اشتراط الواهب على المتهب (ألا يبيعها) أي: العين الموهوبة (ولا يهبها) أو ألا ينتفع بها (أو) وهبه عينًا دو (يَشْرُط أن يبيعها، أو يهبها) فلا يصح الشرط، إذ مقتضى الملك التصرف المطلق، فالحَجْر فيه منافٍ لمقتضاه، وقوله: (أو) يهبه شيئًا بشرطِ (أن يهب فلانًا شيئًا) تبع فيه "المبدع" وغيره، قلت: والذي يظهر بطلان الهبة فيه؛ لأنه من قبيل بيعتين في بيعة المنهي عنه.
(وتصح هي) أي: الهبة المشروط فيها ما يُنافي مقتضاها، كالشروط الفاسدة في البيع.
(ولا يصح توقيتها) أي: الهبة (كقوله: وهبتُك هذا سنة) أو شهرًا، فلا تصح؛ لأنها تمليك عين فلا توقَّت، كالبيع (إلا العُمْرَى والرُّقْبى) فيصحان (وهما نوعان من أنواع الهبة يفتقران إلى ما تفتقر إليه سائر الهبات) من الإيجاب والقَبول والقبض، ويصح توقيتهما، سُميت عُمْرى؛ لتقييدها بالعُمر، وسُميت رُقْبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، قال أهل اللُّغة (١): يقال: أعمرته وعمَّرته - مشددًا - إذا جعلت له الدار مدة عمره أو عمرك (كقوله: أعمرتُك هذه الدار، أو) أعمرتك هذه (الفرس، أو) أعمرتك هذه (الجارية، أو أرْقَبْتُكَها) قال ابن القطَّاع (٢)(٣): أرقبتك: أعطيتك، وهي هبة ترجع إلى المرقَب إن مات
стр. 4552
المرقِب، وقد نهي عنه (أو جعلتها) أي: الدار، أو الفرس، أو الجارية (لك عُمُرَك، أو) جعلتها لك (حياتك، أو) جعلتها لك (ما حييتَ، أو ما عشتَ، أو نحو هذا) كـ: أعطيتكها ما بقيتُ (أو) جعلتها لك (عُمرى، أو) جعلتها لك (رُقْبى، أو) جعلتُها لك (ما بقيتَ، أو أعطيتكها عُمُرك، ويقبلها) الموهوب له (فتصح) الهبة في جميع ما تقدم، وهي أمثلة العُمْرى.
(وتكون) العين الموهوبة (للمُعْمَر - بفتح الميم -) وللمرقَب - بفتح القاف - (ولورثته من بعده) إن كانوا (كتصريحه) بأن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك (فإن لم يكن له) أي: الموهوب له (ورثة، فلبيت المال) كسائر الأموال المخلفة؛ لقوله ﷺ : "أمسِكُوا عليكم أموالكم، ولا تُفسِدُوها؛ فإنَّهُ مَن أعمرَ عُمْرَى، فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا ولعقبِه" أخرجه مسلم (١). وفي المتفق عليه عن جابر: "قَضى النَّبيُّ ﷺ بالعُمْرى لمنْ وُهِبَتْ له" (٢) واللفظ للبخاري.
وخرَّج مسلم عن جابر: "العُمْرى ميراثٌ لأهلها" (٣).
وقولُه ﷺ : "لا تُعْمِرُوا ولا تُرْقِبُوا، فمن أعمرَ عُمْرى فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا ولعقبِه" (٤) إنما وَرَدَ على سبيل الإعلام لهم بنفوذها،
стр. 4553
بدليل السياق، ويؤيده الحديث الأول، ولو أُريد به حقيقةُ النهي لم يمنع الصحة؛ لأن الضرر فيها على فاعلها، وما كان كذلك، النهي عنه لا يقتضي فساده، كالطلاق في الحيض.
(وإن أضافها) أي: الهبة (إلى عُمُرِ غيره) بأن قال: وهبتك الدار ونحوها عمرَ زيد (لم تصح) الهبة؛ لأنها مؤقتة وليست من العُمْرى ولا الرُّقْبى.
(ونصه: لا يطأ) الموهوب له (الجارية المُعْمَرَة) نقل يعقوب وابن هانئ (١): من يُعْمَر الجارية أيطأ؟ قال: لا أراه (وحمل) القاضي النصَّ المذكور (على الورع) لأن الوطء استباحة فَرْجٍ، وقد اختُلف في صحة العُمْرى، وجَعَلها بعضهم تمليكَ المنافع، فلم يَرَ الإمام له وطأها لهذا. وبَعَّد ابن رجب ما ذكره القاضي، ثم قال (٢): "والصواب حمله على أن الملك بالعُمْرى قاصر، ولهذا نقول على رواية: إذا شرط عودها إليه بعده صح، فيكون تمليكًا مؤقتًا".
стр. 4554
(وإن شرط) واهبٌ (رجوعَها) أي: الهبة (بلفظ الإرقاب أو غيره إلى المُعْمِر - بكسر الميم -) أي: الواهب (عند موته) أي: الموهوب له (أو) شرط الواهب رجوع الهبة (إليه، إن مات) الموهوب له (قَبْله، أو) شرط الواهب رجوعها (إلى غيره) إن مات الموهوب له قبله، نحو أن يقول: وهبتك هذه الدار، أو: هي لك عمرك على أنك إن متَّ قبلي عادت إليَّ، أو إلى فلان، وإن متُّ أو مات قبلك استقرت عليك (فهي الرُّقْبَى) لأن كلًّا منهما يرقب موت صاحبه.
(أو) شرط الواهب (رجوعها) أي: الهبة (مطلقًا) أي: من غير تقييد بموت أو غيره، إلى الواهب (أو إلى ورثته، أو قال) الواهب: (هي) أي: هذه الدار، أو الأَمَة ونحوها (لآخرنا موتًا، صح العقد دون الشرط، و) معنى ذلك أن العين (تكون للمُعْمَر - بفتح الميم - ولورثته من بعده) فإن لم يكونوا فلبيت المال (كالأول) أي: كالمذكور أولًا من صور العُمْرى.
(ولا ترجع) العين (إلى المُعْمِر) بكسر الميم (و) لا إلى (المرقِب) بكسر القاف؛ لقوله ﷺ : "لا تُرْقبُوا ولا تُعْمِرُوا فمَنْ أُرْقِبَ شيئًا أو أُعْمِرَهُ فهو لورثتِه" قال الحارثي: والسند صحيح بلا إشكال، وخرَّجه أبو داود والنسائي وغيرهما (١)، وروى أحمد وغيره نحوه من طرق مختلفة (٢)،
стр. 4555
فهذه نصوص تدل على ملك المعمَر والمرقَب مع بطلان شرط العود؛ لأنه إذا ملك العين لم تنتقل عنه بالشرط، ولأنه شرط شرطًا ينافي مقتضى العقد، فصح العقد وبطل الشرط، كشرطه في البيع ألا يبيع.
ولو جعل اثنان كلٌّ منهما داره للآخر على أنه إن مات قبله عادت إليه، فرُقْبى من الجانبين.
(ولا يصح إعمار المنفعة ولا إرقابها، فلو قال) ربُّ دارٍ: (سُكنى هذه الدار لك عُمُرَك، أو) قال: (غَلَّة هذا البستان) لك عُمُرَك (أو) قال: (خدمة هذا العبد) لك عُمُرَك (أو) قال: (منحتك (١)) أي: ما ذكر من الدار، أو البستان أو العبد ونحوه (عُمُرَك؛ فعارية، له الرجوع فيها متى شاء، في حياته) أي: الممنوح (وبعد موته) لأنها هبة منفعة.
(ويصح إعمار منقول، و) يصح - أيضًا - (إرقابه، من حيوان كعبد وجارية ونحوهما) كبعير وشاة (و) من (غير حيوان) كثوب وكتاب؛
стр. 4556
لعموم ما تقدم (١) من قوله ﷺ : "فَمَنْ أُرْقِبَ شيئًا أو أُعمِرَهُ فهو لورثتِه".
فصل في التعديل بين الورثة في الهبة
(ويجب على الأب و) على (الأم، و) على (غيرهما) من سائر الأقارب (التعديل بين من يرث بقرابة، من ولد وغيره) كأب، وأم، وأخ، وابنه، وعم وابنه (في عطيتهم) لحديث جابر، قال: "قالت أمرأةُ بَشيرٍ لِبَشيرٍ: أعْطِ ابْني غُلامًا وأشْهِدْ لي رسولَ الله ﷺ ، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: إنَّ ابْنَةَ فُلانٍ سألَتْنِي أنْ أنحَلَ ابْنَها غُلامي. قال: ألَهُ إخْوَةٌ؟ قال: نعم. قال: كُلَّهُمْ أعْطيتَ مِثْلَ ما أعْطيتَهُ؟ قال: لا. قال: فليس يَصْلُحُ هذا، وإنِّي لا أشهدُ إلا على حَقٍّ" رواه أحمد ومسلم وأبو داود (٢)، ورواه أحمد من حديث النعمان بن بشير، وقال فيه: "لا تشهدني على جور، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم" (٣)، وفي لفظ المسلم: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" فرجع أبي في تلك الصدقة (٤). وللبخاري مثلُه لكن ذكره بلفظ العطية (٥). فأمَر بالعدل بينهم، وسَمَّى تخصيص أحدهم دون
стр. 4557
الباقين جَورًا، والجَور حرام؛ فدلَّ على أن أمره بالعدل للوجوب. وقِيس على الأولاد باقي الأقارب بجامع القرابة، وخرج منه الزوجات والموالي، فلا يجب التعديل بينهم في الهبة.
و (لا) يجب التعديل بينهم (في شيء تافه) لأنه يُسامح به، فلا يحصُل التأثر.
والتعديل الواجب أن يعطيهم (بقَدْرِ إرثهم منه) اقتداء بقسمة الله تعالى، وقياسًا لحالة الحياة على حال الموت، قال عطاء: فما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى (١).
"فائدة": نصَّ أحمد في رواية صالح (٢) وعبد الله (٣) وحنبل في من له أولاد، زوَّج بعض بناته، فجهزها وأعطاها، قال: يعطي جميع ولده مثل ما أعطاها. وعن جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله (٤) يسأل عن رجل له ولد، يزوّج الكبير وينفق عليه ويعطيه، قال: ينبغي له أن يعطيهم كلهم مثل ما أعطاه، أو يمنحهم مثل ذلك. وروى عنه المرُّوذي وغيره معنى ذلك - أيضًا - وقد استوعبها الحارثي ﵀.
(إلا في نفقة وكسوة، فتجب الكفاية) دون التعديل، ونقل أبو طالب (٥): لا ينبغي أن يفضل أحدًا من ولده في طعام وغيره، قال
стр. 4558
إبراهيم: كانوا يستحبُّون التسوية بينهم حتى في القُبَل. قال في "الفروع": فدخل فيه نظر وقف.
(قال الشيخ (١): لا يجب على المسلم التسوية بين أولاده [من أهل] (٢) الذِّمة) أي: الذميين (انتهى) وكلام غيره لا يخالفه؛ لأنهم غير وارثين منه.
(وله) أي: لمن ذكر من الأب، والأم، وغيرهما (التخصيص) لبعض أقاربه الذين يرثونه (بإذن الباقي) منهم؛ لأن العلة في تحريم التخصيص كونه يورث العداوة وقطيعة الرحم، وهي منتفية مع الإذن (فإن خصَّ بعضَهم) بالعطية (أو فَضَّله) في الإعطاء (بلا إذن) الباقي (أَثِم) لما تقدَّم (وعليه الرجوع) فيما خص أو فضل به، حيث أمكن (أو إعطاء الآخر، ولو في مرض الموت) المخوف (حتى يستووا) بمن خَصَّه. أو فضَّله، قال في "الاختيارات" (١): وينبغي أن يكون على الفور.
(كما لو زوّج أحدَ ابنيه في صحته، وأدَّى عنه الصَّداق، ثم مرض الأب) مرض الموت المخوف (فإنه يعطي ابنه الآخر كما أعطى الأول) ليحصل التعديل بينهما، ولا يمكن الرجوع هنا؛ لأن الزوجة ملكت الصداق بالعقد.
(ولا يُحسب) ما يعطيه الأب لابنه الثاني (من الثلث) مع أنه عطية في مرض الموت (لأنه تدارك للواجب (٣)، أشبه قضاء الدَّين) ويجوز للأب
стр. 4559
تملك ما يعطيه للتسوية بلا حيلة؛ قدَّمه الحارثي، وصاحب "الفروع"، ونقل ابن هانئ (١): لا يُعجبني أن يأكل منه شيئًا.
(وإن مات) المخصِّص أو المفضِّل (قبل التسوية) بين ورثته (ثبت) أي: استقر الملك (للمعطَى) فلا يشاركه فيه بقية الورثة؛ لأنها عطية لذي رحم، فلزمت بالموت، كما لو انفرد (ما لم تكن العطية في مرض الموت) المخوف، فحكمها كالوصية ويأتي.
(والتسوية هنا) بين الأولاد، والإخوة لغير أم ونحوهم (القسمة، للذَّكر مثل حظ الأنثيين) وتقدَّم ذلك (٢) في قوله: بقَدْرِ إرثهم، وهو أوضح من هذا (والرجوع المذكور) أي: رجوع المخصِّص، أو المفضِّل بعد القبض (يختصُّ بالأب دون الأم، وغيرها) كالجد والابن والإخوة والأعمام.
(وتحرم الشهادة على التخصيص والتفضيل، تحمُّلًا وأداءً - ولو) كان الأداء (بعد موت المخصِّص والمفضِّل - إن علم) الشاهد بالتخصيص، أو التفضيل؛ لما تقدم من قوله ﷺ في حديث النعمان بن بشير: "لا تُشهدني على جَور" (٣).
فإن قيل: فقد ورد بلفظ: "فأشهِدْ على هذا غيري" (٤)، وهو أمر، وأقلُّ أحواله الاستحباب، فكيف تحرم الشهادة؟! فالجواب: أنه تهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٥)، ولو لم يفهم هذا المعنى بشير،
стр. 4560
لبادر إلى الامتثال، ولم يرد العطية.
(وكذا كلُّ عقد مختلَف فيه، فاسدٍ عند الشاهد) كنكاح بلا ولي، وبيع غير مرئي، ولا موصوف، ونحوه، إن لم يحكم به من يراه، حرم على الحنبلي أن يشهد به تحمّلًا وأداءً؛ قياسًا على ما سبق.
(وتُكره) الشهادة (على عقد نِكاح) من (مُحْرِمٍ بنسك) حج أو عمرة، والمراد: إذا كان النكاح صحيحًا، بأن كان الزوجان والولي حَلَالًا، وإلا؛ حرمت الشهادة؛ لأن النكاح إذًا فاسد (وتقدَّم (١) في محظورات الإحرام) بأوضح من هذا.
ولا فرق في امتناع التخصيص، والتفضيل بين كون البعض ذا حاجة، أو زَمَانة، أو عمىً، أو عيال، أو صلاح، أو علم، أو لا، ولا بين كون البعض الآخر فاسقًا، أو مبتدعًا، أو مبذِّرًا، أو لا، وهو ظاهر كلام الأصحاب، ونصَّ عليه في رواية يوسف بن موسى (٢)، في الرجل له الولد البار الصالح وآخر غير بار: لا ينيل البارَّ دون الآخر.
(وقيل: إن أعطاه لمعنىً فيه، من حاجة، أو زَمَانة، أو عمىً، أو كثرة عائلة، أو لاشتغاله بالعلم، ونحوه) كصلاحه (أو منع بعض ولده لفسقه، أو بدعته (٣)، أو لكونه يعصي الله بما يأخذه، ونحوه، جاز التخصيص) والتفضيل بالأَولى (اختاره الموفَّق وغيره) استدلالًا بتخصيص الصِّدِّيق عائشة ﵂ (٤)، وليس إلا لامتيازها
стр. 4561
بالفضل. ولنا عموم الأمر بالتسوية، وفِعْل الصِّدِّيق يحتمل أنه نحل معها غيرها، أو أنه نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه المرض ونحوه.
(ولا يُكره) للإنسان (قَسْم ماله بين ورّاثه) على فرائض الله تعالى (ولو أمكن أن يولَد له) لأنها قسمة ليس فيها جَور، فجازت في جميع ماله كبعضه.
(فإن حدث له وارث) بعد قسم ماله (سوَّى بينه وبينهم) بما تقدم (وجوبًا) ليحصُل التعديل.
(وإن وُلِدَ له) أي: لمن قسم ماله بين ورّاثه في حياته (ولد بعد موته، استُحِب للمعطَى أن يساوي المولودَ الحادث بعد أبيه) لما فيه من الصلة وإزالة الشحناء.
(ويُستحبُّ) لمن أراد أن يقف شيئًا على أولاده، أو غيرهم من أقاربه (التسويةُ بينهم في الوقف) بألا يُفضِّل ذكرًا على أُنثى (وتقدم (١)) ذلك (في باب الوقف) موضَّحًا.
(وإن وقف) شخص (ثُلثَه) فأقل (في مرضه) المخوف (على بعض وُرَّاثه) جاز (أو وَصَّى بوقفه) أي: الثلث (عليهم) أي: على بعض وُرَّاثه (جاز) قال أحمد (٢) في رواية جماعة منهم الميموني: يجوز للرجل أن يقف في مرضه على ورثته، قيل له: أليس تذهب أنه "لا وصية لوارث؟ " (٣) فقال: نعم، والوقف غير الوصية؛ لأنه لا يُباع ولا يورث،
стр. 4562
ولا يصير ملكًا للورثة، أي: ملكًا طلقًا، واحتج (١) في رواية أحمد بن الحسن بحديث عمر ﵁ حيث قال: "هذا ما أوصى به عبد الله عمرُ أميرُ المؤمنينَ، إن حَدَث به حَدَث أنَّ ثَمَغًا صدقَةٌ، والعبدُ الذي فيه، والسَّهْم الذي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة وَسْقٍ الذي أطْعَمَني محمدٌ ﷺ تَلِيه حَفصةُ ما عاشَتْ، ثم يليهِ ذو الرَّأي مِنْ أهْلِهِ، لا يُباع ولا يُشْترى، تُنْفِقُهُ حيثُ تَرى من السَّائلِ والمحرومِ وذوي القُرْبَى، ولا حرجَ على منْ وليهُ إنْ أكلَ أو اشترى رقيقًا" رواه أبو داود (٢) بنحو من هذا.
(و يجري) الوقفُ على بعض ورثته (مجرى الوصية) في أنه ينفذ إن خرج من الثلث، كالوصية به، لا في توقفه على الإجازة، كما تقدم (٣).
(ولا يصحُّ وقفُ مريض) مرض الموت المخوف (على أجنبي) بزيادة على الثلث (أو) على (وارث بزيادة على الثلث) أي: ثلث ماله، كالعطية في المرض، والوصية. قال في "التنقيح": ولو حيلة، كـ: على نفسه، ثم عليه. انتهى؛ لأن الحيل غير جائزة إذا كانت وسيلة لمُحرَّم.
(ولا يجوز لواهب، ولا يصحُّ أن يرجع في هبته، ولو صدقةً وهديةً ونِحلةً، أو نُقوطًا (٤) و (٥) حَمولةً في عُرس ونحوه) لقوله ﷺ : "العائدُ في هِبته كالكلب يقيء، ثم يعودُ في قَيئهِ" متفق عليه (٦) وفي رواية
стр. 4563
لأحمد: قال قتادة: "ولا أعلم القيء إلا حرامًا" (١) وسواء عُوِّض عنها أو لم يعوَّض؛ لأن الهبة المطلقة لا تقتضي الثواب، وتقدم (٢).
(أو) أي: ولو (تعلَّق بالموهوب رغبةُ الغير، بأن ناكح) إنسان (الولدَ) الموهوب لوجود ذلك الذي وهبه له والده، بأن زوَّجه إن كان ذكرًا، أو تزوَّجه إن كان أُنثى لذلك (أو دايَنَه) أي: باعه، أو أقرضه، أو أجره ونحوه (لوجود ذلك) الذي وهبه أبوه له، فإن ذلك لا يمنع رجوع الأب فيما وهبه لولده. ولو أخَّره بعد قوله: "إلا الأب الأقرب" لكان أوضح.
وقوله: (بعد لزومها) أي: الهبة بأنواعها بالقبض، متعلق بقوله: "ولا يجوز لواهب، ولا يصح أن يرجع". وأما الرجوع قبل لزومها، فجائز مطلقًا (كالقيمة) أي: كما لا يجوز للواهب الرجوع في قيمة العين الموهوبة، ولو تلفت عنده (إلا الأب الأقرب (٣)) لحديث ابن عُمر وابن عباس يرفعانه قال: "ليس لأحدٍ أنْ يُعْطي عطيَّة ويَرْجع فيها، إلا الوالِد فيما يُعْطِي ولدَهُ" رواه الترمذي وحسَّنه (٤)، وفي بعض ألفاظ حديث بشير المتقدم، من قوله ﷺ لبشير: "فارْدُدْهُ" (٥) وروي: "فارْجِعْهُ" رواه
стр. 4564
مالك (١)، ولا فرق بين أب (٢) يقصد برجوعه التسوية بين أولاده، وبين غيره. ولو وهب كافر لولده الكافر شيئًا، ثم أسلم الولد، فلأبيه الرجوع في هبته، خلافًا للشيخ تقي الدين (٣).
(ولو أسقط) الأب (حقَّهُ من الرجوع) فله الرجوع؛ لأنه حق ثبت له بالشرع، فلم يسقط بإسقاطه، كما لو أسقط الوليُّ حقَّه من ولاية النكاح. وقال في "المنتهى": يسقط رجوعه؛ لأنه مجرد حقه، وقد أسقطه، والفرق بينه وبين ولاية النكاح: أن ولاية النكاح حقٌّ عليه لله تعالى وللمرأة، بدليل إثمه بالعضل، بخلاف الرجوع؛ فإنه حقٌّ للأب.
(ولو ادَّعى اثنان مولودًا) مجهول النسب، كل يقول: هو ابني (فوهباه، أو وهبه أحدهما شيئًا، فلا رجوع) لانتفاء ثبوت الدَّعوى (وإن ثبت اللَّحَاقُ بأحدهما، ثبت) له (الرجوع) لثبوت الأبوة.
(ويُشترط لرجوع الأب) أي: لجوازه وصحته فيما وهبه لولده (شروط ثلاثة:
أحدها: أن تكون) الهبة (عينًا باقية في ملك الابن) إلى رجوع أبيه (فلا رجوع) للأب (في دينه على الولد بعد الإبراء) منه؛ لأنه إسقاط لا تمليك (ولا في منفعة أباحها له) أبوه (بعد الاستيفاء، كسكنى دار ونحوها) لأنه إباحة، واستيفاء المنفعة بمنزلة إتلافها.
(فإن خرجت العينُ) الموهوبة (عن ملكه) أي: الابن (ببيع - ولو مع
стр. 4565
خيار (١) - أو هِبة، أو وقف) ظاهره: ولو على نفسه، ثم غيره، خصوصًا إذا قلنا: ينتقل في الحال لمن بعده (أو) خرجت بـ (ــغير ذلك) بأن جعلها صداقًا لامرأة، أو عوضًا في صلح، ونحوه (ثم عادت) العين (إليه) أي: الابن (بسبب جديد، كبيع) ولو مع خيار (أو هِبةٍ، أو وصيةٍ، أو إرثٍ، أو نحوه) كأن أخذها عوضًا عن أرْشٍ جناية، أو قيمة مُتلَف (لم يملك) الأب (الرجوعَ) فيها؛ لأنها عادت إلى الولد بملك جديد لم يستفده من قِبَلِ أبيه، فلم يملك إزالته، كما لو لم تكن موهوبة.
(وإن عادت) العين للولد بعد بيعها (كفسخِ (٢) البيع بعيبٍ) فيها، أو في الثمن (أو) عادت بـ (ــإقالة، أو) عادت بفسخ لـ (ــفَلَس المشتري) بالثمن (أو بفسخِ خيارِ الشرط، أو المجلس) ملك الأب الرجوعَ فيها؛ لعود الملك بالسبب الأول، فكأنه ما انتقل، وبه فارق العود ببيع، أو هبة، أو نحوهما (أو دبَّر) الولد (العبدَ) الموهوب له من والده (أو كاتبه ملك) الأب (الرجوعَ) في العبد؛ لأن التدبير والكتابة لا يمنعان التصرف في الرقبة بالبيع ونحوه، فلم يمنعا الرجوع، كما لو زوَّجه أو أجره.
(وهو) أي: العبد الذي كاتبه الولد، ثم رجع أبوه فيه (مكاتَب) أي: باقٍ على كتابته؛ للزومها، فإذا أدَّى إلى الأب باقي مال الكتابة عتق، وإن عجز رقَّ، كما لو باعه الابن (وما أخذه الابن من دَيْنِ الكتابة) قبل رجوع الأب (لم يأخذه منه أبوه) لاستقرار ملكه عليه.
الشرط (الثاني: أن تكون العين باقية في تصرُّف الولد، فإن تلفت) العين (فلا رجوع) للأب (في قيمتها) وتقدم.
стр. 4566
(وإن استولد) الابن (الأمَة) التي وهبها له أبوه، لم يملك الرجوعَ؛ لامتناع نقل الملك في أُمِّ الولد (أو كان) الأب (وهبها له للاستعفاف، لم يملك) الأب (الرجوعَ) فيها؛ وإن استغنى الولد، أو لم يستولدها؛ لأن إعفافه واجب عليه.
(وإن رهن) الابن (العينَ) التي وهبها له أبوه وأقبضها، فكذلك (أو أفلس) الابن (وحُجِرَ عليه، فكذلك) أي: فلا رجوع لأبيه؛ لتعلُّق حق المرتَهِن والغرماء بالعين، وفي الرجوع إبطال لذلك.
"تنبيه": ما ذكره المصنف من أن الحجر عليه لفلَس مانع من الرجوع، قال الحارثي: إنه الصواب بلا خلاف، كما في الرهن ونحوه، وبه صَرَّح في "المغني" وصاحب "المحرر" وغيرهما. انتهى. ومقتضى ما قَدَّمه في "المقنع" أنه غير مانع، وتبعه في "المنتهى"؛ لأنه لم يخالفه في "التنقيح".
فإن أفلس ولم يُحجر عليه، ففيه روايتان (١)؛ أطلقهما في "الشرح"، فإن حمل كلام "المقنع" و"المنتهى" على فلس لا حَجْرَ معه، وافق ما ذكره الحارثي والشارح.
(فإن زال المانع) بأن انفكَّ الحَجْر والرهن (ملك) الأب (الرجوعَ) لأن ملك الابن لم يزل، وإنما طرأ معنى قطع التصرف مع بقاء الملك، فمنع الرجوع، فإذا زال؛ زال المانع.
стр. 4567
(وكلُّ تصرُّفٍ لا يمنع الابنَ التصرفَ في الرقبة، كالوصية، والهبة قبل القبض) والرهن قبل القبض (والوطء المجرَّد عن الإحبال، والتزويج) للرقيق (والإجارة والمزارعة عليها، وجعلها مضاربة في عقد شركة، لا يمنع) الأب (الرجوعَ) لبقاء ملك الابن، وسلطنة تصرفه (وكذلك العِتق المعلَّق) على صفة قبل وجودها، فلا يمنع الرجوع.
(وإذا رجع) الأب في العين (وكان التصرف لازمًا، كالإجارة، والتزويج والكتابة، فهو) أي: التصرف (باقٍ بحاله) كاستمراره مع المشتري من الولد، لكن تقدَّم (١) أن الأخذ بالشُّفعة تنفسخ به الإجارة، والفرق أن للأب فعلًا في الإجارة؛ لأن تمليكه لولده تسليطٌ له على التصرف فيه، ولا كذلك الشفيع. هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
(وإن كان) التصرف (جائزًا، كالوصية والهبة قبل القبض) والمزارعة والمضاربة والمشاركة (بطل) ذلك التصرف؛ لأن استمرار حكمه مقيد ببقاء المعقود عليه (٢)، وقد فات، بخلاف الأول (والتدبير والعتق المعلَّق بصفة، لا يبقى حكمهما في حقِّ الأب) لأنهما لم يصدرا منه.
(ومتى عاد) المُدَبَّر، أو المُعلَّق عِتقُه بصفة (إلى) ملك (الابن، عاد حكمهما) لعود الصفة (وإن وهب (٣) الولد لولده لم يملك) الواهب الأول (الرجوع) لأن فيه إبطالًا لملك غير ابنه، وهو لا يملكه (إلا أن يرجع هو) أي: الواهب الثاني في هبته لابنه، فيملك الأول الرجوع حينئذ؛ لأنه
стр. 4568
فسخ في هبته برجوعه، فعاد إليه الملك بسببه الأول.
الشرط (الثالث: ألا تزيد) العين الموهوبة عند الولد (زيادة متصلة تزيد في قيمتها، كالسِّمَن والكبر والحمل، وتعلُّم صنعة، أو) تعلُّم (كتابة، أو قرآن) لأن الزيادة للموهوب له؛ لكونها نماء ملكه، ولم تنتقل إليه من جهة أبيه، فلم يملك الرجوع فيها، كالمنفصلة، وإذا امتنع الرجوع فيها، امتنع في الأصل؛ لئلا يُفضي إلى سوء المشاركة وضرر التشقيص؛ ولأنه استرجاع للمال بفسخ عقد لغير عيب في عوضه، فمنعه الزيادة المتصلة، كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح، أو نصفِه بالطلاق، أو رجوع البائع في المبيع لفَلَسِ المشتري، ويفارق الردَّ بالعيب من جهة أن الرَّدَّ من المشتري، وقد رضي ببذل الزيادة (وإن زاد) الموهوب (ببرئه من مرض، أو صمم؛ مَنَع الرجوع) كسائر الزيادات.
(وإن اختلف الأبُ وولده في حدوث زيادة) بأن قال الولد: حدث فيه زيادة، فمنعت الرجوع، وأنكر الأب (فقول الأب) لأن الأصل عدم الزيادة.
(ولا تمنع) الزيادة (المنفصلة) الرجوع (كولد البهيمة، وثمرة الشجرة، وكَسْبِ العبد) لأن الرجوع في الأصل دون النماء (والزيادة) المنفصلة (للولد) لأنها حادثة في ملكه، ولا تتبع في الفسوخ، فكذا هنا.
(فإن كانت) الزيادة (وَلَدَ أَمَةٍ) بأن حملت الأَمَةُ، وولدت عند الولد (امتنع الرجوع) في الأم (لتحريم التفريق) بين الأم وولدها.
(وإن وهبه) أي: وهب الأب ولده أمَةً، أو بهيمة (حاملًا، فولدت في يد الابن، فالولد زيادة متصلة) أي: باعتبار الكبر.
(وإن وهبه) أمَةً أو بهيمة (حائلًا، ثم رجع) الأب (فيها حاملًا، فإن
стр. 4569
زادت قيمتها) بالحمل (فزيادة مُتَّصلة) تمنع الرجوع.
(وإن وهبه نخلًا فحملت، فقَبْل التأبير زيادة متصلة) تمنع الرجوع (وبعده) أي: التأبير - والمراد التشقق - (منفصلة) لا تمنع الرجوع، نقله الحارثي عن الموفَّق، واقتصر عليه.
(وإن تلف بعضُ العين) لم يمنع الرجوع في الباقي منها (أو نقصت قيمتُها) لم يمنع الرجوع (أو أَبَقَ العبدُ) الموهوب لم يمنع الرجوع؛ لبقاء الملك (أو ارتدَّ الولد) الموهوب له (لم يمنع الرجوع) لبقاء الملك.
(ولا ضمان على الابن فيما تلف منها، ولو) كان التلف (بفعله) لأنه في ملكه.
(وإن جنى العبدُ) الموهوبُ للولد (جناية يتعلَّق أرْشها برقبته، فللأب الرجوع فيه) لبقاء ملك ولده عليه (ويضمن) الأب (أَرْشَ الجناية) لتعلُّقه برقبة العبد، فيفديه، أو يسلمه، أو يبيعه فيها (فإن جُني على العبد) الموهوب للولد (فرجع الأب فيه، فَأرْشُ الجناية عليه للابن) لأنها زيادة منفصلة.
(وصفة الرجوع) من الأب فيما وهبه لولده (أن يقول: قد رجعتُ فيها) أي: الهبة (أو) يقول: (ارْتَجَعْتُهَا، أو رَددتُها، ونحوه) كـ: عدتُ فيها، أو أعدتُها إلى ملكي، ونحو ذلك (من الألفاظ الدَّالة على الرجوع) قال الحارثي: والأكمل: رجعتُ فيما وهبتُهُ لك من كذا. ومن الناس من قسمه إلى: ضريح، وكناية بنية. ولا بأس به، وسواء (علم الولدُ) برجوع أبيه (أو لم يعلم) به.
(ولا يحتاج) الرجوع (إلى حكم حاكم) لثبوته بالنص، كفسخ معتقة تحت عبد.
стр. 4570
(وإن تصرَّف الأبُ فيه) أي: فيما وهبه لولده (بعد قبض الابن) لم يكن رجوعًا بغير قول (أو وطئ) الأبُ (الجاريةَ) التي وهبها لولده، وأقبضها له (ولو نوى) الأب (به) أي: بالتصرف أو الوطء (الرجوع، لم يكن) ذلك (رجوعًا بغير قول) لأن ملك الموهوب له ثابت يقينًا، فلا يزول إلا بيقين، وهو صريح القول.
(وإن سأل) زوجٌ (امرأته هِبةَ مَهرِها، فوهبتْهُ) له، ثم ضَرَّها، فلها الرجوع (أو قال) زوج لزوجته: (أنت طالق إن لم تُبْرِئِيني، فأبرأته) من مهرها (ثم ضَرَّها بطلاق أو غيره، فلها الرجوع) فيما وهبته من المهر أو أبرأته منه؛ لأن شاهد الحال يدلُّ على أنها لم تطب به نفسًا، وإنما أباحه الله عن طيب نفسها بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١) وغير الصَّداق كالصَّداق؛ قاله في "شرح المنتهى". ويؤيده: قول عمر: "إنَّ النساءَ يعطين أزواجهن رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها شيئًا، ثم أرادت أن تعتصره فهي أحق به" رواه الأثرم (٢)، وقال الحارثي: المشهور عنه - أي: عن الإمام - أن لا رجوع لواحد من الزوجين فيما وهب للآخر، إلا أن تهب المرأة مهرها لسؤال منه ونحو ذلك، فترجع (٣).
стр. 4571
(لا إن تبرَّعت به) أي: بمهرها (من غير مسألة) الزوج (١)، فلا رجوع لها نصًّا (٢)، واحتج (٣) في رواية أحمد بن إبراهيم الكوفي بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ (٤).
فصل
(ولأب فقط - إن كان) الأب (حرًّا - أن يتملَّكَ من مال ولده ما شاء) قال في "الاختيارات" (٥): ما لم يتعلَّق به حق كالرهن والفَلَس. وإن تعلَّق به رغبة كالمداينة والمناكحة، وقلنا: يجوز (٦) الرجوع في الهبة؛ ففي التملك نظر (مع حاجة الأب) إلى تملك مال ولده (و) مع (عدمها، في صِغَر الولد وكبره، وسُخطه ورضاه، وبعلمه وبغيره) لما روى سعيد والترمذي وحَسَّنه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أطيبَ ما أكلْتُم مِن كسبِكم، وإنَّ أولادكم من كسبِكم" (٧)، وروى الطبراني في
стр. 4572
"معجمه" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إن أبي اجتاح مَالِي، فقال: "أنتَ ومالكَ لأبيكَ" (١). ولأن الولد موهوب لأبيه بالنصِّ القاطع، وما كان موهوبًا له، كان له أخذ ماله كعبده. يؤيده: أن سفيان بن عيينة (٢) قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى
стр. 4573
أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية (١): ذكر الأقارب دون الأولاد لدخولهم في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ لأن بيوت أولادهم كبيوتهم، ولأن الرجل يلي مال ولده من غير تولية، كمالِ نفسه (دون أمٍّ وجدٍّ وغيرهما) من سائر الأقارب؛ لأن الأصل المنع، خولف في الأب؛ لدلالة النص، وبقي ما عداه على الأصل (بشروط ستة) متعلق بـ "يتملك":
(أحدها: أن يكون) ما يتملكه الأب (فاضلًا عن حاجة الولد؛ لئلا يضرَّه) بتملكه، وهو منفي بقوله ﷺ : "لا ضرَرَ ولا ضِرَارَ" (٢) (فليس له) أي: الأب (أن يتملك سُرِّيَّته، وإن لم تكن) سريته (أُمَّ ولد) للابن (لأنها ملحقة بالزوجات (٣)، ولا) يتملك - أيضًا - (ما تعلَّقت حاجته به) كآلة حرفة يتكسَّب بها، ورأس مال تجارة؛ لأن حاجة الإنسان مقدَّمة على دَيْنه، فلأن تقدم على أبيه بطريق الأولى.
الشرط (الثاني: ألا يعطيه) الأب (لولدٍ آخر) فلا يتملَّك من مال ولده زيد، ليعطيه لولده عَمرو؛ لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يُمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الآخر أولى.
الشرط (الثالث: ألا يكون) التملك (في مرض موت أحدهما) أي: الأب، أو الولد؛ لأنه بالمرض قد انعقد السبب القاطع للتملك.
الشرط (الرابع: ألا يكون الأبُ كافرًا والابن مسلمًا، لا سيما إذا كان الابن كافرًا ثم أسلم، قاله الشيخ (٤)) قال في "الإنصاف": وهذا عين
стр. 4574
الصواب. انتهى؛ لحديث: "الإسلام يَعلو ولا يُعلى" (١).
(وقال) الشيخ (٢) - أيضًا - (: الأشبه (٣) أن الأب المسلمَ ليس له أن يأخذ من مال ولده الكافر شيئًا) لانقطاع الولاية والتوارث.
стр. 4575
الشرط (الخامس: أن يكون) ما يتملَّكه الأب (عينًا موجودة) فلا يتملَّك دَيْن ابنه؛ لأنه لا يملك التصرف فيه قبل قبضه.
(ويحصُل تملّكه) أي: الأب، لمال ولده (بقبض) ما يتملكه (مع قول): تملكتُه، أو نحوه (أو نيَّةٍ) قال في "الفروع": ويتوجَّه: أو قرينة؛ لأن القبض أعمُّ من أن يكون للتملك، أو غيره، فاعتُبر القول أو النية؛ ليتعين وجه القبض (وهو) أي: القبض مع ما ذكر (الشرط السادس.
ولا يصح تصرُّفُه) أي: الأب (فيه) أي: في مال ولده (قبل ذلك) أي: قبل القبض مع القول، أو النية (ولو عتقًا) لأن ملك الابن تام على مال نفسه، يصح تصرُّفُه فيه، ويحل له وَطء جواريه، ولو كان الملك مشتركًا لم يحل له الوطء، كما لا يجوز له وطء الجارية المشتركة، وإنما للأب انتزاعها منه، كالعين التي وهبها إياه.
(ولا يملك) أبٌ (إبراءَ نفسه) من دَيْن ولده (ولا) يملك الأب - أيضًا - (إبراء غريم وَلَده، ولا) يملك الأب (تملكه ما في ذِمَّة نفسه، ولا) تملك ما في (ذمَّة غريم ولده، ولا) يملك (قبضه) أي: الدَّين (منهما) أي: من نفسه، وغريم ولده (لأن الولد لم يملكه) قبل قبضه.
(ولو أقرَّ) الأب (بقبض دَيْنِ ولده) من غريمه (فأنكر الولد) أن يكون أبوه قبض (أو أقرَّ) بالقبض (رجع) الولد (على غريمه) بدينه؛ لعدم براءته بالدفع إلى أبيه (ورجع الغريم على الأب) بما أخذه منه إن كان باقيًا، وببدله إن كان تالفًا؛ لأنه قبض ما ليس له قبضه لا بولاية ولا بوكالة، فقول الإمام في رواية مُهَنَّا (١): ولو أقرَّ بقبض دَيْن ابنه، فأنكر،
стр. 4576
رجع على غريمه، وهو على الأب. لا يعوّل على مفهومه من أنه لو أقرَّ لا يرجع؛ لأنه يمكن أن يكون جوابًا عن سؤال سائل، فلا يحتج بمفهومه.
(قال الشيخ (١): لو أخذ) الأب (من مال ولده شيئًا، ثم انفسخ سبب استحقاقه) أي: الشيء المأخوذ (بحيث وجب رَدّه إلى الذي كان مالكه، مثل أن يأخذ) الأب (صَداقَ ابنته، ثم يُطلِّق الزوجُ) قبل الدخول، أو ينفسخ النكاح على وجه يسقط الصداق (أو يأخذ) الأب (ثمنَ السِّلعة التي باعها الولد، ثم ترد السلعة، أو يأخذ) الأب (المبيع الذي اشتراه الولد، ثم يُفْلِس) الولد (بالثمن) ويُحجر عليه، ويفسخ البائع (ونحو ذلك) كما لو فسخ البائع لعيب الثمن بعد أخذ الأب المبيع من ولده (فالأقوى في جميع) هذه (الصور: أن للمالك الأول الرجوعَ على الأب) لسبق حقه على تملك الأب.
(ويأتي في الصَّدَاق: لو تزوَّجها على ألفٍ لها، وألفٍ لأبيها) أن ذلك يصح، وأن الأب يملك بالقبض مع نية التملُّك، وأنه إذا طلَّقها الزوج، أو انفسخ النكاح قبل الدخول على وجه يسقطه، رجع عليها لا على أبيها، وهو يقتضي أن المذهب خلاف ما قاله الشيخ.
(وإن وطئ) أبٌ (جاريةَ ولدِه) قبل تملكها (فأحبلها، صارت أمَّ ولدٍ له) أي: للأب؛ لأن إحباله لها يوجب نقل الملك إليه، وحينئذٍ يكون الوطء مصادفًا للملك، فإن لم تحبل، فهي باقية على ملك الولد (وولدُه) أي: الأب من جارية ولده (حُرٌّ) لأنه من وَطءٍ انتفى فيه الحَدُّ للشُّبهة (لا يلزمه قيمته) لولده المنتقل عنه ملك الجارية؛ لصيرورتها أُمّ وَلد للأب، ودخولها في ملكه بالإحبال، فلم تأتِ بالولد إلا في ملك الأب.
стр. 4577
(ولا) يلزمه (مهرٌ) لأن الوطء سبب نقل الملك فيها، وإيجاب القيمة للولد، والوطء الموجب للقيمة كالإتلاف، فلا يجتمع معه المهر (ولا حَدٌّ) لشُبهة الملك (ويعزَّر) لأنه وطئ وطئًا محرَّمًا، أشبه وَطء الأَمَة المشتركة بينه وبين غيره.
(ويلزمه) أي: الأب (قيمتُها) أي: قيمة الأَمَة التي أولدها لولده؛ لأنه أتلفها عليه، لكن ليس له مطالبته بها، ومحل انتقال الملك فيها للأب (إن لم يكن الابنُ وطئها) لأنها بالوطء تصير كحلائل الأبناء، فتحرم على الأب.
(ولا ينتقل الملك فيها إن كان الابن استولدها، فلا تصير أُمَّ ولدٍ للأب) إذ أُمّ الولد لا ينتقل الملك فيها (وإن كان الابن وطئها، ولو لم يستولدها، لم يملكها الأب) بالإحبال (ولم تَصِرْ أُمَّ ولد له) لأنها بالوطء صارت ملحقة بالزوجة، فلا يصح أن يتملكها بالقول - كما تقدم - فلا يملكها بالإحبال.
(وحَرُمت عليهما) أي: على الأب؛ لأنها من موطوآت ابنه، وعلى الابن؛ لأنها موطوءة أبيه (ولا يُحدُّ) الأب بوطئه للأَمَة في هذه الحال، لشُبهة: "أنت ومالُكَ لأبيكَ" (١).
(وإن وطئ) الابنُ (أَمَةَ أحد أبويه، لم تَصِر أُمَّ ولد) له، إن حملت منه (وولدُه قِنٌّ، ويُحدُّ) إن علم التحريم؛ لأن الابن ليس له التملك على أحد من أبويه، فلا شُبهة له في الوطء.
(وليس لولدٍ ولا لورثته مطالبةُ أبيه بدَيْنِ قَرْضٍ، ولا ثمن مبيعٍ، ولا قيمةِ مُتلَفٍ، ولا أرْشِ جناية، ولا) بأجرة (ما انتفع به من ماله) لما روى
стр. 4578
الخلال "أن رجُلًا جاء إلى النبي ﷺ بأبيه يَقْتَضيهِ دَيْنًا عليهِ، فقال: أنت ومالُك لأبيك" (١)؛ ولأن المال أحد نوعي الحقوق، فلم يملك مطالبةَ أبيه به؛ كحقوق الأبدان.
(ولا) للابن (أن يُحِيل عليه) أي: على الأب (بدَيْنه) لأنه لا يملك طلبه به، فلا يملك الحوالة عليه (ولا) مطالبة للولد على والده بـ (ــغير ذلك) من سائر الحقوق؛ لما تقدم (إلا بنفقتِه) أي: الولد (الواجبة) على الأب؛ لفقر الابن وعجزه عن التكسُّب، فله الطلب بها (زاد في "الوجيز": وحَبْسُه عليها) لقوله ﷺ لهند: "خُذِي ما يَكفيك وولَدَك بالمعروف" (٢).
(وله) أي: الولد (مطالبته) أي: الأب (بعين مالٍ له) أي الولد (في يده) أي: الأب.
(ويجري الرِّبا بينهما) أي: بين الوالد وولده؛ لتمام ملك الولد على ماله، واستقلاله بالتصرف فيه، ووجوب زكاته عليه، وحِلِّ الوَطء وتوريث ورثته، وحديث: "أنْتَ ومالُكَ لأبيكَ" (٣) على معنى سلطة (٤) التملك، ويدلُّ عليه إضافة المال للولد.
(ويثبت له) أي: الولد (في ذِمَّته) أي: الوالد (الدَّين) من بدل قرضٍ، وثمن مبيع، وأجرة ونحوها (ونحوه) كأرش (٥) الجنايات، وقيم
стр. 4579
المُتلفات؛ إعمالًا للسبب، فإن ملك الولد تام، والسبب: إما إتلاف، فلمال الغير، وإما قرضٌ ونحوه، فعقد يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١).
(قال في "الموجَز": لا يملك) الولد (إحضارَه) أي: الأب في مجلس الحكم، فإن أحضَرَه فادَّعى) الولد عليه (فأقرَّ) الأب بالدَّين (أو قامت) به (بيِّنة، لم يُحبس) لما تقدم من حديث الخلال (٢).
(وإن وَجَد) الولد (عينَ ماله الذي أقرَضَه) لأبيه (أو باعَه) له (ونحوه) كعين ما غصبه منه (بعد موته، فله) أي: الولد (أخذه) أي: ما وَجَده من عين ماله (إن لم يكن انتقد ثمنه) لتعذُّر العِوض؛ قاله في "التلخيص"، ولعله مبنيٌّ على القول بأن الدَّين لا يثبت في ذِمة الأب لولده، فلما تعذَّر عليه العِوض، رجع بعين المال، والمذهب أنه يَثبت فيُطالِب بالعِوض.
(ولا يكون) ما وُجِد من عين مال الولد بعد موت أبيه (ميراثًا) لورثة الأب (بل) هو (له) أي: للولد المأخوذ منه (دون سائر الورثة) قال في "تصحيح الفروع": هذا إذا صار إلى الأب بغير تمليك، ولا عقد معاوضة، فأما إن صار إليه بنوع من ذلك، فليس له الأخذ قولًا واحدًا. والله أعلم. انتهى.
قلت: فكيف تصور المسألة حينئذٍ مع قولهم: "عين ما أقرضه أو باعه"؟! وما قَدَّمته أولى.
(ولا يسقط دَينُه الذي عليه) أي: الأب (بموته، فيؤخذ من تَرِكته) كسائر الديون.
стр. 4580
(وتسقط جنايتُه) أي: أرْشها، بموت الأب. قال في "شرح المنتهى": ولعل الفرق بينها وبين دَيْن القرض وثمن البيع ونحوهما، كون الأب أخذ عن هذا عوضًا، بخلاف أرش الجناية، وعلى هذا ينبغي أن يسقط عنه - أيضًا - دين الضمان، إذا ضمن غريم ولده.
(ولو قضى الأب الدَّيْن الذي عليه لولده في مرضه، أو وصَّى بقضائه، فمن رأس ماله) لأنه حق ثابت عليه لا تُهمة فيه، فكان من رأس المال، كالدَّيْن لأجنبي (١).
(ولولد الولد مطالبة جَدِّه بما لَه في ذِمته) من دَيْنٍ، وأرشِ جنايةٍ، وغيرهما كسائر الأقارب، إن لم يكن انتقل إليه من أبيه؛ لما تقدَّم أنه ليس لورثة الولد مطالبة أبيه بدينه (وكذا الأم) تطالب بدين ولدها.
(و لا اعتراضَ للأب على تصرُّف الولد في مال نفسه بعقود المعاوضات وغيرها) لتمام ملك الولد على ماله.
(والهدية تُذْهِبُ الحقدَ) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "تَهادوا، فإنَّ الهدايا تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ" (٢) والوَحَرَ - بفتح الحاء المهملة -: الحقد
стр. 4581
والغيظ (و) الهدية (تجلب المحبة) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "تهادَوا تحابُّوا" (١).
(ولا تُردُّ) أي: يُكره ردُّ الهدية (وإن قَلَّت، كذراع، أو كُرَاع) - بضم الكاف، وتخفيف الراء، وآخره عين مهملة -: مستدق الساق من الرِّجْل، ومن حد الرسغ في اليد، وهو من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس والبعير، ووظيف البعير: خُفُّه، وهو كالحافر للفرس؛ لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لو أُهدي إليَّ ذراعٌ أو كُراعٌ لقَبِلتُ" (٢) (خصوصًا الطِّيْب) لحديث: "ثلاثةٌ لا تُرَدُّ" (٣) فعدَّ منها الطيب، وقوله
стр. 4582
(مع انتفاء مانع القَبول) متعلق بـ "لا تُرَدُّ".
(ويُسنُّ) لمن أُهديت إليه (أن يُثيب عليها) لحديث عائشة: "كان رسول الله ﷺ يقبل الهديةَ، وَيُثيبُ عليها" أخرجه البخاري (١).
(فإن لم يستطع) أن يُثيب عليها (فَلْيَذْكُرْها، و) لْـ (ــيُثنِ على صاحبها) الذي أهداها (ويقول: جزاك الله خيرًا) لحديث جابر: "مَنْ أُعْطِيَ عطاءً، فوجد فليَجْزِه (٢) به، فإن لم يجد، فَلْيُثْنِ به، فمن أثْنَى به فقد شكره، ومن كَتَمهُ فقد كفَره" أخرجه أبو داود (٣).
стр. 4583
ولحديث أسامة بن زيد مرفوعًا: "من صُنِعَ إليه معروفٌ، فقال: جزاك الله خيرًا، فقد أبْلَغَ في الثَّناء" رواه الترمذي (١). وقال: حسن غريب (٢).
(ويُقدَّم في الهدية الجارُ القريبُ بابُه على) الجار (البعيد) بابه؛ لحديث عائشة، قالت: "قلت: يا رسول الله، إنَّ لي جارين، فإلى أيّهما أُهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا" (٣).
(ويجوز ردُّها) أي: الهدية (لأمورٍ: مثل أن يريد أخْذَها بعقد
стр. 4584
معاوضة؛ لحديث جابر في جَمَلِه) قال له النبي ﷺ : "بعْني جَمَلَكَ هذا، قال: قلت: لا، بل هو لك، قال: لا، بل بِعْنيه" رواه مسلم (١).
(أو يكون المُعطِي لا يقنع بالثواب المعتاد) لما في القَبول من المشقَّة حينئذٍ.
(أو تكون) الهدية (بعد السؤال واستشراف النفس لها) لحديث عمر: "إذا جاءك من هذا المالِ شيءٌ وأنت غير مُسْتشرفٍ ولا سَائِل فخذه، وما لا؛ فلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ" (٢). وإشراف النفس فسَّره إبراهيم الحربي (٣) بأنه: تطلُّب للشيء، وارتفاع له، وتعرُّض إليه.
(أو لقطع المِنَّة) إذا كان على الآخذ فيه مِنَّةٌ.
(وقد يجب الرَّدُّ، كهدية صيد لمُحْرِم) لأنه ﷺ رَدَّ على الصَّعْب بن جَثَّامَةَ هدية الحِمار الوَحْشي، وقال: "إنا لم نَرُدَّهُ عليك إلا أنَّا حُرُمٌ" (٤).
وكذا إن علم أنه أهدى حياءً، حَرُمَ القَبول؛ نقله في "الآداب" (٥) عن ابن الجوزي (٦)، وجزم به في "المنتهى".
стр. 4585
فصل في عطية المريض وما يلحق به (١)
(عطيةُ المريضِ في غير مرض الموت، ولو) كان المرض (مَخُوفًا) كصحيح (أو في) مرض (غير مَخُوفٍ، كرَمَد، ووجع ضِرْس، وصُداع) أي: وجع رأس (وجَرَب، وحُمَّى يسيرة ساعة، أو نحوها، والإسهال اليسير من غير دم ونحوه) بأن يكون منحرفًا (٢) لا يمكنه منعه ولا إمساكه، فإن كان كذلك فهو مَخوف ولو ساعة، لأن من لحقه ذلك أسرع في هلاكه، ذكره في "المغني" (ولو مات) المعطي (به) أي: بذلك المرض (أو صار) المرض (مَخُوفًا، ومات به كـ) ــعطيةِ (صحيح) لأنه في حكم الصحة؛ لكونه لا يخاف منه في العادة.
(و) عطيته (في مرض الموت المَخُوف، كالبِرْسام) - بكسر الموحدة -: بخار يرتقي إلى الرأس، ويؤثِّر في الدماغ، فيختل عقلُ صاحبه. وقال عياض (٣): ورم في الدماغ يتغير منه عقل الإنسان ويَهذي (ووجع القلب، و) وجع (الرِّئة) فإنها لا تكن حركتها، فلا يندمل جرحها (وذات الجَنْب) قروح بباطن الجنب (والطاعون في بدنه) قال في "شرح مسلم" (٤): الطاعون وباء معروف، وهو بَثْر وورم مؤلم جدًّا،
стр. 4586
يخرج مع لهب، ويَسْوَدُّ ما حولَه ويَخضرّ، ويحمرّ حُمرة بنفسجية، ويحصُل معه خفقان للقلب (أو وقع) الطاعون (ببلده) لأنه مخوف إذا كان به (أو هاجت به الصفراء) لأنها تورثه يبوسة (أو البلغم) لأنه يورثه شدة برودة (والقُولنج) بأن ينعقد الطعام في بعض الأمعاء، ولا ينزل عنه (والحُمَّى المطبِقة، والرُّعاف الدائم) لأنه يصفِّي الدم (والقيام المتدارك، وهو الإسهال المتواتر) الذي لا يستمسك، وكذا إسهال معه دم؛ لأنه يُضعِف) القوة (والفالِج)، استرخاء لأحد شقي البدن، لانصباب خلط بلغمي، تَفسُد منه مسالك الروح، فُلِجَ كعُنِيَ، فهو مفلوج؛ قاله في "القاموس" (١) (في) حال (ابتدائه، والسِّل) - بكسر السين المهملة -: داء معروف (في) حال (انتهائه) ويأتي مقابله.
(وما قال مُسْلِمان عدلان من أهل الطِّب، لا) ما قال (واحد، ولو لعدم) غيره (عند إشكاله) أي: المرض: (إنه مَخُوف).
قال في "الاختيارات" (٢): ليس معنى المرض المَخُوف الذي يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت، لأن أصحابنا جعلوا ضَرْبَ المَخاض من الأمراض المَخوفة، وليس الهلاك غالبًا، ولا مساويًا للسلامة، وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت، فَيُضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده، وأقرب ما يقال: ما يَكثُر حصول الموت منه.
(فعطاياه ولو) كانت (عتقًا، ووقفًا، ومُحاباة) بأن باع بدون ثمن المِثْل، أو اشترى بأكثر (كوصية، في أنَّها لا تَصِح لوارث بشيء غير
стр. 4587
الوقف) للثُّلث فأقل (ولا لأجنبي بزيادة على الثُّلث، إلا بإجازة الورثة فيهما) أي: فيما إذا كانت لوارث بشيء، وما إذا كانت لأجنبي بزيادة على الثلث؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "إنَّ الله تَصدَّق عليكم عند وفاتِكم بِثُلُثِ أموالِكم، زيادة لكم في أعمالِكم" رواه ابن ماجه (١). فمفهومه:
стр. 4588
ليس لكم أكثر من الثلث، يؤيده: ما روى عمران بن حُصين: "أنَّ رجلًا أعتق في مرضه ستة أعْبُدٍ، لم يكن له مال غيرهمْ، فاستدعاهم النبي ﷺ فجَزَّأهم ثلاثة أجزاءٍ، فأقرَعَ بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعةً" رواه مسلم (١). وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته فغيره أولى، ولأن هذه الحال الظاهر منها الموت، فكانت عطيته فيها في حق ورثته لا تتجاوز الثلث، كالوصية (إلا الكتابة) لرقيقه أو بعضه بمُحاباة.
(فلو حاباه) سيده المريض مرض الموت (فيها) أي: الكتابة (جاز، وتكون) المُحاباة حينئذٍ (من رأس المال) هذا معنى كلامه في "الإنصاف" و"التنقيح" و"المنتهى" لكن كلام "المحرر" و"الفروع" والحارثي وغيرهم، يدلُّ على أن الذي يصح عن رأس المال هو الكتابة
стр. 4589
نفسها؛ لأنها عقد معاوضة كالبيع من الغير. قال الحارثي: ثم إن وُجِدت محاباة فالمُحاباة من الثلث. وقد ناقش شارحُ "المُنتهى" صاحبَ "الإنصاف"، وعارضه بكلام "المحرر"، و"الفروع" وذكر أنه لم يقف على كلام الحارثي، وقد ذكرتُه لك، فوقع الاشتباه على صاحب "الإنصاف" و"التنقيح" وتبعه مَن تبعه، والحقُّ أحق أن يُتبع.
(وكذا لو وَصَّى بكتابةٍ بمُحاباة) فتكون المُحاباة من رأس المال، وفيه ما تقدم.
(وإطلاقها يكون بقيمته) أي: لو وصَّى السيدُ أن يُكاتَب عبده وأطلق، بأن لم يقل: على كذا، كُوتب على قيمته؛ لأنه العدل.
(وفرَّع في "المستوعب" على العتق، فقال: وينفذ العتق في مرض الموت في الحال، ويُعتبر خروجه) أي: العتيق (من الثلث بعد الموت، لا حين العتق، فلو أعتق في مرضه) المَخوف (أَمَةً تخرج من الثلث حال العتق، لم يجز أن يتزوجها) لاحتمال ألا تخرج من الثلث عند الموت، فلا تعتق كلها (إلا أن يصحَّ) المريض (من مرضه) فيصح تزوجها (١)؛ لنفوذ العتق قطعًا (وإن وهبها) أي: وهب المريض أَمَةً (حَرُم على المُتَّهَب وطؤها حتى يبرأ الواهب، أو يموت) فتبين أنها خرجت من الثلث. وذكر القاضي في "خلافه": يجوز للمُتَّهَب وطؤها. أي: قبل البرء والموت، واستبعده الشيخ تقي الدين (٢)؛ لأنه يتوقف على إجازة الورثة، فكيف يجوز قبلها؟ وقد يقال: هو في الظاهر ملكه بالقبض، وموت الواهب وانتقال الحق إلى ورثته مظنون، فلا يمنع التصرُّف؛ قاله في القاعدة
стр. 4590
الثالثة والخمسين (١).
(والاستيلاد في المرض) المَخوف (لا يُعتبر من الثُّلث، فإنه من قَبيل الاستهلاك في مهور الأنكحة، وطيبات الأطعمة، ونفائس الثياب، والتَّداوي، ودفع الحاجات، ويُقبل إقرار المريض به) أي: بالاستيلاد ونحوه؛ لتمكُّنه من إنشائه.
(ولو وهب في الصحة، وأقبض في المرض) لغير وارث (فـ) ــما وهبه يُعتبر (من الثُّلث) اعتبارًا بوقت القبض؛ لأنه وقت لزومها.
(فأما الأمراض الممتدة كالسِّل) في غير حال انتهائه (والجُذام، وحُمَّى الرِّبْع) وهي التي تأخذ يومًا وتذهب يومين، وتعود في الرابع (والفالج في دَوامه، فإن صار صاحبُها صاحبَ فراش، فهي مَخُوفة، وإلا) بأن لم يَصِر صاحبُها صاحب فراش (فعطاياه كصحيح.
والهَرِم إن صار صاحبَ فراش، فكمَخُوف) أي: كالمريض مرضًا مخوفًا.
(ومن كان بين الصَّفَّين عند التحام حَرْب هو فيه، واختلطت الطائفتان للقتال، سواء كانتا مُتفقتين في الدِّين، أو لا) لوجود خوف التلف (وكانت كل واحدة منهما) أي: عن الطائفتين (مكافئةً للأخرى، أو) كانت (إحداهما مقهورةً، وهو منها، فكمرض مَخُوف) لأن توقع التلف هنا كتوقع المريض، أو أكثر، فوجب أن يلحق به.
(فأما) مَن كان مِن (القاهرة بعد ظهورها، أو كان) من إحدى الطائفتين، و (كل من الطائفتين متميزة) عن الأخرى (لم يختلطوا) للحرب (وبينهما رمي سهام أو لا، فليس) حاله (بـ) ـــمنزلة مرض