← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

الحافظ ابن حجر (١). القسم (التاسع: أن يشهد اثنان فأكثرُ على شخص بقتلٍ عمدٍ، أو رِدَّة حيث امتنعت التوبة، أو) يشهد (أربعة فأكثر بزنى مُحصَنٍ، ونحوِ ذلك مما يوجب القتل، فقُتل بشهادتهم، ثم رجعوا واعترفوا بتعمُّد القتل، فعليهم القِصاصُ) لما روى القاسم بن عبدالرحمن "أن رجلين شهدا عند علي (٢) أنه سرق فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما، فقال عَليٌّ: لو أعلم أنكما تَعَمَّدتما لقطعت أيديكما" (٣)؛ ولأنهما توصَّلا إلى قتله بسبب يقتل غالبًا، أشبه المسكر (٤). وقوله: "حيث امتنعت التوبة" بأن شهدا أنه سبَّ الله أو رسولَهُ ونحو ذلك، بخلاف ما تُقبَل فيه التوبة، إذ يمكنه دفعهما بالتوبة. (وكذلك الحاكم، إذا حكم على شخص بالقتل عالمًا بذلك) أي: بكذب البينة (متعمِّدًا، فَقُتِل، واعترف) الحاكم بذلك (فعليه القِصاص) لأنه في معنى الشهود، فكان الحاصل بسببه عمدًا، كالقتل الحاصل بسبب الشاهدين. (ولو أن الوليَّ الذي باشر قَتْلَه أقرَّ بعلمِه بكَذِب الشُّهود، وتعمُّدِ

стр. 6232

قتله، فعليه القِصاصُ وحدَه) لأنه باشر القتل عمدًا بغير حق (فإن أقرَّ الشاهدان والوليُّ والحاكمُ جميعًا بذلك) أي: بالكذب والتعمُّد لقتله (فعلى الوليِّ المباشرِ) للقتل (القِصاصُ وحده -أيضًا-) لأنه باشر القتلَ عمدًا عدوانًا، قال في "الشرح": ينبغي ألا يجب على غيره شيء؛ لأنهم متسببون، والمباشر يُبْطِلُ حكمها، كالدافع مع الحافر. (وإن كان الوليُّ لم يباشِر) القتل (وإنما باشر وكيلُه، فإن كان الوكيل عالمًا؛ فعليه القِصاص وحدَه) لأنه المباشِر (وإلا) أي: وإن لم يكن الوكيل عالمًا (فعلى الوليِّ) القصاص، كما لو باشره (فيختصُّ مباشرٌ عالمٌ بالقَوَد، ثم وليٌّ) عالم (ثم بيِّنة وحاكمٌ، ومتى لزمت الديةُ الحاكمَ والبينةَ، فهي بينهم سواء، على الحاكم مثلُ واحد منهم) لأن الجميع متسببون (ولو رجع الولي والبيِّنة، ضمنه الولي وحده) لمباشرته القتل. (ولو قال بعضهم: عَمَدْنا قتلَه، وقال بعضُهم: أخطأنا -يريد كلُّ قائل نفسه دون البعض الآخر؛ قاله ابن قُندس في "حاشية الفروع"-، أو قال واحد: عَمَدْتُ قتله، وقال الآخر: أخطأت؛ فلا قود على المتعمِّد) لأن القتل لم يتمحَّض موجبًا (وعليه) أي: المتعمِّد (حِصَّته من الدِّية المغلَّظة) مؤاخذةً له بإقراره (وعلى المخطئ حِصَّته من الدية المخفَّفة. ولو قال كلُّ واحدٍ منهم: تعمَّدتُ وأخطأ شريكي، أو قال واحد: عمَدنا جميعًا، وقال الآخر: عمدتُ وأخطأ صاحبي، أو قال واحد: عمدتُ ولا أدري ما فعل صاحبي؛ فعليهما القود) لاعتراف كلٍّ منهما بالقتل عمدًا عدوانًا. (ولو قال واحد: عمدنا) حال كونه (مخبرًا عنه وعمن معه، وقال الآخر: أخطأنا. مخبرًا عنه وعمن معه؛ لزم المُقِرَّ بالعمد القَوَدُ) مؤاخذةً

стр. 6233

له بإقراره (و) لزم (الآخر نصف الدية مخففة إذا كانا اثنين) فإن كانوا ثلاثة فأكثر، فقال واحدٌ منهم: عمدنا، وقال آخر: أخطأنا؛ فلا قَوَد، وعلى من قال: عمدنا حصتُه من الدية المغلَّظة، والآخر حِصَّته من الدية المخفَّفة، ولو قالوا: عمدنا الإشهاد دون القتل؛ فالدية. (وإن قالا: أخطأنا، فعليهم (١) الدِّية مخفَّفة. ولو حفر في بيته بئرًا، وسَتَره ليقع فيه أحدٌ، فوقع) فيها أحد (فمات، فإن كان) الواقع (دخل بإذنه؛ قُتل به) لتسببه في قتله (لا إن دخل بلا إذنه، أو كانت مكشوفة بحيث يراها الداخل، أو لم يقصده) أي: القتل، فلا يُقتل به، ويأتي بأوضح من هذا في الديات. (ولو جعل في حَلْقِ زيدٍ خُراطةً) أي: حبلًا ونحوه (وشدَّها في شيء عال، وتَرَك تحتَه حجرًا، فأزاله آخرُ عمدًا، فماتَ، قُتِل مزيلُه دون رابطه) كالحافر مع الدافع. (وإن جَهِل) المُزيلُ (الخُراطةَ فلا قود) عليه؛ لأنه لم يتعمَّد القتل (وعلى قاتله في ماله الدية) جزم بمعناه في "المنتهى" وغيره. وفيه نظر؛ لأنه إن كان عمدًا، أوجب القود، وإن كان خطأً أو شبه عمد، فالدية على العاقلة. (ولو شَدَّ على ظهره قِرْبةً منفوخةً وألقاه في البحر، وهو لا يُحسن السباحةَ، فجاء آخرُ وخَرَق القِربةَ، فخرج الهواء، فغرق، فالقاتل هو الثاني) لأنه المباشر، والأول متسبب. (واختار الشيخ (٢)، أن الدَّالَّ) على المقتول ليُقتل ظلمًا (يلزمه

стр. 6234

القود إن تعمَّد) وعلم الحال، ولعل مراده إذا تعذَّر تضمين المباشر، وإلا، فهو الأصل (وإلا) أي: وإن لم يتعمد الدالُّ (فـ) ــعليه (الدية. و) اختار الشيخ (١) أيضًا (أنَّ الآمر) بالقتل بغير حق (لا يرث) من المقتول شيئًا؛ لأن له تسببًا في القتل. فصل (وشِبه العمد، ويُسمَّى: خطأَ العمدِ، وعمدَ الخطإ) لاجتماعهما فيه (أن يقصد الجناية إما لقصد العدوان عليه، أو) قصد (التأديب له، فيسرف فيه بما لا يقتل غالبًا ولم يجرحه بها، فَيَقْتل، قَصَدَ قتله أو لم يقصده) سُمِّي بذلك؛ لأنه قصَد الفعلَ وأخطأ في القتل. (نحو أن يضربه بسوط أو عصًا، أو حجر صغير، أو يَلْكِزَه بيده، أو يُلقيه في ماء قليل، أو يسحره بما لا يقتل غالبًا، أو بسائر ما لا يقتل غالبًا، أو يصيح بصبي (٢) أو معتوه وهما على سطح أو نحوه) من الأمكنة المرتفعة (فيسقطان) فيموتان (أو يغتفل عاقلًا فيصيح به، فيسقط فيموت، أو يذهب عقله، فـ) ــهذا كله لا قود فيه؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا قال: "عَقْلُ شبهِ العمد مغلَّظٌ مثلُ عَقْلِ العمدِ، ولا يُقتلُ صاحبُه" رواه أحمد وأبو داود (٣).

стр. 6235

وعن عبدالله بن عمرو مرفوعًا: "ألا إن في قتل الخطأ شبهِ العمد قتيل السوط والعصا: فيه مائةٌ من الإبل، منها أربعونَ في بطونها أولادها" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (١)، ولهم من حديث ابن عمر مثله (٢)، ورواهما النسائي والدارقطني مسندًا ومرسلًا. وهذا القسم ثبت بالسُّنة، والقسمان الآخران ثبتا بالكتاب. و (فيه الكفَّارة إذا مات) المجني عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ

стр. 6236

مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١) والخطأ موجود في هذه الصور (والدية على العاقلة) لحديث أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتانِ من هُذيلٍ، فرمتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ فقتَلَتْها وما في بطنها، فقضى النبيُّ ﷺ أن دية جنينها عبدٌ أو وليدةٌ، وقضى بدِيَة المرأة على عاقلَتها" متفق عليه (٢). (وإن صاح بمكلَّفٍ أو مكلَّفة فسقطا) فماتا، أو ذهب عقلُهما (فلا شيء عليه) إذا لم يغتفلهما؛ لأنه لم يَجنِ عليهما. (و إمساك الحية محرَّم وجناية) لأنه ألقى (٣) بالنفس إلى الهلاك، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤). (فلو قتلت) الحيةُ (ممسكَها من مُدَّعي المشيخة ونحوه، فـ) ـهو (قاتل نفسه) لأنه فعل بها ما يقتل غالبًا. (و) إمساك (٥) الحية (مع ظَنِّ أنها لا تقتُلُ؛ فشِبه عمدٍ، بمنزلة من أكل حتى بَشِمَ (٦)، فإنه لم يقصد قتلَ نفسه). قلت: ونظير ذلك كل ما يقتل غالبًا، من المشي في الهواء على الحبال، والجري في المواضع البعيدة مما يفعله أرباب البطالة والشطارة، ويحرم -أيضًا- إعانتهم على ذلك، وإقرارهم عليه.

стр. 6237

فصل (والخطأ) ضربان: ضَرْب في الفعل (كرمي صيدٍ، أو غرضٍ، أو شخصٍ ولو معصومًا، أو بهيمة ولو محترمة، فيصيب آدميًّا معصومًا لم يقصده) فهو خطأ، قدَّمه في "المغني" وهو مقتضى كلامه في "المحرر" وغيره، وقيل: إذا رمي معصومًا، أو بهيمة محترمة، فأصاب آدميًّا معصومًا لم يقصده؛ فهو عمد. قال في "الإنصاف": وهو منصوص الإمام أحمد (١)؛ قاله القاضي في روايته (٢)، وهو ظاهر كلام الخرقي. ا هـ، وهو مفهوم "المنتهى" (أو ينقلبُ عليه نائمٌ ونحوه) كمغمًى عليه (فعليه الكفَّارة، والديةُ على العاقلة) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً. . .﴾ الآية (٣). الضرب الثاني: خطأ في القصد، وهو نوعان: أحدهما: أن يرمي ما يظنُّه صيدًا أو هدفًا، أو مباح الدم، فيصيب آدميًّا لم يقصده. الثاني: ما ذكره بقوله: (وإن قَتَل في دار الحرب من يظنُّه حربيًّا، فيتبين مسلمًا، أو يرمي إلى صف الكفَّار، فيصيب مسلمًا) لم يقصده (أو يتترَّس الكفارُ بمسلم ويخاف علي المسلمين إن لم يرمِهم، فيرميهم، فيقتل المسلمَ، فهذا فيه الكفَّارة) روي عن ابن عباس (٤)؛ لقوله تعالى:

стр. 6238

﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١) (بلا دِية) للآية المذكورة، فإنه لم يذكر دِية في هذا القسم، وذكرها في اللذين قبله وبعده. (قال الشيخ (٢): هذا في المسلم الذي هو بين الكفَّار معذورٌ كالأسير، والمسلم الذي لا يمكنُه الهجرةُ والخروجُ من صَفِّهم، فأما الذي يقف في صفِّ قتالهم باختياره، فلا يُضمن بحال) لأنه الذي عرَّض نفسه للتلف بلا عُذر. (وإن قُتل بسببٍ كالذي يحفر بئرًا، أو ينصب حجرًا، أو سكينًا، ونحوه، تعديًا ولم يقصد جناية، فيؤول إلى إتلاف إنسان، فسبيله سبيل الخطأ)، لأنه يشارك الخطأ في الإتلاف، وإنما لم يُجعل خطأً، لعَدَمِ القصدِ في الجملة. هذا كلام الموفَّق ومن تابعه، وعند الأكثر: هو من الخطأ، وهو مقتضى كلامه أولًا حيث جعل القتل ثلاثة أقسام. قال في "المحرر": والقتل بالسبب مُلحَقٌ بالخطأ إذا لم يقصد به الجناية (فإن قصد جناية؛ فشِبه عمدٍ محرَّم) وقد يقوى فيلحق بالعمد كما

стр. 6239

ذكرنا في الإكراه والشهادة. (وعمد الصبيِّ والمجنون خطأ لا قِصاص فيه) لأنه عقوبة، وغير المكلَّف ليس من أهلها. (والدِّيَةُ على العاقلة حيث وجبت) في الخطأ (والكفَّارة في ماله) في الخطأ وما أجري مجراه. (ولو قال) القاتل: (كنتُ حالَ الفعل (١) صغيرًا أو مجنونًا، وأمكن) صدقه (صُدِّق بيمينه) لأنه منكِرٌ، والأصل عدم الموجب، وإن لم يمكن صدقه، بأن لم يعهد له حال جنون ونحوه؛ لم يُصَدَّق، وإن قال: أنا الآن صغير، واحتمل؛ صُدِّقَ ولا يمين (ويأتي في الباب بعده). فصل (وتُقتَلُ الجماعةُ بالواحد إذا كان فِعلُ كلِّ واحد منهم صالحًا للقتل به) لو انفرد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصُ حَيَاةٌ﴾ (٢)؛ لأنه إذا علم أنه متي قَتَل قُتِل به؛ انكَفَّ به، فلو لم يشرع القِصاص في الجماعة بالواحد، لَبَطَلَتِ الحكمة في مشروعية القِصاص. ولإجماع الصحابة، فروى سعيد بن المسيب: "أن عمر قتل سبعةً من أهل صنعاءَ قتلوا رجلًا" (٣) وعن

стр. 6240

علي (١) وابن عباس (٢) معناه، ولم يُعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان كالإجماع (٣)؛ ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت على الجماعة، كحد القذف. والفرق بين قتل الجماعة والدِّيَةِ: أن الدم لا يتبعَّض، بخلاف الدِّيَةِ. (وإلا) أي: وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة للقتل، كما لو ضَرَبه كلُّ واحد منهم بحجر صغير فمات (فلا) قِصاص عليهم؛ لأنه لم يحصُل من واحد منهم ما يوجب القود (ما لم يتواطؤوا على ذلك) الفعل؛ ليقتلوه به؛ فعليهم القِصاص؛ لئلا يُتَّخذ ذريعة إلى دَرْءِ الِقصاص. (وإن عَفَا عنهم) أي: عن القاتلين (الوليُّ؛ سقط القود) للعفو (ووجبت دِيَةٌ واحدة) لأن القتل واحد، فلا يجب أكثر من دِيَةٍ، كما لو قتلوه خطأً (ويأتي حكم الاشتراك في) قطع (الطرفِ في) باب (ما يوجب القصاص فيما دون النفس. وإن جَرَحه واحد جرحًا، و) جرحه الـ (ـــآخر مائة) ومات (فهما سواء في القِصاص والدِّيَةِ) لأن اعتبار التساوي يُفضي إلى سقوط القِصاص على المشتركين؛ إذ لا يكاد جرحان يتساويان من كل وجه،

стр. 6241

ولو احتمل التساوي لم يثبت الحكم؛ لأن الشرط يعتبر العلم بوجوده ولا يكتفي باحتمال وجوده، بل الجهل بوجوده كالعِلم بعدمه في انتفاء الحكم؛ ولأن الجرح الواحد يحتمل أن يموت به دون المائة. وكذا لو أوضحه أحدهما، وشجَّه الآخر آمَّة، أو جرحه أحدهما جائفة والآخر غير جائفة. (فإن قطع واحدٌ يدَه، و) قطع (آخرُ رِجلَه، وأوضحه ثالث فمات، فللولي قتل جميعهم) لاشتراكهم في القتل. (و) له (العفو عنهم إلى الدِّيَةِ) فيأخذ (من كل واحد (١) ثلثها، وله أن يعفو عن واحد) منهم (فيأخذ منه ثلث الدِّيَةِ ويقتل الآخرين، وله أن يعفو عن اثنين) منهما (فيأخذ منهما (٢) ثلثيها) أي: الدِّيَة (ويقتل الثالث) كما لو انفرد كل واحد منهم بالقتل. (وإن برئت جراحة أحدهم، ومات) المجروح (من الجرحين الآخرين، فله) أي: الولي (أن يقتصّ من الذي برئ جرحه بمثل جرحه) كما لو لم يَشْرَكْهُ أحد (ويقتل الآخرين) لانفرادهما بالقتل (أو يأخذ منهما دية كاملة) لما تقدم (أو يقتل أحدهما ويأخذ من الآخر نصف الدية. وله أن يعفو عن الذي برئ جرحه، ويأخذ منه دِية جرحه) ثم يفعل مع الآخرين كما تقدم. (و إن ادَّعى الموضِحُ أن جرحه برئ قبل موته، وكذَّبه شريكاه، فإن صَدَّقه الوليُّ، ثَبَتَ حكم البرء بالنسبة إليه) أي: إلى الولي؛ مؤاخذة

стр. 6242

له بإقراره (فلا يملك قتلَه ولا مطالبته بثلث الدية) لاعترافه أنه لا يستحق ذلك عليه. (وله) أي: الولي (أن يقتصَّ منه مُوضِحةً، أو يأخذ منه أرْشَها) خمسًا من الإبل. (ولم يُقبل قوله) أي: الموضِح، ولا الولي المصدِّق له (في حق شريكيه) لأنه إقرار على غيره. (فإن اختار الوليُّ القِصاصَ، فله قتلهما) كما لو لم يدّع ذلك (وإن اختار) الولي (الدِّية، لم يلزمهما أكثر من ثلثيها) كما لو لم يدّع البرء. (وإن كذَّبه الوليُّ) في دعواه أن جرحه برئ (حَلَف) الولي؛ لأنه منكر (وله) أي الولى (الاقتصاصُ منه أو مطالبته بثلث الدية، ولم يكن له مطالبة شريكيه بأكثر من ثلثيها) أي: الدية. (وإن شهد له شريكاه ببُرْئها، لَزِمهما الدِّيةُ كاملةً) لأن ذلك موجب شهادتهما، فيؤاخذان به (للوليِّ أخذُها) أي: الدية (منهما، إن صَدَّقهما، وإن لم يُصدِّقهما أو عفا إلى الدِّية، لم يكن له) أي: الولي (أكثرُ من ثُلُثيها) لاعترافه أنه لا يستحق عليهما سوى ذلك. و"أو" بمعنى الواو (وتُقبل شهادتهما) لشريكهما في الجناية؛ لأنها لا تدفع عنهما ضررًا ولا تجلب نفعًا (إنْ كانا قد تابا وعدلا) وإلا فشهادة غير مقبولة (١) (فيسقط القِصاصُ) عن المشهود له في النفس؛ لعدم سراية جرحه (ولا يلزمه أكثر من موضحة). قلت: ويتعيَّن أرشها دون القِصاص مع تكذيب الولي؛ لاعترافه بعدم استحقاقها.

стр. 6243

(وإن قطع واحدٌ يديه (١) من الكوع، و) قطع (آخر من المرفق فمات، فهما قاتلان) أي: فهما سواء في القِصاص أو الدية (ما لم يبرأ الأولُ) لأنهما قَطْعان، فإذا مات بعدهما، وجب عليهما القِصاص كما لو كانا في يدين. (فإن برئ) الأول قبل قطع الثاني (فـ) ـالقاتل (الثاني) لأن جناية الأول قد انقطعت سرايتها بالاندمال، فيخيّر الولي في الثاني بين القِصاص والدية. (فإن اندمل القَطْعان؛ أقيد الأول، بأن يُقطع من الكوع) كما قَطَعَ (والثاني: إن كانت كفُّه مقطوعة؛ أُقيد -أيضًا- فتقطع يده من المرفق) كما فَعَلَ (وإن كان له) أي: الثاني (كفٌّ) فلا قِصاص؛ لتعذُّره (فـ) ـتجب (حُكُومَة) قدّمه في "المبدع" وغيره. وقيل: ثُلُث دية يد، وجزم به في "المنتهى" في دية الأعضاء ومنافعها. (وإن قتله جماعة) اثنان فأكثر (بأفعال لا يصلُحُ واحدٌ منها لقتلِه، نحو أن يضربه كلُّ واحدٍ سوطًا في حالة أو متواليًا؛ فلا قود، وفيه عن تواطؤ وجهان) قاله في "الترغيب" (الصواب) وجوب (القود) وتقدم معناه. (وإن فعل واحدٌ فعلًا لا تبقى معه الحياة، كقطع حُشوته أو مريئه، أو وَدَجيه، ثم ضرب عنقه آخر، فالقاتل هو الأول) لأن الحياة لا تبقى مع جنايته. والحُشوة -بضم الحاء وكسرها-: الأمعاء. والمَرِيء -بالمد-: مجرى الطعام والشراب في الحلق. والوَدَجان -بفتح الواو (٢)

стр. 6244

وكسرها-: عرقان في العنق. (ويُعزَّر الثاني كما يُعزَّر جان على ميت) فلهذا لا يضمنه ولو كان عبدًا، فالتصرُّف فيه كميت. (وإن شَقَّ الأولُ بطنَه، أو قطع يده، ثم ضَرَب الثاني عنقه، فالثاني هو القاتل) لأنه المفوِّت للنفس جزمًا، فعليه القِصاص في النفس، أو الدية إن عفي عنه؛ لأنه لم يخرج بجرح الأول من حكم الحياة (وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدية. ولو كان جرح الأول يُفضي إلى الموت لا محالة، إلا أنه لا يخرج به عن حكم الحياة، وتبقى معه الحياة المستقرّة، كخرق المِعَا (١)، أو) خرق (أمِّ الدماغ، وضَرَب الثاني عنقه؛ فالقاتل الثاني) لأن عُمَر لما جُرح وسُقي لبنًا فخرج من جوفه، عَلِمَ أنه ميتٌ وعهد إلى الناس، وجعل الخلافة في أهل الشورى، فقَبِل الصحابة عهده وعملوا به (٢). (وإن رماه) الأول (من شاهق يجوز أن يَسْلم منه) لقربه (أو لا) يجوز أن يسلم منه لعلوه (وتلقَّاه آخر بسيف فقَدَّه) فالقِصاص على الثاني؛ لأنه فوَّت حياته قبل المصير إلى حال ييأسُ فيها من حياته. (أو رماه بسهمٍ قاتلٍ فقطع عنقه آخر قبل وقوع السهم به، أو ألقى عليه صخرة فأطار آخر رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه، فالقِصاص على الثاني) لأنه القاتل؛ لما تقدم. (وإن ألقاه في لُجَّة لا يمكنه التخلص منها، فالتقمه حوت، فالقود

стр. 6245

على الرامي) لأنه ألقاه في مهلكة هلك بها من غير واسطة يمكن إحالة الحكم عليها، أشبه ما لو مات بالغرق، أو هلك بوقوعه على صخرة ونحوها. (وإن ألقاه في ماءٍ يسير فأكله سبع، أو التقمه حوتٌ أو تمساح، فإن علم الرامي بالحوت ونحوه) كالتمساح (فالقَوَد) لأنه فعلٌ يقتل غالبًا. ولا فرق فيما تقدم بين أن يلتقمه قبل أن يَمَسَّ الماءَ أو بعده، قبل الغرق أو بعده، بأن التقمه بعد حصوله فيه قبل غرقه. (وإلا) أي: وإن لم يعلم بالحوت ونحوه، مع قلة الماء (فالدية) لأنه هلك بفعله، ولا قَوَد؛ لأن الذي فعله لا يقتل غالبًا. (وإن أكره) مكلَّفٌ (مكلَّفًا على قتل معيَّن فقتَلَه، فالقِصاص عليهما) لأن المُكْرِه تسبب إلى قتله بما يُفضي إليه غالبًا، أشبه ما لو أنهشه حية، والمُكْرَه قتله ظلمًا لاستبقاء نفسه، كما لو قتله في المجاعة لمَأكلة (١)، فعلى هذا إن صار الأمر إلى الدية، فهي عليهما كالشريكين. لا يقال: المكرَه مُلْجَأ؛ لأنه غير صحيح؛ لأنه يتمكن من الامتناع، ولهذا يأثم بالقتل، وقوله ﷺ : "عُفِيَ عن أمتي عما استُكْرِهوا عليه" (٢) محمول على غير القتل (٣).

стр. 6246

(وإن كان) الذي أُكره على قتله (غير معيّن، كقوله: اقتل زيدًا أو عمرًا، أو: اقتلْ أحد هذين؛ فليس إكراهًا، فإن قَتَل أحدهما؛ قُتِل) القاتل (به) وحده. (وإن أكره سعدٌ زيدًا على أن يُكرِه عمرًا على قَتْلِ بكرٍ؛ فَقَتَله؛ قُتِل الثلاثة -جزم به في "الرعاية الكبرى") ومعناه في "المنتهى"- المباشر؛ لمباشرته القتل ظلمًا، والآخران؛ لتسببهما إلى القتل بما يُفضي إليه غالبًا. (وإن دفع لغير مكلَّف آلة قَتْلٍ كسيفٍ ونحوه) كلُتٍّ وسكين (ولم يأمره بقتل فَقَتَل، لم يلزم الدافع شيء) لأنه ليس بآمر ولا مباشر. (وإن أمر غيرَ مكلَّفٍ) بالقتل فَقتَل (أو) أمر (عبدَه) بالقتل فَقتَل (أو) أمر (كبيرًا عاقلًا، يجهلان) أي: العبد والكبير العاقل (تحريمَ القتل، كمن نشأ في غير بلاد الإسلام فَقَتَل؛ فالقِصاص على الآمر) لأن القاتل هنا كالآلة، أشبه ما لو أنهشه حية (ويؤدَّب المأمور) بما يراه الإمام، من حبس أو ضرب. (وإن كان العبدُ ونحوه) كالكبير العاقل الذي يجهل تحريمه (قد أقام في بلاد الإسلام بين أهله، وادَّعى الجهلَ بتحريم القتل؛ لم يُقبل) منه؛ لأنه لا يخفى عليه إذًا تحريمُ القتل، ولا يُعذر فيه إذا كان عالمًا (والقِصاص عليه) أي: العبد ونحوه؛ لمباشرته القتل بلا عذر (ويؤدَّب السيد) الآمر له به. (وإن أمره) أي: العبد سيده (بزنًى أو سرقة فَفَعَل، لم يجب الحد على الآمر) بل على المباشر (جهل المأمور التحريم، أوْ لا) لكن إذا جهل تحريم الزنى، فلا حَدَّ عليه كما يأتي في بابه.

стр. 6247

(وإن أمر) بالقتل (مكلفًا عالمًا بالتحريم فـ) ـالقِصاص (على القاتل) كما تقدم، سواء كان عبده أو أجنبيًّا (ويؤدَّب الآمر) لأمره بالمعصية. (ولو قال مكلَّفٌ غيرُ قِنٍّ لغيره: اقتُلني، أو اجْرَحني) ففعل، فهدر. (أو) قال مكلف لغيره: (اقتُلْني، وإلا قتلتُكَ، ففعل، فدَمُه) هَدْر (وجُرحه هَدْر) لأن الحق له فيه، وقد أذنه في إتلافه، كما لو أذنه في إتلاف ماله. (ولو قاله) أي: اقتلْني، أو اجرحْني، أو: اقتلْني وإلا قتلتك (قِنٌّ) ففعل (ضَمِنه القاتلُ لسيده بمال) أي: بقيمته أو أرش الجراحة؛ لأن إذن القِنّ في إتلاف نفسه لا يسري على سيده (فقط) أي: دون القِصاص ولو كافأه القاتل؛ لأن القِصاص حقٌّ للقِن، وقد أسقطه (١) بإذنه في قتله. (وإن قال له القادر عليه: اقتلْ نفسَكَ، وإلا قتلتُكَ، أو) قال له: (اقطعْ يدكَ، وإلا قطعتُها؛ فإكراه) فيُقتل المُكْرِه أو يُقطع، إذا قتل المُكْرَه نفسه، أو قطع يده. (ومن أمر قِنَّ غيرِه بقتل قِنِّ نفسه) ففعل، فلا شيء له (أو أكرهه عليه) أي: أكره قِنَّ غيرِه على قتل قِنِّ نفسه، ففعل (فلا شيء له) على القاتل ولا على سيده، كما لو أذن إنسان لآخر في إتلاف مال الآذن، فأتلفه بإذنه. (وإن أمر السُّلطان بقتل إنسان بغير حَقٍّ من يعلم ذلك، فالقِصاص على القاتل) لأنه غير معذور في فعله؛ لقوله ﷺ : "لا طاعة لمخلوقٍ في

стр. 6248

معصية الخالق" (١)؛ ولأن غير السلطان لو أمره بذلك كان القصاص على المباشر، علم أو لم يعلم (ويعزَّر الآمرُ) بالقتل ظُلمًا؛ لارتكابه معصية (وإن لم يعلم) المأمور أن القتل بغير حق (فـ) ـالقصاص (على الآمر) لأن المأمور معذور؛ لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، والظاهر من حاله أنه لا يأمر إلا بالحق. قال أبو العباس (٢): هذا بناء على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول، وفيه نظر، بل لا يُطاع حتى يعلم جواز قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية، لا سيما إذا كان معروفًا بالظلم، فهنا الجهل بعدم الحِلِّ كالعِلم بالحرمة. (وإن كان الآمر) بالقتل (غير السلطان، فالقِصاص على القاتل بكل حال) حيث علم تحريمَ القتل، بخلاف من نشأ ببادية بعيدة عن الإسلام كما سبق. (وإن أكرهه السلطان على قَتْلِ أحدٍ، أو) أكرهه على (جَلْدِه بغير حقٍّ) وفعل فمات المجلود (فالقِصاص) أو الدية (عليهما) أي: على السلطان والمباشر كما تقدم (٣). (لكن إن كان السلطان يعتقد جوازَ القتلِ دون المأمور، كمسلم قَتَلَ ذِميًّا، أو حُرٍّ قتل عبدًا، فقتله، فقال القاضي: الضمان عليه) أي: المأمور؛ لأنه قتل من لا يحل له قتله (دون الإمام، قال الموفَّق: إلا أن يكون القاتل عامِّيًّا، فلا ضمان عليه) قال في "المغني": ينبغي أن يُفرَّق

стр. 6249

بين المجتهد والمقلد، فإن كان مجتهدًا، فهو قول القاضي، وإن كان مقلِّدًا، فلا ضمان عليه؛ لأن له تقليد الإمام فيما رآه. (وإن كان الإمام يعتقد تحريمه) أي: القتل (والقاتل يعتقد حِلّه، فالضمان على الآمر) كما لو أمر السيدُ عبدَه الذي لا يعتقد تحريم القتل به. (وإن أمسك إنسانًا لآخر؛ ليقتُلَه، لا لِلَّعِبِ والضَّرْب، فَقَتَله، مثل أن أمسكه له حتى ذَبحَه؛ قُتل القاتل) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأنه قتل من يكافئه عمدًا بغير حق (وحُبِس الممسك حتى يموت، ولا قَوَد عليه) أي: الممسك (ولا دية) لما روى ابن عمر مرفوعًا قال: "إذا أمسك الرجلَ وقتَله الآخرُ؛ قُتل القاتلُ ويُحبس الذي أمسك" رواه الدارقطني (١)، وروى الشافعي نحوه من قضاء علي رضي الله

стр. 6250

عنه (١)؛ ولأنه حبسه إلى الموت، فحبس إلى أن يموت. ومقتضى كلام المصنّف أنه يُطعم ويُسقى. وفي "المبدع": يُحبس عن الطعام والشراب حتى يموت. (وإن كان الممسِكُ لا يعلم أن القاتل يقتله، فلا شيء عليه) لأن موته ليس بفعله، ولا باشر (٢) فعله، بخلاف الجارح، فإنه لا يعتبر فيه قصد القتل؛ لأن السراية أثر جرحه المقصود له. (وكذا لو فتح فمه وسقاه الآخر سَمًّا) فيقتل الساقي، ويحبس الممسك حتى يموت (أو تبع) مكلَّف (رجلًا ليقتله فهرب) الرجل (فأدركه آخر، فقطع رجله، فحبسه) فأدركه، فقتله؛ قُتِل القاتل وأُقيد من القاطع، وحُبس حتى يموت. (أو أمسكه آخر ليقطع طرفه) فيُقطع القاطع، ويُحبس الممسك حتى يقطع طرفه. (فلو قتل الوليُّ الممسكَ، فقال القاضي: يجب عليه) أي: الولي (القِصاص) لأنه تعمَّد قتله بغير حَقٍّ في قتله (وخالفه المجد) لأن له شُبهة في قتله، وهي اختلاف العلماء، فقد اختار أبو محمد الجوزي أن له قتله، وقدَّمه في "الرعاية"، وادَّعاه سليمان بن موسى إجماعًا (٣)؛ لأن

стр. 6251

قتله حصل بفعلهما. (وإن كتَّفه وطرحه في أرض مَسْبعة، أو) في أرض (ذات حيات، فقتلته؛ لزمه القود) لأنه فعل ما يقتل غالبًا (١) (وتقدم) ذلك (في الباب (٢)). فصل (وإن اشترك في القتل اثنان، لا يجب القِصاصُ على أحدهما لو انفرد، كأب وأجنبيٍّ) اشتركا (في قتل ولد، و) كـ (ـحُرٍّ وعبدٍ) شارك (٣) (في قتل عبدٍ، و) كـ (ـمسلم وذمي) شارك (في قتل ذِمِّيٍّ) وكولي مقتصٍّ وأجنبي (و) كـ (ـخاطئ وعامد، و) كـ (ـمكلَّف وغير مكلَّف، وشريك سَبُع وشريك نفسه، بأن يجرحه سَبُع أو إنسان ثم يجرح هو نفسه متعمِّدًا، وجب القِصاصُ على شريك الأب، وعلى العبد وعلى الذِّمي) لأن قتلهم عمدٌ محضُ عدوان؛ ولأنهم شاركوا في القتل العمد العدوان، فيقتل (٤) به (كمُكرِهٍ أبًا على قَتْلِ ولده. وسقط) القِصاص (عن غيرهم) لأنه

стр. 6252

لم يتمحض عمدًا، فلم يجب به قود، كشِبْه العمد، وكما لو قتله واحد بجرحين عمدًا وخطأ. (ويجب على شريك القِنّ) في قتل قِنٍّ (نصف قيمة المقتول) لأنه شارك في إتلافه، فكان عليه قسطه. (وعلى شريك الأب (١) وشريك الذِّمي وشريك الخاطئ، ولو أنه نفسه) أي: نفس العامد (بأن جرحه جرحين أحدهما خطأ والآخر عمدٌ، وشريكِ غير المكلَّف، وشريكِ السَّبُع في غير قتل نفسه؛ نصف الدية) كالشريك في إتلاف مال (في ماله؛ لأنه عمدٌ) فلا تحمله العاقلة. (و لو جَرَحَه إنسانٌ عمدًا، فداوى) المجروح (جُرحَه بسَمٍّ قاتل، أو خاطه في اللحم الحي، أو فعل ذلك وليُّه، أو) فعله (الإِمام، فمات) المجروحِ (فلا قَوَد على الجارح) لأن المداوي قصد مداواة النفس، فكان فعلُه عمدَ خطأٍ، كشريك الخاطئ (وعليه) أي: الجارح (نصف الدية) كشريك الخاطئ. (لكن إن كان الجرح موجبًا للقِصاص؛ استوفي) بشرطه (وإلا أخذ الأرش). وإن كان السمُّ لا يقتل غالبًا، ففِعْلُ الرجل في نفسه شبهُ عمدٍ، وشريكه كشريك الخاطئ. وإن خاطه غيره بغير إذنه، فهما قاتلان عليهما القَوَد.

стр. 6253

باب شروط القصاص (وهي خمسة: أحدها: أن يكون الجاني مكلَّفًا) لأن القِصاص عقوبة، وغير المكلَّف ليس محلًّا لها (فأما الصبيُّ، والمجنون، وكل زائل العقل بسبب يُعذَر فيه؛ كالنائم، والمُغمى عليه، ونحوهما) كالسكران كرهًا (فلا قِصاص عليهم) لأن التكليف من شروطه، وهو معدوم؛ ولأنه لا قصد لهم صحيح. (فإن قال) الجاني: (قتلتُه وأنا صبيٌّ، وأمكن) ذلك (صُدِّق بيمينه) لأنه محتمل (وتقدَّم (١) في الباب قبله. وإن قال) القاتلُ: (قتلتُه وأنا مجنون، فإن عُرف له حالُ جنون، فالقول قوله مع يمينه) كما تقدَّم (١) (وإلا) أي: وإن لم يُعرف له حال جنون (فقول الوليّ) لأن الأصل عدم الجنون. (وكذلك إن عُرف له حال جنون، ثم عُرف زوالُه قبل القتل) لأن الأصل بقاؤه على الحال التي عُرف عليها (فإن ثَبَتَ زوالُ عقله، فقال: كنتُ مجنونًا، وقال الوليُّ: بل) كنت (سكران، فقول القاتل مع يمينه) لأن الأصل عدم السكر، والأصل -أيضًا- العصمة. (فأما إن قتله وهو عاقل، ثم جُنَّ، لم يسقط عنه) القِصاص؛ لأنه كان حين الجناية عاقلًا (سواء ثَبَتَ ذلك ببينة أو إقرار، ويُقتصُّ منه) أي: ممن جنى عاقلًا ثم جُنّ (في حال جنونه. ولو ثَبَتَ عليه حد زنًى أو غيره) كشرب أو سرقة (بإقراره، ثم جُنَّ، لم يُقَم عليه حال جنونه) لأن رجوعه

стр. 6254

عن ذلك يمنع إقامتَه، بخلاف القِصاص. قلت: ومثله حَدّ القذف. (والسكران وشِبهُه) كمن زال عقله بسبب لا يُعذر فيه، كمن يشرب الأدوية المخبثة (إذا قَتَل، فعليه القِصاص) لأن الصحابة أوجبوا عليه حَدَّ القذف، وإذا وجب الحَدُّ، فالقصاص المتمحّض حق آدمي أولى؛ ولأنه يُفضي إِلَى أن يصير عصيانه سببًا لإسقاط العقوبة عنه. الشرط (الثاني: أن يكون المقتول معصومًا) لأن القِصاص إنما شُرع حفظًا للدماء المعصومة، وزجرًا عن إتلاف البُنية المطلوب بقاؤها، وذلك معدوم فِي غير المعصوم (فلا يجب قِصاص، ولا دية، ولا كفَّارة بقتل حربي) لأنه مباح الدم على الإطلاق (ولا مرتدٍّ قبل توبتـ) ـــــه؛ لأنه مباح الدم، أشبه الحربي (لا) إن قُتل المرتد (بعدها) أي: بعد التوبة (إن قُبلت) توبته (ظاهرًا) فيقتل قاتله إذًا؛ لأنه معصوم. (ولا) يجب قِصاص ولا دية ولا كفَّارة بقتل (زانٍ محصَن، ولو قبل ثبوته) أي: الزنى (عند حاكم) لأنه مباح الدم، متحتّم قتله، فلم يُضمن، كالحربي. (ولا) يجب قِصاص ولا دية ولا كفَّارة بقتل (مُحارِب) أي: قاطع طريق (تحتَّمَ قتله) بأن قَتل وأخذَ المال؛ لأنه مباح الدم، أشبه الحربي (فِي نفس) أي: لا قِصاص على جانٍ على واحد من هؤلاء فِي نفس. (ولا) قِصاص فِي الأطراف (بقطع طرف) لواحد منهم؛ لأن من لا يؤخذ بغيره فِي النفس، لا يؤخذ به فيما دونها، وذلك متناول للزاني المحصن وغيره. قال فِي "الفروع": فدل أن طرف محصن (١)، كمرتد. (بل ولا يجوز) -معطوف على "فلا يجب"- أي: لا يجب

стр. 6255

القِصاص بقتل واحد من هؤلاء ولا يجوز (والمراد) قاله فِي "الرعاية"، و"الفروع" (قبل التوبة) وأما قتل المحارب بعد التوبة، فإن كان من وليِّ المقتول، فقد استوفى حقّه، وإن كان من غيره ولا شُبهة، فإنه يُقتل؛ لأنه معصومٌ بالنسبة إِلَى غير وليِّ المقتول، كالقاتل في غير المحاربة؛ لسقوط التحتّم بالتوبة (ولو كان القاتل) للحربي، أو المرتد، أو الزاني المحصن، أو المحارب المتحتم قتله (ذميًّا) فالذمي فيه كالمسلم؛ لأن القتل منهما صادف محله (ويعزَّرُ فاعل ذلك) لافتياته على الإِمام. (والقاتل معصوم الدم لغير مستحقٍّ دمه) لأنه لا سبب فيه يُباح به دمه لغير ولي مقتوله. (ولو قطع مسلمٌ) يدَ مرتد (أو) قطع (ذميٌّ يدَ مرتد، فأسلم) المرتد، ثم مات (أو) قطع مسلم يدَ (حربي، فأسلم، ثم مات) فلا شيء على القاطع (أو رمى) مسلم أو ذمي (حربيًّا أو مرتدًّا، فأسلم) المرميُّ (قبل أن يقع به السهم، فلا شيء عليه) أي: الجاني؛ لأنه لم يَجْنِ على معصوم؛ ولأنه رمى من هو مأمور برميه، فلم يضمن؛ لأن الاعتبار في التضمين بابتداء حال الجناية؛ لأنها موجبة. (و إن قطع) مكلَّف (طرفًا أو أكثر من مسلم، فارتدَّ المقطوع، ومات من جِراحه، فلا قَوَد على القاطع) في النفس؛ لأنها نفس مرتد غير معصوم ولا مضمون، بدليل ما لو قطع طرف ذميٍّ، فصار حربيًّا، ثم مات من جراحه. ولا فِي الطرف؛ لأنه قطع صار قتلًا. (وعليه) أي: القاطع (الأقلُّ من دية النفس أو المقطوع) لأنه لو لم يرتدّ، لم يجب عليه أكثر من دية النفس، فمع الرِّدة أولى (يستوفيه الإمام)

стр. 6256

لأن مال المرتد (١) فيء. (وإن عاد) المقطوع (إلى الإسلام، ثم مات، وجب القِصاص في النفس) ولو بعد زمن تَسْري فيه الجناية؛ لأنه مسلم حال الجناية والموت، كما لو لم يرتدّ. (وإن جَرَحه وهو مسلم، فارتدَّ، أو بالعكس) بأن جرحه وهو مرتد، فأسلم (ثم جَرَحه جرحًا آخر، ومات منهما، فلا قِصاص فيه) لأن أحد الجرحين غير مضمون، أشبه شريك المخطئ. (ويجب نصفُ الدية لذلك) لأن الجرح فِي الحالين، كجرح اثنين فِي الحالتين المذكورتين (وسواء تساوى الجُرحان أو زاد أحدهما، مثلَ أن قطع يديه وهو مسلم، و) قطع (رجليه وهو مرتدّ، أو بالعكس) أو قطع يدًا (٢) وهو مسلم، ورجليه وهو مرتدّ، أو بالعكس. (ولو قطع طرفًا أو أكثر من ذميٍّ، ثم صار) الذمي (حربيًّا) بأن انتقض عهده، أو لحق بدار حرب مقيمًا (ثم مات من الجراحة، فلا شيء على القاطع) لأنه قتل لغير معصوم، وقياس ما سبق فِي المسلم: إذا ارتدّ؛ لا قِصاص، وعليه الأقل من دية النفس أو المقطوع. وإن قطع يدَ نصرانيٍّ أو يهودي، فتمجَّس، وقلنا: لا يُقرُّ؛ فهو كما لو جنى على مسلم فارتدَّ. وإن قطع يدَ مجوسيٍّ، فتنصَّر أو تهوَّد، ثم مات، وقلنا: يُقرُّ؛ وجبت دية كتابي. ولو جرح ذميٌّ عبدًا، ثم لحق بدار الحرب، فأُسر واسترقَّ، لم

стр. 6257

يقتل بالعبد؛ لأنه حُرٌّ حين وجب القِصاص. الشرط (الثالث: أن يكون المجنيُّ عليه مكافئًا للجاني) لأن المجنيَّ عليه إذا لم يكافئ الجاني، كان آخذه به آخذًا (١) لأكثر من الحق. (وهو) أي: كونه مكافئًا للجاني (أن يساويه في الدِّين، والحرية أو الرق) يعني: ألا يَفْضُلَ القاتلُ المقتول بإسلام، أو حرية، أو ملك. (فيُقتلُ المسلمُ الحُرُّ) بمثله؛ لقوله ﷺ : "المؤمنون تتكافأُ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يُقتلُ مؤمنٌ بكافرٍ" رواه أَحْمد، وأبو داود، والنسائي (٢). وفي لفظ: "لا يقتل مسلم

стр. 6258

بكافر" (١). (و) يُقتل (الذميُّ الحُرُّ بمثله) اتفقت أديانهم أو اختلفت؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٢) ولا أثر لتفاوت الفضائل، كالعلم والشرف. (ويُقتل العبدُ بالعبد: المسلمُ بالمسلم، والذميُّ بالذمي) لحصول المكافأة بينهما (ويجري القِصاص بينهما فيما دون النفس) كالنفس (فله) أي: العبد (استيفاؤه) أي: القِصاص فيما دون النفس (وله العفو عنه). لأنه محض حقه (دون السيد، سواءٌ كانا) أي: العبدان، الجاني والمجني عليه (مكاتبين أو مدبَّرين، أو أُمَّيْ ولدٍ، أو) كان (أحدُهما كذلك، أو لا) بأن كانا قِنَّين (وسواءٌ تساوت القيمة أو لا، أو كان القاتل والمقتول لواحد، أو لا) لتساويهم فِي الرِّق، و"المُكاتَب عبدٌ ما بقي عليه درهم" (٣). (ولو قَتلَ عبدٌ مسلِم) ولو لمسلم (عبدًا مسلِمًا لذميٍّ؛ قُتِلَ به) لأنه يكافئه، وإن فضل سيده. (ولا يُقتل مكاتَبٌ؛ بعبدِه الأجنبي) لأن المُكاتَب فَضَلَهُ بالمِلك (ويُقتل) المُكاتَب (بعبده ذي الرحم (٤)) قال فِي "المبدع": فِي الأشهر.

стр. 6259

والأصح: لا. كما قطع به فِي "المنتهى"؛ لأنه فَضلَهُ بالملك، فهو كالأجنبي. (ولو قَتَلَ من بعضه حرٌّ) كمُنصَّف (١) (مثلَه) بأن قتل مُنصَّفًا (أو أكثر منه حرية) بأن قتل مُنصَّف من ثلثاه حرّ (قُتِلَ به) لأن القاتل لم يفضله، و (لا) يُقتل مبعَّض (بأقلَّ منه حرية) بأن قتل من ثلثاه حر منصَّفًا مثلًا؛ لأن القاتل فضل بما فيه زائدًا من الحرية. (وإذا قتل الكافرُ الحرُّ عبدًا مسلمًا، لم يُقتل به قِصاصًا) لأنه فضله بالحرية (وتؤخذ منه قيمته) لسيده (ويُقتل) الكافر (لنقضِه العهدَ) بقتل المسلم. (ويُقتل الذَّكر بالأنثى، ولا يُعطى أولياؤه شيئًا) لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢)؛ ولأنه ﷺ قتل يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين (٣)؛ ولأنهمان شخصان يُحدُّ كلٌّ منهما بقذف الآخر، فقُتل به، كالرجل بالرجل. (وتُقتل الأنثى بالذكر) لأنها دونه. (ويُقتل كلُّ واحدٍ منهما) أي: الذكر والأنثى (بالخُنثى. ويُقتل) الخنثى (بكلِّ واحد منهما) أي: من الذكر والأنثى؛ لعموم

стр. 6260

﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١). (ويُقتلُ الذمي بالذمي، حر أو عبد، بمثله (٢)) أي: الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ؛ لما تقدَّم. (و) يُقتل (ذميّ بمُستأمَن، وعكسه) فيُقتل المُستأمَن بالذِّمي (ولو مع اختلاف أديانهم) فيُقتل النصراني باليهودي (ويُقتل النصرانيُّ واليهودي بالمجوسي) لأن الكفر يجمعهم. (ويُقتل الكافر بالمسلم) لأنه ﷺ قتل يهوديًّا بجارية (٣)؛ ولأنه إذا قُتِل بمثله، فمن فوقه أولى (إلا أن يكون) الكافر (قتله) أي: المسلم (وهو حربيٌّ، ثم أسلم، فلا يُقتل) لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤)؛ ولأنه ﷺ لم يقتل قاتل حمزة (٥). (وإن كان القاتل) للمسلم (ذميًّا؛ قُتِل؛ لنقضه العهدَ) قطع به فِي "الفروع" و"التنقيح"، وغيرهما (وعليه دية حر) إن كان المسلم المقتول حرًّا (أو قيمة عبد، إن كان المسلم المقتول عبدًا) كما لو مات. (ويُقتل المرتدُّ بالذِّمي) وبالمستأمَن، ولو تاب وقُبلت توبته. (و يقدَّمُ القِصاص على القتل بالردة، ونقض العهدِ) لأنه حق آدمي، ويأتي فِي الردة أنَّه يُقتل لهما ولا دية، وتقدَّمَ أنَّه يُقتل لنقض العهد، وتؤخذ الدية من ماله (فإن عفا عنه) أي: المرتدّ (وليُّ القِصاص، إِلَى

стр. 6261

الدية، فله دية المقتول) من مال المرتدِّ، كغيره (وإن أسلم المرتدُّ) وعفا عنه وليُّ القِصاص (فـ) ـــالدية (فِي ذمته) كسائر الحقوق عليه (وإن قُتل) المرتد (بالردة، أو مات؛ تعلَّقت) الدية (بماله) كسائر الديون. (ولا يُقتل مسلمٌ -ولو عبدًا- بكافرٍ ذميٍّ) فِي قول أكثر العلماء، منهم: عمر (١)، وعثمان (٢)، وعلي (٣)، وزيد (٤)؛ لقوله ﷺ : "لا يُقتلُ مسلمٌ بكافرٍ" رواه البخاري (٥)؛ ولأنه منقوص (٦) بالكفر، فلا يُقتل به المسلم، كالمستأمن (ولو ارتد) المسلم بعد جنايته على الكافر، اعتبارًا بحال الجناية. (ولا) يُقتل (حرٌّ -ولو ذميًّا- بعبد) رُوي عن أبي بكر (٧)، وعمر (٧)،

стр. 6262

وعلي (١)، وزيد (٢)، وابن الزُّبير (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (٤) فدلَّ على أنَّه لا يُقتل به الحُر؛ ولما روى أَحْمد (٥)، عن علي، أنَّه قال: من السنة ألا يُقتل حُرٌّ بعبدٍ، وعن ابن عباس مرفوعًا مثله؛ رواه الدارقطني (٦)؛ ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة، فلا يقتل به، كالأب مع ابنه. (إلا أن يقتله) أي: الكافر العبد (وهو) أي: القاتل (مثلُه) كافر عبد

стр. 6263

(أو يجرَحَه وهو مثله) كافر وعبد (١) (أو يكون الجارح مرتدًّا، ثم يُسلِم القاتل أو الجارح، أو يعتِقَ العبدُ قبل موت المجروح أو بعده، فإنه يُقتل به، نصًّا (٢)) لأن الاعتبار بحال الوجوب، كالحد (٣)، فإذا قتل ذميٌّ ذميًّا، أو جرحه، ثم أسلم الجارح، ومات المجروح، أو قتَل عبد عبدًا، أو جرحه، ثم عَتَق القاتل، أو الجارح، ومات المجروح؛ وجب القِصاصُ؛ لأنهما متكافئان حال الجناية؛ ولأن القِصاص قد وجب، فلا يسقط بما طرأ، كما لو جنَّ. (ولو جرح مسلمٌ ذميًّا، أو) جرح (حرٌّ عبدًا، ثم أسلم المجروح، أو عَتَق، ومات؛ فلا قَوَد) لأن المكافأة معدومة حال الجناية (وعليه) أي: الجاني (ديةُ حُرٍّ مسلم) لأن الاعتبار في الأرش بحال استقرار الجناية، بدليل ما لو قطع يَدَيْ رَجُلٍ ورِجليه، فسرى إلى نفسه، ففيه دية واحدة، اعتبارًا بحال استقرار الجناية؛ ولو اعتبر حال الجناية، وجب ديتان (فيأخذ سيد العبد ديته، إلَّا أن تُجاوِزَ الديةُ أرشَ الجناية، فالزيادة لورثة العبد) لأنه مات حرًّا، فيورث عنه ما تجدَّد بالحرية، فأما أرش الجناية؛ فقد استحقَّه السيدُ حين كان رقيقًا، فلم يسقط بعتقه. (ولا يُقتل السيدُ) ولو مكاتَبًا (بعبده) لأنه فَضَلَه بالملك (ويُقتل به) أي: السيدِ (عبده) لأنه دونه (و) يُقتل العبدُ (بحرٍّ غيره) أي: غير سيده؛ لما سبق. (ولا يُقطَعُ طَرَفُ الحُرِّ بطرفِ العبدِ) كما لا يُقاد به في النفس.

стр. 6264

(وإن رمى مسلمٌ ذميًّا عبدًا، فلم يقع به السهمُ حتَّى عَتَق وأسلم؛ فلا قَوَد) لعدم المكافأة (وعليه) أي: الرامي (للورثة) دون سيده (دية حُرٍّ مسلمٍ إذا مات من الرمية) لأن الإتلاف حصل لنفس حر مسلم. فصل (ولو قطع أنفَ عبدٍ قيمتُه أَلْف، فاندمل) الجراح (١) (ثم أُعتِق) العبد، وجبت القيمة للسيد. (أو) قطع أنفه، ثم (أُعتِق، ثم اندمل) وجبت قيمته بكمالها للسيد. (أو) قطع أنفه، وأعتِق، و (مات من سِرايَةِ الجُرْح، وجبتْ قيمته بكمالها للسيد) لأنه حين الجناية كان رقيقًا له، والجناية يُراعى فيها حال وجودها. (وإن قطع) الجاني (يدَه) أي: العبد (فأُعْتِقَ) أي: أعتقه سيدُه (ثم عاد) الجاني (فقطع رجله، واندمل الجرحان، وجب في يده نصف قيمته) لأنه حين الجناية عليها كان رقيقًا (و) وجب (القِصاص في الرِّجل) لأنه مكافئ له وقت الجناية عليها (أو نصف الدية إن عفا) العتيق (عن القِصاص) ويكون له لا لسيده؛ لأنه حرٌّ. (وإن اندمل قَطعُ اليد، وسرى قَطعُ الرِّجل إلى نفْسه، ففي اليد نصف قيمته لسيده) اعتبارًا بوقت الجناية (وعلى القاطع القِصاص في النفس) للمكافأة حال الجناية التي سرت (أو الدية كاملة لورثته) أي: العتيق، نسبًا، أو ولاء (مع العفو) منهم عن القِصاص.

стр. 6265

(وإن اندمل قَطْعُ الرِّجل، وسرى قَطْعُ اليد، ففي الرِّجل القِصاص، أو نصف الدية لورثته) كما تقدم (ولا قِصاص في اليد، ولا في سِرايَتِها) لأنه وقت قطعها كان رقيقًا، فلا مكافأة (وعلى الجاني لسيده أقل الأمرين من أرْشِ القطع أو دية حر) قلت: وما بقي من الدية بعد أرش القطع، للورثة على ما تقدم. (وإن سرى الجُرحان، لم يجب القِصاص إلَّا في الرِّجل) لوجود المكافأة حينها، بخلاف اليد والنفس (فإن اقتصَّ منه، وجب نصف الدية) لقطع الرجل (وللسيد أقلُّ الأمرين من نصف القيمة، أو نصف الدية. فإن كان قاطع الرِّجل غير قاطع اليد، واندملا، فعلى قاطع اليد نصف القيمة لسيده) لأنه قِنُّه وقت جنايته عليه (وعلى قاطع الرِّجل القِصاص) فيها (أو نصف الدية) لورثة العتيق؛ لأنه حرٌّ حين قطع رجله. (وإن سرى الجرحان إلى نفسه، فلا قِصاص على الأول) لأن جنايته حال الرِّق، فلا مكافأة (وعليه نصف دية حر) اعتبارًا بحال استقرار الجناية، كما مرَّ (وعلى الثاني القِصاص في النفس) لمكافأته له حال جنايته عليه حيث تعمّد؛ لأنه شارك في القتل عمدًا عدوانًا، كشريك الأب. (وإن قلع) مكلَّفٌ (عينَ عبد، ثم عتق) العبد (ثم قطع آخر يده، ثم) قطع (آخر رجلَه، فلا قود على الأول، اندمل جرحه أو سرى) لأنه لم يكن مكافئًا له حين الجناية (وعلى الآخَرَينِ القِصاص في الطرفين) إن اندملا؛ للمكافأة. (وإن سرت الجراحات كلها، فعليهما) أي: قاطع اليد وقاطع الرِّجل (القِصاص في النفس) للمكافأة؛ لأن جنايتهما على حر.

стр. 6266

(وإن عفا) وليُّ العتيق (عن القِصاص، فعليهم الدية أثلاثًا) لموته بسراية جراحاتهم (ويستحق السيدُّ أقلَّ الأمرين من نصف القيمة) لقلع عينه (أو ثلث الدية) والباقي للورثة. (وإن كان الجانيان) أوَّلًا جَنَيا (في حال الرِّق، والثالث في حال الحرية، فمات) العتيق (فعليهم الدية) أثلاثًا (وللسيد أقلُّ الأمرين من أرش الجنايتين أو ثلثي الدية) والباقي للورثة، كما تقدم. (و إن قطع يده، ثم عتَقَ، فقطع آخر رِجْلَه، ثم عاد الأول فقتله بعد الاندمال، فعليه القِصاص للورثة) لأنه قتل بعد الحرية (و) عليه (نصف القيمة للسيد) لقطع يده (وعلى الآخر القِصاص في الرِّجل، أو نصف الدية) للورثة. (وإن كان) قتله (قبل الاندمال، فعلى الجاني الأول القِصاص في النفس) لمكافأته له حين قتله (دون اليد) لأنه قطعها في رِقّه. (فإن اختار الورثة القِصاصَ في النفس، سقط حقُّ السيد) لأنه لا يجوز أن يستحق على النفس وأرش الطَّرَف قبل الاندمال، فإن الطَّرَف داخل في النفس في الأرش. (وإن اختاروا العفوَ، فعليه الدية) للورثة (دون أرش الطَّرَف) لاندراجه في دية النفس (وللسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو أرش الطرف، والباقي للورثة) كما تقدم (وعلى الثاني القِصاص في الرِّجل) لأنه مكافئ له حال الجناية (و) عليه (مع العفو نصف الدية) لقطع الرجل. (وإن كان) القاطع (الثاني هو الذي قتله قبل الاندمال، فعليه القِصاص في النفس) لمكافأته له حين

стр. 6267

القطع (١) (ومع العفو نصف دية واحدة) يعني: إن كان بعد استيفاء القِصاص في الرجل، أما قبله فدية كاملة، كما يُعلم من السوابق واللواحق (وعلى الأول نصفُ القيمة للسيد، ولا قِصاص) على الأول؛ لأنه لم يكافئه حين الجناية. (وإن كان القاتل ثالثًا، فقد استقرَّ القَطْعان) لأن قتل الثالث له قَطَعَ سرايتَهما (وعلى الأول نصف القيمة للسيد) لأنه جنى عليه حين كان رقيقًا (وعلى الثاني القِصاص في الرِّجل، أو نصف الدية لورثته، وعلى الثالث القِصاص في النفس، أو الدية مع العفو) لأنه كان حرًّا حين جنايتهما. (وإذا قطع يدَ عبدِه، ثم أعتقه (٢) ثم اندمل، فلا شيء عليه) لأنه حين الجناية كان ملكه. (وإن مات) العبدُ (بعد العِتق بسراية الجُرْح، فلا قِصاص فيه) اعتبارًا بحال الجناية (ويضمنه بما زاد على أرش القطع من الدية لورثته) لأنه مات حرًّا. (فإن لم يكن له وارث سواه؛ وجب) ذلك (لبيت المال) لأن السيد قاتل فلا يرث. (ولو قتل من يعرفه) أو يظنه (ذميًّا عبدًا، فبان أنَّه قد أسلم وعتَق، فعليه) أي: القاتل (القِصاص) لأنه قَتَلَ من يكافئه عمدًا محضًا بغير حَقٍّ، أشبه ما لو علم حاله (ومثله من قَتل من يظنُّه قاتل أبيه) فلم يكن (أو قتل من يعرفه) مرتدًّا (أو) من (يظنه مرتدًّا، فلم يكن) كذلك، فيجب

стр. 6268

القِصاص؛ لما سبق. الشرط (الرابع: ألا يكون المقتول من ذرية القاتل، فلا يُقتل والد -أَبًا كان أو أمًّا، وإن علا- بولده وإن سَفَلَ، من ولد البنين أو البنات) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لا يُقتَلُ والدٌ بولدهِ" رواه ابن ماجه، والترمذي، من رواية إسماعيل بن مسلم المكيّ (١)، ورواه أَحْمد، والتِّرمذيّ، وابن ماجه، من رواية حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جده (٢). قال ابن

стр. 6269

عبد البر (١): هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، يستغنى بشهرته وقَبوله والعمل به، عن الإسناد حتَّى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلفًا.

стр. 6270

وقال ﷺ : "أنت ومالُكَ لأبيك" (١)، فمقتضى هذه الإضافة تمليكه إياه، فإذا لم تثبت حقيقة الملكية، ثبتت للإضافة شبهة في إسقاط القِصاص؛ ولأنه كان سببًا في إيجاده، فلا يكون سببًا في إعدامه. (وتؤخذ من حرٍّ الدية) أي: دية المقتول، كما تجب على الأجنبي؛ لعموم أدلتها. (ولا تأثير لاختلاف الدِّين، و) لا لاختلاف (الحرية) فلو كان أحدهما مسلمًا، والآخر كافرًا، أو أحدهما رقيقًا، والآخر حرًّا، فلا قِصاص (كاتفاقهما، فلو قتل الكافر ولده المسلم، أو) قتل (العبدُ ولدَه الحُر، لم يجب القِصاص، لشرف الأبوّة إلَّا أن يكون ولده من رضاع أو زِنى، فيقتل الوالد به) لأنه ليس بولد (٢) حقيقة. (ولو تداعى نفسان نسبَ صغيرٍ مجهولِ النسبِ؛ ثم قتلاه قبل إلحاقه بواحدٍ منهما، فلا قصاص عليهما) لأنه يجوز أَن يكون ابنَ كلِّ واحدٍ منهما، أو ابنهما (وإن ألحقته القافةُ بواحد منهما، ثم قتلاه؛ لم يُقتل أبوه) لما سبق (وقُتِل الآخر) لأنه ليس بأبٍ. (وإن رجعا عن الدعوى، لم يُقبل رجوعهما عن إقرارهما، كما لو ادَّعاه واحد، فأُلحِق به، ثم جحده) فإنَّه لا يُقبل جحودُه؛ لأن النسب حقٌّ للولد، فرجوعه عنه رجوع عن إقرار بحقٍّ لآدمي. (وإن رجع أحدُهما) عن دعواه (صحَّ رجوعه، وثَبَتَ نسبُه من الآخر) لزوال المعارض، ورجوعه لا يُسْقِط نسبَهُ (ويَسقُطُ القِصاصُ عن الذي لم يرجع) لأنه أب (ويجب) القِصاص (على الراجع) لأنه أجنبي.
следующие страницы →