← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فصل (والمبتدئ بها الدم) أي: التي رأت دمًا ولم تكن حاضت (في سن تحيض لمثله) كبنت تسع سنين فأكثر (ولو) كان ما رأته (صفرة أو كدرة؛ تجلس بمجرد ما تراه) لأن دم الحيض جبلة وعادة، ودم الاستحاضة لعارض من مرض، ونحوه، والأصل عدمه (فتترك الصلاة، والصوم) ونحوهما كالطواف والاعتكاف، والقراءة. وهذا تفسير لجلوسها (أقله) أي: أقل الحيض، هو يوم وليلة، لأن العبادة واجبة في ذمتها بيقين، وما زاد على أقل الحيض مشكوك فيه فلا نسقطها بالشك، ولو لم نجلسها الأقل لأدى إلى عدم جلوسها أصلًا. (فإن انقطع) الدم (لدونه) أي: لدون الأقل (فليس بحيض) لعدم صلاحيته له، بل دم فساد (وقضت واجب صلاة، ونحوها) لثبوتها في ذمتها (وإن انقطع) الدم (له) أي: لأقل الحيض، بأن انقطع عند مضي اليوم والليلة (كان حيضًا) لأنه الأصل، كما سبق (واغتسلت له) لأنه آخر حيضها. (وإن جاوزه) أي: جاوز الدم أقل الحيض، بأن زاد على يوم بليلته (ولم يعبر) أي: يجاوز (الأكثر) أي: أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، بأن انقطع لخمسة عشر فما دونها (لم تجلس المجاوز) لأنه مشكوك فيه (بل تغتسل عقب أقله) أي: الحيض، لأنه آخر حيضها حكمًا، أشبه آخره حسًا (وتصوم وتصلي فيما جاوزه) لأن المانع منهما هو الحيض. وقد حكم بانقطاعه. (ويحرم وطؤها فيه) أي: في الدم (١) أي: زمنه المجاوز لأقل الحيض

стр. 527

(قبل تكراره نصًا) لأن الظاهر أنه حيض، وإنما أمرناها بالعبادة احتياطًا لبراءة ذمتها فتعين ترك وطئها احتياطًا. (فإن انقطع) الدم (يومًا فأكثر، أو أقل قبل مجاوزة أكثره اغتسلت) عند انقطاعه، لاحتمال أن يكون آخر حيضها، فلا تكون طاهرًا بيقين إلا بالغسل (وحكمها حكم الطاهرات) في الصلاة، وغيرها، لأنها طاهرة، لقول ابن عباس: "إمَّا رأتْ الطهرَ ساعةً فلتغتسلْ" (١). (ويباح وَطؤها) إذا اغتسلت بعد انقطاع دمها، لأنها طاهرة. (فإن عاد) الدم (فكما لو لم ينقطع) على ما تقدم تفصيله؛ لأن الحكم يدور مع علته. (وتغتسل عند انقطاعه) أي: الدم (غسلًا ثانيًا) لما تقدم (تفعل ذلك) الفعل، وهو جلوسها يومًا وليلة، وغسلها عند آخرها، وغسلها عند انقطاع الدم (ثلاثًا) أي: في ثلاثة أشهرِ (في كل شهر مرة) لأن العادة لا تثبت بدون الثلاث على المذهب، لقوله ﷺ : "دعي الصلاةَ أيامَ أقرائِكِ" (٢) وهي صيغة جمع وأقله ثلاثة، ولأن ما اعتبر له التكرار اعتبر فيه الثلاث، كالأقراء، والشهور، في عدة الحرة، وخيار المصراة، ومهلة المرتد. (فإن كان) الدم (في الثلاث متساويًا ابتداء وانتهاء) ولم تختلف (تيقن أنه حيض، وصار عادة) لما ذكرناه (فلا تثبت العادة بدون الثلاث) لما تقدم (ولا يعتبر فيها) أي: الثلاث من الشهور (التوالي) فلو رأت الدم في شهر، ولم

стр. 528

تره في الذي يليه ثم رأته وتكرر ولم يختلف، صار عادة، لأنه لا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين، كما تقدم. وحيث تكرر في ثلاثة أشهر (فـ) ـإنها (تجلسه في الشهر الرابع) لأنه صار عادة لها (وتعيد ما فعلته في المجاوز) لأقل الحيض (من واجب صوم، و) واجب (طواف، و) واجب (اعتكاف ونحوها) كواجب قراءة، لتبين أنها فعلته في زمن الحيض (بعد ثبوت العادة) متعلق بـ"تعيد"، لأنه قبل ثبوتها لم يتبين الحال. (فإن نقطع حيضها ولم يعد) ثلاثًا (أو أيست قبل تكراره) ثلاثًا (لم تعد) ما فعلته في المجاوز، لأنا لم نتيقنه حيضًا، والأصل براءة ذمتها. (فإن كان) الدم (على أعداد مختلفة، فما تكرر منه) ثلاثًا (صار عادة) لها، لما تقدم، دون ما لم يتكرر (مرتبًا كان، كخمسة في أول شهر، وستة في) شهر (ثان، وسبعة في) شهر (ثالث، فتجلس الخمسة لتكرارها) ثلاثًا، كما لو لم يختلف. (أو غير مرتب عكسه) أي: عكس المثال المذكور (كأن ترى في الشهر الأول خمسة، وفي) الشهر (الثاني أربعة وفي) الشهر (الثالث ستة، فتجلس الأربعة لتكررها) ثم كلما تكرر شيء جلسته. (فإن جاوز دمها أكثر الحيض فـ) ـهي (مستحاضة) لقول النبي ﷺ : "إنما ذلكِ عرق وليس بالحيضةِ" متفق عليه (١)، ولأن الدم كله لا يصلح أن يكون حيضًا. والاستحاضة كما تقدم: سيلان الدم في غير وقته من أدنى الرحم، دون قعره، إذ المرأة لها فرجان، داخل بمنزلة الدبر، منه الحيض، وخارج كالأليتين، منه الاستحاضة.

стр. 529

ثم هي لا تخلو من حالين إما أن يكون دمها متميزًا، أو غيره (فإن كان) دمها (متميزًا بعضه أسود، أو ثخين، أو منتن، وبعضه رقيق أحمر) غير منتن (فحيضها زمن الأسود، أو) زمن (الثخين، أو) زمن (المنتن، إن صلح أن يكون حيضًا. بأن لا ينقص عن أقل الحيض) يوم وليلة (ولا يجاوز أكثره) خمسة عشر يومًا. قال ابن تميم: ولا ينقص غيره عن أقل الطهر (فتجلسه من غير تكرار) لما روت عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنتُ أبي حبيش، فقالت: يا رسول اللهِ إني أستحاض، فلا أطهرُ، أفأدعُ الصلاةَ؟ فقال: إنما ذلكِ عرقٌ، وليس بالحيضةِ، فإذا أقبلت الحيضةُ فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدمَ وصلي" متفق عليه (١). وفي لفظ للنسائي: "إذا كان الحيضُ، فإنه أسودُ يعرفُ، فأمسِكي عن الصلاةِ، وإذا كان الآخرُ فتوضئي وَصَلِّي، فإنما هو دم عرقٍ" (٢). ولأنه خارج من الفرج يوجب الغسل، فرجع الى صفته عند الاشتباه، كالمني، والمذي. قال في "المبدع": فإن تعارضت الصفات، فذكر بعض الشافعية: أنه يرجح بالكثرة، فإن استوت رجح بالسبق. وتثبت العادة بالتمييز (كثبوتها بانقطاع) الدم، فإذا رأت خمسة أيام أسود في أول كل شهر، وتكرر ثلاثًا، صارت عادتها، فتجلسها من أول كل شهر. ولو أطبق الأحمر بعد. (ولا يعتبر فيها) أي: في العادة الثانية بالتمييز (التوالي أيضًا) أي: كما لا يعتبر عند الانقطاع لما تقدم (فلو رأت دمًا أسود) يصلح أن يكون حيضًا

стр. 530

(ثم) دمًا (أحمر، وعبر أكثر الحيض) أي: جاوز خمسة عشر يومًا، (فحيضها زمن الدم الأسود) إن صلح حيضًا فتجلسه (وما عداه استحاضة) لأنه لا يصلح حيضًا. (وإن لم يكن) دمها (متميزًا) بأن كان كله أسود، أو أحمر، ونحوه (أو كان) متميزًا (ولم يصلح) الأسود، ونحوه أن يكون حيضًا، بأن نقص عن اليوم والليلة، أو جاوز الخمسة عشر (قعدت من كل شهر غالب الحيض: ستًا، أو سبعًا بالتحري) أي: باجتهادها ورأيها. فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها، أو عادة نسائها، أو ما يكون أشبه بكونه حيضًا. ووجه كونها تجلس غالب الحيض: حديث حمنة بنت جحش قالت: "يا رسول الله إني أستحاضُ حيضةً شديدةً كبيرةً. قد منعتْني الصومَ والصلاةَ. فقال: تحيضي في علمِ اللهِ ستًا، أو سبعًا. ثم اغتسلي" رواه أحمد (١)، وغيره. وعملًا بالغالب، ولأنها ترد إلى غالب الحيض وقتًا، فكذا قدرا. وتفارق المبتدئة في جلوسها الأول، من حيث إنها أول ما ترى الدم ترجو انكشاف أمرها عن قرب. ولم يتيقن لها دم فاسد. وإذا علم استحاضتها، فقد اختلط الحيض بالفاسد يقينًا، وليس ثم قرينة، فلذلك ردت إلى الغالب، عملًا بالظاهر. (ويعتبر في حقها) أي: المبتدئة (تكرار الاستحاضة نصًا) بخلاف المعتادة (فتجلس) المبتدئة التي جاوز دمها أكثر الحيض (قبل تكراره) أي: الدم ثلاثة أشهر (أقله) أي: أقل الحيض، لأنه المتيقن، وما زاد مشكوك فيه كغير المستحاضة.

стр. 531

(ولا تبطل دلالة التمييز بزيادة الدمين) أي: الدم الذي يصلح حيضًا كالأسود، أو الثخين، أو المنتن، إذا بلغ يومًا وليلة، ولم يجاوز خمسة عشر، والدم الآخر (على شهر) هلالي، أو ثلاثين يومًا. بأن كان الأسود مثلًا عشرة أيام، والأحمر ثلاثين؛ لأن الأحمر بمنزلة الطهر ولا حد لأكثره لما تقدم.

стр. 532

فصل لما أنهى الكلام على المستحاضة غير المعتادة، أخذ يتكلم على المعتادة إذا استحيضت، مقدمًا على ذلك تعريف المستحاضة وحكمها العام. فقال: (المستحاضة هي التي ترى دمًا لا يصلح أن يكون حيضًا، ولا نفاسًا) هكذا في "الشرح" و"المبدع". وقال في "الإنصاف": والمستحاضة من جاوز دمها أكثر الحيض، والدم الفاسد أعم من ذلك انتهى. أي: من الاستحاضة. فعلى كلام "الإنصاف" ما نقص عن اليوم والليلة، وما تراه الحامل لا قرب الولادة، وما تراه قبل تمام تسع سنين، دم فساد، لا تثبت له أحكام الاستحاضة، بخلافه على الأول. (وحكمها) أي: المستحاضة (حكم الطاهرات) الخاليات من الحيض، والنفاس (في وجوب العبادات، وفعلها) لأنها نجاسة غير معتادة، أشبهت سلس البول. وللمستحاضة أربعة أحوال. أحدها: أن تكون معتادة فقط، وقد ذكرها بقوله: (وإن استحيضت معتادة، رجعت إلى عادتها) فتعمل بها لما يأتي. الحال الثاني: أن تكون معتادة مميزة. وأشار إليها بقوله: (وإن كانت مميزة) بعض دمها أسود، أو ثخين، أو منتن. فتقدم العادة على التمييز، سواء (اتفق تمييزها وعادتها) بأن تكون (١) عادتها أربعة مثلًا من آخر (٢) الشهر، وكان

стр. 533

دم هذه الأربعة أسود، ودم باقي الشهر أحمر (أو اختلفا) (١) أي: العادة، والتمييز، وسواء كان الاختلاف (بمداخلة) بأن تكون عادتها ستة أيام، من أول العشر الأوسط من الشهر، فترى في أول العشر أربعة أسود، وباقي الشهر أحمر. فتجلس الستة كلها من أول العشر. (أو مباينة) بأن تكون عادتها من أول الشهر. فترى الدم الصالح للحيض في آخره. فتجلس عادتها. ثم تغتسل بعدها، وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي، لقوله ﷺ : "دعي الصلاةَ قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي" متفق عليه (٢). ولأن العادة أقوى. لأنها لا تبطل دلالتها بخلاف اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته. والعادة ضربان: متفقة، بأن تكون أيامًا متساوية، كسبعة من شهر. فإذا استحيضت جلستها. ومختلفة. وهي قسمان: مرتبة: بأن ترى في شهر ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم تعود إلى مثل ذلك. فهذه إذا استحيضت في شهر، وعرفت نوبته عملت عليه، وإن نسيت نوبته جلست الأقل. وهو ثلاثة. ثم تغتسل وتصلي بقية الشهر. وإن علمت أنه غير الأول، وشكت هل هو الثاني، أو الثالث، جلست أربعة، لأنها اليقين، ثم تجلس في الشهرين الأخيرين (٣) ثلاثة، ثلاثة، وفي الرابع أربعة، ثم تعود إلى الثلاثة كذلك أبدًا، ويكفيها غسل واحد عند انقضاء المدة التي جلستها، كالناسية. وصحح في "المغني" و"الشرح" أنه يجب

стр. 534

عليها الغسل أيضًا عند مضي أكثر عادتها. وغير المرتبة: كأن تحيض في شهر ثلاثة، وفي الثاني خمسة، وفي الثالث أربعة، فإن أمكن ضبطه. بحيث لا يختلف فكالتي قبلها. وإن لم يمكن ضبطه جلست الأقل في كل شهر واغتسلت عقبه. (ونقص العادة لا يحتاج إلى تكرار) لأنه رجوع إلى الأصل. وهو العدم (فلو نقصت عادتها، ثم استحيضت بعده) أي: بعد النقص (كأن كانت عادتها عشرة) أيام (فرأت) الدم (سبعة، ثم استحيضت في الشهر الآخر، جلست السبعة) لأنها التي استقرت عليها عادتها. الحال الثالث: أن يكون لها عادة وتمييز، وتنسى العادة. وقد ذكرها بقوله: (وإن نسيت العادة عملت بالتمييز الصالح) لأن يكون حيضًا. وتقدم، لما روى أبو داود، والنسائي، من حديث فاطمة بنت أبي حبيش: "إذا كان دم الحيض فإنه أسودُ يعرفُ، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضَّئي فإنما هو عِرْقٌ" (١). ولأنها مستحاضة لا تعلم لها عادة. فلزمها العمل بالتمييز كالمبتدئة. (ولو تنقل) التمييز بأن كانت تراه تارة في أول الشهر، وتارة في وسطه، وتارة في آخره، (من غير تكرار) أي: تعمل بالتمييز، ولو لم يتكرر، كما تقدم في المبتدئة، لعموم الخبر. (فإن لم يكن لها تمييز) بأن كان الدم على نسق واحد. (أو كان) لها تمييز (و) لكنه (ليس بصالح) بأن نقص عن يوم وليلة، أو جاوز خمسة عشر (فهي المتحيرة) لأنها قد تحيرت في حيضها بجهل العادة وعدم التمييز. وهذا هو الحال الرابع.

стр. 535

و (لا تفتقر استحاضتها إلى تكرار) بخلاف المبتدئة (أيضًا) أي: كما أن تمييزها لا يفتقر إلى تكرار كما تقدم. وللمتحيرة ثلاثة أحوال. أحدها: أن تكون ناسية للعدد فقط (فتجلس غالب الحيض. إن اتسع شهرها له) بأن كان عشرين يومًا فأكثر، لحديث حمنة بنت جحش (١)، وهي امرأة كبيرة، قاله أحمد، ولم يسألها عن تمييزها، ولا عادتها، فلم يبق إلا أن تكون ناسية، فترد إلى غالب الحيض، إناطة للحكم بالأكثر، كما ترد المعتادة لعادتها. (وإلا) بأن لم يتسع شهرها لغالب الحيض (جلست الفاضل) من شهرها (بعد أقل الطهر، كأن يكون شهرها ثمانية عشر يومًا، فإنها تجلس الزائد عن أقل الطهر بين الحيضتين فقط) لئلا ينقص الطهر عن أقله (وهو) أي: ما تجلسه (هنا) أي: في المثال المذكور (خمسة أيام) لأنها الباقي من الثمانية عشر بعد الثلاثة عشر. فتجلسها فقط (لئلا ينقص الطهر عن أقله) فيخرج عن كونه طهرًا. (وإن جهلت شهرها جلسته) أي: غالب الحيض (من) كل (شهر) للخبر (هلالي) لأنه المتبادر عند الإطلاق. (وشهر المرأة هو) الزمن (الذي يجتمع لها فيه حيض، وطهر صحيحان) أي: تامان (وأقل ذلك: أربعة عشر يومًا) بلياليها (يوم) بليلته (للحيض) لأنه أقله (وثلاثة عشر) يومًا بلياليها (للطهر) لأنها أقله. (ولا حد لأكثره) أي: شهر (٢) المرأة. لما تقدم: أنه لا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين.

стр. 536

(وغالبه) أي: شهر (١) المرأة (الشهر الهلالي) لأن غالب الحيض ست، أو سبع، وغالب الطهر بقية الشهر. وتقدم. (ولا تكون) المرأة (معتادة حتى تعرف شهرها) الذي تحيض فيه وتطهر فيه (و) تعرف (وقت حيضها، وطهرها منه) بأن تعرف أنها تحيض خمسة مثلًا من ابتدائه وتطهر في باقيه (ويتكرر) حيضها ثلاثة أشهر، لأن العادة لا تثبت بدونها كما تقدم. الحال الثاني: أن تكون عالمة بالعدد ناسية للموضع. وقد ذكر ذلك بقوله: (وإن علمت عدد أيامها) أي: أيام حيضها (ونسيت موضعها) بأن لم تدر أكانت تحيض في أول الشهر، أو وسطه، أو آخره؟ (جلستها) أي: أيام حيضها (من أول كل شهر هلالي) لأنه ﷺ "جعل حيضة حمنة من أولِ الشهر، والصلاةَ في بقيتِهِ" (٢). ولأن دم الحيض جبلة. والاستحاضة عارضة. فإذا رأته وجب تغليب دم الحيض. الحال الثالث: الناسية للعدد والموضع، وهي المرادة بقوله: (وكذا من عدمتهما) أي: عدمت العلم بعدد حيضها، وموضعه، فتجلس غالب الحيض من أول كل شهر هلالي لما تقدم. (فإن عرفت ابتداء الدم) بأن علمت أن الدم كان يأتيها في أول العشر الأوسط من الشهر، أو أول النصف الأخير منه، ونحوه (فهو أول دورها) فتجلس منه، سواء كانت ناسية للعدد فقط، أو للعدد والموضع. (وما جلسته ناسية) للعدد، أو الموضع، أولهما (من حيض مشكوك

стр. 537

فيه، كحيض يقينًا) فيما يوجبه ويمنعه، وعدم قضاء الصلاة، ونحو ذلك، بخلاف النفاس المشكوك فيه، لمشقة تكرره. (وما زاد على ما تجلسه إلى أكثره) أي: الحيض (كطهر متيقن) قال في "الرعاية": والحيض، والطهر، مع الشك فيهما كاليقين فيما يحل، ويحرم، ويكره، ويجب، ويستحب، ويباح، ويسقط. وعنه: يكره الوطء في طهر مشكوك فيه، كالاستحاضة. (وغيرهما) أي: غير زمن الحيض، وما زاد عليه إلى أكثر الحيض، وهو نصف الشهر الباقي، إن حيّضناها من كل شهر (استحاضة) لأنه لا يصلح حيضًا، ولا نفاسًا. (وإن ذكرت) المستحاضة الناسية لعادتها (عادتها رجعت إليها) فتجلسها، لأن ترك الجلوس فيها إنما كان لعارض النسيان. وإذا زال العارض رجعت إلى الأصل (وقضت الواجب زمن العادة المنسية) كأن كانت صامت فرضًا فيها، فتقضيه، لعدم صحته، لموافقة زمن الحيض. (و) قضت الواجب أيضًا (زمن جلوسها في غيرها) فتقضي الصلاة، والصوم، ونحوه، لأنه ليس بزمن حيض. (وكذا الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها، ولا تمييز، مثل المبتدئة إذا لم تعرف وقت ابتداء دمها ولا تمييز لها) فإنها تجلس غالب الحيض بعد تكرره من أول كل شهر هلالي. وإذا ذكرت وقت ابتداء دمها رجعت إليه، وقضت الواجب زمنه، وزمن جلوسها في غيره. (وإن علمت) المستحاضة عدد (أيامها في وقت من الشهر) كأن علمت أن حيضتها ستة أيام في الشهر، ونسيت موضعها) بأن لم تدر، أهي في أوله أو

стр. 538

آخره؟ (فإن كانت أيامها نصف الوقت) الذي علمت أن حيضها فيه (فأقل) من نصفه (فحيضها من أولها) فإذا علمت أن حيضها كان في النصف الثاني من الشهر، فإنها تجلس من أوله (أو بالتحري) أي: الاجتهاد على الوجهين في ذلك، والأكثر على أنها من أولها، كما قطع به قبل (وليس لها حيض بيقين) بل حيضها مشكوك فيه. (وإن زادت) أيامها (على النصف) من الوقت الذي علمت الحيض فيه (مثل أن تعلم أن حيضها ستة أيام من العشر الأول) من الشهر (ضم الزائد) على النصف (وهو) في المثال (يوم) لأن نصف العشرة خمسة "إلى مثله مما قبله، وهو يوم، فيكونان) أي: الخامس والسادس (حيضًا بيقين) إذ لا يحتمل خلافه (يبقى لها أربعة أيام) تتمة عادتها (فإن جلستها من الأول) على قول الأكثر (كان حيضها من أول العشر إلى آخر السادس منها يومان) وهما الخامس، والسادس (حيض بيقين، والأربعة حيض مشكوك فيه)، الأربعة الباقية طهر مشكوك فيه (١). (وإن جلست بالتحري) على الوجه المقابل لقول الأكثر (فأداها اجتهادها إلى أنها من أول العشر، فهي كالتي ذكرنا) فيكون حيضها من أول العشر إلى آخر السادس، منها يومان حيض بيقين، والأربعة حيض مشكوك فيه (وإن جلست الأربعة، من آخر العشر كانت) الأربعة (حيضًا مشكوكًا فيه) واليومان قبلها، حيض بيقين (والأربعة الأولى، طهر مشكوك فيه. وإن قالت: حيضتي سبعة أيام من العشر) الأول، أو الوسط، أو الأخير (فقد زادت) أيامها (يومين على نصف الوقت، لأن نصف العشرة خمسة (فتضمهما

стр. 539

إلى يومين قبلهما فيصير لها أربعة أيام حيضًا بيقين، من أول الرابع إلى آخر السابع. ويبقى لها ثلاثة أيام تجلسها. كما تقدم) من أول العشر، أو بالتحري على الوجهين. وهي حيض مشكوك فيه. (وحكم الحيض المشكوك فيه: حكم المتيقن في ترك العبادات) وتحريم الوطء، ووجوب الغسل (كما تقدم. وإن شئت أسقطت الزائد من أيامها) (١) عن نصف الوقت (من آخر المدة، و) أسقطت (مثله من أولها، فما بقي) أي: صار بمعنى: اجتمع، كما في بعض النسخ (فهو حيض بيقين. والشك فيما بقي من الوقت المعين) كما تقدم تمثيله. (وإن علمت موضع حيضها) بأن علمت أنها تحيض في العشر الأوسط (ونسيت عدده) أي: عدد أيام الحيض (جلست فيه) أي: في موضع حيضها (غالب الحيض) ستة أيام، أو سبعة، بالتحري، لما تقدم. (وإن تغيرت العادة بزيادة) بأن كانت عادتها ستة أيام، فرأت الدم ثمانية. (أو) تغيرت العادة بـ (ـتقدم) بأن كانت ترى الدم من وسط الشهر، فرأته في أوله. (أو) تغيرت العادة بـ (ـتأخر) بأن كانت تراه في أوله فتأخر إلى آخره.

стр. 540

(أو انتقال) بأن كان حيضها الخمسة الأول، فتصير الخمسة الثانية، لكن لم يذكره في "المحرر" و"الوجيز" و"الفروع" و"المنتهى". لأنه في معنى ما تقدم. (فـ) ـما تغير (كدم زائد على أقل حيض) من (مبتدئة) لا تلتفت إليه، حتى يتكرر ثلاث مرات، فتصوم فيه، وتصلي، قبل التكرار، وتغتسل عند انقطاعه غسلًا ثانيًا، فإذا تكرر، صار عادة تجلسه، وتعيد صوم فرض، ونحوه فيه، لأنا تبيناه حيضًا. (فلو لم يعد، أو أيست قبل تكراره) ثلاثًا (لم تقض) كما تقدم في المبتدئة. (وعنه: تصير إليه من غير تكرار) أومأ إليه في رواية ابن منصور (اختاره جمع، وعليه العمل، ولا يسع النساء العمل بغيره) قال في "الإنصاف": وهو الصواب. قال ابن تميم: وهو أشبه. قال ابن عبيدان: هو الصحيح، قال في "الفائق": وهو المختار، واختاره الشيخ تقي الدين (١). وإليه ميل الشارح. (وإن طهرت في أثناء عادتها طهرًا خالصًا لا تتغير معه القطنة إذا احتشتها، ولو أقل المدة) فلا يعتبر بلوغه يومًا (فهي طاهر، تغتسل) لقول ابن عباس: "أما ما رأت الطهر فلتغَتسِل" (٢) (وتصلي) وتفعل ما تفعله الطاهرات، لأن الله تعالى وصف الحيض بكونه أذى، فإذا ذهب الأذى وجب زوال الحيض. (ولا يكره وطؤها) بعد الاغتسال، كسائر الطاهرات. (فإن عاودها الدم في (٣) العادة ولم يجاوزها جلسته) أي: زمن الدم من

стр. 541

العادة، كما لو لم ينقطع، لأنه صادف زمن العادة. (وإن جاوزها) أي: جاوز دمها العائد بعد انقطاعه عادتها (ولم يعبر) أي: يجاوز (أكثر الحيض) خمسة عشر يومًا (لم تجلسه حتى يتكرر) ثلاثًا. (وإن عبر أكثره) أي: جاوز أكثر الحيض (فليس بحيض) لأن بعضه ليس بحيض، فيكون كله استحاضة، لاتصاله به، وانفصاله عن الحيض. (وإن عاودها) أي: رجع الدم بعد انقطاعه عنها (بعد العادة فلا يخلو إما أن يمكن جعله حيضًا) بضمه، أو نفسه (أولا) يمكن جعله حيضًا. (فإن أمكن) جعله حيضًا إما بضمه إلى ما قبله أو بنفسه (بأن يكون) الدم (بضمه إلى الدم الأول لا يكون بين طرفيهما) أي: أول الدمين وآخرهما (أكثر من أكثر الحيض) خمسة عشر يومًا (فيلفقان) أي: الدمان (ويجعلان حيضة واحدة إن تكرر) الدم الذي بعد العادة ثلاثًا، وهذا مثال لما أمكن أن يكون حيضًا بالضم. وأشار إلى ما أمكن جعله حيضًا بنفسه بقوله: (أو يكون بينهما) أي: الدمين (أقل الطهر: ثلاثة عشر يومًا، وكل من الدمين يصلح أن يكون حيضًا بمفرده) بأن يكون يومًا وليلة فأكثر، ولا يجاوز الخمسة عشر (فيكونان حيضتين) لوجود الطهر التام بينهما (إذا تكرر) الثاني ثلاثًا. (وإن نقص أحدهما عن أقل الحيض، فهو دم فاسد إذا لم يمكن ضمه إلى ما بعده) يعني إلى الدم الآخر. لأنه لا يصلح حيضًا، ولا نفاسًا. (وإن لم يمكن جعله حيضًا، لعبوره أكثر الحيض، وليس بينه وبين الدم الأول أقل الطهر) بل كان بينهما دونه (فهذا استحاضة، سواء تكرر أم لا) لمجاوزته أكثر الحيض (ويظهر ذلك بالمثال: فلو كانت العادة عشرة

стр. 542

أيام مثلًا فرأت منها خمسة دمًا وطهرت الخمسة الباقية، ثم رأت خمسة) أخرى (دمًا وتكرر ذلك) ثلاثًا (فالخمسة الأولى، و) الخمسة (الثالثة حيضة واحدة بالتلفيق) لأنهما مع ما بينهما لا يجاوزان خمسة عشر يومًا (ولو رأت) الدم (الثاني ستة أو سبعة) فأكثر (لم يمكن أن يكون حيضًا) لمجاوزته مع الأول وما بينهما أكثر الحيض (ولو كانت رأت يومًا) بليلته (دمًا وثلاثة عشر طهرًا ثم رأت يومًا) بليلته (دمًا وتكرر) الثاني (فهما حيضتان لوجود طهر صحيح بينهما) لأن أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا (ولو رأت يومين دمًا، و) رأت (اثني عشر يومًا طهرًا، ثم) رأت (يومين دمًا. فهنا لا يمكن جعلهما حيضة واحدة، لزيادة الدمين مع ما بينهما من الطهر على أكثر الحيض) لأن مجموع ذلك ستة عشر يومًا (ولا) يمكن (جعلهما حيضتين، لانتفاء طهر صحيح بينهما) لأن بينهما اثني عشر يومًا. وأقل الطهر ثلاثة عشر (فيكون الحيض منهما ما وافق العادة) لتقويه بموافقتها (و) يكون (الآخر استحاضة) ولو تكرر. (والصفرة، والكدرة) وهي شيء كالصديد يعلوه صفرة وكدرة، قاله في "المبدع" (في أيام العادة حيض) لدخولهما في عموم النص، ولقول عائشة "وكان النساء يَبعَثْنَ إليهَا بالدرجةِ فيهَا الصفرةُ، والكدرةُ: لا تعجلن حتى ترين القصةَ البيضاء" (١) تريد بذلك الطهر من الحيض. وفي "الكافي": قال مالك،

стр. 543

وأحمد (١): هي ماء أبيض يتبع الحيضة (لا بعدها) أي: ليست الصفرة والكدرة بعد العادة حيضًا (ولو تكرر) ذلك. فلا تجلسه، لقول أم عطية "كنا لا نعدُ الصفرةَ، والكدره بعد الطهرِ شيئًا" رواه أبو داود والبخاري (٢)، ولم يذكر "بعد الطهر".

стр. 544

فصل (في التلفيق) وشيء من أحكام المستحاضة، ونحوها (ومعناه) أي: التلفيق (ضم الدماء بعضها إلى بعض) وجعلها حيضة واحدة (إن تخللها طهر) لا يبلغ أقل الطهر بين الحيضتين (وصلح زمانه) أي: الدم المتفرق (أن يكون حيضًا) بأن بلغ يومًا وليلة، ولم يجاوز مع مدة الطهر خمسة عشر يومًا (فمن كانت ترى يومًا، أو أقل، أو أكثر، دمًا يبلغ مجموعه أقل الحيض) يومًا وليلة (فأكثر، و) ترى (طهرًا متخللًا) لذلك الدم، سواء كان زمنه كزمن الطهر، أو أقل، أو أكثر (فالدم حيض ملفق) فتجلسه. لأنه لما لم يمكن جعل كل واحد حيضة، ضرورة نقصه عن اليوم والليلة، أو كون الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر تعين الضم. لأنه دم في زمن يصلح كونه حيضًا. أشبه ما لو لم يفصل بينهما طهر (والباقي) أي: النقاء (طهر) لما تقدم، من أن الطهر في أثناء الحيضة صحيح (فتغتسل فيه، وتصوم، وتصلي) لأنه طهر حقيقة. (ويكره وطؤها) زمن طهر (١)، على ما قدمه في "الرعاية". وعنه: يباح (إلا أن يجاوز زمن الدم، و) زمن (النقاء أكثره) أي: أكثر الحيض. كأن ترى يومًا دما ويومًا نقاء، إلى ثمانية عشر مثلًا (فتكون مستحاضة) لقول علي (٢). (وتجلس المبتدئة من هذا الدم) الذي تخلله طهر، وصلح أن يكون

стр. 545

حيضًا (أقل الحيض) ثم تغتسل (والباقي) من الدم (إن تكرر) ثلاثًا (فهو حيض بشرطه) بأن لا يجاوز أكثر الحيض (وإلا) بأن لم يتكرر، أو جاوز أكثره (فاستحاضة) لا تجلسه. والمعتادة تجلس ما تراه في زمن عادتها، وإن كانت عادتها بتلفيق جلست على حسبها. وإن لم يكن لها عادة، ولها تمييز صحيح، جلست زمنه. فإن لم يكونا، وقلنا تجلس الغالب، فهل تلفق ذلك من أكثر الحيض، أو تجلس أيام الدم من الست والسبع؟ وجهان. جزم بالثاني في "الكافي". (وإذا أرادت المستحاضة الطهارة فـ) ـإنها (تغسل فرجها) لإزالة ما عليه من الدم (وتحتشي بقطن، أو ما يقوم مقامه) من خرق، ونحوها، طاهرة، ليمنع الدم (فإن لم يمنع ذلك) الحشو (الدم، عصبته بشيء طاهر يمنع الدم حسب الإمكان، بخرقة عريضة مشقوقة الطرفين، تتلجم بها، وتوثق طرفيها شيء آخر قد شدته على وسطها) لقوله ﷺ لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: "أنعت لك الكرسف -يعني القطن- تحشين به المكانَ. قالت: إنهُ أكثرُ من ذلك. قال: تلجّمِي" (١) قال في "المبدع": وظاهره: ولو كانت صائمة، لكن يتوجه أن تقتصر على التعصيب فقط (فإن غلب) الدم (وقطر بعد ذلك لم تبطل طهارتها) لعدم إمكان التحرز منه. (ولا يلزمها إذن إعادة شده، و) لا إعادة (غسله لكل صلاة إن لم تفرط في الشد) للحرج، فإن فرطت في الشد وخرج الدم بعد الوضوء أعادته، لأنه حدث أمكن التحرز منه. (وتتوضأ لوقت كل صلاة إن خرج شيء) لقول النبي ﷺ لفاطمة:

стр. 546

"توضئي لكلِّ صلاةٍ، حتى يجيء ذلكَ الوقتُ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (١). وصححه وفي لفظ قال لها: "توضئي لوقت كلّ صلاةٍ" (٢) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. لا يقال فيه: وفي غالب الروايات: "وتوضئي لكل صلاةٍ" لأنه مقيد، فيجب حمله على المقيد به، ولأنها طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم (وإلا) أي: وإن لم يخرج شيء (فلا) تتوضأ لكل وقت صلاة. (وتصلي) المستحاضة بوضوئها (ما شاءت) مادام الوقت (حتى جمعا بين فرضين) لبقاء وضوئها إلى خروج الوقت، وكالمتيمم وأولى. (ولها) أي: المستحاضة (الطواف) فرضًا، ونفلًا (ولو لم تطل استحاضتها) كالصلاة وأولى. (وتصلي عقب طهرها ندبًا) خروجًا من الخلاف. (فإن أخرت) الصلاة عن طهرها (ولو) كان التأخير (لغير حاجة لم يضر) مادام الوقت، لأنها متطهرة كالمتيمم. (وإن كان لها) أي: المستحاضة (عادة بانقطاعه) أي: الدم (زمنًا يتسع للوضوء، والصلاة، تعين فعلهما فيه) لأنه قد أمكن الإتيان بالعبادة على

стр. 547

وجه لا عذر معه ولا ضرورة، فتعين فعلهما على هذا الوجه. كمن لا عذر له. فإن توضأت زمن انقطاعه ثم عاد، بطل. (وإن عرض هذا الانقطاع) للدم في زمن يتسع للوضوء والصلاة (بعد طهارتها لمن عادتها الاتصال) أي: اتصال دم الاستحاضة (بطلت طهارتها ولزمها استئنافها) لأنها صارت بهذا الانقطاع في حكم من حدثها غير دائم. (فإن وجد) هذا الانقطاع (قبل الدخول في الصلاة لم يجز الشروع فيها) حتى تتوضأ، لبطلان وضوئها بالانقطاع. (فإن خالفت، وشرعت) في الصلاة (واستمر الانقطاع زمنًا يتسع للوضوء، والصلاة فيه، فصلاتها باطلة) لتبين بطلان الطهارة بانقطاعه. (وإن عاد) دمها (قبل ذلك) أي: قبل مضي زمن يتسع للوضوء، والصلاة (فطهارتها صحيحة) لأنه لا أثر لهذا الانقطاع (وتجب إعادة الصلاة) لأنها صلت بطهارة لم يكن لها أن تصلي بها، فلم تصح، كما لو تيقن الحدث، وشك في الطهارة وصلى، ثم تبين أنه كان متطهرًا. (وإن عرض) الانقطاع (في أثناء الصلاة، أبطلها مع الوضوء) لما تقدم من أنها بالانقطاع تصير كمن لا عذر لها (ومجرد الانقطاع يوجب الانصراف) من الصلاة، لبطلان الوضوء، فتبطل هي (إلا أن يكون لها عادة بانقطاع يسير) فلا يلزمها الانصراف بمجرد الانقطاع من الصلاة، لأن الظاهر حمله على المعتاد لها، وهو لا أثر له. (ولو توضأت من لها عادة بانقطاع يسير فـ) ـانقطع دمها و (اتصل الانقطاع حتى اتسع) للوضوء، والصلاة (أو برئت) من الاستحاضة (بطل وضوؤها إن وجد) أي: خرج (منها دم) بعد الوضوء، كالمتيمم للمرض، فيعافى. فإن لم يكن خرج منها دم بعد الوضوء لم يبطل (وإن كان الوقت)

стр. 548

الذي انقطع فيه الدم (لا يتسع لهما) أي: للوضوء والصلاة (لم يؤثر) في بطلان الوضوء ولا الصلاة (ولو كثر الانقطاع) واتسع للوضوء والصلاة (و) لكن (اختلف بتقدم، وتأخر، وقلة، وكثرة، ووجد مرة، وعدم) مرة (أخرى، ولم يكن لها عادة مستقيمة باتصال ولا بانقطاع، فهذه كمن عادتها الاتصال) فى الدم (فى بطلان الوضوء بالانقطاع المتسع للوضوء والصلاة، دون ما) أي: انقطاع (١) (دونه) أي: دون ما يتسع للوضوء والصلاة، لما تقدم (و) حكمها كمن عادتها الاتصال (في سائر ما تقدم، إلا أنها لا تمنع من الدخول في الصلاة، و) لا من (المضي فيها بمجرد الانقطاع قبل تبين اتساعه) للوضوء والصلاة، لعدم انضباط هذا الانقطاع. فيفضي لزوم اعتباره إلى الحرج، والمشقة. (ولا يكفيها) أي: المستحاضة (نية رفع الحدث) قال في "التلخيص": قياس المذهب لا يكفي. (وتكفي نية الاستباحة) أي: تتعين. ولو انتقضت طهارتها بطروء حدث، غير الاستحاضة. وظاهره: ولو قلنا إن طهارتها ترفع الحدث. قلت: لأنها لا ترفع الحدث على الإطلاق وإنما ترفع الحدث السابق، دون المقارن، لكنه لم يؤثر كالمتأخر للضرورة. ولهذا تبطل طهارتها بخروج الوقت. (فأما تعيين النية للفرض فلا تعتبر) هنا، بخلاف التيمم. لأن طهارتها ترفع الحدث بخلافه. (وتبطل طهارتها بخروج الوقت أيضًا) أي: كما تبطل بدخوله، هذا ظاهر كلامه في "الكافي" و"الشرح" فى غير موضع، كالتيمم. وقال المجد في "شرحه": ظاهر كلام أحمد: أن طهارة المستحاضة تبطل بدخول الوقت، دون خروجه. وقال أبو يعلى: تبطل بكل واحد منهما. قال في "الإنصاف": وهي

стр. 549

شبيهة بمسألة التيمم. والصحيح فيه: أنه يبطل (١) بخروج الوقت كما تقدم. قال المجد: والأول أولى اهـ. وكذا قال في "مجمع البحرين"، وجزم به في "نظم المفردات"، قال: وبدخول الوقت طهر يبطل … لمن بها استحاضة قد نقلوا لا بالخروج منه لو تطهرت … للفجر لم يبطل بشمس ظهرت (ولا يصح وضوؤها لفرض) كظهر، أو عصر، أو جمعة (قبل) دخول (وقته) لأنها طهارة ضرورة فتقيدت بالوقت كالتيمم. (ومثل المستحاضة) فيما تقدم (لا في الغسل لكل صلاة) فإن استحبابه يختص المستحاضة، لما تقدم في باب الغسل (من به سلس البول) أو المذي (والريح، والجريح الذي لا يرقى دمه، و) ذو (الرعاف الدائم) يعني أن حكم هؤلاء، حكم المستحاضة فيما تقدم، غير ما استثني، لتساويهم معنى، وهو عدم التحرز من ذلك، فوجب المساواة حكمًا. قال إسحاق بن راهويه: كان بزيد بن ثابت سلس البول، وكان يداويه ما استطاع، فإذا غلبه صلى ولا يبالي ما أصاب ثوبه (٢). (لكن عليه أن يحتشي) كما تقدم في المستحاضة، نقل الميموني فيمن به رعاف دائم أنه يحتشي (٣)، ونقل ابن هانئ خلافه (٤). قلت: ومن به دود قراح، يعصب المحل بعد حشوه ثم يصلي، وإن كان صائمًا عصبه فقط، وإن منعه العصب اكتفى به أيضًا غير الصائم. (وإن كان) محل الحدث (مما لا يمكن عصبه كالجرح الذي لا) يرقأ دمه، ولا (يمكن شده، أو من به باسور، أو ناصور، ولا يمكن عصبه،

стр. 550

صلى على حسب حاله) لفعل عمر، حيث صلى وجرحه يثعب دمًا. رواه أحمد (١) (ولو قدر على حبسه) أي: الحدث (حال القيام) وجده (لا حال الركوع، والسجود. لزمه أن يركع ويسجد نصًا، ولا يومئ) بهما، وأجزأته صلاته، (كالمكان النجس) اليابس إذا حبس به، ويأتي. وقال أبو المعالي: يومئ لأن فوات الشرط لا بدل له. (ولو امتنعت القراءة) إن صلى قائمًا، صلى قاعدًا (أو لحقه السلس إن صلى قائمًا، صلى قاعدًا) لأن للقيام بدلًا، وهو القعود، بخلاف القراءة، والطهارة. (ولو كان) من به سلس ونحوه (لو قام، وقعد لم يحبسه، ولو استلقى حبسه، صلى قائمًا) إن قدر عليه (أو قاعدًا) إن لم يقدر على القيام، لأن المستلقي لا نظير له اختيارًا (قاله أبو المعالي) واقتصر عليه في "المبدع" وغيره (فإن كانت الريح تتماسك جالسًا لا ساجدًا، لزمه السجود بالأرض نصًا) وقياس قول أبي المعالي "يومئ" لأن فوات الشرط لا بدل له، والسجود له بدل. (ولا يباح وطء المستحاضة من غير خوف العنت منه أو منها) لقول

стр. 551

عائشة: "المستحاضة، لا يغشاها زوجها" (١) ولأن بها أذى، فحرم وطؤها كالحائض. وعنه: يباح مطلقًا، وهو قول أكثر العلماء، لأن حمنة كانت تستحاض، وكان زوجها طلحة بن عبيد الله يجامعها، وأم حبيبة كانت تستحاض، وكان زوجها عبد الرحمن بن عوف يغشاها، رواهما أبو داود (٢). وقد قيل: إن وطء الحائض يتعدى إلى الولد. فيكون مجذومًا. (فإن كان) أي: وجد خوف العنت منه، أو خافته هي وطلبته منه (أبيح) له وطؤها (ولو لواجد الطول لنكاح غيرها) خلافًا لابن عقيل، لأن حكمه أخف من حكم الحيض، ومدته تطول. (والشبق الشديد كخوف العنت) فيبيح وطأها. ولو لم يصل إلى حال تبيح وطء الحائض. لما تقدم. (ويجوز شرب دواء مباح، لقطع الحيض، مع أمن الضرر، نصًا) كالعزل. و (قال القاضي (٣): لا يباح إلا بإذن الزوج) أي: لأن له حقًا في الولد.

стр. 552

(وفعل الرجل ذلك بها) أي: إسقاؤه إياها دواء مباحًا يقطع الحيض (من غير علمها يتوجه تحريمه) قاله في "الفروع"، وقطع به في "المنتهى" لإسقاط حقها من النسل المقصود. (ومثله) أي: مثل شربها دواء مباحًا لقطع الحيض (شربه كافورًا) قال في "المنتهى": ولرجل شرب دواء مباح يمنع الجماع. قال في "الفائق" (ولا يجوز ما يقطع الحمل) ذكره بعضهم. قال ابن نصر الله: وظاهر ما سبق جوازه، كإلقاء نطفة، بل أولى، ويحتمل المنع، لأن فيه قطع النسل، وقد يتوجه جوازه مما سبق في الكافور، فإن شربه يقطع شهوة الجماع، وقد تقدم أنه كقطع الحيض. (ويجوز) لأنثى (شراب دواء) مباح (لحصول الحيض، لا قرب رمضان لتفطره) كالسفر للفطر.

стр. 553

فصل في النفاس وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله. وأصله لغة: من التنفس، وهو الخروج من الجوف، أو من قولهم: نفس الله كربته، أي: فرجها. وهو دم ترخيه الرحم مع ولادة، وقبلها بيومين، أو ثلاثة، مع أمارة، وبعدها إلى تمام أربعين يومًا. (وأكثر مدة النفاس أربعون يومًا من ابتداء خروج بعض الولد) حكاه أحمد (١) عن عمر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وعثمان بن أبي العاص،

стр. 554

وعائذ بن عمرو، وأم سلمة، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم. قال الترمذي (١): "أجمع أهل العلم من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ومن بعدهم على أن النفساء تدعُ الصلاةَ أربعين يومًا، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي" قال أبو عبيدٍ (٢) وعلى هذا جماعة الناس، وقال إسحق: هو السنة

стр. 555

المجمع عليها. (فإن رأته) أي: الدم (قبله) أي: قبل خروج بعض الولد (بثلاثة أيام فأقل بأمارته) كتوجع (فـ) ــهو (نفاس) كالخارج مع الولادة (ولا يحسب) ما قبل الولادة (من مدته) أي: النفاس. (وإن جاوز) دم النفاس (الأربعين) يومًا (وصادف عادة حيضها) ولم يزد عن العادة (فـ) ــالمجاوز (حيض) لأنه دم في زمن العادة، أشبه ما لو لم يتصل بزمن النفاس. (فإن زاد) المجاوز (على العادة ولم يجاوز أكثر الحيض) فحيض إن تكرر (أو لم يصادف عادة) حيضها (ولم يجاوز أكثره) أي: أكثر الحيض (أيضًا. فحيض إن تكرر) ثلاثًا. كدم المبتدئة المجاوز لأقل الحيض (وإلا) بأن زاد على العادة، وجاوز أكثر الحيض، أو لم يصادف عادة وجاوز أكثره (فاستحاضة) ولو تكرر، لأنه لا يصلح حيضًا، ولا نفاسًا. (ولا تدخل استحاضة في مدة نفاس) كما لا تدخل في مدة حيض، لأن الحكم للأقوى. (ويثبت حكم النفاس ولو بتعديها) على نفسها بضرب، أو شرب دواء، أو غيرهما، فلا تقضي الصلاة، لأن وجود الدم ليس بمعصية من جهتها، ولا يمكنها قطعه، بخلاف سفر المعصية. قال القاضي: والسكر جعل شرعًا كمعصية مستدامة يفعلها شيئًا فشيئًا، بدليل جريان الإثم والتكليف (بوضع ما يتبين فيه خلق الإنسان نصًا) فلو وضعت علقة، أو مضغة لا تخطيط فيها، لم يثبت لها بذلك حكم النفاس. ويأتى أن أقل ما يتبين فيه خلق الإنسان أحد وثمانون يومًا، وغالبها على ما ذكره المجد، وابن تميم، وابن حمدان، وغيرهم: ثلاثة أشهر. قال المجد في "شرحه": فمتى رأت دمًا على طلق

стр. 556

قبلها، لم تلتفت إليه، وبعدها تمسك عن الصلاة، والصوم. ثم إن انكشف الأمر بعد الوضع خلاف الظاهر، رجعت فاستدركت، وإن لم ينكشف، بأن دفن ولم تتفقد أمره، استمر حكم الظاهر. إذ لم يتبين فيه خطأ. (ولا حد لأقله) أي: النفاس، لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا عقب سببه فكان نفاسًا، كالكثير. (فيثبت حكمه) أي: النفاس، من وجوب الغسل ونحوه (ولو بقطرة) وعنه: أقله يوم، وقدم في "التلخيص" ولحظة. (فإن انقطع) الدم (في مدته) أي: في الأربعين (فـ) ــهي (طاهر) لانقطاع دم النفاس، كما لو انقطع دم الحائض في عادتها. يؤيده ما روت أم سلمة أنها سألت النَّبيَّ ﷺ "كم تجلسُ المرأةُ إذا ولدتْ؟ قال: أربعينَ يومًا، إلا أن تَرى الطهر قبلَ ذلك" (١) ذكره في "المبدع". وحكى البخاري في "تاريخه": أن امرأة ولدت بمكة فلم تر دمًا، فلقيت عائشة فقالت: "أنتِ امرأةٌ طهركِ اللهُ" (٢) (تغتسل، وتصلي)، وتصوم ونحوه (لأنه طهر صحيح) لما تقدم. (ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهير) قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها، على حديث عثمان بن أبي العاص، أنها أتته قبل الأربعين فقال: "لا تقربِيني" (٣) ولأنه لا يأمن عود الدم في زمن الوطء.

стр. 557

(فإن عاد) الدم بعد انقطاعه (فيها) أي: في الأربعين (فمشكوك فيه) أي: في كونه دم نفاس، أو فساد، لأنه تعارض فيه الأمارتان (كما لو لم تره) أي: الدم مع الولادة (ثم رأته في المدة) أي: في الأربعين فمشكوك فيه (فتصوم، وتصلي) أي: تتعبد. لأنها واجبة في ذمتها بيقين، وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه، وفي غسلها لكل صلاة روايتان قال في "تصحيح الفروع": الصواب عدم الوجوب، ويحتمل أن يكون الخلاف في الاستحباب وعدمه، فعلى هذا يقوى عدم الاستحباب أيضًا اهـ ملخصًا. قلت: إن كان الخلاف في الاستحباب قوي الاستحباب، كالمستحاضة. وأولى. (وتقضي صوم الفرض) ونحوه، بخلاف الصلاة، احتياطًا، ولوجوبه يقينًا. لا يقال: إنها لا تقضي الصوم قياسًا على الناسية إذا صامت في الدم الزائد على غالب الحيض، لأنه يتكرر، فيشق القضاء بخلاف النفاس. (ولا يأتيها في الفرج) زمن هذا الدم، كالمبتدئة في الدم الزائد على اليوم والليلة، قبل تكرره. (وإن ولدت توأمين) فأكثر (فأول النفاس، وآخره من) ابتداء خروج بعض (الأول) لأنه دم خرج عقب الولادة، فكان نفاسًا واحدًا، كحمل واحد، ووضعه.

стр. 558

(فلو كان بينهما) أي: التوأمين (أربعون) فأكثر (فلا نفاس للثاني نصًا) لأن الولد الثاني تبع للأول، فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله (بل هو) أي: ما خرج مع الولد الثاني بعد الأربعين من الأول (دم فساد) لأنه لا يصلح حيضًا، ولا نفاسًا. (ويجوز شرب دواء لإلقاء نطفة) وفي "أحكام النساء" لابن الجوزي (١): يحرم. وفي "الفروع" عن "الفنون": إنما الموؤدة بعد التارات السبع. وتلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ - إلى - ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٢) قال: وهذا لما حلته الروح، لأن ما لم تحله لا يبعث. فقد يؤخذ منه: لا يحرم إسقاطه، وله وجه. ومن استمر دمها يخرج من فمها بقدر العادة في وقتها، وولدت فخرجت المشيمة ودم النفاس من فمها فغايته نقض الوضوء. لأنا لا نتحققه حيضًا، كزائد على العادة، كمني خرج من غير مخرجه، ذكره في "الفنون".

стр. 559

كتاب الصلاة واشتقاقها من الصلوين، واحدهما صلا كعصا، وهما عرقان من جانبي الذنب. وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود. وقال ابن فارس (١): من صليت العود إذا لينته؛ لأن المصلي يلين ويخشع. ورده النووي (٢) بأن لام الكلمة من الصلاة واو، ومن صليت ياء. وجوابه: أن الواو وقعت رابعة فقلبت ياء. ولعله ظن أن مراده صليت المخفف. تقول: صَلَيْت اللحم صليًا، إذا شويته. وإنما أراد ابن فارس، المضعف. وقال ابن الأعرابي (٣): صليت العصا تصلية، أدرته على النار لتقومه. (وهي) أي: الصلاة لغة: الدعاء بخير. قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) أي: ادع لهم. وعدي بعلى لتضمنه معنى الإنزال، أي: أنزل رحمتك عليهم. وقال النَّبيُّ ﷺ : "إذا دُعِي أحدُكُم إلى طعام فليُجِبْ، فإن كان مفطرًا فليَطْعم، وإن كان صائمًا فليصَلِّ (٥).

стр. 560

وقال الشاعر: (١) تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي … نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا وشرعًا (أقوال، وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم). ولا يرد عليه صلاة الأخرس ونحوه؛ لأن الأقوال فيها مقدرة، والمقدر كالموجود. أو التعريف باعتبار الغالب؛ فلا يرد أيضًا صلاة الجنازة. (وهي آكد فروض الإسلام بعد الشهادتين) لحديث جابر قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "بينَ الرجلِ وبين الكفْرِ تركُ الصلاة" رواه مسلم (٢). وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: "كان أصحاب النَّبيِّ ﷺ لا يرونَ شيئًا من الأعمالِ تركهُ كفرٌ غيرَ الصلاةِ" رواه الترمذي (٣). (سميت صلاة، لاشتمالها على الدعاء) وقيل: لأنها ثانية الشهادتين، كالمصلي من خيل الحلبة. (وفرضت ليلة الإسراء) لحديث أنس قال: "فرضت على النَّبيِّ ﷺ الصلواتُ ليلةَ أسرِيَ به خمسينَ، ثم نقصتْ حتى جعلتْ خمسًا، ثم نودي:

стр. 561

يا محمدُ إنه لا يبدّل القول لديَّ، وإن لك بهذه الخمس خمسينَ" صححه الترمذي (١). وكان الإسراء (قبل الهجرة) من مكة إلى المدينة (بنحو خمس سنين) على المشهور بين أهل السير، قال في "المبدع": وهو بعد مبعثه ﷺ بخمس سنين. (و) الصلوات (الخمس فرض معين) بالكتاب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣). وبالسنة لما تقدم (٤)، ولحديث ابن عمر: "بُنيَ الإِسلامُ على خمسٍ" متفق عليه (٥). وبالإجماع.

стр. 562

وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: "هل تجدُ الصلواتِ الخمسَ في القرآنِ؟ قال: نعمْ، ثم قرأ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآيتين (١) " (٢). (على كل مسلم، مكلف) قال في "المبدع": بغير خلاف (ولو لم يبلغه الشرع) أي: ما شرعه الله من الأحكام (كمن أسلم في دار حرب، ونحوه) كمن نشأ برأس جبل (ولم يسمع بالصلاة، فيقضيها) إذا دخل دار الإسلام، وتعلم حكمها، لعموم الأدلة. وقيل: لا، ذكره القاضي، واختاره الشيخ تقي الدين (٣)، بناء على أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأجرى الشيخ تقي الدين (٣) ذلك في كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، من تيمم، وزكاة، ونحوهما. (إلا حائضًا، ونفساء) فلا تجب عليهما، ولا يقضيانها، لما مر (ولو طرحت نفسها) بضرب، أو دواء، ونحوهما، وتقدم. (وتجب) الخمس (على نائم) أي: يجب عليه قضاؤها، إذا استيقظ، لقوله ﷺ : "من نامَ عنْ صلاةٍ، أو نسيَهَا، فليصلِّها إذا ذكرها" رواه مسلم (٤) من

стр. 563

حديث أبي هريرة، ولو لم تجب عليه حال نومه، لم يجب عليه قضاؤها، كالمجنون، ومثله الساهي. (ويجب إعلامه) أي: النائم (إذا ضاق الوقت) (١) صححه في "الإنصاف"، وجزم به أبو الخطاب في "التمهيد". (وتجب) الخمس (على من تغطى عقله بمرض، أو إغماء، أو دواء مباح) لأن ذلك لا يسقط الصوم، فكذا الصلاة، وكالنائم، ولأن عمارًا "غشي عليه ثلاثًا، ثم أفاق فقال: هل صليت؟ فقالوا: ما صليت منذُ ثلاثٍ، ثم توضأ وصلى تلكَ الثلاث" (٢). وعن عمران بن حصين، وسمرة بن جندب، نحوه (٣)، ولم يعرف لهم

стр. 564

مخالف (١)، فكان كالإجماع. ولأن مدة الإغماء لا تطول غالبًا، ولا تثبت عليه الولاية. ويجوز على الأنبياء بخلاف الجنون. (أو) تغطى عقله (بمحرم، كمسكر، فيقضي) لأن سكره معصية، فلا يناسب إسقاط الواجب عنه، ولأنه إذا وجب بالنوم المباح، فبالمحرم بطريق الأولى. وقيل: تسقط إن كان مكرهًا. (ولو زمن جنونه لو جن بعده) أي: بعد شربه المسكر (متصلًا) جنونه (به) أي: بسكره المحرم، تغليظًا عليه. قلت: وقياس الصلاة، الصوم، وسائر العبادات الواجبة. (ولا تجب) الخمس (على كافر أصلي) لأنها لو وجبت عليه حال كفره لوجب عليه قضاؤها؛ لأن وجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء، واللازم منتف. (بمعنى أنا لا نأمره) أي: الكافر (بها) أي: بالصلاة (في كفره، ولا بقضائها، إذا أسلم) لأنه أسلم خلق كثير في عهد النَّبيِّ ﷺ ، ومن بعده، فلم

стр. 565

يؤمر أحد بقضاء، لما فيه من التنفير عن الإسلام. (ولا تصح) الصلاة (منه) لفقد شروطها (١). (وتجب) الخمس (عليه) أي: على الكافر (بمعنى العقاب؛ لأن الكفار - ولو مرتدين - مخاطبون بفروع الإسلام) من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وغيرها، على الصحيح، كالتوحيد إجماعًا، لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. . .﴾ الآية (٢). (ولا تجب) الخمس (على مرتد زمن ردته) كالكافر الأصلي (ولا تصح) الصلاة (منه) لفقد شرطها وهو الإسلام (ويقضي) المرتد إذا عاد إلى الإسلام (ما فاته قبل ردته) لاستقراره في ذمته، و (لا) يقضي ما فاته (زمنها) أي: زمن ردته لعدم وجوبها (٣) عليه، كالأصلي. (ولا تبطل عباداته) أي: المرتد (التي فعلها قبل ردته بها) أي: بردته، وقوله: (من صلاة، وصوم، وحج وغير ذلك) كزكاة: بيان لعباداته، فلا يلزمه إعادتها إذا أسلم؛ لأن ذمته قد برئت منه بفعله قبل الردة، فلم تشتغل به بعد ذلك، وإن مات مرتدًا، حبطت لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ. . .﴾ الآية (٤). وإن ارتد في أثناء عبادته، بطلت مطلقًا، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. . .﴾ الآية (٥).
следующие страницы →