؛ لأن سبب الملك وُجِدَ منه، والأول لم يملكها، قدَّمه ابن رَزين في "شرحه"، وقطع به في "التنقيح"، وتبعه في "المنتهى"، لكن توهم في "شرحه" أن الأول هو الذي يملكها؛ وهو مخالف لكلام الأصحاب؛ لأنهم إنما حكوا الوجهين في ملك الثاني لها، وأما الأول فلم يوجد منه تعريف، لا بنفسه، ولا بنائبه، والتعريف هو سبب الملك، والحكم ينتفي لانتفاء سببه. (وليس خوفه) أي: الملتقِط (أن يأخذها) أي: اللُّقطة (سلطان جائر) عُذرًا في ترك تعريفها (أو) خوفه أن (يطالبه بأكثر عذرًا في ترك تعريفها) قال في "الفروع": (فإن أخَّره) أي: التعريف، لذلك الخوف (لم يملكها إلا بعده) أي: التعريف؛ ذكره أبو الخطاب، وابن الزاغوني. ومرادهم - والله أعلم - أنه ليس عذرًا حتى يملكها بلا تعريف، ولهذا ذكروا أنه يملكها بعده، وقد ذكروا أن خوفه على نفسه، أو ماله، عُذر في ترك الواجب. وقال أبو الوفاء: "تبقى بيده، فإذا وجد أمنًا، عرَّفها حولًا". انتهى. فيؤخذ من هذا: أن تأخير التعريف للعذر لا يؤثر، وتقدم أن فيه وجهين، وأن كلام المصنف أنه لا يملكها بعده، فيتعارض كلامه، إلا أن يقال: هذا متأخّر عما تقدَّم، فكأنه رجع إلى هذا. (وإذا عرَّفها) أي: عرَّف المُلتقِط اللُّقطةَ الجائز التقاطُها، حولًا كاملًا، فورًا (فلم تُعْرَف، دخلت) اللُّقطة (في ملكه) أي: المُلتقِط، غنيًّا كان أو فقيرًا (بعد الحول) لقوله ﷺ في حديث زيد بن خالد: "فَإنْ لم

стр. 4374

تُعْرَفْ فاستَنْفِقْها" (١) وفي لفظ: "وإلا فهي كسبيلِ مَالِكَ" (٢) وفي لفظ: "ثم كلها" (٣) وفي لفظ: "فانتفع بها" (٤) وفي لفظ: "فشأنك بها" (٥)، وفي حديث أبي بن كعب: "فاستنفقها"، وفي لفظ: "فاستَمْتِع بها" وهو حديث صحيح (٦)؛ قاله في "المغني". وقال: ويملك اللقطة ملكًا مراعىً يزول بمجيء صاحبها. قال: والظاهر أنه يملكها بغير عوض يثبت في ذمته، وإنما يتجدد وجوب العوض بوجود صاحبها، كما يتجدد وجوب نصف الصداق، أو بدله للزوج بالطلاق (حكمًا، كالميراث) لما تقدم من الأحاديث؛ ولأن الالتقاط والتعريف سبب التملك، فإذا تمّا، وجب أن يثبت الملك حكمًا، كالإحياء والاصطياد، فلا يقف على قوله، ولا اختياره (ولو) كانت اللقطة (عروضًا) فهي (كأثمان (٧)) لعموم الأحاديث

стр. 4375

التي في اللُّقطة جميعها، وروى الجُوزْجَاني، والأثرم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، كيف تَرَى في متاع يُوجَدُ في الطَّريق المِيْتاءِ (١)، أو في قرية مَسْكُونَةٍ؟ فقال: عَرِّفْهُ سنةً، فإن جاء صاحبُهُ، وإلا؛ فشأنكَ به" (٢). (و) لو كانت اللُّقطة (لُقطة الحَرَم) فإنها تُملك بالتعريف حكمًا كلُقطة الحِلِّ، وروي عن ابن عمر (٣) وابن عباس (٤) وعائشة (٥) ﵃؛ لعموم الأحاديث؛ ولأنه أحد الحرمين، فأشبه حرم المدينة؛ ولأنها أمانة، فلم يختلف حكمها بالحِل والحَرَم، كالوديعة وقوله ﷺ : "لا تَحِلُّ ساقطَتُها إلَّا لمُنشدٍ" متفق عليه (٦)، يحتمل أن يريد إلا لمن عرَّفها

стр. 4376

عامًا، وتخصيصها بذلك لتأكدها، لا لتخصيصها، كقوله ﷺ : "ضالَّةُ المسلم حَرَق النَّارِ" (١) وضالة الذمي مقيسة عليها.

стр. 4377

"تتمة" قال أبو عبيد (١): المُنشد المعرّف، والناشد الطالب. (أو كان سقوطها) أي: اللُّقطة (من صاحبها بـ) ـــسبب (عدوان غيره) عليه؛ لعموم ما سبق. فصل (ولا يجوز له) أي: الملتقِط (التصرف فيها) أي: اللُّقطة بعد تعريفها الحول، ولو بخلط بما لا تتميز منه (حتى يَعْرف وعاءَها، وهو ظَرْفها، كيسًا كان أو غيره) كخرقة مشدودة فيها، وقِدْر وزِقّ فيه اللقطة المائعة، ولفافة على ثياب. (و) حتى يَعْرف (وكاءَها) بالمدِّ (وهو الخيط) أو السير (الذي تُشَدُّ به) فيَعْرف كونه خيطًا، أو سيرًا، وكون الخيط من إبريسم، أو قطن، أو كتان ونحوه. (و) حتى يَعْرف (عِفَاصها) بكسر العين المهملة (وهو الشَّد والعَقْد، أي: صفتُهما) فيَعْرف الربط هل هو عقدة أو عقدتان، وأُنْشُوطة (٢) أو غيرها؛ للاتفاق (٣) على الأمر بمعرفة صفاتها، وهذه منها. والأنشوطة:

стр. 4378

قال في "القاموس" (١): كأنبوبة: عُقْدة يسهل انحلالها كعُقْدة التِّكَّة. وقال في العفاص (٢): ككتاب: الوعاء فيه النفقة، جلدًا أو خرقة، وغلافُ القارورة، والجلدة (٣) تغطى به رأسها. انتهى. فالعفاص مشترك، لكن لما ذُكر مع الوعاء، حُمل على ما يغايره؛ لأنه الأصل في العطف. (و) حتى يَعْرف أيضًا (قَدْرَها) أي: اللقطة بمعيارها الشرعي، من كيل، أو وزن، أو ذرع، أو عدٍّ. (و) حتى يَعْرف (جِنْسها، وصِفتَها) التي تتميز بها، وحتى نوعها، ولونها؛ لحديث زيد، وفيه: "فإن جاءَ صاحبُها، فعرَف عفاصها، وعددها ووكاءها، فأعطِها إياه، وإلَّا؛ فهي لكَ" رواه مسلم (٤). وفي حديث أُبي بن كعب: "فإن جاء أحدٌ يُخبِرُكَ بعددِها، ووِعائها، ووِكائها، فأعْطِها إيَّاهُ" (٥) (أي: يجب معرفة ذلك عند إرادة التصرُّف فيها) أي: في اللُّقطة؛ لما تقدم، ولأن دفعها إلى رَبِّها يجب بما ذكر، فلا بُدَّ من معرفته، نظرًا إلى ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأنه إذا عدم ذلك لم يبقَ سبيل إلى معرفتها. (ويُسنُّ ذلك) أي: أن يَعْرف وعاءها (٦) وعفاصها، وجنسها،

стр. 4379

وصفتها، وقَدْرها (عند وجدانها) لأن فيه تحصيلًا للعلم بذلك. (و) يُسنُّ للملتقِط أيضًا (إشهاد عدلين عليها) لقوله ﷺ : "مَنْ وَجَدَ لُقطةً فليُشهِدْ ذَوَي عَدْلٍ" رواه أبو داود (١). و (لا) يُسنُّ الإشهاد (على صفتها) أي: اللُّقطة؛ لاحتمال شيوعه، فيعتمده المدعي الكاذب. قال في "الشرح" و"المبدع": ويستحب كَتْبُ صفاتها، ليكون أثبت لها؛ مخافة نسيانها. (فمتى جاء طالبها) ولو بعد الحول (فوصفَها) بالصفات السابقة (لزم دفعها إليه إن كانت عنده، ولو بلا بينة ولا يمين، ظنَّ صدقه أو لا) لقوله ﷺ : (فإن جاء طالبُها يومًا مِنَ الدَّهرِ، فأدِّها إليه" (٢)؛ ولأنه يتعذر إقامة البينة عليها غالبًا؛ لسقوطها حال الغفلة والسهو، فلو لم يجب دفعها بالصفة لما جاز التقاطها. (فإن وجدها) طالبها (قد خرجت عن) ملك (الملتقِط ببيع، أو غيره) بأن باعها الملتقِط، أو وهبها، أو وقفها (بعد مِلْكها) أي: بعد أن

стр. 4380

عرَّفها حولًا كاملًا (فلا رجوع) لطالبها في عينها؛ لأن تصرف الملتقِط وقع صحيحًا، لدخولها في ملكه (وله) أي: لطالبها (بدلها) على الملتقِط، أي: مثلها إن كانت مِثلية، وإلا، فقيمتها؛ لتعذُّر ردِّها، لما تقدم. (فإن أدركها) طالبها (مبيعة بيع الخيار) بأن بيعت بشرط الخيار (للبائع، أو لهما) أي: البائع والمشتري، وقوله (في زمنه) متعلق بـ "أدركها" أي: زمن الخيار (وجبَ) على البائع (الفسخ) ليردها لربِّها؛ لقدرته عليه. وعُلم من كلامه: أنه لو كان الخيار للمشتري وحده، فليس لربِّها إلا البدل، ما لم يختر المشتري الفسخَ، ولا يلزمه. (أو) أدركها ربُّها بعد الحول (مرهونة) ولو مقبوضة (فله انتزاعها) من المرتهن أو نائبه؛ لقيام ملكه، وانتفاء إذنه؛ قاله الحارثي. وقال في "الإنصاف": قلت: يتوجَّه عدم الانتزاع؛ لتعلُّق حقِّ المرتهن به، ويؤيده قوله في "الشرح": وسائر أحكام الرجوع ههنا، كحكم رجوع الزوج على ما نذكره إن شاء الله. (فإن صادفها ربُّها، قد رجعت إليه) أي: إلى الملتقِط بعد خروجها عن ملكه (بفَسخٍ أو غيره، أخذها) لأنه وجد عين ماله في يد الملتقِط، فكان له أخذها كالزوج إذا طلَّق قبل الدخول، فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة. وحيث أخذ اللُّقطة طالبها فإنه يأخذها (بنمائها المتصل) لأنه ملك مالكها، ولا يمكن انفصالها عنه؛ ولأنه يتبع في العقود والفسوخ. (فأما) النماء (المنفصل قبل مضي الحول، فـ) ــهو (لمالكها) لأنه نماء ملكه (و) النماء المنفصل (بعده) أي: بعد حول التعريف (لواجدها)
следующие страницы →