منهم عمر (١) وعلي (٢).
(أُم الولد مَنْ ولدت ما فيه صورةٌ، ولو) كانت الصورة (خفيةً، ولو) كان ما ولدته (ميتًا، من مالك) متعلّق بـ"ولدت" (ولو) كان مالكًا (بعضَها) ولو جزءًا يسيرًا (ولو) كان مالكها الَّذي ولدت منه (مُكاتَبًا) لصحة ملكه، لكن لا يثبت لها أحكام أُم الولد حتَّى يَعتق المُكاتَب، ومتى عجز وعاد إلى الرق؛ فهي أمَة قِن، ولا يملك المُكاتَب بيعها.
(أو) كانت المستولدة (مُحرَّمة عليه) أي: على سيدها الَّذي أولدها، كأخته من رضاع، وعمته منه ونحوها.
(أو) ولدت من (أبي مالكها) لأنها حملت منه بحُرٍّ، لأجل شُبهة الملك، فصارت أُم ولد له، كالجارية المشتركة (إن لم يكن الابن وَطِئها) نصًّا (٣)، قال القاضي: فظاهره إن كان الابن قد وَطِئها لم تصر أُم ولد للأب باستيلادها؛ لأنها تحرم عليه تحريمًا مؤبَّدًا بوطء ابنه لها، ولا تحل له بحال، فأشبه وَطْء الأجنبي، فعلى هذا لا يملكها ولا تعتق بموته،
стр. 5078
وأما الولد فيعتق على أخيه؛ لأنه ذو رَحِمه؛ لأنه من وطءٍ يُدرأ فيه الحدُّ لشُبهة الملك، فلَحقَ فيه النسب.
(وتعتق) أُمُ الولد (بموته) أي: موت سيدها، مُسلِمة كانت أو كافرة، عفيفة أو فاجرة، وكذا حكم السيد؛ لأن عتقها بسبب اختلاط دمها بدمِهِ، ولحمِها بلحمِهِ، فإذا استويا في السبب، استويا في حكمه (وإن لم يملك غيرَها) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "مَن وطئ أمته فَولدتْ (١)، فهي مُعْتَقةٌ عن دُبُرٍ منه" رواه أحمد وابن ماجه (٢)، وعنه أيضًا: قال: "ذُكرت أُمُّ إبراهيم عند رسُول الله ﷺ فقال: أعْتَقها ولدُها" رواه ابن ماجه والدارقطني (٣).
стр. 5079
ولأن الاستيلاد إتلاف حصل بسبب حاجة أصلية، وهي الوطء، فكان من رأس المال، كالأكل ونحوه، وإن كان من مريض.
(فإن وضعت جسمًا لا تخطيط فيه، كمضغة، ونحوها) كعلقة (لم تَصِرْ به أُم ولد) لأنه ليس بولد، وعتقها مشروط بصيرورتها: أُم ولد، فإن شهد ثقات من النساء بأن في هذا الجسم صورة خفية، تعلَّقت بها الأحكام؛ لأنهنَّ اطلعن علي الصورة التي خفيت على غيرهن.
(وإن ملك حاملًا من غيره) حَرُمَ عليه وطؤها قبل الوضع؛ لقوله ﷺ في سبايا أوطاس: "لا تُوطأُ حَاملٌ حتى تضع" رواه أبو داود (١).
(فـ) ــإن (وطئها؛ حَرُم) عليه (بيع الولد، و) لا يلحق به، بل (يُعتقه) لأنه قد شرك فيه؛ لأن الماء يزيد في الولد؛ نقله صالح (٢) وغيره. وعنه (٣): يعتق، وأنه يحكم بإسلامه، وهو يسري كالعتق. أي: لو كانت كافرة حاملًا من كافر، ووطئها مسلم، حكم بإسلام الحمل؛ لأن المسلم شرك فيه، فيسري إلى باقيه.
(وإن أصابها) أي: أصاب أمَةً (في ملك غيره، بنكاح) بأن تزوَّجها (أو) أصاب أمَةَ غيره بـ (ــشُبهة) بزوجته الرقيقة التي لم يشترط حرية ولدها، ثم ملكها (عَتق الحمل) لأنه ولده.
و (لا) يَعتق عليه إن أصابها في ملك غيره (بزنىً) ثم ملكها؛ لأن نسبه غير لاحق به، فليس رحمه، بل هو كالأجنبي، كما تقدم (ولم تصر أُمَّ ولَدٍ) لظاهر قوله ﷺ : "مَنْ وطِئَ أَمَتهُ فَولدتْ" (٤) وهذا الحمل لم
стр. 5080
يحصُل من وطئه حال كونها أَمَته.
(وإن وَطِئَ) السيد (أَمَته المزوَّجة، أُدِّب) لأنه وطءٌ مُحرَّم (ولا حَدَّ عليه) لأنها ملكه (وإن أولدها صارت أُمَّ ولدٍ له، وتعتق بموته) لدخولها في عموم قوله: "مَنْ وَطِيءَ أمتَهُ فَولدتْ" (١) (وولده حرٌّ) لأنه من أَمَتِهِ.
(وما ولدت) الأمَة المزوَّجة (بعد ذلك من الزوج، فله حكم أُمَّه) قال أحمد (٢): قال ابن عمر (٣) وابن عباس (٤) وغيرهما: ولدها بمنزلتها.
(وكذا لو ملك أُختَه) من الرضاع (أو) ملك (بنتَهُ) ونحوها (من الرضاع) أو موطوءة أبيه أو ابنه، أو أُم زوجته، أو بنتها وقد دخل بأُمِّها (فوطئها واستولدها) كانت أُم ولد له؛ لما تقدم.
(أو) ملك (أمَةً مجوسية، أو وثَنيَّة) ونحوها (أو ملك الكافرُ أمَةً مُسلِمة، فاستولدها) صارت أُمَّ ولد له.
(أو وطِئَ أمَته المرهونة) بغير إذن المُرتَهن، فحملت منه، صارت أُم ولد.
(أو وطِئَ ربُّ المال أمَةً من مال المضاربة) سواء ظهر فيه ربح أو لا، أو وطئ المضارب أمَةً من المال وقد ظهر ربح، صارت أُمَّ ولد له،
стр. 5081
وتقدم (١) لما سبق.
(و أحكام أُمِّ الولد أحكام الأمَة؛ من وطءٍ، وخدمةٍ، وإجارة، ونحوها) كالتزويج، والعتق، وملك كسبها، وحدها، وعورتها، وغيره من أحكام الإماء؛ لما روى ابن عباس مرفوعًا: "مَن وَطِيءَ أمتَه فولدتْ له، فهي مُعتقةٌ عن دُبُرٍ منه، أو قال: "مِن بَعده" رواه أحمد (٢)، فدلَّ على أنها باقية على الرق مدة حياته، فكسبها له.
(إلا في التدبير) فلا يصح تدبيرها؛ لأنه لا فائدة فيه، وتقدم (٣).
(و) إلا (فيما ينقُلُ الملك في رقبتها؛ كبيع، وهبة، ووقف، أو يراد له؛ كرهن) لحديث ابن عمر مرفوعًا: "أنَّه نَهى عن بَيعِ أمّهات الأولادِ وقال: لا يُبعْنَ ولا يُوهبْنَ ولا يُورَثْنَ، يَستمتِعُ بهنَّ السَّيد مادامَ حيًّا، فإذا ماتَ فهيَ حُرَّة" رواه الدارقطني (٤). ورواه مالك في "الموطأ"
стр. 5082
والدارقطني من طريق آخر عن ابن عمر، عن عمر موقوفًا (١)، قال المجد (٢): وهو أصح.
ولقوله ﷺ : "أعْتقها ولدُها" (٣) وتقدم.
وروى سعيد: حدثنا أبو معاوية، عن المغيرة، عن الشعبي، عن عَبِيدة قال: "خطب عليٌّ الناس، فقال: شاورني عمرُ في أمهاتِ الأولاد فرأيتُ أنا وعمرُ عتقهنَ، فقضي به عمر حياته، وعثمان حياته، فلما
стр. 5083
وليت رأيتُ فيهن رأيًا. قال عَبِيدة: فرأيُ عمر وعليٍّ في الجماعة أحبُّ إلينا من رأي عليٍّ وحده" (١).
قال في "الاختيارات" (٢): وهل الاختلاف في جواز بيعها شبهة؟ فيه نزاع، والأقوى: أنه شُبهة، وينبني عليه: ما لو وطِئ معتقدًا تحريمَه، هل يلحقه النسب أو يرجم المُحصَن؟ أما التعزير فواجب.
(وتصح كتابتها كما تقدم (٣)، وهي) أي: الكتابة (بيعٌ) لكونها ترادُ للعتق.
(ولا تورث) أم الولد، ولا يوصى بها؛ لأنها تعتق بموته.
(وولدها (٤) الحادث من غير سيدها بعد الاستيلاد حكمها، في العتق بموت سيدها، سواء عَتَقت أو ماتت قبله) أي: قبل العتق؛ لما
стр. 5084
تقدم (١) (إلا أنه لا يعتق بإعتاقها) أي: بإعتاق السيد لأم الولد؛ لأنها عَتَقت بغير السبب الذي يتبعها فيه، ويبقى عتقه موقوفًا على موت السيد، وكذا لو أعتقه.
(وولد المُدبرَّة) وفي نسخ: وولد المُكاتَبة (بعد تدبيرها، كَهِي) أي: فيتبعها في التدبير، وتقدم (٢)(٣) (لكن إذا ماتت) المُكاتَبة (يعود) ولدُها (رقيقًا) لبطلان الكتابة التي هي السبب الذي يتبعها فيه، وعبارته موهمة، وإصلاحها كما قررته لك.
(وإذا عَتَقت أم الولد بموت سيدها؛ فما في يدها لورثته) لأنه كان للسيد قبل موته، فيكون لورثته بعده، بخلاف المُكاتبة (إلا ثياب اللبس المُعتاد) فإنها لها؛ لأنها تتبعها في البيع.
(وكذا لو عتَقت) الأمَة (بتدبير، أو غيره) كوجود صفة عُلِّق العِتق عليها، فما بيدها لسيدها، وثياب اللبس المُعتاد لها؛ لأنها تتبعها في البيع، فكذا في العِتق.
(وإن مات) سيد أُمِّ الولد (وهي حامل منه؛ فلها النفقة لمدَّة حَمْلها من مال حملها) لأن الحمل له نصيب في الميراث؛ فتجب نفقته في نصيبه (وإلا) بأن لم يخلّف السيد شيئًا يرث منه الحمل (فـ) ـنفقة الحمل (على وارثه) الموسر؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٤).
стр. 5085
(وإذا جَنَتْ) أُمّ الولد (تعلَّق أرشُ جنايتها برقبتها) كالقِنِّ، إن كانت على غير سيدها (وعلى السيد أن يفديها) لأنها مملوكته، كالقِن (بأقل الأمرين من قيمتها يوم الفداء) لأنها لو تلفت جميعها لسقط الفداء، فيجب أن يسقط بعضه بتلف بعضها، وإن زادت قيمتها، زاد فداؤها؛ لأن المُتلَف (١) زاد، فزاد الفداء بزيادته، كالقِن (معيبة بعيب الاستيلاد) لأنه ينقصها، فاعتبر، كالمرض وغيره من العيوب. وإن كسبت شيئًا فهو لسيدها؛ دون المجنى عليه، وكذلك ولدها؛ لأنه منفصل عنها. وإن فداها في حال حَمْلها، فعليه قيمتها حاملًا؛ لأن الولد متَّصل بها، أشبه سِمنها (أو أرش جنايتها) ولا يسلمها ولا يبيعها؛ لما تقدم.
(وسواء كانت الجناية) من أُم الولد (على بدَنٍ أو مالٍ، أو بإتلاف) مال (أو إفساد نِكاح برضاع، كما يأتي في الرضاع) وسواء كانت خطأ، أو شِبه عمد، أو عمدًا؛ وعفا الوليٌّ عن القصاص إن وجب.
(وكُلَّما جَنَت) أُمّ الولد (فدَاها) بأقلِّ الأمرين. قال أبو بكر: ولو ألف مرة؛ لأنها أُم ولد جانية، فلزمه فداؤها كالأول.
(فإن كانت) أي: وجدت (الجنايات كلها) من أُم الولد (قبل فداء شيء منها، تعلق أرش الجميع برقبتها، ولم يكن عليه) أي: السيد (فيها) أي: في جنايات أُم ولده (كلها، إلا الأقل؛ من قيمتها، أو أرش جميعها) كالقِن.
(ويشترك المجنيُّ عليهم في الواجب لهم، كالغرماء) يتوزَّعون المال بالمحاصَّة، إذا ضاق عن وفائهم، وإن أبرأ بعضهم من حقه توفر الواجب على الباقين إن كان قبل الفداء، وإلا توفر أرشها على سيدها.
стр. 5086
(وإن كانت الجناية الثانية بعد فدائه) أم ولده (عن) الجناية (الأولى، فعليه فداؤها من التي بعدها) من الجنايات (كـ) ـما يفديها من (الأولى) بأقل الأمرين، وهو معنى قوله: "وكلما جنت فداها".
(وإن ماتت) أم الولد الجانية (قبل فدائها، فلا شيء على سيدها؛ لأنه لم يتعلق بذمته شيء) وإنما الأرش تعلَّق برقبتها، وقد فاتت (إلا أن يكون) السيد (هو الذي أتلفها) بأن قتلها (فيكون عليه قيمتها) إن كانت أقل من أرش الجناية، يسلمها للمجني عليه أو وليه، وكذا لو أعتقها، وإن نقصها فعليه أرش نقصها.
(وله) أي: لسيد أُم الولد (تزويجها، وإن كرهت) كالقِن؛ لأنه المالك لها ولمنافعها.
(وإن قتلته، ولو عمدًا؛ عَتقت) لأن المقتضي لعتقها زوال ملك سيدها عنها، وقد زال. فإن قيل: ينبغي ألَّا تعتق، كما: لا يرث إلا القاتل وكالمُدبَّر. أجيب: بأنها لو لم تعتق بذلك، لزم جواز نقل الملك فيها، ولا سبيل إليه؛ ولأن الحرية لله، والاستيلاد أقوى من التدبير.
(ولوليِّه) أي: ولي السيد (مع فَقْدِ ولدها من سيدها) الوارث له (القصاص) لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١).
وكما لو لم تكن أُم ولده، فإن وَرِث ولدها شيئًا من دم سيدها، فلا قصاص، كما يأتي في الجنايات.
(وإن عَفَوا) أي: أولياء السيد (على مال، أو كانت الجناية خطأ) أو شبه عمد (فعليها الأقل؛ من قيمتها، أو دِيَته) لأنها جناية من أم ولد؛ فلم يجب بها أكثر مما ذكر، اعتبارًا بحال الجناية، وكما لو جنى عبد فأعتقه
стр. 5087
سيده، وهي حال الجناية أَمَةٌ، وإنما تعلَّق موجب الجناية بها؛ لأنها فوَّتت رِقّها بقتلها لسيدها، فأشبه ما لو فوّت المكاتَب الجاني رقه بأدائه، وإنما عَتَقت بالموت.
(ولا حدَّ على قاذفها) كالمُدبَّرة؛ لأنها أَمَةٌ، حكمها حكم غيرها من الإماء في أكثر الأحكام، ففي الحد أَولى؛ لأنه يدرأ بالشبهات، ويحتاط لإسقاطه (ويعزَّر) قاذفها؛ لارتكابه معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة.
فصل
(وإذا أسلمت أم ولدِ الكافر) لم تَعتق بذلك؛ لأن في عتقها مجانًا إضرارًا بالسيد، وبالسعاية إضرارًا بها.
و (حِيل بينه وبينها) فلا يخلو بها؛ لئلا يُفضي إلى الوطء المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية (١) وتُسلَّم لامرأة ثقة تكون عندها لتحفظها، وإن احتاجت لأجر فعلى سيدها (ما لم يُسلِم) فَيُمَكَّن منها.
(وأُلزم بنفقتها، إن لم يكن لها كسب) لأنه مالكها، ونفقة المملوك على سيده، فإن كان لها كسب؛ فنفقتها فيه؛ لئلا يبقى له عليها ولاية بأخذ كسبها والإنفاق عليها، ومتى فَضَلَ من كسبها شيء عن نفقتها؛ كان لسيدها؛ ذكره القاضي وتبعه جماعة. وقال الموفق: إن نفقتها على سيدها، والكسب له، يصنع به ما شاء، وعليه نفقتها على التمام، سواء كان لها كسب أو لم يكن؛ وصَوَّبه في "الإنصاف". ولو فَضَل من كسبها
стр. 5088
شيء عن نفقتها، كان لسيدها.
(إلا أن يموت) ولو كافرًا (فتعتق) بموته؛ لأنها أمّ ولده، وشأن أمَّ الولد العتق بموت سيدها.
(وإن كان كَسْبها لا يفِي بنفقتها، لزمه إتمامها) أي: النفقة؛ لأنها مملوكته.
(ومن وطِئ أمةً) مشترَكة (بينه وبين آخر، فلم تحبل منه؛ لزمه نصفُ مهرها لشريكه) طاوعته أو لا؛ لأن المهر لسيدها، فلا يسقط بمطاوعتها، كما لو أذِنت في إتلاف بعض أعضائها، ويؤدَّب، قال الشيخ تقي الدين (١): وقُدح في عدالته. ولا حدَّ عليه.
(وإن أحبلها) أي: الأمَة المشتركة أحدُ الشريكين (صارت أمَّ ولدٍ له) إذا وضعت ما يتبين فيه بعض خَلقِ إنسان، كما لو كانت خالصة له، وتخرج بذلك عن ملك الشريك، موسرًا كان الواطِئ أو معسرًا؛ لأن الإيلاد أقوى من الإعتاق، كما تقدم (٢) (وولده حُرٌّ.
ولم يلزمه) أي: الواطئ (لشريكه سوى نصفِ قيمتها) لأنه أتلف نصيبه منها عليه، فيدفعه إليه إن كان موسِرًا (وإن كان معسِرًا ثبت في ذمته) كما لو أتلفها، ولا شيء عليه لشريكه في المهر والولد؛ لأن حصة الشريك انتقلت إليه بمجرّد العلوق، فلا يلزمه شيء من مهر مملوكته، والولد قد انعقد حُرًّا، والحر لا قيمة له.
(فإن وَطِئها الشريك) الثاني (بعد ذلك) أي: بعد أن أولدها الأول (وأحبلها) الثاني (لزمة) للأول (مهرها) كاملًا؛ لأنه وَطءٌ صادف ملك
стр. 5089
الغير، فأشبه ما لو وطِئَ أمَة أجنبية (ولم تصر أمَّ ولد له) لأنه ليس مالكًا لها، ولا لشيء منها.
(وإن جَهِلَ) الواطِئ الثاني (إيلاد) الشريك (الأول، أو) علمه وجهل (أنها مستولدة) أي: أنها صارت أمّ ولد لشريكه (فولده حُرٌّ) لأنه من وَطءِ شبهة (وعليه) أي: الواطئ الثاني (فداؤه) أي: فداء ولده الذي أتت به من وطئه؛ لكونه فوَّتَ رِقَّه على الأول، فيفديه بقيمته (يوم الولادة) لأنه قبلها لا يمكن تقويمه.
(وإلا) بأن لم يجهل الواطئ الثاني ذلك، بل عَلِمه (فولده رقيق) تبعًا لأمّه؛ لانتفاء الشبهة (سواء كان) الواطئ (الأول موسِرًا أو معسرًا) بقيمة نصيب شريكه؛ لما تقدم من أن الإيلاد أقوى من الإعتاق. ولا فَرق فيما تقدم بين كون الأمَة بينهما نصفين، أو لأحدهما جزء من ألف جزء والبقية للآخر.
"تتمة": إذا تزوَّج بِكرًا، فدخل بها، فإذا هي حُبلى، قال النبي ﷺ : "لها الصداق بما استَحللتَ منها، والولدُ عبدٌ لك، وإذا وَلَدت فاجلِدُوها" (١)، ولها الصداق، ولا حَدَّ، لَعلَها استُكرِهتْ؛ رواه أبو داود (٢) بمعناه من طرق. قال
الخطابي (١): لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به، وهو مرسل. وفي "التهذيب" (٢) قيل: لما كان ولد زنى، وقد غرته من نفسها، وغرم صداقها؛ أخدمه ولدها، وجعله له كالعبد، ويحتمل أنه أرقه عقوبة لأمه على زناها وغرورها، ويكون خاصًّا بالنبي ﷺ ، ويحمل أنه منسوخ، وقيل: كان في أول الإسلام يُسترق الحرُّ في الدين. والله أعلم.
стр. 5092
كتاب النكاح وخصائص النبي ﷺ -
стр. 5093
كتاب النكاح وخصائص النَّبيِّ ﷺ -
وذُكرت هنا، لأنها في النكاح أكثرُ منها في غيره.
(وهو) أي: النكاح لغةً: الضمُّ، ومنه قولهم: تناكحتِ الأشجارُ، أي: انضم بعضُها إلى بعضٍ، وقوله:
أيُّها المنْكِحُ الثريَّا سهيلًا … عَمْرَكَ الله، كيف يجتمعانِ؟ (١)
وعن الزجَّاج (٢): النكاحُ في كلام العرب بمعنى الوَطءِ والعَقْدِ جميعًا.
قال ابن جِنِّي عن أبي علي الفارسي (٣): فرّقت العربُ فرقًا لطيفًا يُعرف بهِ موضعُ العقد من الوطء؛ فإذا قالوا: نكَحَ فلانةَ أو بنتَ فلان؛ أرادوا تزويجَها والعقدَ عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته؛ لم يريدوا إلَّا المجامعةَ؛ لأنَّ بذكر امرأته وزوجتهِ يُستغنى عن العقد.
وشرعًا: (عقد التزويج) أي: عقد يُعتبر فيه لفظُ إنكاح، أو تزويج، أو ترجمتُهُ.
(وهو حقيقةٌ في العقد، مجازٌ في الوَطء) لأنَّه المشهور في القرآن والأخبار، وقد قيل: ليس في الكتاب لفظُ النكاح بمعنى الوطء إلَّا قولَه
стр. 5094
تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ (١)؛ لخبر. "حتَّى تَذوقي عُسَيلَتَهُ" (٢)؛ ولصحةِ نفيه عن الوَطء، فيقال: هذا نِكاحٌ وليس بسفاح، وصحةُ النفيِ دليلُ المجاز؛ ولأنه ينصرف إليه عند الإطلاق، ولا يتبادَرُ الذهن إلَّا إليه، فهو مما نَقَلَه العرفُ.
وقيل: إنه حقيقةٌ في الوطء، مجازٌ في العقد، عكسُ ما تقدم؛ لما سبق، والأصلُ عدُم النقل، واختاره القاضي في بعض كتبه.
والأشهرُ أنَّه مشترك؛ قاله في "الفروع". قال في "الإنصاف": وعليه الأكثر.
قال ابنُ رزين: والأشبه أنَّه حقيقة في كل واحدٍ باعتبار مطلق الضَمِّ؛ لأنَّ القولَ بالتواطؤ خيرٌ من الاشتراكِ والمجاز؛ لأنهما على خلاف الأصل.
(والمعقودُ عليه) أي: الذي يتناوَلُه عقدُ النكاح ويقعُ عليه (منفعةُ الاستمتاعِ، لا مِلْكُها) أي: ملك المنفعة. قال القاضي في "أحكام القرآن" (٣): المعقودُ عليه الحلُّ لا مِلك المنفعة، ولهذا يقع الاستمتاعُ من جهة الزوجة مع أنه (٤) لا مِلْك لها. وقيل: بل المعقودُ عليه الازدواج، كالمشاركة.
стр. 5095
وهو مشروعٌ بالإجماع (١)، وسندهُ قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢)، ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "يا معشرَ الشباب، مَن استطاع منكم الباءةَ فليتزوج؛ فإنَّه أغضُّ للبصرِ وأحصن للفرج، ومَنْ لم يستطع؛ فعليه بالصوم؛ فإنَّه له وِجاءٌ" متَّفقٌ عليه (٤). وغير ذلك من الأدلة.
واعلم أن الناس في النكاح على ثلاثةِ أقسام:
أحدها: ما أشار إليه بقوله: (يُسَنُّ لمن له شهوة، ولا يخافُ الزنى) للحديث السابق، علَّل أمرَه به بأنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج، وخاطبَ الشبابَ؛ لأنهم أغلبُ شهوةً، وذكرَه بأفعلِ التفضيل، فدل على أن ذلك أولى -للأمنِ من الوقوع في محظور النظرِ والزنى- من تركه (ولو) كان (فقيرًا) عاجزًا عن الإنفاق؛ نص عليه (٥).
واحتجَّ (٦) بأن النبي ﷺ "كان يُصبح وما عندهم شيء، ويُمسي وما عندهم شيءٌ" (٧) ولأنه ﷺ "زوَّجَ رجلًا لم يقدر على خاتمٍ مِنْ حديدٍ، ولا
стр. 5096
وَجَدَ إلَّا إزاره، ولم يكن له رداءٌ" أخرجه البخاري (١).
قال أحمد (٢) في رجلٍ قليل الكسب يضعف قلبه عن التزويج: الله يرزقهم، التَّزويجُ أحصنُ له.
قال في "الشَّرح": هذا في حق من يمكنه التزويجُ، فأمَّا من لا يمكنه. فقد قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣) انتهى. ونقل صالح (٢): يقترضُ ويتزوجُ.
(واشتغالُه) أي: ذي الشهوةِ (به) أي: النكاح (أفضلُ من) نوافلِ العبادةِ؛ قاله في "المختصر" ومن (التخلي لنوافلِ العبادة).
قال ابنُ مسعودٍ: "لو لم يَبقَ من أَجَلي إلَّا عشرَةُ أيامٍ، وأعلمُ أني أموت في آخرها يومًا، لي فيهن طَولُ النِّكاح؛ لتزوَّجتُ مخافة
стр. 5097
الفتنة" (١).
وقال ابن عباسٍ لسعيدِ بن جُبير: "تزوَّج؛ فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً" (٢).
قال أحمد في رواية المرُّوذي (٣): ليست العزوبةُ من أمرِ الإسلام في شيءٍ، ومن دعاك إلى غير التزويج، فقد دعاك إلى غير الإسلام، ولو تزوَّج بِشرٌ (٤)، كان قد تمَّ أمرُه.
ولأن مصالحَ النكاح أكثرُ من مصالحِ التخلي لنوافل العبادة؛ لاشتمالهِ على تحصين فرجِ نفسه، وزوجته، وحفظها، والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثيرِ الأمَّة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ (٥)، وغير ذلك
стр. 5098
من المصالح الراجح أحدُها على نفل العبادة.
القسم الثاني: ذكره بقوله: (ويباحُ) النِّكاحُ (لمن لا شهوةَ له) كالعِنِّين والمريض والكبير؛ لأنَّ العلةَ التي لها يجبُ النِّكاحُ أو يستحبُّ -وهو خوفُ الزنى أو وجودُ الشهوة- مفقودةٌ فيه؛ ولأن المقصودَ من النِّكاح الولدُ وهو في من لا شهوةَ له غيرُ موجود؛ فلا ينصرفُ إليه الخطابُ به، إلَّا أن يكونَ مباحًا في حقّه كسائرِ المباحات؛ لعدم مَنْعِ الشرع منه، وتخلِّيه إذًا لنوافل العبادة أفضلُ؛ لمنع من يتزوَّجُها من التحصينِ بغيره، ويضرُّها بحبسِها على نفسه، ويُعَرِّضُ نفسه لواجباتٍ وحقوقٍ لعلَّهُ لا يقومُ بها، ويشتغلُ عن العلم والعبادة بما لا فائدةَ فيه.
القسم الثالث: ما أُشيرَ إليه بقوله: (ويجبُ على من يخافُ الزنى) بتركِ النِّكاح (من رجلٍ وامرأةٍ) سواءٌ كان خوفُه ذلك (عِلمًا أو ظنًّا) لأنَّه يلزمُه إعفاف نفسِه، وصرفُها عن الحرام، وطريقُه النِّكاحُ (ويقدَّمُ حينئذ) وَجَبَ (١) (على حجٍّ واجبٍ، نصًّا (٢)) لخشية الوقوع في المحظور بتأخيره، بخلافِ الحجِّ.
قال أبو العباس (٣): وإن كانت العباداتُ فرض كفايةٍ، كالعلمِ والجهادِ؛ قُدِّمت على النِّكاح؛ إذا لم يَخشَ العَنَتَ.
стр. 5099
قال في "الاختيارات" (١): "وما قاله أبو العباس ظاهرٌ، إنْ قلنا: إنَّ النِّكاح سُنَّةٌ، فإن قلنا: إنه لا يَقَع إلَّا فَرضَ كفايةٍ -كما قال أبو يعلى الصغيرُ وابن المنِّيِّ (٢) في "تعليقِهما"- فقد تعارضَ فرضَا كفايةٍ، ففيه نظرٌ. وإن قلنا: إن النِّكّاحَ واجبٌ؛ قَدَّمه؛ لأنَّ فروضَ الأعيانِ مقدَّمةٌ على فروضِ الكفايات".
(ولا يكتفي في) الخروجِ من عُهدَةِ (الوجوب بمرَّةٍ واحدةٍ، بل يكون) التزوُّج (في مجموعِ العمرِ) لتندفعَ خشيةُ الوقوع في المحظور.
(ولا يكتفى) في الامتثال (بالعقد فقط، بل يجب الاستمتاعُ) لأنَّ خشيةَ المحظورِ لا تندفع إلَّا به.
(ويجزئ تَسَرٍّ عنه) لقوله تعالى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (٣).
(ومَن أمرَه به والداه، أو) أمره به (أحدهما، قال أحمد (٤): أمرته أن يتزوَّجَ) لوجوبِ بِر والديه.
قال في "الفروع": والذي يحلفُ بالطلاق: لا يتزوَّجُ أبدًا، إن أمره
стр. 5100
به أبوه؛ تزَوَّجَ.
(قال الشيخُ (١): وليس لهما) أي: لأبويه (إلزامه بنكاحِ مَن لا يريد) نكاحَها؛ لعدم حصولِ الغرَضِ بها (فلا يكون عاقًّا) بمخالفَتِهما في ذلك (كأكلِ ما لا يريد) أكله.
(ويجبُ) النكاحُ (بالنذرِ) من ذي الشهوة؛ لحديث: "مَنْ نَذَرَ أن يُطيعَ الله؛ فَليطعه" (٢). وأمَّا نحو العِنِّين، فيخير بينه وبين الكفارةِ، كسائر المباحاتِ إذا نذَرَها، على ما يأتي في النذرِ.
(وليس له) أي: لمسلم دخل دارَ كفر بأمانٍ، كتاجرٍ (أن يتزوجَ) بدارِ حربٍ، إلَّا لضرورةٍ (ولا يتسرَّى) بدارِ حربٍ إلَّا لضرورة (ولا يطأ زوجَتَه إن كانت معه) ولا أَمته، ولا أمَةً اشتراها منهم (بدارِ حرب إلَّا لضرورة) ولو مسلمةً؛ نصَّ عليه في رواية حنبل (٣). وعلى مقتضى تعليلهِ: له نكاحُ آيسةٍ أو صغيرةٍ؛ فإنَّه عَلَّل، وقال ((٣)): من أجلِ الولد؛ لئلا يُستَعبدَ؛ قاله الزركشي.
قلت: وعلل -أيضًا- بأنه لا يأمن من أن يطأ زوجتَه غيرُه منهم، فعليه: لا ينكحُ حتَّى الصغيرةَ والآيسةَ.
وأمَّا إن كان في جيش المسلمين، فله أن يتزوجَ؛ لما روي عن سعيد بن أبي هلالٍ أنهُ بلغَهُ أن رسول الله ﷺ "زَوَّجَ أسماءَ بنت عُمَيس أبا بكرٍ وهمْ تحت الرَّايات" رواه سعيد (٤)؛ ولأن الكفار لا يَدَ لهم عليه،
стр. 5101
أشبه من في دار الإسلام.
وقال في "المغني"، و"الشرح" في آخر الجهاد: وأمَّا الأسير فظاهرُ كلام أحمدَ (١): لا يحل له التزويج مادام أسيرًا؛ لأنَّه منَعه من وَطء امرأته إذا أُسِرَتْ معه مع صحةِ نكاحِهما. انتهى. وظاهرُه: ولو لضرورة، كما هو مقتضى كلام "المنتهى".
(ويصحُّ النكاحُ) بدارِ الحربِ (ولو في غير الضرورة) لأنَّه تصرفٌ من أهله في محله (ويَجب عَزله) ظاهره: سواءٌ حَرُمَ ابتداءُ النِّكاح أو جاز، فإن غلبت عليه الشهوة، أُبيحَ له نكَاح مسلمة، وليعزلْ عنها. وقال في "الإنصاف": حيثُ حَرمَ نكاحُه بلا ضرورةٍ وفَعَلَ، وَجَبَ عزلُه، وإلا؛ استُحِبَّ عَزْلُه؛ ذكره في "الفصول"، قلت: فيُعَايَا بها.
(ولا يتزوَّجُ) بدارِ الحرب (منهم) أي: من الكفارِ، بل حيثُ احتاجَ يتزوجُ المسلمةَ؛ لأنَّه أقربُ لسلامةِ الولدِ من أن يُستعبدَ.
(ويستحبُّ) لمن أراد النِّكّاحَ أن يتخير (نكاحَ ديِّنةٍ) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "تُنكَحُ المرأة لأربع: لمالها، ولحَسبها، ولِجمالها، ولدينها، فاظفَر بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَت يداكَ" متَّفقٌ عليه (٢).
ويُستحب نكاحُ (ولودٍ) لحديث أنس: "كان رسول الله ﷺ يقول: تزوَّجوا الوَدود الولود؛ فإني مُكاثرٌ بكمُ الأمم يوم القيامة" رواه سعيد (٣).
стр. 5102
ويُعْرفُ كونُ البكرِ ولودًا بكونها من نساءٍ يُعْرَفن بكثرة الأولاد.
ويستحبُّ نكاحُ (بكرٍ) لقوله ﷺ لجابر: "فَهَلَّا بِكْرًا تُلاعبُها وتُلاعبُك؟ " متفق عليه (١) (إلا أن تكونَ مصلحتُه في نكاح الثيبِ أرجحَ)
стр. 5103
فيقدِّمُها على البكر.
وأن تكونَ (من بيتٍ معروفٍ بالدين والقناعة) لأنه مظنةُ دينها وقناعتها.
وأن تكونَ (حسيبةً وهي النسيبةُ، أي: طيبةُ الأصلِ) ليكون ولدُها نجيبًا؛ فإنه ربما أشبهَ أهلها ونَزَعَ إليهم.
و (لا) ينبغي تزوُّجُ (بنتِ زنىً، ولقيطةٍ، ومن لا يُعْرَفُ أبوها.
و) يستحبُّ (أن تكونَ جميلةً) لأنه أسكنُ لنفسه، وأغضُّ لبصره، وأكملُ لمودته، ولذلك جاز النظرُ قبل النكاحِ؛ ولحديث أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله: أيُّ النِّساء خَيرٌ؟ قال: "التي تَسُرُّهُ إذا نظر، وتُطيعُهُ إذا أمر، ولا تُخالفُهُ في نفسها ولا في ماله بما يَكره" رواه أحمد والنسائي (١).
وعن يحيى بن جَعْدَةَ أن رسول الله ﷺ قال: "خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه: امرأةٌ جميلةٌ؛ تَسرُّهُ إذا نظر إليها، وتطيعهُ إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في مالها ونفسها" رواه سعيد (٢).
стр. 5104
ويستحبُّ أن تكونَ (أجنبيةً) لأنَّ ولدَها يكون أنجبَ؛ ولأنه لا يأمنُ الطلاقَ، فيفضي مع القرابةِ إلى قطيعةِ الرحم المأمورِ بصلتها، وقد قيل: إن الغرائب أنجبُ، وبناتِ العمِّ أصبرُ.
ويستحب أن تكون (ذات عَقْلٍ، لا حمقاء) لأن النكاحَ يُرادُ للعشرِة، ولا تصلحُ العشرةُ مع الحمقاء، ولا يطيب العيش معها، وربما تعدَّى ذلك إلى ولدها، وقد قيل: "اجتنبوا الحمقاء؛ فإن ولدها ضياع، وصحبَتَها بلاءٌ" (١).
(و) يستحبُّ (ألا يزيد على واحدة إن حصل بها الإعفاف) لما فيه
стр. 5105
من التعريض (١) للمحرَّم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (٢) وقال ﷺ : "مَن كان له امرأتان فَمَال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائلٌ" رواه الخمسة (٣).
стр. 5106
وأراد أحمدُ أن يتزوَّجَ أو يتسرى، فقال: يكون لهما لحمٌ (١). يريد كونَهما سمينتين.
وكان يُقال: من أراد أن يتزوَّجَ امرأةً، فْليَسْتَجِدْ شَعْرَها (٢)؛ فإنَّ الشعرَ وجهٌ، فتخيَّروا أحدَ الوجهين.
وأحسنُ النساء التركياتُ، وأصلحهن الجَلَبُ التي لم تَعْرِف أحدًا.
وليعزلْ عن المملوكةِ إلى أن يتيقَّنَ جودةَ دينها، وقوةَ مَيلها (٣) إليه.
وليحذر العاقلُ إطلاقَ البصر، فإنَّ العينَ ترى غيرَ المقدورِ عليه على غيرِ ما هو عليه، وربما وقع من ذلك العشقُ، فيهلكُ البدنُ والدينُ. ولا يسأل عن دينها حتى يُحْمَدَ له جمالُها.
(ويسنُّ) لمن أرادَ خِطْبَةَ امرأةٍ -وغَلَبَ على ظنه إجابتُه- النظرُ، جَزَمَ به الحُلْوانيُّ، وابنُ عقيل، وصاحبُ "الترغيب"، وغيرُهم، قال في "الإنصاف": وهو الصوابُ. قال الزركشيُّ: وجعله ابنُ عقيلٍ، وابنُ الجوزيِّ مستحبًّا، وهو ظاهرُ الحديثِ (٤) (-وقال الأكثرُ: يُباح) جزم به في "الهداية"، و"المذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"الكافي"، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير" و"الفائق"، وغيرهم، وقدَّمه في "الفروع"، و"تجريد العناية"، قال في "الإنصاف": هذا المذهبُ (لورودِه) أي: الأمر بالنظر (بعد الحظر) أي: المنع، روى المغيرةُ بن شُعبةَ: أنَّهُ خطب امرأةً فقال له النبيُّ ﷺ : "انظر إليها؛ فإنَّه
стр. 5107
أحرى أن يُؤْدَمَ بينكما" رواه الخمسة (١) إلا أبا داود. قال في "النهاية" (٢): يقال: أدَمَ الله بينكما يأدِم أَدْمًا بالسكون، أي: ألَّف ووفَّق (-لمن أراد خِطْبةَ امرأةٍ) بكسر الخاء (وغلب علي ظنه إجابتُه: النظرُ (٣).
стр. 5108
ويُكرِّره) أي: النظرَ (ويتأملُ المحاسن، ولو بلا إذْنٍ) من المرأة (١) (-ولعله) أي: عدم الإذن (أولى) لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة، فإنَّ استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوهُ إلى نكاحها فليفعل، قال: فخطبتُ جاريةً من بني سَلِمة، فكنتُ أتخبَّأُ لها حتى رأيت منها بعضَ ما دعاني إلى نكاحها" رواه أحمدُ وأبو داود (٢). (إن أَمِنَ) الذي أراد خِطبةَ امرأةٍ (الشهوةَ) أي: ثورانَها، من غير خلوةٍ (-إلى ما يظهرُ منها) أي: المرأةِ (غالبًا، كوجهٍ ورقبة ويدٍ وقدم) لأنه ﷺ لما أذِن (٣) في النظر إليها من غير علمها، عُلِمَ أنه أذِن في النظرِ إلى جميع ما يظهرُ غالبًا، إذ لا يمكنُ إفرادُ الوجهِ بالنظر مع مشاركةِ غيره في الظهور؛ ولأنه يظهَرُ غالبًا، أشبهَ الوجهَ.
(فإنَّ لم يتيسَّرْ له النظرُ، أو كرهه (٤)) أي: النظرَ (بعَثَ إليها امرأة)
стр. 5109
ثقةً (تتأملها، ثم تَصِفُها له) ليكون على بصيرة.
(وتنظرُ المرأةُ إلى الرجل، إذا عزمتْ على نكاحه؛ لأنه يعجِبُها منه ما يُعْجبه منها) وهذا إنما يظهرُ على قول من يقول: لا تَنْظُرُ المرأةُ من الرجل. والمذهبُ -كما يأتي- أنها تنظرُ إلى ما عدا ما بين سُرَّته وركبته، وإن كان المراد أنه يُسنُّ، فهو إنما يَتَمَشَّى على قول غير الأكثر.
(قال ابنُ الجوزي في كتاب "النساء" (١): ويستحبُّ لمن أراد أن يزوِّج ابنتَه، أن ينظرَ لها شابًّا مستحسنَ الصورِةِ، ولا يُزوِّجَها دَميمًا) بالدال المهملة (وهو القبيحُ، ويأتي في الباب بعده.
وعلى مَنِ اسْتُشير في خاطبٍ، أو مخطوبةٍ أن يذكر ما فيه من مساوئ) أي: عيوب (وغيرها، ولا يكونُ غِيبةً محرمة إذا قصد به النصيحة) لحديث: "المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ" (٢)، وحديث: "الدِّينُ
стр. 5110
النَّصيحَةُ" (١) ويأتي في الشهادات بأوسع من هذا.
(وإن اسْتُشير في أمر نفسه بَيَّنَه؛ كقوله: عندي شُحٌّ، وخُلُقي شديد، ونحوُهما) لعموم ما سبق.
(ولا يصلح من النساء مَن قد طال لُبْثُها مع رجل، ومن التغفيلِ أن يتزوَّجَ الشيخ صبيةً) أي: شابةً.
(ويمنعُ) الزوجُ (المرأةَ من مخالطة النساء، فإنهنَّ يُفْسِدنَها عليه.
стр. 5111
والأولى ألّا يَسْكُنَ) الزوجُ (بها عند أهلها) لسقوطِ حرمته عندها بذلك (وألّا يدخل بيتَه مراهِقٌ، ولا يأذنَ لها في الخروج) من بيته؛ لأنها إذا اعتادت (١) لم يتمكن من منعها بعدُ.
(ولرجلٍ نَظَرُ ذلك) أي: الوجهِ والرقبةِ واليدِ والقدمِ (و) نظرُ (رأسٍ وساقٍ عن الأُمَةِ المُسْتامةِ، وهي المطلوبُ شراؤها) لأن الحاجةَ داعيةٌ إلي ذلك، كالمخطوبة، وأَولى؛ لأنها ترادُ للاستمتاع وغيره من التجارة، وحسنُها يزيدُ في ثمنها، والمقصودُ يحصل برؤية ذلك، فاكتُفي به.
(وكذا الأمَة غيرُ المُستامة) ينظرُ منها إلى هذه الأعضاء الستة؛ قَطَعَ به القاضي في "الجامع الصغير"، واختاره في "المغني"؛ لأنه يُروى عن عمرَ: "أنه رأى أمَةَ مُتَلَمْلمَةً (٢)، فضربها بالدِّرَّة، وقال: أتَتشَبَّهينَ بالحرائر يا لَكاعِ (٣) " (٤).
стр. 5112
وروى أنس "أن رسول الله ﷺ لما أوْلَمَ على صفيَّة، قال الناسُ: لا ندري أجَعَلَها أمَّ المؤمنين، أو أمَّ ولدٍ؟ فقالوا: إن حجبها فهي أمُّ المؤمنين، وإن لم يحجُبها فهي أمُّ ولدٍ، فلما ركب وَطّأ لها خَلْفَهُ، ومَدَّ الحجاب بينه وبين النَّاس" متفق عليه (١).
وهذا يدل على أن عدمَ حجبِ الإماء كان مستفيضًا عندهم.
(وهو) أي: ما ذكره المصنف من أن حكم الأمَة غير المستامةِ كالمستامة (أصوبُ مما في "التنقيح") حيث قال: ومن أمَةٍ غيرِ مُسْتامةٍ إلى غيرِ عورةِ صلاة، وتبعه في "المنتهى"، قال في "شرحه": وما ذكره في "التنقيح" مخالفٌ للمعنى الذي أُبيح النظرُ من أجله، وقال: والذي يظهرُ التسويةُ بينهما.
(و) لرجل -أيضًا- نظرُ وَجْهٍ، ورقبةٍ، ويدٍ، وقدمٍ، ورأسٍ، وساقٍ (من ذوات محارمه) قال القاضي: على هذه الرواية يُباحُ ما يظهرُ غالبًا كالرأس واليدين إلى المرفقين (وهُنَّ: من تَحْرمُ عليه على التأبيد بنَسَب) كأخته، وعمَّته، وخالته (أو سببٍ مباحٍ) كأخته من رضاعٍ، وأمِّ زوجته، وربيبةٍ دخل بأمِّها، وحليلةِ أبٍ، أو ابنٍ (لحرمتها) احترازٌ عن الملاعَنة؛ لأن تحريمها تغليظٌ عليه (إلا نساءَ النبيِّ ﷺ فلا) يُباحُ النظرُ إليهنَّ من غير المذكورين في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ (٢) الآية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٣) (وتقدم)
стр. 5113
ذلك (في الحج (١)) مفصَّلًا.
(فيحرم) على زانٍ (النظرُ إلى أمِّ المزني بها، و) إلى (ابنتها) لأنه ليس مَحْرمًا لهما (لأن تحريمهن بسبب محرَّم، وكذا المحرَّمةُ باللعان) يحرمُ على الملاعِنِ النظرُ إليها (و) كذا (بنتُ الموطوءة بشبهة، وأمُّها) لأنه ليس مَحْرمًا لهن.
(ولا تسافرُ المسلمةُ مع أبيها الكافر؛ لأنه ليس مَحْرمًا لها في السفر، نصًّا (٢)) وإن كان مَحْرمًا في النظر.
(وإن كانت الأمَةُ جميلةً، وخيفت الفتنةُ بها، حَرُمَ النظرُ إليها؛ كالغلامِ الأمردِ) الذي يُخشى الفتنةُ بنظره (٣)؛ لوجودِ العلةِ في تحريم النظر، وهو الخوفُ من الفتنةِ، والفتنةُ يستوى فيها الحرةُ والأمَةُ، والذكرُ والأنثى (ونصَّ) أحمدُ (٤) (أنَّ) الأمةَ (الجميلةَ تنتقبُ) ولا ينظر إلى المملوكة، فكم نظرةٍ ألقَت في قلب صاحبِها البلابلَ (٥).
(ولعبدٍ -لا مُبعَّضٍ ومشترَكٍ، وأفتى الموفَّقُ: بلَى) في المشتركِ أنَّه كالعبد (- نظرُ ذلك) أي: الوجهِ، والرقبةِ، واليدِ، والقدمِ، والرأسِ، والساقِ (من مولاته) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية، إلى قوله:
стр. 5114
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾ (١)؛ ولأنه يَشُقُّ على رَبَّةِ العبدِ التحرزُ منه.
(وكذا) أي: كالعبد والمحرَمِ (غيرُ أُولي الإربةِ) من الرجالِ، أي: غير أولي الحاجة من النساء؛ قاله ابن عباس (٢)، وعنه (٣): هو المخنَّثُ الذي لا يقومُ عليه زُبُّه. وعن مجاهد (٤) وقتادة (٥): الذي لا أرَبَ له في النساء (وهو مَنْ لا شهوةَ له، كعِنِّينٍ، وكبيرٍ، ومُخَنَّثٍ) أي: شديد التأنيث في الخِلْقة، حتى يشبهَ المرأةَ في اللينِ، والكلامِ، والنغمةِ، والنَّظَر، والعقل (٦)، فإذا كان كذلك لم يَكُنْ له في النساءِ أرَبٌ (ومن ذهبت شهوتُه لمرضٍ لا يُرْجى برؤُه) لقوله تعالى: ﴿أَو التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (٧).
(وينظر ممن لا تُشْتَهى، كعجوز، وبَرْزة (٨)) لا تُشتهى (وقبيحة) ومريضة لا يُرجى برؤها (إلى غير عورة صلاة) على ما تقدم في ستر
стр. 5115
العورة (١)، وقال في "الكافي": يُباح النظر منها إلى ما يظهر غالبًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ (٢) الآية، قال ابن عباس (٣): استثناهن الله من قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٤)؛ ولأن ما حرم النظر لأجله معدوم في جهتها، فأشبهت ذوات المحارم، وتبعه الشارح.
(ويحرم نظر خصيٍّ، ومجبوب) وممسوح (٥) (إلى) امرأة (أجنبية، نصًّا (٦)) قال الأثرم (٧): استعظم الإمام أحمد إدخال الخِصيان على النساء؛ لأن العضو وإن تعطل أو عُدِمَ، فشهوة الرجال لا تزول من قلوبهم، ولا يؤمن التمتع بالقُبلة وغيرها، فهو (كفحلٍ) ولذلك لا تباح خلوة الفحل بالرتقاء (٨) من النساء.
(ولشاهد نظر وَجْه مشهود عليها، تحمُّلًا، وأداءً عند المطالبة منه) لتكون الشهادة واقعة على عينها (٩)، قال أحمد (١٠): لا يشهد على امرأة