← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

(وإن عفا) وليُّ العتيق (عن القِصاص، فعليهم الدية أثلاثًا) لموته بسراية جراحاتهم (ويستحق السيدُّ أقلَّ الأمرين من نصف القيمة) لقلع عينه (أو ثلث الدية) والباقي للورثة. (وإن كان الجانيان) أوَّلًا جَنَيا (في حال الرِّق، والثالث في حال الحرية، فمات) العتيق (فعليهم الدية) أثلاثًا (وللسيد أقلُّ الأمرين من أرش الجنايتين أو ثلثي الدية) والباقي للورثة، كما تقدم. (و إن قطع يده، ثم عتَقَ، فقطع آخر رِجْلَه، ثم عاد الأول فقتله بعد الاندمال، فعليه القِصاص للورثة) لأنه قتل بعد الحرية (و) عليه (نصف القيمة للسيد) لقطع يده (وعلى الآخر القِصاص في الرِّجل، أو نصف الدية) للورثة. (وإن كان) قتله (قبل الاندمال، فعلى الجاني الأول القِصاص في النفس) لمكافأته له حين قتله (دون اليد) لأنه قطعها في رِقّه. (فإن اختار الورثة القِصاصَ في النفس، سقط حقُّ السيد) لأنه لا يجوز أن يستحق على النفس وأرش الطَّرَف قبل الاندمال، فإن الطَّرَف داخل في النفس في الأرش. (وإن اختاروا العفوَ، فعليه الدية) للورثة (دون أرش الطَّرَف) لاندراجه في دية النفس (وللسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو أرش الطرف، والباقي للورثة) كما تقدم (وعلى الثاني القِصاص في الرِّجل) لأنه مكافئ له حال الجناية (و) عليه (مع العفو نصف الدية) لقطع الرجل. (وإن كان) القاطع (الثاني هو الذي قتله قبل الاندمال، فعليه القِصاص في النفس) لمكافأته له حين

стр. 6267

القطع (١) (ومع العفو نصف دية واحدة) يعني: إن كان بعد استيفاء القِصاص في الرجل، أما قبله فدية كاملة، كما يُعلم من السوابق واللواحق (وعلى الأول نصفُ القيمة للسيد، ولا قِصاص) على الأول؛ لأنه لم يكافئه حين الجناية. (وإن كان القاتل ثالثًا، فقد استقرَّ القَطْعان) لأن قتل الثالث له قَطَعَ سرايتَهما (وعلى الأول نصف القيمة للسيد) لأنه جنى عليه حين كان رقيقًا (وعلى الثاني القِصاص في الرِّجل، أو نصف الدية لورثته، وعلى الثالث القِصاص في النفس، أو الدية مع العفو) لأنه كان حرًّا حين جنايتهما. (وإذا قطع يدَ عبدِه، ثم أعتقه (٢) ثم اندمل، فلا شيء عليه) لأنه حين الجناية كان ملكه. (وإن مات) العبدُ (بعد العِتق بسراية الجُرْح، فلا قِصاص فيه) اعتبارًا بحال الجناية (ويضمنه بما زاد على أرش القطع من الدية لورثته) لأنه مات حرًّا. (فإن لم يكن له وارث سواه؛ وجب) ذلك (لبيت المال) لأن السيد قاتل فلا يرث. (ولو قتل من يعرفه) أو يظنه (ذميًّا عبدًا، فبان أنَّه قد أسلم وعتَق، فعليه) أي: القاتل (القِصاص) لأنه قَتَلَ من يكافئه عمدًا محضًا بغير حَقٍّ، أشبه ما لو علم حاله (ومثله من قَتل من يظنُّه قاتل أبيه) فلم يكن (أو قتل من يعرفه) مرتدًّا (أو) من (يظنه مرتدًّا، فلم يكن) كذلك، فيجب

стр. 6268

القِصاص؛ لما سبق. الشرط (الرابع: ألا يكون المقتول من ذرية القاتل، فلا يُقتل والد -أَبًا كان أو أمًّا، وإن علا- بولده وإن سَفَلَ، من ولد البنين أو البنات) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لا يُقتَلُ والدٌ بولدهِ" رواه ابن ماجه، والترمذي، من رواية إسماعيل بن مسلم المكيّ (١)، ورواه أَحْمد، والتِّرمذيّ، وابن ماجه، من رواية حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جده (٢). قال ابن

стр. 6269

عبد البر (١): هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، يستغنى بشهرته وقَبوله والعمل به، عن الإسناد حتَّى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلفًا.

стр. 6270

وقال ﷺ : "أنت ومالُكَ لأبيك" (١)، فمقتضى هذه الإضافة تمليكه إياه، فإذا لم تثبت حقيقة الملكية، ثبتت للإضافة شبهة في إسقاط القِصاص؛ ولأنه كان سببًا في إيجاده، فلا يكون سببًا في إعدامه. (وتؤخذ من حرٍّ الدية) أي: دية المقتول، كما تجب على الأجنبي؛ لعموم أدلتها. (ولا تأثير لاختلاف الدِّين، و) لا لاختلاف (الحرية) فلو كان أحدهما مسلمًا، والآخر كافرًا، أو أحدهما رقيقًا، والآخر حرًّا، فلا قِصاص (كاتفاقهما، فلو قتل الكافر ولده المسلم، أو) قتل (العبدُ ولدَه الحُر، لم يجب القِصاص، لشرف الأبوّة إلَّا أن يكون ولده من رضاع أو زِنى، فيقتل الوالد به) لأنه ليس بولد (٢) حقيقة. (ولو تداعى نفسان نسبَ صغيرٍ مجهولِ النسبِ؛ ثم قتلاه قبل إلحاقه بواحدٍ منهما، فلا قصاص عليهما) لأنه يجوز أَن يكون ابنَ كلِّ واحدٍ منهما، أو ابنهما (وإن ألحقته القافةُ بواحد منهما، ثم قتلاه؛ لم يُقتل أبوه) لما سبق (وقُتِل الآخر) لأنه ليس بأبٍ. (وإن رجعا عن الدعوى، لم يُقبل رجوعهما عن إقرارهما، كما لو ادَّعاه واحد، فأُلحِق به، ثم جحده) فإنَّه لا يُقبل جحودُه؛ لأن النسب حقٌّ للولد، فرجوعه عنه رجوع عن إقرار بحقٍّ لآدمي. (وإن رجع أحدُهما) عن دعواه (صحَّ رجوعه، وثَبَتَ نسبُه من الآخر) لزوال المعارض، ورجوعه لا يُسْقِط نسبَهُ (ويَسقُطُ القِصاصُ عن الذي لم يرجع) لأنه أب (ويجب) القِصاص (على الراجع) لأنه أجنبي.

стр. 6271

(وإن عُفي عنه) من وارث المقتول (فعليه نصف الدية) كما تقدم (١) في شريك الأب. (ولو اشترك رجلان في وطء امرأة في طُهرٍ واحد، وأتت بولدٍ يمكن أن يكون منهما) بأن كان لستة أشهر فأكثر من وطئهما (ويلحَقَهما نسبُهُ) بأن كان لهما شُبهة في وطئها، أو أحدهما زوجًا أو سيدًا، والآخر بشُبهة (فقتلاه قبل إلحاقه بأحَدِهما، لم يجب القِصاصُ) على واحدٍ منهما؛ لعدم تحقُّق الشرط. (وإن نَفَيا نسبه، لم ينتفِ) لأن النسب حقٌّ للولد (إلا باللِّعان) بشروطه، ومنها: أن يكون بين زوجين، وأن يتقدَّمه قَذْف. وإن نفاه أحدُهما لم ينتَفِ بقوله؛ لأنه لحِقه بالفراش، فلا ينتفي إلَّا باللعان، بخلاف التي قبلها؛ لأن أحدهما إذا رجع هناك، لحق الآخر، وأيضًا: ثبوته هناك بالاعتراف، فيسقط بالجحد، وهاهنا بالاشتراك، فلا ينتفي بالجحد. (ويُقتل الولد (٢)) المكلَّف، ذكرًا كان أو أنثى (بكلِّ واحدٍ من الأبوين المكافئين وإن عَلَوَا) للآية، والأخبار، وموافقة القياس. وقياسه على الأب ممتنع؛ لتأكّد حرمته؛ ولأنه إذا قُتِل بالأجنبي، فبأبيه أولى، ولأنه يُحَدّ بقذفه، فَيُقتل به، كالأجنبي. (ومتى وَرِثَ ولدُه) أي: القاتل (القِصاصَ، أو) ورث (شيئًا منه) أي: القِصاص، وإن قلَّ؛ سقط القِصاص؛ لأنه لو لم يسقط؛ لوجب للولد على الوالد، وهو ممنوع؛ ولأنه إذا لم يجب بالجناية عليه،

стр. 6272

فلا (١) يجب بالجناية على غيره أولى. (أو وَرِثَ القاتل شيئًا من دَمِهِ؛ سَقَطَ القِصاصُ) لأنه لو لم يسقط، لوجب له على نفسه القِصاص، وهو ممنوع. (فلو قَتَل أحدُ الزوجين الآخر ولهما ولدٌ) فلا قَوَد؛ لأنه لو وجب، لوجب لولده، وإذا لم يجب للولد بالجناية عليه، فعلى غيره أولى (٢)، وسواء كان الولد ذكرًا أو أنثى، أو كان للمقتول من يشاركه في الميراث؛ لأنه لو وجب، لثَبتَ له جزء منه، ولا يمكن وجوبه، وإذا سقط بعضُه سقط كلُّه؛ لأنه لا يتبعَّض، كما لو عفا أحد الشريكين. (أو قتل رجلٌ أخا زوجته، فورثته، ثم ماتت، فورثها) زوجُها القاتل (أو) ورثَها (ولده) لم يجب القِصاص، سواء كان لها ولد من غيره أو لا؛ لأنه وَرِث هو أو ولده شيئًا من دَمِهِ، وهو لا يتبعَّض. (أو قتلت) المرأة (أخا زوجها، فصار القِصاص أو جزء منه لابنها) بموت زوجها الوارث لأخيه. (أو قَتَل رجل أخاه، فورِثه ابن القاتل، أو) ورثه (أحد يرث ابنه منه شيئًا؛ لم بجب القِصاص) لإرث ولده جزءًا من دمه. (وإذا قتل أحدُ أبوي المكاتبِ المكاتَبَ) لم يجب القِصاص؛ لعموم ما سبق. (أو) قتل أحدهما (عبدًا له) أي: للمكاتَب (لم يجب القِصاصُ) لأنه لو وجب، لكان للمكاتَب، ولا يثبت له قِصاص على أبويه، كما لو قتلاه، وأولى.

стр. 6273

(وإن اشترى المكاتَبُ أحدَ أبويه) أو غيره من ذوي رَحِمه المحرم (ثم قَتَله، لم يجب القِصاصُ) لأنه فَضَله بالملك، وهذا بخلاف ما قدَّمه فيما سبق، وتقدم (١) التنبيه عليه. (ولو قَتَل) مكلَّف (أباه أو أخاه، فورثه أخواه، ثم قتل أحدُهما) أي: الأخوين (صاحبَه، سقط القِصاص عن الأول؛ لأنه ورث بعض دم نفسه) لأن أخويه يستحقان دم أبيهما أو أخيهما، فإذا قتل أحدهما صاحبه؛ ورث القاتل الأول ما كان يستحقه المقتول؛ لأنه أخوه، فعلى هذا يستحقُّ نصف دمه؛ لأن دم الأب أو الأخ بين الأخوين نصفين؛ ضرورة أن القاتل لا يرث المقتول. وإن قتل الثاني الأول، ثم الثالث الرابع؛ قُتِل الثالث دون الثاني؛ لإرثه نصف دمه عن الرابع، وعليه نصف دية الأول للثالث. (وإن قَتَل أحد الابنين أباه، و) قتل (الآخر أمه، وهي زوجة الأب؛ سقط القِصاص عن الأول) وهو قاتل الأب (لذلك) أي: لإرثه بعضَ دم نفسه، وذلك ثمن دم الأب (والقِصاص على القاتل الثاني) فلأخيه قتله بأمه ويرثه. وإنما سقط القِصاص عن قاتل الأب (لأن القتيل الثاني) وهو الأم (ورث جزءًا من دم الأب (٢)) وهو الثُّمُن (فلما قُتِل، وَرِثه) قاتلُ الأب؛ ضرورة أن القاتل لا يرث (فصار له جزءٌ من دم نفسه) وهو الثُّمن (فسقط القِصاص عن الأول، وهو قاتلُ الأب؛ لإرثه ثُمُنَ أمه، وعليه سبعة أثمان ديته لأخيه) قاتل أمه؛ لإرثه ذلك من أبيه (وله) أي: قاتل الأب (أن

стр. 6274

يقتصَّ من أخيه) قاتل أمه (ويرثَهُ) لأن القتل بحقٍّ لا يمنع الميراث. (ولو كانت الزوجة بائنًا) أو قتلاهما معًا مطلقًا (فعلى كلِّ واحد منهما القِصاص لأخيه) لأن أحدهما لا يرث من دم نفسه شيئًا؛ لعدم الزوجية أو لموتهما معًا. (فإن بادر أحدُهما فَقَتل أخاه، سقط عنه القِصاص؛ لأنه يرث أخاه إن لم يكن للمقتول ابن، أو ابن ابن، فإن كان) له ابن، أو ابن ابن، فالأخ محجوب به (فله) أي: الابن، أو ابن الابن (قَتْل عمِّه، ويرثه إن لم يكن له وارث سواه) لما مرَّ أن القتل بحق لا يمنع الميراث. (فإن تشاحَّا في المبتدئ منهما بالقتل، احتمل أن يبدأ بقتل القاتل الأول) واختاره ابن حمدان (أو يقرع بينهما) قدَّمه في "المبدع"، قال في "الشرح": وهو قول القاضي. (وأيُّهما قتل صاحبه أوَّلًا بمبادرة أو قُرعة؛ وَرِثه إن لم يكن له وارث سواه) لأنه قتله بحق (وسقط عنه القِصاص) لإرثه دم نفسه. (وإن كان) الأخ القاتل لأخيه (محجوبًا عن ميراثه كله) بابن، أو ابن ابن (فلوارثِ القتل) وهو وارث المال (قتل الآخر) لإرثه دمه وعدم المانع، وله العفوُ إلى الدية أو مجانًا. (وإن عَفَا أحدُهما) أي: الأخوين (عن الآخر، ثم دل المعفوُّ عنه العافي؛ ورثه أيضًا) إن لم يكن حاجب؛ لأنه قَتَل بحق (وسقط عنه ما وجب عليه من الدية) إذ لا يجب للإنسان على نفسه شيء. (وإن تعافيا جميعًا) بأن عفا كل منهما عن الآخر (على الدية؛ تقاصَّا بما استويا فيه) فيسقط من دية الأب بقدر دية الأم (ووجب لقاتل الأم الفضل على قاتل الأب؛ لأن عقلها) أي: ديتها (نصف عقل الأب.

стр. 6275

وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما ابن) أو ابن ابن (يحجُب عمَّه من (١) ميراث أبيه) بألا يقوم به مانع (٢) (فإذا قتل أحدهما صاحبه، ورثه ابنه) أو ابن ابنه. (وللابن) أو ابن الابن (أن يقتل عمَّه) لإرثه دمه (ويرثه) أي: المقتول منهما (ابنه) أو ابن ابنه. (ويرث كلُّ واحدٍ من الابنين مال أبيه ومال جدّه الذي قتله عمُّه دون) القتيل (الذي قتله أبوه) ضرورة أن القاتل لا يرث المقتول. (وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بنت، فقتل أحدهما صاحبَه، سقط القصاص عنه؛ لأنه يرث نصف ميراث أخيه، ونصف قِصاص نفسه، فورث مال أبيه الذي قتله أخوه) أو مال أمه التي قتلها أخوه (و) ورث (نصف مال أخيه، ونصف مال أبيه الذي قتله هو، وورثتِ البنت التي قُتل أبوها نصفَ مال أبيها، ونصف مال جدِّها الذي قتله عمُّها، ولها على عمِّها نصفُ دية قتيله. وإذا كان أربع (٣) إخوة، قتل الأولُ الثانيَ، و) قتل (الثالث الرابعَ، فالقِصاص على الثالث) دون الأول؛ لإرثه نصف دمه عن الرابع (ووجب له) أي: الثالث (نصفُ الدية على الأول) لقتله أخاه؛ ضرورة أن القاتل لا يرث (وللأول قَتْلُه) أي: الثالث، بأخيه الرابع (فإن قتله، ورثه) لأنه قاتل بحق (ووَرِثَ ما يرثه من أخيه الثاني) لأنه من جملة تركته. (فإن عفا) الأول (عنه) أي: الثالث (إلى الدية؛ وجبت عليه) أي:

стр. 6276

الثالث (بكمالها، يُقاصُّه) الثالث (بنصفها) الذي ورثه من الثاني ويعطيه نصفها. (وإن كان لهما) أي: للأول والثاني (ورثة) تحجُب الآخر أو لا (فتفصيلها كالتي قبلها) فيما إذا قتل أحدهما أباه، والآخر أمه. الشرط (الخامس: أن تكون الجناية عمدًا) محضًا بخلاف شِبْه العمد والخطأ، فلا قِصاص فيهما إجماعًا (١)؛ حكاه في "الشرح". (وإن قتل مَن لا يُعرف) بإسلام أو حرية (وادَّعى كُفْرَه، أو رقَّه) وجب القِصاص؛ لأنه محكوم بإسلامه بالدار، ولهذا يحكم بإسلام اللقيط، ولأن الأصل الحرية، والرق طارئ. (أو ضرب مَلفوفًا فَقَدَّه، أو ألْقَى عليه) أي: الملفوف (حائطًا، وادَّعى أنه كان ميِّتًا، وأنكر وليُّه) وجب القِصاص؛ لأن الأصل الحياة. (أو قطع طَرَفَ إنسان وادَّعى شلَلَه، أو قلع عينًا وادعى عماها) وأنكر المجني عليه؛ وجب القِصاص؛ لأن الأصل السلامة. (أو قطع ساعدًا وادَّعى أنه لم يكن عليه كفٌّ، أو) قطع (ساقًا وادَّعى أنها) أي: الساق (لم يكن لها قَدَم) وجب القِصاص؛ لأن الأصل بقاء الكفّ والقدم. (أو قتل) مكلَّف (رجُلًا في داره، وادَّعى أنه دخل لقتله، أو أخذِ ماله، أو يكابره على أهله، فقتله دفعًا عن نفسه) أو ماله، أو أهله (وأنكر وليُّه) وجب القِصاص؛ لأن الأصل عدم ما يدَّعيه، سواء وجد في دار القاتل، أو غيرها، معه سلاح أو لا؛ لما روي عن علي أنه: "سُئِلَ عمَّن وجدَ مع امرأته رجلًا آخر، فقتله؟ فقال: إن لمْ يأتِ بأربعةٍ فليُعطَ

стр. 6277

بِرُمَّتِهِ (١) " رواه سعيد (٢) ورجاله ثقات؛ ولأن الأصل عدم ما يدّعيه، قال في "الفروع": ويتوجَّه عدمه في معروف بالفساد. (أو تَجارَحَ اثنان، وادّعى كلُّ واحد منهما أنه جَرَحه دفعًا عن نفسه) وأنكر الآخر (وجب القِصاص، والقول قول المنكِرِ مع يمينه إذا لم تكن بينة) لعموم قوله ﷺ : "البيِّنَةُ على المُدَّعِي واليَمِينُ على منْ أنْكَرَ" (٣) (ومتى صدق المنكِر) في شيء مما تقدم من الصور (فلا قودَ، ولا دية) لقول عمر؛ رواه سعيد (٤)، وهو منقطع، وروي عن الزبير (٥) نحوه؛ ولأن الخصم اعترف بما يُبيح قتله، فسقط حقُّه، كما لو أقرَّ بقتله قِصاصًا. (وإنِ ادَّعى القاتلُ أن المقتول زَنى وهو مُحْصَن، لم تُقبل دعواه من غير بينة) لأن الأصل عدم ذلك (وإن أقام شاهدين بإحصانه؛ قُبِل) بخلاف الزنى فلابُد فيه من أربعة، كما يأتي. (وإن اختصم قوم بدار، فجَرَح) بعضُهم بعضًا (وقَتَل بعضُهم

стр. 6278

بعضًا، وجُهِلَ الحال) بأن لم يُعلم القاتل ولا الجارح (فعلى عاقلة المجروحين دية القتلى، يسقط منها أرشُ الجِراح) قضى به علي؛ رواه أحمد (١). (فإن كان فيهم) أي: المختصمين (مَن ليس به جُرح، شارك المجروحين في دية القتلى) هذا أحد وجهين أطلقهما ابن حمدان. قال في "تصحيح الفروع": اختاره في "التصحيح الكبير" والوجه الثانى: لا دية عليهم، وهو ظاهر كلام جماعة من الأصحاب. (ويأتي في القسامة إذا قال إنسان: ما قَتَلَه هذا المُدَّعى عليه، بل أنا قتلتُه. وله قتل من وجده يفجُرُ بأهله. وظاهر كلام أحمد (٢): لا فرق بين كونه) أي: الفاجر (محصنًا أو غيرَه) رُوي عن عمر (٣)

стр. 6279

وعلى (١) (وصرَّحَ به الشيخُ (٢)) لأنه ليس بحَدٍّ، وإنما هو عقوبة على فعله، وإلا لاعتبرت شروط الحد. وقال الشافعي (٣): له قتله فيما بينه وبين الله تعالى، اذا كان الزاني محصنًا. وللمالكية قولان في اعتبار إحصانه. (والحرُّ المسلم يُقادُ به قاتله) عمدًا عدوانًا (وإن كان مُجَدَّعَ الأطراف) أى: مقطوعًا (٤) (مُعْدَمَ الحواس) مِن سمع، وبصر، وشم، وذوق، ولمس (والقاتلُ صحيحٌ سَوِىُّ الخلق، أو بالعكس) بأن كان القاتل مجدع الأطراف، معدوم الحواس، والمقتول صحيح سويُّ الخلق (وكذلك إن تفاوتا في العلم والشرف، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف، والكبر والصغر، ونحو ذلك) كالحِذْق والبلادة، إجماعًا (٥)؛ حكاه في "الشرح"؛ لعموم الآيات، ولقوله ﷺ : "المُؤْمِنونَ تتكافأُ دِماؤُهُم" (٦). (ويجري القِصاص بين الولاة) جمع والٍ، ويتناول: الإمام، والقاضي، والأمير (والعمالِ) على الصدقات، أو الخراج أو غيرهما (وبين رعيتِهم) قال في "الشرح": لا نعلم في هذا خلافًا (٧)؛ لعموم

стр. 6280

الآيات والأخبار. (و لا يُشترط في وجوب القِصاص كونُ القتلِ في دار الإسلام) فيُقتل بمكافئه بشروطه، وإن كان بدار حرب، سواء كان هاجر، أو لم يُهاجر؛ لعموم الأدلة. (وقتلُ الغِيلة) بكسر الغين المعجمة، وهي: القتل على غِرّة، كالذي يخدع إنسانًا، فيُدخله بيتًا أو نحوه، ويأخذ ماله (وغيره) أي: غير قتل الغيلة (سواء في القِصاص والعفو) لعموم الأدلة. (وذلك) أي: القِصاص أو العفو، في قتل الغِيلة وغيره (للولي) الوارث للمقتول؛ لقيامه مقامه (دون السلطان) فليس له قِصاص ولا عفو مع وجود وارث؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١)؛ وقوله ﷺ : "فأهلُهُ بين خِيرتَينِ" (٢) فإن لم يكن فهو وليُّ المقْتُول، له القِصاصُ، والعفو على الدية لا مجانًا.

стр. 6281

باب استيفاء القصاص (وهو) أي: استيفاء القِصاص (فعل مجنيٍّ عليه) إن كانت الجناية على ما دون النفس (أو) فعل (وليِّه) أي: وارثه إن كانت على النفس (بجانٍ عامدٍ، مثلَ ما فعل) الجاني (أو شبهَه) أي: شِبه فعل الجاني. (وله) أي: استيفاء القِصاص (ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون مستحقُّه مكلَّفًا) لأن غير المكلَّف ليس أهلًا للاستيفاء بعدم (١) تكليفه، بدليل أنه لا يصحُّ إقراره ولا تصرّفه (فإن كان) مستحق القِصاص (صغيرًا أو مجنونًا؛ لم يجز) لأحد (استيفاؤه) لما تقدم (ويحبس القاتل حتى يبلغ الصغير، و) حتى (يعقل المجنون) لأن فيه حظًّا للقاتل بتأخير قتله، وحظًّا للمستحق بإيصاله إلى حقّه؛ ولأنه يستحق إتلاف نفسه ومنفعته، فإذا تعذَّر استيفاء النفس لعارض بقي إتلاف المنفعة سالمًا عن المعارض، وقد حبس معاويةُ هُدبةَ بن خَشْرَم في قَوَدٍ حتى بلغ ابنُ القتيل، فلم يُنكَر ذلك، وكان في عصر الصحابة (٢). (وليس لأبيهما) أي: الصغير والمجنون (استيفاؤه) لهما (كوصي وحاكم) لأن القصد التشفّي وترك الغيظ، ولا يحصُل ذلك باستيفاء الأب أو غيره، بخلاف الدية فإن الغرض يحصُل باستيفائه؛ ولأن الدِّية إنما يملك استيفاءها إذا تعيَّنت، والقِصاص لا يتعيَّن. (فإن كانا محتاجَين إلى نفقةٍ، فلوليِّ مجنونٍ العفو إلى الدية دون

стр. 6282

ولي الصغير، نصًا (١)) لأن المجنون ليس له حالة معتادة يُنتظر فيها إفاقته ورجوع عقله، بخلاف الصبي، وتقدَّم في اللقيط (٢) ما في ذلك. (وإن ماتا) أي: الصغير والمجنون (قبل البلوغ والعقل، قام وارثُهما مقامهما فيه) أى: في استيفاء القِصاص؛ لأنه حق لهما فانتقل بموتهما إلى وارثهما، كسائر حقوقهما. (وإن قَتَلا قاتل أبيهما، أو قطعا قاطعهما) أي: الصغير والمجنون (قهرًا) سقط حقهما؛ لأنه أتلف عين حقه، فسقط الحق، أشبه ما لو كان لهما وديعة عند شخص فأتلفاها (أو اقتصَّا ممن لا تحمل العاقلة دِيته، كالعبد؛ سقط حقُّهما) وجهًا واحدًا؛ لأنه لا يمكن إيجاب ديته على العاقلة، فلم يكن إلا سقوطه. الشرط (الثاني: اتفاق المُستحقِّين له) أي: القِصاص (على استيفائه) لأن الاستيفاء حق مشترك لا يمكن تبعيضه، فلم يجز لأحدِ التصرف فيه بغير إذن شريكه (وليس لبعضهم استيفاؤه دون بعض) لأنه يكون مستوفيًا لحق غيره بغير إذنِ، ولا ولاية له عليه، أشبه الدين. (فإن فعل) بأن استوفى أحدُهم القِصاصَ بدون إذن الباقي (فلا قِصاص عليه) لأنه قتل نفسا يستحق بعضها، فلم يجب قتلُهُ بها؛ لأن النفس لا تؤخذ ببعض نفس؛ ولأنه مشارِك في استحقاق القتل، فلم يجب عليه قوَد، كالشريك في الجارية إذا وطئها. ويفارق إذا قتَلَ (٣) الجماعة واحدًا، فإنا لم نوجب القِصاص بقتل بعض النفس.

стр. 6283

(ولشركائه في تَرِكة الجاني حَقُّهم من الدية) لأن حَقَّهم من القِصاص سقط بغير اختيارهم، فأشبه ما لو مات القاتل (وترجع ورثة الجاني على المقتصّ بما فوق حقِّه) من الدية (فلو كان الجاني أقلَّ ديةً من قاتله، مثلَ امرأةٍ قتلت رجلًا له ابنان، فقتلها (١) أحدُهما بغير إذن) الابن (الآخر، فللآخر نصف دية أبيه في ترِكة المرأة) التي قتلته، كما لو ماتت (ويرجع ورثتها بنصف ديتها على قاتلها) لأنه لا يستحق سوى نصف دمها وقد استوفاه (وهو) أي: نصف دية المرأة (ربع دية الرَّجُل) لأن دية المرأة نصف دية الرجل، كما يأتي. (وإن عفا بعضُهم) أي: الورثة، عن القِصاص (وكان ممن يصح عَفْوُه) بأن كان مكلَّفًا (ولو) كان العفو (إلى الدية؛ سقط القِصاص) رُوي عن عمر (٢) وعلي (٣)؛ لأن القِصاص حق مشترك بين الورثة لا يتبعَّض، مبناه على الدرء والإسقاط، فإذا أسقط بعضُهم حقَّه سرى إلى الباقي، كالعتق (وإن كان العافي) عن القِصاص (زوجًا أو زوجة) لقول زيد بن وهب: "إن عمر أُتي برجلٍ قتل قتيلًا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول وهي أخت القَاتل: عفوْتُ عن حَقِّي. فقال عمر: الله أكبر عتقَ القتيل" رواه أبو داود (٤)؛ لأن من وَرِث المال وَرِث القَوَد كما يأتي.

стр. 6284

(وكذا لو شَهِد أحدُهم) أي: الورثة (-ولو مع فسقه- بعفوِ بعضِهم) فإنه يسقط حق الجميع من القصاص؛ لكون شهادته إقرارًا بأن نصيبه من القِصاص سقط، وهو لا يتبعَّض (وللباقين) الذين لم يعفوا (حقهم من الدية على الجاني) سواء عَفَا مطلقًا أو إلى الدية؛ لأن حقَّه من القِصاص سقط بغير رضاه، فثبت له البدل، كما لو ورث القاتل بعضَ دمه، أو مات. (فإن قتله الباقون عالمين بالعفو، و) عالمين بـ (سقوط القصاص، فعليهم القَوَد، حكم بالعفو حاكمٌ أو لا) لأنه قتلٌ عمدٌ عدوانٌ أشبه ما لو قتلوه ابتداء. (وإن لم يكونوا عالمينَ بالعفو) وبسقوط القصاص (فلا قَوَد) عليهم (ولو كان قد حُكِمَ بالعفو) لأن عدم العلم بذلك شبهة، فَدَرَأتِ القَوَد، كالوكيل إذا قتله بعد العفو وقبل العلم به. (وعليهم) أي: القاتلين (ديته) لأن القتل قد تعذَّر والدِّية بدله (وسواء كان الجميع حاضرين، أو) كان بعضهم حاضرًا و (بعضهم غائبًا) لاستوائهم معنى. (فإن كان القاتل هو العافي فعليه القصاص) ولو ادَّعى نسيانه أو جوازه. (وإن كان بعضُهم) أي: الورثة (غائبًا، انتُظِرَ قدومُه وجوبًا) لأنه حقٌّ مشترك، أشبه ما لو كان المقتول عبدًا مشتركًا (ويُحبس القاتلُ حتى

стр. 6285

يقدم) الغائب، كما تقدم (١) في الصغير والمجنون. (و كل من وَرِثَ المالَ، وَرِث القِصاصَ على قَدْر ميراثه من المال، حتى الزوجين وذوي الأرحام) لأنه حق يستحقه الوارث عن جهة مورثه، أشبه المال. والأحسن رفع "الزوجين، وذوي الأرحام" عطفًا على "كل"، وعلى عبارة المصنف تبعًا لـ"المقنع" تكون "حتى" حرف جر لانتهاء الغاية، أي: كل من ورث المال ورث القِصاص، ينتهي ذلك إلى الزوجين وذوي الأرحام. (ومن لا وارث له فوليُّه الإمام) لأنه "وليُّ من لا ولي له" (٢) (إن شاء اقتصّ) لأن بنا حاجة إلى عصمة الدماء، فلو لم يقتل لَقُتِل من لا وارث له (٣) (وإن شاء عفا إلى دية كاملة) فأكثر؛ لأنه يفعل ما يرى فيه المصلحة للمسلمين في القِصاص أو لعفو (وليس له العفوُ مجانًا) ولا على أقل من دية؛ لأنها للمسلمين، ولا حظ لهم في ذلك. (وإذا اشترك جماعةٌ في قَتل واحد فعفا عنهم) ورثتُهُ (إلى الدية، فعليهم ديةٌ واحدةٌ، وإن عفا عن بعضهم، فعلي المُعفوِّ عنه قِسطُه منها) أي: من الدية، لأن الدية بدل المحل وهو واحد، فتكون ديته واحدة، سواء أتلفه واحد أو جماعة، وأما القِصاص فهو عقوبة على الفعل فيتقدَّر بقدره. الشرط (الثالث: أن يؤمَن في الاستيفاء التعدّي إلى غير الجاني) لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٤) وإذا أفضي القتل إلى التعدي

стр. 6286

ففيه إسراف. (فلو وجب القَوَد أو الرَّجم على حاملٍ، أو) على حائل، و (حملت بعد وجوبه؛ لم تُقتل حتى تضع الولدَ وتسقيه اللِّبَأ) قال في "المبدع": بغير خلاف؛ لما روى ابن ماجه بإسناده عن عبد الرحمن بن غَنْمٍ، قال: حدثنا معاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، قالوا: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا قَتَلت المرأةُ عَمدًا، فلا تُقتَل حتى تضعَ ما في بطنها إن كانت حاملًا، وحتى تُكَفِّلَ ولدها، وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها، وحتى تُكَفِّلَ ولدها" (١)؛ ولأنه يُخاف على ولدها، وقتله حرام، والولد يتضرر بترك اللِّبَأ ضررًا كثيرًا، وقال في "الكافي": لا يعيش إلا به. (ثم إن وجدَ مَن يُرضعه مرضعةً راتبة؛ قُتلت) لأن تأخير قتلها إنما كان للخوف على ولدها، وقد زال ذلك (وإن وجدَ مُرضِعَات غير رواتب، أو) وجدَ (لبن شاة ونحوها يُسقى منه راتبًا؛ جاز قتلها) لأنه لا يُخاف على الولد إذًا التلف.

стр. 6287

(ويُستحبُّ لولي القتل تأخيره) حينئذٍ (إلى الفِطام) دفعًا لضرر الولد بذلك (وإن لم يكن له) أي: الولد (من يُرضعه، تُرِكت حتى تُرضعَه حولين ثم تفطِمَه) للخبر (١). والمعنى: لأن القتل إذا أخر من أجل سقط (٢) الحمل، فَلأنْ يؤخر من أجل حفظ الولد أولى. (ولا تُجلد) الحامل (في الحَدِّ) حتى تضع (ولا يُقتصَّ منها في الطَّرَف حتى تضع) لأنه لا يؤمن التعدي إلى تلف الولد، أشبه الاقتصاص، فى النفس، بل يُقاد منها بمجرد الوضع، صَرَّح به في "الفروع" وغيره، وجزم به في "المنتهى"، و (قال الموفَّق وغيره). حتى تضع (وتسقيه اللِّبَأ) قال فى "المبدع": وهو ظاهر. (فإذا وضعت الولدَ، وانقطع النِّفاس، وكانت قوية يؤمن تلفها، ولا يخاف على الولد الضرر من تأخُّر (٣) اللبن؛ أقيم عليها الحدُّ، من قطع الطرف والجلد) لعدم المانع. (وإن كانت في نفاسها، أو ضعيفة يُخاف تلفُها، لم يقم عليها حتى تطهر وتقْوى) دفعًا للضرر. وقال في "الإنصاف": الصحيح من المذهب أنه يُقتصُّ منها بالوضع. قال في "التنقيح": بل بمجرَّد الوضع قبل سقي اللِّبأ. (ويأتي في كتاب الحدود) بأوضح من هذا. (وإن ادَّعت من وجب عليها القِصَاصُ الحملَ قُبِل منها إن أمكن) لأن للحمل أمارات خفيّة تعلمها من نفسها دون غيرها، فوجب أن يُحتاط له، كالحيض (وتُحبس حتى يبتبيَّن أمرُها) احتياطًا لمن وجب له القِصاص

стр. 6288

(ولا تُحبس لحدٍّ) يعني لو ادَّعت من وجب عليها الحد أنها حامل قُبل منها إن أمكن، ولم تُحبس. (وإن اقتُصَّ من حاملٍ، فإن كانت لم تضعه) ولم تتيقنه حملًا (لكن ماتت على ما بها من انتفاخ البطن وأمارة الحمل، فلا ضمان في حَق الجنين؛ لأنه لا يتحقق أن الانتفاخ حمل) فلا نوجب بالشك. (وإن ألقته) أي: الجنين (حيًّا فعاش؛ فلا كلام) أي: لا ضمان على المقتصّ، لكن يؤدَّب (وإن ألقته حيًّا وبقي) الولد (خاضعًا ذبِلًا زمانًا يسيرًا، ثم مات، ففيه دية كاملة إذا كان وضعه لوقت يعيش مثله) وهو ستة أشهر فأكثر. (وإن ألقته ميتًا أو حيًّا في وقت لا يعيش) فيه (مثله) وهو ما دون ستة أشهر (ففيه غُرَّة) عبد أو أمة، كما يأتي في دية الجنين (والضمان في ذلك على المقتص من أمه) لأنه المباشر، والحاكم الذي مكَّنه متسبب، وإن علم الحاكم دون الولي فالضمان على الحاكم وحده، كالسيد إذا أمر عبده الأعجمي الذي لا يعرف تحريم القتل؛ ذكره في "الشرح" و"المبدع"، ويكون وجوب ما تقدم من الدية أو الغُرَّة (مع الكفَّارة) على المقتص؛ لأنه قاتل نفس. فصل (ولا يُستوفَى القصاص -ولو في النفس- إلا بحضرة السلطان أو نائبه وجوبًا) لأنه يفتقر إلى اجتهاده، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التشفّى (فلو خالف) الولي (وفَعَل) أى: اقتصَّ بغير حضرة السلطان أو

стр. 6289

نائبه (وقع الموقِعَ) لأنه استوفَى حقه (وله) أي: الإمام أو نائبه (تعزيرُه) لافتياته على السلطان. وفي "عيون المسائل": لا يعزِّره؛ لأنه حق له، كالمال. (ويُستحبُّ إحضار شاهدين) عند الاستيفاء؛ لئلا يُنكِره المقتصُّ. (ويجب أن تكون الآلة) التى يُستوفى بها القِصاص (ماضية) لحديث: "إذا قَتلتم فأحسنوا القِتْلة" (١) (وعلى الإمام تفقّدها) أي: آلة الاستيفاء؛ لأن منها ما لا يجوز الاستيفاء به (فإن كانت) الآلة (كالَّةً، أو مسمومةً، مَنَعه من الاستيفاء بها) للخبر: "إذا قتلتم فأحْسنُوا القتلَة" رواه مسلم ((١)) من حديث شداد، ولئلا يعذب المقتول؛ ولأن المسمومة تُفسد البدن، وربما منعت غسله. (فإن عَجَّل) الولي (واستوفى بها) أى: بالآلة الكالة أو المسمومة (عُزِّر) لفعله ما لا يجوز. (و) ينظر الإمام أو نائبُه في الوليِّ (إن كان الوليُّ يُحسن الاستيفاءَ؛ ويقدِرُ عليه بالقوة والمعرفة؛ مكَّنه منه الإمام، وخيَّره بين المباشرة والتوكيل) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٢)؛ ولأنه ﷺ "أتَاة رجُل يقود آخر فقال: إنَّ هذا قتلَ أخي، فاعترف بقتله، فقال النبي ﷺ : اذهب فاقتله" رواه مسلم (٣). (وإلا) أي: وإن لم يُحسِن الوليُّ الاستيفاء، أو لم يقدِر عليه (أمره بالتوكيل) لأنه عاجز عن استيفائه، فيوكّل فيه من يحسنه؛ لأنه قائم

стр. 6290

مقامه. (فإن ادعى) الولي (المعرفةَ، فأمكنه) الإمام، أو نائبه (فضرب عنقه فأبانه، فقد استوفى) القِصاصَ (وإن أصاب غير العنق، وأقرَّ بتعمُّد ذلك؛ عُزِّر) لفعله ما لا يجوز (فإن قال) الولي: (أخطأتُ، وكانت الضربة قريبًا من العنق، كالرأس، والمَنكِب؛ قُبِل قوله مع يمينه) لأنه ممكن (وإن كان) الضرب (بعيدًا) عن العنق (كالوسط والرجلين؛ لم يقبل) قولُ الولي إنه أخطأ؛ لأنه خلاف الظاهر (ثم إن أراد) الولي (العودَ) للاستيفاء (لم يُمَكَّن؛ لأنه ظهر منه أنه لا يُحسِن الاستيفاء) فيوكِّل من يُحسِنه. (و إن احتاج الوكيلُ إلى أجرة، فمن مال الجاني، كالحَدِّ) ولأنها أجرة لإيفاء ما عليه من الحق، فكانت لازمة له، كأجُرة الكيَّال. وذهب بعض أصحابنا: أنه يرزق من بيت المال رجل يستوفي الحدود والقِصاص؛ لأن هذا من المصالح العامة، فإن لم يحصُل فعلى الجاني؛ لأن الحق عليه. ورُدَّ: بأن الذي على الجاني التمكين لا الفعل (و) لهذا (إن باشر الولي الاستيفاءَ فلا أجرة له) على الجاني؛ لأنه استوفى حقَّه. (ويجوز اقتصاص جانٍ من نفسه برضا الولي) ويكون نائبًا عنه، كالأجنبي (ولو أقام) المحدود (حدَّ زنًى) على نفسه (أو) حَدَّ (قذفٍ) على نفسه (أو قطع سرقة على نفسه بإذنٍ؛ سقط قطع السرقة فقط) لحصول المقصود، وهو قطع العضو الواجب قطعه، بخلاف حد الزنى والقذف؛ لعدم حصول الردع والزجر بجلده نفسه. و له ختن نفسه إن قوي عليه وأحسنه، نصًا (١)؛ لأنه يسير. (وإن كان) الحق في (الاستيفاء لجماعة) بأن كان الوارث اثنين

стр. 6291

فأكثر (لم يجز أن يتولاه جميعهم) لما فيه من تعذيب الجاني وتعدُّد أفعالهم (وأمروا بتوكيل واحد منهم أو من غيرهم) ليستوفي القِصاص لهم (فإن تشاحُّوا، وكان كل واحدٍ منهم يُحسِن الاستيفاءَ؛ قدم أحدُهم بقُرعة) لأنه لا مزية لأحدهم، كما لو تشاحوا في تزويج مَوليَّتهم (لكن لا يجوز) لمن خرجت له القرعة (الاستيفاء حتى يوكّلـ) ـه (الباقون) لأن الحق لهم (فإن لم يتفقوا على التوكيل مُنع (١) الاستيفاء حتى يوكلوا) وقال ابن أبي موسى: إذا تشاحوا أمرَ الإمام من شاء باستيفائه. فصل (ولا يجوز استيفاءُ القِصاص في النفس إلا بالسيف في العنق، سواء كان القتل به) أي: السيف (أو بمُحرم لعينه) أي: ذاته (كسِحر، وتجريع خمر، ولِواط، أو قَتله بحَجَر، أو تغريق، أو تحريق، أو هدم) حائط عليه (أو حبس، أو خنق، أو قطع يده من مَفصِلٍ، أو غيره، أو أوضَحه، أو قطع يديه ورجليه، ثم عاد فضرب عنقَهُ قبل البرء، أو أجافَه) بأن جرحه جرحًا وصل إلى جوفه فمات (أو أمَّه) أي: جنى عليه آمَّةً -وهى ما تصل إلى جلدة الدماغ- فمات (أو قطع يدًا ناقصة الأصابع، أو شلاء أو زائدة) فمات (أو) جنى (جناية غير ذلك) عليه (فمات) لعموم حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: "لا قَوَدَ إلا بالسيف" رواه ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي (٢) من غير طريق. وقال

стр. 6292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6293

أحمد (١): ليس إسناده بجيد. (ويدخل قوَدُ العضو في قودِ النفس) لأن القِصاص حد بدل النفس، فدخل الطرف في حكم الجملة، كالدية.

стр. 6294

(ولا يفعل به) أي: بالمقتص منه (كما فَعَل، إذا كان القتل بغير السيف) للنهي عن المثلة (١)؛ ولأن فيه زيادة تعذيب. (فإن فعل) الولي به كما فعل (فقد أساء) بالمخالفة (ولم يضمن) شيئًا، كما لو استوفى بآلة كالَّة. (فإن ضربه) الولي (بالسيف فلم يمت، كَرَّر عليه) الضرب (حتى يموت) ليحصُل الاستيفاء. (ولا يجوز) استيفاء القِصاص فى النفس (بسكين) لأن السيف أوحى (٢). (ولا) يجوز استيفاء القِصاص (في طَرَفٍ إلا بها) أي: بسكين؛ لئلا يحيف. وذكر في "الانتصار" وغيره: أن الرجم بحجر، لا يجوز بسيف. (ويأتي فيما يوجب القِصاص فيما دون النفس) أى: أنه لا يُستوفى إلا بسكين، وبيان كيفية استيفائه. (ولا يجوز الزيادة -أيضًا- على ما أتى به) الجاني ولا قطعُ شيء من أطرافه) لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٣) (فإن فعل) أي: قطع الوليُّ شيئًا من أطرافه (فلا قِصاص عليه) لأن القِصاص عقوبة تُدرأ بالشُّبهة وهي هنا متحققة؛ لأنه مستحق لإتلاف الطرف ضمنًا، لاستحقاقه إتلاف الجملة. (ويجب فيه) أي: الزائد (ديته) أي: دية ذلك الزائد؛ لأنه حصل بالتعدي (سواء عفا عنه) الولىُّ (أو قتله) لأن استحقاق إتلاف الطرف

стр. 6295

موجود في حالتي العفو والقتل. (وإن زاد) المقتصُّ (فى الاستيفاء من الطرف، مثل أن يستحق قطع إصبع، فيقطع اثنتين؛ فحكمه حكم القاطع ابتداءً، إن كان) القطع (عمدًا من مَفصِل) وجب القِصاص؛ لانتفاء الشبهة. (أو) زاد المقتصُّ عمدًا فى (شجَّة يجب في مثلها القِصاص) وهي: الموضحة (فعليه القِصاص فى الزيادة) لانتفاء الشبهة. (وإن كان) ذلك (خطأً، أو) كان (جرحًا لا يوجب القِصاص، مثل من يستحق موضِحة فاستوفى هاشمة، فعليه أرش الزيادة) كالجاني ابتداءً (إلا أن يكون ذلك) الحاصل زيادة (بسببٍ من الجاني) المقتصّ منه (كاضطرابه حال الاستيفاء) منه (فلا شئ على المقتصّ) لأنه لم يجنِ عليه، بل هو جنى على نفسه. (فإن اختلفا) أى المقتصّ والمقتصّ منه (هل فعله) أى: قطع الزائد ونحوه (عمدًا أو خطأً) فقول المقتصّ؛ لأنه أدرى بنيته (أو قال المقتصُّ: حصل هذا باضطرابك، أو) بـ (ـفعل من جهتك) وقال المقتصّ منه: بل بجنايتك (فالقول قول المقتصّ مع يمينه) لأن الأصل براءته. (وإن قطع) الجانى (يدَه، فقطع المجنىُّ عليه رِجْلَ الجانى؛ لزمه) أى: المجنى عليه (دية رجله) لأن الجاني لم يقطعها. (وإن سرى الاستيفاء الذي حصلت فيه الزيادة إلى نفس المقتصّ منه، أو) سرى (إلى أعضائه، مثل أن قطع إصبعه، فسرى إلى جميع يده، أو اقتص منه بآلة كالَّة، أو) بآلة (مسمومة) فسرى (أو) أقتص منه (في حال حرٍّ مفرط، أو) في (برد شديد، فسرى، فعلى المقتصّ نصف

стр. 6296

الدية (١)) لأنه تلف بفعل جائز ومحرم (قال القاضى: كما لو جرحه جُرحين: جرحًا فى رِدَّته، وجرحًا بعد إسلامه، فمات منهما) أي: من الجرحين. (وإن قطع) الجاني (بعضَ أعضائه) أي: المجني عليه (ثم قَتَله بعد أن برئت الجراح، مثل أن قطع) الجاني (يديه ورجليه، فبرئت جراحته، ثم قتله) الجاني (فقد استقر حكم القطع بالبرء (ولولي القتيل) وهو وارث المجني عليه (الخيار) بين القِصاص والعفو، فـ (ـإن شاء عفا وأخذ ثلاث ديات) دية لليدين، ودية للرجلين، ودية للنفس (وإن شاء) الولىُّ (قَتَلَه وأخذ ديتين) دية لليدين، ودية للرجلين (وإن شاء قَطَعَ يديه ورجليه، وأخذ دية نفسه، وإن شاء) الولىُّ قَطَعَ يديه، أو رجليه، وأخذ ديتين، وإن شاء) الولىُّ (قَطَعَ طرفًا واحدًا) من اليدين، أو الرجلين (وأخذ دية الباقي) وهو ديتان ونصف؛ لأن كل جناية من ذلك استقَّ حكمها، فهي كالمتحدة. (و إن اختلفا في اندمال الجرح قبل القتل، وكانت المُدَّة بينهما يسيرة لا يحتمل اندماله في مثلها) عادةً (فقول الجاني) في عدمه (بغير يمين) لأنه الظاهر. (وإن اختلفا في مضيّها) أي: مضىّ مدة يندمل فيها الجرح (فقوله) أي: الجاني (أيضًا مع يمينه) لأن الأصل عدم الاندمال وعدم المضيّ. (وإن كانت المُدَّة) التي مضت بين الجرح والقتل (مما يحتمل البُرءُ فيها؛ فقول الولي مع يمينه) لأن الأصل عدم سقوط حكم الجناية.

стр. 6297

(فإن كان للجانى بينةٌ ببقاء المجني عليه ضَمِنًا (١) حتى قَتَلَه؛ حُكِم له ببينته) لعدم ما يعارضها (وإن كانت) البينة (للولي ببرئه، حكم له) أي: للولي (أيضًا) ببينته لعدم المعارض لها (فإن تعارضتا) أى: البينتان قُدمت بينة الولي؛ لأنها مثبتة للبرء) والمثبت مقدم على النافي. (و إن ظن ولىُّ دمٍ أنه اقتصَّ فى النفس، فلم يكن، وداواه) أى: الجاني (أهله حتى برئ، فإن شاء الولي دفع إليه دية فعْلِه) الذي فعله به (وقتله). (وإلا) أي: وإن لم يشأ الولى ذلك (تَرَكه) ولم يتعرض له، قال في "الفروع": هذا قضاء عمر وعلى ويعلى بن أمية؛ ذكره أحمد (٢). فصل (وإن قَتَل واحدٌ اثنين فأكثَر؛ واحدًا بعد واحد، أو دَفعةً واحدة،

стр. 6298

فاتفق أولياؤهم على قتله، قُتل لهم (١)) لأن الحق لهم، كما لو قتل عبدٌ عبيدًا خطأً فرضوا بأخذه؛ ولأنهم رضوا ببعض حقِّهم، كما لو رضي صاحب اليد الصحيحة بالشلاء (ولا شيء لهم سواه) أي: سوى القتل؛ لأنهم رضوا بقتله، فلم يكن لهم سواه. وإن طلب أحدهم القِصاص والباقون الدية فلهم ذلك. (وإن تشاحُّوا في من يقتله منهم على الكمال، أُقيد للأول إن كان قَتلَهم واحدًا بعد واحد) لأن حقَّه أسبق؛ ولأن المحل صار مستحقًا له بالقتل (وللباقين) بعد الأول (دية قتلاهم) لأن القتل إذا فات تعينت الدية (كما لو بادر غيرُ ولىِّ الأول واقتص) بجنايته، فللباقين الدية. (فإن كان وليُّ الأول غائبًا، أو صغيرًا، أو مجنونًا؛ انتُظِر) قُدومه، أو بلوغه، أو عقله؛ لأن الحق له. (وإن قتلهم دَفعةً واحدة، وتشاحُّوا؛ أُقرع بينهم) فيقتل بمن خرجت له القُرعة، وللباقين الدية. (وإن بادر غيرُ مَن وقعت له القُرعة فَقَتَله) فقد (استوفى حقَّه، وسقط حقُّ الباقين إلى الدية) لفوات القتل بالنسبة إليهم. (وإن قتلهم مُتفرِّقًا) واحدًا بعد واحد (وأشكل الأول، وادَّعى كل واحد) من الأولياء (الأولية، ولا بيِّنة) لواحد منهم (فأقرَّ القاتل لأحدهم؛ قُدِّم) المُقَرُّ له بالأولية (بإقراره) أي: القاتل على نفسه (وإلا) أي: وإن لم يُقِرَّ القاتل بالأولية لأحدهم (أُقرع) كما لو قتلهم معًا. (فإن عفا وليُّ الأول عن القَوَد، قُدِّم وليُّ المقتول الأول بعده) لأن

стр. 6299

الأول إنما قدِّم عليه بسبقه، وقد سَقَط حقُّه؛ لرضاه بالدية. (فإن لم تكن أولية بعده) أى: العافى (أو جهلت) الأولية بعده (فبقُرعة) لأنه لا مرجِّح غيرها. (وإن عفا أولياء الجميع إلى الديات، فلهم ذلك) لأنهم رضوا ببعض حقِّهم، ولا تتداخل حقوقهم؛ لأنها حقوق مقصودة لآدمي فلم تتداخل، كالديون (١). (وإن أراد أحدُهم القوَد، و) أراد (الآخرون الدية؛ قُتِل لمن اختار القود، وأعطي الباقون دية قتلاهم من مال القاتل) لأنه عمد مَحْضٌ، فلا تحمله العاقلة. (و إن قَتَل رجلًا) أو امرأة (وقطع طرفًا من آخر ؛ قُطِع طرفُهُ أولًا) لأنه لو بدئ بالقتل لفات القطع، وفيه تفويت لحقِّ المقطوع، فوجب تقديم القطع؛ لما فيه من الجمع بين حقِّي القتل والقطع (ثم قُتِل لولىِّ المقتول بعد الاندمال) لأنه لا معارض له (تقدَّم القتل) على القطع (أو تأخَّر) عنه؛ لأنهما جنايتان على شخصين فلم يتداخلا، كقطع يد رَجُلين؛ ولأنه أمكن الجمع بين الحقين، فلم يجز إسقاط أحدهما. (و إن قَطَع يَدَ رجُل، ثم (٢) قتل آخر، ثم سرى القطعُ إلى نفس المقطوع فمات، فهو قاتل لهما) لأن سراية العَمْد مضمونةٌ (فإن تشاحَّا في الاستيفاء، قُتل بالذي قتله) لسبقه وتأخُر السراية (ووجبت الدية كاملة للمقتول بالسراية، ولم يُقطع طرفه) لأنه قطعٌ صار قتلًا. (و إن قَطَع يَدَ واحدٍ وإصبع آخر من يد نظيرتها ؛ قُدِّم ربُّ اليد إن

стр. 6300

كان أولًا) لسبقه (وللآخر دية إصبعه) لتعذُّر القِصاص فيه (ومع أوَّليته) بأن كان قطع الإصبع أولًا (تقطع إصبعه، ثم يَقتصّ ربُّ اليد بلا أرش) لأنه لا يجمع في عضو واحد بين قِصاص ودية، كالنفس، وهذا بخلاف النفس، فإنها لا تنقص بقطع الطرف، فقطعه لا يمنع التكافؤ، بدليل أخذ صحيح الأطراف بمقطوعها، وقطع الإصبع من اليد يمنع التكافؤ في اليد، بدليل أنا لا نأخذ الكاملة بالناقصة، واختلاف ديتهما. (و إن قَطَع أيدي جماعة) اثنين فأكثر دفعة، أو متفرِّقًا (فحكمه حكم القتل فيما تقدم) لأن القطع كالقتل. فإن رضوا بقطع يده قطعت لهم، ولا شيء لهم سواه. وإن تشاحُّوا بُدئ بالأول، ولمن بقي الدية. وإن كان القطع معًا، أو جهل الأول؛ أُقرع. وإن رضي الأول بالدية أُعطيها، وقُطع للباقين. (وإن بادر بعضهم فاقتصَّ بجنايته فى النفس أو في الطرف، فلمن بقي الديةُ على الجاني) في ماله، ولا تحملها العاقلة؛ لأنه عَمْدٌ محض. (ويأتي: إذا قَتَل) خارجَ الحرم ثم لجأ إليه (أو أتى حدًّا خارجَ الحرم، ثم لجأ إلى الحرم؛ آخرَ كتاب الحدود) مفصَّلًا.

стр. 6301

باب العفو عن القصاص أجمعوا (١) على جواز العفو عن القِصاص وأنه أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢). والقِصاص كان حتمًا على اليهود، وحُرِّم عليهم العفو والديةُ، وكانت الدية حتمًا على النصارى، وحُرِّم عليهم القِصاص، فخُيِّرت هذه الأمة بين القِصاص وأخذ الدية والعفو، تخفيفًا ورحمة، وكان النبي ﷺ "لا يُرفَعُ إليه أمرٌ فيه القِصاصُ إلا أمَرَ فيه بالعَفوِ" رواه الخمسة إلا النسائي من حديث أنس (٣). والقياس يقتضيه؛ لأن القِصاص حق له، فجاز تركه كسائر

стр. 6302

الحقوق. والعفو: المحو والتجاوز. (الواجب بقتل العمد أحد شيئين: القود، أو الدية) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) أوجب الاتِّباع بمجرد العفو، ولو وجب بالعمد القِصاصُ عينًا لم تجب الدية عند العفو المطلق (فيُخير الولي بينهما) فإن شاء اقتصّ، وإن شاء أخذ الدية (ولو لم يرضَ الجاني) لقول ابن عباس: "كان في بني إسرائيلَ القِصَاصُ، ولم تكُن فيهم الدية، فأنزَلَ الله تعالى هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى … ﴾ الآية ((١)) " رواه البخاري (٢). وعن أبي هريرة مرفوعًا: "مَن قُتِلَ له قَتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرين: إمَّا أن يُودَى، وإما أن يُقَادَ" متفق عليه (٣). (وإن عفا مجانًا فهو أفضل) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٥) وكان النبي ﷺ يأمر به (٦). (ثم لا عقوبة على جانٍ؛ لأنه إنما عليه حق واحد وقد سقط) كعفوٍ عن دية قاتل خطأ. قال الشيخ تقي الدين (٧): العدل نوعان، أحدهما: هو الغاية وهو

стр. 6303

العدل بين الناس، والثاني: ما يكون الإحسان أفضل منه؛ وهو عدل الإنسان بينه وبين خصمه، من الدم والمال والعِرض، فإن استيفاء حقه عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانًا إلا بعد العدل، وهو ألا يحصُل بالعفو ضرر، فإذا حصل منه ضررٌ، كان ظُلمًا من العافي لنفسه، وأما لغيره فلا يُشرع، ومحله ما لم يكن لمجنون أو صغير، فلا يصحُّ العفو إلى غير مال، لأنه لا يملك إسقاط حقه. (وإن اختار) الوليُّ (القودَ، أو عفا عن الدية فقط، فله أخذها) أي: الدية؛ لما فيه من المصلحة له وللجاني، وتكون بدلًا عن القِصاص، وليست التي وجبت بالقتل (ولو سخط الجاني) لأن الدية دون القِصاص، فكان له أن ينتقل إليها؛ لأنها أقل من حقِّه (وله) أي: لمن وجب له القِصاص (الصلحُ على أكثر منها) أي: الدية (وتقدم في الصلح (١)) موضحًا. (ومتى اختار) الولىُّ (الديةَ تعيَّنتْ، وسقط القودُ) قال أحمد: إذا أخذ الدية فقد عفا عن الدم (٢) (ولا يملك طلبَه) أي: القود (بعدُ) أي: بعد اختيار الدية؛ لأنه إذا سقط لا يعود (فإن قتله بعد ذلك) أي: اختيار الدية (قُتِل به) لأنه عمدٌ عدوانٌ. (وإن عفا مطلقًا) بأن لم يقيِّدهُ بقَوَدٍ ولا دية، فله الدِّية؛ لانصراف العفو إلى القَوَدِ؛ لأنه في مقابلة الانتقام، والانتقام إنما يكون بالقتل (أو) عفا (على غير مال) بأن عفا على خمرٍ ونحوه، فله الدية (أو) عفا (عن

стр. 6304

القَوَدِ مطلقًا) بأن قال: عفوتُ عن القود، ولم يقيِّده بشيء (ولو) كان العفو (عن يده) أي: المجني عليه، أو رجله ونحوهما (فله الدية) لانصراف العفو إلى القَوَدِ، كما تقدَّم. (وإن قال) مستحِقُّ القود (لمن) له (عليه قود: عفوتُ عن جنايتك، أو): عفوت (عنك؛ برئ من الدية، كالقود، نصًّا (١)) لأن عفوه عن ذلك يتناولهما. (وإذا جنى عبدٌ على حُرٍّ جنايةً موجبة للقِصاص، فاشتراه المجنيُّ عليه بأرش الجناية؛ سقط القِصاصُ) لأن شراءه بالأرش اختيار للمال (ولم يصح الشراء؛ لأنهما إن لم يعرفا قَدْر الأرش، فالثمن مجهول) وشرط البيع معرفة الثمن (وإن عرفا عدد الإبل) أو البقر أو الغنم (وأسنانها، فصفتها مجهولة) وذلك يُنافي صحة البيع (فإن قدَّر الأرش بذهب أو فضة فباعه به؛ صح) البيع للعلم بالثمن. (وتقدم -أول الباب (٢)، قبله- عفوُ وليّ المجنون والصغير. ويصح عفوُ المُفلِس والمحجور عليه لسفه عن القِصاص) لأنه ليس بمال. (وإن أراد المفلس القِصاص، لم يكن لغرمائه إجبارُه على تركه) ليأخذ الدية؛ لأنها غير متعيّنة له (وإن أحب) المُفلِس (العفوَ عنه إلى مال، فله ذلك) كغير المفلس. و (لا) يعفو (مجانًا) لأن المال واجب، وليس له إسقاطه؛ إذا قلنا: الواجب أحد شيئين. وإن قلنا: الواجب القَوَد عينًا؛ صَحَّ عفوه

стр. 6305

مجانًا (١)؛ لأنه لم يجب إلا القود وقد أسقطه. هذا معنى كلامه في "الكافي" و"الشرح". وفي "المنتهى" وغيرِه: يصح عفوه مجانًا؛ لأن الدية لم تتعيَّن، وقاله في "المغني". (وكذا) أي: كالمُفلِس فيما تقدم من استيفاء القِصاص والعفو على مال، أو مجانًا (السفيهُ، ووارث المفلس، والمُكاتَب، وكذا المريض فيما زاد على الثلث) والمذهب صحة العفو من هؤلاء مجانًا؛ لأن الدية لم تتعيّن، كما تقدم في المُفلِس. (و إن مات القاتل أو قُتِل، وجبت الدية في تركته) لأنه تعذَّر استيفاء القود من غير إسقاطِ (كتعذُّره في طَرَفه) أي: تعذُّرِ القود في طَرَف الجاني لقطع أو شللِ (و) كـ (ـقتل غير المكافئ. وإن لم يخَلِّف) الجاني (تركةً سقط الحق) يعني لم تُطالَب به عاقلتُه؛ لأنها لا تحمل العمد المحض. (وإن قطع) الجاني (إصبعًا عمدًا فعفا) المجني عليه (عنه ثم سرت) الجناية (إلى الكفِّ أو) إلى (النفس، والعفو على مال أو على غير مال، فله تمام ديةِ ما سرت إليه) الجناية؛ لأن المجنى عليه إنما عفا عن دية الإصبع، فوجب أن يثبت له تمام الدية، ضرورةَ كونه غير معفو عنه، ولا قصاص؛ لتعذره في النفس دون ما عفا عنه، فسقط في النفس، كما لو عفا بعض الأولياء. (وإن كان الجرح لا قِصاص فيه كالجائفة، فعفا) المجروح (عن القِصاص، ثم سرى إلى النفس، فلوليه القِصاص؛ لأنه لا يصح العفو عن قود ما لا قود فيه) فلم يوثر عفوه (وله) أي: وليِّ المجروح (بعد السراية
следующие страницы →