← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

الاسم يشملهم مجازًا مع تعذُّرِ الحقيقة، فإن كان له موال ثم انقرضوا، لم يرجع من الوقف شيء لموالي عصبته؛ لأن الاسم تناول غيرهم، فلا يعود إليهم إلا بعقد جديد، ولم يوجد. قال في "الفروع": ولا شيء لموالي عصبته إلا مع عدم مواليه ابتداء. (والشاب والفَتى من البلوغ إلى الثلاثين، والكهل من حَدِّ الشاب) وهو الثلاثون (إلى الخمسين، والشيخ منها) أي: الخمسين (إلى السبعين، والهَرِم منها) أي: السبعين (إلى الموت. وأبواب البِرِّ: القُرَبُ كلُّها) لأن البِرَّ اسم جامع لأنواع الخير (وأفضلها الغزو) لما تقدم في صلاة التطوع (١) (ويُبدأ به) أي: بالغزو؛ لأنه الأفضل. (والوصية كالوقف فيـ) ــما ما ذكر في (هذا الفصل) لأن مبناها على لفظ الموصي أشبهت الوقف. قال في "الفروع": والأصح دخول وارثه في وصيته لقرابته، خلافًا لـ "المستوعب"، ومن لم يجز من الورثة، بطل في نصيبه، ولو وصَّى بعتق أمَةٍ فأُنثى، والعبد ذَكَر. ولو وصَّى بأُضحية ذكر أو أنثى، فضحوا بغيره خيرًا منه، جاز. وعلله ابن عقيل بزيادة خير في المخرج (ويأتي في باب الموصى له ذِكرُ ألفاظ لم تُذكر هنا، كلفظ الجيران، وأهل السكة، وغير ذلك، فليراجع هناك؛ لأن الوقف كالوصية) قال في "الإنصاف": لكن الوصية أعمُّ من الوقف على ما يأتي.

стр. 4517

فصل (والوقف عقدٌ لازم) قال في "التلخيص" وغيره: أخرجه مخرج الوصية أو لم يخرجه (لا يجوز فسخه بإقالة، ولا غيرها) لأنه عقد يقتضي التأبيد، فكان من شأنه ذلك. (ويلزم) الوقف (بمجرَّد المقول بدون حكم حاكم) لقوله ﷺ : "لا يُباعُ أصلُها، ولا تُوهَبُ، ولا تُورَثُ" (١). قال الترمذي (٢): العمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وإجماع الصحابة على ذلك، وكالعتق. وقوله: "بمجرد القول" جرى على الغالب، وإلا؛ فالفعل مع الدال على الوقف يلزم بمجرده أيضًا. ويحرم (ولا يصح بيعه، ولا هبته، ولا المناقلة به) أي: إبداله، ولو بخير منه (نصًّا (٣)) للحديث السابق، وقد صَنَّف الشيخ يوسف المرداوي (٤) كتابًا لطيفًا في ردِّ المناقلة بالوقف وأجاد وأفاد (إلا أن تتعطَّل

стр. 4518

منافعه) أي: الوقف (المقصودة منه، بخراب) له، أو لمحلَّته (أو غيره) مما يأتي التنبيه عليه (بحيث لا يَرُدُّ) الوقف (شيئًا) على أهله (أو يرد شيئًا لا يُعدُّ نفعًا) بالنسبة إليه (وتتعذَّر عمارته وعود نفعه) بألا يكون في الوقف ما يعمر به (ولو) كان الخارب الذي تعطَّلت منفعته، وتعذَّرت إعادته (مسجدًا، حتى بضِيقه على أهله) المصلين به (وتعذَّر توسيعه) في محله (أو) كان مسجدًا وتعذَّر الانتفاع به لـ (ــخراب محلته) أي: الناحية التي بها المسجد (أو كان موضعه) أي: المسجد (قَذِرًا؛ فيصح بيعه) ويُصرف ثمنه في مثله؛ للنَّهي عن إضاعة المال، وفي إبقائه إذًا إضاعة، فوجب الحفظ بالبيع؛ ولأن المقصود انتفاع الموقوف عليه بالثمرة لا بعين الأصل من حيث هو، ومَنْع البيع إذًا مبطل لهذا المعنى الذي اقتضاه الوقف، فيكون خلاف الأصل؛ ولأن فيما نقوله إبقاء للوقف بمعناه حين تعذَّر الإبقاء بصورته، فيكون متعينًا وعموم: "لا يُباع أصلها" مخصوص بحالة تأهّل الموقوف للانتفاع المخصوص؛ لما ذكرناه. قال ابن رجب (١): ويجوز في أظهر الروايتين عن أحمد (٢) أن يُباع ذلك المسجد، ويعمر بثمنه مسجد آخر في قرية أخرى، إذا لم يحتج إليه في القرية الأولى، والوقف على قوم بعينهم أحق بجواز نقله إلى مدينتهم من المسجد. (و) يصح (بيع شجرة) موقوقة (يبست، و) بيع (جذع) موقوف

стр. 4519

(انكسر أو بليَ، أو خيف الكسر أو الهدم) قال في "التلخيص": إذا أشرف جذع الوقف على الانكسار، أو داره على الانهدام، وعُلم أنه لو أُخِّرَ لخرج عن كونه منتفعًا به؛ فإنه يُباع رعاية للمالية، أو يُنقض تحصيلًا للمصلحة. قال الحارثي: وهو كما قال. قال: والمدارس، والرُّبُط، والخانات المسبلة، ونحوها، جائز بيعها عند خرابها على ما تقدم، وجهًا واحدًا. (و) يصح (بيع ما فضل من نجارة خشبه، ونحاتته) أي: الموقوف؛ لما تقدم. (ولو شرط) الواقف (عدمه) أي: البيع (إذًا) أي: في الحال التي قلنا يُباع فيها (فشرط فاسد) لحديث: "ما بالُ أقوامٍ يشترِطُونَ شُروطًا ليست في كتاب الله. . ." (١) إلى آخره. (و) حيث (٢) يُباع الوقف، فإنه (يُصرف ثمنه في مثله) لأن في إقامة البدل مقامه تأبيدًا له وتحقيقًا للمقصود، فتعين وجوبه (أو بعض مثله) إن لم يمكن في مثله، ويُصرف (في جهته، وهي مصرفه) لامتناع تغيير المصرف مع إمكان مراعاته. (فإن تعطَّلت) جهة الوقف التي عَيَّنها الواقف (صُرف في جهةٍ مثلِها، فإذا وقف على الغُزاة في مكان، فتعطَّل فيه الغزو، صُرِف) البدل (إلى غيرهم من الغُزاة في مكان آخر، كما سيأتي قريبًا) تحصيلًا لغرض الواقف في الجملة حسب الإمكان. (ويجوز نقل آلة المسجد الذي يجوز بيعه) لخرابه، أو خراب

стр. 4520

مَحلته، أو قذر محله (و) نقل (أنقاضه إلى مثله، إن احتاجها) مثله. واحتج الإمام بأن ابن مسعود ﵁ "قد حَوَّلَ مسجد الجامع من التَّمَّارين أي بالكوفَة" (١). (وهو) أي: نقل آلاته وأنقاضه إلى مثله (أولى من بيعه) لبقاء الانتفاع من غير خلل فيه، وعُلم من قوله: "إلى مثله" أنه لا يعمر بآلات المسجد مدرسة ولا رباط، ولا بئر، ولا حوض، ولا قنطرة، وكذا آلات كل واحد من هذه الأمكنة لا يُعمر بها ما عداه؛ لأن جعلها في مثل العين ممكن فتعيَّن؛ لما تقدم؛ قاله الحارثي. (ويصير حكم المسجد) بعد بيعه (للثاني) الذي اشتُري بدله، وأما إذا نُقلت آلته من غير بيع، فالبقعة باقية على أنها مسجد. قال حرب (٢): قلت لأحمد: رجل بنى مسجدًا، فأذن فيه، ثم قلعوا هذا المسجد، وبنوا مسجدًا آخر في مكان آخر، ونقلوا خشب هذا المسجد العتيق إلى ذلك المسجد؟ قال: يَرِمُّوا هذا المسجد الآخر العتيق ولا يُعطِّلوه. قال الحارثي: فلم يمنع النقل منع البيع، وإخراج البقعة عن كونها مسجدًا. (ويصح بيع بعضه) أي: الوقف (لإصلاح ما بقي) منه، لأنه إذا جاز بيع الكُلِّ عند الحاجة، فبيع البعض مع بقاء البعض أولى (إن اتَّحد الواقف، كالجهة) الموقوف عليها (إن كان) الموقوف (عينين) على جهة واحدة من واقف واحد، فتُباع إحداهما لإصلاح الأخرى؛ لما تقدَّم (أو) كان الموقوف (عينًا) فيجوز بيع بعضها لإصلاح باقيها؛ لما تقدَّم

стр. 4521

(و) محل ذلك إن (لم تنقص القيمة) أي: قيمة العين المبيع بعضها (بتشقيص) أي: ببيع بعضها (وإلا) بأن نقصت بذلك (بيع الكل) كبيع وصي لدَيْن أو حاجة، بل هذا أسهل لجواز تغيير صفاته لمصلحة وبيعه على قول قاله في "الفروع". وإن توقَّفت عمارة المسجد على بيع بعض آلاته؛ جاز، لأنه الممكن من المحافظة على الصورة مع بقاء الانتفاع. ولا يُعمر وقف من آخر ولو على جهته (وأفتى عُبادَة (١)) من أئمة أصحابنا (بجواز عمارة وقف من آخر - أي من ريعه - على جهته) ذكره ابن رجب في "طبقاته" (٢). قال في "الإنصاف": وهو قوي، بل عَمَلُ الناس عليه. لكن قال شيخنا - يعني ابن قُنْدس - في "حواشي الفروع": إن كلامه في "الفروع" أظهر، أي: لا يعمر وقفًا من ريعِ آخر، وإن اتَّحدت الجهة. (ويجوز اختصار آنية) موقوفة متعطلة (إلى أصغر منها، وإنفاق الفضل على الإصلاح) محافظة على بقاء عين الوقف، فإن تعذَّر اختصارها؛ بيعت، وصُرف ثمنها في آنية مثلها؛ رعاية للنفع الذي لأجله وُقِفت. (و يجوز تجديد بناء المسجد لمصلحة) لحديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "لولا أنَّ قومكِ حديثُ عهدٍ بجاهليَّةٍ، لأمَرْتُ بالبيتِ فهدِمَ،

стр. 4522

فأدْخَلْتُ فيه ما أُخْرِجَ منه، وألزَقْتُهُ بالأرض، وجعلتُ له بابَيْنِ بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، فبَلَغْتُ به أساسَ إبراهيمَ" رواه البخاري (١). و (لا) يجوز (قسمه) أي: المسجد (مسجدين ببابين، إلى دربين مختلفين) لأنه تغيير لغير مصلحة له. قال في "الاختيارات" (٢): وجوَّز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف للمصلحة، كجعل الدور حوانيت، والحكورة المشهورة (٣). (ويجوز نقض منارته) أي: المسجد (وجعلها في حائطه لتحصينه) من نحو كلاب؛ نص عليه في رواية محمد بن الحكم (٤). (وحكم فرس حبيس) أي: موقوف على الغزو (إذا لم يصلح) الفرس (لغزو، كوقف، فَيُباع ويُشترى بثمنه ما) أي: فرسًا (يصلح للغزو) قال في رواية أبي داود (٥): الذي يَعْجَفُ - يعني من الدواب التي تُحبس، فلا ينتفع به في بلاد الروم، لا ينفع إلا للطحن أو نحوه - يُباع، ثم يجعل ثمنه في حبيس.

стр. 4523

"تنبيه": عبارة المصنف وغيره: يُباع، أو: بيع، ونحوه فيما تقدم. قال الحارثي: وما في عبارة أحمد من ذلك كله يقتضي وجوب البيع حال التعطل. وبه صَرَّح في "المغني" و"التلخيص". (وبمجرَّد شراء البدل) أي: بدل ما بيع من الوقف أو أتلف، ونحوه (يصير) البدل (وقفًا، كبدل أضحية، و) بدل (رهن أتلف). قال ابن قُنْدس في "حواشي المحرَّر": الذي يظهر أنه متى وقع الشراء لجهة الوقف على الوجه الشرعي، ولزم العقد، أنه يصير وقفًا؛ لأنه كالوكيل في الشراء، والوكيل يقع شراؤه للموكل، فكذا هنا يقع شراؤه للجهة المشترى لها، ولا يكون ذلك إلا وقفًا. انتهى. فيؤخذ منه أنه لو قصد الشراء لنفسه بمال الوقف، لم يكن ما اشتراه وقفًا، ويطالب بالثمن ليشترى به ما يكون وقفًا، وأنه لا يصير وقفًا إذا اشتراه للوقف إلا بعد لزوم البيع، بأن ينقضي الخيار (والاحتياط وقفه) لئلا ينقضه بعد ذلك من لا يرى وقفيته بمجرَّد الشراء. (ويبيعه) أي: الوقف (حاكم) بلده (إن كان) الوقف (على سُبُل الخيرات) لأنه فسخ لعقد لازم مختَلف فيه اختلافًا قويًّا، فتوقف على الحاكم، كما قيل في الفسوخ المختَلف فيها. (وإلا) يكن على سُبُل الخيرات، بأن كان على شخص معيَّن، أو جماعة معينين، أو من يؤم، أو يؤذن في هذا المسجد ونحوه؛ قاله في "شرح المنتهى" (فـ) ــيبيعه (ناظِرُه الخاصُّ) أن كان (والأحوط إذْنُ حاكمٍ له) أي: للناظر الخاص في بيعه؛ لأنه يتضمن البيع على من سينتقل إليهم بعد الموجودين الآن، أشبه البيع على الغائب. (فإن عُدمِ) الناظر الخاص (فـ) ــيبيعه (حاكم) لعموم ولايته.

стр. 4524

(ويجوز بيع آلته) أي: الوقف (وصَرْفها في عمارته) إن احتاج إلى ذلك؛ لما تقدم (١). (وما فضل عن حاجة المسجد من حُصُرِه، وزيته، ومغلِّه، وأنقاضه، وآلته، وثمنها) إذا بيعت (جاز صرفه إلى مسجد آخر محتاج) إليه؛ لأنه صرف في نوع المعين (و) جازت (الصدقة بها) أي: بالمذكورات (على فقراء المسلمين) لأنه في معنى المنقطع، قال الحارثي: وإنما لم يرصد، لما فيه منع التعطيل، فيخالف المقصود، ولو تُوقِّعت الحاجة في زمن آخر، ولا ريع يسد مسدَّها، لم يُصرف في غيرها؛ لأن الأصل الصَّرْف في الجهة المعيَّنة، وإنما سومح بغيرها حيث لا حاجة؛ حذرًا من التعطيل، وخصَّ أبو الخطَّاب والمجد الفقراءَ بفقراء جيرانه؛ لاختصاصهم بمزيد ملازمته والعناية بمصلحته. قال الحارثي: والأول أشبه. (قال الشيخ (٢)): يجوز صرف الفاضل في مثله (وفي سائر المصالح، و) في (بناء مساكن لمستحق ريعه القائم بمصلحته. وفضل غلةِ موقوفٍ على معيَّنٍ استحقاقُه مقدَّرٌ) من الوقف (٣) (يتعينُ إرصاده؛ ذكره) القاضي محمد (٤) (أبو الحسين، واقتصر عليه الحارثي).

стр. 4525

قال: وأما فضل غَلَّة الموقوف على معين، أو معينيْن أو طائفة معينة، فيتعين إرصاده؛ ذكره القاضي أبو الحسين في فضل غَلَّة الموقوف على نفقة إنسان، وإنما يتأتى إذا كان الصَّرْف مقدَّرًا، أما عند عدم التقدير فلا فضل، إذ الغلة مستغْرَقَة. قال في "الإنصاف": وهو واضح. وقَطَع به في "المُنتهى". (وقال الشيخ (١): إن عَلِم أن رَيعه يَفْضُل دائمًا وجب صرفه؛ لأن بقاءه فساد) له (وإعطاؤه) أي: المستحق (فوق ما قدَّره (٢) الواقف جائز) لأن تقديره لا يمنع استحقاقه. (قال: ولا يجوز لغير الناظر صَرْف الفاضل) لأنه افتيات على مَن له ولايته. قلت: والظاهر لا ضمان، كتفرقة هدي وأضحية. (ومن وقف على ثَغْرٍ، فاختلَّ) الثغر (صُرف) الموقوف (في ثَغْرٍ مثله) أخذًا من مسألة بيع الوقف إذا خرب؛ إذ المقصود الأصلي هنا الصرف إلى المرابط، فإعمال شرط الثغر المعيَّن معطِّل له، فوجب الصرف إلى ثغر آخر. قال في "التنقيح": (وعلى قياسه مسجد ورباط ونحوهما) وهو ما صَرَّح به الحارثي. قال: والشرط قد يخالَف للحاجة، كالوقف من المتفقِّهة على مذهب معين، فإن الصرف يتعين عند عدم المتفقهة على ذلك المذهب إلى المتفقهة على مذهب آخر، أخذًا من مسألة بيع الوقف إذا خرب.

стр. 4526

قال: ولو وقف على مسجد أو حوض، وتعطَّل الانتفاع بهما، صُرف إلى مثلهما، ولو نذر التصدق بمال في يوم مخصوص من السنة، وتعذَّر فيه، وجب متى أمكن. (ونصَّ) أحمد (١) (في من وقف على قنطرة، فانحرف الماء، أو انقطع، يُرْصَد، لعله) أي: الماء (يرجع) فيحتاجون إلى القنطرة. وقدَّم الحارثي: يُصرف إلى قنطرة أخرى؛ لما تقدَّم. (ويَحرمُ حَفْر بئرٍ) في مسجد؛ لأن منفعته مستحقة للصلاة، فتعطيلها عدوان. ونصَّ على المنع في رواية المرُّوذي (٢). (و) يحرم (غرس شجرة في مسجد) لما تقدَّم (فإن فعل) بأن حفر، أو غرس (قُلِعت) الشجرة (وطُمَّت) البئر؛ لما تقدم (فإن لم تُقلع) الشجرة (فثمرها لمساكين المسجد) وقال الحارثي: التقييد بأهل المسجد فيه بحث، والأقرب حِلُّه لغيرهم من المساكين أيضًا. (ويتوجه جواز حَفْرِ بئر) في المسجد (إن كان فيه مصلحة، ولم يحصُل به ضيق. قال في "الرعاية": لم يكره أحمد (٣) حَفْرها فيه) أي: المسجد، لكن يردُّه ما تقدم من رواية المرُّوذي. (وإن كانت الشجرة مغروسة قبل بنائِه) أي: المسجد (ووقفها معه، فإن عيَّن) الواقف (مصرفَها؛ عُمِل به) كسائر الشروط، (وإلا) يعيّن مصرفها (فكوقف منقطع) تُصرف ثمرتها لورثة الواقف نسبًا، وقفًا، فإن انقرضوا فللمساكين.

стр. 4527

(ولا يجوز نقل المسجد) ولا بيعه (مع إمكان عمارته بدون العمارة الأولى) لأن الأصل المنع، فجوِّز (١) للحاجة وهي منتفية هنا. (ويجوز رَفْعُه) أي: المسجد (إذا أراد أكثرُ أهله ذلك) أي: رفعه (وجَعْل تحت سُفْله سِقايةً وحوانيت) نص عليه في رواية أبي داود (٢). ومنع منه الموفَّق وابن حامد، وتأولا نصَّ الرفع لأجل السِّقاية على حالة إنشاء المسجد، وسموه مسجدًا بما يؤول إليه، وصححه في "الشرح" وردَّه الحارثيُّ من وجوهٍ كثيرة. (قال) ابن عقيل (في "الفنون": لا بأس بتغيير حجارة الكعبة إن عرض لها مَرَمَّة؛ لأن كلَّ عصرٍ احتاجت) الكعبة (فيه إليه) أي: إلى تغيير الحجارة (فد فُعل، ولم يظهر نكيرٌ، ولو تعيَّنت الآلة لم يجز) التغيير (كالحجر الأسود) فلا يجوز تغييره (ولا يجوز نقله) من موضعه إلى موضع آخر (ولا يقوم غيره مقامه) مع وجوده (ولا ينتقل النُّسُكُ معه) إذا نُقل من موضعه إلى آخر (ويُكره نقل حجارتها عند عمارتها إلى غيرها) أي: الكعبة، ولعل المراد "يحرم" لقوله: (كما لا يجوز ضَرْب تراب المساجد لبنًا (٣) في غيرها) أي: المساجد (بطريق الأولى) لما تقدم من أنه يتعين صَرْف الوقف للجهة المعينة. (قال) في "الفنون": (ولا يجوز أن تُعلَّى أبنيتُها زيادةً على ما وُجِد من علوها) وأنه يُكره الصك فيها وفي أبنيتها إلا بقدر الحاجة. (قال في "الفروع": ويتوجَّه جواز البناء على قواعدِ إبراهيم - عليه

стр. 4528

الصلاة والسلام -، يعني إدخال الحِجْر في البيت) وجعل بابين له (لأن النبي ﷺ لولا المعارض في زمنه) وهو أنَّ قومه حديثٌ عهدُهم بجاهلية (لَفَعَلَه، كما في حديث عائشة) السابق (١) (قال ابن هُبيرة فيه) أي: حديث عائشة: (يدلُّ على جواز تأخير الصواب لأجل قالة الناس، ورأى مالك (٢) والشافعي (٣) تركَه) أي: ترك البناء على قواعد إبراهيم ﵊ (لئلا يصير البيتُ ملعبةً للملوك) وهو ظاهر. "خاتمة": قال الشيخ تقي الدين (٤): والأرزاق التي يقدِّرها الواقفون ثم يتغير النقد فيما بعد، نحو أن يشرط مائة درهم ناصرية، ثم يحرم التعامل بها وتصير الدراهم ظاهرية، فإنه يعطى المستحق من نَقْدِ البلد ما قيمتُه قيمة المشروط. وقد أوسعنا العبارة في ذلك في "الحاشية".

стр. 4529

باب الهبة والعطية الهبة: مصدر وهب الشيء يَهَبه هِبَة ووَهْبًا، ووَهَبًا - بإسكان الهاء وفتحها - ومَوْهبًا، والاسم المَوهِبَة - وعن بعضهم: والمَوْهِب - بكسر الهاء فيهما (١) وقد تُطلق الهِبة على الموهوب، كما في الخبر "لا يَحِلُّ لرجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيَّةً، أو يَهب هبةً، ثُمَّ يَرجِعُ فيها إلا الوالِد" (٢) وفي

стр. 4530

"المحكم" (١): لا يقال: وهبكه. وعن السيرافي: أن بعض الأعراب قال: انطلق معي أهَبْك نَبْلًا. وأصلها عن هبوب الريح أي: مروره، والاتهاب: قَبول الهبة، والاستيهاب: سؤالها، وأوهبه له: أعدَّه له. و (الهبة: تمليك جائزِ التصرفِ) وهو الحر المكلَّف الرشيد (مالًا معلومًا) منقولًا، أو عقارًا (أو مجهولًا تعذَّر علمه) بأن اختلط مال اثنين على وجه لا يتميز، فوهب أحدهما الآخر ماله (موجودًا مقدورًا على تسليمه، غيرَ واجب في الحياة) متعلق بـ "تمليك"، (بلا عوض) متعلق - أيضًا - به. فخرج بالمال: الاختصاصات، وتأتي. وبالمعلوم: المجهول الذي لا يتعذَّر عِلمه، فلا تصح هبته كبيعه. وبالموجود: المعدوم، كعبد في ذمته. وبالمقدور على تسليمه: الحمل. وبغير الواجب: الديون والنفقات ونحوها. وبـ "في الحياة": الوصية. وبلا عوض: عقود المعاوضات. وقوله: (بما يُعدُّ هِبة، عُرفًا) متعلِّق بـ "تمليك"، والباء للسببية (من لفظ هبة وتمليك ونحوهما) من كل قول وفعل دل عليها كما يأتي، وهو بيان لما يُعدُّ هبة. (وتنعقد) الهبة (بإيجاب وقَبول) بأيِّ لفظ دَلَّ عليهما (وبمعاطاة بفعل يقترن بما يدلُّ عليها) أي: الهبة (فتجهيز ابنته) أو أخته ونحوها

стр. 4531

(بجَهاز إلى) بيت (زوجها (١) تمليك (٢)) لها (وتقدم) ذلك (أول البيع (٣). والعطية: تمليكُ عينٍ) مالية موجودة، مقدورٍ على تسليمها، معلومةٍ، أو مجهولةٍ تعذَّر عِلمها (في الحياة بلا عِوض) ومحترز هذه القيود معلومٌ مما سبق. فالعَطِية على هذا مصدر، وليس عند أهل اللُّغة كذلك فيما علمت؛ قاله الحارثي، قال: بل نفسُ الشيء المُعطى، والجمع عطايا وأعطِية، وجمعوا أعطية على أعطِيَات. وأما المصدر فالإعطاء، والاسم العطاء، ويُقال - أيضًا - على الشيء المُعطى. (وهبة التلجِئَة باطلة، بحيث توهب في الظاهر، وتُقبض مع اتِّفاق الواهِبِ والموهوب له على أنه ينزِعُه منه إذا شاءَ، ونحو ذلك من الحِيل التي تُجعل طَريقًا إلى مَنْع الوارث أو الغريم حقوقَهم) لأن الوسائل لها حكم المقاصد. (وأنواع الهِبة: صَدَقةٌ، وهديَّة، ونِحْلة - وهي العطية - ومعانيها متقاربة) وكلها تمليك في الحياة بلا عوض؛ قاله في "المغني" (تجري فيها أحكامُها) أي: أحكام كل واحدة من هذه المذكورات تجري في البقية. (فإن قصد بإعطائه ثوابَ الآخرة فقط، فَصَدَقة، وإن قصد) بإعطائه (إكرامًا وتودُّدًا ومكافأة) والواو بمعنى "أو"، كما في "المنتهى" (فهدية،

стр. 4532

وإلا) بأن لم يقصد بإعطائه شيئًا مما ذكر (فهِبة وعطية ونِحْلة. وهي) أي: المذكورات من صَدَقة وهدية وعطية (مستحبَّة، إذا قُصد بها وَجْهُ الله تعالى، كالهِبة للعلماء والفقراء والصالحين، وما قُصِد به صِلَة الرَّحِم) قال الحارثي: وجنس الهبة مندوب إليه؛ لشموله معنى التوسعة على الغير ونفي الشُّح قال: والفضل فيها يثبت بإزاء ما قُصد به وجهُ الله تعالى، كالهبة للصلحاء والعلماء ونحو ذلك، ولا خير فيما قُصد به رياء أو سُمْعة. و (لا) تُستحب إن قُصد بها (مباهاة ورياء وسُمْعة) الواو بمعنى "أو" (فتُكره) لقوله ﷺ : "مَن يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ الله به، ومن يُراءِ يُراءِ الله به" متفق عليه (١). وتقدم (٢) أن الصدقة على قريب (٣) أفضل من عتق؛ لما في "الصحيحين" عن ميمونة "أنها أعتَقت وليدَةً في زمانِ رسول الله ﷺ فذَكرتْ ذلك لرسولِ الله ﷺ فقال: لو أعْطَيْتِها لأخوالِك كان أعظمَ لأجْرِكِ" (٤).

стр. 4533

(قال الشيخ (١): والصدقةُ أفضل من الهِبة) لما وَرَدَ فيها مما لا يحصر (إلا أن يكون في الهِبة معنىً تكون) الهِبة (به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله ﷺ محبَّة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، أو) الإهداء لـ (ــأخ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة) أي: على غيره (انتهى. ووعاء هدية كهي) في أنها لا ترد (مع عُرف، كقَوْصَرَّةِ (٢) التمر) فتتبعه اعتبارًا بالعرف. (ومن أهدَى) شيئًا (ليُهْدَى له أكثر) منه (فلا بأس (٣)) به (لغير النبي ﷺ ) فكان ممنوعًا منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٤) أي: لا تُعطِ شيئًا لتأخذ أكثر منه. قال ابن عباس وغيره: هو خاصٌّ بالنبي ﷺ (٥)؛ لأنه مأمور بأشرف الأخلاق وأجلها.

стр. 4534

(ويُعتبر) في الهبة (أن تكون من جائز التصرف) فلا تصح من صغير، ولا سفيه، ولا عبد ونحوهم، كسائر التبرعات. (وهي كبيع في تراخي قَبول) عن إيجاب، فتصح ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعها، فإن تفرَّقا قبل القَبول، أو تشاغلا بما يقطعها، بطل. (و) هي كبيع - أيضًا - في (تقدُّمه) أي: تقدم القَبول على الإيجاب، فتصح في الحال التي يصح فيها البيع، وتبطل فيما يبطل فيه. (و) هي كبيع - أيضًا - في (غيرهما) كانعقادها بكل لفظ أدَّى معناها، وبالمعاطاة كما تقدم (١). (ولا تقتضي) الهبة (عوضًا، ولو مع عُرف، كأن يعطيه) أي: يعطي الأدنى أعلى منه (ليعاوضه، أو يقضي له حاجة) ولم يصرح له بذلك؛ لأن مدلول اللفظ انتفاء العوض، والقرينةُ لا تساويه، فلا يصح إعمالها، ولهذا لم نُلحِقه بالشرط. (وإن شرط) الواهب (فيها) أي: الهبة (عوضًا معلومًا، صارت) الهبة (بيعًا، فيثبت فيها خيار) مجلس ونحوه (و) يثبت فيها (شُفعة) إن كان الموهوب شقصًا مشفوعًا (ونحوهما) كالرد بالعيب، واللزوم قبل التقابض، وضمان الدَّرَك، ووجوب التساوي مع التقابض قبل التفرُّق في الربوي المتحد؛ لأنه تمليك بعوض معلوم، أشبه ما لو قال: بعتُك، أو ملَّكتك هذا بهذا. (وإن شَرَط) في الهبة (ثوابًا مجهولًا، لم تصح الهِبة) لأنه عوض

стр. 4535

مجهول في معاوضة، فلم تصح كالبيع (وحكمها) أي: الهبة بثواب مجهول (حكم البيع الفاسد) فيضمنها الموهوب له - إن قبضها وتلفت - بمِثلها إن كانت مِثْلية، وقيمتها إن كانت متقوَّمة (ويردّها الموهوب له) إن بقيت (بزيادتها المتصلة والمنفصلة) لأنها نماء ملك الواهب. (وإن اختلفا في شرطِ عِوضٍ) بأن قال الواهب: شَرَطنا العوض، وأنكره موهوب له (فقول مُنكِرٍ) بيمينه؛ لأن الأصل عدمه، وبرئت ذمته. (وإن قال) قابض: (وهبتني ما بيدي) و (قال) مُقبِضٌ: (بل بِعتُكَه، ولا بينة) لواحد منهما (حلف كلُّ) واحد (منهما على ما أنكر، ولا يصح) أي: لا يثبت (البيع ولا الهِبة) لأن الأصل عدمهما. "تتمة": قال في "المُنتهى": وتصح وتُملك بعقد، فيصح تصرّف قبل قبض. انتهى. وهو الذي قدَّمه في "الإنصاف"، وقال المجد في "شرح الهداية": إن الملك في الموهوب لا يثبت بدون القبض، وكذا صرَّح ابن عقيل بأن القبض رُكنٌ من أركان الهبة كالإيجاب في غيرها. وكلام الخرقي يدلُّ عليه أيضًا، وعن ابن حامد وجه: أن الملك في الهبة يقع مراعىً، فإن وجد القبض تبيَّنَّا أنه كان للموهوب بقَبوله، وإلا؛ فهو للواهب. قلت: وهو وجهٌ حسن. (ويصح أن يهب شيئًا) من دار، أو عبد ونحوهما (ويَستثني نفعه مدة معلومة) كالبيع والعتق. (و) يصح (أن يهب أَمَةً، ويَستثني ما في بطنها) كالعتق. (وتلزم) الهبة (بقبضها بإذن واهب). و (لا) تلزم (قبلَهما) أي: قبل القبض بإذن الواهب (ولو) كانت الهبة (في غير مكيل ونحوه) لما روى مالك عن عائشة "أنَّ أبا بكر نَحَلها

стр. 4536

جُذَاذَ (١) عشرينَ وَسْقًا من ماله بالعاليةِ، فلمَّا مرضَ، قال: يا بُنَيَّةُ؛ كنتُ نَحلْتُكِ جذاذ (١) عشرينَ وَسْقًا، ولو كنتِ جَذَذْتِيهِ، أو قَبَضْتِيهِ كان لكِ، فإنَّما هو اليوم مالُ وارثٍ فاقَتَسِمُوهُ على كتابِ الله تعالى" (٢) وروى ابن عيينة عن عمر (٣) نحوه. وروي أيضًا نحوُه عن عثمان، وابن عمر، وابن عباس (٤)، ولم يُعرف لهم مخالف من الصحابة. واختار ابن عقيل

стр. 4537

وغيره: تلزم في المتميز غير المكيل ونحوه بمجرد العقد (إلا ما كان في يد متَّهَب، كوديعة وعاريَّة وغصبٍ، ونحوه) كشركة (فيلزم) عقد الهبة فيه (بـ) ــمجرد (عقد، ولا يحتاج إلى) مضي (مدة يتأتى قبضه فيها، ولا إلى إذن) واهب (في القبض) لأن قبضه مستدام، فأغنى عن الابتداء، كما لو باعه سلعة بيده. (ولا يصح قبض) الهبة (إلا بإذن واهب) لأنه قبضٌ غيرُ مستحَقٍّ عليه، فلم يصح إلا بإذنه، كأصل العقد وكالرهن. (والإذن لا يتوقف على اللفظ، بل المناولةُ) إذْنٌ (والتخلية إذن) لدلالة الحال، وكذا الأمر بأكل الطعام الموهوب. (ولواهب) أَذِن لمُتَّهب في قبض هبة (الرجوعُ في إذنٍ) قبل القبض؛ لبقاء الملك، وليس الرجوع عنه رجوعًا في الهِبة؛ لأن إبطال الإذن إعدامٌ له، وعدمه لا يوجب رجوعًا؛ قاله الحارثي. (و) لواهب - أيضًا - الرجوع في (هبة، قبل قبضٍ) لأن عقد الهبة لم يتمَّ، فلا يدخل تحت المنع، قال الحارثي: وعتق الموهوب، وبيعه، وهبته قبل القبض رجوع؛ لحصول المنافاة (مع الكراهة) خروجًا من خلاف من قال: إن الهبة تلزم بالعقد. (ويبطل إذن الواهب) في القبض (بموت أحدهما) أي: الواهب أو الموهوب له؛ لأن إذنه فيه وكالة وهي تبطل بذلك. (ويقبِض لطفل) وهبه وليه هبة (أبوه فقط من نفسه، فيقول: وهبت ولدي كذا، وقبضته له) فإن لم يقل: وقبضته له، لم يكفِ على ظاهر رواية حرب (١)؛ لتغاير القَبْضين، فلا بُدَّ من تمييز؛ لأن اليد التي لجهة

стр. 4538

المتَّهَب هنا هي نفس يد الواهب، فلا يؤمن أن يدعيه في ثاني الحال، أو يدعيه الورثة تركة، فيذهب على الطفل (ولا يحتاج) أب وهب طفله (إلى قَبول) للاستغناء عنه بقرائن الأحوال. (ولا يصحُّ قبض طفل) أي: غير بالغ (ولو) كان غير البالغ (مميزًا، ولا قبض مجنون لأنفسهما، ولا قَبولهما) الهبة؛ لانتفاء أهلية التصرُّف (بل) يقبل ويقبض لهما (وليهما) لأنه المتصرّف عليهما، فالأب (الأمين) أي: العدل، ولو ظاهرًا (يقوم مقامهما) في ذلك (ثم) عند عدمه (١) (وصيٌّ، ثم حاكمٌ أمينٌ كذلك، أو من يقيمونه مقامهم، وعند عدمهم) أي: الأولياء (يقبض له من يليه، من أمٍّ وقريب وغيرهما؛ نصًّا (٢)) قال ابن الحكم: سئل أحمد (٣): يعطى من الزكاة الصبي؟ قال: نعم، يعطي أباه، أو من يقوم بشأنه. وروى المرُّوذي - أيضًا - نحوه (٤). قال الحارثي: وهو الصحيح؛ لأنه جلب منفعة ومحل حاجة (وتقدم آخر باب ذِكْر أهل الزكاة (٥). لكن يصح منهما) أي: الصغير والمجنون (قبض المأكول الذي يُدفع مثله للصغير) لحديث أبي هريرة: "كان النَّاسُ إذا رأوا أولَ الثمار

стр. 4539

جاءوا بهِ إلى رسول الله ﷺ ، فإذا أخذه، قال: اللهمَّ بارك لنا في ثمرنا، ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان" أخرجه مسلم (١). (وإن كان الواهب لهما) أي: للصغير والمجنون (أحد الثلاثة غير الأب) بأن كان الواهب الوصيَّ، أو الحاكم (لم يتولَّ طرفي العقد) كالبيع (ووكَّل من يقبل) بخلاف الأب؛ لأن له أن يتولَّى طرفي البيع (ويقبض هو) أي: الولي. قال في "المغني": والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء؛ لأنه عقد جاز صدوره منه وعن وكيله، فجاز له تولِّي طرفيه كالأب، وفارق البيع؛ فإنه عقد معاوضة ومرابحة، فتحصُل التُّهمة في العقد لنفسه، والهِبة محض مصلحة لا تُهمة فيها، فجاز له تولِّي طرفيها كالأب. قال الحارثي: وبه أقول. انتهى. والسفيه فيما تقدم كالصغير. (وإن كان الأب غير مأمون) قَبِلَ الحكم الهبة للصغير ونحوه (أو) كان الأب (مجنونًا) قَبِلَ الحاكم الهبة لولده (أو) كان الأب قد مات، و (لا وصي له، قَبِلَ له الحاكم) لأنه وليه إذًا. (ولو اتَّخذ الأب دعوةَ خِتان، وحُملت هدايا إلى داره، فهي له) لأنه الظاهر (إلا أن يوجد ما يقتضي الاختصاص بالمختون فيكون له، وهذا كثياب الصبيان ونحوها مما يختص بهم، وكذا لو وُجِد ما يقتضي اخصاصَ الأُم) بشيء (فيكون لها، مثل كون المُهْدِي من أقاربها أو معارفها) حُمِلَ على العُرف. (وخادم الفقراء الذي يطوف لهم في الأسواق، ما حصل له لا يختصُّ به) لأنه في العُرف إنما يُدفع إليه للشركة فيه، وهو إما كوكيلهم،

стр. 4540

أو وكيل الدافعين، فينتفي الاختصاص. (وما يُدفع من صدقة إلى شيخ زاوية، أو) شيخ (رِباط، الظاهرُ أنه لا يختصُّ به) لأنه في العادة لا يُدفع إليه اختصاصًا به، فهو كوكيل الفقراء، أو الدافعين، كما تقدم (وله التفضيل في القَسْم بحسب الحاجة) لأن الصدقة يُراد بها سَدّ الخَلّة، مع أنه لم يصدر إليه ما يقتضي التسوية، والظاهر تفويض الأمر إليه في ذلك. (وإن كان الشيء يسيرًا لم تجرِ العادة بتفريقه، اختصَّ هو به) لأن الإعطاء صدر إليه، ولا قرينة تصرف (١) عنه (ذكره الحارثي. والهبة من الصبي لغيره باطلة) لأنه محجور عليه (ولو أذن فيها الولي) لم تصح؛ لأنه تبرعٌ. (وكذا السفيهُ) لا تصح هبته، ولو أذن فيها وليُّه. (وتجوز) الهبة (من العبد بإذن سيده) لأن الحَجْر عليه لحقِّ سيده، فإذا أذنه انفك، بخلاف الصغير ونحوه. (وله) أي: العبد (أن يَقبل الهِبة، والهدية بغير إذنه) أي: سيده؛ لأنه تحصيل منفعة كالاحتشاش والاصطياد، وتكون لسيده إلا المُكاتَب. (وإن مات واهب قبل إقباض ورجوع) لم تبطل الهبة؛ لأنه عقد مآله إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت، كالبيع في مدة الخيار، و (قام وارثه (٢) مقامه في إذن) في قبض (و) في (رجوع) في الهبة. (وتبطل) الهبة (بموت متَّهَبٍ قبل القبض) لقيام قبضه مقام القَبول، أشبه ما لو مات من أوجب البيع ونحوه قبل القَبول. قال الحارثي: وهو

стр. 4541

مشكل، وقدَّم أنه كموت الواهب. (ولو وهب) إنسان (لغائبٍ (١) هبة، وأنفذها) الواهب (مع رسول الموهوب له أو) مع (وكيله، ثم مات الواهب، أو) مات (الموهوب له، قبل وصولها) إليه (لزم حكمها، وكانت للموهوب له؛ لأن قبضهما) أي: قبض رسوله ووكيله (كقبضه) فيكون الموت بعد لزومها بالقبض، فلا يؤثر. (وإن أنفذها الواهب مع رسول نفسه، ثم مات) الواهب (قبل وصولها إلى الموهوب له، أو مات الموهوب له، بطلت) الهبة (وكانت للواهب أو ورثته؛ لعدم القبض) لحديث أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: "لمَّا تزوَّج رسولُ الله ﷺ أُمَّ سلمةَ، قال لها: إنِّي قد أهديتُ إلى النَّجاشي حُلَّةً، وأواقيَ مِسْكٍ، ولا أرى النَّجَاشِي إلا قد ماتَ، ولا أرى هديَّتي إلا مردُودةً عليَّ، فإنْ رُدَّتْ فهو لك، قالت: فكان كما قال رسولُ الله ﷺ ورُدَّتْ عليهِ هديَّتُهُ، فأعْطى كل امرأةٍ من نِسائه أُوقِيَّةً من مِسْكٍ، وأعطى أُمَّ سلمة بقيَّةَ المِسْكِ والحُلَّة" رواه أحمد (٢).

стр. 4542

وبطلان الهبة إذا مات الواهب بعد بعث رسوله بالهدية؛ لعدم القَبول كما يأتي، بخلاف ما تقدم. (وليس للرسول حملها) أي: الهبة (بعد موت الواهب إلى الموهوب له إلا أن يأذن) له (الوارث) لأن الحق صار إليه. (وكذا حكم هدية) وصدقة؛ لأنهما نوعان من الهبة. (وإن مات المُتَّهَب، أو الواهب قَبْل القَبول، أو ما يقوم مقامه، بطل العقد) لأنه لم يتم، وكذا لو جُنَّ، أو أُغمي عليه، كما يأتي في النكاح. "تتمة": إذا تفاسخا عقد الهبة، صح، ولا يفتقر إلى قبض الموهوب له، وتكون العين أمانة في يد المُتَّهَب؛ قاله في "الاختيارات" (١). فصل (وإن أبرأ غريم غريمَه من دَينه) صح (أو وهبه له) صح (أو أحلَّه منه) صح (أو أسقطه عنه) صح (أو تركه) له صحّ (أو ملَّكه له) صح (أو تصدَّق به عليه) صح (أو عفا عنه، صح، وبرِئت ذِمتُه) وكذا لو قال: أعطيتكه، ونحوه، ويكون ذلك إبراءً وإسقاطًا. ولفظ الهبة، والصدقة، والعطية ينصرف إلى معنى الإبراء؛ لأنه لا عين موجودة يتناولها اللفظ. قال الحارثي: ولهذا لو وهبه دَينه هبة حقيقية لم يصح؛ لانتفاء معنى الإسقاط وانتفاء شرط الهبة، ومن هنا امتنع هبته لغير من هو عليه، وامتنع إجزاؤه عن الزكاة لانتفاء حقيقة

стр. 4543

الملك. انتهى. ويصح الإبراء من الدَّين بالألفاظ السابقة (ولو كان) الدَّين (المُبْرَأ منه مجهولًا لهما) أي: لربِّ الدَّين والمدين (أو) كان مجهولًا (لأحدهما) و (سواء جهلا قَدْره، أو) جهلا (وصفه، أو) جهلا (هما) أي: القَدْر والوصف، ويصح الإبراء من المجهول (ولو لم يتعذَّر علمه) لأنه إسقاط حق، فينفذ مع العلم والجهل، كالعتق والطلاق. (أو) أي: ويصح الإبراء من الدَّين ولو (لم يقبله المَدين) لأنه إسقاط حق، فلا يتوقف على قَبولٍ، كإسقاط القصاص والشُّفعة (أو ردَّه) أي: يصح الإبراء من الدَّين ولو ردَّه المدين؛ لأنه لو ارتدَّ بالرد، للزم وجوب الاستيفاء، أو إبقاء الحق، وهو ممتنع (أو كان) الإبراء (قبل حلول الدَّين) لأن تأجيله لا يمنع ثبوته في الذِّمة. (وإن أبرأه ونحوه) بأن وهبه له، أو تصدَّق به عليه، أو تركه له (و (١) يعتقد أنه لا شيء له عليه) كقوله: أبرأتُك من مائة، يَعتَقِد عدمها (ثم تبيَّن أنـ) ــه كان (له عليه، صَحَّت البراءة) لمصادفتها الحق (كما تصح) البراءة (من المعلوم) وكذا لو أبرأ من دَين أبيه مع ظن أنه حيٌّ، فبان ميتًا، كبيع مال مورثه الميت مع ظن الحياة. (وظاهر كلامهم) أي: الأصحاب (عمومه) أي. عموم صحة الإبراء من المجهول (في جميع الحقوق المجهولة، وصرَّح به في "الفروع" آخر القذف. لكن لو جهله رَبّه) أي: الدَّين (وعلمه من عليه الحق، وكتمه) المدين عن ربِّ الدَّين (خوفًا من أنه) أي: ربَّ الدين (لو علمه) أي: الدين (لم يُبرئه) أي: ربّ الدين، منه (لم تصح البراءة) لأن

стр. 4544

فيه تغريرًا للمُبْرئ، وقد أمكن التحرُّز منه. (وإن أبرأه) أي: أبرأ ربُّ الدَّين مدينًا (من درهم إلى ألف، صح) الإبراء (فيه) أي: الألف (وفيما دونه) أي: دون الألف. (ولا يصح الإبراء من الدَّين قبل وجوبه) لقوله ﷺ : "لا طلاقَ إلا فيما تَمْلِكُ، ولا عِتْقَ إلَّا فيما تَمْلِكُ" (١) والإبراء في معناهما.

стр. 4545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4546

(ومن صور الإبراء (١) من المجهول، لو) كان له على إنسان دَينان، و (أبرأه من أحدهما (٢)) لا بعينه (أو) كان له دَينان على شخصين، و (أبرأ أحدَهما) لا بعينه (ويؤخذ) أي: يرجع إلى المبرئ (بالبيان) قاله الحلواني والحارثي. قال في "التنقيح": (و) المذهب (لا يصح) الإبراء (مع إبهام المَحَلِّ، كـ: أبرأتُ أحد غريمي) أو: مِن أحد دَيْنيَّ، كما لو قال: وهبتُك أحد هذين العبدين، أو ضمنتُ لك أحد الدَّينين. (ولا تصح هبة الدَّين لغير من هو في ذمته) لما تقدم من أن الهبة تقتضي وجود معين، وهو منتفٍ هنا (وتقدم آخر السَّلم (٣). وتصح هبة المُشاع من شريكه، ومن غيره، منقولًا كان) كجزء من نحو فرس (أو غيره) كجزء من عقار (ينقسم، أو لا) كالعبد؛ لما في الصحيح "أنَّ وفد هوازن لما جاؤوا يطلبون من رسول الله ﷺ أن يردَّ عليهم ما غنم منهم، فقال رسول الله ﷺ : ما كان لي ولبني المطلب فهو لكم" (٤).

стр. 4547

(وإن وهب) أرضًا (أو تصدَّق) بأرضٍ (أو وَقَفَ) أرضًا (أو وصَّى بأرض) يعني بجزء منها (أو باعها، احتاج أن يحدَّها كلها) بأن يقول: كذا سهمًا من كذا سهمًا؛ لقوله في رواية صالح (١)، وسأله عن رجل بينه وبين قوم بيت مُشاع غير مقسوم، فتصدَّق أحدُهم على بعضهم بحصته مُشاعًا غير مقسوم، هل يجوز ذلك؟ قال: إذا كان سهم من كذا، وكذا سهمًا، فهو جائز، فإن قال: ثلثها، أو نحوه، صح. قال في رواية أبي داود (٢):

стр. 4548

وسُئل عمن يهب لرجل ربع داره؟ قال: هو جائز. و- أيضًا - قيل له (١): وهبت منك نصيبي من الدار، قال: إن كان يعلم كم نصيبه فهو جائز. (ويُعتبر لقبضه) أي: المُشاع إن كان منقولًا (إذن الشريك) لأنه لا يمكن قبضه إلا بقبض نصيب شريكه، وهذا بالنسبة لجواز القبض لا للزوم الهبة، فتلزم به، وإن لم يأذن شريكه، كما أشار إليه ابن نصر الله (وتقدَّم (٢) آخر الخيار في البيع) مفصلًا. (ويكون نصفه) أي: القابض (مقبوضًا تملُّكًا، ونصف الشريك) مقبوضًا (أمانة) هذا إذا كانت الهبة في نصفه - ولو عَبَّر بنصيبه لكان أوضح - فإن أبى الشريك أن يُسَلِّم نصيبه، قيل للمتَّهَب: وكِّل الشريك في قبضه لك ونقله، فإن أبى، نَصَبَ الحاكمُ من يكون في يده لهما، فينقله، فيحصل القبض؛ لأنه لا ضرر على الشريك في ذلك. (وإن أذن) شريكه (له في التصرُّف) أي: الانتفاع (مجانًا، فكعارية) في ضمانه إذا تلف ولو من غير تفريط. (وإن كان) أذن له في التصرُّف (بأجرة فـ) ـــإن شقصه يكون في يد القابض أمانة (كمأجور) فلا ضمان فيه إن تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط، ولو كانت الأجرة مجهولة كأن استعمله وأنفق عليه مثلًا بقصد المعاوضة؛ لأن فاسد العقود كصحيحها في الضمان وعدمه وتقدم (٣). (وإن تصرَّف) الشريك (بلا إذن) شريكه (ولا إجارة) فكغاصب (أو قبضه بغير إذن الشريك، فكغاصب) لأن يده عادِيَة.

стр. 4549

(وتصح هبة مصحف) وإن قيل بمنع بيعه، قال الحارثي: ولا أعلم فيه خلافًا. (و) تصح هبة (كل ما يصح بيعه فقط) لأنها تمليك في الحياة، فصحَّت فيما صح فيه البيع، وما لا يصح بيعه، لا تصح هبته على المذهب؛ اختاره القاضي، وقدمه في "الفروع". (واختار جمع: وكلب) أي: تصبح هبته، جزم به في "المغني" و"الكافي" (ونجاسةٍ مباحٍ نفعُهما) أي: الكلب والنجاسة؛ جزم به الحارثي والشارح؛ لأنه تبرع، فأشبه الوصية به، قال في القاعدة السابعة والثمانين (١): وليس بين القاضي وصاحب "المغني" خلاف في الحقيقة؛ لأن نقل اليد في هذه الأعيان جائز كالوصية، وقد صرح به القاضي في "خلافه". (ولا تصح هبة مجهول لا يتعذر علمه، كالحمل في البطن، واللبن في الضرع، والصوف على الظهر) للجهالة وتعذر التسليم (ومتى أذن) رب شاة (له) أي: لإنسان (في جَزِّ الصوف، وحلب الشاة، كان إباحة) لصوفها ولبنها، لا هبة. (وإن وهب دهن سِمْسِمِه) وهو الشيرج قبل عصره (أو زيت زيتونه (٢)، أو جفته (٣) قبل عصرهما) أي: الزيتون والسمسم (لم يصح) كاللبن في الضرع وأَولى؛ لكلفة الاعتصار. (ولو قال: خُذْ من هذا الكيس ما شئتَ. كان له أخْذُ ما به جميعًا، و) لو قال: (خُذْ من هذه الدراهم ما شئتَ. لم يملك أخذَها كلها) إذ

стр. 4550

الكيس ظرف، فإذا أخذ الظرف (١)، حَسُن أن يقال: أخذ من الكيس ما فيه، ولا يحسن أن يقال: أخذت من الدراهم كلها؛ قاله ابن الصيرفي في "النوادر". (ولا تصح هبة المعدوم، كالذي تحمل أَمَتُه أو شجرتُه) لأن المعدوم ليس بشيء، فلا يقبل العقد (فإن تعذَّر عِلْم المجهول) كزيت اختلط بزيت أو شيرج (صحت هبته كصلح) عنه للحاجة. (ولا) تصح (هبة ما لا يقدر على تسليمه) كآبق وشارد، وطير في الهواء، وسمك بماء، ومرهون؛ لأن ذلك لا يتأهل للقبض، والقبض من ماهية العقد، فلا يقع العقد عليه، والمرهون يتعذَّر تسليمه شرعًا. (ولا) يصح (تعليقها) أي: الهبة (على شرطٍ مستقبلٍ) كـ: إذا جاء رأس الشهر، أو قدم فلان، فقد وهبتُك كذا، قياسًا على البيع، وقولُه ﷺ لأم سَلَمة في الحلة المُهداة إلى النجاشي: "إنْ رَجَعَتْ إلينا فهي لكِ" (٢) قال الموفَّق: على معنى العِدَة. وخرج بالمستقبل الماضي والحال، فلا يمنع التعليق عليه الصحة، كـ: إن كانت ملكي، ونحوه، فقد وهبتكها، فتصح (غير الموت) فيصح تعليق العطية به، وتكون وصية. وكالهبة الإبراءُ، فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل غير الموت (نحو: إن متَّ - بفتح التاء - فأنت في حِلٍّ) فلا يبرأ (فإن ضم التاء، صح) الإبراء عند وجود شرطه (وكان) الإبراء على الوجه المذكور (وصية) لأنه تبرع بمال بعد الموت، وهو حقيقة الوصية. (ولا) يصح - أيضًا - (شرط ما يُنافي مقتضاها) أي: الهبة (نحو)

стр. 4551

اشتراط الواهب على المتهب (ألا يبيعها) أي: العين الموهوبة (ولا يهبها) أو ألا ينتفع بها (أو) وهبه عينًا دو (يَشْرُط أن يبيعها، أو يهبها) فلا يصح الشرط، إذ مقتضى الملك التصرف المطلق، فالحَجْر فيه منافٍ لمقتضاه، وقوله: (أو) يهبه شيئًا بشرطِ (أن يهب فلانًا شيئًا) تبع فيه "المبدع" وغيره، قلت: والذي يظهر بطلان الهبة فيه؛ لأنه من قبيل بيعتين في بيعة المنهي عنه. (وتصح هي) أي: الهبة المشروط فيها ما يُنافي مقتضاها، كالشروط الفاسدة في البيع. (ولا يصح توقيتها) أي: الهبة (كقوله: وهبتُك هذا سنة) أو شهرًا، فلا تصح؛ لأنها تمليك عين فلا توقَّت، كالبيع (إلا العُمْرَى والرُّقْبى) فيصحان (وهما نوعان من أنواع الهبة يفتقران إلى ما تفتقر إليه سائر الهبات) من الإيجاب والقَبول والقبض، ويصح توقيتهما، سُميت عُمْرى؛ لتقييدها بالعُمر، وسُميت رُقْبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، قال أهل اللُّغة (١): يقال: أعمرته وعمَّرته - مشددًا - إذا جعلت له الدار مدة عمره أو عمرك (كقوله: أعمرتُك هذه الدار، أو) أعمرتك هذه (الفرس، أو) أعمرتك هذه (الجارية، أو أرْقَبْتُكَها) قال ابن القطَّاع (٢) (٣): أرقبتك: أعطيتك، وهي هبة ترجع إلى المرقَب إن مات

стр. 4552

المرقِب، وقد نهي عنه (أو جعلتها) أي: الدار، أو الفرس، أو الجارية (لك عُمُرَك، أو) جعلتها لك (حياتك، أو) جعلتها لك (ما حييتَ، أو ما عشتَ، أو نحو هذا) كـ: أعطيتكها ما بقيتُ (أو) جعلتها لك (عُمرى، أو) جعلتها لك (رُقْبى، أو) جعلتُها لك (ما بقيتَ، أو أعطيتكها عُمُرك، ويقبلها) الموهوب له (فتصح) الهبة في جميع ما تقدم، وهي أمثلة العُمْرى. (وتكون) العين الموهوبة (للمُعْمَر - بفتح الميم -) وللمرقَب - بفتح القاف - (ولورثته من بعده) إن كانوا (كتصريحه) بأن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك (فإن لم يكن له) أي: الموهوب له (ورثة، فلبيت المال) كسائر الأموال المخلفة؛ لقوله ﷺ : "أمسِكُوا عليكم أموالكم، ولا تُفسِدُوها؛ فإنَّهُ مَن أعمرَ عُمْرَى، فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا ولعقبِه" أخرجه مسلم (١). وفي المتفق عليه عن جابر: "قَضى النَّبيُّ ﷺ بالعُمْرى لمنْ وُهِبَتْ له" (٢) واللفظ للبخاري. وخرَّج مسلم عن جابر: "العُمْرى ميراثٌ لأهلها" (٣). وقولُه ﷺ : "لا تُعْمِرُوا ولا تُرْقِبُوا، فمن أعمرَ عُمْرى فهي للذي أُعْمِرَها حيًّا وميتًا ولعقبِه" (٤) إنما وَرَدَ على سبيل الإعلام لهم بنفوذها،

стр. 4553

بدليل السياق، ويؤيده الحديث الأول، ولو أُريد به حقيقةُ النهي لم يمنع الصحة؛ لأن الضرر فيها على فاعلها، وما كان كذلك، النهي عنه لا يقتضي فساده، كالطلاق في الحيض. (وإن أضافها) أي: الهبة (إلى عُمُرِ غيره) بأن قال: وهبتك الدار ونحوها عمرَ زيد (لم تصح) الهبة؛ لأنها مؤقتة وليست من العُمْرى ولا الرُّقْبى. (ونصه: لا يطأ) الموهوب له (الجارية المُعْمَرَة) نقل يعقوب وابن هانئ (١): من يُعْمَر الجارية أيطأ؟ قال: لا أراه (وحمل) القاضي النصَّ المذكور (على الورع) لأن الوطء استباحة فَرْجٍ، وقد اختُلف في صحة العُمْرى، وجَعَلها بعضهم تمليكَ المنافع، فلم يَرَ الإمام له وطأها لهذا. وبَعَّد ابن رجب ما ذكره القاضي، ثم قال (٢): "والصواب حمله على أن الملك بالعُمْرى قاصر، ولهذا نقول على رواية: إذا شرط عودها إليه بعده صح، فيكون تمليكًا مؤقتًا".

стр. 4554

(وإن شرط) واهبٌ (رجوعَها) أي: الهبة (بلفظ الإرقاب أو غيره إلى المُعْمِر - بكسر الميم -) أي: الواهب (عند موته) أي: الموهوب له (أو) شرط الواهب رجوع الهبة (إليه، إن مات) الموهوب له (قَبْله، أو) شرط الواهب رجوعها (إلى غيره) إن مات الموهوب له قبله، نحو أن يقول: وهبتك هذه الدار، أو: هي لك عمرك على أنك إن متَّ قبلي عادت إليَّ، أو إلى فلان، وإن متُّ أو مات قبلك استقرت عليك (فهي الرُّقْبَى) لأن كلًّا منهما يرقب موت صاحبه. (أو) شرط الواهب (رجوعها) أي: الهبة (مطلقًا) أي: من غير تقييد بموت أو غيره، إلى الواهب (أو إلى ورثته، أو قال) الواهب: (هي) أي: هذه الدار، أو الأَمَة ونحوها (لآخرنا موتًا، صح العقد دون الشرط، و) معنى ذلك أن العين (تكون للمُعْمَر - بفتح الميم - ولورثته من بعده) فإن لم يكونوا فلبيت المال (كالأول) أي: كالمذكور أولًا من صور العُمْرى. (ولا ترجع) العين (إلى المُعْمِر) بكسر الميم (و) لا إلى (المرقِب) بكسر القاف؛ لقوله ﷺ : "لا تُرْقبُوا ولا تُعْمِرُوا فمَنْ أُرْقِبَ شيئًا أو أُعْمِرَهُ فهو لورثتِه" قال الحارثي: والسند صحيح بلا إشكال، وخرَّجه أبو داود والنسائي وغيرهما (١)، وروى أحمد وغيره نحوه من طرق مختلفة (٢)،

стр. 4555

فهذه نصوص تدل على ملك المعمَر والمرقَب مع بطلان شرط العود؛ لأنه إذا ملك العين لم تنتقل عنه بالشرط، ولأنه شرط شرطًا ينافي مقتضى العقد، فصح العقد وبطل الشرط، كشرطه في البيع ألا يبيع. ولو جعل اثنان كلٌّ منهما داره للآخر على أنه إن مات قبله عادت إليه، فرُقْبى من الجانبين. (ولا يصح إعمار المنفعة ولا إرقابها، فلو قال) ربُّ دارٍ: (سُكنى هذه الدار لك عُمُرَك، أو) قال: (غَلَّة هذا البستان) لك عُمُرَك (أو) قال: (خدمة هذا العبد) لك عُمُرَك (أو) قال: (منحتك (١)) أي: ما ذكر من الدار، أو البستان أو العبد ونحوه (عُمُرَك؛ فعارية، له الرجوع فيها متى شاء، في حياته) أي: الممنوح (وبعد موته) لأنها هبة منفعة. (ويصح إعمار منقول، و) يصح - أيضًا - (إرقابه، من حيوان كعبد وجارية ونحوهما) كبعير وشاة (و) من (غير حيوان) كثوب وكتاب؛
следующие страницы →