← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

(وكلُّ مَن قلنا): المُدَّعَى به (له، فهو مع يمينه) لاحتمال صِدْق غريمه (إذا لم تكن) له (بينةٌ) فإن كانت له بينةٌ، فلا يمينَ عليه، وتُسمع؛ لانتفاء التُّهمة (وإن كان لأحدهما بينة، حُكم له بها) أي: ببينته (من غير يمين) لحديث: "شاهداك أو يمينه" (١). (وإن كانت العينُ بيد أحدهما، وكان لكُلٍّ منهما بينة، سُمعت بينة المُدَّعي - وهو الخارج - وحُكم له بها، سواء أُقيمت بينة المُنكِر - وهو الدَّاخل -) أي: واضع اليد (بعد رَفْع يده أو لا، وسواء شهدت بينته) أي: الداخل (أنها له، نُتجت) بالبناء للمفعول (في ملكه، أو) أنها له (قطيعة من الإمام، أو لا) أي: أو لم تشهد بذلك؛ لقول النبيِّ ﷺ : "البينةُ على المُدَّعِي، واليمينُ على المُدَّعى عليه" (٢)، فجعل جنس البينة في جنبة المُدَّعِي، فلا يبقى في جنبة المُدَّعَى عليه بينة؛ ولأن بينة المُدَّعي أكثر فائدة، فوجب تقديمها، كتقديم بينة الجَرْح على التعديل، ودليل كثرة فائدتها أنها تثبت سببًا لم يكن، وبينة المُنكِر إنما تثبت ظاهرًا تدلُّ اليد عليه، فلم تكن مفيدة؛ لأن الشهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها رؤية اليد، والتصرُّف؛ لأن ذلك يجيز الشهادة به عند كثير من أهل العِلْم، فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة، فَتُقدَّم عليها بينة المُدَّعي، كما تُقَدَّم على اليد، كما أن شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الأصل، لم يكن لهما مزية عليهما. ومن قدَّمنا بينته، لم يحلف معها؛ لوجوب الحكم بها منفردة، كما لو تعارض خبران، خاصٌّ وعام، أو أحدهما أرجح بوجه من الوجوه.

стр. 7212

نقل الأثرم (١): ظاهر الآثار اليمين على من أنكر، فإذا جاء بالبينة فلا يمين عليه. (فإن أقام الداخل بينةً أنه اشتراها) أي: العين المتنازَع فيها (من الخارِج، وأقام الخارجُ بينةً أنه اشتراها من الدَّاخل، قُدِّمت بينةُ الدَّاخل) لأنه الخارج معنىً؛ لأنه ثبت بالبينة أن المُدَّعي صاحب اليد، وأن يَدَ الداخل نائبة عنه. وإن ادّعى الخارج أن العين ملكه، وأنه أودعها للداخل، أو أعاره إياها، أو أجرها منه، فأنكره - ولكلُّ واحد منهما بينة - قُدِّمت بينة الخارج. وقال القاضي: بينة الداخل؛ لأنه هو الخارج معنىً، كالمسألة قبلها؛ ذكره في "الشرح". (ولا تُسمع بينةُ الدَّاخل قبل بينة الخارج وتعديلها) لعدم حاجته إليها قبل ذلك. (وتُسمع) بينة الداخل (بعد التعديل) لبينة الخارج (قبل الحكم، وبعدَه، قبلَ التسليمِ) وتُقدَّم بينة الخارج عليها؛ لما تقدم. قلت: ولعل فائدة سماعها لاحتمال أن تكون ناقلة، فتُقدم، كما يأتي. (وإن أقام الخارج بينة أنها ملكه، وأقام الدَّاخل بينة أنه اشتراها منه) أي: من الخارج (أو وقفها عليه، أو أعتقه) أي: العبد (قُدِّمت) البينة (الثانية) لأنها تشهد بأمرٍ حادثٍ على الملك خفي، فيثبت الملك للأول، والبيع، أو الوقف، أو العتق، منه.

стр. 7213

قال في "الاختيارات" (١): لو شَهِدت بينةٌ بملكه إلى حين وَقْفه، وأقام وارثٌ بينة أن موروثه اشتراه من الواقف قبل وَقْفه، قُدِّمت بينة الوارث؛ لأن معها زيادة عِلْم، كتقديم مَن شهد له بأنه اشتراه من أبيه، على من شهد له بأنه ورثه من أبيه. (ولم تَرفع بينة الخارج يدَه) أي: يد المُدَّعى عليه (كقوله): أي: المُدَّعى عليه: (أبرأني من الدَّين) ويُقيم بذلك بينة. (أما لو قال) مُدَّعي الشراء، أو الوقف، أو العتق: (لي بينة) بذلك (غائبة، طُولب بالتسليم؛ لأن تأخيره يطول) وقد يكون كاذبًا. "تتمة": قال في "الانتصار": لا تُسمع إلا بينة مُدَّعٍ، باتفاقنا. وفيه: وقد تثبت في جنبة مُنكِر، وهو ما إذا ادَّعَى عليه عينًا في يده، فَيُقيم بينةً بأنها ملكه، وإنما لم يصح أن يُقيمها في الدَّين؛ لعدم إحاطتها به، ولهذا لو ادَّعى أنه قتل وليه ببغداد يوم الجمعة، فأقام بينة أنه كان فيه بالكوفة، صحَّ. فصل (القسم الثاني: أن تكون العينُ في أيديهما، أو) تكون (في غير يَدِ أحدٍ، ولا بينة لهما، فيتحالفان، وتُقسم) العين (بينهما) نصفين؛ لأنهما استويا في الدعوى. وليس أحدهما بها أَولى من الآخر؛ لعدم اليد، فوجب أن يقتسماها كما لو كانت بأيديهما.

стр. 7214

وتحت هذا القسم حالان من الأحوال الأربعة التي أشار إليها في "المنتهى" كما تقدم التنبيه عليه. (وكذا إن نكلا) عن اليمين، فإنها تُقسم بينهما (لأن كلَّ واحدٍ منهما يستحقُّ ما في يَدِ الآخر بنكوله) عن اليمين له. (وإن نَكَل أحدُهما) عن اليمين (وحَلَف الآخر؛ قُضِيَ له) أي: للذي حلف (بجميعها) أي: جميع العين، النصف بحلفه؛ لكونه واضع اليد عليه، والنصف الآخر بنكولِ خصمه. (فإن ادَّعى أحدُهما نصفَها) أي: العين (فما دونُ) بالبناء على الضَّمِّ لحَذْفِ المضاف إليه ونيّة معناه، أي: فأقلّ من النصف (و) ادَّعى (الآخرُ أكثرَ من بقيتها، أو) ادَّعى الآخرُ (كلَّها، فالقول قولُ مُدَّعي الأقل مع يمينه) لأنه واضعٌ يدَه على ما ادَّعاه، ولا رافع ليده، والباقي لمُدَّعي الكلِّ أو الأكثر، بلا يمين؛ لعدم المُنازِع له فيه. (وإن تنازَعَا مُسَنَّاةً - وهي السَّد الذي يَرُدُّ ماءَ النهر مِن جانبِه، حاجزٌ بين نَهَرِ أحدِهما وأرضِ الآخرِ - تحالفا، وهي) أي: المُسَنَّاةُ (بينهما) نصفين؛ لأنها حاجز بين ملكيهما ينتفع بها كلُّ واحدٍ منهما، أشبه الحائطَ بين الدَّارين (وكذا إن نكلا) عن اليمين، تناصفاها (لأنها حاجزٌ بين ملكيهما. وإنْ تنازعا صغيرًا دون التمييز في أيديهما، فهو بينهما) وهو (رقيق) لأن اليد دليلُ الملك، ويدُ كُلٍّ منهما عليه، فهما سواء فيه، لا رُجحان لواحد منهما على الآخر (ويتحالفان) أي: يحلف كل منهما لصاحبه على النصف الذي أخذه. (ولا تُقبل دعواه الحرية إذا بلغ بلا بينة) لعموم قوله ﷺ : "البينة

стр. 7215

على المُدَّعي واليمين على مَن أنكر" (١) (إلا أن يعرف أن سببَ يَدِه) أي: يد مُدَّعِي الرِّقّ (غير المِلك، مثل أن يلتقطه) ثم يَدَّعي رِقّه (فلا تُقبل دعواه لرِقِّه؛ لأن اللقيط محكومٌ بحريته) لأنها الظاهر والأصل في بني آدم، والرق طارئ. (وإن كان لكلٍّ منهما) أي: من واضِعَي اليد على طفل (بينةٌ، فهو بينهما أيضًا) لأن كلَّ واحدٍ منهما يستحقُّ ما في يد الآخر ببينته. (وإن كان) المُدَّعى (مميِّزًا، فقال: إني حرٌّ فهو حرٌّ) فيخلى إلى حال سبيله، ويُمنعان منه؛ لأن الحرية هي الأصل في بني آدم (إلا أن تقوم بينةٌ برِقِّه، كالبالغ، إلا أن البالغ إذا أقرَّ بالرِّقِّ ثبت رِقُّه) مؤاخذةً له بإقراره، بخلاف المميز إذا أقرَّ بالرِّقِّ، فلا يُقبل إقرارُه لعدم صِحَّة إقراره. وإنما اعتُبرت دعواه الحرية؛ لأنها الأصل؛ ولصِحَّة تصرُّفه بالوصية، وأمره بالصلاة. (وإن كان لأحدهما) أي: أحد المُدَّعيين للعَين (بينةٌ بالعين) المُدَّعَى بها، وهي بيدهما، أو ليست بيدِ أحد (حُكم له بها) لرُجحانه بالبينة. (وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بينة، لم يقدَّم أسبقهما تاريخًا، بل) هما (سواء) خلافًا للقاضي، قال: يقدم أسبقهما تاريخًا؛ لأن من شَهِدت له بينة بالتاريخ المتقدم أثبتت له الملك في وقت لم تعارضه فيه البينة الأخرى، وتعارضت البينتان في الملك في الحال فسقطتا، وبقي ملك السابق تحت استدامته. والمذهب الأول؛ لأن الشاهد بالملك الحادث أحقُّ بالترجيح؛ لجواز أن يعمل به دون الأول، بدليل أنه لو ذكر أنه اشتراه من الآخر، أو أنه وهبه إياه ونحوه، لقدمت بينته بذلك اتفاقًا، فإذا

стр. 7216

لم يرجح بها فلا أقل من التساوي. وأما قوله: أنه يثبت المِلك في الزمان الماضي من غير معارضة، فممنوع؛ بأنه إنما يثبت في الماضي تبعًا لثبوته في الحال، ولو انفردَ بأن ادَّعى الملك في الماضي، لم تُسمع دعواه ولا بينته. (فإن وُقِّتت إحدَاهما) أي: إحدى البينتين (وأُطلقت الأخرى، والعين بيديهما) فهما سواء؛ لأنه ليس في إحداهما ما يقتضي الترجيح، من تقدُّم الملك ولا غيره (أو شَهِدت بينةٌ بالمِلك وسببه، كنَتاجٍ) بأن شَهِدت أنها نتجت في ملكه (أو) شهدت بـ (ــسببٍ غيرِه) كشراءٍ أو هِبة (أو) شهدت (بينة بالملك وحده، أو) شَهِدت (بينة أحدهما بالملك له منذ سنة، و) شهدت (بينة الآخر بالملك) له (منذ شَهْر، ولم تقل: اشتراه منه. فهما سواء) لأن البينتين تساوتا فيما يرجع إلى المختلف فيه، وهو ملك العين الآن؛ فوجب تساويهما في الحكم (ولا تُقدَّم إحداهما بكثرة العَدَدِ) كما لو كانت إحدى البينتين أربعة رجال، والأخرى رَجُلين (ولا اشتهار العدالة، ولا الرجلان على الرَّجُل والمرأتين، ولا الشاهدان على الشاهد واليمين) لأن الشهادة مقدَّرة بالشرع، فلا تختلف بالزيادة؛ ولأن كلَّ واحدٍ من تلك حجة مفرَدة، فأشبه الرجلين مع الرجل والمرأتين. (وإذا تساوتا من كلِّ وجهٍ؛ تعارضتا، وتحالفا فيما بيديهما، وقُسمت) العين (بينهما) نصفين؛ لتساويهما في وَضْع اليد (وأُقرع) بينهما (إذا لم تكن (١)) العين (في يَدِ أحدٍ) منهما، ولا مِن غيرهما، وهكذا في "المنتهى" ولعلَّه مبنيٌّ على رواية صالح وحنبل (٢)، وقدَّمه في "الفروع"،

стр. 7217

وقد جَزَم المصنّف فيما تقدَّم (١) أنهما يتناصفانها، تبعًا لما قدَّمه في "المحرر"، و"الرعايتين"، و"الحاوي"، وهو مقتضى قوله الآتي: "وكانا كمَن لا بينة لهما" (أو) كانت العين (بيد ثالث، ولم ينازع) فيقرَع بينهما (وكانا كمَن لا بينة لهما، فيسقطان) أي: البينتان (بالتعارض) وهو التساوي من كلِّ وَجْهٍ. (وإن ادَّعى أحدُهما أنه اشتراها من زيدٍ، وهي ملكه، وشَهِدت) له (البينةُ بذلك؛ سُمعت) الشهادة. (وإن لم تقل) البينة: (وهي ملكه؛ لم تُسمع) شهادتها؛ لأنه قد يبيع ملكه وملك غيره (وادَّعى الآخر أنه اشتراها من عَمرو، وهي ملكه) وأقام بينةً بذلك (تعارضتا) جواب: "وإن ادَّعى" وقوله: "سُمعت" وما بعده، اعتراض (حتى ولو أُرِّخَا) قاله في "التنقيح"، وفيه رد على "الإنصاف" حيث قال: مراده إنْ لم يؤرّخا. قال في "الفروع": ثم إن كانت العين في أيديهما تحالفا وتناصفاها. وإن كانت في يَدِ ثالث لم ينازع، أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف وأخذها (وإن كانت في يَدِ أحدهما، فهي للخارج) لتقديم بينته على بينة الداخل. (ولو أقام رَجُلٌ بينةً أن هذه الدار لأبي، خلّفها تَرِكة، وأقامت امرأته بينةً إن أباه أصدقها إياها، فهي). أي: الدار (للمرأة، داخلة كانت أو خارجة) لأن بينتها شهدت بالسبب المقتضي لنقل المِلك، كبينة ملك على بينة يَدٍ. "فائدة": قال الغَزّي: إذا تعارض المُسْقِط والموجِب، جعل المسقط آخرًا، كما لو ادَّعى على رجل مالًا أو عينًا، فقال المُدَّعَى عليه: إنك أقررت أن لا دعوى ولا خصومة لك عليَّ، وقامت بذلك بينةٌ،

стр. 7218

سُمعت واندفعت الدعوى، ولو احتمل أنه ادَّعى عليه بسببٍ بعد الإقرار؛ لأن المُسقِط والموجِب إذا تعارضا؛ جعل المسقط آخرًا؛ إذ السقوط لا يكون إلا بعد الوجوب، سواء اتصل القضاء بالأول أو لم يتصل، وكذا لو ادَّعى على آخر، فأقام المُدَّعى عليه بينة أنك أبرأتني من الدعاوى كلها في سَنَةِ كذا؛ صح هذا الدفع. فصل (القسم الثالث: تداعيا عينًا في يَدِ غيرِهما، فإن ادَّعاها) مَن هي بيده (لنفسِه، حلف لكلِّ واحدٍ منهما يمينًا) لأن المدعيين اثنان، فوجب أن يحلف لكلِّ واحدٍ (١) يمينًا. (فإنْ نَكَل عنهما) أي: عن اليمينين (أخَذَاها) أي: العين (منه، و) أخذا (بَدَلها) منه؛ وهو مِثْلها إن كانت مِثْلية، وقيمتها إن كانت متقوَّمة؛ لأن العين فاتت على أحدهما بتفريطه في الحلف له (واقترعا) أي: المدَّعيان (عليهما) أي: على العَيْن وبدلها؛ لأن المحكوم له بالعين غير مُعَيَّن، فوجبت القرعة لتعيينه. (وإن لم يدَّعِها) أي: العين مَن هي بيده (لنفسه، ولم يُقِرَّ بها لغيرِه، ولا قامت بيّنةٌ) بها لأحدهما (أُقرع بينهما) كما لو لم تكن بيد أحدٍ؛ لعدم المُرجِّح (فمن قَرَع حَلَف) لصاحبه (وأخذها) لترجُّحه بالقُرعة. (فإن كان المدَّعَى به عبدًا مُكلَّفًا، فأقرَّ) العبدُ (٢) (لأحدهما، فهو)

стр. 7219

أي: العبد (له) أي: للمُقَرِّ له، كما لو كان المُدَّعي واحدًا وأقرَّ له. (وإن صَدَّقهما) العبد (فهو لهما) عملًا بإقراره أنه لهما. (وإن جَحَدهما) وقال: إنه حُرٌّ (قُبِل قوله) لأنها الأصل، والرّقّ طارئ. (وإن كان) المتنازعَ فيه (غير مُكلَّف، لم يرجَّحْ) أحدهما (بإقراره) له؛ لأن قوله غير مُعتبر، كما تقدَّم. (وإن أقرَّ بها) أي: بالعين (١) المتنازَع فيها (مَن هي بيده لأحدهما بعينه) كأن يقول: هي لزيد مثلًا (حلف) زيد أنها له (وأخذها) لأنه لما أقرَّ له بها صاحب اليد، صارت العينُ كأنها في يَدِه، فيكون الآخر مُدَّعيًا عليه رهو مُنكِر، والقول قوله بيمينه (ويحلف المُقِرُّ للآخر) أي: للمُدَّعِي الآخر إن التمس يمينه؛ لأنه يمكن أن يخاف من اليمين فيقرّ للآخر. (فإنْ نَكَلَ) المُقِرُّ عن اليمين للآخر (أخذ منه بَدَلها) حكمًا عليه بنكوله (وإن أخذها) أي: العين المتنازَع فيها (المُقَرُّ له، فأقام) المُدَّعِي (الآخر بينةً) أنها له (أخذها) لترجُّحه (وللمُقَرِّ له قيمتها على المُقِرّ) قاله في "الروضة" ولم يُعرف لغيره؛ ذكره في "شرح المنتهى" وتقدَّم ما فيه. (وإن أقرَّ) مَن بيده العين (بها لهما، ونَكَل عن التعيين) بأن لم يزد على قوله: هي لهما (اقتسماها) لأن مطلق الإضافة يقتضي التسوية. (وإن قال) مَن بيده العين: (هي لأحدهما وأجهلُه، فإن صَدَّقاه) على أنه يجهله (لم يحلف) لتصديقهما له (وإلا) بأن كذَّباه (حلف يمينًا واحدة) أنه لا يعلمه (ويُقْرَع بينهما) أي: بين المُدَّعِيين للعين (فمن قَرَع، حَلَف وأخذها) لأن صاحب اليد أقرَّ بها لأحدهما لا بعينه، فصار ذلك

стр. 7220

المُقَرّ له هو صاحب اليد دون الآخر، فبالقرعة يتعيَّن المُقَر له، فيحلف على دعواه ويُقضى له، كما لو أقرَّ له عينًا (ثم إن بيَّنه) أي: بيَّن مَن كانت العينُ بيده، المستحق لها بعد قوله: "هي لأحدهما وأجهله" (قُبل) كتبيينه ابتداء. ونقل الميموني (١): إنْ أبى اليمينَ مَن قَرَع، أخذها أيضًا، أي: بلا يمين (ولهما) أي: للمتنازعين اللذين ادَّعيا العين، وقال مَن هي بيده: هي لأحدهما وأجهله (القُرعة بعد تحليفه الواجب وقبله) أي: قبل تحليفه؛ لأن القُرعة لا تتوقَّف على يمينه، ولذلك لو صَدَّقاه لم تنتفِ القُرعة. (فإنْ نَكَلَ) مَن كانت العين بيده عن حلفه أنه لا يعلم عَيْنَ المستحق للعين (قُدِّمت القُرعة) لأن القُرعة تُعَيّن المُقَرّ له، فإذا قَرَع صاحبه كان كمَن أقرَّ له، فلا يمين له عليه؛ لأنه قد أخذ حقَّه (ويحلف) المُقِرُّ (للمقروع إن أكذبه) في عدم العِلم؛ لأنه متى صدَّقه، لم يكن له عليه يمين. (فإن نَكَلَ) المُقِر عن اليمين (أخذ منه بَدَلها) كما لو أقرَّ لواحد منهما دون الآخر. (وإن أنكرهما) أي: أنكر مَن العينُ بيده كونها لهما أو لأحدهما (ولم ينازع؛ أقرع) بين المدعيين، كإقراره لأحدهما لا بعينه (فإن علم أنها للآخر) المقروع (فقد مضى الحكم) لمن خرجت له القُرعة؛ نقله المرّوذي؛ لأن قُرعته حكم، فلا ينقض بمجرَّد ذلك. (وإن لم تكن) العين (بيدِ أحدٍ) وتنازعها اثنان (فهي لأحدهما

стр. 7221

بقُرعة) نصَّ عليه في رواية صالح وحنبل (١)، وقدَّمه في "الفروع". وتقدَّم (٢) في أول القسم الثاني أنهما يتناصفاها (٣). (وإن كان لأحدهما بينة، حُكم له بها) كما لو أنكر ربُّ اليد ونازع. (وإن كان لكل واحدٍ منهما بينة؛ تعارضتا) لتساويهما في عدم اليد (سواء كان مقرًّا لهما أو لأحدهما لا بعينه، أو) كانت العين المتنازَع فيها (ليست بيدِ أحدٍ) فيصيران كمن لا بينةَ لهما (وكذلك إن أنكرهما) وأقاما بينتين، تعارضتا. (ثم إنْ أقرَّ لأحدهما بعينه بعد إقامتها) أي: البينة (لم يرجّح) المُقَرّ له (بذلك) الإقرار (وحكم التعارض بحاله) لتساوي البينتين مِن كلِّ وَجهٍ؛ لأن العين ليست بيدِ أحدهما، فلا ترجّح إحداهما برجوع اليد إلى صاحبها؛ لأنها يدٌ طارئةٌ، فلا عِبرة بها (وإقراره صحيحٌ) فَيُعمل به، كما لو لم يكن لواحد منهما بينة. (وإن كان إقرارُه له) أي: لأحدهما (قبل (٤) إقامة البينتين، فالمُقَرّ له) بالعين (كداخل، والآخر كخارج) لأنها ليست بيده حقيقة ولا حُكمًا، بخلاف المُقَرّ له فإن العين انتقلت إلى يده حكمًا بإقرار صاحب اليد. (وإن ادَّعاها) أي: العين المتنازَع فيها (صاحبُ اليدِ لنفسِه، ولو بعد التعارض، حَلَف لكلِّ واحدٍ منهما يمينًا) لان المُدَّعيين اثنان، فوجب أن يحلف لكل واحدٍ يمينًا (وهي) أي: العين (له) لترجّح جانبه بوضع اليد (فإنْ نَكَلَ) عن اليمين لكلٍّ منهما (أخَذَاها منه، و) أخذا منه (بَدَلها)

стр. 7222

لأن العين فاتت على أحدهما بترك اليمين للآخر (واقترعا عليهما) أي: على العين وبدلها؛ لأن المحكوم له بالعين غير مُعيّن، فوجبت القُرعة لتعيينه (وإنْ أقرّ) من بيده العين (بها لغيرهما) أي: غير المدَّعيين لها (فتقدَّم (١)) في باب طريق الحكم وصفته. (وإن كان في يده عبدٌ، وادَّعى أنه اشتراه مِن زيدٍ، وادَّعى العبدُ أنَّ زيدًا أعتقه) وأقاما بينتين، صَحَّحنا أسبق التصرُّفين. (أو ادَّعى شخصٌ أن زيدًا باعه) العبدَ (أو وهبه له، وادَّعى الآخرُ مِثلَه) أي: أنه باعه أو وهبه له (وأقام كلُّ واحدٍ منهما بيّنةً) شَهِدت بدعواه (صحَّحنا أسبقَ التصرُّفين إن عُلِم التاريخ) لأن التصرُّف الثاني صادف ملك غيره، فبَطَلَ (وإلا) يعلم التاريخ (تعارضتا) لأنه لا مُرَجِّح لواحدة منهما، وكذا لو اتَّحد تاريخهما. قال الشيخ تقي الدين: الأصوب أن البيِّنتين لم تتعارضا (٢)، فإنه من الممكن أن يقع العقدان، لكن يكون بمنزلة ما لو زوّج الوليان المرأة وجُهل السابق، فإما أن يقرع، أو يَبْطُلَ العقدان بحكم، أو بغير حكم (٣) (وكذا إن كان العبد بيد نفسه) وادَّعى أن زيدًا أعتقه، وادَّعى آخر أنه اشتراه من زيد، وقلنا: تعارضت البيّنتان، فلا يرجّح بهذه اليد (أو) كان العبد (بيد أحدهما) أي: أحد المُدَّعيين لشراء كلٍّ منهما له مِن زيد، إلغاء لهذه اليد، للعلم بمستندها؛ وهو الدعوى التي لم تثبت، فتكون عادية، فلا تُرجّح بذلك، كما لو كان في يدِه عبد، فادَّعى أنه اشتراه من زيد، فأنكر (٤) زيد، فإنه لا يحكم بهذه اليد، فكذا هنا.

стр. 7223

(وإن كان العبد في يَدِ زيدٍ) وادَّعى كلُّ واحدٍ من اثنين أنه اشتراه منه (فالحكم فيه حكم ما إذا ادَّعيا عينًا في يَدِ غيرهما) على ما تقدَّم (١) تفصيله. (و إن ادّعيا زوجيّة امرأة، وأقاما بيّنتين، وليست بيدِ أحدِهما؛ سقطتا) لأن كلَّ واحدةٍ منهما تشهَدُ بضِدِّ ما شَهِدت به الأخرى، فكانا كَمَن لا بينةَ لهما، وكذا إن كانت بيدِ أحدِهما؛ لأن الحُرَّ لا يدخل تحت اليد. وقال الشيخ تقي الدين (٢): مقتضى كلام القاضي إذا كانت بيدِ أحدِهما، فهي مسألة الداخل والخارج. (وإن ادَّعى على رَجُلٍ أنه عبده، فقال) المُدَّعَى عليه: (بل أنا حُرٌّ، وأقاما بيّنتين؛ تعارضتا) وتساقطتا؛ لعدم المُرجِّح. قلت: ويخلى سبيل العبد؛ لأن الأصل الحرية، والرق طارئ ولم يثبت. (وإن كان في يدِه عَبْدٌ، فادَّعى) عليه (اثنان) ادَّعى (كلٌّ منهما أنه اشتراه مِنِّي بثمن، سَمَّاه) المُدَّعي (فصدَّقهما) من بيده العبد (لزمه الثمنان) مؤاخذةً له بإقراره (فإنْ أنكر، حَلَف لهما وبرئ) لأنه مُنكِر، والأصل براءتُه (وإن صدَّق أحدَهما) وحده (أو أقام) أحدهما (به بينة؛ لَزِمه الثمن) للمُقَر له، أو لمن شَهِدت له البينة؛ لثبوت دعواه (وحلف للآخر) لأنه ينكره. (وإن أقام كلُّ واحدٍ) منهما (بينةً، مطلقتين، أو مختلفتَي التاريخ، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرَّخة؛ عُمِل بهما) لأن ظاهر هذا أنهما عقدان، وقد شهد بهما بيّنتان، ومن الجائز أن يكون اشتراه من الأول،

стр. 7224

ثم انتقل عنه بنحوِ بيعٍ إلى الثاني، ثم اشتراه منه أيضًا، فَيُعمل بالبيّنتين، ويلزم بالثمنين. (وإن اتَّفق تاريخهما) أي: الشراءين اللَّذين شَهِدت بهما البيّنتان (تعارضتا) أي: البينتان، وصارا كما لو تداعيا عينًا بيد ثالث. (وإن ادَّعى كلُّ واحدٍ) مِن اثنين على آخر (أنه باعني إيَّاه) أي: نحو العبد (بألفٍ، وأقامَ) بدعواه (بينةً؛ قُدِّم أسبقهما تاريخًا) لأن نَقْلَ الملك حاصل لمن سبق، فالعقد عليه بعدَه لا يصح. (وإن استويا) في التاريخ (تعارَضتا) ويتحالفان ويتناصفان العبد ونحوه؛ لأن بينة كلِّ واحدٍ منهما داخلة في أحد النصفين، خارجة في النصف الآخر، فكانت العينُ بينهما نصفين، ولكل أن يرجع على البائع بنصف الثمن، وأن يفسخ ويرجع بكله، وأن يأخذ كلها مع فسخ الآخر. وإنْ أطلقتا أو إحداهما، تعارضتا في ملك إذًا لا في شراء؛ لجواز تعدُّده، فيقبل من المُدَّعى عليه دعوى العبد ونحوه بيمين لهما أنَّ العين لم تخرج عن ملكه. (وإن قال أحدُهما: غَصَبَني) العبدَ ونحوه (وقال الآخر: ملَّكَنيه، أو أقرَّ لي به. وأقاما بينتين، فهو للمغصوب منه) لأن عند بينته زيادةُ عِلمٍ؛ وهو ثبوتُ اليدِ له، والبينةُ الأخرى إنما تشهد بتصرُّفه، فلا معارضة بينهما (ولا يغرم) المُدَّعى عليه (للآخر شيئًا) لأنه لم يأخذ منه شيئًا يرجع به عليه، بخلاف البيع. وإن ادَّعى كلٌّ منهما أنه غَصَبه منه، وأقاما بيّنتين، فكما لو ادَّعى كلٌّ منهما أنه اشتراه منه، على ما سبق تفصيله. (وإن ادَّعى) ربُّ دارٍ (أنه أجره البيت بعشرة، فقال المستأجر: بل)

стр. 7225

أجرتني (كلَّ الدار) بالعشرة، وأقام كلٌّ بينة (تعارضتا، ولا قِسْمة هنا) أي: لا يقسم بينهما ما زاد على البيت (١) (وتقدم (٢) أول طريق الحكم وصفته، ما يصح سماع البينة فيه قبل الدعوى وما لا يصح) سماع البينة فيه قبلها. "تتمة": نقل ابن منصور عن أحمد (٣) في رجل أخذ من رجلين ثوبين، أحدهما بعشرة، والآخر بعشرين، ثم لم يَدْرِ أيهما ثوب هذا من ثوب هذا، فادَّعى أحدُهما ثوبًا من هذين الثوبين، وادَّعاه الآخر: يُقرع (٤) بينهما، فأيهما أصابته القُرعة حلف وأخذ الثوب الجيد، والآخر للآخر. وإنما قال ذلك؛ لأنهما تنازعا ثوبًا بيد غيرهما؛ قاله في "الشرح".

стр. 7226

باب تعارض البينتين (التَّعارضُ: التعادل من كلِّ وجْهٍ) يقال: تعارضت البيّنتان إذا تقابلتا، وعارض زيد عمرًا، إذا أتاه بمثل ما أتاه به، وتعارضُ البينتين: اختلافهما، بأن تُثبِتَ كلٌّ منهما ما نفته الأخرى؛ حيث لا يمكن الجمع بينهما؛ فيتساقطان. (إذا قال لعبده: متى قُتِلْتُ فأنت حُرٌّ، فادَّعى العبدُ أنه) أي: سيده (قُتِل، وأنكر ورثتُه، فالقول قولُهم إنْ لم تكن له بينةٌ) لأن الأصل عدم القتل. (وإن أقام كلُّ واحدٍ منهما بينةً بما ادّعاه) بأن أقام العبد بينةً أن سيده قُتِل، وأقام ورثتُه بينةً أنه مات (قُدِّمت بينةُ العبدِ، وعَتَق) لأن مع بينته زيادةٌ؛ وهو القتل، وإن لم تكن له بينة، فله تحليفهم على نفي العلم. (وإن قال: إنْ مِتُّ في المُحَرَّم فسالمٌ حُرٌّ، و) إن مِتُّ (في صَفَر، فغانمٌ حُرٌّ) ومات (ولم تقم لواحد منهما بينة) بموجِب عتقه (وأنكر الورثةُ) موته في الشهرين (فقولُهم) لأن الأصل بقاؤهما في الرّقّ (وبقيا على الرّقّ) لاحتمال موته في غير المُحَرَّم وصَفَر. (وإنْ أقرُّوا لأحدِهما) بموجب عتقه (أو أقام) به (بينةً؛ عَتَقَ) لثبوت مقتضيه (وإن أقام كلُّ واحدٍ) من العبدين (بينةً بموجِب عتقه، تعارضتا وسقطتا) لأن كلَّ واحدة منهما تنفي ما شَهِدت به الأخرى (وبقيا على الرّقّ) لاحتمال أن يكون مات في غير مُحرَّم وصَفَر. (وإن عُلِم موتُه في أحد الشَّهرين) وهما المُحرَّم وصَفَر، ولم يُعلم

стр. 7227

عَيْنُه (أُقرع بينهما) للعلم بموجِب عِتْق أحدهما، ولا مُعيِّن له غير القُرعة، فمن قَرَع عَتَقَ. (و إن قال: إنْ مِتُّ في مرضي هذا، فسالمٌ حُرٌّ، وإن برئتُ، فغانمٌ حُرٌّ. وجُهِل) كونه مات فيه أو برئ (ثم مات، ولم تكن لهما بينةٌ؛ عَتَق أحدُهما بقُرعة) لأنه لا يخلو إما أن يكون برئ أو لم يبرأ، فيعتق أحدهما بكلِّ حالٍ، ولم يُعلم عينُه، فيخرج بقُرعة. (وإن أقاما بيّنتين؛ تعارضتا، وبقيا على الرّقّ) نقله في "المقنع" عن الأصحاب؛ لأن كلَّ واحدةٍ من البيَّنتين تنفي ما شَهِدت به الأخرى، ثم قال في "المقنع": والقياس أن يَعتِق أحدُهما بقُرعة، وزيَّفَ في "الشرح" ما نقله عن الأصحاب. (وإنْ أقرَّ الورثةُ لأحدِهما) بما يوجِب عتقه (عَتَق بإقرارِهم. وكذا حُكم) قوله: (إنْ مِتُّ من مرضي) هذا، فسالمٌ حُرٌّ، وإن برئتُ، فغانمٌ. إذا أتى بـ "مِنْ" (بدل "في") وأقام كلٌّ من العبدين بينةً (في التعارض) أي: فإنه يكون الحكم كما تقدم في تعارض البيّنتين وتساقطهما، وكونهما يبقيان على الرّقّ، أو يعتق أحدهما بقُرعة، على ما سبق. (وأما في الجهل ممَّ) أي: من أي شيء (مات) وعدم البينة لكلٍّ منهما (فَيَعْتِقُ سالم؛ لأن الأصل دوام المرض وعدم البرء. وإن أتلف ثوبًا) ونحوه من المتقوّمات تعديًا أو نحوه (فشهدت بينةٌ أن قيمته عشرون، و) شَهِدت (بينةٌ) أخرى (أن قيمته ثلاثون؛ لزمه ما اتفقا عليه وهو عشرون) دون ما تعارضتا فيه؛ لتساقطهما فيه (وكذا لو كان بكلِّ قيمة شاهدٌ) ثبت ما اتفقا عليه (وله) أي: المُدَّعي (أن يحلف مع الآخر) الشاهد بالعشرة الزائدة (على العشرة، كما

стр. 7228

يأتي (١) آخر الباب بعده) كما لو لم يكن غيره؛ لأن الشاهد مع اليمين نِصاب لا يُعارضه شهادة الواحد. (قال ابنُ نصر الله: لو اختلفت بيّنتان في قيمة عَيْنٍ قائمةٍ ليتيم يريد الوصي بيعها، أخذ ببينة الأكثر فيما يظهر) إن احتملت، وإلا في مَنْ يصدقها الحس. (وكذا قال الشيخ (٢): لو شهدت بينةٌ أنه أَجر حصة مَوْلِيِّهِ بأجرة مِثْلها، و) شهدت (بينةٌ) أنه أَجرها (بنصفها) أي: بنصف أُجرة مِثْلها، أخذ ببينة الأكثر حيث احتمل (وتقدم (٣): إذا ماتت امرأةٌ وابنُها، واختلف زوجها وأخوها في أسبقهما) موتًا (في) باب (ميراث الغرقى) مفصَّلًا. فصل (إذا شَهدت بينةٌ على ميت أنه أوصى بعتق سالم، وهو ثلث ماله، و) شَهِدت (بينةٌ أنه أوصى بعتق غانم، وهو ثلث ماله، ولم تُجِزِ الورثةُ) عتقهما معًا (أُقرع) بينهما (فمَن قَرَع) أي: خرجت له القُرعة (عَتَقَ وحده، سواء اتفق تاريخُهما، أو اختلف) أو أطلقتا أو إحداهما؛ إذْ لا فرق بين متقدِّم الوصية ومتأخّرها، وإنما أُقرع بينهما ولم يعتق مِن كل منهما نصفه؛ قياسًا على الوصية بمال؛ لأن الإعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت، وقد أَقْرع النبي ﷺ في مرض الموت في حديث

стр. 7229

عمران بن حصين، وتقدم في العتق (١). فكذلك بعد الموت؛ لأن المعنى المقتضي لتكميل العتق في أحد العبدين في الحياة موجود بعد الموت. (فلو كانت بينةُ غانمٍ وارثة فاسقة) ولم تكذب الأجنبية (عَتَقَ سالم) بلا قُرعة؛ لأن بينةَ غانمٍ الفاسقة لا تُعارض بينته العادلة (ويعْتِق غانمٌ بقُرعة) لإقرار الورثة بالوصية بعتقه - أيضًا - فاقتضى ذلك القرعة بين العبدين، لكن لما كانت بينة سالم عادلة، عَتَقَ أوّلًا؛ لعدم التعارض، وأعتقنا غانمًا بخروج القُرعة له. (وإن كانت) الوارثة الشاهدة بعتق غانم (عادلة، وكَذَّبت الأجنبيةَ، لغا تكذيبُها) للأجنبية (دون شهادَتِها، وانعكس الحكمُ، فيعتِقُ غانمٌ) بلا قُرعة (ثم وُقِفَ عِتقُ سالمٍ على القُرعة) كما لو شَهِدت بذلك البيّنتان من غير تكذيب، بخلاف غانم، فإنه يعتق بلا قُرعة، لشهادتها بعتقه، وإقرارها أنه لم يعتق سواه. (وإن كانت) الوارثة (فاسقةً مُكَذِّبةً) للعادلة الأجنبية (أو) كانت (فاسقةً وشَهِدت برجوعه عن عتق سالم؛ عَتَق العبدان) أما سالم؛ فلأنه لم يثبت عتق غانم ببينة تعارض بينته، وأما غانم؛ فلإقرارها بعتقه دون الآخر، وشهادتها بالرجوع عن الوصية بعتق سالم يتضمن الإقرار بالوصية بعتق غانم وحده، فهو كما لو كانت مكذّبة للأخرى. (ولو شَهِدت - أي: الوارثة - وليست فاسقةً ولا مُكَذِّبةً) للأجنبية (برجُوعه) عن عتق سالم (قُبلت شهادتُها، وعَتَقَ غانمٌ وحدَه) لأنها بينة عادلة لم تَجُرَّ إلى نفسِها نفعًا، فوجب قَبولها (كما لو كانت) الشاهدةُ برجوعه (أجنبية.

стр. 7230

ولو كان في هذه الصورة) وهي: ما إذا كانت الشاهدة برجوعه عن عتق سالم (غانمٌ سدسَ المال؛ عتقا) أي: العبدان (ولم تُقبل شهادتها) بالرجوع عن عِتْق سالم؛ لأنها مُتَّهمة بدفع السُّدس للآخر عنها، فلا تُقبل شهادتها لذلك. لا يُقال: الشاهدة برجوعه عن عِتْق سالم - وهو ثلث المال - تَجُرّ إليها ولاء غانم؛ لأنه يقال: هما يُسقِطان ولاء سالم - أيضًا -، على أن الولاء: إنما هو ثبوت سبب الميراث، ومثل ذلك لا تُرَدُّ الشهادةُ فيه، كما يثبت النسب بالشهادة، وإن كان الشاهد يجوز أن برث المشهود له به، وتُقبل شهادة الإنسان لأخيه بالمال وإن جاز أن يرثه. (والوارثة العادلة فيما تقوله خبرًا لا شَهادةً) منصوبان على المصدرية بـ "تقوله" على حد: "قعد القُرفُصَاء"، وقوله: (كالفاسقة في جميع ما ذكرنا) خبر عن "الوارثة"، أي: خبر الوارثة العادلة كشهادة الفاسقة؛ لأن خبرها إقرار، فَيُعمل به كإقرار الفاسقة وشهادتها. (وإن شهدت بينةٌ أنه أعتق سالمًا في مرضه، و) شهدت (بينةٌ أنه أوصى بعتق غانم، وكلُّ واحدٍ منهما) أي: من العبدين (ثلث المال؛ عَتَقَ سالم وحدَه) لسبق العتق على الوصية به، وإن كانت متقدمة في اللفظ؛ لأن الوصية إنما تلزم بالموت، بخلاف العتق، فإنه كالعطية يلزم من حينه. (وإن شَهِدت بينةٌ أنه أعتق سالمًا في مرضه، و) شهدت (بينةٌ أنه أعتق غانمًا في مرضه؛ عَتَق أقدمهما تاريخًا؛ إنْ كانتِ البيّنتان أجنبيتين، أو كانت بينةُ أحدِهما وارثة ولم تُكذِّبِ الأجنبية) لأن المريض إذا تبرَّع

стр. 7231

بتبرُّعات (١) يعجز ثلثه عن جميعها، قُدِّم الأول فالأول. (وإن سبقت الأجنبية) تاريخًا (فكذَّبَتْها الوارثةُ) عَتُقا. أما سالمٌ؛ فلسَبْقِ بينته، وأما غانمٌ؛ فمؤاخذةً للوارثة بمقتضى قولها: إنه لم يعتق سواه (أو سبقت الوارثة) تاريخًا (وهي فاسقة؛ عَتُقا) أما سالم؛ فلشهادة البينة العادلة بعتقه، ولا تُعادلها الفاسقة، وأما غانم؛ فلإقرار الوارثة أنه هو المعتَق (٢) دون سالم. (وإن جُهِل أسبقهما) تاريخًا، بأن قال كلٌّ من البينتين: إنه أعتق فلانًا. ولم تؤرّخ، أو أرّخت إحداهما، وأُطلقت الأخرى (عَتَقَ أحدهما بقُرعة) كما لو اتَّحد تاريخُهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر (وكذا لو كانت بيّنة غانم وارثة) وجُهل الأسبق، فإنه يقرع بينهما؛ لما سبق. (وإن قالت البينةُ الوارثة: ما أعتق سالمًا، وإنما أعتق غانمًا؛ عَتَقَ غانم كله) بلا قُرعة؛ لإقرار الورثة بعِتقه (وحكم سالم كحُكمه، كما لو لم تطعن الوارثة في بينته؛ في أنه يَعْتِق) بلا قُرعة (إنْ تقدَّم تاريخ عتقه) لسبقه (أو خرجت له القُرعة) فيما إذا جهل الحال؛ لإلغاء طَعْنها في بينته (وإلا) أي: وإن لم يتقدَّم تاريخُ عتقه، بل تأخَّر، إن علم التاريخ، أو لم تخرج له القُرعة إن جَهِل (فلا) يعتق سالم، كما لو لم تطعن في بينته. (وإن كانت) البينة (الوارثة فاسِقة) وشَهِدت بعِتْق غانم (ولم تطعن في بينةِ سالم، عَتَق سالم كلّه) بلا قُرعة؛ لأن البينة العادلة شَهِدت بعتقه، ولم يوجد ما يَعارِضها (وينظر في غانم؛ فإن كان تاريخ عِتْقه سابقًا، أو خرجت القُرعة له؛ عتق كله) لإقرار الورثة بأنه أعتقه (وإنْ كان) عِتْق

стр. 7232

غانم (متأخّرًا، أو خرجت القُرعةُ لسالم، لم يَعْتِقْ منه) أي: من غانم (شيء) لأن بينته لو كانت عادلة، لم يَعْتِق منه شيء إذًا، فمع فِسْقها أولى (وإن كذَّبت) بينة غانم (بينةَ سالم، عتق العبدان) لأن سالمًا مشهودٌ بعتقه، وغانمًا مُقِرّ له بأنه لا يستحق العتق سواه. (وتدبير مع تنجيز) في مرض موت (كآخر تنجيزين مع أسبقهما في كلِّ ما قَدَّمنا) لأن المُدَبَّر يَعْتِق بالموت، فوجب أن يتأخَّر عن المنجز في الحياة، أشبه الموصى بعتقه مع المنجز عتقه. فصل (وإن مات عن ابنين: مسلمٍ، وكافرٍ، فادَّعى كلٌّ منهما أنه) أي: الأب (مات على دِيْنه؛ فإن عُرِف أصل دِيْنه) من إسلام أو كفر (فالقول قول من يَدَّعيه) لأن الأصل بقاؤه على ما كان عليه (وإن لم يُعرف) أصل دِيْنه (فالميراث للكافر إن اعترف المسلم أنه أخوه، أو قامت به) أي: بأنه أخوه (بينةٌ) لأن المسلم لا يُقِرُّ ولده في دار الإِسلام على الكفر، فصار معترفًا بأن أباه كان كافرًا مُدَّعيًا إسلامه، وأخوه يُنْكِره، والقول قول المُنكِر (وإلا) أي: وإن لم يعترف المُسلِم بأخوَّة الكافر، ولم تَقُمْ بها بينة (فـ) ــالميراث (بينهما) لتساويهما في الدعوى مع عدم المُرجِّح، أشبه ما لو تنازعا عينًا في يديهما. (وإن أقام كلُّ) واحدٍ (منهما بَيّنة أنه مات على دِيْنِهِ، ولم يُعرَف أصلُ دِيْنه؛ تعارضتا) وتساقطتا؛ لتعذُّر الجمع بينهما، ويتناصفان التَّرِكة، كما لو لم تكن بينة. (وإن قال شاهدان: نعرِفُه مسلمًا، و) قال (شاهدان) آخران: (نعرِفُه

стр. 7233

كافرًا، ولم يُؤَرِّخا معرفتهم، ولا عُرِف أصلُ دِيْنه، فالميراث للمسلِم) لأن الإسلام يطرأ على الكُفْر كثيرًا، والكفر إذا طرأ على الإسلام لا يُقرّ عليه (وتَقَدَّم (١) الناقلةُ إذا عُرِف أصلُ دِيْنه فيهن) أي: في جميع ما سبق (كما تَقَدَّم) لأن المبَقِّية له على أصل ديْنه بنت شهادتها على الأصل الذي تعرفه، والبينة الأخرى معها علم لم تعلمه الأولى، فَقُدِّمت عليها، كما لو شَهِد اثنان أن هذا العبد كان ملكًا لفلان إلى موته، وآخران أنه أعتقه أو باعه في حياته. (ولو شَهِدت بينةٌ أنه مات ناطقًا بكلمة الإسلام، و) شَهِدت (بينةٌ أخرى أنه مات ناطقًا بكلمة الكفر؛ تعارضتا، ولو لم يُعرف أصلُ دِيْنه) لأن البيِّنتين أرّختا وقتًا واحدًا؛ هو ساعة موته، فتعارضتا وتساقطتا؛ لتعذُّر الجمع. (وإن خلَّف) ميت (أبوين كافرَيْن، وابنين مسلِمَين، واختلفوا في دِيْنه، فكما تقدَّم في ابنين؛ مسلمٍ وكافرٍ) لأن هؤلاء مع ثبوت دعواهم لا فرق بين دعواهم ودعوى الابنين. قال في "المستوعب": وعلى كلِّ حالٍ، يُغَسَّل، ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين. انتهى. قال القاضي: يُدفن معنا. وقال ابن عقيل: وحدَه (وكذا لو خلّف ابنًا كافرًا، وأخًا وامرأة مسلِمَين) فعلى ما تقدَّم. (ومتى نصَّفْنا المال، فنصفُه للأبوين على ثلاثة) للأب ثلثاه، وللأم ثلثه، والنصف الآخر للابنين (و) كذلك إذا نصَّفناه في الثانية، فـ (ـنصفه للزوجة والأخ على أربعة) للزوجة رُبعه، وباقيه للأخ، والنصف الآخر للابن المنازع.

стр. 7234

(و لو مات مسلمٌ، وخلَّف زوجةً وورثةً سواها، وكانت الزوجةُ كافرةً، ثم أسلمت، وادَّعت أنها أسلمت قبل موته) لترِثَ منه (وأنكر الورثةُ؛ فقولُهم) لأن الأصل بقاؤها على الكفر، فيكون القول قول الورثة بيمينهم. (وإن ادَّعى الورثةُ أنَّها كانت كافرة، ولم يثبت) كونها كانت كافرة (وأنكرتهم) فقولها (أو ادعوا) أي: الورثة (أنه طلَّقها قبل موته) طلاقًا يُسقِط الأرث (فأنكرتهم؛ فقولُها) لأنهم اعترفوا بالزوجيّة - التي هي سبب الإرث - وادعوا ما يسقطه، والأصل عدمُه. (وإنِ اعترفت بالطلاق وانقضاء العِدَّة، وادَّعت أنه راجعها) أي: أعادها بعقدٍ جديد (وأنكروا) أي: الورثة (فقولُهم) لأن الأصل عدم الإعادة. (وإن) اتفقوا على الطلاق، و (اختلفوا في انقضاء عِدَّتها؛ فقولُها، في أنها) أي: العِدَّة (لم تنقضِ) لأنه الأصل. (ولو مات مسلمٌ وخلَّف ابنين؛ مسلمًا وكافرًا، فأسلم الكافرُ، وقال: أسلمتُ قبل موت أبي) أو قبل قَسْم تَرِكته (وقال أخوه: بل بعدَه) أي: أسلمتَ بعد ذلك (فلا ميراث له) لأنه مُقِرّ بالكفر أوّلًا، مدّعٍ للإسلام فيما قبل الموت أو فيما قبل قَسْمِ (١) التَّرِكة، والأصل بقاؤه على كفره، فيكون القول قولَ أخيه المسلم بيمينه، إلا أن يُقيم بينةً بدعواه، أو يُصَدِّقه باقي الورثة. (فإن قال: أسلمتُ في المُحَرَّم، ومات أبي في صَفَر، فقال أخوه) المسلم: (بل) مات أبوك (في ذي الحجَّة، فله الميراث مع أخيه) لأنهما

стр. 7235

اتفقا على الإسلام في المُحَرَّم، وإنما اختلفا في أن الموت هل كان قبله أو بعده، والأصل حياة الأب، فوجب أن يكون الإرث بينهما. (و لو خلَّف حرٌّ ابنًا حرًّا، وابنًا كان عبدًا، فادَّعى أنه عَتَق وأبوه حيٌّ) وأنكره أخوه (ولا بينة؛ صُدِّق أخوه في عدم ذلك) أي: في أنه لم يَعتِق قبل موت أبيه؛ لأن الأصل بقاء الرّقّ. (وإنْ ثَبَتَ عتقه في رمضان، فقال الحرُّ: مات أبي في شعبان، وقال العتيق: بل) مات (في شوال؛ صُدِّق العتيق) لأن الأصل بقاء حياة الأب إلى شوال (وتُقدَّمُ بينةُ الحرِّ مع التعارض) أي: لو أقام الحُرُّ بينةً أن أباه مات بشعبان، والعتيق بينةً أنه مات بشوال؛ قُدِّمت بينةُ الحُرِّ؛ لأن معها زيادة علم. (ولو شهدا) أي: اثنان (على اثنين بقتلِ) زيد مثلًا (فشهدا) أي: المشهود عليهما (على الشاهدين به) أي: بأنهما القاتلان (وصَدَّق الوليُّ الكلَّ) أي: الأربعة (أو) صَدَّق (الآخرَيْن، أو كذَّب) الوليُّ (الكلَّ، أو) كذَّب (الأوَّلَيْن فقط؛ فلا قتل ولا دية) لأن شهادة المشهود عليهما غير معتبرة؛ لأنهما متهمان بالدفع عن أنفسهما بذلك، وتصديق الولي لهما غير معتبر، وكذا لو صَدَّق الجميع؛ بأن قال: قتلوه كلهم؛ لأن كل اثنين من البيّنتين تدفع عن نفسها القتل بالشهادة، فلا تُقبل، وكذا لو أكذب الجميع؛ لأنه يعترف بأن لا حقَّ له عندهم. (وإن صَدَّق) الوليُّ الشاهدين (الأولين فقط) أي: دون الآخرين (حكم بشهادتهما) لعدم ما يدفعها (وقُتل من شَهِدا عليه) بالقتل، وهما الآخران؛ لثبوت القتل عليهما إن كان عمدًا محضًا.

стр. 7236

كتاب الشهادات

стр. 7237

كتاب الشهادات (واحدُها شهادةٌ) مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يُخبِر عما شاهده، يقال: شَهِد الشيءَ، إذا رآه، ولذلك قيل لمَحضَر الناس: مَشهَد، لمشاهدتهم فيه ما يحضرهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) أي: علمه، برؤية هلاله، أو إخبار مَن رآه. والأصل فيها الإجماع (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ. . .﴾ الآية (٣)؛ وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)؛ وقوله ﷺ : "شاهدَاكَ أو يَمِينُهُ" (٥) ونحوه مما سبق مفصَّلًا (٦)، والحاجة داعيةٌ إليها؛ لحصول التجاحُد. قال شُريحٌ: القضاء جَمْر، فَنَحِّهِ عنك بعودين. يعني: الشاهدين (٧). وإنما الخصم داء، والشهود شفاء، فأفرغ الشفاء على الداء. (تُطلق) الشهادة (على التحمُّل و) على (الأداء) لقوله تعالى:

стр. 7238

﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ. . .﴾ الآية (٢)، وإنما خَصَّ القلبَ بالإثم، لأنه موضع العلم بها. (وهي) أي: الشهادة (حُجَّةٌ شرعيَّة تُظهِر) أي: تُبيّن (الحقَّ) المُدَّعَى به (ولا توجبه) بل القاضي يوجبه بها. (وهي) أي: الشهادة - ولو عطفه بالفاء لكان أنسب - (الأخبار بما علِمه بلفظ خاصٍّ) وهو: أشهد، أو: شَهِدتُ بكذا. (وتحمُّلها) أي: الشهادة (في غير حَقِّ الله) تعالى (فَرْضُ كِفاية) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) قال ابن عباس وقتادة والربيع (٣): المُراد به التحمُّل للشهادة، وإثباتها عند الحاكم. فإذا قام به البعضُ سَقَطَ عن الباقي (٤)، وإن لم يوجد إلا مَن يكفي؛ تعيَّن عليه، وإن كان عبدًا لم يجز لسيده منعه، ودخل في ذلك حقوق الآدميين كلها، أموالًا كانت أو غيرها. (وإذا تحمَّلها) أي: الشهادة الواجبة (وجبتْ كتابتُها، ويتأكَّد ذلك في حقِّ رديء الحِفْظ) لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به، فهو واجبٌ. قال في "الاختيارات" (٥): "وحيث امتنعت الشهادةُ، امتنعت كتابتها في ظاهر كلام أبي العباس والشيخ أبي محمد المقدسي". (وأداؤها) أي: الشهادة في غير حق الله (فَرْضُ عَيْنٍ) لقوله تعالى:

стр. 7239

﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (١). (فإن قام بالفرض في التحمُّلِ والأداء اثنان؛ سقط) الوجوبُ (عن الجميع) لحصول الغرض، لكن الأداء فَرْضُ عَيْنٍ على المذهب، كما ذكره أوّلًا، خلافًا للموفَّق ومتابعيه. (وإن امتنع الكلُّ) أي: مِن التحمُّلِ أو الأداء (أثَمِوا) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١). (ويُشترط في وجوب التحمُّلِ و) وجوب (الأداء أن يُدْعَى إليهما مَن تُقبل شهادتُه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٢). (و) أن (يقدر) الشاهد (عليهما بلا ضَرَرٍ يلحقُه في بَدَنِهِ، أو ماله، أو أهله، أو عِرْضه، ولا تَبذُّلٍ في التزكية) أي: وبلا ضرر يلحقه بتبذُّل نفسه إذا طُلبت منه تزكيتها، فإن حصل له ضررٌ بشيء من ذلك لم تجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٢). (ويختصُّ الأداء بمجلسِ الحُكْمِ) لأن السماعَ بغيره لا يحصُل به مقصودُها، كما تقدَّم، فإن كان الحاكم غير عَدْلٍ، فنقل ابن الحكم عن أحمد: كيف أشهد عند رجل ليس عدلًا؟! لا يشهد (٣) (ومن تحمَّلها) أي: الشهادة بحقِّ آدميٍّ (أو رأى فِعْلًا، أو سَمِع قولًا بحقِّ) آدمي (لزمه أداؤها على القريب) عُرفا (و) على (البعيد فيما دون مسافة القصر) دون ما فوقها؛ لما فيه من المشقَّة. (والنسيب وغيره سواء) أي: ذو القرابة والأجنبي مستويان في

стр. 7240

وجوب الشهادة لهما أو عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١)؛ ولأن الشهادة أمانة، فلزِمه أداؤها، كالوديعة. (ولو أدَّى شاهدٌ، وأبى الآخرُ، وقال) لربِّ الحَقِّ: (احلِفْ أنت بدلي؛ أثِمَ) اتفاقًا؛ قاله في "الترغيب"؛ لما تقدم. (ولو دُعي فاسقٌ إلى تحمُّلها) أي: الشهادة (فله الحضور، ولو مع وجود غيره؛ لأن التحمُّل لا يُعتبر له العدالة) بخلاف الأداء، فلو لم يؤدِّ حتى صار عدلًا قُبلت. (ومَن شَهِد) بحقٍّ ولو (مع ظهور فِسْقه، لم يُعزَّر؛ لأنه) أي: فِسْقه (لا يمنع صِدقه) قاله في "الفروع" (فدل أنه لا يحرم أداءُ الفاسق، و) إلا لعُزّر، يؤيده أن الأشهر: (لا يضمن مَن بان فِسْقُه) ويتوجَّه التحريم عند مَن ضَمَّنه، ويكون علة لتضمينه. (ويحرم أخْذُ أُجرة وجُعْلٍ عليها) أي: الشهادة (تحمُّلًا وأداءً، ولو لم تتعيَّن عليه) لأن فَرْضَ الكفاية إذا قام به البعضُ وقع منه فرضًا، ولا يجوز أخذ الجعل عليه، كصلاة الجِنازة. (لكن إنْ عَجَزَ) الشاهد (عن المشي، أو تأذَّى به، فله أخْذُ أُجرة مركوب من ربِّ الشهادة) قال في "الرعاية": فأُجرة المركوب والنفقة على رَبّها. قلت: هذا إن تعذَّر حضور المشهود عليه إلى محلّ الشاهد، لمرض، أو كِبر، أو حبس، أو جاهٍ (٢)، أو خفر. انتهى. (وفي "الرعاية": وكذا) أي: كالشاهد في أخْذِ أُجرةٍ وجُعْل (مُزَكٍّ،

стр. 7241

ومعرِّفٌ، ومترجمٌ، ومُفْتٍ، ومقيمُ حدٍّ، و) مقيم (قَوَد، وحافظُ مال بيت المال، ومحتسِبٌ، والخليفة) واقتصر عليه في "الفروع"، وتقدَّم الكلام على المفتي مع القاضي القضاء (١). (ولا يقيمها) أي: الشهادة (على مسلم بقتل كافر) قاله في "الفروع". وظاهره: يحرم، ولعل المراد عند مَن يرى قتله به، وأما لوجوب الدية، فيجب؛ لأنه حقُّ آدميٍّ، فيدخل في عموم ما سبق. (ويُباح لمَن عنده شهادةٌ بحَدٍّ لله) تعالى (إقامتُها) وقال القاضي والموفَّق وجَمْعٌ: تَرْكها أولى، وجزم في آخر "الرعاية" بوجوب الإغضاء عن (٢) ستر المعصية، وتصح إقامةُ الشهادة بحقِّ الله تعالى (٣) (من غير تقدم دعوى) به، وتقدم. (ولا تُستحبُّ) الشهادةُ بحَقِّ الله تعالى؛ لحديث: "مَن سَترَ عَورةَ مسلم سَترَه الله في الدُّنيا والآخرَةِ" (٤). (وتجوز الشهادة بحَدٍّ قديم) كالشهادة بقصاص (٥)؛ ولأنه قد يَعْرِض للشاهد ما يمنعه الشهادة حينها، ثم يتمكَّن بعدُ. (و) يجوز (للحاكم أن يُعرِّض للشهود بالوقف عنها في حَقِّ الله تعالى، كتعريضه) أي: الحاكم (للمُقِرّ به) أي: بحَدّ لله تعالى (ليرجع)

стр. 7242

عن إقراره؛ لقوله ﷺ للسارق: "ما إخَالُكَ سَرقتَ" (١) مَرَّتَيْنِ، وأعرض عن المُقِرّ بالزنى حتى أقرَّ أربعًا (٢). وقال عُمرُ لزيادٍ بعد أن شَهِد عنده الثلاثة على المغيرة بالزنى، وجاء زيادٌ ليشهد: ما عندك يا سَلْحَ العُقاب (٣)؟ وصاح به، فقال: رأيت أمرًا قبيحًا (٤)، فلما لم يُصرِّحْ بالزنى فَرِح عُمر، وكان ذلك بمَحْضَرٍ من الصحابة، ولم يُنكِره أحدٌ منهم. (ومن عنده شهادةٌ) بحقٍّ (لآدمي يعلَمُها، لم يُقِمْها) أي: الشاهد (حتى يسأَلَه) ربُّ الحق إقامتها؛ لقوله ﷺ : "خَيرُ النّاس قرني ثم الذين يَلُونَهم، ثم يأتي قومٌ يَنذُرُون ولا يُوفُونَ، ويَشهَدُونَ ولا يُستشهدُونَ، ويَخُونُونَ ولا يُؤتمنونَ" رواه البخاري (٥). وأما قوله ﷺ : "ألا أنبئكم (٦) بخَيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتي بالشّهادَةِ قبل أن يُسْأَلها" رواه مسلم (٧). فهو فيما إذا لم يعلم المشهود له الحال.

стр. 7243

(ولا يَقدح) أداؤها قبل استشهاده (فيه) أي: في شهادته، للحاجة (كشهادة حِسْبة) في حقوق الله تعالى. (ويُقيمها) الشاهد (١) (بطلبه) أي: المشهودِ له (ولو لم يطلبْها حاكمٌ) لأنها حقٌّ للمشهودِ له، فإذا طَلَبه وَجَبَ (ونحوه) كالمحكَّم (فإن لم يعلَمْها؛ استُحِبّ له) أي: الشاهد، (إعلامُه، فإن سأله أقامَها، ولو لم يطلبها حاكم) لما تقدم. (ويحرم كَتْمُها) أي: الشهادة بحقِّ آدميٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢). (ويُسنُّ الإشهادُ في كلِّ عَقْدٍ سوى نِكاحٍ) كالبيع والإجارة والرهن؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣)، وصَرَفه عن الوجوب قولُه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢)، وقيس على البيع باقي العقود غير النكاح (فيجب) أن يشهد به اثنان؛ لأنها شرط فيه، وتقدم (٤) في بابه. (و لا يجوز للشاهد أن يشهَدَ إلا بما يعلمُه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٥)؛ ولحديث ابن عباس: "سُئلَ النبيُّ ﷺ عن الشّهادَةِ، قال: هَل تَرَى الشّمسَ؟ قال: نعم. قال: على مِثلِها فاشهَدْ أو دَعْ" رواه الخلال في "جامعه" (٦) بأن يدرك المشهودَ به ابتداء (برؤيةٍ أو

стр. 7244

سَمَاعٍ) فشهد مَن رأى زيدًا يُقْرِضُ عَمرًا ونحوه، أو سمِعه يبيعه، أو يُقِرّ له، وإن احتمل أنه أقاله البيعَ، أو وفّاه القرضَ، أو ما أقرَّ له به، فالمُعتبر العِلمُ في أصل المدرَك لا في دوامه، كما أشار إليه القَرَافي (١)، وإلا لتعطلت (٢) (غالبًا؛ لجوازه) أي: العلم (ببقية الحواس قليلًا) كدعوى مشتري مأكول عَيْبَه لمرارة أو نحوها، فتشهَدُ البينةُ بما أدركته بالذوق، أو الشَّمِّ، أو اللمس. (فالرؤية تختصُّ بالأفعال، كالقتل، والغصب، والسرقة، وشرب الخمر، والرَّضاع، والولادة، ونحو ذلك) من العيوب المرئية. (فإن جَهِل) الشاهدُ (حاضرًا) أي: جهل اسمَه ونسبَه (جاز أن يشهد) عليه (في حضرته) فقط (لمعرفة عينه. وإن كان) المشهودُ عليه (غائبًا) وجَهِل اسمَه ونسبَه، لم يشهد حتى يَعرفه (فـ) ــإن (عَرَّفه) به (مَن يسكن إليه؛ جاز أن يشهَد، ولو على امرأة) ولو كان الذي عَرَّفه واحدًا. قال في "شرح المنتهى": على

стр. 7245

الأصح. (وإن لم يتيقَّن معرفتها، لم يشهد مع غيبتها) للجهالة بها وبما يعرفها به للحاكم. (ويجوز أن يشهد على عَيْنِها، إذا عَرَف عَيْنَها ونظر إلى وجهها. قال) الإمام (أحمد: لا يشهَدُ على امرأةٍ حتى ينظر إلى وجهها (١). وهذا محمولٌ على الشهادة على مَن لم يتيقَّن معرفتها، فأما من تيقَّن معرفتها، وعَرَف صوتها يقينًا، فيجوز) له أن يشهد عليها؛ لحصول المعرفة بها. (وقال) الإمام (أحمد - أيضًا -: لا يشهَدُ على امرأةٍ إلا بإذن زوجها) وعلَّله بأنه أملك لعصمتها (٢). وقطع به في "المبهج" للخبر (٣). وعلَّله بعضُهم بأن النظر حقٌّ للزوج، وهو سهوٌ؛ قاله في "الفروع". (وهذا) أي: نصّ أحمد (يحتمل) أن المُراد به (أنه لا يدخل عليها

стр. 7246

بيتَها إلا بإذن زوجِها) لأن البيت حقُّه، فلا يدخله بغير إذنه. (ولا تُعتبر إشارتُه) أي: الشاهد (إلى مشهودٍ عليه حاضرٍ مع نسبه وَوَصْفِه) للحاكم، فإن لم يُسَمّه ولم ينسبه ولم يصفه، اعتُبرت إشارته إليه. (وإن شهد بإقرارٍ، لم يُعتبر) لصحّة الشهادة (ذكرُ سببه) أي: الإقرار بذلك الحق، ولا سببِ الحق الذي أقرَّ به (كـ) ــما لو شَهِد بـ (ـاستحقاق مال) فإنه لا يُعتبر ذِكْرُ سبب الاستحقاق، ويحتمل أن يكون المعنى: كما لا يُعتبر ذكر استحقاق المال في الشهادة على الإقرار به، كما لا يُشترط ذلك لصحة الدعوى بالإقرار. (ولا) يُعتبر - أيضًا - (قوله) أي: الشاهد: إنه أقرَّ (طوعًا في صِحَّته مكلَّفًا) رشيدًا (عملًا بالظاهر) أي: ظاهر الحال؛ لأن مَن سوى ذلك يحتاج إلى تقييد الشهادة بتلك الحال. (وإن شَهِد) الشاهد (بسببٍ يوجب الحقَّ) كتفريطٍ في أمانة، أو تعدٍّ فيها (أو) شهد بـ (ـاستحقاقٍ غيره) أي: غير ما يوجبه السبب، بأن قال: إن هذا يستحق في ذِمّة هذا كذا (ذَكَرَه) أي: اشترط ذكر الموجب للاستحقاق؛ لأنه قد لا يعتقده الحاكم موجبًا. (والسماعُ ضربان): الأول: (سماعٌ من المشهود عليه، كالطلاق، والعَتَاق، والإبراء، والعقودِ) من البيع والإجارة، والشركة، والمضاربة، والصلح، ونحوها (وحُكْمِ الحاكم، وإنفاذِه، والإقرارِ) بنسب، أو مال، أو قود، ونحوه (ونحوها) أي: المذكورات، كالخلع (فيلزمه) أي: الشاهد (أن يَشْهَدَ به على مَن سمعه) منه، سواء وقّت الحاكم الحكم أو لا (وإن لم يُشهِدْهُ به، لاسْتِخفائه) أي: الشاهد عند تحمُّله الشهادة، كأن يكون لإنسان على آخر حقّ، وهو ينكرُه بحضور مَنْ يشهد عليه، فيسمع

стр. 7247

إقراره مَن لا يعلم به المُقِرّ، فإنه يشهد عليه بما سمعه منه؛ لأنه حصل له العِلم بالمشهود به، كما لو رآه يفعل شيئًا من غير أن يعلم الفاعل أن أحدًا يراه (أو مع العِلم) من المسموع منه ذلك (به) أي: بالشاهد (وإذا قال المتحاسبان: لا تشهدوا علينا بما يجري بيننا، لم يمنع ذلك الشهادة) عليهما بما جرى بينهما (و) لم يمنع (لزوم إقامتها) لأن الشاهد قد عَلِم ما يشهد به، فيدخل في عموم الأدلة. (و) الضرب الثاني: (سماعٌ من جهةِ الاستفاضةِ فيما يتعذَّر عِلْمُه غالبًا بدونها) أي: بدون الاستفاضة، وهي: أن يشتهر المشهودُ به بين الناس، فيتسامعون به بإخبار بعضهم لبعض (كالنسب) قال ابن المنذر (١): لا أعلم أحدًا من أهل العلم منع منه، ولو منع ذلك لاستحالت معرفته به، إذْ لا سبيل إلى معرفته قطعًا بغير ذلك، ولا تمكن المشاهدة فيه، ولو اعتُبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه، ولا أحدًا من أقاربه (والموتِ، والملكِ المُطْلَق) لأن الموت قد لا يباشره إلا الواحد أو الاثنان ممن يحضره، ويتولَّى غسله، وتكفينه، والملك قد يتقادم السبب المترتّب عليه، فلو توقفت الشهادة على المباشرة، لأدَّى ذلك إلى العُسْر، وخاصة مع طول الزمان (والنكاح عقدًا ودوامًا، والطلاقِ، والخُلْعِ) ذكره في "المقنع"، قال في "الشرح": ولم يذكره في "المغني" ولا في "الكافي"، ولا رأيتُه في كتاب غيره، ولعله قاسه على النكاح، والأولى: أنه لا يثبت؛ لأنه يشتهر (٢)، بخلاف الخلع (والوقف) بأن يشهد أن هذا وَقْفُ زيدٍ لا أنَّ زيدًا وَقَفَهُ (ومصرفه) أي: الوقف

стр. 7248

(وشرطه) لدعاء الحاجة إلى ذلك، خصوصًا مع طول المدة (والعتق، والولاء، والولاية، والعزل، وما أشبه ذلك، فَيَشْهَدُ بالاستفاضة في ذلك كلِّه) لان هذه الأشياء تتعذَّر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها ومشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة، كالنسب. (ولا) يجوز أن (يَشْهَدُ بها) أي: بالاستفاضة (إلا) إذا علم ما شهد به (عن عدد يقع العِلمُ بخَبَرهم) قال الخِرقي: ما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شَهِدَ به. (ولا يُشترطُ فيها) أي: في الشهادة عن الاستفاضة (ما يُشترط في الشهادة على الشهادة) من عدالة الأصل، وتعذُّر حضورهم بموت، ونحوه، وغير ذلك مما سيأتي (ويُكتفى بالسماع) بغير استرعاء. (ويَلزمُ) القاضيَ (الحكمُ بشهادةٍ لم يعلم تلقِّيها من الاستفاضة) هذه عبارة "الفروع" و"التنقيح"، قال في "المستوعب": ومتى لم يعلم الحاكم أنها تُلقِّيت من طريق الخبر لزمه قَبولها والحكم بها قولًا واحدًا. (ومن قال: شَهِدتُ بها) أي: الاستفاضة (فَفَرْعٌ) هكذا في "الفروع" و"التنقيح"، وذكر ابن الزاغوني: إن شَهِد أن جماعة يثق بهم أخبروه بموت فلان، أو أنه ابنه، أو أنها زوجته، فهي شهادة الاستفاضة، وهي صحيحة، وكذا أجاب أبو الخطاب: يُقبل في ذلك، ويحكم فيه بشهادة الاستفاضة، وأجاب أبو الوفاء: إن صَرَّحا بالاستفاضة، أو استفاض بين الناس، قُبلت في الوفاة والنسب جميعًا. (وفي "المغني": شهادةُ أصحابِ المسائل شهادةُ استفاضةٍ، لا شهادة على شهادةٍ. وقال القاضي: الشهادةُ بالاستفاضة خبرٌ، لا شهادةٌ. وقال: تحصُلُ بالنساء والعبيد) وقال: يحكم القاضي بالتواتر.

стр. 7249

(وإن سَمِعَ إنسانًا يُقِرّ بنسبِ أبٍ، أو ابنٍ) أو نحوه (فصدَّقه المُقَرُّ له، جاز أن يَشْهَدَ له به) أي: بالنسب؛ لتوافق المُقِر والمُقَر له على ذلك (وإن كذَّبه) أي: كذَّب المقَرُّ له المُقِر فيما أقرَّ به من النسب (لم) يجز له أن (يشهد) له به؛ لتكذيبه إياه. (وإنْ سكت) المُقَرُّ له، فلم يصدِّق ولم يُكذِّبْ (جاز) للسامع (أن يشهد) له به؛ لأن السكوت في النسب إقرارٌ به، بدليل أن من بُشِّر بولد فسكت، لَحِقه نسبُه، كما لو أقرَّ به؛ لأن السكوت في الانتساب الباطل غير جائز، بخلاف سائر الدعاوى؛ ولأن النسب يغلب فيه الإثبات، ولذلك يلحق بالإمكان في النكاح. (ومن رأى شيئًا في يد إنسانٍ مدةً طويلة يتصرَّف فيه تصرُّف الملَّاك، من نقض، وبناء، وإجارة) وإعارة (ونحوها، جاز) للرائي (أن يشهد له بالملك) لأن التصرُّف فيه على هذا الوجه من غير منازع يدلُّ على صِحّة المِلك، فجاز أن يشهد به. (والورعُ ألا يشهدَ إلا باليد والتصرُّف) لأنه أحوط (خصوصًا في هذه الأزمنة) وإن لم يره يتصرَّف كما ذُكر مدة طويلة، شهد باليد والتصرُّف فقط. فصل (ومن شَهِد بنكاحٍ، أو غيرِه من العقودِ، فلا بُدَّ من ذِكْرِ شروطِه) لاختلاف الناس في بعض الشروط، فربما يكون تُرِك منه شرطٌ يرى الشاهدُ صحته بدونه، دون الحاكم (وتقدَّم في) باب (طريق الحكم)

стр. 7250

وصفته (١) وكذا الدعوى، فَيُعتبر في نكاحٍ أنْ يشهد أنه تزوَّجها برضاها، بوليٍّ مرشد وشاهدي عدل، وأنها حين العقد كانت خلية عن الموانع. (وإنْ شهد برَضاع، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ عدد الرضعات، وأنه شَرِب من ثديها، أو من لَبَنٍ حُلِب منه) لأن الناس يختلفون في عدد الرضعات، وفي الرضاع المحرِّم، ولا بُدَّ أن يشهد أنه ارتضع (في الحَوْلين) لأن الرضاع بعدهما غير مُحَرِّم (فلا يكفي أن يشهد) الشاهد (أنه ابنُها من الرَّضاع) لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها. (وإن شَهِد بقتل، احتاج أن يقول: ضَرَبه بسيفٍ، أو غيره، أو جَرَحه فقتله، أو مات من ذلك. وإن قال) الشاهد: (جَرَحه فمات؛ لم يحكم به) لجواز أن يكون مات بغير هذا. (وإنْ شهد بزنىً ذَكَرَ المزنيَّ بها) لئلا تكون ممن تَحِلُّ له (وأين) أي: في أيِّ مكانٍ (وكيف) زَنَى بها، من كونهما نائمين، أو جالسين، أو قائمين (وفي أي زمان) زنى بها؛ لتكون الشهادة منهم على فِعْلٍ واحدٍ، لجواز أن يكون ما شَهِد به أحدُهما غير ما شَهِد به الآخرُ (وأنه رأى ذَكَرَه في فَرْجِها) لأن اسم الزنى يُطلق على ما لا يوجب الحَدّ، وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنىً زنىً، فاعتُبر ذكر صفته، واعتُبر ذِكْر المرأة؛ لئلا تكون ممن تَحِلُّ له، أوْ له في وطئها شُبهة، وتقدَّم (٢) في حد الزنى: لا يعتبر ذِكْر المزني بها ولا مكانه، مع ما فيه. (وإنْ شَهِد بسرقةٍ، اشتُرط ذِكْرُ المسروق منه، و) ذكر (النصاب، و) ذكر (الحِرْز، و) ذكر (صفة السرقة) مثل أن يقول: خلع الباب ليلًا
следующие страницы →