كتاب النفقات
(وهي: جمع نَفَقَةٍ) وتُجمع على: نِفاق، كثمرة وثمار (وهي) في الأصل: الدراهم ونحوها من الأموال.
وشرعًا: (كفاية من يَمُونه خبزًا وأدمًا وكِسوة) بضم الكاف وكسرها؛ قاله في "الحاشية" (ومسكنًا وتوابِعَها) أي: توابع الخبز والأدم والكسوة والمسكن، كثمن الماء، والمشط، والسترة، ودهن المصباح، والغطاء، والوِطاء، ونحوها. وأصلها: الإخراج من النَّافِقاء، وهو: موضع يجعله الضب (١) في مؤخر الجُحْر رقيقًا، يعدُّه للخروج، إذا أُتي من بابه رفعه برأسه وخرج. ومنه سُمِّي: "النفاق"؛ لأنه خروج من الإيمان، أو خروج الإيمان من القلب، فسمي الخروج نفقة لذلك.
وهي أصناف: نفقة الزوجات، وهي المقصودة هنا، ونفقة الأقارب والمماليك، وتأتي.
(ويلزم ذلك) المذكورُ، وهو الكفاية من: الخبز، والأدم، والكسوة، وتوابعها (الزوجَ لزوجته) إجماعًا (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ. . .﴾ الآية (٣). ومعنى: ﴿قُدِرَ﴾: ضُيِّق. وقوله ﷺ : "فاتقوا الله في النساءِ، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستَحللتُم فرُوجهنَّ بكلمة الله، ولهنَّ عليكم نفقتُهنَّ (٤) وكسوتُهنَّ بالمعروف" رواه
стр. 6127
مسلم (١)؛ ولأنها محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف والاكتساب، فوجبت نفقتها عليه كالعبد مع سيده (ولو) كانت الزوجة (ذمية) تحت مسلم أو ذمي؛ لعموم ما سبق (بـ) ــحسب (ما يصلح لمثلها) مع مثله (بالمعروف) لخبر مسلم السابق.
(وهي) أي: النفقة (مقدَّرَة بالكفاية) فيجب لها كفايتها مما ذكر؛ لحديث هند: "خُذي ما يكفيك وولدَكِ بالمعروف" (٢) فتختلف باختلاف من تجب له في قَدْرها؛ للحديث. فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير. والكفاية لا تختلف باليسار والإعسار، وإنما اعتبرهما الشرع في الجنس لا القدر.
(وتختلف) النفقة (باختلاف حال الزوجين) يسارًا وإعسارًا؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٣) (فيعتبر ذلك الحاكم بحالهما عند التنازع) لا وقت العقد، وإنما اعتبره بحالهما؛ جمعًا بين الأدلة، ورعاية لكلٍّ من الجانبين، فكان أولى. وقال القاضي: الواجب رَطلان من خبز في كل يوم في حق الموسِر والمعسر؛ اعتبارًا بالكفَّارات.
وإنما يختلفان في صفته وجَودته (فيفرض) الحاكم (للموسرة تحت الموسر من أرفع خبز البلد) الخاص (ودُهنه وأُدمه الذي جرت عادة أمثالها بأكله، من الأُرْز واللبن وغيرهما (٤)، مما لا تكرهه عُرفًا) لأنه ﷺ
стр. 6128
جعل ذلك بالمعروف؛ وليس من المعروف إطعام الموسرة خبز المعسرة؛ ولأن الله تعالى فرَّق بين الموسر والمعسر في الإنفاق، ولم يبين ما فيه (١) التفريق، فوجب الرجوع إلى العُرف، وأهل العُرف يتعارفون فيما بينهم أن جنس نفقة الموسرين أعلى من جنس نفقة المعسِرين، ويعدُّون المنفقَ من الموسرين من جنس نفقة المعسرين بخيلًا (وإن تبرَّمت (٢) بأُدْم، نقلها إلى أُدْم غيره) لأنه من المعروف.
(و) يفرض لها (لحمًا، عادةَ الموسرين بذلك الموضع. و) يفرض لها (حطبًا وملحًا؛ لطبخه) لأنها لا تستغني عنه.
(وقَدْر اللحم: رَطلٌ عراقي) وتقدم بيانه في أول المياه (٣)، وهذه طريقة، وما قَدَّمه أولى أنه مقدَّر بالكفاية (لكن يخالف في أُدْمانه) قاله في "الفروع". قال في "المبدع": ولعله مرادهم. (قال في "الوجيز" وغيره: كل جمعة مرَّتين) جزم به في "الهداية"، و"المذهب"، و"مسبوك الذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"الهادي" وغيرهم. وقدَّمه في "الرعايتين" و"الحاوي الصغير"، و"تجريد العناية".
(و) يفرض الحاكم لها من الكسوة (ما يلبس مثلها من حرير وخزّ) وهو: ما سُدي بإبريسم وأُلْحِم بغيره (وجيد كتان وقطن، وأقلّه قميص وسراويل ووقاية، وهي: ما تضعه فوق المِقْنَعة (٤) - وتسمى: الطَّرْحة - ومقنعة، ومداس، وجُبَّة للشتاء) لأن ذلك أقل ما تقع به الكفاية؛ لأن الشخص لا بدَّ له من شيء يواري جسده وهو القميص، ومن شيء يستر
стр. 6129
عورته وهو السراويل، ومن شيء على رأسه وهو الوقاية ومن شيء في رجله وهو المداس، ومن شيء يدفئه وهو جُبَّة للشتاء، ومن شيء ينام عليه، وقد أشار إليه بقوله: (وللنوم فراش ولحاف ومِخدة) بكسر الميم (مَحْشوٌّ ذلك بالقطن المنزوع الحَبِّ، إذا كان عُرف البلد) لأنه المعروف (ومِلْحفة للحاف) لأنه معتاد (وإزار) تنام فيه إذا كانت العادة جارية بالنوم فيه، كأرض الحجاز ونحوها (وللجلوس زِلِّيٌّ - وهو: بساط من صوف، وهو الطَّنْفَسَة - ورفيع الحُصر) لأن ذلك مما لا غنى عنه.
(وتُزَاد من عدد الثياب ما جرت العادة بلُبْسِه مما لا غنى عنه) لأن الواجب دفع الحاجة الغالبة (دون ما للتجمُّلِ والزينة.
و) يفرض (للمُعسِرة تحت المُعسِر من أدنى خبز البلد كخُشْكار) ضد الناعم (بأُدْمه الملائم له عُرفًا، كالباقلاء، والخل، والبقل، والكامَخ (١)، وما جرت به عادة أمثالها (٢)) لأنها إحدى الزوجين، فوجب اعتبار حالها، كالموسرة (ودُهنِه ولحمه عادة، وفي "الوجيز" وغيره) كـ "الرعاية" (في اللحم: كل شهر مَرَّة.
و) يفرض لها (ما يَلْبَسُ مثلها، أو ينام فيه من غليظ القطن والكتان، وللنوم فراش بصوف، وكساء أو عَباءة) بفتح العين والمد (للغطاء، وللجلوس بارِيَّة (٣) أو خَيْش (٤)) على قدر عادتها وعادة أمثالها.
(و) يفرض (للمتوسِّطة تحت المتوسّط، والموسِرة مع المعسر،
стр. 6130
والمعسرة مع الموسر، الوسط من ذلك عُرفًا) لأن إيجاب نفقة الموسر على المُعسِر، وإنفاق المُعسِر نفقة الموسر ليس من المعروف، وفيه إضرار بصاحبه، فكان اللائق بحقّهما هو المتوسط.
قال في "المبدع": الموسر: من يَقْدِر على النفقة بماله أو كسبه، وعكسه: المعسر، وقيل: هو الذي لا شيء له، والمتوسط: من يَقْدِر على بعض النفقة بماله أو كسبه. قال ابن حمدان: ومسكين الزكاة معسر، ومَنْ فوقه متوسط، وإلا فهو موسر.
(وعليه نفقة البدوية من غالب قوت البادية بالناحية التي ينزلونها.
ويجب) للزوجة (ما تحتاج إلبه من الدُّهن للسِّراج أول الليل، أو غيره) أي: كله بحسب عادة بلدهما (على اختلاف أنواعه في بلدانه) فيجب لها (السمن في موضع، والزيت في آخر، والشَّحم في آخر، والشَّيْرَج في آخر) بحسب العُرف و (لا) بجب دُهن المصباح (لأهل الخيام والبادية) لعدم تعارفهم له.
(و لا يجب لها إزار للخروج، وهو المِلْحفة، ومثله الخُفُّ ونحوه) كالرَّان (١) (لأنه لم يُبْنَ أمرها على الخروج) ولأنها ممنوعة من الخروج لحقّ الزوج، فلا يجب عليه مؤْنة ما هي ممنوعة منه لأجله.
(و لا بُدَّ من ماعون الدار) لأنه لا غِنَى لها عنه (ويكتفى بخزف) - وهو: آنية الطين قبل أن يُطبخ، وهو الصلصال، فإذا شُوِيَ فهو الفَخَّار؛ ذكره في "الحاشية" - (وخشب، والعَدْلُ ما يليق بهما) أي: بالزوجين من الآنية.
стр. 6131
(و حكم المُكاتَب والعبد) في النفقة (كالمعسر) لأنهما ليسا بأحسن حالًا عنه (ومَنْ نصفه حرٌّ إن كان موسرًا، فكمتوسطين، وإن كان معسرًا، فكمعسرين) والواجب عليه نصف نفقته ونصف نفقة زوجته، وباقيهما على سيده.
(ولا يجب في النفقة الحَبُّ) بل الكفاية من الخبز؛ لأنه المتعارف، وكنفقة العبيد؛ ولأن الحَبَّ يحتاج إلى كلفة ومُؤْنة (فلو طَلَبتْ مكانَ الخبز حبًّا أو دراهم أو دقيقًا أو غير ذلك) لم يلزمه بذله (أو) طَلَبتْ (مكانَ الكسوة دراهم، أو غيرها) من العروض (لم يلزمه بذله) لأن ذلك معاوضة، فلا يُجبر عليها.
(و) كذا (لا يلزمها قَبوله بغير رضاها لو بذله) الزوج أي: ما ذكر بدَل الخبز أو الكسوة؛ لما مَرَّ (وإن تراضيا) أي: الزوجان (على ذلك) أي: أخذ العوض (جاز) لأن الحق لا يعدوهما (بخلاف الطعام) في الكفَّارة؛ فإنه حق لله تعالى (وليس هو معاوضة حقيقة) لأن الشارع لم يُعَيِّن الواجب بأكثر من الكفاية، فبأي شيء حصلت كان هو الواجب، وإنما صِرْنا إلى إيجاب الخبز عند الاختلاف؛ لأنه المتعارَف، فرجح بذلك.
(و) إذا تراضيا على العوض في النفقة، أو الكسوة، أو فيهما، فـ (ــلكلٍّ منهما الرجوع عنه بعد التراضي في المستقبل) لعدم استقراره.
(ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب كدراهم مثلًا) إلا باتفاقهما، ولا يجبر من امتنع منهما، قال في "الهدي" (١): وأما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب ولا سُنَّة، ولا نَصَّ عليه أحد من الأئمة؛ لأنها معاوضة
стр. 6132
بغير الرضا عن غير مستقر. قال في "الفروع": وهذا متَّجه مع عدم الشقاق وعدم الحاجة، فأما مع الشقاق والحاجة - كالغائب مثلًا - فيتوجَّه الفرض؛ للحاجة إليه على ما لا يخفى (ولا يعتاض عن الماضي) من واجب النفقة (برِبَويّ) لأنه ربًا.
(و) يجب (عليه) أي: الزوج (مُؤْنة نظافتها من الدُّهن) لرأسها (والسِّدْر) وأُشنان (والصابون، وثمن ماء شرب ووضوء وغسل من حيض ونفاس، وجنابة ونجاسة، وغسل ثياب، وكذا المشط وأجرة القَيِّمة ونحوه، وتبييض الدَّسْتِ (١) وقت الحاجة) إليه؛ لأن ذلك يراد للتنظيف، كتنظيف الدار المؤجرة.
(ولا يجب عليه) أي: الزوج (الأدوية وأجرة الطبيب والحجَّام والفاصِد) والكَحَّال؛ لأن ذلك يُراد لإصلاح الجسم، كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار.
(وكذا ثمن الطيب والحِنَّاء والخِضَاب، ونحوه) كالإسْفِيذاج (٢)؛ لأن ذلك من الزينة، فلم يجب عليه، كشراء الحلي (إلا أن يريد منها التزيُّن به) لأنه هو المريد لذلك (أو قطع رائحة كريهة منها) أي: يلزمه ما يراد لقطع رائحة كريهة منها، كما ذكره في "المغني" و"الشرح" و"الترغيب" (ويلزمها ترك حِنَّاء وزينة نهاها عنه) ذكره الشيخ تقي الدين (٣).
стр. 6133
(وإذا احتاجت) الزوجة (إلى من يخدِمُها؛ لكون مثلها لا تخدِمُ نفسها، أو لمرضها ولا خادم لها؛ لزِمه لها خادم) لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)؛ ولأنه مما يحتاج إليه على الدوام، أشبه النفقة (حرٌّ أو عبدٌ، إما بشراء أو كراء أو عارية) لأن المقصود الخدمة، كما لو أسكنها دارًا بالأجرة أو عارية. والخادم واحدُ الخدم، يقع على الذَّكر والأنثى؛ لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال، كحائض وعاتق؛ ذكره في "الحاشية".
(ولا يلزمه) أي: الزوج (أن يُمَلِّكَها إياه) أي: الخادم؛ لأن الواجب عليه الإخدام لا التمليك، فإن مَلَّكها إياه فقد زادها خيرًا.
(ولا إخدام) عليه (لرقيقةٍ، ولو كانت جميلة) لأنها ليست كالزوجة (فإن طلبت) الزوجة (منه أجر خادمها فوافقها؛ جاز) لأن الحق لا يعدوهما (وإن أبى) الزوج ذلك (وقال: أنا آتيك بخادم سواه؛ فله ذلك إذا أتى بمن يصلح لها) لأنه الواجب عليه، ولا يُجبر على المعاوضة.
(و لا يكون الخادم إلا ممن يجوز له النظر إليها) أي: إلى الزوجة (إما امرأة، أو ذو رَحِم محرم) لأن الخادم يلزم المخدوم في غالب أحواله، فلا يسلم من النظر (فإن كان الخادمُ مِلْكَها، كان تعيينه إليهما) أي: إلى الزوجين. فإذا رضيت بخدمته ونفقته على الزوج ورضي بذلك جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما (وإن كان) الخادم (مِلكَه أو استأجره أو استعاره، فتعيينه إليه) لأن أجرته عليه، فيكون تعيينه إليه (٢).
(ويجوز أن تكون) الخادم (كتابية) لأنها يجوز لها النظر للمسلمة،
стр. 6134
كما تقدَّم (١) (ويلزمها) أي: الزوجة (قَبولها) أي: الكتابية؛ لأنها تصلح للخدمة.
(وله تبديل خادم ألِفَتها) الزوجة؛ لأن التعيين إليه (ولا يلزم) الزوج (أجرة من يوضِّئُ) زوجة (مريضة) بخلاف رقيقه المريض الذي لا يمكنه الوضوء بنفسه.
(وتلزمه نفقة الخادم وكسوتُه بقدر نفقة الفقيرين) لأنه معسِر، وحاله حال المعسِرين (إلا في النَّظافة، فلا يجب عليه لها) أي: الخادم (ما يعود بنظافتها، ولا مُشطٌ ودهن وسِدْرٌ لرأسها) لأن ذلك يُراد للزينة والتنظيف، وهذا غير مُراد من الخادم (فإن احتاجت) الخادم (إلى خُفّ ومِلحَفة لحاجة الخروج؛ لزمه) ذلك؛ لدعاء الحاجة إليه (إلا إذا كانت) الخادم (بأجرة أو) كانت (عارية، فـ) ـــنفقتها وما تحتاج إليه (على مؤجر ومُعير) لأن المكريَ ليس له إلا الأجرة، والمُعير لا تسقط عنه نفقة مِلكه بإعارته.
(ولا يلزمه) أي: الزوج (أكثرُ من نفقة خادم واحد) لأن المستحقَّ خدمتُها في نفسها، وذلك يحصل بالواحد، وما زاد إنما هو للتجمّل أو نحوه، وليس بواجب عليه.
(فإن قالت) لزوجها: (أنا أخدِمُ نفسي، وآخذ ما يلزمُك لخادمي؛ لم يلزمه) ذلك؛ لأن الأجرة عليه، فتعيين الخادم إليه.
(وإن قال) الزوج: (أنا أخدِمُك) بنفسي (لم يلزمها قَبوله) لأنها تحتشمه، وفيه غَضاضة عليها؛ لكون زوجها خادمًا لها.
стр. 6135
(ولو أرادت من لا إخدام لها (١) أن تتخذ خادمًا وتنفِق عليه من مالها، فليس لها ذلك إلا بإذن الزوج) لها فيه، ويلزمه مؤنِسة لحاجة.
فصل
(و) تجب (عليه نفقة المطلَّقة الرجعية، وكسوتُها، ومسكنُها، كالزوجة) فيما تقدم (سواء) لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٢)؛ ولأنها زوجة يلحقها طلاقُه وظِهارُه، أشبه ما قبل الطلاق (إلا فيما يعود بنظافتها) لأنها غير مُعَدَّة للاستمتاع.
(فأما البائن بفسخ أو طلاق، فإن كانت حاملًا، فلها النفقة) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) (تأخذها كل يوم قبل الوضع) للآية (ولها السُّكنى) لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٣) (و) لها (الكِسوة) لدخولها في النفقة؛ ولأن الحمل ولده، والإنفاق عليه دونها متعذِّر، فوجب، كما وجبت أجرة الرَّضاع.
(وإن لم تكن) البائن (حاملًا، فلا شيء لها) لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "ليس لك نفقةٌ" رواه البخاري، ومسلم (٤) وزاد: "ولا سُكنى". وفي لفظ: قال النبي ﷺ : "انظري يا ابنة قيس إنما النفقة للمرأة على
стр. 6136
زوجِها ما كانت له عليها الرجعة، فإن لم يكن له الرجعة، فلا نفقة ولا سُكنى" رواه أحمد والحميدي (١)، وقول عمر (٢) بوجوب السكنى لها خالفه علي (٣) وابن عباس (٤) وجابر (٥).
стр. 6137
(فإن لم ينفق عليها يظنها حائلًا، ثم تبين أنها حامل، فعليه نفقة ما مضى) لأنّا تبيَّنَّا استحقاقها له، فرجعت به عليه، كالدَّين (سواء قلنا: النفقة للحمل، أو لها من أجله، في ظاهر كلامهم) وقال ابن حمدان: إن قلنا النفقة لها؛ وجبت، وإلا؛ فلا (وعكسها) بأن أنفق عليها يظنُّها حاملًا، فبانت حائلًا (يرجع عليها) لأنّا تبيّنَّا عدم استحقاقها، أشبه ما لو قضاها دَينًا، ثم تبين براءته منه.
(وإن ادَّعت) بائن (أنها حامل، أنفق عليها) مُبِينها (ثلاثة أشهر) من ابتداء زمن ذكرت أنها حملت منه (إلا أن تظهر براءتها قبل ذلك) أي: قبل مضيّ الثلاثة أشهر (بحيض أو غيره، فيقطع النفقة) عنها؛ لتبيّن عدم الحمل (فإن مضت) الثلاثة أشهر (ولم يَبِنْ) حملها (رجع عليها) بنظير ما أنفق (سواء دفع إليها بحكم حاكم، أو بغيره، شَرَط أنها نفقة، أو لم يشرط) ذلك؛ لأن الحمل يتبين بعد ثلاثة أشهر، وقرينة الحال دالّة أنه إنما دفع إليها على وجه النفقة.
(و إن ادَّعت الرجعيّةُ الحملَ، فأنفق عليها أكثر من مدَّة عِدّتها، رجع عليها بالزيادة) لتبيّن عدم استحقاقها لها (ويُرجَعُ في) قدر (مدة العِدَّة إليها) لأن ذلك لا يعلم إلا من جهتها.
(ولا يرجع بالنفقة في النكاح الفاسد (١) إذا تبين فساده، سواء كانت النفقة قبل مفارقتها أو بعدها) لأنه إن كان عالمًا بعدم الوجوب، فهو متطوّع بالإنفاق، وإن لم يكن عالمًا، فهو مُفرِّط، فلم يرجع بشيء (كما لو أنفق على أجنبية) بلا إذنها؛ لأنه متبرِّعٌ.
(وتجب) النفقة على المُبِين (للحمل لا لها) أي: البائن (من أجله)
стр. 6138
أي: الحمل؛ لأنها تجب بوجود الحمل وتسقط عند انقضائه (وتستحقّ) البائن (قبضها) أي: النفقة (والتصرُّف فيها) ولذلك صَحَّت مخالعتها عليها، كما تقدم.
(ف تجب) النفقة (على زوج لـ) ـــزوجة (ناشز حامل، ولمُلاعِنَةٍ حامل) لأن النفقة للحمل وهو ولده (ولو نفاه؛ لعدم صِحّة نفيه) ما دام حملًا (فإن نفاه بعد وَضْعه، فلا نفقةَ في المستقبل) لانقطاع نسبه عنه (فإن استلحقه) المُلاعِن بعد نفيه لَحِقه نسبه، و (رجعت عليه الأم مما أنفقتْهُ، وبأجرة المسكن والرضاع، سواء قلنا: النفقة للحمل، أو لها من أجله) لأنّا تبيّنَّا أنها كانت مستحقة عليه، فوجب عليه أداؤها كما لو كان عليه دين لم يعلمه ثم علمه.
(وتجب) النفقة (لحامل من وطء شُبهة، أو نكاح فاسد على الواطئ) لأنه لاحِق به والنفقة له.
(و) تجب النفقة (لمِلك يمين على السيد، ولو أعتقها) وهي حامل؛ لأنه ولده.
(و) تجب نفقة الحامل من زوج ميت (على وارثِ زوجٍ ميت) للقرابة إذا لم يكن للحمل مال (و) تجب (من مال حملٍ موسرٍ، فتسقط عن أبيه) وعن وارثه؛ لأن الموسِر لا تجب نفقته على غيره.
(وإن تلفت) النفقة بيد حامل من المذكورات (من غير تفريط) منها (وجب) على من قلنا: عليه نفقة حملها (بَدَلُها) لأن ذلك حكم نفقة الأقارب.
(ولا تجب) نفقة الحمل (على زوجٍ رقيق، ولا مُعسر، ولا غائب) لأنها نفقة قريب (فلا تثبت في الذِّمة، كنفقة الأقارب.
стр. 6139
وتسقط بمضيّ الزمان) كنفقة الأقارب (ما لم تَسْتَدِنْ بإذن حاكم، أو تنفق بنية الرجوع، إذا امتنع من الإنفاق من وجب عليه) الإنفاق على الحمل؛ لكونها قامت عنه بواجب.
(ولا تجب) نفقة الحمل (على مَن لا يلحقه نَسَبُ الحمل، كزانٍ) لعدم القرابة.
(ولا) تجب نفقة الحمل (على وارثِ) الحمل (مع عُسْرِ زوجٍ) لاحِق به الحمل؛ لحجبهم به. قلت: إلا أن يكون الوارث من عمودَيِ النسب، فتجب عليه مع يساره، كما يأتي نظيره في نفقة الأقارب.
(و لا تجب فِطْرَةٌ حاملٍ مُطَلَّقة) وإن قلنا: تجب نفقتها؛ لأن النفقة للحمل، وفِطرته غير واجبة، بل تستحبُّ.
(و لا يصح جَعْلُ نفقة الحامل عوضًا في الخُلْع ؛ لأن النفقة ليست لها) بل للحمل، فلا تعاوض بها. هذا معنى كلام الشيرازي. وقال القاضي والأكثرون: يصح على الروايتين. وجزم به المُصنِّفُ في الخلع (١)؛ لأنها في حكم المالِكة لها؛ لأنها التي تقبضها وتستحقها، وتتصرَّف فيها، فإنها في مدة الحمل هي الآكلة (٢) لها، وبعد الولادة هي أجرة رَضاعها إياه، وهي الآخذة لها.
(ولو وُطئت الرجعيّة بشُبهة أو) وُطئت بـ (ـــنكاح فاسد، ثم بان بها حمل يمكن أن يكون من الزوج و) من (الواطئ) بنكاح فاسد (فعليهما) أي: الزوج والواطئ الآخَر (النفقةُ حتى تضع، و) عليهما النفقة (بعد الوضع حتى ينكشف الأبُ منهما) ويتميز (ومتى ثَبَت نَسبُهُ) أي: الحمل
стр. 6140
(من أحدهما) أي: من الزوج أو الواطئ بشُبهة أو بنكاح فاسد (رجع عليه الآخرُ) الذي لم يلحق به (بما أنفق) عليه؛ لأنه أدَّى عنه شيئًا هو واجب عليه، بناءً على أنه واجب على الدافع، فرجع عليه به؛ لأنه قام عنه بواجب.
"تتمة": قال في "المبدع": فإنْ وُطِئت زوجتُه، فحملت، فالنفقة على الواطئ إن وجبت للحمل، ولها على الأصح إن كانت مُكرَهة أو نائمة، وإن كانت مطاوِعة تظنُّه زوجها؛ فلا.
(ولا نفقة من التَّرِكة لمتوفًّى عنها زوجُها، ولو) كانت (حاملًا) لأن النفقة للزوجة تجب للتمكين من الاستمتاع وقد فات (ونفقة الحمل من نصيبه) فينفق عليها من نصيبه، كما نقله الكحَّال (١) في حمل أُمِّ الولد (٢). واستشكله المجد بأن الحمل إنما يرث بشرط خروجه حيًّا ويوقف نصيبه، فكيف يتصرف فيه قبل تحقق الشرط؟ ويُجاب: بأن هذا النص يشهد لثبوت مِلكه من حين موت موروثه (٣)، وإنما خروجه حيًّا يتبين به ذلك، فإذا حكمنا له بالمِلك ظاهرًا، جاز التصرُّف فيه بالنفقة الواجبة عليه وعلى من تلزمه نفقته، لا سيما والنفقة على أمه يعود نفعها إليه، كما يُتصرَّف في مال المفقود.
(ولا) نفقة (لأمِّ ولدٍ حامل، وينفق) عليها (من مال حَمْلها،
стр. 6141
نصًّا (١)) كما تقدم (٢)، وفيه ما سبق.
(ولا سُكنى لهما) أي: للمتوفَّى عنها (٣) ولو حاملًا، وأُمّ الولد الحامل (ولا كسوة) لما تقدم في النفقة (٢).
وفي "المغني" في المتوفَّى عنها: إن مات وهي في مسكنه، قدِّمت به، ويُستدل له بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ. . .﴾ الآية (٤) نسخ بعض المدة، وبقي باقيها على الوجوب، ولو لم تجب السُّكنى لفُريعة (٥) لم يكن لها أن تسكن إلا بإذنهم. وجوابه: أن الآية منسوخة، وقصة فُريعة قضية في عين.
(ولا تجب النفقة في النكاح الفاسد) لأن وجود العقد كعدمه (لغير حامل) فإن كانت حاملًا، فالنفقة للحمل.
(ولا) تجب النفقة (لـ) ـــزوجة (ناشز غير حامل) لأن النفقة في نظير تمكينها من الاستمتاع، والناشز غير ممكّنة.
(فإن كان لها) أي: الناشز (ولد، أعطاها نفقةَ ولدها إن كانت هي الحاضنة له أو المرضعة) له؛ لأن نفقته ليست في نظير التمكين بل للقرابة، وهي موجودة مع نشوز أمه (ويعطيها - أيضًا - أجرة رَضاعها إن طالبت بها) وإن كانت في حِباله؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٦).
стр. 6142
والناشز: العاصية لزوجها (فمن امتنعت من فراشه، أو) من (الانتقال معه إلى مسكن مثلها، أو خرجت) من منزله بغير إذنه (أو سافرت، أو انتقلت من منزله بغير إذنه، أو أَبَت السفر معه، إذا لم تشترط بلدها، فهي ناشز) وتقدم بيانه.
فصل
(ويلزَمُه) أي: الزوج (دَفْعُ القُوت) أي: الخبز والأُدم (إلى الزوجة) لا بَدَلُهُ، ولا حَبٌّ إن لم يتراضيا عليه (في صدر كلِّ نهارٍ، وذلك إذا طلعت الشمس) لأنه أول وقت الحاجة (فإن اتفقا) أي: الزوجان (على تأخيره) أي: القوت عن طلوع الشمس (أو) على (تعجيله لمدَّة قليلةٍ أو كثيرة؛ جاز) لأن الحقَّ لهما لا يخرج عنهما، كالدين، وتملكه بقبضه؛ قاله في "الترغيب" (واختار الشيخ (١): لا يلزمه تمليك؛ بل يُنفِقُ ويكسو بحسب العادة. انتهى.
ولو أكلت) الزوجة (مع زوجها عادة؛ سقطت نفقتُها) عملًا بالعُرف.
(وكذا إن كساها) الزوج (بدون إذنها، و) بدون (إذن وليِّها) إن كانت سفيهة، أو مجنونة، أو صغيرة يوطأ مثلها، عملًا بالعادة (ونوى أن يعتدَّ بها) أي: بالنفقة، أو الكسوة، فإن لم ينوِ؛ لم يعتدَّ بها؛ ذكره في "الرعاية" وهو ظاهر كلامه في "المغني". وقال في "الإنصاف": إن لم يتبرَّع سقطت عنه مطلقًا على الصحيح من المذهب؛ صحَّحه في
стр. 6143
"الفروع" وقطع به المصنِّف فيما يأتي قريبًا.
(وإن رضيت) الزوجة (بالحَبِّ لزمه أجرةُ طَحْنِهِ وخَبْزِه) لأنه من مُؤْنته، وكذا ينبغي أن يُقال في نفقة القريب.
(ف إن طلب أحدهما دفع القيمة عن النفقة أو الكسوة؛ لم يلزم الآخرَ) إجابتُه؛ لأنها معاوضة (وتقدم) ذلك (أول الباب (١).
ويلزمه) أي: الزوج (كسوتُها في كل عام مرةً) لأنه العادة (ويلزم الدفع) للكسوة (في أوله) أي: العام (لأنه أولُ وقتِ الوجوب) وقال الحلواني، وابنه، وابن حمدان: في أول الصيف كسوة، وفي أول الشتاء كسوة، ولعله مراد "الواضح" بقوله: كل نصف سنة.
(وتملكها) أي: الكسوة بالقبض (مع نفقة) أي: وتملك النفقة - أيضًا - (بالقبض) كما يملك ربُّ الدَّين دينه بقبضه.
(وغطاء ووِطاء ونحوهما) كستارة (ككسوة) فيجب كل عام، وتملكه بقبضه، واختار ابن نصر الله أنه كماعون الدار بحسب الحاجة.
(ولا تملك) الزوجةُ (المسكنَ، وأوعية الطعام، والماعون، والمشط، ونحو ذلك، لأنه إمتاع؛ قاله في "الرعاية".
وإن أكلت) الزوجة (معه) أي: الزوج (عادة، أو كساها بلا إذن) منها، أو من وليِّها (ولم يتبرَّع؛ سقطت) كما تقدم. (و) إن اختلفا في نية التبرُّع فـ (ــالقول قوله في ذلك) أي: أنه لم ينوِ التبرُّع؛ لأن الأصل عدمه، وهو أدرى بنيته.
(وإذا قبضتها) أي: النفقة، أو الكسوة (فسُرقت، أو تلفت، أو بَليت؛ لم يلزمه عوضُها) لأنها قبضت حقَّها، فلم يلزمه غيره، كالدَّين إذا
стр. 6144
وفَّاها إياه ثم ضاع منها.
لكن لو بليت في الوقت الذي يبلى فيه مثلها؛ لزمه بدلها؛ لأن ذلك من تمام كسوتها، وإن لم يمضِ زمن تَبلى فيه عادة - وإنما بليت قبله لكثرة خروجها ودخولها - فلا، أشبه ما لو أتلفتها.
وإن مضى زمنٌ يَبلى فيه مثلها بالاستعمال ولم تبْلَ فوجهان:
أحدهما: لا يلزمه بدلها؛ لأنها غير محتاجة للكسوة.
والثاني: بلى؛ لأن الاعتبار بمضيّ الزمان دون حقيقة الحاجة؛ ذكره في "المبدع".
(وإذا انقضت السنة وهي) أي: الكسوة (صحيحة، فعليه كسوة السَّنة الأخرى) لأن الاعتبار بمضيّ الزمان دون بقائها، بدليل ما لو تلفت.
(وإن مات) الزوج قبل مضيّ السنة (أو ماتت، أو بانت قبل مضي السنة) رجع بقسطه (أو تسلَّفت) أي: تعجَّلت (النفقة أو الكسوة، فحصل ذلك) أي: مات، أو ماتت، أو بانت (قبل مضيّها) أي: مضيّ المدة التي تسلَّفتْ نفقتها، أو كسوتها (رجع بقسطه) لتبيّن عدم وجوبه عليه.
(لكن لا يرجع) من عجَّل نفقةً ثم سقطت (ببقية يوم الفُرقة إلا على ناشز) لأنه يمكنها ألا تعطيه شيئًا، بأن ترجع إلى الطاعة. قال في "شرح المنتهى": والأظهر أنه إن أعادها (١) في ذلك اليوم لم تلزمه ثانيًا.
(وإذا قبضت) الزوجة (النفقةَ) أو الكسوةَ (فلها التصرُّفُ فيها على وجه لا يضرّ بها، ولا يَنْهَكُ) - بفتح الهاء - أي: يجهد (بدنَها) لأنها ملكتها بالقبض (فيجوز لها بيعُها، وهبتُها، والصدقةُ بها، وغير ذلك،
стр. 6145
فإن عاد) التصرف (عليها بضررٍ في بدنها، أو نقص في استمتاعها؛ لم تملكه) لأنه يفوت حقّه بذلك (وإذا دفع إليها الكسوةَ، فأرادت بيعَها، أو الصدقة بها، وكان ذلك يضرّ بها، أو يُخِلُّ بتجمّلها بها، أو) يخلّ (بسترها (١)؛ لم تملك ذلك) لما فيه من تفويت حق الزوج أو حق الله.
(ولو أهدى لها كسوة لم تَسقُطْ كسوتُها) كما لو أهدى المدين لربِّ الدَّين شيئًا لم يسقط دَينُه به.
(ولو أُهدي لها طعامٌ فأكَلَتْهُ، وبقِيَ قوتُها إلى الغَدِ لم يسقط قُوتُها فيه) أي: في الغد؛ لأن الاعتبار بمضيّ الزمان لا بحقيقة الحاجة، كما تقدم، بخلاف نفقة القريب؛ لأنها إمتاع بحسب الحاجة.
(وإن غاب) الزوج (مدةً ولم يُنفِقْ، فعليه نفقةُ ما مضى، سواء تَرَكها) أي: النفقة (لعُذْرٍ أو غيره، فَرَضَها حاكمٌ، أو لم يفرضْها) حاكم؛ لما روى الشافعي بسنده عن ابن عمر: "أنَّ عمرَ كتب إلى أمراءِ الأجنادِ في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن يأخذوهم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا، فإن طَلَّقوا بعثوا بنفقة ما مضى" ورواه البيهقي (٢)
стр. 6146
أيضًا (١).
قال ابن المنذر (٢): هذه نفقة وجبت بالكتاب، والسنة، والإجماع، ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها. والكسوة والسكنى كالنفقة؛ ذكره في "الرعاية الكبرى".
(وإذا أنفقت) الزوجة (في غيبته من ماله، فبان) الزوج (ميتًا؛ رجع عليها الوارث) بما أنفقته منذ مات؛ لأن وجوب النفقة ارتفع بموت الزوج، فلا تستحق ما قبضته من النفقة بعد موته؛ قال أبو العباس (٣): وعلى قياسه: كلُّ من أُبيح له شيء وزالت الإباحة بفعل الله أو بفعل المبيح، كالمُعير إذا مات أو رجع، والمانح، وأهل الموقوف عليه.
(وإن فارقها) الزوج بائنًا (في غيبته فأنفقت ماله؛ رجع) الزوج (عليها بما بعد الفُرقة) البائنة؛ لما سبق (وتقدم (٤) معناه في العِدَدِ في امرأة المفقود إذا أنفقت) من ماله ثم ظهر أنه كان مات أو طلق. انتهى.
فصل
(وإذا بذلت) الزوجة (تسليمَ نفسِها البذلَ التامَّ) بألا تسلِّم في مكان دون آخر، أو بلد دون آخر، بل بذلت نفسها حيث شاء، مما يليق بها (وهي ممن يوطأ مثلها) كذا أطلقه المصنف هنا تبعًا للخرقي، وأبي الخطاب، وابن عقيل، والموفق، والشيرازي. وأناط القاضي ذلك بابنة
стр. 6147
تسع سنين، وتبعه في "المحرر" و"الوجيز"، وهو مقتضى نصِّ أحمد في رواية صالح (١) وعبد الله (٢)، وسئل: متى تؤخذ من الرجل نفقة الصغيرة؟ فقال: إذا كان مثلها يوطأ كبنت تسع سنين. ويمكن حمل الإطلاق على هذا؛ لقول عائشة: "إذا بلغت الجاريةُ تسعًا فهي امرأةٌ" (٣).
(أو بذله) أي: التسليم (وليُّها، أو تَسلَّم من يلزمه تسلُّمها) وهي التي يوطأ مثلها (لزمته النفقةُ والكسوةُ، كبيرًا كان الزوج أو صغيرًا) وسواء كان (يمكنه الوطء أو لا يُمكنه، كالعِنِّين، والمجبوب، والمريض) لأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع، وقد أمكنته من ذلك، كالمؤجِر إذا سلَّم المؤجرة أو بذله.
وعُلم منه: أن النفقة لا تجب بالعقد ولو تساكنا طويلًا - ويأتي - ما لم تبذل أو تسلم؛ فتجب (حتى ولو تعذَّر وطؤها لمرضـ) ـها (أو حيض، أو نفاس، أو رَتْق، أو قَرْن، أو لكونها نِضْوة الخَلْق) أي: هزيلة (أو حدث بها شيء من ذلك) أي: المرض، أو الحيض، أو النفاس، أو الرَّتق ونحوه (عنده) أي: الزوج؛ لأن الاستمتاع ممكن ولا تفريط من جهتها.
ولو بذلت الصحيحة الاستمتاع بما دون الفرج لم تجب نفقتها (لكن لو امتنعت من التسليم) وهي صحيحة (ثم حَدَثَ لها مرض فبذلته) أي: التسليم (فلا نفقة) لها ما دامت مريضة، عقوبة عليها بمنعها نفسها في حالة يتمكن من الاستمتاع بها فيها وبذلها (٤) في ضدها.
стр. 6148
(وتقدّم أول عشرة النساء (١): إذا ادَّعت عَبالة ذَكَره) وعِظَمَه، أي: أنه يجوز أن تنظر المرأة إليهما حال اجتماعهما؛ لأنه موضع حاجة، وكذا لو ادَّعت أن عليها ضررًا في وطئه، لضيق فرجها، أو قروح به، قُبِلَ بامرأة ثقة.
(فإن كان الزوج صغيرًا) فالنفقة عليه كالكبير؛ لأن الاستمتاع بها ممكن، وإنما تعذَّر بسبب من جهة الزوج، أشبه الكبير إذا هرب، و (أُجبِر وليُّه على نفقتها من مال الصبي) لأنها عليه، والولي ينوب عنه في أداء الواجبات، كالزكاة، وكذا السفيه والمجنون.
(وإن كانت) الزوجة (صغيرةً لا يُمْكِنُ وطؤها، وزوجها طفلٌ أو بالغ، لم تجب نفقتها ولو مع تسليم نفسها) أو تسليم وليِّها لها؛ لأنها ليست محلًّا للاستمتاع بها، فلا أثر لتسليمها.
قلت: لو زوَّج الوليُّ الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، وأراد تسليمها مضارَّة لإسقاط حق الحضانة؛ لم يملك ذلك، كما لو أراد السفر بقصد المضارّة، على ما يأتي في الحضانة.
(وإن بذلت) زوجةٌ، أو بذل وَليُّها (تسليمَ نفسها، والزوجُ غائب، لم يُفرض لها) النفقة (حتى يُرَاسله حاكمُ الشرع) لأنها بذلت في حالٍ لا يمكنه التسلّم فيه (فيكتب) القاضي (إلى حاكم البلد الذي هو) أي: الزوج (فيه ليستدعيه ويُعْلمه ذلك) أي: أن زوجته بذلت تسليم نفسها (فإن سار) الزوج (إليها، أو وكَّل من يتسلمها) له ممن يحلّ له ذلك، كمَحْرَمها (فوصل فتسلَّمها هو) أي: الزوج (أو نائبه؛ وجبت النفقة) حينئذ؛ لأن البذل قبل ذلك وجودُه كعدمه.
стр. 6149
(فإن لم يفعل) الزوج؛ أي: لم يحضر أو يوكِّل من يتسلمها (فرض الحاكم عليه نفقتها من الوقت الذي كان يُمْكِن) الزوج أو نائبه فيه (الوصول إليها وتسلّمها) لأنه امتنع من تسلّمها مع إمكانه، وبذلها له، فلزمته نفقتها، كما لو كان حاضرًا.
(وإن غاب) الزوج (بعد تمكينها) من نفسها (فالنفقة واجبة عليه في غيبته) سواء تسلمها أو لا، إذ المانع منه.
(وإن منعت) الزوجةُ (تسليمَ نفسها) فلا نفقة لها (أو مَنَعَها) أي: الزوجة (أهلُها) من أن تسلّم نفسها؛ فلا نفقة لها (أو تساكتا) أي: الزوجان (بعد العقد، فلم تبذل) الزوجةُ نفسَها (ولم يطلب) الزوجُ زوجتَه (فلا نفقة لها، وإن طال مقامها على ذلك) لأن البذل شرط لوجوب النفقة ولم يوجد.
(وإن بذلت) نفسها (تسليمًا غير تام، كتسليمها في منزلها دون غيره) من المنازل (أو) تسليمها (في المنزل الفلاني دون غيره، أو) تسليمها (في بلدها) أو بلد كذا (دون غيره؛ لم تستحقّ شيئًا إلا أن تكون قد اشترطت ذلك في العقد) لأن هذا التسليم كعدمه.
(وإن منعت نفسها قبل الدخول حتى تقبض صداقها الحالَّ؛ فلها ذلك) لأن تسليمها قبل تسليم صداقها يُفضي إلى تسليم منفعتها المعقود عليها بالوطء ثم لا تُسلَّم صداقها، فلا يُمكنها الرجوع فيما استوفي منها، بخلاف المبيع إذا تسلّمه المشتري ثم أعسر بثمنه فإنه يمكنه الرجوع فيه. (ووجبت نفقتها) لأنها فعلت ما لها أن تفعله، ولو منعت نفسها لمرض لم يكن لها نفقة، والفرق بينهما: أن امتناعها لقبض صداقها امتناعٌ من جهة الزوج، فهو يشبه تعذُّر الاستمتاع لصِغَرِ الزوج، بخلاف الامتناع
стр. 6150
لمَرَضها؛ لأنه امتناع من جهتها، فهو يُشبه تعذُّر الاستمتاع لصغرها.
(وليس لها مَنْعُ نفسها بعد الدخول حتى تقبضه) أي: حالَّ الصداق، كما لو سلّم المبيعَ ثم أراد منعه منه (ولا) لها أن تمنع نفسها (قبلَه) أي: قبل الدخول (حتى تقبض) الصداق (المؤجَّل) لأن قبضه ليس بمستحقّ، فيكون منعها منعًا للتسليم الموجب للنفقة، فلم تجب حتى (ولو حلَّ قبل الدخول) ليس لها منع نفسها؛ لأنها أدخلت الضررَ على نفسها حيث رضيتْ بتأخيره.
(فإن فعلت) أي: منعتْ نفسها حيث قلنا: ليس لها منعها (فلا نفقة لها) لعدم التمكين بلا عُذر من قِبَلِه.
(وإن سلَّم) الزوجةَ (الأَمَةَ) لزوجها (سيِّدُها ليلًا ونهارًا؛ فكَحُرَّةٍ في وجوب النفقة) على زوجها (١) (ولو أبى الزوجُ) لأن سيدها مَكَّن منها، فأشبهت الحرة (وتقدم معناه في عشرة النساء (٢).
وإن كانت) الأَمَة المزوّجة (عنده) أي: الزوج (ليلًا فقط، فعليه نفقة الليل من العَشاء وتوابعه، كالوطاء (٣)، والغطاء، ودهن المصباح ونحوه) كإزار النوم (ونفقةُ النهار على سيدها) لأنها مملوكته، فلم تجب نفقتها على غيره في هذا الزمن، بخلاف نفقة الليل؛ لأنه وُجِد في حَقِّه التمكين ليلًا، فوجبت نفقته عليه.
(ولو سَلَّمها السيدُ) للزوج (نهارًا فقط؛ لم يكن له ذلك) لعدم حصول الغرض؛ إذ النهار محلُّ المعاش، والليل محلّ السكن. قلت:
стр. 6151
إلا مَنْ معيشته بليل، كأن يكون حارسًا.
(وعلى المكاتَب نفقة زوجته) حُرَّة كانت أو أَمَة؛ لأنه يملك كسْبه، أشبه الحر.
(ونفقة امرأة العبد القِنِّ) أو المُدبَّر (على سيده) لأنه أذن في النكاح المفضي إلى إيجابها، كما لو أذنه في الاستدانة (فإن كان بعضه) أي: الزوج (حرًّا، فعليه من نفقتها) أي: الزوجة (بقَدْر ما فيه من الحرية، وباقيها على سيده) كنفقته.
فصل
(وإذا نَشَزت المرأة) فلا نفقة لها؛ لأنها في مقابلة التمكين وقد زال، بخلاف المهر، فإنه وجب بالعقد (أو سافرت) بغير إذنه؛ فلا نفقةَ لها؛ لأنها ناشز (أو انتقلت من منزله) بغير إذنه؛ فلا نفقة لها؛ لنشوزها (وإن) أي: ولو (كان) خروجها من منزله (في غَيبته بغير إذنه) فلا نفقة؛ لما تقدم (أو تطوَّعت بحج، أو) تطوعت بـ (ــصوم منعتْهُ فيه نفسَها، أو أحرمت بحجٍّ منذور في الذمة) فلا نفقة لها؛ لأنها في معنى المسافِرة؛ ولما فيه من تفويت الاستمتاع الواجب للزوج.
فإن أحرمت بإذنه، فقال القاضي: لها النفقة. والصحيح: أنها كالمسافِرَة؛ لأنها بإحرامها مانعة له من التمكين؛ قاله في "المبدع".
(أو لم تُمكّنه من الوطء، أو مَكَّنته منه) أي: الوطء (دون بقية الاستمتاع) كالقُبلة والمباشرة (أو لم تَبِتْ معه في فراشه) فلا نفقة لها؛ لأنها لم تُسلِّم نفسَها التسليم التام (أو لزمتها عِدّة من غيره) بأن وُطئت بشبهة إن طاوعت - لا إن كانت مُكرَهة أو نائمة - (فلا نفقةَ لها) لأنها ناشز.
стр. 6152
(وسواء فيه) أي: فيما تقدم ذِكْره (البالغةُ، والمراهقةُ، والعاقلةُ، والمجنونةُ، قَدَرَ الزوجُ على ردها إلى الطاعة أم لا) لأن النفقة في مقابلة التمكين، فحيث لم يوجد سقطت.
(فإن أطاعت الناشزُ في غيبته) أي: الزوج (لم تَعُدْ نفقتُها حتى يعود التسليمُ بحضوره) أي: الزوج (أو حضور وكيلِه) إذ لا يتصور التسليم في غيبتها (فإن لم يحضر) الزوج ولا وكيله (ورُوسِلَ) أي: راسله الحاكم، بأن كتب إلى قاضي بلده، يُعلمه بطاعتها (فَعَلِم بذلك، ومضى زمنٌ يَقدَم في مثله؛ لزمته) النفقة، كما تقدم (١) في مَن بذلت نفسها ابتداء.
(وله) أي: الزوج (تفطيرها في صوم التطوع، ووطؤها فيه) لأن حقه واجب، وهو مقدَّم على التطوع (فإن امتنعت) الصائمة تطوّعًا من تمكين زوجها عن وطئها (فناشز) لا نفقة لها؛ لمعصيتها إياه فيما وجب عليها.
(وبمجرَّد إسلام مرتدة) في غيبته بعد الدخول في العِدَّة، تعود نفقتها.
(و) بمجرَّد إسلام (متخلفة عن الإسلام في غيبته) أي: الزوج (لزمته النفقة) لأن الردة وتخلّفها عن الإسلام أسقط النفقة؛ لحصول الفرقة بهما (٢)، كسقوطها بالطلاق، فإذا رجعت عن ذلك؛ عاد النكاح إلى حاله، فعادت النفقة.
بخلاف الناشز، فإن سقوط نفقتها بخروجها عن يده، أو منعها له من التمكين المستحق عليها، ولا يعود ذلك إلا بعودها إلى يده،
стр. 6153
وتمكنه (١) منها، ولا يحصُل ذلك في غيبته، ولذلك لو بذلت تسليم نفسها قبل دخوله بها وهو غائب؛ لم تستحق النفقة بمجرد البذل.
(وتُشطر) النفقة (لناشز ليلًا فقط) بأن تطيعه نهارًا وتمنعه ليلًا (أو) ناشز (نهارًا فقط) بأن تطيعه ليلًا وتمتنع منه نهارًا، أي: تعطى نصف النفقة في الصورتين، و (لا) تعطى من النفقة (بقدر الأزمنة) لعسر التقدير بالأزمنة (وتُشطَرُ لها) النفقة - أيضًا - إذا نَشَزت (بعضَ يوم) أو بعض ليلة، كما في "المنتهى"؛ لما تقدم.
(ولو صامت لكفَّارة) بلا إذنه؛ فلا نفقة لها (أو) صامت لـ (ــنذر، أو قضاء رمضان، ووقتُه مُتَّسع فيهما) أي: في النذر وقضاء رمضان (بلا إذنه) فلا نفقة لها؛ لأنها منعت نفسها عنه بسبب لا من جهته (أو سافرت لتغريبٍ) بأن زنت، فَغُرِّبت (أو حُبِست ولو ظلمًا؛ فلا نفقة لها) زمن لتغريبها، أو حبسها؛ لفوات التمكين المقابل للنفقة (وله) أي: الزوج (البيتوتة معها في حَبْسها) لأن حقه ثابت في البيتوتة معها، فلا يسقط بحبسها.
(وإن حبسته) أي: الزوج (على صَدَاقها أو غيره من حقوقها وهو معسِرٌ، كانت ظالمة له، مانعة له من التمكين منها، فلا نفقة لها مدة حَبْسه) لأن المانع من جهتها.
(وإن كان) الزوج (قادرًا على أدائه) أي: أداء ما حبسته عليه من حقوقها (فمنعه بعد الطلب، فلها النفقة مدة حبسه إذا كانت باذلة للتمكين؛ قاله الشيخ (٢)) لأن المنع منه لا منها.
стр. 6154
(وإن سافرت) الزوجة (بإذنه) أي: الزوج (في حاجته) فلها النفقة؛ لأنها سافرت في شُغله ومُرَاده (أو أحرمت بحَجَّة الإسلامِ أو عُمرته) فلها النفقة، أو أحرمت بمكتوبة في وقتها، فلها النفقة؛ لأنها فعلت الواجب عليها بأصل الشرع، فكان كصيام رمضان، وكذا سُنن المكتوبة، لأنها تابعة لها (١) (أو طَرَدها) الزوج (وأخرجها من منزله، فلها النفقةُ) لوجود التمكين منها، وإنما المانع منه، ومحلّ وجوب النفقة فيما إذا أحرمت بحَجَّة الإسلام أو عُمرته (إن أحرمتْ في الوقت) أي: أشهر الحج (من الميقات) فإن قدَّمت الإحرام على الميقات، أو قبل الوقت، فكالمُحْرِمة بتطوُّع، فتسقط نفقتُها مدَّة التقديم.
(وإن سافرت) الزوجةُ (في حاجة نفسِها ولو لنُزْهة، أو تجارة، أو زيارة) رَحِمٍ، أو غيره (أو حج تطوُّع) أو عمرة تطوُّع (ولو بإذنه؛ فلا نفقة لها) لأنها فَوَّتت التمكين لأجل نفسها (إلا أن يكون مسافرًا معها، متمكِّنًا من استمتاعها؛ فلا تسقط) نفقتُها؛ لأنها في قبضته. قال في "المبدع": والصحيح أنه لا نفقة لها هنا - يعني إذا سافرت لحاجتها - بحال، وعزى الأول للقاضي.
(وإن أحرمت) الزوجة (بمنذور معيَّنٍ في وقته، أو صامَتْ نذرًا معيَّنًا في وقته، ولو كان النذر بإذنه، أو كان نذرها قبل النكاح) وصامَتْهُ (في وقته؛ فلا نفقة لها) لأنها فوَّتت على زوجها حقّه من الاستمتاع باختيارها؛ ولأن النذر صدر من جهتها، بخلاف حَجَّة الإسلام، فإنها واجبة بأصل الشرع.
(وإن اختلفا) أي: الزوجان (في نشوزها بعد الاعتراف بالتسليم،
стр. 6155
أو) اختلفا في (الإنفاق عليها، أو) في (تسليم النفقة إليها) فـ) ــالقول (قولها) لأن الأصل عدم ذلك، واختار الشيخ تقي الدين (١) وابن القيم (٢)، في النفقة، قول من يشهدُ له العُرف؛ لأنه تعارض الأصل والظاهر، والغالب أنها تكون راضية، وإنما تطالبه عند الشقاق.
(وإن ادعت) الزوجة (يسارَه) أي: الزوج (ليفرض) الحاكم (لها نفقةَ الموسرين، أو قالت) لزوجها: (كنتَ موسِرًا) فيلزمك لما مضى نفقة الموسرين (فأنكر) الزوجُ اليسارَ (فإن عُرِفَ له مال؛ فقولها) لأن الأصل بقاؤه (وإلا) أي: وإن لم يُعرف له مال، ولم يكن أقرَّ بالملاءة (فقوله) لأنه منكِرٌ، والأصل عدمُه.
(وإن اختلفا) أي: الزوجان (في بذل (٣) التسليم) بأن ادعت أنها بذلت التسليم، وأنكر؛ فقوله؛ لأن الأصل عدمه (أو) اختلفا في (وقته) بأن قالت: بذلتُ التسليم من سَنَة، فقال: بل من شهر؛ فقوله (أو) اختلفا (في فرض الحاكم النفقة، أو) اختلفا (في وقتها، فقال) الزوج: (فَرَضَها) الحاكم (منذ شهر، وقالت) الزوجة: (بل منذ عام؛ فقوله) لأنه منكِرٌ للزائد، والأصل براءته منه.
(وكلُّ من قلنا: القول قوله، فلخَصْمِه عليه اليمين) لاحتمال صدق خصمه.
(وإن دفع) الزوج (إليها) أي: الزوجة (نفقة وكسوة، أو بعث بذلك إليها، فقالت) للزوج: (إنما فعَلْتَه تبرُّعًا وهبة، فقال) الزوج: (بل وفاء
стр. 6156
للواجب) عليَّ (فقوله) لأن الاختلاف في نيته، وهو أدرى بها (كما لو قضى دينه واختلف هو وغريمه في نيته) فإن القول قول المدين.
(وإن دفع) الزوج (إليها شيئًا زائدًا عن (١) الكسوة، مثل مَصاغ وقلائد، وما أشبه ذلك، على وجه التمليك؛ فقد ملكتْه) بقبضه كسائر الهبات (وليس له إذا طَلَّقها أن يطالبها به) للزوم الهبة بالقبض.
(وإن كان) الزوج (قد أعطاها) ذلك (لتتجمَّل به، كما يُركِبُها دابته، ويُخدِمُها غلامَه، ونحو ذلك، لا على وجه التمليك المعيَّن؛ فهو باقٍ على مِلكه) لأنه لم يخرج عنه بشيء يقتضيه (فله أن يرجع فيه متى شاء، سواء طلَّقها، أو لم يطلِّقها) لأنه ملكه.
(وإن طلَّقها) الزوج (وكانت حاملًا، فوضعت، فقال: طَلَّقتُكِ حاملًا، فانقضت عدَّتك بوضع الحمل، وانقضت نفقتُكِ، و) انقضت (رجعتُكِ، فقالت: بل) طَلَّقتني (بعد الوضع، فلي النفقةُ، ولك الرجعةُ، فـ) ــالقول (قولها) في بقاء النفقة استصحابًا (٢) (وعليها العِدَّة) مؤاخذةً لها بإقرارها (ولا رجعة له) عليها؛ لإقراره بسقوطها.
(وإن رجع) المطلِّق (فَصَدَّقها) أنه طَلَّقها بعد الوضع (فله الرجعة) ما دامت في العِدَّة.
(ولو قال) الزوج: (طَلَّقتُكِ بعد الوضع، فلي الرجعةُ، ولك النفقةُ، فقالت: بل) طَلَّقْتني (وأنا حامل) فلا رجعة لك، ولا نفقة لي فـ) ــالقول (قولها) في سقوط النفقة؛ لاعترافها على نفسها. قال في "المنتهى" في العِدد: ويُقبل قول زوج أنه لم يُطَلِّق إلا بعد حيض أو ولادة
стр. 6157
أو وقت كذا (فإن عاد) الزوج (فصدَّقها سقطت رجعتُه) لاعترافه بانقضاء عِدَّتها بالوضع المتأخِّر عن الطلاق (ووجبت لها النفقة) لاعترافه ببقائها (١) في العِدَّة (هذا) أي: قَبول قوله فيما سبق (في الحكم الظاهر، و) أما (فيما بينه وبين الله تعالى، فيَبني على ما يَعْلَمُ من حقيقة الأمر، دون ما قاله) فإن الحكم لا يزيل الشيء عن صفته الباطنة.
فصل
(وإن أعسر الزوجُ بنفقتها) الواجبة (أو) أعسر الزوج (ببعضها) أي: بعض النفقة، بأن أعسر (عن نفقة المُعسِر) فلها الفسخ، و (لا) تفسخ إذا أعسر (بما زاد عنها) أي: عن نفقة المعسر؛ لأن الزيادة تسقط بإعساره (أو أعسر) الزوج (بالكسوة أو ببعضها، أو) أعسر (بالسكنى، أو) أعسر بـ (ــالمهر بشرطه) السابق - (وتقدم (٢)) في آخر الصداق - (خُيِّرت على التراخي بين الفسخ من غير إنظار) أي: تأجيل ثلاثًا، خلافًا لابن البناء (وبين المُقام) معه على النكاح. وهذا قول عمر، وعلي، وأبي هريرة (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤) وليس الإمساك مع ترك الإنفاق إمساكًا بمعروف، فتعين التسريح. وقال ﷺ : "امرأتُك تقولُ: أطعمني وإلا فارِقْني" رواه أحمد والدارقطني والبيهقي بإسناد
стр. 6158
صحيح (١)، ورواه الشيخان من قول أبي هريرة (٢). وروى الشافعي وسعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، قال: "سألتُ سعيدَ بنِ المسيبِ عن الرجل لا يجدُ ما ينفقُ على امرأته؟ قال: يُفرَّق بينَهما. قال أبو الزِّناد لسعيدٍ: سُنَّة؟ قال سَعيدٌ: سُنَّة" (٣).
ولأن هذا أولى بالفسخِ من العجز بالوطء، وكان على التراخي؛ لأنه كخيار العيب.
стр. 6159
(و) إذا اختارت المُقام فلها (تمكينه، وتكون النفقة - أي: نفقة الفقير - والكسوة والمسكن، دَيْنًا في ذِمَّته ما لم تمنع نفسها) لأن ذلك واجب على الزوج، فإذا رضيت بتأخير حَقِّها، فهو في ذِمَّته، كما لو رضيت بتأخير مهرها (ولها المُقام) على النكاح (ومنعُه من نفسها، فلا يلزمها تمكينه) من الوطء (ولا الإقامة في منزله، وعليه ألا يحبسها، بل يدعها تكتسب ولو كانت موسرة) لأنه لم يُسلِّم إليها عوض الاستمتاع.
(فإن اختارت المُقام) ثم اختارت الفسخ، فلها ذلك (أو رضيت بِعُسرته) ثم اختارت الفسخ، فلها ذلك (أو تزوَّجته عالمةً به) أي: بأنه مُعسِر - وفي نسخ: "بها" أي: بعسرته بالنفقة - ثم اختارت الفسخ، فلها ذلك (أو) تزوجته معسِرًا، و (١) (شَرَطَ ألا ينفق عليها، أو أسقطت النفقة المستقبَلة، ثم بدا لها الفسخ، فلها ذلك) لأن النفقة يتجدَّد وجوبها كل يوم، فيتجدَّد لها الفسخ كذلك، ولا يصح إسقاط نفقتها فيما لا يجب لها، كالشفيع يُسْقِطُ شُفعته قبل البيع، وكما لو أسقطت المهر أو النفقة قبل النكاح.
(ومن لم يجد إلا قوتَ يومٍ بيوم، فليس بمعسِرٍ بالنفقة؛ لأن ذلك هو الواجب عليه) وهو قادر عليه.
(وإن كان) الزوج (يجد في أول النهار ما يُغَدِّيها، و) يجد (في آخره ما يُعَشِّيها، فلا خيار لها) لأنه لا ضرر عليها، والكفاية موجودة.
(وإن كان) الزوج (صانعًا، يعمل في الأسبوع ما يبيعه في يوم بقَدْرِ
стр. 6160
كفايتها في الأسبوع) فلا فسخ لها؛ لحصول الكفاية من غير ضرر يلحقها.
(أو تعذَّر عليه) أي: الزوج (الكسب في بعض زمانه) في أيام يسيرة (أو تعذَّر) عليه (البيع) فلا فسخ؛ لأنه يمكنه الاقتراض.
(أو مرض مرضًا يُرجى برؤه في أيام يسيرة، أو عَجَز عن الاقتراض أيامًا يسيرة) فلا فسخ لها؛ لأن ذلك يزول عن قريب، ولا يكاد يَسْلَمُ منه كثير من الناس.
(أو اقترض ما يُنفقه عليها) فلا فسخ لها؛ لأنه لا ضرر عليها.
(أو تبرَّع له إنسان بما يُنفقه) عليها، بأن ملكه له، ثم أنفقه هو عليها (فلا فسخ) لأن المنة عليه لا عليها.
(وإن كان المرض يطول) وتعذَّر معه الإنفاق، فلها الفسخ (أو كان) الزوج (لا يجد من النفقة إلا يومًا دون يوم، فلها الفسخ) لما يلحقُها من الضرر الغالب بذلك؛ لأن البدن لا يقوم بدون كفايته.
(وإذا أعسر بنفقتها، فبذلها غيره؛ لم تُجبر) على قَبولها من غيره، لما يلحقها من المِنَّة (إلا (١) إن مَلَّكَها الزوجَ) ثم دفعها الزوجُ لها (أو دفعها) إليها (وكيله) فإنها تُجبر على القَبول منه؛ لأن المِنَّة إذًا على الزوج دونها.
(وكذا من أراد قضاء دَيْنٍ عن غيره، فلم يقبل ربُّه) أي: الدَّين، فلا يُجبر على القَبول من المتبرع. وإن تبرَّع به للمدين، ثم دفعه المدين أو وكيله لربِّ الدين؛ أُجبر (وتقدَّم في السَّلَم (٢).
стр. 6161
وإن أتاها) الزوج (بنفقةٍ حرام، لم يلزمها قَبولها) بل لم يجز لها تناولها (وتقدم) ذلك (في المُكاتَب (١).
ويُجبر قادر على التكسُّب) ليؤدِّي ما وجب عليه من نفقة زوجته.
(وإن أعسر) الزوج (بنفقة الخادم) فلا فسخ؛ لأنه يمكنها (٢) الصبر عنها (أو) أعسر بـ (ــالنفقة الماضية) فلا فسخ، كالصَّداق إذا أعسر به بعد الدخول (أو) أعسر بـ (ــالنفقة الموسر، أو المتوسط، أو) أعسر بـ (ــالأُدم؛ فلا فسخ) لأن ذلك يمكنها الصبر عنه (وتبقى النفقة) أي: نفقة الخادم، والنفقة الماضية (و) يبقى (الأُدم) دينًا (في ذمته) لأنها نفقة تجب على سبيل العِوض، فتثبت في الذِّمة، كالنفقة الواجبة للمرأة (٣)، وهذا فيما عدا الزائد على نفقة المعسِر، فإن ذلك يسقط بالإعسار؛ قاله في "المبدع" ولعله على قول القاضي، كما يدلُّ عليه كلامه بعد، وأما على ما قَدَّمه الموفَّق وغيره، وجزم به في "المنتهى" فلا.
(ومن كان له دَيْن يتمكَّن من استيفائه) والإنفاق منه (فَكَمُوسِر) ليس لزوجته الفسخ؛ لأنه قادر على الإنفاق (وإن لم يتمكَّن) من استيفاء دينه لجحد أو مَطْل ونحوهما (فَكَمُعْسرٍ) لزوجته الفسخ على ما تقدم.
(وإن كان له) أي: الزوج (عليها) أي: الزوجة (دَيْن، فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان النفقة، فله ذلك إن كانت موسِرة) بالدين؛ لوجوبه عليها إذًا (وإلا) أي: وإن لم تكن موسرة (فلا) يحتسب عليها بدينه من نفقتها؛ لأن قضاء الدين إنما يكون بما فضل عن الكفاية.
стр. 6162
(وإن أعسر زوج الأَمَة، فرضيت، أو زوج الصغير، أو) زوج (المجنونة، لم يكن لوليهنَّ الفسخ) لأن النفقة حقٌّ لهنَّ، فلم يملك الوليُّ الفسخ، كالفسخ للعيب. وقال القاضي: لسيدها الفسخ. فإن أنفق عليها سيدها محتسِبًا بالرجوع، رجع على الزوج، رضيت أو كرهت.
فصل
(وإن منع زوجٌ موسِرٌ، أو) منع (سيدُه إن كان) الزوج (عبدًا، نفقة أو كسوة، أو بعضهما، وقَدَرَتْ له على مال، ولو من غير جنس الواجب؛ أخذت) الزوجة (منه) أي: من مال زوجها، أو مال سيده (كفايتها، وكفاية ولدها الصغير، عُرفًا، ونحوه) كالولد المجنون، والخادم (بالمعروف بغير إذنه) لقول النبي ﷺ لهند بنت عتبة - حين قالت له: إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، وليس يُعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي -: "خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروفِ" متفق عليه من حديث عائشة، واللفظ للبخاري (١).
فإنَّ ظاهر الحديث دَلَّ على أنه كان يعطيها بعضَ الكفاية، ولا يتمها لها، فرخَّص النبي ﷺ لها في أخذ تمام الكفاية بغير علمه، فإنه موضع حاجة، فإن النفقة لا غِنى عنها، ولا قوام إلا بها، ولأنها تتجدَّد بتجدُّد الزمان شيئًا فشيئًا، فتشق المرافعة بها إلى الحاكم، والمطالبة بها في كلِّ يوم، وحديث: "أدِّ الأمانةَ. . ." إلخ (٢) مخصوص بحديث هند؛ لأنه خاص بالنفقة.
стр. 6163
(وإن لم تَقْدِرْ) على أخذ كفايتها وكفاية ولدها، من ماله (أجبره الحاكم) إذا رفعت أمرها إليه، على كفايتها وكفاية ولدها ونحوه بالمعروف؛ لأن ذلك واجب عليه.
(فإن أبى) الزوج ذلك (حَبَسَه) لأن الحاكم وُضِعَ لفصل الخصومات، والحبس طريق إلى الفصل، فتعيَّن فعله.
(فإن صَبَرَ) الزوج (على الحبس، وقَدَرَ الحاكم على ماله؛ أنفق منه) عليها وعلى من وجبت له النفقة؛ لأنها حقٌّ واجب عليه، فإذا امتنع من أدائه، وجب الدفع إلى مستحقِّه من مال خصمه، كالدَّين بل أولى؛ لأنها آكد من الدين، بدليل جواز الأخذ بغير إذن المالك.
(فإن لم يقدِر) الحاكم (له على مال يأخده، أو لم يقدِر) الحاكم (على النفقة من مال الغائب، ولم يجد) الحاكم (إلا عُروضًا أو عقارًا؛ باعه وأنفق منه، فيدفع) الحاكم (إليها نفقة يوم بيوم) كالنقدين (١).
(فإن تعذر ذلك) الإنفاق عليها، بأن لم يكن نقدٌ ولا عرضٌ ولا عقارٌ (فلها الفسخ) لتعذُّر الإنفاق عليها من ماله، كحال الإعسار، بل هذا أولى بالفسخ.
ولو فسخ الحاكمُ نكاحَ الزوجة، لفَقْدِ مال - لزوجها (٢) الغائب - ينفق منه، ثم تبيَّن له مال؛ قال ابن نصر الله في حواشي "القواعد الفقهية": الظاهر صحة الفسخ وعدم نقضه؛ لأن نفقتها إنما تتعلَّق بما يقدر عليه من مال زوجها، وأما ما كان غائبًا عنها لا عِلم لها به، فلا تُكَلَّف الصبر لاحتماله، ولا تشبه مسألة المتيمم إذا نسي الماء في
стр. 6164
رَحْلِهِ؛ لأن الماء في قبضته ويده، ونسيانه لا يخلو من تقصير وتفريط، بخلاف هذه. قال: ولم أجد في المسألة نقلًا.
(ونفقة الزوجات والأقارب والرَّقيق والبهائم، إذا امتنع مَن وجبت عليه النفقة) قلت: أو تعذَّر استئذانه، كما تقدم في الرهن (١) (فأنفق عليها غيرُه بنية الرجوع؛ فله الرجوع) لأنه قام عنه بواجب، أشبه قضاءَ الدَّين (ويأتي) ذلك (في الباب بعدَه) وحكم وكيله حكمه في المطالبة والأخذ من المال عند امتناعه؛ قاله في "المبدع".
(وإن كان الزوجُ غائبًا، ولم يترك لها) أي: الزوجة (نفقة، ولم يُقْدَر على مال له، ولا على استدانة عليه، ولا) على (الأخذ من وكيله، إن كان له وكيل؛ كتب الحاكمُ إليه) لم أجد الكتابةَ إليه في كلامهم، بل الكتب المشهورة لم يذكروها، وعمل قضاتنا على عدم الكتابة، وكذا إفتاء مشايخنا (فإن لم يُعلَم خبرُه) قلت: أو علم، إذ لم نَرَ في كلامهم هذا القيد (وتعذَّرت النفقة، كما تقدم) بالاستدانة، وعدم الوصول إلى شيء من ماله (فلها الفسخ) لأنها لم تقدر على الوصول إلى نفقتها، أشبه ما لو ثبت إعساره. وعُلم منه: أنه إذا ترك لها نفقة، أو قدرت له على مال، أو على الاستدانة عليه، أنه لا فسخ لها؛ لأن الإنفاق عليها من جهته غير متعذِّر.
(ولا يصح الفسخُ في ذلك كلِّه إلا بحكم حاكم) لأنه فسخٌ مختلَفٌ فيه، فافتقر إلى الحكم، كالفسخ للعُنّة (فيفسخ) الحاكم (بطلبها) لأنه لحقِّها، فلا يستوفيه إلا بطلبها (أو تفسخ) هي (بأمره) أي: الحاكم.
стр. 6165
(وفَسْخُ الحاكم تفريقٌ لا رجعةَ فيه) قلت: وكذا فَسْخُها بأمره، كالفسخ للعُنّة.
(ومن ترك الإنفاقَ الواجب لامرأته - لعُذْر أو غيره - مدَّة، لم تسقط) النفقة، كالدَّين (ولو لم يفرِضْها حاكم، وكانت) النفقة (دينًا في ذمته) وتقدم (١).
(و يصح ضمان النفقة، ما وجب منها وما يجب في المستقبل) كضمان السوق (وتقدَّم في الضمان (٢) والصداق (٣)).
"تتمة": قال ابن الزاغوني: إذا ثبت عند الحاكم صِحَّة النكاح ومبلغ المهر، فإن علم مكانه كتب: إن سَلَّمتَ إليها حقّها وإلا بعتُ عليكَ بقَدْره. فإن أبى، أو لم يعلم بمكانه، باع بقَدْر نصفه؛ لجواز طلاقه قبل الدخول.