يا محمدُ إنه لا يبدّل القول لديَّ، وإن لك بهذه الخمس خمسينَ" صححه الترمذي (١).
وكان الإسراء (قبل الهجرة) من مكة إلى المدينة (بنحو خمس سنين) على المشهور بين أهل السير، قال في "المبدع": وهو بعد مبعثه ﷺ بخمس سنين.
(و) الصلوات (الخمس فرض معين) بالكتاب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣).
وبالسنة لما تقدم (٤)، ولحديث ابن عمر: "بُنيَ الإِسلامُ على خمسٍ" متفق عليه (٥).
وبالإجماع.
стр. 562
وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: "هل تجدُ الصلواتِ الخمسَ في القرآنِ؟ قال: نعمْ، ثم قرأ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآيتين (١) " (٢).
(على كل مسلم، مكلف) قال في "المبدع": بغير خلاف (ولو لم يبلغه الشرع) أي: ما شرعه الله من الأحكام (كمن أسلم في دار حرب، ونحوه) كمن نشأ برأس جبل (ولم يسمع بالصلاة، فيقضيها) إذا دخل دار الإسلام، وتعلم حكمها، لعموم الأدلة.
وقيل: لا، ذكره القاضي، واختاره الشيخ تقي الدين (٣)، بناء على أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأجرى الشيخ تقي الدين (٣) ذلك في كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، من تيمم، وزكاة، ونحوهما.
(إلا حائضًا، ونفساء) فلا تجب عليهما، ولا يقضيانها، لما مر (ولو طرحت نفسها) بضرب، أو دواء، ونحوهما، وتقدم.
(وتجب) الخمس (على نائم) أي: يجب عليه قضاؤها، إذا استيقظ، لقوله ﷺ : "من نامَ عنْ صلاةٍ، أو نسيَهَا، فليصلِّها إذا ذكرها" رواه مسلم (٤) من
стр. 563
حديث أبي هريرة، ولو لم تجب عليه حال نومه، لم يجب عليه قضاؤها، كالمجنون، ومثله الساهي.
(ويجب إعلامه) أي: النائم (إذا ضاق الوقت) (١) صححه في "الإنصاف"، وجزم به أبو الخطاب في "التمهيد".
(وتجب) الخمس (على من تغطى عقله بمرض، أو إغماء، أو دواء مباح) لأن ذلك لا يسقط الصوم، فكذا الصلاة، وكالنائم، ولأن عمارًا "غشي عليه ثلاثًا، ثم أفاق فقال: هل صليت؟ فقالوا: ما صليت منذُ ثلاثٍ، ثم توضأ وصلى تلكَ الثلاث" (٢).
وعن عمران بن حصين، وسمرة بن جندب، نحوه (٣)، ولم يعرف لهم
стр. 564
مخالف (١)، فكان كالإجماع.
ولأن مدة الإغماء لا تطول غالبًا، ولا تثبت عليه الولاية.
ويجوز على الأنبياء بخلاف الجنون.
(أو) تغطى عقله (بمحرم، كمسكر، فيقضي) لأن سكره معصية، فلا يناسب إسقاط الواجب عنه، ولأنه إذا وجب بالنوم المباح، فبالمحرم بطريق الأولى.
وقيل: تسقط إن كان مكرهًا.
(ولو زمن جنونه لو جن بعده) أي: بعد شربه المسكر (متصلًا) جنونه (به) أي: بسكره المحرم، تغليظًا عليه.
قلت: وقياس الصلاة، الصوم، وسائر العبادات الواجبة.
(ولا تجب) الخمس (على كافر أصلي) لأنها لو وجبت عليه حال كفره لوجب عليه قضاؤها؛ لأن وجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء، واللازم منتف.
(بمعنى أنا لا نأمره) أي: الكافر (بها) أي: بالصلاة (في كفره، ولا بقضائها، إذا أسلم) لأنه أسلم خلق كثير في عهد النَّبيِّ ﷺ ، ومن بعده، فلم
стр. 565
يؤمر أحد بقضاء، لما فيه من التنفير عن الإسلام.
(ولا تصح) الصلاة (منه) لفقد شروطها (١).
(وتجب) الخمس (عليه) أي: على الكافر (بمعنى العقاب؛ لأن الكفار - ولو مرتدين - مخاطبون بفروع الإسلام) من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وغيرها، على الصحيح، كالتوحيد إجماعًا، لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. . .﴾ الآية (٢).
(ولا تجب) الخمس (على مرتد زمن ردته) كالكافر الأصلي (ولا تصح) الصلاة (منه) لفقد شرطها وهو الإسلام (ويقضي) المرتد إذا عاد إلى الإسلام (ما فاته قبل ردته) لاستقراره في ذمته، و (لا) يقضي ما فاته (زمنها) أي: زمن ردته لعدم وجوبها (٣) عليه، كالأصلي.
(ولا تبطل عباداته) أي: المرتد (التي فعلها قبل ردته بها) أي: بردته، وقوله: (من صلاة، وصوم، وحج وغير ذلك) كزكاة: بيان لعباداته، فلا يلزمه إعادتها إذا أسلم؛ لأن ذمته قد برئت منه بفعله قبل الردة، فلم تشتغل به بعد ذلك، وإن مات مرتدًا، حبطت لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ. . .﴾ الآية (٤).
وإن ارتد في أثناء عبادته، بطلت مطلقًا، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. . .﴾ الآية (٥).
стр. 566
(ولا تبطل استطاعة قادر على الحج بها) أي: بالردة، لقدرته على العود للإسلام، فيستقر الحج عليه، لكن لا يصح منه في ردته (ولا يجب) الحج (باستطاعته فيها) أي: في ردته، لعدم أهليته له إذن.
(ولا تجب على مجنون لا يفيق) لحديث عائشة مرفوعًا: "رفعَ القلمُ عن ثلاثٍ (١): عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل، وعن الصبيِّ حتى يحتلمَ" رواه أبو داود (٢)، والترمذي (٣) وحسنه.
стр. 567
ولأنه ليس من أهل التكليف، أشبه الطفل، وظاهره ولو اتصل جنونه بردته، كالحيض، وقدم في "المبدع": يجب قضاء أيام الجنون الواقعة في الردة؛ لأن إسقاط القضاء عن المجنون رخصة، والمرتد ليس من أهلها.
стр. 568
(ولا تصح) الصلاة (منه) أي: من المجنون؛ لأن من شرطها النية، ولا تمكن منه.
(ولا قضاء) على المجنون إذا أفاق، لعدم لزومها له.
(وكذا الأبله الذي لا يُفيق) ذكره السامري وغيره، كالمجنون.
يقال: بله بلهًا، كتعب تعبًا، وتباله: أرى من نفسه ذلك، وليس به. ويقال: الأبله أيضًا، لمن غلبت عليه سلامة الصدر، وفي الحديث: "أكثرُ أهلِ الجنةِ البلهُ" (١).
قال الجوهري (٢): يعني البله في أمر الدنيا، لقلة اهتمامهم بها، وهم
стр. 569
أكياس في أمر الآخرة.
(وإن أذن) كافر يصح إسلامه، حكم به لاشتمال الأذان على الشهادتين.
(أو صلى في أي حال، أو) أي (محل كافر يصح إسلامه) كالمميز (حكم بإسلامه) لقوله ﷺ : "من صلَّى صلاتنَا، واستقبلَ قبلتنَا، فلهُ ما لنَا وعليهِ ما علينَا" (١).
لكن في البخاري من حديث أنس موقوفًا من قوله حين سأله ميمون بن شاه (٢) فقال: "من شهدَ أن لَا إلهَ إلا اللهُ، واستقبلَ قبلتنَا، وصلَّى صلاتنَا، وأكلَ ذبيحتنَا، فهو المسلم؛ لهُ ما للمسلمِ وعليه ما على المسلمِ" (٣).
وروى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "نُهيتُ عن قتلِ المصلينَ" (٤) وظاهره: أن العصمة تثبت بالصلاة، وهي لا تكون بدون الإسلام،
стр. 570
ولأنها عبادة تختص شرعنا، أشبهت الأذان.
ويحكم بكفر من سجد لصنم، فكذا عكسه.
(ويأتي) في باب المرتد بيان من يصح إسلامه، وبيان أنه يحكم بالإسلام بالصلاة.
(ولا تصح صلاته) أي: الكافر (ظاهرًا) لفقد شرطها وهو الإسلام، فيؤمر بإعادتها، وإن علم أنه كان قد أسلم، ثم تطهر وصلى بنية صحيحة، فصلاته صحيحة.
(ولا يعتد بأذانه) فلا يسقط به فرض الكفاية؛ لاشتراط النية فيه، وعدم صحتها من كافر.
ومعنى الحكم بإسلامه بما ذكر، أنه لو مات عقب الصلاة، أو الأذان، فتركته لأقاربه المسلمين، دون الكفار، ويدفن في مقابرنا، وأنه لو أراد البقاء على الكفر، وقال: إنما صليت، أو إنما أذنت متلاعبًا، أو مستهزئًا، لم يقبل منه، كما لو أتى بالشهادتين، ثم قال: لم أرد الإسلام.
(ولا يحكم بإسلامه بإخراج زكاة ماله، وحجه، ولا بصومه قاصدًا رمضان) لأن المشركين كانوا يحجون في أول الإسلام حتى نزل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ. . .﴾ الآية (١) ولم يحكم بإسلامهم بذلك، وكذا باقي العبادات، غير الشهادتين، والصلاة، ولأنها لا تختص شرعنا بخلاف الصلاة.
стр. 571
(ولا تجب) الخمس (على صغير لم يبلغ) للخبر (١)، ولأنها عبادة بدنية، فلم تلزمه، كالحج، والطفل لا يعقل، والمدة التي يكمل فيها عقله وبنيته تخفى وتختلف، فنصب الشارع عليه علامة ظاهرة، وهي البلوغ.
(ولا تصح منه إلا من مميز) أي: لا تصح الصلاة، من صغير لم يميز لفقدها شرطها، وهو النية.
وتصح من مميز (وهو من بلغ سبع سنين) قال في "المطلع" (٢): هو الذي يفهم الخطاب، ويرد الجواب، ولا ينضبط بسن، بل يختلف باختلاف الأفهام، وصوبه في "الإنصاف" وقال: إن الاشتقاق يدل عليه.
(ويشترط لصحة صلاته) أي: المميز (ما يشترط لصحة صلاة الكبير) أي: البالغ، لعموم الأدلة (إلا في السترة على ما يأتي) تفصيله في باب ستر العورة، لاختلافها بحسب البلوغ وعدمه.
(والثواب له) أي: ثواب صلاة المميز للمميز؛ لأنه العامل، فهو داخل في عموم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٣).
(وكذا أعمال البر كلها) إذا عملها غير البالغ، كان ثوابها له كالصلاة، ولحديث: "ألهذا - أي: الصبي - حجُّ؟ قال: نعمْ، ولك أجر" (٤) ويأتي.
(فهو) أي: الصغير (يكتب له) ما عمله من الحسنات (ولا يكتب عليه) ما عمله من السيئات، لرفع القلم عنه.
(ويلزم الولي أمره) أي: المميز (بها) أي: بالصلاة (إذن) أي: حين يتم
стр. 572
له سبع سنين، ذكرًا كان، أو أنثى، لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "مرُوا أبناءَكم بالصلاةِ، وهم أبناءُ سبع سنينَ، واضربُوهُم عليها لعشرٍ، وفرقُوا بينَهمْ في المضاجِعِ" رواه أحمد، وأبو داود (١)، من رواية سوار بن داود، وقد وثقه ابن معين وغيره.
(و) يلزم الولي (تعليمه إياها) أي: الصلاة (وتعليم طهارة (٢)، نصًا) لأنه لا يمكنه فعل الصلاة إلا إذا علمها، فإذا علمها، احتاج إلى العلم بالطهارة، ليتمكن منها.
стр. 573
فإن احتاج إلى أجرة فمن مال الصغير، فإن لم يكن، فعلى من تلزمه نفقته.
وكذا إصلاح ماله، وكفه عن المفاسد.
وكذلك ذكر النووي في "شرح المهذب" (١) الصيام ونحوه.
ويعرف تحريم الزنا، واللواط، والسرقة، وشرب المسكر، والكذب، والغيبة، ونحوها.
ويعرف أنه بالبلوغ (٢) يدخل في التكليف، ويعرفه ما بلغ به.
وقيل: هذا التعليم مستحب، والصحيح وجوبه.
(ويضرب) المميز (ولو رقيقًا على تركها) أي: الصلاة (لعشر) أي: عند بلوغه عشر سنين تامة (وجوبًا) للخبر، والأمر والضرب في حقه لتمرينه عليها، حتى يألفها، ويعتادها، فلا يتركها عند البلوغ.
(وإن بلغ في أثنائها) في وقتها، لزمه إعادتها (أو) بلغ (بعدها) أي: الصلاة (في وقتها، لزمه إعادتها) لأنها نافلة في حقه، فلم تجزئه عن الفرض. كما لو نواها نفلًا.
وكما يلزمه إعادة الحج.
(و) يلزمه (إعادة تيمم لفرض) لأن تيممه قبل بلوغه كان لنافلة. فلا يستبيح به الفرض.
و (لا) يلزمه إعادة (وضوء) ولا غسل جنابة؛ لأن من توضأ، أو اغتسل لنافلة، استباح به الفريضة، لرفعه الحدث، بخلاف التيمم (وتقدم) ذلك.
(ولا) يلزمه أيضًا (إعادة إسلام) لأن أصل الدين لا يصح نفلًا، فإذا وجد، فعلى وجه الوجوب، ولأنه يصح بفعل غيره، وهو الأب.
стр. 574
(ويلزمه إتمامها) أي: الصلاة (إذا بلغ فيها) قدمه أبو المعالي في "النهاية"، وتبعه ابن عبيدان، وقال في "الفروع" وغيره: وحيث وجبت لزمه إتمامها، وإلا فالخلاف في النفل، أي: إن قلنا: تجب الصلاة على ابن عشر فبلغ فيها، لزمه إتمامها وإعادتها، وإن قلنا: لا تجب عليه قبل البلوغ، كما هو المذهب، فبلغ في أثنائها فوجوب وإتمامها مبني على القولين فيمن شرع في نفل، هل يجب عليه إتمامه؟ والصحيح، - كما يأتي -: لا يلزمه إتمامه. فعلى هذا لا يلزمه إتمامها.
(ولا يجوز لمن وجبت عليه) صلاةٌ (تأخيرها أو) تأخير (بعضها عن وقت الجواز) في: وقت الصلاة، إن كان لها وقت واحد، ووقت الاختيار، إن كان لها وقتان (إن كان ذاكرًا لها، قادرًا على فعلها) قال في "المبدع": إجماعًا، لما روى أبو قتادة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "ليسَ في النومِ تفريطٌ، إنما التفريطُ في اليقظةِ، أن تؤخرَ صلاةٌ إلى أن يدخَل وقتُ صلاةٍ أخرى" رواه مسلم (١).
ولأنه يجب إيقاعها في الوقت، فإذا خرج، ولم يأت بها كلها، كان تاركًا للواجب مخالفًا للأمر، ولأنه لو عذر بالتأخير لفاتت فائدة التأقيت.
(إلا لمن ينوي الجمع) لعذر؛ فإنه يجوز له التأخير؛ لأنه ﷺ كان يؤخر الأولى في الجمع، ويصليها في وقت الثانية، وسيأتي.
ولأن وقتيهما يصيران وقتًا واحدًا لهما، ومقتضاه: أنه لا يحتاج إلى استثنائه، لكن لما كان لكل صلاة وقت معلوم، فيتبادر الذهن إليه، فتعين إخراجه.
стр. 575
(أو لمشتغل بشرطها الذي يحصله قريبًا، كالمشتغل بالوضوء، والغسل) وستر العورة، إذا انخرق ثوبه، واشتغل بخياطته، وليس عنده غيره؛ لأن الشرط لا بدل له.
و (لا) يجوز التأخير لمشتغل بشرطها (البعيد، كالعريان لو أمكنه أن يذهب إلى قرية أخرى يشتري منها ثوبًا) أو يستأجره ونحوه (ولا يصلي إلا بعد الوقت) فيصلي عريانًا (وكالعاجز عن تعلم التكبير، والتشهد، ونحو ذلك) كالفاتحة، وأدلة القبلة، إذا خفيت عليه (بل يصلي في الوقت على حسب حاله) تقديمًا للوقت، لسقوط الشرط إذن بالعجز عنه.
(وله) أي: لمن وجبت عليه صلاة (تأخيرها عن أول وقت وجوبها) لفعله ﷺ في اليوم الثاني من فرض الصلاة (١) (بشرط العزم على فعلها فيه) أي: في الوقت المختار، كقضاء رمضان، ونحوه، مما وقته موسع (ما لم يظن مانعًا منه) أي: من فعل الصلاة (كموت، وقتل، وحيض) فيجب عليه أن يبادر بالصلاة قبل ذلك.
(وكذا من) عدم السترة إذا (أعير سترة أول الوقت فقط) فيلزمه أداؤها إذن، لتمكنه من الإتيان بها بشرطها.
(و) كذا (متوضئ عدم الماء في السفر) كما هو الغالب، أو في الحضر، لقطع عدو ماء بلده، ونحوه (وطهارته لا تبقى إلى آخر الوقت، ولا يرجو وجوده) أي: الماء في الوقت، فيلزمه أن يصلي بوضوئه.
(و) كذا (مستحاضة لها عادة بانقطاع دمها، في وقت يتسع لفعلها) وفعل الوضوء (فيتعين فعلها في ذلك الوقت) سواء كان أول الوقت، أو وسطه، أو آخره.
стр. 576
(ومن له التأخير) أي: تأخير الصلاة في الوقت (فمات قبل الفعل) في الوقت (لم يأثم) لعدم تفريطه (وتسقط بموته) قال القاضي: لأنها لا تدخلها النيابة، فلا فائدة في بقائها في ذمته، بخلاف الزكاة، والحج.
(ويحرم التأخير للصلاة) أو بعضها (بلا عذر إلى وقت الضرورة) كما يحرم إخراجها عن وقتها. وتقدم.
стр. 577
فصل
(ومن جحد وجوبها) أي: وجوب صلاة من الخمس (كفر، إن كان ممن لا يجهله، كمن نشأ بدار الإسلام) زاد ابن تميم: وإن فعلها؛ لأنه لا يجحدها إلا تكذيبًا لله، ولرسوله، وإجماع الأمة. ويصير مرتدًا بغير خلاف نعلمه. قاله في "المبدع".
(وإن كان ممن يجهله) أي: وجوبها (كحديث عهد بالإسلام، أو من نشأ ببادية، عُرِّفَ وجوبها، ولم يحكم بكفره) لأنه معذور. فإن قال: أنسيتها، قيل له: صل الآن، وإن قال: أعجز عنها لعذر، كمرض، أو عجز عن أركانها، أعلم أن ذلك لا يسقط الصلاة، وأنه يجب عليه أن يصلي على حسب طاقته (فإن أصر) على الجحد (كفر) لما سبق.
(فإن تركها تهاونًا، وكسلًا) لا جحودًا (دعاه إمام، أو نائبه إلى فعلها) لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به، كالمرض، ونحوه، ويهدده فيقول له: إن صليت، وإلا، قتلناك، وذلك في وقت كل صلاة.
(فإن أبى) أن يصليها (حتى تضايق وقت التي بعدها) أي: بعد التي دعي لها عن فعل الثانية، كما جزم به في "مختصر المقنع" تبعًا "للوجيز" وغيره (وجب قتله) لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ - إلى قوله - فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (١) فمن ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية، فيبقى على إباحة القتل.
ولقوله ﷺ : "من تركَ الصلاةَ متعمدًا فقدْ برئتْ منهُ ذمةُ اللهِ ورسولِهِ" رواه
стр. 578
أحمد (١) بإسناده عن مكحول، وهو مرسل جيد. قاله في "المبدع". ولأنها من أركان الإسلام لا تدخلها النيابة، فقتل تاركها كالشهادتين.
ولا يقتل بترك الأولى؛ لأنه لا يعلم أنه عزم على تركها إلا بخروج وقتها، فإذا خرج علمنا أنه تركها، ولا يجب قتله بها، لأنها فائتة، فإذا ضاق وقت الثانية وجب قتله.
(ولا يقتل) من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا. وكذا من جحد وجوبها (حتى يستتاب ثلاثة أيام، كمرتد) أي: كسائر المرتدين (نصًا) ويضيق عليه. وذكر القاضي أنه يضرب (فإن تاب) من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا (بفعلها) أي:
стр. 579
بفعل الصلاة، خلي سبيله. نقل صالح (١): توبته أن يصلي؛ لأن كفره بالامتناع منها، فحصلت توبته بها، بخلاف جاحدها، فإن توبته، إقراره بما جحده مع الشهادتين، كما يعلم مما يأتي في باب المرتد.
(وإلا) أي: كان لم يتب بفعل الصلاة (قتل بضرب عنقه) بالسيف، لقوله ﷺ : "إذا قتلتُم فأحسِنُوا القتلة" رواه مسلم (٢) أي: الهيئة من القتل (لكفره) علة لقُتل، لما روى جابر عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "بينَ الرجلِ وبينَ الكُفرِ تركُ الصلاةِ" رواه مسلم (٣).
وروى بريدة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "من تركَها فقدْ كفَرَ"، رواه الخمسة وصححه الترمذي (٤).
وروى عبادة مرفوعًا: "من ترك الصلاةَ متعمِّدًا فقد خَرجَ من الملّةِ" رواه الطبراني (٥) بإسناد جيد.
стр. 580
وقال عمر: "لا حظَّ في الإسلام لمن ترَكَ الصلَاةَ" (١).
ولقوله ﷺ : "أولُ ما تفقدونَ من دينِكم الأمانةُ، وآخرُ ما تفقِدونَ الصلاةُ" (٢).
стр. 581
قال أحمد (١): كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء.
ولأنه يدخل بفعلها في الإسلام، فيخرج بتركها عنه، كالشهادتين.
(وحيث كفر، فـ) ــإنه يقتل بعد الاستتابة، ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، و (لا يرق، ولا يسبى له أهل، ولا ولد) كسائر المرتدين.
(ولا قتل، ولا تكفير قبل الدعاية) بحال، لاحتمال أن يكون تركها لشيء يظنه عذرًا في تركها (قال الشيخ (٢): وتنبغي الإشاعة عنه بتركها، حتى يصلي، ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته انتهى) لعله يرتدع بذلك، ويرجع.
(ومن راجع الإسلام قضى صلاته مدة امتناعه) قدمه في "الفروع"، وهو ظاهر كلام جماعة. وقال في "المبدع": وظاهره أنه متى راجع الإسلام، لم يقض مدة امتناعه، كغيره من المرتدين، لعموم الأدلة، ثم حكى كلام الفروع.
(ومن جحد وجوب الجمعة كفر) للإجماع عليها، وظهور حكمها، فلا يعذر بالجهل به، إلا إذا كان قريب عهد بإسلام، أو نشأ ببادية.
(وكذا لو ترك ركنًا) مجمعًا عليه (أو شرطًا مجمعًا عليه كالطهارة،
стр. 582
والركوع، والسجود) لأنه كتركها (أو) ترك ركنًا أو شرطًا (مختلفًا فيه يعتقد وجوبه) فهو كترك جميعها، ذكره ابن عقيل وغيره. قال: كما نحده بفعل ما يوجب الحد على مذهبه، وقدمه في "الفروع" وغيره.
(قال) صدر الوزراء عون الدين أبو المظفر يحيى (بن هبيرة) الشيباني البغدادي في قول حذيفة - وقد رأى رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده -: "ما صليتَ، ولو متَّ، متَّ على غيرِ الفطرة التي فطرَ اللهُ عليهَا محمدًا ﷺ " (١) فيه أن إنكار المنكر في مثل هذا يغلظ له لفظ الإنكار، وفيه إشارة إلى تكفير تارك الصلاة، وإلى تغليظ الأمر في الصلاة، حتى إن (من أساء في صلاته، ولم يتم ركوعها، ولا سجودها) فإن (حكمه حكم تاركها) اهـ.
(وعند الموفق ومن تابعه) كالشارح (لا يقتل بمختلف فيه) كما لا يحد المتزوج بغير ولي (وهو أظهر) للشبهة.
(ولا يكفر بترك شيء من العبادات تهاونًا غير الصلاة، فلا يكفر بترك زكاة بخلا، ولا يترك صوم، وحج يحرم تأخيره تهاونًا) لقول عبد الله بن شقيق: "لم يكن أصحابُ النَّبيِّ ﷺ يروْن شيئًا منَ الأعمالِ تركُه كفرٌ غيرَ الصلاةِ" (٢) (ويقتل فيهن حدًّا) لما يأتي في أبوابها.
(ولا يقتل بـ) ــترك (صلاة فائتة، ولا بترك كفارة، ونذر) للاختلاف في وجوبها فورًا.
"خاتمة" اختلف العلماء: بم كفر إبليس؟ فذكر أبو إسحاق بن شاقلا: أنه كفر بترك السجود، لا بجحوده.
стр. 583
وقيل: كفر لمخالفته الأمر الشفاهي من الله تعالى، فإنه سبحانه خاطبه بذلك.
قال الشيخ برهان الدين ولد صاحب "الفروع" في الاستعاذة له (١): وقال جمهور الناس: كفر إبليس لأنه أبى واستكبر، وعاند، وطعن، وأصر، واعتقد أنه محق في تمرده، واستدل بأنا خير منه، فكأنه ترك السجود لآدم تسفيهًا لأمر الله تعالى وحكمته، وعن هذا الكبر عبر النَّبيُّ ﷺ بقوله: "لا يدخلُ الجنةَ منْ في قلبِهِ مثقالُ ذرةٍ من كبر" (٢).
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية الميموني: إنما أمر بالسجود، فاستكبر، وكان من الكافرين، والاستكبار كفر.
وقالت الخوارج: كفر بمعصية الله تعالى، وكل معصية كفر. وهذا قول باطل بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة.
стр. 584
باب الأذان والإقامة وما يتعلق بهما من الأحكام
(وهو) أي: الأذان، لغة: الإعلام. قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) أي: إعلام. وقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٢) أي: أعلمهم.
وقال الشاعر (٣): آذنتنا ببينها أسماء، أي: أعلمتنا، يقال: أذن بالشيء تأذينًا وأذانًا وأذينا، على وزن رغيف، إذا أعلم به. فهو اسم مصدر، وأصله من الأذن، وهو الاستماع؛ لأنه يلقي في آذان الناس ما يعلمهم به.
وشرعًا: (الإعلام بدخول وقت الصلاة، أو) الإعلام بـ (ـــقربه لفجر) في الجملة، لأنه يصح الأذان لها بعد نصف الليل، كما يأتي.
(وهي) أي: الإقامة في الأصل مصدر أقام، وحقيقته: إقامة القاعد، أو المضطجع، فكأن المؤذن إذا أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين، وأزالهم عن قعودهم.
وشرعًا: (الإعلام بالقيام إليها) أي: إلى الصلاة (بذكر مخصوص فيهما) أي: في الأذان، والإقامة.
وهما مشروعان بالكتاب والسنة، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾ (٤) و ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥).
стр. 585
وأما السنة فهي شهيرة بذلك، ومنها:
حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: "لما أمَر النَّبيُّ ﷺ بالناقوسِ يعملُ ليضربَ به للناسِ لجمع الصلاةِ، طافَ بي - وأنا نائمٌ - رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يدهِ، فقلتُ: يا عَبْدَ اللهِ، أتبيع الناقوسَ؟ قال: وما تصنعُ بهِ؟ قلت: أدعو بِهِ إلى الصلاةِ. قال: أفلا أدلُّكَ على ما هُوَ خيرٌ من ذلك؟ فقلتُ: بلى. قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهدُ أن لا إلَهَ إلا الله، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حي على الصلاةِ، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إلهَ إلا الله.
ثم استأخرَ عني غيرَ بعيدٍ، ثم قالَ: تقولُ - إذا قمتَ إلى الصلاةِ -: الله أكبر، الله أكبر، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حيِّ على الصلاة، حيِّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إلهَ إلا الله.
فلمَّا أصبحتُ، أتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فأخبرتهُ بما رأيتُ، فقال: إنها لرؤيا حقٍّ، - إن شاء الله -، فقمْ مع بلالٍ، فألقِهِ عليهِ، فليؤذنْ، فإنه أندَى صوتًا منكَ. فقمتُ مع بلالٍ، فجعلتُ ألقيهِ عليه ويؤذنُ به.
قال: فسمع ذلك عمرُ بنُ الخطابِ، - وهو في بيتهِ - فخرجَ يجر رداءَه، يقول: والذي بعثكَ بالحقِّ يا رسول اللهِ، لقد رأيتُ مثلَ الذي رأى، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : فللهِ الحمدُ" رواه أحمد، وأبو داود واللفظ له، وابن ماجه. وأخرج الترمذي (١) بعضه. وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 586
وفي "الصحيحين" عن أنس قال: "لما كثرَ الناسُ، ذكروا أن يعلمُوا وقتَ الصلاة بشيء يعرفونَه، فذكروا أن يوقدُوا نارًا، أو يضربُوا ناقوسًا، فأمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة" (١).
(وهو) أي: الأذان (أفضل من الإقامة) لزيادته عليها، (و) أفضل (من الإمامة).
ويدل ل فضل الأذان أحاديث كثيرة، منها:
حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناسُ ما في النداءِ، والصفِّ الأولِ، ثم لم يجدُوا إلا أن يستَهِمُوا عليهِ لاستَهَمُوا عليه"
стр. 587
متفق عليه (١).
وحديث معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: "المؤذنُونَ أطولُ الناسِ أعناقًا يومَ القيامةِ" رواه مسلم (٢).
وحديث ابن عباس مرفوعًا قال: "من أذَّن سبع سنينَ محتسِبًا كتبتْ لهُ براءةٌ من النارِ" رواه ابن ماجه (٣).
ويشهد لفضلِ الأذان على الإمامة، حديث أبي هريرة يرفعه: "الإمامُ ضامِنٌ، والمؤذن مؤتمَنٌ، اللهم أرشد الأئِمةَ، واغفر للمؤذنينَ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (٤).
والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد، وإنما لم يتول النَّبيُّ ﷺ وخلفاؤه من بعده الأذان لضيق وقتهم عنه، قال عمر: "لولا الخليفى لأذنْتُ" (١).
قال في "الاختيارات" (٢): وهما أفضل من الإمامة، وهو أصح الروايتين عن أحمد، واختيار أكثر الأصحاب.
وأما إمامته ﷺ وإمامة الخلفاء الراشدين، فكانت متعينة عليهم، فإنها وظيفة الإمام الأعظم، ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان، لخصوص أحوالهم، وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل.
(وله الجمع بينه) أي: الأذان (وبين الإمامة) بل ذكر أبو المعالي: أن الجمع بينهما أفضل، وقال أيضًا: ما صلح له فهو أفضل.
(وهو) أي: الأذن (والإقامة، فرضا كفاية للصلوات الخمس المؤداة، والجمعة) لقوله ﷺ : "إذا حضرت الصلاةُ، فليؤذنْ لكمْ أحدُكم، وليؤمكمْ أكبرُكم" متفق عليه (٣)، والأمر يقتضي الوجوب على أحدهم.
стр. 590
وعن أبي الدرداء مرفوعًا: "ما منْ ثلاثةٍ لا يؤذَّنُ ولا تقامُ فيهم الصلاةُ، إلا استحوذَ عليهمُ الشيطانُ" رواه أحمد والطبراني (١).
ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فكانا فرض كفاية، كالجهاد.
وذكر الجمعة، قال في "المبدع": لا يحتاج إليه لدخولها في الخمس.
(دون غيرها) أي: غير الخمس، فلا يشرع الأذان، والإقامة، لمنذورة، ولا نافلة، ولا جنازة، ولا عيد؛ لأن المقصود منهما الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة على الأعيان، والقيام إليها، وهذا لا يوجد في غير الخمس المؤداة.
(للرجال جماعة) أي: عليهم، وهو متعلق بقوله: فرض كفاية، لما تقدم، فلا يجب على الرجل المنفرد بمكان، فعلم أن المراد بالجمع هنا اثنان فأكثر، قال في "المنتهى": الأحرار، إذ فرض الكفاية لا يلزم رقيقًا، أي: في الجملة. (في الأمصار، والقرى، وغيرهما حضرًا) لعموم ما سبق.
(ويكرهان للنساء، والخناثى، ولو بلا رفع صوت) قال في "الفروع": ويتوجه في التحريم جهرًا الخلاف في قراءة، وتلبية اهـ. ويأتي قوله: وتسر بالقراءة إن سمعها أجنبي، أي: وجوبًا، ولا فرق.
стр. 591
والأذان والإقامة (مسنونان لقضاء) فريضة من الخمس، لحديث عمرو بن أمية الضمري قال: "كنا مع الرسول ﷺ في بعضِ أسفارِه، فنامَ عنِ الصبْحِ، حتى طلعت الشمسُ فاستيقظَ ﷺ فقال: تنحوا عن هذا المكانِ. قال: ثم أمر بلالًا فأذَّنَ، ثم توضأ وصلى ركعتَي الفجرِ، ثم أمر بلالًا فأقامَ الصلاةَ، فصلى بهمْ صلاةَ الصبْحِ" رواه أبو داود (١).
(و) يسن الأذان، والإقامة أيضًا (لمصل وحده، ومسافر، وراع ونحوه) لخبر عقبة بن عامر قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: "يعجبُ ربُّك من راعي غنم في رأس الشظية (٢) للجبل، يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة" رواه النسائي (٣).
(إلا أنه لا يرفع صوته به) أي: الأذان (في القضاء إن خاف تلبيسًا.
وكذا) لا يرفع صوته إذا أذن (في غير وقت الأذان) المعهود له عادة، كأوساط الوقت وأواخره، لما فيه من التلبيس.
(وكذا) لا يرفع صوته بالأذان (في بيته البعيد عن المسجد، بل يكره) له
стр. 592
رفع الصوت إذن (لئلا يضيع من يقصد المسجد) إذا سمعهما وقصدهما جريًا على العادة.
(وليسا) أي: الأذان، والإقامة (بشرط للصلاة، فتصح) الصلاة (بدونهما) لأن ابن مسعود صلى بعلقمة، والأسود، بلا أذان ولا إقامة (١)، احتج به أحمد (مع الكراهة) ذكره الخرقي، وغيره، وذكر جماعة إلا بمسجد قد صلي فيه. ويأتي.
(ويشرعان) أي: يسنان (للجماعة الثانية في غير الجوامع الكبار، قاله أبو المعالي) وقال في "التلخيص": غير مسجدي مكة، والمدينة.
(وإن كان) من يقضي الصلاة (في بادية، رفع صوته) بالأذان. هذا معنى كلامه في "الرعاية"، وحسنه في "الإنصاف"؛ لأمن اللبس.
(ولا يشرعان) أي: الأذان، والإقامة (لكل واحد ممن في المسجد، بل حصلت لهم الفضيلة) بأذان أحدهم (كقراءة الإمام) تكون قراءة (للمأموم).
وهل صلاة من أذن لصلاته بنفسه أفضل، لأنه وجد منه فضل يختص الصلاة، أم هي وصلاة من أذن له سواء، لحصول سنة الأذان؟ ذكر القاضي أن أحمد توقف، نقله الأثرم (ولأنه قام بهما) أي: الأذان، والإقامة (من يكفي، فسقط عن الباقين) كسائر فروض الكفاية (وتكفيهم) أي: السامعين (متابعة المؤذن) في الأذان، والإقامة لما يأتي.
(فإن اقتصر المسافر) على الإقامة، لم يكره.
стр. 593
(أو) اقتصر (المنفرد على الإقامة) لم يكره. نص عليه.
(أو صلى بدونها) أي: الإقامة (في مسجد صلي فيه، لم يكره) كما ذكره جماعة، وتقدم.
قلت: وعليه يحمل فعل ابن مسعود.
(وينادى لعيد، وكسوف، واستسقاء: الصلاة جامعة، أو الصلاة) قال في "الفروع": وينادى لكسوف، لأنه في "الصحيحين" (١)، واستسقاء وعيد: الصلاة جامعة أو الصلاة، بنصب الأول على الإغراء، والثاني على الحال، وفي "الرعاية": بنصبهما، ورفعهما. وقيل: لا ينادى، وقيل: لا ينادى في عيد، كجنازة، وتراويح، على الأصح فيهما. قال ابن عباس، وجابر: "لم يكن يؤذنُ يوم الفطرِ حين خروجِ الإمامِ ولا بعدما يخرجُ، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء" متفق عليه (٢) (ويأتي بعضه) في مواضعه.
(ولا ينادى على الجنازة والتراويح) لأنه محدث. وأشد من ذلك ما يفعل عند الصلاة على الجنازة من إنشاد الشعر، وذكر الأوصاف التي قد يكون أكثرها كذبًا، بل هو من النياحة.
стр. 594
(فإن تركهما) أي: الأذان، والإقامة (أهل بلد، قوتلوا) أي: قاتلهم الإمام أو نائبه (١) لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فقوتلوا على تركهما، كصلاة العيد، وعلم منه: أنه إذا قام بهما من يحصل به الإعلام غالبًا، أجزأ عن الكل، وإن كان واحدًا، نص عليه.
(ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما) لقوله ﷺ لعثمان بن أبي العاص: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (٢) وحسنه. وقال (٣): العمل على هذا عند أهل العلم. وقال: وكرهوا أن يأخذ على أذانه أجرًا.
ولأنه يقع قربة لفاعله، أشبه الإمامة.
(ويجوز أخذ الجعالة) عليهما (ويأتي في الإجارة) مفصلًا.
(فإن لم يوجد متطوع بهما، رَزَقَ الإمام من بيت المال) أي أعطى من مال الفيء؛ لأنه المعد للمصالح. والرزق: العطاء، والرزق: ما ينفع ولو محرمًا. قال ابن الأثير (٤): الأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان، كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس، كالمعارف والعلوم (من يقوم بهما) لأن بالمسلمين حاجة إليهما، قال في "المغني" و"الشرح": لا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه.
стр. 595
(ولا يجوز بذل الرزق) من بيت المال لمن يقوم بهما (مع وجود المتطوع) بهما، لعدم الحاجة إليه.
(و يسن أذان في أذن مولود اليمنى، حين يولد، و) أن (يقيم في اليسرى) من أذنيه بعده، لأنه ﷺ "أذنَ في أذنِ الحسنِ حينَ ولدتْه فاطمَةُ" رواه الترمذي (١) وقال: حسن صحيح، ولخبر ابن السني: "من ولدَ له مولودٌ، فأذنَ في أذنهِ اليمنَى، وأقامَ في أذنه اليُسْرى، لم تضره أم الصبْيانِ" (٢) أي: التابعة
стр. 596
من الجن. وليكون التوحيد أول شيء يقرع سمعه حين خروجه إلى الدنيا، كما يلقن عند خروجه منها، ولما فيه من طرد الشيطان عنه، فإنه يفر عند سماع الأذان.
وفي مسند ابن رزين أنه ﷺ "قرأ في أذنِ مولودٍ سورةَ الإخلاصِ" (١) والمراد أذنه اليمنى. قاله في "شرح المنتهى".
(ويسن كون المؤذن صيتًا) أي: رفيع الصوت، لقوله ﷺ لعبد الله بن زيد: "قم مع بلالٍ فألقهِ عليهِ، فإنه أندَى صوتًا منكَ" (٢).
واختار أبا محذورة للأذان؛ لكونه صيتًا، ولأنه أبلغ في الإعلام.
(أمينًا) أي: عدلًا، لما روى أبو محذورة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "أمناءُ الناسِ على صلاتِهِم وسحُورِهم المؤذنون" رواه البيهقي (٣)، وفي إسناده يحيى بن عبد الحميد، وفيه كلام.
стр. 597
ولأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة وغيرها، ولا يؤمن أن يغرهم بأذانه، إذا لم يكن كذلك.
ولأنه يعلو للأذان، فلا يؤمن منه النظر إلى العورات.
(بصيرًا) لأن الأعمى لا يعرف الوقت، فربما غلط، وكره ابن مسعود، وابن الزبير أذانه (١)، وكره ابن عباس إقامته (٢).
(عالمًا بالأوقات) ليتحراها، فيؤذن في أولها، وإذا لم يكن عارفًا بها، لا يؤمن منه الخطأ.
(ولو) كان المؤذن (عبدًا، ويستأذن سيده) قاله أبو المعالي. وذكر ابن هبيرة (٣) أنه تستحب حريته اتفاقًا، لكن ما ذكره المصنف ظاهر كلام جماعة، أي: أنه لا فرق.
(ويستحب أن يكون) المؤذن (حسن الصوت) قاله في "المغني" وغيره؛ لأنه أرق لسامعه.
(وأن يكون بالغًا) خروجًا من الخلاف، ولأنه أكمل.
(وإن كان) المؤذن (أعمى، وله من يعلمه بالوقت، لم يكره نصًا)
стр. 598
لفعل ابن أم مكتوم (١).
(فإن تشاحّ) من الشح وهو البخل مع حرص (فيه) أي: الأذان (اثنان فأكثر، قدم أفضلهما في ذلك) أي: في الخصال المذكورة، لأنه ﷺ قدم بلالًا على عبدِ اللهِ، لكونه أندى صوتًا منهُ، وقسنا بقية الخصال عليه.
(ثم) إن استويا في ذلك، قدم (أفضلهما في دينه، وعقله) لما روى ابن عباس أن النَّبيَّ ﷺ قال: "ليؤذنْ لكم خيارُكم، وليؤمكم أقرؤكم" (٢) رواه أبو داود (٣)، وغيره.
ولأنه إذا قدم بالأفضلية في الصوت، فبالأفضلية في ذلك أولى، لأن مراعاتهما أولى من مراعاة الصوت، لأن الضرر بفقدهما أشد.
(ثم) إن استووا في ذلك قدم (من يختاره الجيران المصلون، أو أكثرهم) لأن الأذان لإعلامهم، فكان لرضاهم أثر في التقديم، ولأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته، ومن هو أعف عن النظر.
стр. 599
(فإن استووا أقرع بينهم) لقوله ﷺ : "لو يعلم الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأولِ ثم لم يجدُوا ألا أن يستَهِمُوا عليه، لاستهَمُوا" متفق عليه (١).
وتشاح الناس في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم سعد (٢)، ولأنها تزيل الإبهام.
(وإن قدم) من له ولاية التقديم (أحدهم بعد الاستواء) في الخصال السابقة (لكونه أعمر للمسجد، وأتم مراعاة له، أو لكونه أقدم تأذينًا، أو أبوه) أقدم تأذينًا، (أو لكونه من أولاد من جعل النَّبي ﷺ الأذان فيه، فلا بأس) بذلك، وعلم منه أنه لا يقدم بهذه الخصال إلا إذا رآها من له ولاية التقديم، بخلاف الخصال التي قبلها.
(وبصير، وحر، وبالغ، أولى من ضدهم) فالبصير أولى من الأعمى، والحر أولى من العبد والمبعض، والبالغ أولى ممن دونه، لما تقدم.
(وتشترط ذكوريته) فلا يعتد بأذان امرأة وخنثى، قال جماعة: ولا يصح لأنه منهي عنه (٣)، كالحكاية، وظاهر كلام جماعة صحته، لأن الكراهة لا تمنع
стр. 600
الصحة، فيتوجه على هذا بقاء فرض الكفاية؛ لأنه لم يفعله من هو فرض عليه.
(وعقله) فلا يصح من مجنون، كسائر العبادات.
(وإسلامه) لاشتراط النية فيه، وهي لا تصح من كافر.
(وتمييزه) لما تقدم، فيجزئ أذان مميز، وقال في "الاختيارات" (١): الأشبه أن الأذان الذي يسقط به الفرض عن أهل القرية، ويعتمد في وقت الصلاة، والصيام، لا يجوز أن يباشره صبي، قولًا واحدًا، ولا يسقط الفرض، ولا يعتمد في العبادات، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر، ونحو ذلك، فهذا فيه الروايتان، والصحيح جوازه.
(وعدالته، ولو مستورًا) فلا يعتد بأذان ظاهر الفسق، لأنه ﷺ وصف المؤذنين بالأمانة (٢)، والفاسق غير أمين، قال في "الشرح": فأما مستور الحال فيصح أذانه، بغير خلاف علمناه.
(ولا يشترط علمه) أي: المؤذن (بالوقت) لما تقدم في ابن أم مكتوم (٣).
(والمختار أذان بلال) بن رباح. وهو أول من أذن لرسول الله ﷺ (خمس عشرة كلمة، أي: خمس عشرة جملة، لا ترجيع فيه، والإقامة إحدى عشرة) جملة، لحديث عبد الله بن زيد (٤).
وكان بلال يؤذن كذلك، ويقيم، حضرًا، وسفرًا مع النَّبيِّ ﷺ إلى أن مات، وعليه عمل أهل المدينة.