(وتقدم (١) في كتاب الصَّداق: لو خالعتْهُ على صَدَاقها، أو بعضه، أو أبرأتْهُ منه، فليعاوَد) للاحتياج إليه.
فصل
(وإذا خالعته) الزوجة (في مرض موتها) المَخُوفِ (صح) الخُلع، سواءٌ كان هو -أيضًا- مريضًا أو لا؛ لأنَّها معاوضة، كالبيع.
(وله) ما خالعته عليه، إن كان قَدْر ميراثه منها فما دون، وإن كان بزيادة؛ فله (الأقلُّ من المُسمَّى في الخُلع، أو ميراثه منها) لأن ذلك لا تُهمه فيه، بخلاف الأكثر منهما، فإنَّ الخلع إن وقع بأكثر من الميراث، تطرَّقت إليه التهمة من قصد إيصالها إليه شيئًا من مالها بغير عوض، على وجه لم تكن قادرةً عليه، أشبَه ما لو أوصت، أو أقرَّت له. وإن وقع بأقل من الميراث، فالباقي هو أسقطَ حقه منه، فلم يستحقه، فتعين استحقاق الأقل منهما.
(وإن صحَّت من مرضها ذلك) الذي خالعته فيه (فله جميعُ ما خالعها به) كما لو خالعها في الصِّحة؛ لأنه ليس بمرض موتها.
(وإن طَلَّقها) بائنًا (في مرض موته، وأوصى لها بأكثر من ميراثها) منه (لم تستحقَّ) هي (أكثرَ من ميراثها) فللورثة منعها من ذلك؛ لأنه اتُّهِمَ في أنه قصد إيصالَ ذلك إليها، كالوصية لوارث. وعُلم منه: أنه لو وصَّى لها بميراثها فأقل؛ صح؛ لأنه لا تُهمة فيه.
(وإن خالعها) في مرض موته المخوف (وحاباها) بأن خالعها بدون
стр. 5637
ما أعطاها، أو بدون ما يمكنه أخذه منها ببذلها له (فمن رأس المال) أي: لا يحتسب ما حاباها به من الثلث؛ لأنه لو طَلَّق بغير عوض لصحَّ، فلأنْ يصحَّ بعوض أولى.
(وكل من صَحَّ أن يتصرَّف في الخُلْع لنفسه) وهو الزوج الذي يعقله (صح توكيلُه، ووكالتُه فيه) كسائر الفسوخ والعقود (من حرٍّ وعَبْدٍ، وذكرٍ وأنثى، ومسلم وكافر، ومَحْجور عليه ورشيد) ومفلس، وغيره.
(فإذا وكَّل الزوج في خلع امرأته مطلقًا) أي: من غير تقدير عوض؛ صحَّ التوكيل، كالبيع والنكاح، والمستحبُّ التقديرُ؛ لأنه أسلمُ من الغَرر، وأسهلُ على الوكيل.
(فـ) ـإن (خالعها) الوكيل (بمهرها فما زاد؛ صح) الخُلْع، ولزم المسمَّى؛ لأنه زاده خيرًا.
(وإن نَقَصَ) الوكيلُ (من المهر) مع الإطلاق (رجع) الموكِّل (على الوكيل بالنقص، وصح الخُلْع) لأنه عقد معاوضة أشبه البيع.
(ولو خالع وكيلُه بلا مال؛ كان الخُلْع لغوًا) ولو بنيَّةِ الطلاق أو لفظه؛ لأنه ليس موكَّلًا في الطلاق، بل في الخُلْع، ولا يصح إلا بعوض.
(وإن عيَّنَ) الزوج (للوكيل العوض، فنقص منه؛ لم يصح الخُلْع) عند ابن حامد، وصحَّحه غير واحد؛ لأنه خالف موكّله، أشبه ما لو وكَّله في خلع امرأةٍ (١) فخالع غيرها. وصحَّ عند أبي بكر؛ لأن المخالفة في قَدْرِ العوض، وهي لا تبطله، كحالة الإطلاق، فيرجع على الوكيل بالنقص، وصحَّح ابن المُنجَّا هذا القول؛ لأن الفرق ثابت بين المخالفة في نفس المعقود عليه، وبين المخالفة في تعيين العوض؛ لأنه لو وكَّله
стр. 5638
في بيع عبده من زيد، فباعه من غيره؛ لم يصح، ولو وكَّله في بيعه بعشرة، فباعه بأقل منها؛ صح، وضمن الوكيل النقص.
(وإن وكَّلت المرأة في ذلك) أي: في مخالعتها من زوجها (فخالع) وكيلها (بمهرها فما دونـ) ـــه إن لم تعيِّن له ما يخالع به (أو) خالع (بما عينته) له (فما دونـ) ــه (صح) الخلع، لصدوره من أهله في محلِّه (وإن زاد) وكيلها عمَّا عيَّنته، أو عن مهرها (صح) الخلع (ولزمت الوكيلَ الزيادة) لأن الزوجة رضيت بدفع العوض الذي يملك الخلع به عند الإطلاق، وبالقدر المأذون فيه مع التقدير، والزيادة لازمة للوكيل؛ لأنها عوض بَذله في الخُلع، فصح منه، ولزمه كما لو لم يكن وكيلًا.
(وإن خالف وكيلُ الزوجِ أو) وكيلُ (الزوجةِ جِنسًا) بأن وُكِّل أن يُخالع على نقد، فخالع على عَرْضٍ، أو بالعكس (أو) خالف (حُلولًا) بأن وكَّله أن يخالع بمائة حالَّة، فخالع على مائة مؤجَّلة (أو) خالف (نَقْدَ بلد (١)) بأن وُكِّل أن يخالع على مائة، فخالع على مائة من غير نَقْدِ البلد (لم يصح الخُلْع) للمخالفة، إلَّا وكيلها إذا خالف حلولًا، أو وكيله إذا خالف تأجيلًا (٢)؛ لأنها زيادة تنفع ولا تضر.
(ولو كان وكيل الزوج والزوجة) في الخُلْع (واحدًا؛ فله أن يتولَّى طرفي العقد، كالنكاح) والبيع.
(وإذا تخالعا) أي: الزوجان (أو تطالقا) بأن سألته أن يطلّقها، وأجابها (تراجعا بما بينهما من حقوق النكاح، فلا يسقط شيءٌ منها) أي: من حقوق النكاح، بالخُلْع، ولا بالطلاق.
стр. 5639
(ولو سكت عنها) حال الخُلْع أو الطلاق، فإن كان الخلع قبل الدخول فلها نصف المهر، فإن كانت قد قبضته ردَّت نصفه، وإن كانت مفوَّضة فلها المتعة؛ لأن المهر حق، فلا يسقط بلفظ الطلاق ولا الخلع (كـ) ـسائر (الديون، ولا تسقط نفقة عِدَّةِ الحامل، ولا بقيةُ ما خولع ببعضه) كسائر الفسوخ.
فصل
(وإذا قال: خالعتُكِ بألْف، فأنكرتْهُ، أو قالت: إنما خالعَكَ غيري؛ بانت) منه؛ لأنه مقرٌّ بما يوجب بينونتها (والقول قولها مع يمينها (١) في) نفي (العوض) لأنها منكِرة، والأصل براءتُها.
(وإن قالت: نعم) خالعتني بألف (لكن ضَمِنه غيري؛ لزمها الألف) لأنها مقرَّةٌ بالخُلْع، مدَّعية على الغير ضمانَ العوض، فلزمها العوض؛ لإقرارها، ولا تُسْمَعُ دعواها على الغير. وكذا لو قالت: نعم، لكن بعوض في ذمة غيري. فقال: بل في ذمتك.
(وعوض الخُلْع حالٌّ) لأنه الأصل، فلا يتأجَّل إلَّا بتأجيله (و) عوض الخلع (من نَقْدِ البلد) حملًا على العُرف.
(وإن اختلفا) أي: المتخالعان (في قَدْر العِوض) الذي وقع عليه الخُلْع (أو) اختلفا في (عينه، أو تأجيله، أو جنسه، أو صفته، أو هل هو) أي: عوض الخُلع (وزنيٌّ، أو عدديٌّ؛ فقولها مع يمينها) لأنه أحد نوعي الخُلع، فكان القولُ قول المرأة فيه، كالطلاق على مالٍ إذا اختلفا في
стр. 5640
قَدْره؛ ولأن المرأة منكِرَةٌ للزائد في القَدْر والصِّفة، فكان القولُ قولَها، كسائر المنكرين، فإن قال: سألتني طلقة بألف. فقالت: بل ثلاثًا بألف، فطلقتني واحدة؛ بانت بإقراره، والقولُ قولُها في سقوط العوض.
(وإن علَّق) زوج (١) (طلاقها) بصفة (أو) عَلَّق ربُّ قِنٍّ (عتقه بصفة، ثم خالعها، أو أبانها بثلاث، أو دونها، وباعه) أي: القِنَّ (فوُجِدت الصفة، أو لم توجد، ثم عاد فتزوجها وملَكَه، فوجدت الصفة) وهي في عصمته، أو معتدة من طلاق رجعي، أو والقِنُّ في ملكه (طَلَقت) الزوجة (وعَتَق) القِنُّ؛ لأن عقد الصفة ووجودَها وُجِدا في النكاح والملك، فوقع الطلاق والعتق، كما لو لم تتخلَّله بينونة ولا بيع، لا يقال: الصفة انحلَّت بفعلها حال البينونة، أو زوال الملك ضرورة أنّ "إنْ" لا تقتضي التكرار؛ لأنها إنما تنحلُّ على وجه يحنث به؛ لأن اليمين حَلٌّ وعَقْدٌ، والعقد يفتقر إلى المِلك، فكذا الحَل، والحِنث لا يحصل بفعل الصفة حال البينونة، ولا تنحلُّ اليمين به. فإن قيل: لو طَلَقت بذلك لوقع الطلاق بشرط سابق على النكاح، ولا خلاف أنه لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فتزوَّجها ثم دخلت، لم تطلق. قيل: الفرق أن النكاح الثاني مبنيٌّ على الأول في عدد الطلقات، وسقوط اعتبار العدة (٢).
(وكذا الحكم لو قال: إن بِنْتِ منِّي ثم تزوجتُكِ، فأنتِ طالقٌ، فبانتْ، ثم تزوَّجها) قاله في "الفروع".
(ويحرم الخُلع حيلة لإسقاط يمين طلاق، ولا يصح) أي: لا يقع. قال في "المغني": هذا يُفعل حيلةً على إبطال الطلاق المعلَّق، والحِيَل
стр. 5641
خداع لا تُحِلُّ ما حرَّمَ الله.
(قال الشيخ (١)): خُلع الحيلة لا يصح على الأصح (كما لا يصح نكاح المحلِّل) لأنه ليس المقصود منه الفرقة، وإنما يقصد منه بقاء المرأة مع زوجها، كما في نكاح المحلل، والعقد لا يُقصد به نقيض مقصوده.
(وقال) الشيخ (٢): (لو اعتقد البينونة بذلك) أي: بخُلْع الحيلة (ثم فعل ما حَلَف عليه، فكطلاق أجنبيَّة) أي: فكما (٣) قال لمن ظَنَّها أجنبية: أنت طالق، فبانت امرأته (فتَبِينُ امرأته، على ما يأتي في آخر باب الشك في الطلاق.
(ولو خالع) حيلة (وفعل المحلوفَ عليه بعد الخُلْع) حيلة (معتقدًا أن الفعل بعد الخُلْع، لم تتناوله يمينه) لانحلالها (أو فعل المحلوفَ عليه معتقدًا زوال النكاح، ولم يكن) الأمر (كذلك) لعدم صحة الخُلْع حيلة (فهو كما لو حَلَف على شيءٍ يظنُّه، فبان بخلاف ظنِّه) فيحنث في طلاق وعتاق.
قال في "التنقيح": وغالب الناس واقع في ذلك، أي: في الخُلْع، لإسقاط يمين الطلاق.
قلت: ويُشبهه من يخلع الأخت، ثم يتزوج أختها، ثم يخلع الثانية، ويعيد الأولى، وهلم جرًّا. وهو داخل في قول الشيخ: خُلْع الحيلة لا يصح. وقولهم: والحِيل كلها غير جائزة في شيء من أمور الدين.
стр. 5642
(ولو أشهد) إنسان (على نفسه بـ) ـــوقوع (طلاقِ ثلاثٍ) ليمين صدرت منه (ثم استفتى) عن يمينه (فأُفتي بأنه لا شيء عليه، لم يؤاخذ بإقراره؛ لمعرفة مستنده) في إقراره، وهو اليمين السابقة (ويقبل) قوله بـ (ــيمينه أنَّ مستنده في إقراره ذلك) أي: ما صَدَرَ منه من اليمين، واعتقاده الحنث عملًا بدلالة الحال، إذا كان (ممن يجهلُه مثلُه. انتهى) كلام الشيخ، (ويأتي في) باب (صريح الطلاق).
стр. 5643
كتاب الطلاق
стр. 5644
كتاب الطلاق
وأجمعوا (١) على جوازه؛ لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) وقوله ﷺ : "إنما الطَّلاقُ لمن أخَذَ بالسَّاق" (٤) والمعنى يدلُّ عليه؛ لأن الحال ربما فَسَد بين الزوجين، فيؤدِّي إلى ضررٍ عظيم، فبقاؤه إذًا مفسدةٌ مَحضةٌ، فَشُرع ما يُزيل النكاح؛ لتزولَ المفسدةُ الحاصلةُ منه.
(وهو) أي: الطلاق مصدرُ طَلُقت المرأة -بفتح اللام وضَمّها- أي: بانت من زوجها، فهي طالق، وطلَّقها زوجها، فهي مُطلَّقة، وأصلهُ: التخليةُ. يقال: طَلَقت الناقة: إذا سُرِّحت حيث شاءت، وحُبس فلان في السجن طَلْقًا: بغير قيد.
وشرعًا: (حَلُّ قَيْدِ النكاح أو بعضِه) أي: بعض قَيْدِ النكاح، إذا طَلَّقها طلقة رجعية.
(ويُباح) الطلاق (عند الحاجة إليه لسوء خُلُقِ المرأة، أو لسوء عشرتها، وكذا) يُباح (للتضرُّر بها من غير حصول الغرض بها) فَيُباح له دفع الضرر عن نفسه.
(ويُكره) الطلاق (من غير حاجة) إليه؛ لحديث ابن عمر: "أبغضُ
стр. 5645
الحلال إلى الله الطّلاقُ" رواه أبو داود وابن ماجه (١). قال في "المبدع": ورجاله ثقات.
(ومنه) أي: الطلاق (محرَّم، كَفِي الحيض ونحوه) كالنفاس وطهرٍ وَطئَ فيه؛ لما يأتي. (ومنه) أي: الطلاق (واجبٌ، كطلاقِ المُؤْلي بعد التربُّص) أربعة أشهر من حَلِفه (إذا لم يفئْ) أي: يطأ (٢)، لما يأتي في بابه.
стр. 5646
(ويُستحبُّ) الطلاق (لتفريطها) أي: الزوجة (في حقوق الله
الواجبة، مثلَ الصلاة ونحوها، ولا يمكنه إجبارها عليها) أي: على حقوق الله.
(و) يُستحبُّ الطلاق -أيضًا- (في الحال التي تُحوج (١) المرأة إلى المخالعة (٢)، من شقاق وغيره؛ ليزيل الضرر، ولكونها غير عفيفة) قال أحمد (٣): لا ينبغي له إمساكها، وذلك لأنَّ فيه نقصًا لدينه، ولا يأمن إفسادَها فراشَهُ، وإلحاقَها به ولدًا من غيره.
(و) يُستحبُّ الطلاق -أيضًا- (لتضرُّرها بـ) ــبقاء (النكاح) لبُغضه أو غيره.
(وعنه) أي: عن أحمد (٤) (يجب) الطلاق (لتركها عِفَّةً، ولتفريطها في حقوق الله تعالى.
قال الشيخ (٥): إذا كانت تزني، لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال، بل يفارقها، وإلا؛ كان دَيُّوثًا. انتهى) وَوَرَدَ لَعْنُ الديوث (٦)،
стр. 5647
واللعنُ من علامات الكبيرة، على ما يأتي، فلهذا وجب الفراقُ، وحرمتِ العِشرة.
(ولا بأس بعَضْلها في هذه الحال، والتضييق عليها، لتفتدي منه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١).
(والزنى لا يفسخ نكاحها) أي: الزانية، لكن يستبرئها إذا أمسكها بالعِدَّة (وتقدم في باب المُحَرَّمات في النكاح (٢).
وإذا ترك الزوج حقًّا لله) تعالى (فالمرأة في ذلك مِثْلُه، فـ) ــيُستحبُّ لها أن (تختلع) منه؛ لتركه حقوق الله.
(ولا يجب الطلاق إذا أمره به أبوه) فلا يلزمه طاعته في الطلاق؛ لأنه أمره بما لا يوافق الشرع.
(وإن أمرته به) أي: الطلاق (أُمُّه، فقال) الإمام (أحمد (٣): لا يعجبني طلاقه) لعموم حديث: "أبغضُ الحلال إلى الله
стр. 5648
الطَّلاقُ" (١).
(وكذا إذا أمرته) أُمُّه (ببيع سُرِّيَّته) لم يلزمه بيعها (وليس لها) أي: الأم (ذلك) أي: أمرُهُ ببيع سُرِّيَّته، ولا طلاق امرأته؛ لما فيه من إدخال الضرر عليه.
(ويصح) الطلاق (من زوج (٢) عاقل مختار، ولو مميَّزًا، يعقله) أي: الطلاق (ولو) كان المميز (دون عشر) لعموم قوله ﷺ : "إنما الطلاق لمن أخذ بالسّاق" (٣)، وقوله: "كلُّ الطلاق جائزٌ، إلا طلاقَ المعتوه، والمغلوب على عقله" (٤)، وعن علي: "اكتُموا الصبيانَ
стр. 5649
النكاحَ" (١)، فيفهم منه أنَّ فائدته ألّا يطلقوا؛ ولأنه طلاقٌ من عاقلٍ صادفَ محلَّ الطلاق، فوقع، كطلاق البالغ.
ومعنى كون المميز يعقل الطلاق: أن (يعلم) المميز (أنَّ زوجته تبِينُ منه، وتحرم عليه) إذا طَلَّقها.
(ويصح توكيله) أي: المميز في الطلاق (و) يصح -أيضًا- (توكُّله فيه) لأن من صحَّ منه مباشرة شيءٍ؛ صح أن يوكِّل وأن يتوكَّل فيه.
(ويصح) الطلاق (من كتابيٍّ) ومجوسيٍّ وغيرهما من الكفار، وتقدم في أنكحة الكفار (٢).
(و) يصح الطلاق -أيضًا- من (سفيه) ولو بغير إذن وليِّه، ومن عبدٍ ولو بغير إذن سيده؛ لأنه لا يتعلق بالمال مقصودُهُ.
(و) يصح الطلاق -أيضًا- مِنْ (مَنْ لم تبلغه الدعوة) كسائر تصرفاته. قال في "المبدع": من لم تبلغه الدعوة، فهو غير مكلَّف، ويقع طلاقه؛ ذكره في "الانتصار"، و"عيون المسائل"، و"المفردات".
стр. 5650
(و) يصح الطلاق -أيضًا- من (أخرسَ تُفهَمُ إشارته، ويأتي في باب صريح الطلاق وكنايته) مفصلًا.
(وطلاقُ مرتدٍّ) بعد الدخول (موقوف، فإن) أسلم في العدة؛ تبيَّنَّا وقوعه، وإن (عُجِّلتِ الفرقة) بأن لم يُسلِم حنى انقضت العدة، أو ارتدَّ قبل الدخول (فـ) ــطلاقه (باطل) لانفساخ النكاح قبله باختلاف الدين (وتزويجه) أي: المرتد ذكرًا كان أو أنثى (باطل) وتقدم في النكاح (١).
(و تُعتبر إرادة لفظ الطلاق لمعناه) أي: ألّا يقصد بلفظ الطلاق غيرَ المعنى الذي وُضع له (فلا طلاق) واقعٌ (لفقيه يكرِّره، و) لا لـ (ـــحاكٍ عن نفسه أو غيره) لأنه لم يقصد معناه، بل التعليم، أو الحكاية.
(و لا) طلاق (لمن زال عقله بسبب يُعْذَر فيه، كالمجنون، والنائم، والمُغْمى عليه، والمُبرسَم، ومن به نشافٌ) لقوله ﷺ : "رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصَّبيِّ حتى يحتلم، وعن النَّائم حتى يَستيقظ، وعن المجنون حتى يُفيقَ" (٢)؛ ولأن الطلاق قولٌ يُزِيلُ الملك، فاعتُبرَ له العقل، كالبيع، ولو زال عقله بضربه نفسه.
(ولا) طلاق (لمن أُكره على شرب مُسكر) فَشَربه، وطلَّق في سُكره (أو شَرِبَ ما يُزيل عقلَه، ولم يعلم أنه يُزيل العقل، أو أكل بَنْجًا ونحوه، ولو لغير حاجة) لأنه لا لذة فيه، وفرَّق الإمام أحمد (٣) بينه وبين السكران، فألحقه بالمجنون.
(فإن ذَكر المجنونُ والمُغمى عليه بعد إفاقتهما أنهما طلَّقا؛ وقع)
стр. 5651
الطلاق (نصًّا (١)) لأنه إذا ذكر الطلاق وعلم به؛ دَلَّ ذلك على أنه كان عاقلًا حال صدوره منه، فلزمه. قال الموفق: وهذا -والله أعلم- في من جنونه بذهاب معرفته بالكلية، وبطلان حواسِّه، فأما من كان جنونه لنشافٍ أو كان مُبرسَمًا؛ فإنَّ ذلك يُسْقِط حكمَ تصرُّفه، مع أنَّ معرفته غير ذاهبة بالكلية، فلا يضرُّه ذِكْره للطلاق إن شاء الله تعالى.
(ويقع طلاق مَن زال عقلُهُ بسُكْرٍ ونحوه) كمن شرب ما يُزيل العقل عالمًا به (محرَّم) بأن يكون مختارًا عالمًا به (ولو خلط في كلامه وقراءته، أو سقط تمييزه بين الأعيان؛ فلا يَعرف متاعه من متاع غيره، أو لم يعرف السماء من الأرض، ولا الذَّكر من الأنثى.
ويؤاخذ) السكران ونحوه (بأقواله وأفعاله، وكلِّ فعل يُعتبر له العقل؛ من: قتل، وقذف، وزنًى، وسرقة، وظِهار، وإيلاء، وبيع، وشراء، ورِدَّةٍ، وإسلامٍ، ونحوه) كوقف، وعارية، وغصب، وقبض أمانة؛ لأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحدِّ بالقذف (٢)؛ ولأنه فرَّط
стр. 5652
بإزالة عقله فيما يُدْخِلُ فيه ضررًا على غيره، فأُلزم حكمَ تفريطه، عقوبة له. وعنه (١): أنه فيما يستقلُّ به، مثل عتقه وقتله وغيرهما؛ كالصاحي، وفيما لا يستقلُّ به، مثل بيعه ونكاحه ومعاوضاته؛ كالمجنون، قال في "المحرر": حكاها ابن حامد.
(قال جماعة من الأصحاب: لا تصح عبادة السَّكران (٢) أربعين يومًا) للخبر (٣) (حتى يتوب. وقاله الشيخ (٤). والحشيشة الخبيثة كالبَنْجِ)
стр. 5653
قدّمه الزركشي (والشيخ (١) يرى أن) الحشيشة الخبيثة (حكمها حكم الشراب المُسْكِر، حتى في إيجاب الحدِّ) ويُفَرّق بينهما وبين البَنْجِ بأنها تُشْتَهى وتُطلب، فهي كالخمر، بخلاف البَنْج، فالحكم عنده منوط باشتهاء النفس وطلبها، وجزم في "المنتهى" و "شرحه" بما قاله الشيخ من حيث وقوع الطلاق.
(والغضبان مكلَّفٌ في حال غضبه بما يصدر منه من كُفْرٍ، وقَتْلِ نفسٍ، وأخذ مالٍ بغير حق، وطلاق، وغير ذلك.
قال ابن رجب في "شرح) الأربعين (النواوية" (٢): ما يقع من الغضبان من طلاق، وعتاق، أو يمين؛ فإنه يؤاخذ به) وفي نسخة: بذلك (كلِّه بغير خلاف. واستدلَّ لذلك بأدلَّة صحيحة) منها: حديث خُوَيلة (٣) بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت الآتي في الظهار، وفيه: غَضِبَ زوجُها فظاهر منها، فأتت النبيَّ ﷺ فأخبرته بذلك وقالت: إنه لم يُرِدِ الطَّلاقَ، فقال النبي ﷺ : "ما أراكِ إلا حَرُمتِ عليه" خرَّجه ابن أبي حاتِمٍ، وذكر القصة بطولها (٤)، وفي آخرها قال: فحوَّل الله الطلاقَ، فجعله ظِهارًا.
стр. 5654
ومنها: ما رُوي عن ابن عباس (١) وعائشة (٢) وغيرهما في ذلك، وأطال، وذلك في شرح الحديث السادس عشر من الأحاديث المذكورة (وأنكر على من يقول بخلاف ذلك) لأنه مكلَّف، على ما دلَّت عليه الأخبار، لكن إن غضب حتى أُغمي أو أُغشي عليه؛ لم يقع طلاقه في تلك الحال؛ لزوال عقله، أشبه المجنون (ويأتي في الإيلاء).
فصل
(ومن أُكره على الطلاق ظُلمًا بما يؤلمُهُ، كالضرب، والخنق، وعصر الساق، والحبس، والغطِّ في الماء مع الوعيد، فَطَلَّق) تبعًا لقول مُكرِهه، (لم يقع) طلاقه؛ رواه سعيد وأبو عبيد عن
стр. 5655
عثمان (١). وهو قول جماعة من الصحابة (٢).
قال ابن عباس في من يُلزِمه (٣) اللصوص فطلَّق: ليس بشيء؛ ذكره البخاري (٤).
стр. 5656
ولقوله ﷺ : "إنَّ الله وضع عن أمَّتي الخطأ والنسيانَ، وما استُكرهوا عليه" رواه ابن ماجه والدارقطني (١). قال عبدالحق: إسناده متصل صحيح.
وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاقَ ولا عَتاقَ في غِلاقٍ"، رواه أبو داود -وهذا لفظه- وأحمد وابن ماجه (٢) ولفظهما: "في إغلاق". قال المنذري (٣): هو المحفوظ. والإغلاق:
стр. 5657
الإكراه؛ لأن المكرَه مُغلَقٌ عليه في أمره، مُضيَّقٌ عليه في تصرُّفه، كما يُغلق الباب على الإنسان. وخرج بقوله: "ظلمًا"، ما لو أُكره بحقٍّ، كإكراه الحاكم المؤليَ على الطلاق بعد التربُّص إذا لم يفئ، وإكراه الحاكم رجلين زوَّجهما وليَّان ولم يُعلَمِ السابقُ منهما؛ لأنه قولٌ حُمل عليه بحقٍّ، فصح، كإسلام المرتد.
وقوله: "مع الوعيد" تَبعَ فيه الشارح وغيره. أي أنَّ الضربَ وما عُطفَ عليه، إنما يكون إكراهًا مع الوعيد؛ لأن الإكراه إنما يتحقق بالوعيد. فأما الماضي من العقوبة؛ فلا يندفع بفعل ما أُكره عليه، وإنما يُباح الفعل المكرَه عليه دفعًا لما يتوعَّد به من العقوبة فيما بعد. وظاهر "التنقيح" و"المنتهى" وغيرهما: أنَّ الوعيد ليس بشرط مع العقوبة.
(وفِعْلُ ذلك) أي: الضرب والخنق ونحوه مما تقدَّم (بولده) أي: المُطلِّق (إكراهٌ لوالده) فلا يقع طلاقه على ما تقدم، بخلاف باقي أقاربه.
(وإن هدَّده قادر) على إيقاع ما هدَّده به (بما يضرُّه ضررًا كثيرًا، كقتلٍ، وقطع طَرَفٍ، وضربٍ شديد، وحبسٍ وقيدٍ طويلين، وأخذِ مالٍ كثير، وإخراجٍ من ديار ونحوه، أو) هدَّده (بتعذيب ولده) بشيءٍ مما تقدم، أو بقتله، أو قَطْعِ طرفه.
وقوله: (بسلطان، أو تَغَلُّبٍ، كَلِصٍّ، ونحوه) كقاطع طريق -متعلق بـ "قادر"- (يغلب على ظنِّه) أي: المُطلِّق (وقوع ما هدَّده به، و) يغلب على ظنِّه (عجزُهُ عن دفعه، و) عن (الهرب منه، و) عن (الاختفاء؛ فهو) أي: التهديد بشروطه (إكراه) فلا يقع الطلاق معه
стр. 5658
بشرطه؛ لما تقدم.
لا يقال: لو كان الوعيد إكراهًا لكُنَّا مكرَهين على العبادات؛ فلا ثواب؛ لأن أصحابنا قالوا: يجوز أنَّا مكرَهون عليها والثواب بفضله، لا مستحقًّا عليه عندنا، ثم العبادات تُفعل للرغبة؛ ذكره في "الانتصار".
(فإن كان الضرب) الذي هُدِّد به (يسيرًا في حقِّ من لا يُبالي به؛ فليس بإكراه) لأنه ضرر يسير.
(و) إن كان الضرب يسيرًا (في ذوي المروءات، على وجهٍ يكون إخراقًا لصاحبه، وغَضًّا له وشهرة، فهو كالضَّرب الكثير؛ قاله الموفَّق والشارح) قال القاضي: الإكراه يختلف. قال ابن عقيل: وهو قول حسن.
(ولو سُحِرَ ليُطلِّق؛ كان إكراهًا؛ قاله الشيخ (١)) قال في "الإنصاف": وهو أعظم الإكراهات (وقال) الشيخ: (٢) (إذا بلغ السحرُ (٣) إلى ألا يعلم ما يقول؛ لم يقع به الطلاق. انتهى) لأنه لا قصد له إذًا.
(ولا يكون السَّبُّ، و) لا (الشَّتْم، و) لا (الإخراق) أي: الإهانة (وأخذ المال اليسير إكراهًا) لأن ضرره يسير.
(وينبغي لمن أُكره على الطلاق، وطلَّق؛ أن يتأوَّل (٤)، فينوي بقلبه غيرَ امرأته، ونحوَ ذلك) كأن ينوي بطالقٍ: من عمل، وبثلاثٍ: ثلاثةَ أيام، خروجًا من خلاف من أوقع طلاق المُكره؛ إذا لم يتأوَّل (ويأتي) بيان صور التأويل (في باب التأويل في الحلف.
стр. 5659
ويُقبل قوله) أي: المُكره (في نيَّته) أي: في ما نواه؛ لأنها لا تُعلم إلا من قِبَلِهِ، وهو أدرى بها، ولقيام القرينة.
(فإن تَرك التأويلَ بلا عُذر) لم يقع طلاقه (أو أُكره على طلاقِ مُبهمةٍ) بأن أُكره ليطلِّق واحدة من نسائه (فطلَّق) واحدة (معيَّنة؛ لم يقع) طلاقه؛ لأن المبهمة التي أُكره على طلاقها تتحقق في المعيَّنة، فلا قرينة تدلُّ على اختياره.
(ولو قصد إيقاعَ الطلاق دون دفع الإكراه) وقع (١)؛ لأنه قَصَدَه واختاره.
(أو أُكره على طلاق امرأةٍ، فطلَّق غيرها) وقع؛ لأنه لم يُكرَه على طلاقها (أو) أُكره (على) أن يطلّق (طلقة، فطلَّق ثلاثًا، وقع) لأنه غير مُكرَه على الثلاث.
قلت: وظاهره أنه لو أُكره على أن يُطَلِّق، فطلَّق ثلاثًا، لم تقع إن لم يقصد الإيقاع، دون دفع الإكراه.
(وإن طلَّق مَنْ أُكره على طلاقها، وغيرها؛ وقع طلاق غيرها) لأنه ليس مكرهًا عليه (دونها) أي: دون طلاق المُكرَه على طلاقها؛ فلا يقع؛ لما تقدم.
(والإكراه على العتق واليمين ونحوهما) كالظِّهار (كالإكراه على الطلاق) فلا يؤاخذ بشيء من ذلك في حالٍ لا يقع الطلاق فيها على المُكره على الطلاق.
(ويقع الطلاق في النكاح المُختلَفِ في صحَّته، كالنكاح بولاية
стр. 5660
فاسق، أو) النكاح (بشهادة فاسقين، أو نكاح (١) الأخت في عِدَّة أختها) البائن (أو نكاح الشِّغار، أو) نكاح (المحلِّل، أو بلا شهود، أو بلا وليٍّ، وما أشبه ذلك) كنكاح الزانية في عِدَّتها، أو قبل توبتها، ونِكاح المُحْرِم، ولو لم يرَ المطلِّق الصحة، نصَّ على وقوعه أحمد (٢) (كَبَعْدِ حُكْم) الحاكم (بصحته) إذا كان يراها. والحاكم إنما يكشِف خافيًا، أو ينفِّذ واقعًا؛ لأن الطلاق إزالة ملكٍ بُني على التغليب والسراية، فجاز أن ينفذ في العقد الفاسد؛ إذا لم يكن في نفوذه إسقاط حق الغير، كالعتق ينفذ في الكتابة الفاسدة بالأداء، كما ينفذ في الصحيحة. ونقل ابن القاسم: قد قام مقام الصحيح في أحكامه كلها.
(ويكون) الطلاق في النكاح الفاسد (بائنًا) فلا يستحق عوضًا سُئل عليه (ما لم يُحكم بصحته) فيكون كالصحيح المتفق عليه.
(ويجوز) الطلاق في النكاح المختلَفِ فيه (في حيض، ولا يكون) طلاق (بدعة) لأن استدامة هذا النكاح غير جائزة.
(ويثبت فيه) أي: النكاح المختلَف في صحته (النَّسبُ) إن أتت بولد (والعِدَّة) إن دخل أو خلا بها (والمهر) المُسَمَّى إن دخل بها؛ كالصحيح، ويسقط -أيضًا- به الحدُّ، ولا يستحق عوضًا سُئل عليه، ولا يصح الخُلْع، لخلوِّه عن العوض، وتقدم (٣).
(و لا يقع) الطلاق (في نكاح باطل؛ إجماعًا) كنكاح خامسة، وأخت على أختها (ولا) يقع الطلاق (في نكاح فضوليٍّ قبل إجازته، وإن
стр. 5661
نفَّذناه بها) أي: بالإجازة.
ونقل حنبل (١): إن تزوَّج عبد بلا إذن سيده، جاز طلاقه، وفُرِّق بينهما.
(ويقع عتقٌ في بيع فاسد) في ظاهر كلام أحمد (٢) وتعليله.
فصل
(ومن صحَّ طلاقه، صحَّ توكيله) فيه (و) صح (توكُّله فيه) لأن من صح تصرُّفه في شيء بنفسه مما تجوز الوكالة فيه؛ صح توكيله وتوكُّله فيه؛ ولأن الطلاق إزالةُ ملك، فجاز التوكيل والتوكّل فيه، كالعِتق.
(وإن وكَّل) الزوج (المرأة فيه) أي: الطلاق (صحَّ) توكيلها، وطلاقها لنفسها؛ لأنه يصح توكيلها في طلاق غيرها، فكذا في طلاق نفسها.
(وللوكيل أن يُطلِّق متى شاء) لأن لفظ التوكيل يقتضي ذلك؛ لكونه توكيلًا مطلقًا، أشبه التوكيل في البيع (إلا أن يَحُدَّ) الموكِّل (له) أي: للوكيل (حدًّا) كأن يقول: طَلِّقْها اليوم، أو نحوه، فلا يملكه في غيره؛ لأنه إنما تثبت له الوكالة على حسب ما يقتضيه لفظ الموكل (أو يفسخ) الموكل الوكالة (أو يطأ) الموكّل الزوجة التي وُكِّل في طلاقها، فتنفسخ الوكالة؛ لدلالة الحال على ذلك.
(ولا يطلِّق) الوكيل المطْلَق (أكثر من واحدة) لأن الأمر المطْلَق يتناول أقلَّ ما يقع عليه الاسم (إلا أن يجعلَ) الموكل (إليه) أن يطلق أكثر
стр. 5662
من واحدة (بلفظه، أو بنيَّته) لأنه نوى بكلامه ما يحتمله، ويُقبل قوله في نيته؛ لأنه أعلم بها (فلو وكَّله في ثلاث، فطلَّق واحدة) وقعت؛ لدخولها في ضمن المأذون فيه (أو وكله في) طَلْقةٍ (واحدة، فطلَّقَ ثلاثًا؛ طَلَقتْ واحدة، نصًّا (١)) لأنه المأذون فيها، دون ما زاد عليها، وهي في ضمن الثلاث، فتقع.
(وإن خيَّره) أي: خيَّر الموكِّلُ الوكيلَ، بأن قال له: طَلِّقْ ما شئت (من ثلاثٍ، مَلَكَ اثنين فأقلَّ) لأن لفظه يقتضي ذلك؛ لأن "من" للتبعيض، وكذا لو خيَّر زوجته.
(ولا يملكُ) الوكيل (بالإطلاق) أي: مع إطلاق الوكالة (تعليقًا) للطلاق على شرط؛ لأنه لم يؤذن له فيه لفظًا ولا عرفًا.
(وإن وكَّل) الزوج (اثنين فيه) أي: الطلاق (فليس لأحدهما الانفراد فيه) لأن الموكل إنما رضي بتصرفهما جميعًا (إلا بإذن الموكِّل) لأحدهما، أو لكل منهما بالانفراد؛ لأن الحق للموكل في ذلك.
(وإن وكَّلهما في ثلاث، فطلَّق أحدُهما) أي: أحد الوكيلين (أكثر من الآخر؛ وقع ما اجتمعا عليه) لأنه مأذون لهما فيه (فلو طلَّق أحدُهما واحدة، والآخرُ أكثر) كثلاث أو ثنتين (فواحدة) أو طَلَّق أحدهما ثنتين، والآخر ثلاثًا؛ وقع ثنتان.
(ويحرم على الوكيل الطلاق وقتَ بدعة) كالموكِّل (فإن فعل) أي: طلق الوكيل زمن بدعة (وقع) الطلاق (كالموكِّل) إذا طلق زمن بدعة.
(وتُقبل دعوي الزوج) بعد إيقاع الوكيل الطلاق (أنه) كان (رجع عن الوكالة قبل إيقاع الوكيل الطلاق) عند أصحابنا؛ قاله في "المحرر"
стр. 5663
وغيره، وقَدَّمه في "الفروع" (وعنه (١)) أي الإمام في رواية أبي الحارث: (لا تُقبل إلا ببيّنة) وجزم به في "الترغيب" والأزجي في عَزْلِ الموكَّل (واختاره (٢) الشيخ وغيره.
وقال) الشيخ (٣): (وكذا دعوى عتقه ورَهْنه ونحوه. انتهى) وتقدَّم في الوكالة (٤).
(وإن قال لامرأته: طَلِّقي نفسك. فلها ذلك، كالوكيل، ويأتي) مفصَّلًا.
(وإن قال) لزوجته: (اختاري من ثلاث ما شئت؛ لم يكن لها أن تختار أكثر من اثنتين) لأن "من" للتبعيض، كما مَرَّ في الوكيل.
стр. 5664
باب سُنَّة الطلاق وبدعته
طلاق السُّنَّة: ما أذن الشارع فيه، والبدعة: ما نهى عنه، ولا خلافَ أن المُطلِّق على الصفة الأولى مطلِّقٌ للسنَّة؛ قاله ابن المنذر (١)، وابن عبدالبَر (٢).
والأصل فيه: قولهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣). قال ابن مسعود (٤) وابن عباسٍ (٥): "طاهرات غير جماع (٦) ". وحديثُ ابن عمر لما طلَّق امرأته وهي حائضٌ؛ فقال
стр. 5665
النبي ﷺ : "مُرْهُ فليُراجِعْها، ثم ليُمْسِكها حتى تطْهرَ، ثم تحيضَ فتطهرَ، ثم إن شاء طلَّقها طاهِرًا قبْلَ أن يمَسَّ" وهو في "الصحيحين" (١).
(السُّنة فيه) أي: الطلاق (أن يطلِّقها واحدةً) لقولِ عليٍّ؛ رواه النَّجّادُ (٢) (في طهر لم يصبها فيه) لما تقدمَ من قول ابن مسعود، وابن عباس (ثم يدعها، فلا يُتْبِعُها طلاقًا آخر حنى تنقضيَ عدتها) لقول علي: "لا يطلقُ أحدٌ للسُّنَّةِ فيندم" رواه الأثرم (٣). وهذا لا يحصل إلا في حق مَنْ لم يطلق ثلاثًا؛ ولأن المقصود من الطلاق فراقُها، وفراقها حاصل بالطلاق الأول.
(إلا في طهر متعقِّبٍ لرجعةٍ (٤) من طلاق) في (حيض؛ فبدعةٌ) في ظاهر المذهب، اختاره الأكثرُ؛ لحديث ابن عمر السابق.
стр. 5666
(زاد في "الترغيب": ويلزمه وطؤها) أي: وطء مَنْ طلقها وهي حائضٌ، ثم راجعها؛ إذا طهرت واغتسلت.
(وإن طَلَّق المدخولَ بها في حيض) أو نفاس (أو طُهْرٍ أَصابها فيه، ولو) أنَّه طَلَّقها (في آخره) أي: آخر الطهر الذي أصابها فيه (ولم يَستبنْ) أي: يظهر ويتضح (حملُها؛ فهو طلاقُ بدعةٍ، مُحرَّمٌ) لمفهومِ ما تقدم.
(ويقع؛ نصًّا (١)) طلاقُ البدعةِ، قال ابن المنذر (٢)، وابن عبدالبر (٣): لم يخالف في ذلك إلا أهلُ البدع والضلال (٤). انتهى؛ لأنه ﷺ أمرَ عبدالله بنَ عمر بالمراجعة (٥)، وهي لا تكونُ إلا بعد وقوع الطَّلاق. وفي لفظٍ للدارقطني قال: "قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ لو أني طلَّقتُها ثلاثًا؟ قال: كانت تَبِينُ منك، وتكونُ معصيةً" (٦)، وذكر في
стр. 5667
"الشرح" هذا الحديث مع غيره، وقال: كلُّها أحاديثُ صحاحٌ. وقال نافع (١): وكانَ عبدُالله طلَّقها تطليقة، فَحُسِبت من طلاقه، وراجعها كما أمره رسولُ الله ﷺ (٢).
ولأنه طلاقٌ من مكلفٍ في محلِّه، فوقع، كطلاقِ الحامل؛ ولأنَّه ليس بقُربةٍ؛ فيعتبرُ لوقوعِه موافقةُ السنة، بل هو إزالةُ عصمةٍ، وقطعُ ملك، فإيقاعهُ في زمن البدعة أولى؛ تغليظًا عليه، وعقوبةً له.
(وتُسَنُّ رجعتُها) أي: رجعة المطلَّقةِ زمن البدعة (إن كان) الطلاق (رجعيًّا، فإذا راجعها؛ وجبَ إمساكُهَا حتى تطهر، فإذا طَهُرَتْ؛ سُنَّ أن يُمسِكَها حتى تحيضَ حيضة أخرى، ثم تطهر، فإذا طَلَّقها في هذا الطُّهر قبل أن يمسَّها؛ فهو طلاقُ سُنَّةٍ) لحديث ابن عمر السابق.
(ولو عَلَّق طلاقَها بقيامها، أو) علَّقه (بقدومِ زيد، فقامت) وهي حائضٌ (أو قدم) زيد (وهي حائضٌ؛ طَلَقت للبدعةِ) لوقوع الطلاق في الحيض (ولا إثمَ) على المُطلِّق؛ لأنه لم يتعمَّد إيقاعَ الطلاق زمن البدعة.
(وإن قال: أنتِ طالق -إذا قَدِم زيد- للسُّنَّة، فقدِمَ) زيد (في زمان السُّنَّة) أي: في طُهر لم يصبها فيه (طَلَقت) لوجود الصفة (وإن قدم) زيد (في زمان البدعة؛ لم يقع) الطلاق عند قدومه؛ لأنها إذًا ليست من أهلِ السُّنَّةِ، فلم يوجد تمامُ المُعلَّقِ عليه (فإذا صارت إلى زمان السُّنة؛ وقع) الطلاقُ؛ لوجود الشرط.
стр. 5668
(وإن قال ذلك) أي: أنت طالق عند قدوم زيد (لها) أي: لزوجته (قبل الدخول؛ طَلَقت عند قدومه، حائضًا كانت أو طاهرًا) لأنه لا سُنةَ لها ولا بدعة.
(وإن) قاله لها قبل الدخول، و (قدم) زيدٌ (بعد دخوله بها، في طُهْرٍ لم يُصبها فيه؛ طَلَقت) حين قدومه؛ لوجود الصفة؛ لأنها إذًا من أهل السُّنة (١).
(وإن قدم) زيد (زمن البدعة) أي: في حيض، أو نفاس، أو طُهْرٍ وطئ فيه (لم تطلق حتى يجيء زمن السُّنة) ليوجد الشرط.
(وإن طَلَّقها) أي: طَلَّق رجل زوجتَه (ثلاثًا، بكلمة) حرمت، نصًّا (٢)، ووَقعت، ويُروى ذلك عن عمر (٣)، وعلي (٤)، وابن مسعود (٥)،
стр. 5669
وابن عباس (١)، وابن عمر (٢). وعن مالكِ بن الحارث قال: جاء رجلٌ إلى ابنِ عباس فقال: "إنَّ عمي طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إنَّ عمَّك عصى الله، وأطاع الشيطانَ، فلم يجعل له مخرجًا" (٣) ووجهُ ذلك قولهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ. . .﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤)، ومَنْ جمع الثلاثَ لم يبقَ له أمرٌ يحدثُ، ولم يجعل الله له مخرجًا، ولا من أمرهِ يُسْرًا.
стр. 5670
وروى النسائيُّ بإسناده عن محمود بن لبيد قال: "أُخبرَ رسولُ الله ﷺ عن رجُلٍ طلَّق امرأته ثلاثَ تطليقاتٍ جميعًا، فغضبَ ثم قال: أيُلعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظْهُرِكُم؛ حتى قام رجلٌ فقال: يا رسول الله، ألا أقتُله؟! " (١). وفي حديث ابن عمر: "قال: قلت: يا رسُول الله، أرأيتَ لو طَلقتُها ثلاثًا؟ قال: إذًا عصيتَ وبانت منك امرأتُك" (٢)؛ ولأن ذلك تحريم للبُضع بالقول، فأشبه الظِّهار بل أولى؛ لأن الظِّهار يرتفع بالتكفير، وهذا لا سبيلَ للزوج إلى رفْعِه بحال.
ولا فرقَ في ذلك بينَ ما قبل الدخول أو بعده، رويَ ذلك عن ابنِ عباسٍ (٣)، وأبي هريرة (٤)،
стр. 5671
وابنِ عمر (١)، وعبدالله بنِ عمرو (٢)، وابنِ مسعود (٣)، وأنسٍ (٤)، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلم من التَّابعين والأئمةِ بعدَهم.
وأما ما روى طاوس، عن ابن عباس، قال: "كان الطلاقُ على عهد رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكرٍ وسنتينِ من خلافة عمرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةً" رواه أبو داود (٥)، فقد قال الأثرمُ: سألت أبا عبدِالله عن حديثِ ابن عباس، بأيِّ شيء تدفعُه؟ قال: أدفعه بروايةِ الناس عن ابن عباسٍ من وجوهٍ خلافَه، ثم ذكر عن عدةٍ عنِ ابن عباسٍ من وجوهٍ خلافَه أنَّها ثلاثٌ (٦).
وقيل: معنى حديثِ ابن عباس أنَّ الناسَ كانوا يُطلِّقون واحدةً على عهد رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكر، وإلَّا؛ فلا يجوزُ أن يُخالفَ عمرُ ما كان على عهدِ رسول الله ﷺ ، وعهد أبي بكر، ولا يكون لابن عباس أن يروي هذا عن رسول الله ﷺ ، ويُفتي بخلافه.
(أو) طلَّقها ثلاثًا بـ (ـكلمات، في طُهْرٍ لم يصبها فيه، أو) طَلَّقها.
стр. 5672
ثلاثًا (في أطهار قبل رجعة؛ حَرُم) ذلك (نصًّا (١)) لما تقدمَ (لا) إن طَلَّقها (اثنتين) فلا يَحْرم؛ لأنهما لا يَمنعان من رجعتها إذا ندم، فلم يسدَّ المخرجَ على نفسِه، لكنه فوَّت على نفسه طلقةً جعلها الله له من غير فائدة تحصلُ له بها، فكان مكروهًا، كتضييع المالِ؛ قاله في "الشرح".
(ولا بدعة فيها) أي: الثلاث (بعد رجعة أو عقد) كأن طَلَّقها طَلْقة ثم راجعها، أو عقد عليها، ثم طَلَّقها أخرى ثم راجعها، أو عقد عليها ثم طَلَّقها الثالثة.
(وإذا كانت المرأة صغيرةً، أو آيسة، أو غير مدخول بها، أو استبان حَمْلها؛ فلا سُنةَ لطلاقها، ولا بدعة في وقت ولا عدد) لأنَّ غيرَ المدخول بها لا عدة عليها، والصغيرةَ والآيسةَ عدتُها (٢) بالأشهر، فلا تحصل الريبة، والحاملَ التي استبان حملها عدتها بوضع الحمل، فلا ريبة؛ لأن حملها قد استبان، بخلاف من لم يستبن حملها، وطَلَّقها ظنًّا أنها حائل، ثم ظهر حملها؛ ربما ندم على ذلك.
(فلو قال لإحداهنَّ) أي: لصغيرةٍ، أو آيسةٍ، أو غير مدخول بها، أو بيِّنٍ حملها: (أنت طالق للسُّنة) طَلَقت في الحال (أو قال) لها: أنت طالق (للبدعة) طَلَقت في الحال (أو قال) لها: أنت طالق (للسُّنَّةِ والبدعة، أو لا للسُّنة ولا للبدعة؛ طَلَقت في الحال) لأنَّ طلاقها لا يتَّصف بسُنَّة ولا بدعة، فيلغو وصفُه به، ويبقى الطلاق بدون الصفة، فيقع في الحال.
стр. 5673
(وإن قال) لإحداهنَّ: أنت طالق (للسُّنَّةِ طلقةً، وللبدعةِ طلقةً؛ وقع طلقتان) لما سبق (ويُديَّن) أي: يقبل منه بالإضافة إلى ما بينه وبين الله تعالى باطنًا (في غير آيسة إذا قال: أردتُ: إذا صارت من أهلِ ذلك الوصف) أي: السُّنة أو البدعة (ويُقبل) منه (حكمًا) لأنَّ لفظه يحتملهُ، بخلاف الآيسة، إذ لا يمكن فيها ذلك.
(وإن قال لها) أي: لزوجته (في الطُّهر الذي جامعها فيه: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، فيئستْ من المحيض، أو استبان حَمْلها؛ لم تطلق) لأنه لا سُنَّة لها ما دامت كذلك.
(وإن قال لمن لطلاقها سُنة وبدعة: أنت طالق طلقةً للسُّنَّة، وطلقةً للبدعة؛ طَلَقت طلقةً في الحال) لأنَّ حالها لا يخلو إمَّا أن تكون في زمن السُّنَّة: فتقع الطلقة المعلَّقة على السُّنَّة، أو في زمن البدعة؛ فتقع الطلقة المعلَّقة على البدعة (و) طَلَقت (طلقة) أخرى (في ضدِّ حالها (١) الراهنة) أي: الثانية (٢) حين قوله لها ذلك؛ لأنَّ الطلقةَ الثانية معلقةٌ على ضد الحال التي هي عليها حالَ القول.
(و) إن قال لها: (أنت طالق للسُّنَّة) وهي (في طُهْرٍ لم يصبها فيه؛ طَلُقت في الحال) لأنَّ معنى: "للسُّنَّة" في وقتِ السُّنة وذلك وقتها.
(وإن كانت حائضًا؛ طَلَقت إذا طَهُرت) أي: انقطع حيضها (ولو لم تغتسل) لأنَّ الصفة قد وُجدت.
(وإن كانت في طُهْرٍ أصابها فيه؛ طَلُقت إذا طَهُرت من الحيضة المستقبلة) لأن ذلك هو وقت السُّنَّة في حقها، لا سُنَّة لها قبلها.
стр. 5674
(و) إن قال لها: (أنت طالق للبدعة، وهي حائض، أو) وهي (في طهر أصابها فيه؛ طَلَقت في الحال) لأنَّ ذلك هو وقت البدعة.
(وإن كانت في طهر لم يصبها فيه) وقال لها: أنت طالق للبدعة (طَلَقت إذا أصابها أو حاضت، لكن) إن أصابها (ينزع في الحال بعد إيلاج الحشفة؛ إن كان الطلاق ثلاثًا) أو كانت طلقة مكملة لما يملكه من الطلاق؛ لبينونتها عقب ذلك. (فإن استدام) أي: لم ينزع في الحال (حُدَّ عالمٌ) بالحكم؛ لانتفاء الشبهة (وعُزِّر غيره) أي: غير العالم، وهو الجاهل والناسي، لما ناله من ذلك.
(و) إن قال لمن لها سُنَّةٌ وبدعةٌ: (أنت طالق ثلاثًا للسُّنَّة؛ تطلق الأولى في طهر لم يصبها فيه، و) تطلق (الثانية طاهرة بعد رجعة أو عقد، وكذا) تطلق (الثالثة) طاهرة بعد رجعة أو عقد؛ لأنَّ جمع الثلاث بدعةٌ؛ لما تقدم (وعنه (١): تطلق ثلاثًا في طُهر لم يصبها فيه، وهو المنصوص، وصحَّحه جمع) بناءً على أنَّ جمع الثلاث من السُّنَّة.
(و) إن قال: (أنت طالق ثلاثًا، نصفُها للسُّنَّة، ونصفها للبدعة، أو قال: بعضهنَّ للسُّنَّة، وبعضهن للبدعةِ؛ طَلَقت طلقتين في الحال) لأنه سوَّى بين الحالين، فاقتضى الظاهر أن يكونا سواءً، فيقع في الحال طلقة ونصف، ثم يكمل النصف؛ لكون الطلاق لا يتبعض (و) تقع (الثالثة في ضِدّ حالها الراهنة) أي: الثابتة وقت تعليقه (وكذا) لو قال: (أنت طالق ثلاثًا للسُّنَّة والبدعة، وأطْلَق) فلم يقل: نصفين، ولا بعضهن للسُّنَّة وبعضهن للبدعة؛ فيقع في الحال طلقتان، والأخرى في ضدِّ حالها إذًا.
(و) إن قال: (أنت طالق طلقتان للسُّنَّة، وواحدةٌ للبدعة، أو
стр. 5675
عكسه) بأن قال: طلقتين (١) للبدعة، وواحدة للسُّنَّة (فهو) أي: طلاقه (على ما قال. فإن أطلق) في قوله: أنت طالق ثلاثًا للسُّنَّة والبدعة (ثم قال: نويتُ ذلك) أي: طلقتين للسُّنَّة، وواحدة للبدعة، أو عكسه (فإن فَسَّر نيته بما يُوقِع في الحال طلقتين؛ طَلَقت، وقُبِلَ) لأنه أقرَّ على نفسه بالأغلظ (وإن فسَّرها بما يُوقِع طلقةً واحدة) في الحال (ويؤخِّر اثنتين؛ دُيِّنَ، ويُقبل في الحكم) لأنَّ لفظه يحتمله، وهو أدرى بنيته.
(و) إن قال: (أنت طالق في كلِّ قُرْء طلقة، وهي حامل، أو من اللائي لم يحضن؛ لم تَطْلُق حتى تحيض، فتَطْلُق في كلِّ حيضة طلقةً) لوجود الشرط. والقُرْءُ: الحيضُ. ويُطلق -أيضًا- على الطُّهر بين الحيضتين.
(وإن كانت) حين التعليق (في القُرْء) أي: الحيض (وقع بها واحدة في الحال، ويقع بها طلقتان في قرأين آخرين، في أول كل قُرْء منهما) طلقة؛ لوجود الصفة.
(و) الزوجة (غير المدخول بها تبين بـ) ـالطلقة (الأولى) فلا يلحقها ما بعدها ما دامت بائنًا (فإن تزوَّجها وقع بها طلقتان في قُرأين) إن وقعت الأولى رجعية (٢)، وإلا؛ فإذا تزوجها وحاضت (وإن كانت آيسةً لم تطلق) لعدم وجود الشرط.
(و يُباح خُلع وطلاق) بعوض (بسؤالها زمن بدعة) لأنها أدخلت الضرر على نفسها (وتقدم (٣) في باب الحيض) والنفاسُ كالحيض في