وابنِ عمر (١)، وعبدالله بنِ عمرو (٢)، وابنِ مسعود (٣)، وأنسٍ (٤)، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلم من التَّابعين والأئمةِ بعدَهم.
وأما ما روى طاوس، عن ابن عباس، قال: "كان الطلاقُ على عهد رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكرٍ وسنتينِ من خلافة عمرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةً" رواه أبو داود (٥)، فقد قال الأثرمُ: سألت أبا عبدِالله عن حديثِ ابن عباس، بأيِّ شيء تدفعُه؟ قال: أدفعه بروايةِ الناس عن ابن عباسٍ من وجوهٍ خلافَه، ثم ذكر عن عدةٍ عنِ ابن عباسٍ من وجوهٍ خلافَه أنَّها ثلاثٌ (٦).
وقيل: معنى حديثِ ابن عباس أنَّ الناسَ كانوا يُطلِّقون واحدةً على عهد رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكر، وإلَّا؛ فلا يجوزُ أن يُخالفَ عمرُ ما كان على عهدِ رسول الله ﷺ ، وعهد أبي بكر، ولا يكون لابن عباس أن يروي هذا عن رسول الله ﷺ ، ويُفتي بخلافه.
(أو) طلَّقها ثلاثًا بـ (ـكلمات، في طُهْرٍ لم يصبها فيه، أو) طَلَّقها.
стр. 5672
ثلاثًا (في أطهار قبل رجعة؛ حَرُم) ذلك (نصًّا (١)) لما تقدمَ (لا) إن طَلَّقها (اثنتين) فلا يَحْرم؛ لأنهما لا يَمنعان من رجعتها إذا ندم، فلم يسدَّ المخرجَ على نفسِه، لكنه فوَّت على نفسه طلقةً جعلها الله له من غير فائدة تحصلُ له بها، فكان مكروهًا، كتضييع المالِ؛ قاله في "الشرح".
(ولا بدعة فيها) أي: الثلاث (بعد رجعة أو عقد) كأن طَلَّقها طَلْقة ثم راجعها، أو عقد عليها، ثم طَلَّقها أخرى ثم راجعها، أو عقد عليها ثم طَلَّقها الثالثة.
(وإذا كانت المرأة صغيرةً، أو آيسة، أو غير مدخول بها، أو استبان حَمْلها؛ فلا سُنةَ لطلاقها، ولا بدعة في وقت ولا عدد) لأنَّ غيرَ المدخول بها لا عدة عليها، والصغيرةَ والآيسةَ عدتُها (٢) بالأشهر، فلا تحصل الريبة، والحاملَ التي استبان حملها عدتها بوضع الحمل، فلا ريبة؛ لأن حملها قد استبان، بخلاف من لم يستبن حملها، وطَلَّقها ظنًّا أنها حائل، ثم ظهر حملها؛ ربما ندم على ذلك.
(فلو قال لإحداهنَّ) أي: لصغيرةٍ، أو آيسةٍ، أو غير مدخول بها، أو بيِّنٍ حملها: (أنت طالق للسُّنة) طَلَقت في الحال (أو قال) لها: أنت طالق (للبدعة) طَلَقت في الحال (أو قال) لها: أنت طالق (للسُّنَّةِ والبدعة، أو لا للسُّنة ولا للبدعة؛ طَلَقت في الحال) لأنَّ طلاقها لا يتَّصف بسُنَّة ولا بدعة، فيلغو وصفُه به، ويبقى الطلاق بدون الصفة، فيقع في الحال.
стр. 5673
(وإن قال) لإحداهنَّ: أنت طالق (للسُّنَّةِ طلقةً، وللبدعةِ طلقةً؛ وقع طلقتان) لما سبق (ويُديَّن) أي: يقبل منه بالإضافة إلى ما بينه وبين الله تعالى باطنًا (في غير آيسة إذا قال: أردتُ: إذا صارت من أهلِ ذلك الوصف) أي: السُّنة أو البدعة (ويُقبل) منه (حكمًا) لأنَّ لفظه يحتملهُ، بخلاف الآيسة، إذ لا يمكن فيها ذلك.
(وإن قال لها) أي: لزوجته (في الطُّهر الذي جامعها فيه: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، فيئستْ من المحيض، أو استبان حَمْلها؛ لم تطلق) لأنه لا سُنَّة لها ما دامت كذلك.
(وإن قال لمن لطلاقها سُنة وبدعة: أنت طالق طلقةً للسُّنَّة، وطلقةً للبدعة؛ طَلَقت طلقةً في الحال) لأنَّ حالها لا يخلو إمَّا أن تكون في زمن السُّنَّة: فتقع الطلقة المعلَّقة على السُّنَّة، أو في زمن البدعة؛ فتقع الطلقة المعلَّقة على البدعة (و) طَلَقت (طلقة) أخرى (في ضدِّ حالها (١) الراهنة) أي: الثانية (٢) حين قوله لها ذلك؛ لأنَّ الطلقةَ الثانية معلقةٌ على ضد الحال التي هي عليها حالَ القول.
(و) إن قال لها: (أنت طالق للسُّنَّة) وهي (في طُهْرٍ لم يصبها فيه؛ طَلُقت في الحال) لأنَّ معنى: "للسُّنَّة" في وقتِ السُّنة وذلك وقتها.
(وإن كانت حائضًا؛ طَلَقت إذا طَهُرت) أي: انقطع حيضها (ولو لم تغتسل) لأنَّ الصفة قد وُجدت.
(وإن كانت في طُهْرٍ أصابها فيه؛ طَلُقت إذا طَهُرت من الحيضة المستقبلة) لأن ذلك هو وقت السُّنَّة في حقها، لا سُنَّة لها قبلها.
стр. 5674
(و) إن قال لها: (أنت طالق للبدعة، وهي حائض، أو) وهي (في طهر أصابها فيه؛ طَلَقت في الحال) لأنَّ ذلك هو وقت البدعة.
(وإن كانت في طهر لم يصبها فيه) وقال لها: أنت طالق للبدعة (طَلَقت إذا أصابها أو حاضت، لكن) إن أصابها (ينزع في الحال بعد إيلاج الحشفة؛ إن كان الطلاق ثلاثًا) أو كانت طلقة مكملة لما يملكه من الطلاق؛ لبينونتها عقب ذلك. (فإن استدام) أي: لم ينزع في الحال (حُدَّ عالمٌ) بالحكم؛ لانتفاء الشبهة (وعُزِّر غيره) أي: غير العالم، وهو الجاهل والناسي، لما ناله من ذلك.
(و) إن قال لمن لها سُنَّةٌ وبدعةٌ: (أنت طالق ثلاثًا للسُّنَّة؛ تطلق الأولى في طهر لم يصبها فيه، و) تطلق (الثانية طاهرة بعد رجعة أو عقد، وكذا) تطلق (الثالثة) طاهرة بعد رجعة أو عقد؛ لأنَّ جمع الثلاث بدعةٌ؛ لما تقدم (وعنه (١): تطلق ثلاثًا في طُهر لم يصبها فيه، وهو المنصوص، وصحَّحه جمع) بناءً على أنَّ جمع الثلاث من السُّنَّة.
(و) إن قال: (أنت طالق ثلاثًا، نصفُها للسُّنَّة، ونصفها للبدعة، أو قال: بعضهنَّ للسُّنَّة، وبعضهن للبدعةِ؛ طَلَقت طلقتين في الحال) لأنه سوَّى بين الحالين، فاقتضى الظاهر أن يكونا سواءً، فيقع في الحال طلقة ونصف، ثم يكمل النصف؛ لكون الطلاق لا يتبعض (و) تقع (الثالثة في ضِدّ حالها الراهنة) أي: الثابتة وقت تعليقه (وكذا) لو قال: (أنت طالق ثلاثًا للسُّنَّة والبدعة، وأطْلَق) فلم يقل: نصفين، ولا بعضهن للسُّنَّة وبعضهن للبدعة؛ فيقع في الحال طلقتان، والأخرى في ضدِّ حالها إذًا.
(و) إن قال: (أنت طالق طلقتان للسُّنَّة، وواحدةٌ للبدعة، أو
стр. 5675
عكسه) بأن قال: طلقتين (١) للبدعة، وواحدة للسُّنَّة (فهو) أي: طلاقه (على ما قال. فإن أطلق) في قوله: أنت طالق ثلاثًا للسُّنَّة والبدعة (ثم قال: نويتُ ذلك) أي: طلقتين للسُّنَّة، وواحدة للبدعة، أو عكسه (فإن فَسَّر نيته بما يُوقِع في الحال طلقتين؛ طَلَقت، وقُبِلَ) لأنه أقرَّ على نفسه بالأغلظ (وإن فسَّرها بما يُوقِع طلقةً واحدة) في الحال (ويؤخِّر اثنتين؛ دُيِّنَ، ويُقبل في الحكم) لأنَّ لفظه يحتمله، وهو أدرى بنيته.
(و) إن قال: (أنت طالق في كلِّ قُرْء طلقة، وهي حامل، أو من اللائي لم يحضن؛ لم تَطْلُق حتى تحيض، فتَطْلُق في كلِّ حيضة طلقةً) لوجود الشرط. والقُرْءُ: الحيضُ. ويُطلق -أيضًا- على الطُّهر بين الحيضتين.
(وإن كانت) حين التعليق (في القُرْء) أي: الحيض (وقع بها واحدة في الحال، ويقع بها طلقتان في قرأين آخرين، في أول كل قُرْء منهما) طلقة؛ لوجود الصفة.
(و) الزوجة (غير المدخول بها تبين بـ) ـالطلقة (الأولى) فلا يلحقها ما بعدها ما دامت بائنًا (فإن تزوَّجها وقع بها طلقتان في قُرأين) إن وقعت الأولى رجعية (٢)، وإلا؛ فإذا تزوجها وحاضت (وإن كانت آيسةً لم تطلق) لعدم وجود الشرط.
(و يُباح خُلع وطلاق) بعوض (بسؤالها زمن بدعة) لأنها أدخلت الضرر على نفسها (وتقدم (٣) في باب الحيض) والنفاسُ كالحيض في
стр. 5676
جميع ما تقدم كما سبق هناك (١).
(و) إن قال: (أنت طالق للسُّنَّة؛ إن كان الطلاق يقع عليك للسُّنَّة، وهي في زمن السُّنَّة) أي: في طُهر لم يصبها فيه (طَلَقت بوجود الصفة، وإن لم تكن في زمن السُّنَّة؛ انحلت الصفة، ولم يقع) الطلاق (بحال) ولو صارت من أهل السُّنة.
(و) إن قال: (أنت طالق للبدعة، إن كان الطلاق يقع عليك للبدعة، إن كانت في زمن البدعة؛ وقع) في الحال (وإلا، لم يقع بحال) وانحلت الصفةُ، كما سبق في عكسه (وإن كانت) المقولُ لها ذلك (ممَّن لا سُنَّة لطلاقها ولا بدعة؛ لم يقع) الطلاق (في المسألتين) لعدم وجود شرطه.
(و) إن قال: (أنت طالق أحسن الطلاق، أو أجملَه، أو أقربَه، أو أعدله، أو أكمله، أو أفضله، أو أتمه، أو أسَنَّه، أو طلقة سَنِيَّة، أو) طلقة (جليلة، ونحوه) كطلقةٍ فاضلة، أو عادلة، أو كاملة؛ فذلك (كـ) ـــقوله: (أنت طالق للسُّنَّة) فإن كانت في طُهر لم يصبها فيه؛ وقع في الحال، وإلا؛ فإذا صارت كذلك.
ويصح وصف الطلاق بالسُّنَّة والحُسن والكمال ونحوه؛ لكونه في ذلك الوقت موافقًا للسُّنَّة، مطابقًا للشرع.
(و) إن قال لها: أنت طالق (أقبحَه) أي: أقبح الطلاق (أو أسْمَجَه، أو أردأه، أو أفحشَه، أو أنْتَنَه، ونحوه) كـ: أنت طالقٌ طلقة قبيحة، أو رديئة؛ فـ (ـــــكـ) ـــقوله: أنت طالق (للبدعة) فإن كانت في طُهر أصابها فيه، أو حائضًا؛ وقع في الحال، وإلا؛ فإذا صارت كذلك؛ لأنَّ الحُسن والقُبح في الأفعال إنَّما هو من جهة الشارع، فما حسَّنه الشرع فهو حسن،
стр. 5677
وما قبَّحه (١) فهو قبيح. وقد أذنَ الشرعُ في الطلاق في زمن، فسُمِّي زمانَ السُّنة، ونهى عنه في زمن، فسُمِّي زمان البدعة، وإلا؛ فالطلاق في نفسه في الزمانين واحدٌ، وإنَّما حَسُن أو قَبُح بالإضافة إلى زمانِه.
(إلا أن ينويَ: أحسن أحوالك أو أقبحها أن تكوني مطلقةً؛ فيقع في الحال) لأن هذا يوجد في الحال؛ ولأنه لم يقصد بذلك الصفة؛ فيلغو؛ ويقع في الحال.
(لكن لو نوى بـ) ـقوله: أنت طالق (أحسنه) أي: أحسن الطلاق (زمن البدعة، لشَبَهه بخُلقها القبيح، أو) نوى (بأقبحه زمن السُّنة لقبح عشرتها) فإن نوى الأغلظ عليه؛ قُبِلَ مؤاخذةً له بإقراره، وإن نوى غيره (لم يُقبل) قوله (إلا بقرينة) لأنَّه خلاف الظاهر.
(و) إن قال: (أنت طالق في الحال للسُّنَّة، وهي حائضٌ، أو قال): أنت (طالق للبدعة في الحال، وهي في طُهرٍ لم يصبها فيه) تطلق في الحال، وتلغو الصفةُ.
(أو قال: أنت طالق طلقةً حسنةً قبيحةً، أو) طلقة (فاحشةً جميلة، أو) طلقة (تامَّة ناقصة؛ تطلق في الحال) لأنه وَصفَها بوصفين متضادين، فلغيا، وبقيَ مجردُ الطلاق؛ فوقع.
وإنْ قال: أنت طالق طلاق الحرج. فقال القاضي: معناه طلاق البدعة؛ لأنَّ الحرجَ الضيقُ والإثمُ. وحكى ابنُ المنذر (٢) عن عليٍّ أنه يقعُ ثلاث؛ لأنه الذي يمنعهُ الرجوعَ إليها.
стр. 5678
باب صريح الطلاق وكناياته
لا يقع الطلاق بغير لفظٍ، فلو نواه بقلبه من غير لفظٍ لم يقع، خلافًا لابن سيرين (١) والزهري (٢). ورُدَّ بقوله ﷺ : "إنَّ الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفُسها ما لم تعمل أو تتكلم به" متفق عليه (٣)؛ ولأنه إزالةُ ملكٍ، فلم يحصل بمجرد النية، كالعتق.
وانقسم اللفظ إلى: صريح، وكناية؛ لأنه لإزالة ملك النكاح، فكان له صريحٌ وكنايةٌ، كالعتق، والجامعُ بينهما الإزالةُ.
(الصريحُ: ما لا يحتمل غيرَه) أي: بحَسَب الوضع العُرفي (من كل شيء) وُضِع له اللفظُ: من طلاق وعتق وظِهار وغيرها، فلفظ "الطلاق" صريح فيه؛ لأنه لا يحتمل غيره في الحقيقةِ العُرفية، وإن قَبِلَ التأويلَ،
стр. 5679
على ما يأتي في بابه، فاندفعَ ما أورده ابنُ قندس في "حواشيه" على "المحرر".
(والكنايةُ: ما يحتمل غيرَه، ويدلُّ على معنى الصريح.
وصريحُه: لفظُ الطلاق، وما تصرَّف منه) لأنه موضوع له على الخصوص، ثبت له عُرف الشارع والاستعمال، فلو قال: أنت طالق (١)، أو الطلاق، أو طلقتك أو مطلقة، فهو صريح (لا غير) أي: ليس صريحُه غيرَ لفظ الطلاق وما تصرَّف منه، كالسراح والفراق؛ ولأنهما يُستعملان في غير الطلاق كثيرًا، فلم يكونا صريحين فيه، كسائر كناياته. قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٢) وقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وليس المراد به الطلاقَ؛ إذ الآية في الرجعية، وهي إذا قاربت انقضاءَ عدتها، فإمَّا أن يُمسكها برجعة، وإمَّا أن يتركها حتى تنقضي عدتها، فالمرادُ بالتسريح في الآية قريبٌ من معناه اللغوي، وهو الإرسال.
(غير أمر، نحو: اطْلُقِي، و) غير (مضارع، نحو: أُطلقُكِ، و) غير (مطلِّقة -بكسر اللام-) اسم فاعل (فلا تطلق به) لأنه لا يدلُّ على الإيقاع.
قال الشيخُ تقي الدين في "المسودة" (٤)، في البيوع، بعد أن ذكر ألفاظ المعقود (٥) من الماضي (٦) والمضارع، واسم الفاعل واسم
стр. 5680
المفعول، وأنها لا تنعقد بالمضارع: وما كان من هذه الألفاظ محتملًا فإنه يكون كنايةً، حيث تصح الكناية، كالطلاق ونحوه. ويعتبر دلالاتُ الأحوال، وهذا البابُ عظيم المنفعة، خصوصًا في الخُلع وبابِه.
(وإذا أتى بصريح الطلاق) غير حاكٍ ونحوه (وقع، نواه أو لم ينوه) لأن سائر الصرائح لا تفتقر إلى نِيَّة، فكذا صريح الطَّلاق، فيقع (ولو) كان الآتي بالصَّريح (هازلًا أو لاعبًا) حكاه ابنُ المنذر (١) إجماعَ مَنْ يحفظُ عنه، وسنده ما روى أبو هريرة مرفوعًا: "ثَلاثٌ جِدهُنَّ جِدٌّ، وهزلُهُنَّ جِدٌّ: النكاحُ، والطلاقُ، والرجعَةُ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (٢) وقال: حسن غريب (أو) كان (مخطئًا) قياسًا على الهازل.
(وهو) أي: قوله: أنت طالق ونحوه (إنشاء) كسائر صِيغ الفسوخ والعقود (وقال الشيخ (٣): هذه الصِّيغُ إنشاءٌ من حيث إنها تُثبت الحكمَ وبها تمّ، وهي إخبارٌ؛ لدلالتها على المعنى الذي في النفس) وهذا المعنى الذي أشار إليه يطَّرِد في كل إنشاء وطلب.
(وإن قال: امرأتي طالق، أو) قال: (عبدي حر، أو) قال: (أمَتي حُرَّة، وأطلق النيَّة) فلم ينوِ معينًا ولا مبهمًا من زوجاته ولا عبيده ولا إمائه (طَلَقَ جميع نسائه، وعَتَق جميع عبيده وإمائه) لأنه مفرد مضاف، فيعمُّ، كما تقدَّم في العتق (٤).
(ولو قال) لامرأته: (كلما قلتِ لي شيئًا، ولم أقل لكِ مِثْلَه؛ فأنتِ طالق، فقالت له: أنتِ طالق -بفتح التاء أو كسرها- فلم يقله) طَلَقت؛
стр. 5681
لوجود الصفة (أو قاله؛ طَلَقت) لأنه واجهها بالطلاق (ولو) قاله و (علَّقه بشرط) طلقت -أيضًا-؛ لأنه لم يقل لها مثله؛ لأن المعلَّق غيرُ المنجز. قال ابنُ الجوزي: وله التمادي إلى قبيل الموت (١). انتهى.
ولو نوى في وقت كذا ونحوه تخصَّص به؛ لأن تخصيص اللفظ العام بالنية كثيرٌ؛ أشار إليه في "بدائع الفوائد" (٢) وتبعه في "المنتهى" وغيره. ومجرد النية لا يُخْرِج لفظه عن مماثلة لفظها. قلت: وكذا لو قال: أنت طالق، ونوى من وثاق ونحوه، وإن كانت نيةُ أو سببُ اليمينِ يقتضي قولًا غير هذا عُمل به، على قياس ما يأتي في جامع الأيمان.
(وإن قال لها) أي: لمن قال لها: كلما قلتِ لي شيئًا ولم أقل لكِ مِثْلَه فأنتِ طالق، وقالت له: أنتَ طالق: (أنتَ طالق -بفتح التاء- طَلَقت) كما لو واجهها بذلك ابتداءً، للإشارة والتعيين، فسقط حكم اللفظ.
(وإن) قال لزوجته: أنتِ طالق ونحوه، و (ادَّعى أنَّه أراد بقوله: طالق: من وثاق، أو) ادَّعى أنه (أراد أن يقول: طَلَّبتُكِ، فسبق لسانه، فقالَ: طَلَّقتُكِ، أو) ادَّعى أنه (أراد أن يقول: طاهر فسبق لسانه) فقال: طالق (أو) ادَّعى أنه (أراد بقولِهِ): أنت (مطلَّقة من زوج كان قبله؛ لم تطلق فيما بينه وبينَ الله تعالى) لأنه أعلمُ بنيته (ولم يُقبل) ذلك منه (في الحكم) لأنه خلافٌ لما يقتضيه الظاهر عُرفًا، إذ تبعد إرادة ذلك.
(وكذا الحكم لو قال) لها: أنتِ طالق. وقال: (أردتُ: إن قُمتِ، فتركتُ الشرطَ، ولم أُرِد طلاقًا) أو قال: أنتِ طالق إن قمتِ. وقال:
стр. 5682
أردتُ: وقعدتِ -فتركتُه- ولم أُرِد طلاقًا، فَيُدَيَّنُ، ولا يُقبَلُ حكمًا (فإن صَرَّح في اللفظ بالوثاق، فقال: طلقتُكِ من وثاقي، أو من وثاق؛ لم يقع) عليه الطلاق؛ لأن ما يتصل بالكلام يصرفه عن مقتضاه، كالاستثناءِ والشرط.
(ولو قيل له) أي: للزوج: (أطلّقتَ امرأتك؟ أو) قيل له: (امرأتُكَ طالق؟ فقال: نعم) وأراد الكذبَ؛ طَلَقت؛ لأنَّ: "نعم" صريحٌ في الجواب، والجوابُ الصريح بلفظ الصريح صريح. ألا ترى أنه لو قيل له: ألفلان عليك كذا؟ فقال: نعم، كان إقرارًا.
(أو) قيل له: (ألكَ امرأةٌ؟ فقال: قد طَلَّقتُها، وأراد الكذب؛ طَلَقت) لأنه صريح، فلا يحتاج إلى نية.
(ولو قيل له: ألك امرأة؟ فقال: لا، وأراد الكذبَ؛ لم تطلق) لأنه كناية، ومن أراد الكذب لم ينوِ الطلاقَ (ولو حَلَفَ بالله على ذلك) أي: على أنه لا امرأة له، ولم يرد به الطلاق (وإلا) بأن لم يرد به الكذبَ، بل نوى الطلاق (طَلَقت) امرأته كسائرِ الكنايات.
(ولو قيل له: أطَلَّقتَ امرأتَكَ؟ فقال: قد كان بعضُ ذلك، فإن أراد) بذلك (الإيقاعَ؛ وقعَ) كالكنايةِ (وإن قال: أردت أني علَّقت طلاقها بشرط) ولم يوجد (قُبِل) منه ذلك؛ لأن لفظه يحتمله.
(ولو قيل له) أي: للزوج: (أخَلَّيْتَها) أي: أَخَليتَ زوجتك (ونحوه) فـ (ـقال: نعم، فكِناية) لا تطلق بذلك حتى ينوي به الطلاق؛ لأن السؤالَ منطوٍ في الجواب، وهو كناية.
(وكذا: ليس لي امرأة، أو ليست لي امرأة، أو: لا امرأة لي) فهو كناية، لا يقع إلا بنية، ولو نوى أنه ليس امرأة تخدُمني، أو ليس لي
стр. 5683
امرأة ترضيني، أو لم ينوِ شيئًا؛ لم يقع طلاقه.
(ومن أشهد) بيّنة (على نفسه بطلاق ثلاث) أي: أقرَّ أنه وقعَ عليه الطلاق الثلاث، وكان تقدمَ منه يمينٌ توَهَّم وُقوعَها عليه (ثم استفتى) عن يمينه (فأفتي بأنه لا شيءَ عليه) فيها (لم يؤاخذ بإقرارِه) بوقوع الطلاق الثلاث (لمعرفة مستنده) في إقراره بوقوع الطلاق (ويُقبل) قوله بـ (ــيمينه أن مستندَه ذلك في إقراره) إن كان (ممن يَجهلُه مثلُه؛ ذكره الشيخ (١)) وجزم به في "المنتهى". لكن مقتضى كلامه مع (٢) شرحه: أن المقدَّم: يُقبل قولُه بغير يمين (وتقدَّم) ذلك (آخر باب الخلع (٣).
ولو قيل له: ألم تُطَلِّق امرأتَكَ؟ فقال: بلى؛ طَلَقت) لأنها جوابُ النفي (وإن قال: نعم؛ طَلَقت امرأةٌ غيرِ النحوي) لأنَّه لا يُفرق بينَهما في الجواب؛ بخلاف النحوي، فلا تطلق امرأته؛ لأن: "نعم" ليس جوابًا للنفي، ويأتي تحقيقُه في الإقرار.
(وإن لطم امرأته، أو أطعمها، أو سقاها، أو ألبسها ثوبًا، أو أخرجها من دارها، أو قبَّلها ونحوه) كما لو دفع إليها شيئًا (فقال: هذا طلاقُكِ؛ طَلَقت، فهو صريح) نصَّ عليه (٤)؛ لأنَّ ظاهرَ هذا اللفظ جعل هذا الفعل طلاقًا منه، فكأنه قال: أوقعتُ عليك طلاقًا، هذا الفعلُ من أجله؛ لأنَّ الفعل بنفسه لا يكون طلاقًا. فلا بدَّ من تقديره فيه، ليصحَّ لفظُه به، فيكونُ صريحًا فيه، يقعُ به من غير نية (فلو فسَّره بمحتمل) أي: بما يحتملُ عدم الوقوع (أو نوى أنَّ هذا سببُ طلاقك) في زمان بعد هذا
стр. 5684
الزمان (قُبِلَ) منه ذلك (حكمًا) لأنَّ لفظَه يحتملُه، ولا مانع يمنعه.
(وإن طَلَّق) زوجته (أو ظاهر منها، ثم قال عَقِبه لضرَّتها: شَرِكْتُكِ معها، أو: أنتِ مثلها، أو: أنتِ كهي، أو: أنتِ شريكتها؛ فصريحٌ في الضرَّة، في الطلاق والظِّهار) لا يحتاجُ إلى نية؛ لأنه جعل الحكم فيهما واحدًا، إمَّا بالشركة في اللفظ (١)، أو بالمماثلة، وهذا لا يحتمل غير ما فُهِم منه، فكان صريحًا، كما لو أعاده عليها بلفظه. (ويأتي) حكم (الإيلاء) في بابه.
(وإن قال) لامرأته: (أنتِ طالق لا شيءَ) طَلَقت (أو): أنتِ طالق طلاقًا (ليس بشيءٍ) طَلَقت، (أو): أنتِ طالق طلاقًا (لا يلزمُكِ) طَلَقت (أو): قال لها (أنت طالقٌ، لا، أو): أنتِ (طالقٌ طلقة لا تقع عليك، أو: لا يَنقُص بها عدد الطلاق؛ طَلقت) لأن ذلك رفعٌ لجميع ما أوقعه، فلم يصح، كاستثناء الجميع، وإن كان ذلك خبرًا فهو كذب؛ لأن الشيء إذا أوقعه وقع.
(و) إن قال لها: (أنت طالقٌ أوْ لا؟ أو): أنت (طالق واحدة أو لا؟ لم يقع) طلاقه؛ لأنَّ هذا استفهام، فإذا اتصل به خرجَ عن أن يكون لفظًا لإيقاع، وتخالف المسألة قبلها؛ لأنه إيقاع لم يعارضه استفهام.
(وإن كتب صريحَ طلاقها) أي: امرأته (بما يتبيّن) أي: يظهر (وقع) الطلاق (وإن لم ينوِه) لأنَّ الكتابة حروفٌ يُفهم منها الطلاق، أشبهت النطق؛ ولأنَّ الكتابة تقوم مقام قولِ الكاتب، بدليل أنَّه ﷺ كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، فبلغ بالقول مرَّة وبالكتابة أخرى؛ ولأن كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات الديون، ويتوجَّه عليه صحة الولاية بالخط؛
стр. 5685
ذكره في "الفروع". وإن كتب كناية طلاقها بما يتبين (١) فهو كناية على قياس ما قبله.
(وإن نوى) بكتابته طلاقَ امرأته (تجويدَ خطه، أو غَمَّ أهلِه، أو تجربة قلمه؛ لم يقع) طلاقه؛ لأنه إذا نوى تجويد خطه، أو تجربة قلمه، ونحوه؛ فقد نوى غيرَ الطلاق، ولو نوى باللفظ غير الإيقاع؛ لم يقع، فهنا أولى، وما وردَ من قوله ﷺ : "عُفي لأمتي عمَّا حدَّثَت به أنفسَها ما لم تتكلمْ أو تعملْ به" (٢) إنما يدلُّ على مؤاخذتهم بما نَوَوْه عند العمل به، وهذا لم ينوِ طلاقًا يؤاخذ به (ويُقبل) منه ذلك (حكمًا) لأن ذلك يُقبل في اللفظ الصريح على قول، فهنا أولى.
(وإن كتبه) أي: صريحَ طلاق امرأته (بشيء لا يتبين، مثل أن كتبه بإصبعه على وسادة ونحوها، أو على شيءٍ لا يثبت عليه خط، كالكتابة على الماء، أو في الهواء؛ لم يقع) طلاقه؛ لأنَّ هذه الكتابةَ بمنزلةِ الهمس بلسانه بما لا يُسمع (فلو قرأ ما كتبه، وقصد القراءةَ؛ لم يقع) طلاقُه، كلفظِ الطلاق إذا قصدَ به الحكاية ونحوها، ويقبل منه ذلك حكمًا.
(ويقع بإشارة مفهومة من أخرس فقط) لأنه يُفهم منها الطلاقُ، أشبهت الكتابة (فلو لم يفهمها) أي: الإشارة (إلا البعض؛ فكناية) بالنسبة إليه (وتأويله) أي: الأخرس (مع) الـ (ـصريح) من الإشارة (كالنطق) أي: كتأويله مع النطق فيما يقبل أو يرد، على ما تقدم تفصيله.
"تتمة": قال في "الشرح": وإن أشار الأخرس بأصابعه الثلاث لم يقع إلا واحدة؛ لأنَّ إشارته لا تكفي. انتهى. وفيه نظر إذا نواه.
стр. 5686
(وكتابتُه) أي: الأخرس بما يتبين (١) (طلاقٌ) كالناطق وأولى (فأما القادر على الكلام فلا يصحُّ طلاقه بإشارة) ولو كانت مفهومة؛ لقدرته على النطق.
(وصريحُه) أي: الطلاق (بلسان العجم: "بِهِشْتَم") بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة فوق؛ لأنَّ هذه اللفظة في لسانِهم موضوعةٌ للطلاقِ، يستعملونها فيه، فأشبهت لفظ الطلاق بالعربيةِ، ولو لم تكن هذه اللفظةُ صريحةً في لسانهم؛ لم يكن في العجمية صريحٌ للطلاق، ولا يضرُّ كونه (٢) بمعنى خليتك؛ فإنَّ معنى: طلقتك: خليتك أيضًا، إلا أنه لما كان موضوعًا له ومستعملًا فيه كان صريحًا.
(فإذا قاله) أي: بِهِشْتَم (من يعرف معناه) من عربي أو أعجمي (وقع ما نواه) من واحدة أو أكثر (لأنه ليس له حَدّ مثل الكلام العربي) فإن أطلق فواحدة (فإن زاد: "بِسْيَار" طَلَقت ثلاثًا) لأن مؤدَّاه ذلك في لغتهم.
(وإن قاله عربي ولا يفهمه) لم يقع (أو نطق عجميٌّ بلفظ الطلاق) بالعربية (ولا يفهمه؛ لم يقع) طلاقه؛ لأنه لم يختر الطلاق؛ لعدم علمه معناه (وإن نوى موجَبه) أي: موجب هذا القولِ الذي لم يعرف معناه؛ لأنه لا يتحقق اختياره لما لا يعلمه، أشبه ما لو نطق بكلمة الكفر من لا يعرف معناها.
стр. 5687
فصل
(والكنايات) في الطلاق (نوعان:
ظاهرة): وهي الألفاظ الموضوعة للبينونة؛ لأن معنى الطلاق فيها أظهر (وهي) أي: الكنايات الظاهرة (سِتَّ عشرةَ) كناية:
(أنت خَليَّةٌ) هي في الأصل الناقة تُطلق من عقالها ويخلى عنها، ويقال للمرأة: خلية، كناية عن الطلاق؛ قاله الجوهري (١). وجعل أبو جعفر (٢) مخلاة كخلية، ويفرق بينهما؛ قاله في "المبدع".
(وبريئة) بالهمز وتَرْكِه. (وبائن) أي: منفصلة. (وبتَّة) أي: مقطوعة. (وبتلة) أي: منقطعة، وسُمِّيت مريم البتول؛ لانقطاعها عن النكاح بالكلية.
(وأنت حُرَّة) لأن الحرة هي التي لا رِقَّ عليها، ولا شَكَّ أن النكاح رِقٌّ، وفي الخبر: "فاتَّقوا الله في النِّساء فإنهُنَّ عَوانٍ عنْدكم" (٣) أي: أُسراء. والزوج ليس له على الزوجة إلا رقُّ الزوجية، فإذا أخبرَ بزوال
стр. 5688
الرق، فهو الرق المعهود، وهو رق الزوجية.
(وأنتِ الحَرَج) بفتح الحاء والراء، يعني الحرام والإثم.
(وحبْلُكِ على غاربك) هو مقدَّم السنام، أي: أنت مرسلة مُطْلقة غير مشدودة ولا ممسكة بعقد النكاح.
(وتزوَّجي من شئت. وحللتِ للأزواج. ولا سبيل لي عليك) السبيل الطريق، ويذكر ويؤنث. (ولا سُلطان لي عليك. وأعتَقْتُك. وغطِّي شعرك. وتقنَّعي. وأمرك بيدك.
و) النوع الثاني: (خفية) لأنها أخفى في الدلالة من الأولى، وهي الألفاظ الموضوعة للطلقة الواحدة ما لم ينوِ أكثر (نحو: اخْرجي، و: اذْهبي، و: ذوقي، و: تجرَّعي، و: خَلَّيتك، و: أنت مخَلاة) أي: مطلقة، من قولهم: خلَّى سبيلي فهو مُخَلٍّ (و: أنت واحدة) أي: منفردة (و: لست لي بامرأة، و: اعتدي، و: استبرئي) من استبراء الإماء، ويأتي (و: اعتزلي) أي: كوني وحدك في جانب (و: الْحقي بأهلك، ولا حاجة لي فيك، و: ما بقي شيء، و: أغناك الله، و: الله قد أراحك مني، و: اختاري، و: جرى القلم. وكذا لفظ: الفراق والسراح) وما تصرَّف منهما؛ غير ما تقدم استثناؤه في الصريح.
(وقال ابن عقيل: "إن الله قد طَلَّقك" كناية خفية، وكذا: فرَّق الله بيني وبينك في الدنيا والآخرة. وقال الشيخ (١) في) رجل قال لزوجته: (إن أبرأتني فأنت طالق. فقالت) له: (أبرأك الله مما تدَّعي النساء على الرجال، فظن أنه يبرأ، فطلَّق، قال: يبرأ) مما تدعي النساء على الرجال إن كانت رشيدة.
стр. 5689
(فهذه المسائل الثلاث): إن الله (١) قد طلقك، و: فرَّق الله بيني وبينك في الدنيا والآخرة، و: أبرأك الله (الحكم فيها سواء، ونظير ذلك: إن الله قد باعَكَ) في إيجاب البيع (أو: قد أقالَكَ) في الإقالة (ونحو ذلك) كـ: إنَّ الله قد أجَرك، أو وهبك، والبراءة فيما تقدم صحيحة، ولو جهلت ما أبرأت منه، على ما تقدم (٢) في الهبة من صحة البراءة من المجهول.
(والكناية -ولو ظاهرةً- لا يقع بها طلاق إلا أن ينويه) لأن الكناية لما قَصَرت رتبتها عن الصريح، وقف عملها على نية الطلاق تقويةً لها؛ ولأنها لفظ يحتمل غير معنى الطلاق، فلا يتعيَّن له بدون النية (بنيةٍ مقارنةٍ للفظ) أي: يشترط أن تكون النية مقارنة للفظ الكناية، فلو تلفَّظ بالكناية غير ناوٍ للطلاق، ثم نوى بها الطلاق بعد ذلك؛ لم يقع، كما لو نوى الطهارة بالغسل بعد فراغه منه، وقيل: يعتبر أن تقارن أوله، قدَّمه في "المحرر"، وقَطَع به في "شرح المنتهى"، فلو قارنت الجزء الثاني من الكناية دون الأول لم يقع الطلاق؛ لأن ما بقي لا يصلح للإيقاع بعد إتيانه بالجزء الأول من غير نِيَّة. قال في "الشرح": فإن وُجِدتْ في أوله، وعزبت عنه في سائره؛ وقع؛ خلافًا لبعض الشافعية (٣).
(أو يأتي) مع الكناية (بما يقوم مقام نِيَّة) الطلاق (كحال خصومةٍ، وغضبٍ، وجواب سؤالها) الطلاق (فيقع) الطلاق ممن أتى بكناية إذًا (ولو بلا نِيَّة) لأن دلالة الحال كالنية، بدليل أنها تُغَيّر حكم الأقوال والأفعال، فإنَّ من قال: "يا عفيف ابن العفيف" حال تعظيمه؛ كان
стр. 5690
مدحًا، ولو قاله حال الشتم؛ كان ذمًّا وقذفًا.
(فلو ادَّعى في هذه الأحوال) أي: حال الخصومة والغضب وسؤالها الطلاق (أنه ما أراد الطلاقَ، أو) ادَّعى (أنه أراد غيره) أي: غير الطلاق (دُيِّن) لاحتمال صدقة (ولم يُقبل في الحكم) لأنه خلاف ما دَلَّت عليه الحال.
(ويقع مع النيَّة بالكناية الظاهرة ثلاث، وإنْ نوى واحدة) رُوي ذلك عن علي (١)، وابن عمر (٢)، وزيد بن ثابت (٣)، وابن عباس (٤)، وأبي هريرة (٥) في وقائع مختلفة، ولا يُعرف لهم مخالف في الصحابة؛ ولأنه لفظ يقتضي البينونة بالطلاق، فوقع ثلاثًا، كما لو طَلَّق ثلاثًا، وإفضاؤه إلى البينونة ظاهر، وظاهره: لا فرق بين المدخولِ بها وغيرها؛ لأن الصحابة لم يُفَرِّقوا.
(وكان) الإمام (أحمد (٦) يكره الفُتيا في الكنايات الظاهرة، مع مَيْله أنها ثلاث) وَرَعًا.
стр. 5691
(وعنه (١): يقع) بالكناية الظاهرة (ما نواه؛ اختاره جماعة) منهم أبو الخطاب؛ لما روى رُكَانة: "أنه طلَّق امرأتَهُ البتة، فأخبرَ النبيَّ ﷺ بذلك، فقال (٢): والله ما أردتُ إلا واحِدةً، فردها إليه النبيُّ ﷺ ، فطلقها الثانية في زمنِ عمر، والثالثة في زمن عثمان" وفي لفظ قال: "هو على ما أردتَ" رواه أبو داود وصححه ابن ماجه (٣) والترمذي (٤)، وقال: سألت
محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقال: فيه اضطراب؛ ولأنه ﷺ قال لابنةِ الجَوْن: "الْحقي بأهْلك" (١) وهو لا يطلِّق ثلاثًا.
(فعليها) أي: على رواية أنه يقع ما نواه (إن لم ينوِ) مع الإتيان بالكناية الظاهرة بنيَّة الطلاق (عددًا، فواحدة) كما لو قال لها: أنت طالق (ويُقبل) منه (حكمًا) بيان ما نواه بالكناية الظاهرة، أو أنه لم ينوِ شيئًا بناء على الرواية الثانية؛ لأنه أدرى بنيَّته، ويقع عليه واحدة.
(ويقع ثلاث في: أنتِ طالقٌ بائنٌ، أو): أنتِ (طالق البتَّةَ، أو): أنتِ (طالق بلا رجعة) لما تقدم في الكناية الظاهرة. قال في "الشرح": ولا يحتاج إلى نِيَّة؛ لأنه وصف بها الطلاق الصريح.
(ولو قال) لزوجته: (أنت طالق واحدةً بائنةً، أو واحدةً بتَّةً؛ وقع رجعيًّا لأنه وصف الواحدة بغير وصفها، فأُلغِي.
(و: أنت طالق واحدةً ثلاثًا، أو ثلاثًا واحدةً؛ يقع ثلاثٌ.
ويقع بـ) ـالكناية (الخفيَّةِ ما نواه) من واحدة أو أكثر؛ لأن اللفظ لا دلالة له على العدد، والخفية ليست في معنى الظاهرة، فوجب اعتبار النية.
(إلا: أنتِ واحدةٌ، فيقع بها واحدةٌ؛ وإن نوى ثلاثًا) قاله القاضي والموفق، ولم يستثنها في "المنتهى" وغيره، فهي كغيرها من الكنايات الخفية؛ لأن معناها -كما تقدم-: أنت منفردة، وذلك لا ينافى أن ينوي بها أكثر من طلقة.
(فإن لم ينوِ) مَن أتى بكناية خفية (عددًا؛ وقع واحدة رجعية، إن
стр. 5694
كانت) المطلقةُ (مدخولًا بها، وإلا) بأن لم تكن المطلَّقة مدخولًا بها، وقعت واحدة (بائنة) لأنها إنما تقتضي الترك كما يقتضيه صريح الطلاق، من غير اقتضاء للبينونة، فوقع واحدة رجعية، كما لو أتى بصريح الطلاق.
(وما لا يدلُّ على الطلاق نحو: كُلي، واشْرَبي، واقْعُدي؛ واقْرَبي (١)، وبارك الله عليكِ، وأنت مليحةٌ، أو قبيحةٌ؛ لا يقع به طلاق، ولو نواه) لأنه لا يحتمل الطلاق، فلو وقع به الطلاق وقع بمجرَّد النيَّة. وفارق: ذوقي، وتجرَّعي؛ فإنه يُستعمل في المكاره؛ لقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٢) ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ (٣) بخلاف: كُلْ، واشرب. قال تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ (٤).
(وكذا) قوله: (أنا طالق، أو: أنا منكِ طالق، أو: أنا منكِ بائن، أو حرام، أو بريء) فلا يقع به طلاق وإن نواه؛ لأنه محل لا يقع الطلاق بإضافته إليه من غير نيّة، فلم يقع وإنْ نوى، كالأجنبي؛ ولأن الرجل مالك في النكاح، والمرأة مملوكة، فلم تقع إزالة الملك بالإضافة إلى المالك، كالعِتق، ويدلُّ له أن الرجل لا يوصف بأنه مُطَلَّق -بفتح اللام- بخلاف المرأة.
(وإن قال) لزوجته: (أنت عليَّ كظَهْرِ أُمي، أو: أنت عليَّ حرام، أو: ما أحل الله عليَّ حرام، أو: الحل عليَّ حرام) زاد في "الرعاية": أو حَرَّمتك (فهو ظِهار؛ لأنه صريح فيه) فلا يكون كناية في الطلاق، كما
стр. 5695
لا يكون الطلاق كناية في الظهار.
(ولا يقع به طلاق ولو نواه) لأن الظِّهار تشبيه بمن تحرم على التأبيد، والطلاق يفيد تحريمًا غير مؤبَّد، ولو صَرَّح به؛ فقال -بعد قوله "أنتِ عليَّ كظهر أمي"-: أعني به الطلاقَ؛ لم يصر طلاقًا؛ لأنه لا تصلح الكناية به عنه؛ ذكره في "الشرح" و "المبدع".
(وإن قال: فراشي عليَّ حرامٌ، ونوى امرأته؛ فَظِهار) قال ابن عباس: في الحرام تحرير رَقَبة، فإن لم يجد فصيامُ شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا (١) (وإن نوى فراشه) الحقيقي (فَيَمِينٌ) عليه كفارته عند المخالفة؛ لما يأتي في الأيمان.
(و) إن قال: (ما أحلَّ الله عليَّ حرام، أعني به الطلاق؛ تطلُقُ) لأنه صريحٌ بلفظ الطلاق (ثلاثًا) لأن الطلاق معرَّف بالألف واللام، وهو يقتضي الاستغراق.
(وإن قال: أعني (٢) به طلاقًا؛ فواحدة) لأنه صريحٌ في الطلاق، وليس فيه ما يقتضي الاستغراق، وليس هذا صريحًا في الظِّهار، إنما هو
стр. 5696
صريحٌ في التحريم، وهو ينقسم إلى قسمين، فإذا بيَّن بلفظه إرادةَ صريح الطلاق صُرف إليه.
(و: أنت عليَّ كالميتة والدم) وفي "الفروع" و "المبدع": والخمر (يقع ما نواه من الطلاق) لأنه يصلح أن يكون كناية فيه (والظِّهار) إذا نواه، بأن يقصد تحريمها عليه مع بقاء نكاحها، لأنه يُشبهه (واليمين) إن أراد بذلك ترك وطئها، وأقام ذلك مقام: والله لا وطئتك، لا تحريمها، ولا طلاقها، وفائدته: ترتب الحنث والبِرِّ، ثم ترتب الكفارة بالحنث. قال في "المبدع": وفي ذلك نَظَر من حيث إن قوله: كالميتة. ليس بصريح في اليمين؛ لأنه لو كان صريحًا لما انصرف إلى غيرها بالنية، وإذا لم يكن صريحًا؛ لم يلزمه الكفَّارة؛ لأن اليمين بالكناية لا تنعقد؛ لأن الكفارة إنما تجب لهتك القسم.
(فإن نوى) بذلك (الطلاقَ ولم ينوِ عددًا؛ وقع واحدة) لأنها اليقين (وإن لم ينوِ) بذلك (شيئًا؛ فهو ظِهار) لأن معناه: أنتِ حرام عليَّ كالميتة والدم.
(ولو قال: عليَّ الحرام، أو: يلزمني الحرام، أو: الحرام يلزمني؛ فلَغْوٌ؛ لا شيء فيه مع الإطلاق) لأنه لا يقتضي تحريم شيء مُباح بعينه.
(ومع نية) تحريم الزوجة (أو قرينة) تدلُّ على إرادة ذلك؛ فهو (ظِهار) لأنه يحتمله، وقد صَرَفه إليه بالنية، فتعيَّن له.
قال في "الفروع" في الظِّهار: ويتوجَّه الوجهان إن نوى به طلاقًا، وأن العُرف قرينة. قال في "تصحيح الفروع": الصواب أنه يكون طلاقًا بالنية؛ لأن هذه الألفاظ أولى بأن تكون كناية من قوله: اخْرجي، ونحوه. قال: والصواب أن العُرف قَرينة، والله أعلم (ويأتي في بابه) أي: باب الظِّهار.
(وإن قال: حلفتُ بالطلاق، وكَذَب) بأن لم يكن حَلَف (لم يَصرْ
стр. 5697
حالفًا، كما لو قال: حلفتُ بالله، وكان كاذبًا، ويلزمه إقراره في الحكم) لأنه تعلَّق به حق إنسان معيَّن، أشبه ما لو أقرَّ بمال ثم قال: كذبت (ولا يلزمه) الطلاق (فيما بينه وبين الله) تعالى؛ لأنه لم يحلف، واليمين إنما تكون بالحلف.
ولو قالت زوجته: حلفتَ بالطلاق الثلاثِ؟ فقال: لم أحلف إلا بواحدة. أو قالت: عَلَّقتَ طلاقي على قُدوم زيد؟ فقال: لم أعلقه إلا على قدوم عمرو. كان القول قوله؛ لأنه أعلم بحال نفسه.
فصل
(وإذا قال لامرأته: أمرُكِ بيدكِ؛ فهو توكيل منه لها) في الطلاق؛ لأنه أذن لها فيه (ولا يتقيَّد) ذلك (بالمجلس) بل هو على التراخي؛ لقول عليٍّ (١)، ولم يُعرف له مخالف في الصحابة، فكان كالإجماع؛ ولأنه نوع تملك (٢) في الطلاق، فملكه المفوض إليه في المجلس وبعده، كما لو جعله لأجنبي.
(ولها أن تُطَلِّقَ نفسها ثلاثًا) أفتى به أحمد (٣) مرارًا، ورواه البخاري في "تاريخه" عن عثمان (٤)، وقاله عليٌّ (٥)،
стр. 5698
وابن عمر (١)، وابن عباس (٢)، وفَضَالةُ (٣)، ونصره في "الشرح"؛ لما روى أبو داود والترمذي بإسناد رجاله ثقات، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "هو ثلاثٌ" (٤). قال البخاري: هو موقوف على أبي هريرة؛ ولأنه
стр. 5699
يقتضي العموم في جميع أمرها؛ لأنه اسم جنس مضاف، فيتناول الطلقات الثلاث.
(كقوله: طَلِّقي نفسك ما شئتِ، ولا يُقْبَلُ قوله: أردت واحدة، ولا يُديَّن) لأنه خلاف مقتضى اللفظ.
(وهو) أي: الطلاق (في يدها) على التراخي -كما سبق- (ما لم يفسخ، أو يَطأ) فلا تطلق نفسها بعد؛ لأن ذلك وكالة، فتبطل إذا فسخها بالقول، أو أتى بما يدلُّ على فَسْخِها، والوطء يدلُّ على الفسخ.
(وكذلك الحكم إن جعله) أي: أمرها (في يد غيرها) أي: الزوجة، بأن جعل أمرها بيد زيدٍ مثلًا، فله أن يطلِّقها ثلاثًا، ما لم يفسخ أو يطأ؛ لما تقدم.
(وإن قال لها: اختاري نفسكِ؛ لم يكن لها أن تُطَلِّق) نفسها (أكثر من واحدة، وتقع رجعية) حكاه أحمد (١) عن ابن عمر (٢)، وابن مسعود (٣)، وزيد بن ثابت (٤)،
стр. 5700
وعائشة (١) وغيرهم (٢)؛ ولأن: "اختاري" تفويض معيّن، فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، وهو طَلْقة رجعية؛ لأنها بغير عوض. بخلاف: "أمرك بيدك" فإن: "أمرًا" مضاف فيتناول جميع أمرها (إلا أن يجعل إليها أكثر من ذلك) أي: من واحدة (سواء جعله بلفظه، بأن يقول: اختياري ما شئت، أو: اختاري الطلقات إن شئتِ، أو جعله بِنيَّته، بأن ينوي بقوله: "اختاري" عددًا) اثنين (٣) أو ثلاثًا (٤) (فإن نوى ثلاثًا، أو اثنتين، أو واحدة؛ فهو على ما نوى) فيرجع إلى نيته؛ لأنها كناية خفية.
(وإن نوى) الزوج (ثلاثًا، فطَلَّقتْ أقلَّ منها) أي: من ثلاث، كاثنتين، أو واحدة (وقع ما طَلَّقتْهُ) دون ما نواه؛ لأن النية لا يقع بها الطلاق، وإنما يقع بتطليقها، ولذا لو لم تُطَلِّق لم يقع شيء.
(فلو كَرَّرَ لفظَ الخيار) بأن ذكره مرَّتين أو أكثر (بأن قال: اختاري اختاري اختاري، فإن نوى إفهامَها، وليس نيته ثلاثًا، ولا اثنتين) فواحدة (أو نوى واحدة؛ فواحدة، نصًّا (٥)) لأنها اليقين (وإن أراد ثلاثًا؛ فثلاث، نصًّا (٣)) لأنها كناية خفية، فيقع ما نواه بها -كما تقدم- خصوصًا مع تكرارها ثلاثًا.
(وليس لها) أي: للمقول لها: "اختاري" (أن تُطَلِّق إلا ما داما في
стр. 5701
المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه) عُرفًا، رُوي ذلك عن عمر (١)، وعثمان (٤)، وابن مسعود (٢)، وجابر (٣)؛ لأنه خيار تمليك؛ فكان على الفور، كخيار القَبول.
وأما قوله ﷺ لعائشة: "إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا عليك ألَّا تعجلي حتى تستأمري أبويك" (٤). فإنه جعل لها الخيار على التراخي، وأما: طَلِّقي نفسك، و: أمركِ بيدكِ؛ فتوكيل، والتوكيل يعمُّ الزمان، ما لم يقيده بقيد؛ بخلاف مسألتنا.
(إلا أن يجعل إليها (٥) أكثر من ذلك) بأن يقول لها؛ اختاري نفسكِ يومًا، أو أسبوعًا، أو شهرًا ونحوه، فتملكه إلى انقضاء ذلك.
(فإن قاما) أي: الزوجان، من المجلس بعد أن خيَّرها وقبل الطلاق؛ بَطَلَ خيارها (أو) قام (أحدهما من المجلس) بَطَلَ الخيار؛ لأن
стр. 5702
القيام يبطل الفِكر (١)، فهو إعراض، بخلاف القعود (أو خرجا من الكلام الذي كانا فيه إلى غيره؛ بَطَل خيارها) للإعراض عنه.
(وإن كان أحدهما) أي: الزوجين (قائمًا، فركِبَ، أو مشى؛ بَطَل) خيارها؛ للتفرُّق.
و (لا) يبطل خيارها (إن قَعَد) من كان قائمًا منهما (أو كانت قاعدة فاتَّكأت، أو مُتَّكئة فقعدتْ) إذ لا دلالة لذلك على الإعراض، ولو طال المجلس، ما لم يتشاغلا بما يقطعه.
(وإن تشاغلت بالصلاة بَطَل) خيارها؛ للتشاغل (وإن كانت) حين خيَّرها (في صلاة فأتمتها؛ لم يبطل) خيارها؛ لأنه لا يدلُّ على إعراضها (وإنْ أضافت إليها ركعتين أخريين) بَطَلَ؛ للتشاغل (أو كانت راكبة فسارت؛ بَطَلَ) خيارها؛ للتفرق.
و (لا) يبطل خيارها (إن أكلت يسيرًا، أو قالت: باسم الله، أو سَبَّحت شيئًا يسيرًا، أو قالت: ادعوا لي شهودًا أُشهدهم على ذلك) لأنه لا إعراض منها.
(وإن جعله) أي: الخيار (لها على التراخي) بأن قال: اختاري إذا شئتِ، أو متى شئتِ، أو متى ما شئت، ونحوه (أو قال: لا تعجلي حتى تستأمري أبويكِ ونحوه، فهو على التراخي) لحديث عائشة (٢).
(وإن قال) لها: (اختاري اليوم وغدًا وبعد غدٍ؛ فلها ذلك، فإن ردَّته في اليوم الأول؛ بَطَل) الخيار (كله) فلا خيار لها في غد ولا ما بعده؛ لأنه خيار واحد في مدة واحدة، فإذا بَطَل أوله بَطَل فيما بعده، بخلاف ما لو
стр. 5703
قال لها: اختاري اليوم وبعد غد؛ فإنها إذا ردَّته في الأول لم يبطل بعد غد؛ لأنهما خياران ينفصل (١) أحدهما من صاحبه.
(وإن قال: اختاري نفسك اليومَ، واختاري نفسك غدًا، فردَّته في اليوم الأول؛ لم يبطل) الخيار في اليوم (الثاني) لأنهما خياران، كما دَلَّ عليه إعادة الفعل.
(ولو خيَّرها شهرًا، فاختارتْ) نفسها (ثم تزوَّجها) أو لم تخترها، لكن طَلَّقها، ثم تزوَّجها (لم يكن لها عليه خيار) لأن الخيار المشروط في عقد لا يثبت في عقد سواه، كالبيع.
(وإن جعله) أي: الخيار (لها اليوم كله، أو جعل أمرها بيدها، فردته، أو رجع فيه، أو وطئها؛ بَطَل خيارها) لأنه توكيل، وقد رجع فيه.
(و لفظة الأمر والخيار، كناية في حق الزوج، يفتقر إلى نِيَّة) بأن ينوي بذلك تفويض الطلاق إليها، كسائر الكنايات (فلفظةُ الأمرِ كناية ظاهرة، و) لفظة (الخيار) كناية (خفيَّة، كما تقدَّم) في أول الكنايات.
(فإن نوى) الزوج (بهما) أي: بـ"أمركِ بيدكِ"، وبـ"اختاري نفسك" (الطلاق في الحال؛ وقع) الطلاق في الحال (ولم يحتج) وقوعه (إلى قَبولها) كسائر الكنايات.
(وإن لم ينوِ) إيقاعه في الحال، بل نوى تفويضه إليها (فإن قَبِلته بلفظ الكناية، نحو: اخترتُ نفسي؛ افتقر) وقوعه (إلى نيتها) لأنه كناية، أشبه ما لو أوقعه هو بكناية.
(وإن قَبِلته بلفظ الصريح، بأن قالت: طَلَّقت نفسي؛ وقع من غير نِيَّة) لعدم افتقاره إليها.
стр. 5704
(وإن اختلفا في نيتها) الطلاق (فقولُها) لأنها أدرى بنيتها.
(وإن اختلفا في رجوعه) بأن قال: رجعت قبل الإيقاع، قالت (١): بل بعده (فقوله) لأن الأصل بقاء العصمة (كما لو اختلفا في نيَّتهِ) فإن القول قوله؛ لأنه أدرى بها.
(وإن قال) لها: (اختاري) نفسكِ (فقالت: اخترتُ، فقط، أو) قالت: (قبلتُ، فقط، ولو مع النية) لم يقع الطلاق (أو) قالت: (أخذتُ أمري، أو) قالت: (اخترتُ أمري، أو) قالت: (اخترتُ زوجي، لم يقع الطلاق) لقول عائشة: قد خيَّرنا رسول الله ﷺ ، أفكان طلاقًا (٢)؟! وقالت: لما أُمر النبي ﷺ بتخيير نسائه وبدأ بي، فقال: "إنِّي لمُخْبِرُك خبرًا، فلا عليك ألَّا تعْجَلي حتى تستأمري أبَوَيْكِ، ثم قال: إن الله تعالى قال لي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ. . .﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) فقلت: في (٤) هذا أستأمرُ أبوَيَّ؟! فإني (٥) أريد الله ورسوله والدارَ الآخرة، قالت: ثم فعل أزواجُ رسول الله ﷺ مثل ما فعلتُ" متفق عليه (٦). ولأنها مخيَّرة لم يوجد منها ما يَدلُّ على قطع النكاح، فلم يقع بها طلاق، كالمعتقة تحت عبدٍ.
стр. 5705
فلا يقع بها (حتى تقول مع النية) أي: نية الطلاق: (اخترتُ نفسي، أو): اخترتُ (أبويَّ، أو): اخترتُ (الأزواج، أو): اخترتُ (لا تدخل عليَّ، ونحوه) مما يدلُّ على معنى الطلاق.
(ويجوز أن يجعل) الزوج (أمرها بيدها بعِوض) منها، أو من غيرها، ممن يصحُّ تبرُّعه (وحكمه) أي: حكم جعل أمرها بيدها بعِوض (حكم ما) أي: حكم جعله (١) بـ (ــــلا عوض له، في أن له الرجوع فيما جعل لها، و) في (أنه يبطل) جعله لها ذلك (بالوطء والفسخ) لأنه وكالة، كما تقدم (٢).
(فإذا قالت: اجعلْ أمري بيدي وأعطيكَ عبدي هذا، فقبض العبدَ، وجعل أمرها بيدها؛ فلها أن تختار) نفسها؛ لجعله ذلك لها (ما لم يرجع، أو يطأها) لأن التوكيل لا يبطل بدخول العوض فيه، فإن رجع، أو وطئها؛ بَطَل تخييرها؛ لرجوعه عنه.
(وإن قال) لزوجته: (طَلِّقي نفسكِ؛ فهو على التَّراخي) لأنه فَوَّضه إليها، فأشبه: "أمرُكِ بيدكِ" (وهو) أي: قوله لها: "طَلِّقي نفسك" (توكيل) لها في طلاق نفسها (يبطل برجوعه) وفسخه، ووطئها، كما تقدم.
(فإن قالت: اخترتُ نفسي) أو: اخترتُ أبويَّ، أو الأزواج (وَنَوَتِ الطلاق؛ وقع) لأنه فوَّض إليها الطلاقَ؛ وقد أوقعته، أشبه ما لو أوقعته بلفظِ الصريح، (وليس لها أن تُطلِّقَ أكثر من واحدة) لأنه أقل ما يقع عليه الاسم (إلا أن يجعل إليها أكثر منها، إما بلفظه، أو نيته) لأن الطلاق
стр. 5706
يكون واحدة وثلاثًا، فقد نوى بلفظه ما احتمله.
(ولو قال: طَلِّقي نفسكِ ثلاثًا) فقالت: طَلَّقتُ نفسي (طَلَقت ثلاثًا بِنِيَّتِها) كما لو قال الزوج: "طلقتُكِ" ونوى به ثلاثًا.
(وتملك بقوله: طلاقُكِ بيدكِ، أو: وكَّلتُكِ في الطلاق، ما تملك بقوله لها: أمرك بيدك) فتملك الثلاث؛ لأن الطلاق في الأول مفرد مضاف، فيعمّ، وفي الثاني معرَّف باللام الصالحة للاستغراق، فيعم.
(ولا يقع) الطلاق (بقولها) لزوجها: (أنتَ طالق. أو: أنتَ مِنِّي طالق، أو: طلقتُكَ) لما روى أبو عبيد والأثرم، أن رجلًا جاء إلى ابن عباس فقال: ملَّكتُ امرأتي أمرها فَطَلَّقتني ثلاثًا، فقال ابن عباس: إن الطلاقَ لكَ وليس لها علَيْكَ (١). واحتج به أحمد (٢)؛ ولأن الرجل لا يتصف بأنه مُطَلَّق -بفتح اللام- بخلاف المرأة.
(قال في "الروضة": صفة طلاقها: طَلَّقتُ نفسي، أو: أنا منكَ طالق، وإن قالت: أنا طالق؛ لم يقع.
و حكم الوكيل الأجنبي حكمها) أي: الزوجة (فيما تقدم) والمراد بالأجنبي غير الزوجة، ولو كان قريبًا للزوج أو الزوجة (فيقع الطلاق بإيقاعه) أي: الوكيل (الصريح) بأن يقول: هي طالق، ونحوه (أو
стр. 5707
كناية (١)) بنية الطلاق؛ لأن وكيل كل إنسان يقوم مقامه، فيقع منه بالكناية (ولو وكَّل فيه بصريح) بأن قال له: طَلِّقْها، أو: وكَّلتُكَ أن تطلقها، ونحوه؛ لأنه حيث أتى بالكناية مع النية صَدَق عليه أنه طَلَّقها.
(ولفظ: أمر، واختيار، وطلاق، للتراخي في حق وكيل) فإذا قال له: أمر فلانة بيدك، أو: اخْتَرْ طلاقها، أو: طلِّقْها؛ ملكه على التراخي (وتقدم بعض ذلك في آخر كتاب الطلاق (٢).
ووجب على النَّبِيّ ﷺ تخييرُ نسائه (٣)) وتقدم في الخصائص (٤)، وخيَّرهن، وبدأ بعائشة، وتقدم (٥) قريبًا.
(وإن وهبها) أي: وهب الزوج زوجته (لأهلها) بأن قال: وهبتها لأبيها، أو أخيها ونحوه (أو لأجنبي، أو) وهبها (لنفسها، فرُدت) بالبناء للمفعول، أي: رد الموهوبُ له، من أهلها، أو الأجنبي، أو هي، الهبة؛ فلغوٌ، رُوي عن ابن مسعود (٦)؛ ولأن ذلك تمليك للبُضْع، فافتقر إِلى القَبول، كقوله: اختاري، و: أمرك بيدك.
(أو) قَبِلَ موهوب له الهبة، لكن (لم ينوِ) الزوج بالهبة (طلاقًا) فلغوٌ.
стр. 5708
(أو) قَبِلَ موهوب له، و (نواه) أي: نوى الزوج الطلاقَ (ولم ينوِه موهوب له؛ فلَغوٌ) لأنه كناية في حق كلٍّ من الواهب والموهوب له، فإن لم يقترن بنيتهما؛ لم يقع، كسائر الكنايات.
(كبيعها) أي: كما لو باع زوجته (لغيره) كأن يقول: بعتُكِ لزيد مثلًا، فلا يقع به طلاق، ولو نواه، وقَبِله زيد ونواه (نصًّا (١)) لأنه لا يتضمن معنى الطلاق؛ لكونه معاوضة، والطلاق مجرد إسقاط.
وذكر ابن حمدان: إن ذكر عوضًا معلومًا؛ طَلَقت مع النية والقَبول.
(وإن قُبلت) بالبناء للمفعول، أي: الهبة، بأن قَبِلها موهوب له غيرها، أو هي إن وُهِبَت لنفسها. وصفة قَبول أهلها أن يقولوا: قبلنا (٢)؛ نص عليه (٣). وكذا الأجنبي (٤) (فواحدة رجعية إذا نواها، أو أطلق نيةَ الطلاق) لأنه لفظ محتمل، فلا يُحمل على أكثر من واحدة عند الإطلاق، كقوله: اختاري. وكانت رجعية؛ لأنها طَلْقة لمن عليها عِدَّة بغير عوض قبل استيفاء العَدد، فكانت رجعيَّة، كما لو قال لها: أنت طالق (أو دلَّت دلالة الحال) على إرادة الطلاق منهما؛ فيُعمل بها؛ لقيامها مقام النية.
(وإن نوى) كلٌّ مِن واهب وموهوب له بالهبة والقَبول (ثلاثًا، أو اثنتين؛ وقع ما نواه) لأن لفظه يحتمله (كبقية الكنايات الخفية، وتُعتبر نِيَّة موهوب له) بالقَبول الطلاقَ، (كـ) ـــما تُعتبر نيَّة (واهب) بالهِبة الطلاقَ؛ لأن ذلك كناية كما تقدَّم.
стр. 5709
(ويقع أقلُّهما (١) إذا اختلفا في النيَّة) فإذا نوى أحدهما واحدةً، والآخر اثنتين؛ فواحدة، أو نوى أحدُهما اثنتين، والآخر ثلاثًا؛ فاثنتان.
(وإن نوى الزوجُ بالهِبة) أي بقوله: وهبتك لأهلك، أو لزيد، أو لنفسك (الطلاق في الحال) من غير توقف على قَبول (وقع) الطلاق في الحال (ولم يحتج إِلى قَبولها) كما لو أتى بكناية غيرها ناويًا بها الإيقاع.
(ومِنْ شَرْطِ وقوع الطلاق: النطق به) لما تقدم أول الباب (إلا في موضعين تقدَّما (٢)) في الباب، أحدهما: (إذا كتب صريح طلاقها) بما يبين.
(و) الثاني: (إذا طلق الأخرس بالإشارة) المفهومة (فإن طَلَّق في قلبه؛ لم يقع، كالعتق، ولو أشار بإصبعه (٣)) أو أصابعه الثلاث (مع) نيَّته بـ (ــقلبه) لما تقدم.
(نقل ابن هانئ (٤)) عن أحمد: إذا طَلَّق في نفسه (لا يلزمه) أي: الطلاق (ما لم يلفظ به أو يُحَرِّك لسانه) قال في "الفروع": (فظاهره) أي: النص المذكور: (يقع، ولو لم يسمعه، بخلاف القِراءة في الصلاة) فإنها لا تجزئه حيث لم يُسْمِع نفسه.
стр. 5710
قال في "الفروع": ويتوجَّه: كقراءة في صلاة، يعني: أنه لا يقع طلاقه إذا حَرَّك لسانه به، إلا إذا كان بحيث يُسْمِع نفسه لولا المانع، وتقدَّم (١).
ومميز ومميزة -في كل ما سبق- كبالغين.