غيره (وكيف أقرع جاز) بأن يجعل ثلاثة جزءًا، وثلاثة جزءًا، واثنين جزءًا، فإن خرجت القُرعة على الاثنين عتقا، ويكمل الثلث بالقُرعة من الباقين، وإن خرجت لثلاثة، أقرع بينهم بسهمي حرية وسهم رِق لمن ثلثاه حر.
وإن كان جميعُ ماله عبدين وأعتقها، أقرعنا بينهما بسهم حرية وسهم رق على كل حال.
(وإن أعتق في مرضه) المخوف (عبدين لا يملك غيرهما، قيمة أحدهما مائتان، و) قيمة (الآخر ثلاثمائة، جمعتَ قيمتهما، وهي خمسمائة، فجعلْتَها الثُّلث) إن لم تجز الورثة عتقهما؛ لئلا يكون فيه كسر فتعسر النسبة إليه (ثم أقرعتَ بينهما) ليتميز المعتَق من غيره.
(فإن وقعت) القُرعة (على الذي قيمته مائتان، ضربتها في ثلاثة) كما يعمل في مجموع القيمة (تبلغ ستمائة، ثم تنسب منه) أي: من حاصل الضرب وهو الستمائة (الخمسمائة) لأنها الثلث تقديرًا (يكون العتق خمسة أسداسه) لأن الخمسمائة خمسة أسداس الستمائة.
(وإن وقعت) القُرعة (على) العبد (الآخر) الذي قيمته ثلاثمائة (عتق منه خمسة أتساعه) لأنك تضرب قيمته وهي الثلاثمائة في ثلاثة، يحصل تسعمائة، تنسب إليها الخمسمائة، تكن خمسة أتساعها.
(وكل شيء) من المسائل (يأتي من هذا الباب، فسبيله) أي: طريقه (أن يضرب في ثلاثة) مخرج الثلث (ليخرج) صحيحًا (بلا كسر.
وإن أعتق) مريض (واحدًا) مبهمًا (من ثلاثة أعبد غير معيَّن، فمات أحدهم) أي: أحد العبيد الثلاثة (في حياته) أي: السيد المريض (أُقرع بينه) أي: العبد الميت (وبين الحيَّين) لأن الحرية إنما تنفذ في الثلث،
стр. 5007
أشبه ما لو أعتق واحدًا منهم معينًا.
(فإن وقعت على الميت، رَقَّ الآخران) كما لو كان حيًا.
(وإن وقعت) القرعة (على أحد الحييَّن، عتق) من خرجت له القرعة (إذا خرج من الثلث) وقت الموت؛ لأن تصرف المريض مُعتَبر من الثلث، ولم يشترطوا فيما إذا وقعت القُرعة على الميت خروجه من الثلث؛ لأن قيمة الميت إن كانت وَفق الثلث فلا إشكال، وإن كانت أكثر فالزائد على الثلث هلك على مالكه، وإن كانت أقل، فلا يعتق من الآخرين شيء؛ لأنه لم يعتق إلا واحدًا.
قلت: إن كسب شيئًا بعد العتق، ثم مات اعتبر من الثلث؛ لأجل أن ترث ورثته ما كسبه بجزئه الحر، أو بكله إن خرج من الثلث.
(وإن أعتق الثلاثة) أعبد، وهو لا يملك غيرهم (في مرض) موته المخوف، (فمات أحدهم في حياة السيد، أقرع بينه وبين الحَيَّين) لأن الحرية إنما تنفذ في الثلث، أشبه ما لو أعتق واحدًا منهم، إلا أن الميت هنا لو كانت قيمته أقل من الثلث، ووقعت القُرعة عليه، عتق من أحد الحيين تكملة الثلث بالقُرعة.
(وكذا الحكم لو أوصى بعتقهم) أي: بعتق ثلاثة أعبد لا يملك غيرهم (فمات أحدهم بعده) أي: الموصي (وقبل عتقهم، أو دبرَّهم) أي: الثلاثة، فمات أحدهم قبله (أو دبرَّ بعضهم، ووصَّى بعتق الباقين) ولم تجز الورثة عتقهم (فمات أحدهم) فيقرع بينه وبين الحيين على ما تقدم.
(وإن قال) عبد لغير سيده: (اشترني من سيدي بهذا المال، وأعتقني ففعل) أي: فاشتراه وأعتقه (عتق، ولزم مشتريه) الثمن
стр. 5008
(المُسَمَّى) في العقد، وما أخذه من العبد ودفعه لسيده ملك للسيد لا يحتسب عليه من الثمن، ولا يبرأ به عمَّا لزمه من الثمن الذي اشتراه به في ذمته، والولاء له (إن لم يكن اشتراه بعين المال) الذي أعطاه له العبد (وإلا) بأن اشتراه بعين المال (بطلا) أي: الشراء والعتق؛ لأنه اشترى بعين مال غيره شيئًا بغير إذنه، فلم يصح الشراء، ولم ينفذ العتق؛ لأنه أعتق مملوك غيره بغير إذنه، ويكون السيد قد أخذ ماله؛ لأن ما بيد العبد لسيده.
стр. 5009
باب التدبير
يقال: دابر الرجل يُدابِر مُدَابرة: إذا مات، فسُمّي العتقُ بعد الموت تدبيرًا؛ لأن الموت دُبُرُ الحياة. وقال ابن عقيل: هو مشتق من إدباره من الدنيا. ولا يُستعمل في شيء بعد الموت، من وصية، ووقف وغيرهما، فهر لفظٌ يختصُّ به العتق بعد الموت.
(وهو) أي: التدبير (تعليق العِتق بالموت) أي: موت المعَلِّق (فلا تصح الوصية به) أي: بالتدبير، وتقدم في الوصية (١): لا تصح بمُدَبَّرٍ.
والأصل فيه: حديث جابر "أنَّ رجلًا من الأنصار أعتقَ غلامًا لهُ عن دُبُر، لم يكن له غُلامٌ غيره، فبلغَ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نُعيمُ بنُ عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه" متفق عليه (٢). وفي رواية: "وقال: أنتَ أحوجُ منهُ" (٣).
وحكى ابن المنذر الإجماعَ عليه في الجملة (٤).
стр. 5010
(و يُعتبر) لعتق المُدَبَّر خروجه (من الثلث) بعد الديون ومؤن التجهيز يوم موت السيد (سواء دبَّره في الصحة، أو المرض) لأنه تبرُّعٌ بعد الموت، أشبه الوصية، بخلاف العتق في الصحة، فإنه لم يتعلَّق به حق الورثة، فنفذ في جميع المال، كالهبة المنجَزة. وأما الاستيلاد، فإنه أقوى من التدبير؛ لأنه يصح من المجنون، ولا يصح بيع أمِّ الولد.
(فإن لم يَفِ الثلث بها) أي: بالمُدَبَّرة (وبولدها) التابع لها في التدبير، بأن لم يخرجا من الثلث (أُقرع بينهما) أي: بينها وبين ولدها، كمدَبَّرين لا قرابة بينهما (فأيُّهما خرجت القُرعة لة، عتَق) كله (إن احتمله الثلث) بأن كانت قيمته مائة، وله غيره مائتان مثلًا (وإلا) بأن لم يخرج من الثلث (عَتَق منه بقَدْره) أي: الثلث، إن لم تجز الورثة، كالموصى بعتقه، (وإن فَضَل من الثلث بعد عتقه شيء، كُمِّل) الثلث بالعتق (من الآخر) فيعتق منه تمام الثلث (كما لو دبَّر عبدًا وأَمَة) معًا، أو أحدهما بعد الآخر.
(وإن اجتمع العِتق والتدبير في المرض) -متعلق بـ"العتق"، كما يعلم من "شرح المنتهى" وغيره، فأما التدبير فلا فرق بين أن يكون في الصحة، أو الموض كما قَدَّمه- (قُدِّم العتق) حيث ضاق الثلث عنهما لسبقه (ومن التدبير) أي: مثله (الوصيةُ بالعتق) يعني إذا اجتمع التدبير والوصية بالعتق تساويا؛ لأنهما جميعًا عتق بعد الموت.
(و يصح) التدبير (ممن تصح وصيتُهُ) كرشيدِ، ولو محجورًا عليه لفلسٍ، وسفيه، ومميز يعقله.
(وصريحه) أي: التدبير (لفظُ العتق والحرية المُعلَّقين بموت السيِّد، ولفظُ التدبير، وما تصرَّف منها) نحو: أنت حر بعد موتي، أو: أنت، مُعتَق أو: عتيق بعد موتي، أو: حررتُكَ بعد موتي، أو: أنت مدبَّر،
стр. 5011
أو: دبَّرتك ونحوه (غير أمرٍ) نحو: حرِّرْ بعد موتي، أو أعْتِق بعد موتي، أو: دبِّرْ (و) غير (مضارع) نحو: تحرر بعد موتي، أو: تعتق بعد موتي، أو: تدبَّر (و) غير (اسم فاعل) نحو: أنت محرِّر، بكسر الراء الأولى، أو: أنت معتِق، بكسر التاء، أو: أنت مدبِّر، بكسر الباء.
(و كنايات العتق المنجَزِ تكون تدبيرًا) أي: كنايات للتدبير (إذا أضاف إليه) أي: إلى ما ذكر من كنايات العتق المنجَز (ذِكرَ الموت) يعني إذا عُلِّقت بالموت، كقوله: إن متُّ فأنت لله تعالى، أو: فأنت مولاي، أو: فأنت سائبة. ونحوه.
(ويصح تعليقُه) أي: العتق (بالموت مطلقًا) أي: غير مقيد (نحو: إن مُتُّ فأنتَ حر) أو: فأنت عتيق. ونحوه، وكذا: أنت مُدَبَّر.
(و) يصح التدبير (مقيدًا، نحو: إن مِتُّ من مرضي هذا) فأنت حرٌّ، أو مُدَبَّرٌ، (أو): إن مُتُّ (في عامي هذا) فأنت حر أو مُدَبَّر (أو): إن مُتُّ (في هذا البلد، أو) هذه (الدار، فأنت حرٌّ، أو مُدَبَّرٌ) فيكون جائزًا على ما قال (وكذا: أنت مُدَبَّر اليوم) فيصح، و (يتقيد به، فإن مات السيد على الصفة التي شرطها، عَتَق) المُدَبَّر إن خرج من الثلث (وإلا) بأن لم يمت على الصفة التي شرطها (فلا) يعتق؛ لأنه ليس بمُدَبَّر؛ لعدم وجود شرطه.
(وإن قال) السيد لرقيقه: (إذا قرأتَ القرآن فأنت حر بعد موتي. فقَرَأهُ) أي: القرآن (جميعَه في حياة السيد؛ صار مدبَّرًا) لوجود شرطه، و (لا) يصير مدبَّرًا إن قرأ (بعضه) لأنه عرَّفه بـ"أل" المقتضية للاستغراق، فعاد إلى جميعه، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ
стр. 5012
الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) الآية، ونحوها، فإنما حُمِل على بعضه بدليلٍ، ولأن قرينة الحال هنا تقتضي قراءة جمعيه؛ لأن الظاهر أنه أراد ترغيبه في قراءة القرآن، فتتعلق الحرية به.
(إلا إذا قال: إن قرأتَ قرآنًا) فأنت حر بعد موتي. فإنه يصير مدبَّرًا بقراءة بعضه؛ لأنه نكرة في سياق الشرط، فيعم أي بعضٍ كان، وليس في لفظه ما يقتضي استيعابه.
(وإن قال) السيد لرقيقه: (متى شئتَ) فأنت مُدبَّر (أو) قال له: (إن شئتَ فأنتَ مُدبرَّ، أو) قال له: (إذا قدم زيد) فأنت مُدبَّر (أو) قال له: إذا (جاء رأسُ الشهر -ونحوه- فأنت مدبرَّ. فشاء) الرقيق (ولو متراخيًا) في حياة السيد؛ صار مدبَّرًا، (أو قدم زيد في حياة السيد لا بعدها) أو جاء رأس الشهر ونحوه في حياة السيد لا بعدها (صار مدبَّرًا) وعتق بموت سيده؛ لوجود الشرط المعلَّق عليه، وإن لم يوجد في حياة السيد، ووُجِد بعد موته؛ لم يعتق؛ لأن إطلاق الشرط يقتضي وجوده في الحياة، بدليل ما لو عَلَّق عليه عتقًا منجزًا.
(وإن قال) السيد لرقيقه: (متى شئتَ بعد موتي، فأنت حر، أو أيَّ وقت شئتَ بعد موتي) فأنت حر (لم يصح التعليق، ولم يعْتِق) لأن التدبير تعليق العتق بالموت، فلا يمكن حدوثه بعد الموت. (وكذا لو قال: إذا مُتُّ، فأنت حر، أو لا؟) فلا يعتق (أو قال): إذا مُتُّ (فأنتَ حر، أو لست بحر؟ لأنه استفهام) لا إعتاق.
(وإن أبْطَل التدبير) لم يبطل (أو قال) السيد: (رجعتُ فيه) أي: التدبير، لم يبطل (أو جَحَده) أي: التدبير، لم يبطل (أو رهن) السيد
стр. 5013
(المدبَّر) لم يبطل (أو أوصى) السيد (به) أي: بالمدبَّر، لم تصح الوصية؛ لأنه يعتق بالموت، وتقدم (١)، و (لم يبطل) التدبير (لأنه تعليق للعتق على صفة) والتعليق لازم لا يملك إبطاله، بخلاف الوصية.
(فإن مات السيد، وهو) أي: المُدَبَّر (رهن؛ عَتَق) المُدَبَّر إن خرج من الثلث (وأخذ) المرتهن (من تَرِكته قيمته) أي: المُدَبَّر، تكون (رهنًا مكانه) إِلَى حلول الدين، وإن كان حالاًّ وفَّى دينه.
(وإن غَيَّر التدبيرَ، فكان مطلقًا) بأن كان قال له: أنتَ مدبَّر (فجعله مقيدًا) بأن قال له: إن مِتُّ فِي مرضي هذا، أو بلدي هذا ونحوه، فأنت حر (لم يصح التقييد) لأنه رجوع عن الإطلاق الأول، فهو كالرجوع عن التدبير. وكذا لو قال لمُدَبَّره بعد تدبيره: إن أدَّيتَ إِلَى ورثتي كذا، فأنت حُرٌّ. فهو رجوع عن التدبير، فلا يصح.
(وإن كان) التدبير (مقيدًا، فأطلقه) بأن قال له أولًا: أَنْتَ حر إن مت فِي مرضي هذا. ثم قال له: أَنْتَ مدبَّر (صح؛ لأنه زيادة) فلا يمنع منه.
(وإن ارتد المُدبَّر، ولحق بدار حرب، لم يبطل تدبيرهُ) لأن رِدته لا تُنافيه، (فإن سباه المسلمون) وعلموا سيده (لم يملكوه، ويُرَدُّ إِلَى سيده، إن عُلِم به قبل قَسْمِه) كسائر أموال المسلمين المأخوذة منهم (ويُستتاب) المدبَّر المرتد ثلاثة أيام (فإن تاب) لم يقتل (وإلا) بأن لم يتب، ومضت الثلاثة أيام (قُتِلَ) لرِدته.
(وإن لم يُعْلَم به) أي: بسيد المُدبَّر المأخوذ من الكفار (حتَّى قُسم) المُدبَّر، ملكه من وقع في قَسْمه
стр. 5014
(فإن اختار سيده أخذه بالثمن الذي حُسب به على آخذه، أخذهُ به (١)) أي: بالثمن، وكذا لو أخذ منهم بشراء (وإن لم يختر) سيدهُ (أخذَه) بثمنه (بطل تدبيره) بمعنى أنَّه لو مات السيد وهو فِي ملك الآخذ له، لم يعتق بموته، كما لو انتقل الملك فيه عن سيده، ببيع أو هبة.
(ومتى عاد) المدبَّر (إلى سيده بوجه من الوجوه) من بيع، أو هبة، أو إرث ونحوه (عاد تدبيره) بحيث إنَّه متى مات سيده، وهو فِي ملكه عتق بشرطه بالتدبير السابق؛ لعود الصفة، كما في العتق المُعلَّق والطلاق.
(وإن مات سيدُه) أي: سيد المُدبَّر المرتد، وهو بدار الحرب (قبل سَبْيِهِ، عَتقَ) حيث خرج من الثلث؛ لموت سيده وهو باق في ملكه، كما لو لم يلحق بدار حرب.
(فإن سُبيَ بعده) أي: بعد العتق (لم يُردَّ إِلَى ورثة سيده) لأن الحُر لا يورث، (لكن يُستتاب) ثلاثة أيام (فإن تاب، وأسلم؛ صار رقيقًا يُقسم بين الغانمين) قدَّمه فِي "الشرح" وغيره. وقال القاضي: لا يجوز استرقاقه إذا أسلم؛ لأن فِي استرقاقه إبطال ولاء المسلم الذي أعتقه. ولنا: أن هذا لا يمنع قتله، وإذهاب نفسه وولائه، فلئلا يمنع ملكه أولى.
(فإن لم يتب قُتِل) وجوبًا (ولم يجز استرقاقه) كسائر المرتدين.
(وإن ارتدَّ سيده) أي: المُدبر (أو دبَّره) سيده (في رِدته) أي: السيد (ثم عاد) سيده (إِلَى الإسلام، فالتدبير بحاله) فإذا مات سيده، عَتَق إن خرج من الثلث (وإن قُتِل) السيد لرِدته، أو غيرها، (أو مات) السيد (على رِدته لم يَعْتِق) المدبَّر.
стр. 5015
(وللسيد بيع المدبَّر، ولو) كان (أمَةً، أو) كان البيع (فِي غير الدَّين، و) له أَيضًا (هِبته، ووقفه) ورهنه ونحوه. قال أبو إسحاق الجُوزْجانيّ (١): صحَّت أحاديث بيع المدبَّر باستقامة الطرق (٢). ولأنه عتق بصفةٍ، ويثبتُ بقول المعتِق، فلم يمنع البيع، كقوله: إن دخلتَ الدار، فأنت حر. ولا يصح قياسه على أم الولد؛ لأن عتقها ثبت بغير اختيار سيدها، وليس بتبرع، ويكون من جميع المال، والوقف والهبة ونحوها كالبيع.
(فإن عاد) المدبَّر بعد بيعه أو هبته ونحوه (إليه) أي: إِلَى السيد، بإرث، أو فسخ، أو عقد (عاد التدبير) لأنه علَّق عتقه بصفة، فإذا باعه ونحوه، ثم عاد إليه، عادت الصفة، كما لو قال: أَنْتَ حر إن دخلت الدار. فباعه، ثم عاد إليه. فإذا باع السيد المدبَّر، ثم عاد إليه، ثم مات وهو فِي ملكه، عَتَق.
(وإن جنى) المدبَّر (بِيعَ) أي: جاز بيعه فِي الجناية، وتسليمه لوليها بها؛ لأنه قِن (وإن) اختار سيده فداءه، فله ذلك، فإن (فدي، بقي تدبيره) بحاله وصار كأنه لم يَجْنِ (وإن بِيعَ بعضه) أي: المُدبَّر فِي الجناية أو غيرها (فباقيه مدبَّر) بحاله يعتق بموت سيده، ويسري إِلَى الباقي إن احتمله الثلث.
(وللسيد وطءُ مدبَّرته، وإن لم يشترط) وطْأها حال تدبيرها، سواء كان يطؤها قبل تدبيرها، أو لا، رُوي عن ابن عمر "أنَّه دَبَّرَ أمَتَيْنِ له؛
стр. 5016
وكان يَطؤُهما" (١). قال أَحْمد (٢): لا أعلم أحدًا كره ذلك غير الزهري (٣). ووجهه: أنها مملوكته ولم تَشْتَر نفسها منه، فحلَّ له وطؤها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤).
(فإن أولدها) أي: أولد السيد مدبَّرته (بطل تدبيرها) وصارت أمَّ ولد؛ لأن الاستيلاد أقوى من التدبير؛ لأن مقتضاه العتق من رأس المال وإن لم يملك غيرها، أو كان عليه دَين، فيبطل به الأضعف، وهو التدبير، كملك الرقبة إذا طرأ على النكاح.
(وله) أي: السيد (وطْءُ ابنتها) أي: المدبَّرة (إن لم يكن وطِئَ أُمَّها) لأن ملك سيدها تام فيها كأمها، بخلاف بنت المُكاتَبة، فإنها تتبع أُمَّها، وأُمُّها يحرم وطؤها، فإن وطئ أُمَّها حرمت البنت؛ لأنها ربيبةٌ دخل بأمها.
(وما ولدته) مُدبَّرة (من غير سيدها بعد تدبيرها، كهِيَ) أي: المُدبَّرة (يعتقُ بموته) أي: السيد (سواء كان) ما ولدته بعد التدبير (موجودًا حال التعليق، أو) موجودًا حال (العتق، أو) كان (حادثًا بينهما) أي: بين التعليق والعتق؛ لما روي عن عمر (٥)
стр. 5017
وابنه (١) وجابر (٢) أنَّهم قالوا: "وَلَدُ المُدَبَّرةِ بمنزلَتِها"، ولا مخالف لهم من الصحابة (٣)؛ ولأن الأم استحقت الحرية بموت سيدها، فتبعها ولدها كأم الولد، ويفارق التعليق بصفة فِي الحياة، والوصية؛ لأن التدبير آكد من كل منهما.
(ويكون) ولد المدبَّرة (مُدبَّرًا بنفسه، فإن بَطَل التدبير فِي الأم، لبيع) السيد إياها، (أو غيره) كموتها (لم يبطل) التدبير (فِي الولد) فيعتق بموت سيده؛ لعدم موجب البطلان فيه.
(وإن عتقت الأم) المُدبَّرة (فِي حياة السيد، لم يعتق ولدها) كغير المُدبَّرة؛ لانفصاله (حتَّى يموت السيد) فيعتق بالتدبير.
(فلو قالت) المدبَّرة: (ولدتُ بعدَ تدبيري) فيتبعني ولدي (وأنكر السيدُ) وقال: بل ولدتْ قبله (فقوله) أي: السيد (وكذا) إذا مات واختلفتْ مع (ورثته بعده) فالقول قولهم بأيمانهم؛ لأن الأصل بقاءُ رِقِّ الولد وانتفاء الحرية عنه.
(ولا يَعْتِق) بموت سيدها (ما ولدته قبل التدبير، لأنه لا يتبعها فيه) أي: فِي التدبير؛ لانفصاله.
(وولد المدبَّر يتبع أُمَّه) حرة كانت، أو أَمَة، مُدبَّرة، أو غيرها، و (لا) يتبع (أباه) لأن الولد إنما يتبع أُمّه فِي الحرية والرِّق، لكن إن قلنا:
стр. 5018
له التسري، فولده من أَمته كهو، كولد الحر من أمَته، كما فِي "المنتهى" وغيره.
(وإذا كاتب المُدبَّر) صح، وهو قول ابن مسعود (١) وأبي هريرة (٢)؛ لأن التدبير إن كان عتقًا بصفة، لم يمنع الكتابة، وكذا إن كان وصية، كما لو وصَّى بعتقه، ثم كاتبه (أو (٣)) كاتب (أُمَّ ولده) صح؛ لأن الاستيلاد والكتابة سببان للعتق، فلم يمنع أحدهما الآخر، كتدبير المُكاتَب.
(أو دبَّر المُكاتَبَ؛ صح) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأنه تعليق لعتقه بصفة، وهو يملك إعتاقه، فيملك التعليق.
(فإن أدَّى) المُدبَّر الذي كاتبه سيده ما كوتب عليه (عَتَق) وبطل تدبيره، وما فضل بيده فله (وإن مات سيده قبل الأداء، عَتَق) بالتدبير (إن حمله الثلث) وبطلت الكتابة، وما بيده لورثة سيده (وإلَا) بأن لم يخرج من الثلث (عَتَق) منه (بقدره) لأن المُدبَّر يعتبر فِي عتقه بالتدبير خروجه من الثلث (وسقط من الكتابة بقَدْر ما عَتق منه (بالتدبير) لانتفاء محلها بالعتق، ولورثة السيد من كسبه بقَدْر ما عتق منه (وهو مُكاتَب فيما بقي) لأن محلها لم يعارضه شيء، فعلى هذا لو خرج نصفه من الثلث عَتَق نصفه، وسقط نصف الكتابة، وبقي نصفه. والذي يُحسب من الثلث إنما
стр. 5019
هو قيمة المُدبَّر وقت موت سيده؛ لأن المُدبَّر لو لم يكن مُكاتَبًا لاعتُبرت قيمته.
(وإن دَبَّر أُمَّ ولده، لم يصح) التدبير (إذ لا فائدة فيه) لأن أُمَّ الولد تعتق بالموت مطلقًا، بخلاف التدبير.
(وإذا عَتَق) المُدبَّر الذي كاتبه سيده (بالكتابة، كان ما فِي يده له) أي: للعتيق؛ لأنه كان له قبل العتق، فيكون له بعد العتق، كما لو لم يكن مُدبَّرًا.
(وإن عتق بالتدبير مع العجز عن أداء مال الكتابة) أو مع القدرة عليه، كما يأتي (كان ما فِي يده للورثة) لأنه كان للسيد قبل العتق، فيكون لورثته بعد العتق، كما لو لم يكن مُكاتَبًا، وبطلت الكتابة (لا كَسْبُه) فلا يكون لورثة سيده، بل للعتيق، كأم الولد، وقوله: (لأن كسب المدبَّر فِي حياة سيده لسيده) تعليل لما تقدم من أن ما فِي يده للورثة، إذا عتق بالتدبير (و) كسبه (بعدها) أي: بعد حياة سيده (له) أي: للمُدبَّر نفسه؛ لأنه حر.
(وإن مات السيد قبل العجز، و) قبل (أداء) المُدبَّر الذي كاتبه (جميع الكتابة، عَتَق بالتدبير) إن خرج من الثلث، كما تقدم (وما فِي يده للورثة أيضًا) لما تقدم.
وأُمُّ الولد إذا كاتبها سيدها ومات قبل الأداء، تعتق بموته مطلقًا، ويسقط ما عليها من مال الكتابة، وما بيدها لورثة السيد.
(وإذا دبَّر شِرْكًا له فِي عبدٍ) أو أمَة (لم يَسْرِ التدبير إِلَى نصيب شريكه، ولو) كان (موسِرًا) لأن التدبير تعليق للعتق بصفة، فلم يَسْرِ، كتعليقه بدخول الدار، ويفارق الاستيلاد، فإنَّه آكد كما تقدم.
стр. 5020
(فإن مات المُدبِّرُ) -بكسر الباء- (عَتَق نصيبهُ، إن خرج من الثلث) بالتدبير (وإن) أي: ولو (لم يَفِ ثلثه بقيمة حصة شريكه، وإن كان) ثلثه (يفي) بقيمة حصة شريكه. (سرى) العتق (فِي بقيته)، فيعتق جميعه (ويُعْطى الشريك قيمة حصَّته) من التَّرِكة (وتقدم آخر الباب قبله (١).
وإن أعتق الشريك) الذي لم يُدبَّر (نصيبَهُ قبل موت السيد المدبِّر) بكسر الباء (وهو) أي: المعتِق (موسِر) بقيمة نصيب شريكه (عَتَق) نصيبه (وسرى) العتق (إِلَى نصيب شريكه، وغَرِم قيمتَه) أي: النصيب (لسيده) لحديث ابن عمر السابق (٢) فِي سراية العتق.
(وإن دبَّر كلُّ واحد منهما) أي: الشريكين (نصيبه) من مشترَك بينهما (فمات أحدُهما؛ عَتَق نصيبُه، وبقي نصيب الآخر على التدبير؛ إن لم يفِ ثلث الميت بقيمة حصة شريكه، وإن كان يفي) ثلثه (بها، سرى) العتق (إليها، كما تقدم) ويؤخذ من تَرِكته قيمة نصيب شريكه.
(وإن قالا لعبدهما: إن مِتنا فأنت حرٌّ، فإذا مات أحدُهما فنصيبه حر) لأنه من مقابلة الجملة بالجملة، فينصرف إِلَى مقابلة البعض بالبعض، كـ: ركب النَّاس دوابهم، ولبسوا ثيابهم، وأخذوا رماحهم (لا أنَّه لا يَعتِق إلَّا بموتهما جميعًا) -كما ذكره القاضي وجماعة، وقدَّمه فِي "الفروع"- فلا يَعتِق بموت أحدهما شيء منه، ولا يبيع وارثه حقه منه؛ لتعلُّق العتق به تعليقًا لا ينفك، إلَّا أنَّه متوقف على موت الثاني.
(وإذا أسلم مُدبَّرُ كافرٍ، أو) أسلم (قِنُّه، أو) أسلم (مكاتَبُه، أُلزم بإزالة ملكه عنه) لئلا يبقى الكافر مالكًا لمسلم مع إمكان بيعه (فإن أبى)
стр. 5021
أن يُزِيل ملكه عنه (بيعَ) أي: باعه الحاكم (عليه) ولا يبقى ملكه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١).
(وإن أنكر السيدُ التدبيرَ، ولا بيِّنَة) للمدعي (حلف) السيد (على البَتِّ) أنَّه لم يدبره؛ لأنه يحلف على فعل نفسه (وإن كان المنكِرُ) للتدبير (ورثة السيد بعد موته؛ حلف كلُّ واحد من الورثة على نفي العلم) أنَّه لا يعلم أن مورثه دَبَّره؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره (ومن نَكَل منهم) قُضي عليه بالنكول، و (عَتَق نصيبه، ولم يسرِ) العتق (إِلَى باقيه، وكذلك إن أقرَّ) عتق نصيبه، ولم يسر إِلَى باقيه (لأن إعتاقه بفعل المورِّث، لا بفعل المقر، ولا) بفعل (الناكل) عن اليمين.
(وإن شهد به) أي: بالتدبير (رجلان، أو رجل وامرأتان، أو) شهد به رجل، و (حلف معه المدبَّر؛ حُكِم به) أي: بالتدبير؛ لأن الشهادة بالتدبير تتضمن إتلاف مال، والمال يُقبَل فيه ما ذكر (وكذا الكتابةُ) يُقبَل فيها رجلان، أو رجل وامرأتان، ورجل ويمين؛ لما ذكر.
(وإن قَتَل المدبَّر سيده) قتلًا يمنع الميراث (بطَلَ تدبيره) لأنه استعجل ما أُجِّل له، فعوقب بنقيض قصده، كما حُرم القاتلُ الميراثَ، ولأن ذلك مما يُتخذ وسيلة إِلَى القتل المُحَرَّم لأجل العتق، فمنع العتق سدًّا لذلك، بخلاف أمّ الولد؛ لأن إبطال الاستيلاد فيها يُفضي إِلَى نقل الملك فيها، ولا سبيل إليه.
وإن جَرَح قِنٌّ سيده فدبَّره، ثم سرى الجرح، ومات السيد؛ لم يبطل التدبير، وتقدم فِي الوصية (٢).
стр. 5022
باب الكتابة
(وهي) اسم مصدر بمعنى المكاتَبة، سُمِّيت بذلك؛ لأن السيد يكتب بينه وبين رقيقه كتابًا بما اتفقا عليه، وقيل: من الكَتْب وهو الضم؛ لأن المُكاتَب يضم بعض النجوم إِلَى بعض، ومنه سُمِّي الخرز كتبًا، والكتيبة لانضمام بعضها إِلَى بعض.
وشرعًا: (بيع سيدٍ رقيقَه) ذكرًا كان، أو أنثى، أو خنثى (نفسه، أو) بيعه (بعضَه) كنصفه وسدسه (بمال مُؤجّل فِي ذمَّته، مباح معلوم، يصح فيه السَّلَم، مُنَجَّم) أي: مؤجل بأجلين فصاعدًا (يُعلم قِسْط كل نجم ومدَّتُه) أي مدة النجم من شهر، أو سنة ونحوهما.
فلا تصح بنحو خمر، ولا بمال حال، ولا بمعيَّن، ولا بمحرَّم الصناعة، كآنية ذهب وفضة، ولا بمال مجهول، ولا بما لا يصح السَّلَم فيه، كجوهر ونحوه مما لا ينضبط بالوصف، ولا بمؤجل أجلًا واحدًا، ولو طال.
والمراد بالنجم هنا: الوقت؛ لأن العرب كانت لا تعرف الحساب، وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم، كما قال بعضهمِ (١):
إذا سُهَيْلٌ أوَّلَ الليلِ طَلَع … فابنُ اللَّبونِ الحِقُّ، والحِقُّ جَذَع
(أو) بيع السيد رقَيقَه نفسه، أو بعضه بـ (ـــمنفعةٍ مؤجَّلة منجَّمة)
стр. 5023
على أجلين فأكثر. واشتراط النجمين فأكثر؛ لأنها مشتقة من الكَتْب، وهو الضم، فوجب افتقارها إلى نجمين؛ ليضم أحدهما إلى الآخر. واشتراط العلم بما لكل نجم من القسط والمدة؛ لئلا يؤدي جهل ذلك إلى التنازع. ولا يُشترط التساوي، فلو جعل أحد النجمين شهرًا، والآخر سنة، أو جعل قِسْط أحد النجمين عشرة، والآخر خمسة ونحوه؛ جاز؛ لأن القصد العلم بقَدر الأجل وقسطه.
والأصل في الكتابة: قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ (١). وقصة بَرِيرة (٢)، وقوله ﷺ : "المُكاتبُ عبدٌ ما بقِيَ عليهِ من كتابته درهم" رواه أبو داود (٣).
وأجمع (٤) المسلمون على مشروعيتها.
(وهي) أي: الكتابة (مندوبة لمن يعلم) سيده (فيه خيرًا، وهو الكسب والأمانة) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ (٥) قال أحمد (٦): الخير: صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابة. والآية محمولة على الندب؛ لقوله ﷺ : "لا يَحلُّ مالُ امرئ مُسلم إلَّا عن طيبِ نفسٍ منه" (٧)؛ ولأنه دعاء إلى إزالة ملك بِعوض، فلم يُجبر السيد عليه، كالبيع.
стр. 5024
(وتُكره كتابة مَن لا كسبَ له) لئلا يصير كَلًّا على الناس، ويحتاج إلى السؤال. وتقدم (١) بأوضح من هذا.
(ولا تصح كتابة المرهون) بعد قبضه؛ لأنه محجور عليه فيه لحق المرتهن، كما لا يصح بيعه ووقفه.
(والكتابة في الصحة والمَرَض من رأس المال) لأنها معاوضة، فهي كالبيع والإجارة (واختار الموفَّق وجموعٌ) منهم صاحب "المبدع" (أنها) أي: الكتابة (في المرض المخوف من الثلث) لأن ما يأخذه عوضًا، من كسب عبده وهو مال له، فصار كالعتق بغير عوض. وتقدم (٢) حكم المحاباة فيها.
(ولو كاتبه في الصحة، وأسقط دَيْنه) في مرضه المخوف (أو) كاتبه في الصحة، و (أعتقه في مرضه؛ اعتُبر خروج الأقل من رقبته أو دَينه من الثلث) لأن العتق إبراء والإبراء عتق، فاعتبر أقلهما وأُلغي الآخر (ولو وصَّي بعتْقِه) أي: المكاتَب (أو أبرأه) المريض مرض الموت المخوف ونحوه (من الدَّيْن) أي: دين الكتابة (اعتُبر) خروج (أقلِّهما) أي: رقبته أو دينه (من ثلثه) لما تقدم.
(ولو حمل الثلثُ بعضَه) أي: بعض ما عليه من دين الكتابة (عتق) منه بقَدر ما حمله الثلث، لعدم المانع (وباقيه على الكتابة) إن لم تجز الورثة.
(ولا تصح) الكتابة (إلا بقولٍ) بأن يقول السيد لمن يريد أن يُكاتبه: كاتبتكَ على كذا؛ لأنها إما بيع، أو تعليق للعتق على الأداء، وكلاهما
стр. 5025
يُشترط له القول؛ إذ لا مدخل للمعاطاة هنا (من جائز التصرُّف) لأنها عقد معاوضة كالبيع (مع قبوله) أي: المُكاتَب؛ لأنها عقد معاوضة، فتوقفت على القبول كالبيع.
(وإن كاتب) السيد (المميِّزُ رقيقه بإذن وليِّه، صح) العقد، وبغير إذنه لا يصح؛ لأن الكتابة تصرف في المال، فلم تصح عن المميز إلا بإذن وليِّه، كالبيع.
(وإن كاتب السيدُ عبدَه المميز؛ صح) العقد؛ لأنّه يصح تصرفه وبيعه بإذن وليّه، فصحت كتابته كالمكلف؛ لأن تعاطي السيد العقد معه؛ إذنٌ له في قَبوله، و (لا) يصح أن يكاتب رقيقًا (مجنونًا، و) طفلًا غير مميز) لأن قولهما غير معتدٍّ به.
(فإن فعل) بأن كاتب مجنونًا، أو طفلًا (لم يَعتِقا بالأداء) لبطلان الكتابة (بل) يَعتقان (بتعليق العتق به) أي: بالأداء (إن كان التعليق صريحًا) بأن قال في العقد: ومتى أديت ذلك ونحوه، فأنت حر (وإلا) بأن لم يكن التعليق صريحًا (فلا) عتق؛ لعدم ما يقتضيه.
(وتصحُّ كتابة الذمِّي عبدَه) كالمسلم (فإن أسلما) أي: السيد وعبده (أو) أسلم (أحدهما، أو) لم يُسلِما، ولكن (ترافعا إلينا أمضينا العقد، إن كان موافقًا للشرع) لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١).
(وإن كانت) الكتابة (فاسدة، مثل أن يكون العوض خمرًا ونحوه) كخنزير (وقد تقابضاه في الكفر، أمضيناه أيضًا، وحصل العتق، سواء ترافعا) إلينا (قبل الإسلام، أو بعده) للزومه بالتقابض.
(وإن تقابضاه بعد الإِسلام، فهي كتابة فاسدة. ويأتي حكمها إن
стр. 5026
شاء الله تعالى) آخر الباب.
(وإن ترافعا قبل قبضه) أي: الخمر ونحوه (أبطلنا الكتابة) كسائر عقودهم الفاسدة، إذا ترافعوا إلينا قبل التقابض.
(وتصح كتابة الحربي لرقيقه (في دار الحرب ودار الإسلام) ككتابة الذمي وسائر عقوده.
(فإن دخلا مستأمِنين إلينا، لم يتعرَّض الحاكم لهما، إلا أن يترافعا إليه) أي: الحاكم، فإن ترافعا إليه (فإن كانت) الكتابة (صحيحة، ألزمهما حكمها، وإن جاءا) دار الإِسلام (وقد قهر أحدُهما صاحبه، بطلت الكتابة؛ لأن دار الحرب دارُ قَهرٍ وإباحة، فمن قهَر صاحبَه -ولو حُرًّا قَهَرَ حُرًّا- مَلَكَه. وإن دخلا) دار الإِسلام (من غير قهر، ثم قهر أحدُهما الآخر في دار الإسلام؛ لم تبطل) الكتابة؛ لأنه لا أثر للقهر في دار الإِسلام، لأنها دار عصمة.
(وتنعقد) الكتابة (بقوله) أي: السيد لرقيقه: (كاتبتُك على كذا. مع قَبوله) لأنه اللفظ الموضوع لها، فانعقدت بمجرده (وإن لم يقل) السيد: (فإذا أديت إليَّ فأنت حر) لأن الحرية موجب عقد الكتابة، فتثبت عند تمامه كسائر أحكامه؛ ولأن الكتابة عقد وُضِع للعتق، فلم تحتج إلى لفظ العتق ولا نيته، كالتدبير. وقول المخالف (١): لفظ الكتابة يحتمل المخارجة. ليس بمشهور حتى يحتاج أن يميز أحدهما عن الآخر بشيء يميزه، على أن اللفظ المحتمل ينصرف بالقرائن إلى أحد محتمَلَيه.
(ولا تصح) الكتابة (إلا بعوض مباح) بخلاف آنية الذهب والفضة، والحلي المُحرَّم. (يصح السَّلَم فيه) لأنه لا يكون إلا في الذمة، فيحتاج
стр. 5027
إلى ضبط صفاته؛ قطعًا للنزاع، بخلاف الجوهر ونحوه؛ فإنه لا ينضبط بالوصف (منجم نجمين فأكثر، يُعلم لكل أجل نجم) أي: وقت (قِسطه ومدَّته) لما تقدم (تساوت) النجوم (أو لا) أي: أو لم تتساو كما تقدمت (١) الإشارة إليه (فلا تَصِح) الكتابة (حالَّة) لأنه يفضي إلى العجز عن الأداء وفسخ العقد.
(ولا) تصح الكتابة (على عبد مطلق) كأن يُكاتب رقيقه على عبد ويطلق؛ لأنه عوض مقدَّر في عقد أشبه البيع. وقال القاضي وأصحابه: تصح، وصححه ابن حمدان كمهر، وله الوسط.
(ولا) يصح أيضًا (توقيت النجمين بساعتين ونحوه) مما لا وقع له في القدرة على الكسب؛ (بل يُعتَبر ما له وقعٌ في القُدرة على الكسب؛ صوّبه في "الإنصاف" وإن كان ظاهر كلام الأصحاب خلافه) قال في "تصحيح الفروع": ظاهر كلام كثير من الأصحاب الصحة، ولكن العُرف والعادة والمعنى: أنه لا يصح قياسًا على السَّلَم، لكن السَّلَم أضيق، انتهى.
وقال في "المنتهى": ولا يشترط أجل له وقع في القدرة على الكسب فيه. قال في "شرحه": في الأصح، فيصح توقيت النجمين بساعتين.
(و تصِحُّ) الكتابة (على خدمة مُفردة منجّمة في مدتين فأكثر، كأن يكاتبه في أول المُحرَّم على خدمته فيه) أي: المُحرَّم (وفي رجب، أو على خياطة ثوب؛ وبناء حائط عينهما، وكذا لو قال) السيد لرقيقه: كاتبتك (على أن تَخدمني هذا الشهر، و) على (خياطة كذا عقيب الشهر، أو):
стр. 5028
كاتبتك (على أن تَخدُمني شهرًا من وقتي هذا، وشهرًا عقيب هذا الشهر) فيصح؛ لأنهما أجلان، وإن ولي أحدهما الآخر.
(وإن كاتبه على خدمة شهر مُعَين) كرجب، ولي العقدَ، أو لا (أو) كاتبه على خدمة (سنة معيَّنةٍ) كسنة خمس تلي العقد، أو لا (لم يصحَّ) عقد الكتابة (لأنه نجم واحد.
وتصح) الكتابة (على خدمة ومال) لأن كلًّا منهما يصح أن يكون عوضًا في غير الكتابة، فليكن فيها كذلك، سواء (تقدمت الخدمة، أو تأخرت) لأن تقدّمها وتأخرها لا يخرجها عن كونها صالحة للعوض، وأوَّلها عقب العقد مع الإطلاق (إن كان المال مؤجلًا ولو إلى أثنائها) أي: أثناء مدة الخدمة، كأن يكاتبه على خدمته (١) من شهر رجب وعلى دينار، وجعل محله في نصف رجب، أو في انقضائه، فيصح، كما لو جعل محله فيما بعد رجب؛ لأن الخدمة بمنزلة العوض الحاصل في ابتداء مدتها، فيكون محلها غير محل الدينار (بخلاف الخِدمةِ، فإنه لا يشترط تأجيلُها) لأن المنع من الحلول في غيرها لأجل العجز عنه في الحال، وهذا غير موجود في الخدمة، فجازت حالة، ويصح أن يكون أجل الدينار قبل الخدمة إن لم تكن متصلة بالعقد، مثل أن يكاتبه في المُحرَّم على دينار سلخ صفر، وخدمته شهر رجب.
(وإذا كاتب) السيد (العبدَ، وله مال، فمالُه لسيده، إلا أن يشترطه المُكاتَب) لأنه كان له قبل الكتابة، فيكون له بعدها، وكما لو باعه، أو أعتقه (فإن كانتْ له) أي: العبد قبل أن يكاتب (سُرِّية -إن جوزنا للعبد التسري- أو) كان له (ولد منها) أي: من سُرِّيَّته بناء على ذلك القول (فهو)
стр. 5029
أي: المذكور من السُّرِّيَّة والولد (لسيده) لأن ذلك من جملة ماله، فيكون لسيده، إن لم يشترطه المُكاتَب.
(وإذا أدى) المُكاتَب (ما كُوتب عليه، فقبضه السيد) مع أهليته للقبض، أو قبضه وكيله (أو) قبضه (وَليُّه) إن لم يكن السيد أهلًا (أو أبرأه) السيد (منه) أي: مما كوتب عليه (عتق) لأنه لم يبق لسيده عليه شيء، و (لا) يعتق (قبل الأداء) لجميع ما كوتب عليه (والإبراء) منه؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "المكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليهِ دِرهمٌ" رواه أبو داود (١)، دَلَّ بمنطوقه على أنه لا يَعتِق حتى يؤدي جميع كتابته، ومفهومه أنه إذا أداها لا يبقى عبدًا. (وإن كاتبه على دنانير، فأبرأه) السيد (من دراهمَ، أو بالعكس) بأن كاتبه على دراهم، فأبرأه من دنانير (لم تصحَّ البراءة) لأنه أبرأه مما ليس له عليه (إلا أن يزيد) في البراءة لفظ: (بقَدر ذلك مما لي عليك) فتصح البراءة منه اكتفاء بالمعنى (ولو كان في ملكه) أي: المكاتب (ما يؤدي) منه (فهو عبد ما بقي عليه درهم) لحديث عَمرو بن شعيب السابق.
(فإن) مات السيد وورثه اثنان فأكثر، و (أبرأه) أي: المُكاتَب (بعض ورثته) أي: السيد (من حقه منها) أي: الكتابة بمعنى دينها (وكان) المبرئ (موسرًا) بقيمة باقيه (عتق عليه كله) بالسراية؛ لما تقدم (٢) في من أعتق شركا له في رقيق.
(وما فضل في يده) أي: المُكاتَب (بعد الأداء) لجميع مال الكتابة (فـ) ـهو (له) أي: للمُكاتَب؛ لأنه (٣) له، بدليل صحة تصرفه فيه
стр. 5030
قبل العتق.
(فإن مات) المُكاتَب (أو قُتِل، ولو كان القاتل) له (السيد قبل الأداء، انفسخت الكتابة، ومات عبدًا، وكان ما في يده لسيده) سواء خلَّف وفاء أم لا، لحديث عَمرو بن شعيب السابق؛ ولأن الكتابة عقد معاوضة على المُكاتَب، وقد تلف المعقود عليه قبل التسليم؛ فبطل. وتفارق الكتابة البيع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين غير معقود عليه، ولا يتعلق بعينه، فلم ينفسخ بتلفه، بخلاف الكتابة.
(وإن عجّل) المُكاتَب (ما عليه) من دين الكتابة (قبل محلّه، لزم سيدَه أخذه، وعتق إن لم يكن فيه) أي: في أخذه قبل محله (ضرر) على السيد؛ رواه سعيد عن عمر وعثمان (١). ولأن الأجل حق لمن عليه الدين، فإذا قدمه، فقد رضي بإسقاط حقه، فسقط، كسائر الحقوق، لا يقال: إذا علق عتق رقيقه على فعل في وقت، ففعله في غيره لا يعتق؛ لأن هذا صفة مجردة لا يعتق إلا بوجودها، والكتابة معاوضة يعتق فيها بأداء العوض، فافترقا.
فإن كان في قبضها قبل محلها ضرر، بأن دفعها بطريق مخوف، أو
стр. 5031
كانت مما يحتاج إلى مخزن كالطعام والقطن ونحوه، لم يلزم السيد أخذها؛ لأن الإنسان لا يلزمه التزام ضرر لا يقتضيه العقد، ولا يعتق ببذله مع وجود الضرر.
(فلو أبى) السيد أخْذَ المعجل مع عدم الضرر (جعله الإمام في بيت المال، ثم أداه إلى السيد وقت حلوله، وحكم بعتق المُكاتَب في الحال) أي: حال أخذ المعجل منه؛ لما روى الأثرم بإسناده عن أبي بكر بن حزم "أن رجلًا أتى عمرَ فقال: يا أميرَ المؤمنينَ إني كوتبتُ على كذا وكذا، وإنِّي أيسرتُ بالمالِ وأتيتُهُ به، فزعم ألا يأخُذها إلا نجومًا، فقال عمر: لا يَرفأ، خُذْ هذا المال، فاجعَلهُ في بيتِ المال، وأدِّ إليه نجومًا في كل عامٍ، وقد عتق هذا، فلما رأى ذلك سيِّدُه أخذَ المال" (١)، وعن عثمان نحوه (٢).
(وإذا كاتبه على جنسٍ كدنانير ودراهم، أو عرض، لم يلزمه) أي: السيد (قبض غيره) أي: غير ما وقع عليه العقد؛ لأنها معاوضة، فلا تلزمه، ولا يُجبر عليها، وإن تراضيا؛ جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما.
(وإذا أدَّى) المُكاتَب (العوض) الذي كُوتِب عليه جميعه (وعتق، فبانَ العوض معيبًا، فله) أي: السيد (أرشه) إن أمسْكه (أو عوضه إن رده، ولم يبطل عتقه) لأنّه إتلاف، فإذا وقع لم يرتفع، وكالخلع، وإطلاق عقد الكتابة يقتضي سلامة العوض فيها، وقد تعذَّر رَد المكاتَب رقيقًا، فوجب
стр. 5032
أرش العيب، أو عوض المعيب؛ جبرًا لما اقتضاه إطلاق العقد.
(وإذا أحضر) المُكاتَب (مال الكتابة، فقال السيد: هذا حرام أو غصب) فلا يصح أن أقبضه منك (فإن أقرَّ به المُكاتَب، أو ثبت ببينة) أنه حرام، أو غصب، (لم يلزم السيد قبوله، ولا يجوز له) قبوله، وسُمِعت بينة السيد بذلك؛ لأن له حقًّا في ألا يقتضي دينه من حرام، ولا يأمن أن يرجع صاحبه عليه به.
(وكذلك نفقة الزوجة، و) كذلك (صداقها، و) كذلك (كل حق) من قرض، أو قيمة مُتلَف، أو أرش جناية ونحوه (أو عوض في عقد) كثمن مبيع وأجرة ونحوها، إذا حضر بها من هي عليه، وادَّعى مَن هي له أنها حرام أو غصب، لم يجز له قَبولها، ولم يلزمه إن ثبت ذلك بإقرار المدين، أو ببينة.
(فإن أنكر) المُكاتَب أنها غصب، أو حرام (ولم يكن للسيد بينة، فقول العبد مع يمينه) أنه ملكه؛ لأنه الأصل (ثم يجب) على السيد (أخذه، ويعتق) المُكاتَب بأخذه؛ لأن الأصل أنه ملكه.
(فإن نَكَل) المُكاتَب (عن اليمين؛ لم يلزم السيد قبوله) ويحلف السيد أنه حرام.
(وإن حلف) المُكاتَب أنه ليس بحرام (قيل للسيد: إما أن تقبضه؛ وأما أن تُبرئه ليعتق) لأن الظاهر أنه ملكه.
(فإن قبضه) السيد (وكان تمام كتابته، عتق العبد) لأنه لم يبقَ عليه شيء في الظاهر (ولم يمنع السيد من التصرف فيه) أي: فيما قبضه وقال: هو حرام أو غصب (إن لم يقرَّ به لأحد) معين، لعدم صحة الإقرار إذًا (وعليه إثمه فيما بينه وبين الله) فلا يجوز له التصرف باطنًا فيه إذا علمه
стр. 5033
حرامًا.
(وإن ادّعى) السيد (أنه) أي: المُكاتَب (غَصَبه من فلان) أو سَرَقه منه ونحوه (لزمه) أي: السيد (دفعه إليه) أي: إلى المقر له به، إن صدقه، مؤاخذة له بإقراره.
(فإن أبرأه) أي: أبرأ السيد مُكاتَبه (من مال الكتابة، لم يلزمه قَبْضه؛ لأنه لم يَبقَ له عليه حق) حتى يلزمه أخذه.
(وإن لم يُبرئه) السيد من مال الكتابة (ولم يقبضه) أي: المال الذي أحضره له وقال السيد: إنه حرام، ولم يقم به بينة، وحلف المُكاتَب أنه ليس بحرام (كان له) أي: المُكاتَب (دفع ذلك) المال (إلى الحاكم، لينوب الحاكم في قبضه عنه) أي: عن السيد؛ لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بغير حق (ويعتق العبد) بأخذ الحاكم ذلك منه كما لو أخذه السيد.
(ولا بأس أن يُعجِّل المُكاتَب لسيِّده) مال الكتابة قبل حلول أجله (ويضع عنه) السيد (بعضَ كتابته) مثل أن يُكاتبه على ألف في نجمين إلى سنة، ثم يقول له: عَجِّل خمسمائة حتى أضع عنك الباقي أي: أُسقطه، أو قال: صالحني منه على خمسمائة معجَّلة، جاز ذلك؛ لأن دين الكتابة غير مستقر، وليس بدين صحيح؛ بدليل أنه لا يُجبر على أدائه، ولا تصح الكفالة به، وما يؤدّيه إلى سيده كسب عبده، وإنما جعل الشرع هذا العقد وسيلة إلى العتق، وأوجب فيه التأجيل مبالغة في تحصيل العتق، وتخفيفًا عن المُكاتَب، فإذا أمكنه التعجيل على وجه يسقط به عنه بعض ما عليه، كان أبلغ في حصول العتق، وأخف على العبد، وبهذا فارق سائر الديون، ويفارق الأجانب من حيث إن هذا عبده، فهو أشبه بعبده القِن.
стр. 5034
(وإن اتفقا على زيادة الأجل والدَّين) مثل أن يكاتبه على ألف في نجمين إلى سنة، يؤدّي نصفها في نصف السنة، والباقي في آخرها، ثم جعلاها إلى سنتين بألف ومائتين في كل سنة ستمائة، أو يحل عليه نجم فيقول: أخِّرني إلى كذا، وأريدك كذا (لم يجز) لأن هذا يُشبه ربا الجاهلية المُحرَّم؛ ولأن المؤجَّل إلى وقت، لا يتأخر أجله عن وقته باتفافهما عليه، ولا يتغير أجله بتغييره، وإذا لم يتأخر عن وقته، لم تصح الزيادة التي في مقابلته؛ ولأنه يأخذ أكثر مما وقع عليه العقد، بخلافه في الأولى.
(وإذا دفع) المُكاتَب أو غيره (إلى السيد مال الكتابة ظاهرًا؛ فقال له السيد: أنت حرٌّ، أو قال) بعد الدفع إليه: (هذا حُرٌّ، ثم بان العوض مستحقًّا) لغيره، بأن تبين أنه غصبه، أو سرقه ونحوه (لم يعتق) المُكاتَب (بذلك) لفساد القبض، وقوله: أنت حرّ ونحوه، إنما قاله اعتمادًا على صحة القبض.
(فلو ادَّعى المُكاتَبُ أن السيد قَصَد بذلك عتقه) لا في مقابلة القبض (وأنكر السيدُ) ذلك (فقول السيد) بيمينه؛ لأنه أدرى بنيته.
فصل
(ويملك المُكاتَبُ نَفْعَ نفسه، و) يملك (كسبَه، والإقرارّ، وكلَّ تصرف يُصْلح ماله من البيع والشراء، والإجارة والاستئجار) لأن عقد الكتابة لتحصيل العتق، ولا يحصل إلا بأداء عوضه، وهو متعذِّر ألا بالاكتساب، والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب؛ فإنه قد جاء في
стр. 5035
الأثر "أنَّ تسعة أعْشَارِ الرِّزْقِ في التجارة" (١) (و) يملك (الإنفاق على نفسه وولده التابع له من أَمَته، و) على (رقيقه) لأن ذلك مما لا غناء عنه.
(وله) أي: المكاتب (أن يقتص لنفسه ممن جنى عليه، على طرفه، أو جرحه) وقوله: (بغير إذن سيده) متعلق بـ"يقتص"، ويحتمل أن يتعلق بقوله: "ويملك المكاتب" لأنه لو عفا على مال؛ كان له، فكذلك بدله.
(وله) أي: المكاتب (شراء ذوي رحمه) لأنه اشترى مملوكًا بما لا ضرر على السيد في شرائه، أشبه الأجنبي.
(و) له (قبولهم إذا وُهِبوا له، أو وُصِّي له بهم، ولو أضروا بماله، وله أن يفديهم إذا جَنوا) لأن في ذلك كله تحصيلًا لحريتهم بتقدير عتقه،
стр. 5036
فكان له ذلك؛ لأن العتق مطلوب شرعًا (وإذا ملكهم لم يجز بيعهم) لأنه لا يملكه لو كان حرًّا، فلا يملكه مُكاتَبًا (وكسبهم له) أي: كسب ذوي رَحِم المُكاتَب المحرم له؛ لأنهم عبيده، فكان له كسبهم كالأجانب (وحكمهم) أي: حكم ذوي رحمه المحرم (حكمه) أي: المُكاتَب (إن عتق) بالأداء أو الإبراء؛ (عتقوا) لأنه كمل فيهم ملكه، وزال تعلق حق سيده بهم.
(وإن عجز؛ رقوا لسيده) لأنهم من ماله، فيصيرون للسيد عند عجزه، كعبيده الأجانب (إلا إذا أعتقه سيده، فلا يعتقُون، بل) هم (أرقَّاء لسيده) لأن من عتق على غير مال، يكون ما بيده لسيده، كما تقدم (١) (وولده) أي: المُكاتَب (من أمَته كذلك) أي: كذوي رَحِمه المحرم، إن عتق عتق معه، وإن عجز رق. وإن أعتق المُكاتَبَ سيدُه كان ولده لسيده، وأما ولده من غير أَمَته فتابع لأمّه.
(وله) أي: المُكاتَب (تأديب رقيقه، و) له (تعزيرهم، و) له (خَتْنهم) لأنه من مصلحة ملكه (لا إقامة الحد عليهم) لأنه موضع ولاية، وما هو من أهلها.
(وله المطالبة بالشفعة، والأخذ بها) أي: الشفعة (ولو من سيِّده. وكذا السيد) له الأخذ بالشفعة (منه) أي: من مُكاتَبه (لأنه) أي: المُكاتَب (مع سيده في البيع والشراء كالأجنبي) وتقدم في الشفعة (٢).
(وله) أي: المُكاتَب (الشراء نسيئة بلا رهن) لأنه لا غرر فيه. قال في "الشرح": ولا يجوز أن يدفع به رهنًا، لأن الرهن أمانة وقد يتلف، أو
стр. 5037
يجحده الغريم، وله أن يستسلف في ذمته وأن يقترض؛ لأنه ينتفع بالمال.
(وله شراء من يعتق على سيِّده) كابن سيده، وأخيه، ويعتق إن عجز المُكاتَب، أو أعتقه سيده.
(وسفره) أي: المُكاتَب (كـ) ـــسفر (مدين) فلسيده منعه، ولا يتأتَّى أن يوثق برهن يحرز أو كفيل مليء؛ لأنهما لا يصحان بمال الكتابة على ما تقدم (وتقدم في الحَجْر (١)) حكم سفر الغريم.
(وله) أي: المُكاتَب (أخذ الصدقة الواجبة والمستحبة) لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢) وإذا جاز الأخذ من الواجبة، فالمستحبة أَولى.
(فإن شرط) السيد (عليه ألَّا يسافر، ولا يأخذ الصدقة، ولا يسأل الناس؛ صح) الشرط وكان لازمًا؛ لقوله ﷺ : "المسلمون على شُروطهم" (٣)؛ ولأن للسيد في هذا الشرط فائدة، فلزم، كما لو شرط نقدًا معلومًا.
(فلو خالف) المُكاتَب (وفعل) ما شرط عليه ألَّا يفعله (كان لسيده تَعجيزُه) لمخالفته الشرط، قال أحمد (٤): قال جابر بن عبد الله: "هم على شُروطهم" (٥) إنْ رأيته يسأل تنهاه، فإن قال: لا أعود، لم يرده عن كتابته
стр. 5038
في مرة. قال في "الشرح": فظاهر هذا: أن الشرط صحيح لازم، وأنه إن خالف مرة لم يُعجِّزه، وإن خالف مرتين فأكثر، فله تعجيزه.
"تنبيه": ظاهر كلامهم هنا: لا يبطل الكتابة جمع بين شرطين فأكثر، بخلاف البيع.
(ولا يصح شرط نوع تجارة) أو ألَّا يتَّجر مطلقًا؛ لأنه ينافي مقتضى العقد الموضوع للعتق.
(وليس له) أي: المُكاتَب (أن يُسافر لجهاد) بغير إذن سيده؛ لتفويت حق سيده، وعدم وجوبه عليه (ولا) أن (يبيع نَسَاء، ولو برَهْن وضمينٍ) بغبر إذن سيده (ولو) كان (بأضعافٍ قيمته) لما فيه من الضرر على سيده، وفيه غرر بتسليم ماله لغيره، والرهن قد يتلف، والغريم والضمين قد يُفلِسان.
(وإن باع) شيئًا (بأكثر من قيمته) وجعل قدر القيمة (حالًّا، وجعل الزيادة مؤجلة؛ جاز) لأنه منفعة من غير مضرة.
(ولا يرهن) المُكاتَب ماله (ولا يُضارِب) أي: يدفع ماله إلى غيره مضاربة؛ لأنه تغرير بالمال، وله أن يأخذ قِراضًا؛ لأنه من أنواع الكسب.
(ولا يتزوَّج، ولا يتسرَّى، ولا يُقرِض) ظاهره: ولو برهن كالبيع نَسَاء. وقال في "المبدع": لم يذكروا قرضه برهن (ولا يتبرّع، ولا يدفع ماله سَلمًا) لأنه في معنى البيع نسيئة.
(ولا يهب ولو بثواب مَجْهول) إلا بإذن سيده؛ لأن حق السيد لم
стр. 5039
ينقطع عنه، وقد يعجز فيعود إليه. وعلم من قوله: بثواب مجهول: أنه لو كان معلومًا صح، حيث لا محاباة؛ لأنها بيع في الحقيقة. وعبارة "المنتهى" تقتضي المنع مطلقًا، إلا أن تحمل على ما إذا كان العوض مجهولًا، أو كان فيها محاباة، ولعله أظهر.
(ولا يُحَابي) المُكاتَب في بيع ولا شراء ونحوه (ولا يُعير دابته) بغير إذن سيده؛ لأنه تبرع. قال الحلواني: له إطعام الطعام لضيفانه، وإعارة أواني منزله مطلقًا.
(ولا يوصي) المُكاتَب (مسألة) لأنها تبرع بعد الموت، لكن تقدم: تصح وصيته إن مات حرًّا، في كتاب الوصية (١).
(ولا يَحُطُّ) المُكاتَب (عن المشتري شيئًا) من الثمن، ولا عن المستأجر شيئًا من الأجرة ونحو ذلك؛ لأنه تبرع.
(ولا يَضْمن) المُكاتَب مالًا (ولا يتكفّل بـ) ــــبدن (أحد، ولا ينفق على قريبه غير ولده الذي يتبعه) في الكتابة، وغير ذوي رحمه المحرم إذا ملكهم (ولا يتوسع في النّفقة) لأن ذلك في معنى التبرع.
(ولا يقتص إذا قتلَ بعضُ رقيقه بعضًا) لما فيه من تفويت حق السيد، بإتلاف جزء من رقيقه الجاني من غير إذن سيده (ولا يكاتبه) لأن الكتابة نوع إعتاق فلم تجز منه، كالمنجز (ولا يعتقه ولو بمال في ذمّته) لأنّه نوع إعتاق، أشبه العتق بغير مال (ولا يزوّجه) لأنّه نوع تبرع.
(ولا يُكَفِّرَ بمال) لأنه عبد؛ وفي حكم المعسر، بدليل أنه لا يلزمه زكاة، ولا نفقة، ويُباح له أخذ الزكاة لحاجته (إلا بإذن سيده في هذه المسائل كلّها) فإن أذن له زال المانع.
стр. 5040
(وإن أذن له في التكفير بالمال، لم يلزمه) أي: التكفير بالمال؛ لأن عليه ضررًا، لما يُفضي إليه من تفويت حريته (وكذا تبرُّعه) إذا أذن له فيه لا يلزمه (ونحوه) كما لو أذن له في المُحاباة أو العتق، فلا يلزمه لعدم ما يوجبه، لكن يجوز له فعله؛ لأن المنع إنما هو لحق السيد، وقد زال بإذنه.
(و ولاء من يعتقه) المُكاتَب لسيده (أو) ولاء من (يُكاتبه) إذا أدى (١) ما كُوتب عليه (لسيده، ولو مع عدم عجزه) أي: المُكاتَب (و) عدم (رجوعه إلى الرّق) لأن العتق لا ينفك عن الولاء، والوَّلاء لا يوقف؛ لأنه سبب يورث به، فهو كالنسب (إلا أن يؤدي هو) أي: المُكاتَب الأول (قبل أن يؤدي) إليه (مكاتَبهُ) ما كوتب عليه (فيكونُ ولاء كل منهما لسيده الذي كاتبه) أي: فولاء الأول لسيده، وولاء الثاني للأول؛ لحديث: "الولاء لمن أعتق" (٢).
(وإذا كوتبت الأمَة وهي حامل) تبعها وَلَدُها (أو) حملت و (ولدت بعدها) أي: الكتابة (تبعَها وَلَدُها، إن عتقتْ بأداء أو إبراءٍ؛ عَتَق) لأن الكتابة سبب للعتق، لا يجوز إبطاله من قبل السيد بالاختيار، فسرى إلى الولد، كالاستيلاد والتدبير، ويفارق التعليق بالصفة، فإن السيد يملك إبطاله بالبيع.
و (لا) يعتق ولدها (بإعتاقها) بدون أداء أو إبراء، كما لو لم تكن مكاتبة، ويكون لسيدها (و) لا يعتق ولد المكاتبة بـ (ـــموتها) قبل الأداء والإبراء، كغير المُكاتبة، وإن قُتِل فقيمته لها، وكذا لو جُني عليه؛ لأنه
стр. 5041
بمنزلة جزئها، وبدل جزئها لها؛ قاله في "الكافي".
(وولد بنتها) أي: بنت المُكاتبة التابعة لأمها، ذكرًا كان أو أنثى (كبنتها) لأن الولد يتبع أُمّه، والأم تابعة لأمّها، فيعتق إن عتقت الكبرى بأداء أو إبراء، لا بإعتاق وموت.
و (لا) يتبعها (ولد ابنها؛ لأنه يتبع أُمّه) دون أبيه، إن لم يكن من سُرِّيَّتِهِ، فيتبعه كما تقدم (١) في المُكاتَب.
(ولا يتبعها) أي: المُكاتَبة (ما ولدته قبل الكتابة) لأنه لو باشرها بالعتق، لا يتبعها ولدها، فلأن لا يتبعها في الكتابة بطريق أَولى.
(ولو أعتق السيِّدُ الولدَ) أي ولد المُكاتَبة (دونها) أي دون أُمّه (صحَّ عتقه) له؛ نصًّا (٢)؛ لأنه مملوك له كأمّه، وكما لو أعتقه معها.
(وإذا اشترى المكاتَبُ زوجتَه) انفسخ النكاح (أو اشترت المُكاتَبة زوجَها؛ انفسخ النكاح) لما يأتي من أنه متى ملك أحد الزوجين الآخر، أو بعضه؛ انفسخ النكاح، وملك المُكاتَب صحيح؛ لما تقدم من ملكه لكسبه ومنافعه.
(وإن استولد) المُكاتَب (أمَته؛ صارت أُم ولد له، وامتنع عليه بيعها) لأن ولدها له حرمة الحرية، ولهذا لا يجوز بيعه، ويعتق بعتق أبيه، أشبه ولد الحر من أَمَته.
(وإن لزمته) أي: المُكاتَب (ديون معاملةٍ؛ تعلّقتْ بذمته) لأنه لما ملك كسبه صارت ذمته قابلة للاشتغال؛ ولأنه في يد نفسه، فليس من السيد غرر بخلاف المأذون له (يُتْبَعُ بها) أي: بالديون (بعد العتق) إذا
стр. 5042
عَجَزَ عنها؛ لأن ذلك حال يساره.
(ولا يملك غريمُه تعجيزَه) لعدم تعلُّقها برقبته (وإن عَجَزَ) المُكاتَب عن ديون المعاملة (تعلَّقت بذمة سيده) معطوف على المنفي بلا، أي: ولا يقال: إن عَجَزَ تعلَّقت بذمة سيده؛ لئلا يناقض ما ذكره أولًا من أنها تتعلَّق بذمته، ويُتْبع بها بعد العتق، ويخالف كلامَ الأصحاب ونصَّ الإمام. قال في "المغني" و"الشرح" فيما إذا مات المُكاتَب المدين: ويستوفى دينه مما كان في يده، فإن لم يفِ بها، تسقط. قال أحمد (١): ليس على سيده قضاء دينه، هذا كان يسعى لنفسه. انتهى. وتقدمت -أيضًا- الإشارة إلى الفرق بينه وبين المأذون.
فصل
(ولا يملك السيد شيئًا من كسبه) أي: المُكاتَب، بل يملكه المُكاتَب؛ لأن الملك الواحد لا يتوارد عليه مالكان فأكثر في وقت واحد؛ ولأنه اشترى نفسه من سيده ليملك كتبه ومنافعه وماله، فلا يبقى ذلك لبائعه، كسائر المبيعات.
(ويحرم الربا بينهما) أي: بين السيد ومُكاتَبه؛ لأنه في المعاملة كالأجنبي منه (إلا في مال الكتابة) فيما إذا عجَّل البعض وأسقط عنه الباقي، وتقدمت (٢) قريبًا (وتقدم آخر الربا (٣)) وإنما استثني مال الكتابة (لتجويزهم تعجيل) دين (الكتابة بشرط أن يضع عنه بعضها، فيجوز في
стр. 5043
هذه الصورة) خاصة؛ لما تقدم.
(وإن جنى السيد عليه) أي: المُكاتَب (فله الأرش) لأنه معه كالأجنبي، ولا يجب إلا باندمال الجرح. وإن كان في الجناية تمثيل عتق به، وتقدم (١)، فلا أرشَ له، بل ماله لسيده؛ لأنه معتق بغير أداء، فإن قتل (٢)؛ فهدر (ولا قصاص) على سيد المُكاتَب بجنايته عليه؛ لعدم المكافأة.
(وإن حبسه) أي: حبس السيدُ مُكاتَبه، (فعلى السيد أرفق الأمرين بالمُكاتَب؛ من إنظاره مثل تلك المدة) التي حبسه فيها (أو أجرة مثله) في تلك المدة؛ لأنه قد وجد سببهما، فكان للمُكاتَب أنفعهما.
(وإن جنى المُكاتَب على غيره، ولو) كانت الجناية (على سيده، تعلقت برقبته) لأنه في الحقيقة عبد، ولأنه مع سيده كالحر في المعاملات، فكذا في الجنايات (واستوى الأول والآخِر) من المجني عليهم، فلا يُقدَّم أحدهم على الآخر؛ كجناية القِن المتعلقة برقبته (ولو كان بعضها) أي: الجناية (في كتابته، وبعضها بعد تعجيزه) فيسوَّى بين ذلك كله.
(وعليه) أي: المُكاتَب (فداء نفسه) مما في يده (مقدمًا على الكتابة، ولو حَلَّ نجم) لأن أرش الجناية يتعلق برقبة المُكاتَب، ودين الكتابة يتعلق بذمته؛ ولأنه إذا قدم حق المجني عليه على السيد في العبد القِن، وعلى حق المرتهن وغيرهما؛ فلأن يُقدم عليه في المُكاتَب بطريق الأولى (إلا أن يشاء وليُّ الجناية من سيد وغيره التأخيرَ إلى بعد وفاء مال
стр. 5044
الكتابة) فله ذلك؛ لأن الحق له وقد رضي بتأخيره.
(فإن كان فيها) أي: في جنابة المُكاتَب (ما يوجب القصاص، فلمستحقِّه استيفاؤه) لعدم المانع.
(وتبطل حقوق) المجني عليهم (الآخرين) المتعلقة برقبته؛ لفوات المحل (إن كان) القصاص (في النفس) بخلاف ما إذا كان في الطرف.
(وإن عفا) من وجب له القصاص (على مال) جاز، و (صار حكمه حكم الجنابة الموجبة للمال) فيتعلق برقبته، ويستوي وليها مع المجني عليه خطأ.
(فإن) بادر المُكاتَب و (أدَّى) للسيد دين الكتابة، ولم يكن ولي الجناية يسأل الحكم الحَجْر عليه وأجابه؛ صح (وعتق) لصحة الأداء؛ لأنه قضى حقًّا واجبًا عليه، فصح قضاؤه، كما لو قضى المفلِسُ بعض غرمائه قبل الحَجْر عليه.
وحيث تقرَّر ذلك (فالضمان) لأرش الجناية (عليه) أي: استقر في ذمته؛ لأنه كان واجبًا (١) قبل العتق، فكذلك بعده.
(وإن أعتقه سيده) فالضمان عليه (أو قتله) سيده (فالضمان عليه) أي: ضمان ما كان على المكاتَب من أقل الأمرين على سيده؛ لأنه بقتله أو عتقه فوَّت على وليِّ الجنابة محل تعلقها، وهو رقبة الجاني، فلزمه ما كان واجبا على الجاني.
(وإن عجَّزه) أي: عجَّز المكاتبَ الجاني سيده؛ لعجزه عن وفاء مال الكتابة (فعاد قِنًّا؛ خُيِّر) سيده (بين فدائه) بالأقل، من أرش الجناية، أو قيمته (و) بين (تسليمه) لولي الجناية، وبين بيعه فيها، كما لو
стр. 5045
لم يكن مُكاتَبًا.
(وإذا كان أرش الجنابة للسيِّد) بأن كانت الجناية عليه، أو على ماله، أو ورث أرشها عن المجني عليه (وعَجَّزه) سيده؛ لعجزه عن الوفاء (سَقَط عنه مال الكتابة وأرشُ الجناية) لأنه لا يجب له على قِنِّهِ مال؛ لأنه لو وجب لكان عليه.
(وإن بدأ المُكَاتبُ) الجاني على غير سيده (فدفع مال الكتابة إلى سيده، وكان وليُّ الجناية سأل الحاكمَ) أن يحجر عليه (فحجر عليه؛ لم يصح دفعه إلى سيده) لأن النظر فيه صار للحكم، كمال المحجور عليه لفلس (ويرتجعُه) الحاكم (ويُسلِّمُه إلى وليِّ الجناية) لأن أرش الجناية مقدم على دين الكتابة؛ لأن أرش الجناية مستقر، ودين الكتابة غير مستقر.
(فإن وفَّى) ما بيد المُكاتَب (بما لزمه) أي: المُكاتَب (من أرشها) أي: الجناية؛ سقط الطلب به عنه (وإلا باع الحاكم منه) بقَدر (ما بقي) عليه من أرش الجناية (وباقيه) أي: المُكاتَب (باق على كتابته) لعدم ما ينافيه.
(فإن أدَّى) المُكاتب (عتق بالكتابة، وسرى العتق إلى باقيه إن كان السيد موسرًا) بقيمة ما بيع منه في الجناية، ويغرم قيمته لشريكه؛ لحديث ابن عمر (١) في السراية السابق في من أعتق شركا له من عبد. وإن كان معسرًا عتق نصيبه فقط، وإن أيسر بالبعض؛ عتق بقَدر ما هو موسر به.
(وإن لم يكن الحاكم حجر عليه) أي: المُكاتَب الجاني، وبادر وأدى إلى سيده مال الكتابة قبل أرش الجناية (صح دفعه إلى السيد)