بحضرة الناس، زاد في "الغُنية" (١): أو على الطريق، ولا يضرُّ أكل اليسير، كالكِسْرة ونحوها) كالتفاحة.
(أو يمُدُّ رِجْليه في مَجْمَع الناس، أو يتحدَّث بمُبَاضَعَتِهِ أهلَه (٢) أو أمَتَه، أو غيرهما) لما فيه من الدناءة، وقلَّة المبالاة، وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إنَّ من شرِّ (٣) الناسِ منزلةً يومَ القيامَةِ الرجل يُفضي إلى المرأةِ ثم يُفشي سِرَّها" (٤).
(أو يخاطب أهلَه، أو أَمَته، أو غيرهما بفاحش (٥) بحضرة الناس، وحاكي المضحكات، ومتزيٍّ بزِىٍّ يُسْخَر منه، ونحوه) من كل ما فيه سُخف ودناءة؛ لأن من رضيه لنفسه واستخفَّه، فليس له مروءة، ولا تحصُل الثقةُ بقوله، ومَن فعل شيئًا من هذا مختفيًا به لم يمنع من قَبول شهادته؛ لأن مروءته لا تسقط به، وكذلك إن فعله مَرَّة أو شيئًا قليلًا لم تُرد شهادته؛ لأن صغير المعاصي لا يمنع الشهادة، إذا قلّ، فهذا أولى؛ ولأن المروءة لا تختلّ بقليل هذا، ما لم يكن عادة.
(قال الشيخ (٦): وتَحرُم محاكاةُ الناس، ويعزَّر هو ومَن يأمره. انتهى) وقد عدَّه بعضُ العلماء من الغيبة.
(ولا بأس بالثِّقاف، واللعب بالحِراب، ونحوها) لأن الحبشة لعبت بين يدي النبي ﷺ ، وقامت عائشةُ تنظر إليهم وتستتر به حتى
стр. 7282
ملَّت (١).
(وتُقبل شهادةٌ مَن صناعتُه دنيئةٌ عُرفًا، كحَجَّام، وحائك، وحارس، ونّخّال: وهو الذي يتخذ غربالًا، أو نحوه يغربل به ما في مجاري المياه، وما في الطرقات من حصىً وتراب، ليجد في ذلك شيئًا من الفلوس أو الدراهم وغيرها، وهو المُقَلِّش (٢). ومُحرِّش بين البهائم) وفي "المبدع": لا تُقبل.
(و) تُقبل شهادة (صبَّاغ، ونفَّاط: وهو اللَّعّاب بالنفط، وزبَّال، وكنَّاس العَذِرة، فإن صَلَّى بالنجاسة ولم يتنظف؛ لم تُقبل شهادته) لفقد عدالته.
(وكبَّاش: وهو الذي يلعب بالكبش، ويُناطح به، ودبَّاغ، وقرَّاد: وهو الذي يلعب بالقِرْد ويطوف به في الأسواق ونحوها متكسِّبًا بذلك، وحدَّاد ودبَّاب، إذا حَسُنت طريقتهم في دينهم.
ويُكره كسْبُ مَن صنعتُه دنيئة) إذا أمكنه غيرها (وتقدم (٣) أول باب الصيد.
وأما سائر الصناعات التي لا دناءة فيها، فلا تُرَدّ الشهادة بها) لعدم المانع من قَبولها (إلا من كان يحلف منهم كاذبًا، أو يَعِدُ ويُخلِف، وغلب هذا عليه، أو كان يؤخّر الصلاةَ عن أوقاتها، أو لا يتنزَّه عن النجاسات، أو كانت صاعته مُحَرَّمة، كصناعة المَزامير من خَشَبٍ، أو قَصَبٍ، والطنابير، أو يكثر في صناعته الربا، كالصائغ والصيرفي، ولم يتوقَّ
стр. 7283
ذلك، رُدَّت شهادته.
وكذا) تُردُّ شهادة (مَن داوم على استماع المُحَرَّمات، من ضَرْب النايات، والمزامير، والعود، والطُّنبور، والرَّباب ونحو ذلك) من آلات اللهو.
(والصَّفَّاقتين من نُحَاس) أو صيني ونحوه (يُضْرَب بإحداهما على الأخرى، فتحرم آلاتُ اللهو اتّخاذًا، واستعمالًا، وصناعةً. أو لَعِب لَعِبًا فيه قمارٌ، وتكرَّر منه) ذلك اللعب، أيُّ لَعِبٍ كان، وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه، وما خلا من القمار، وهو العوض من الجانبين، أو من أحدهما. فمنه ما هو مُحَرَّم كالنرد والشطرنج، إلا أن النرد آكد؛ لورود النص فيه (١)، ومنه ما هو مباح، كالثِّقاف، وتقدَّم.
وسائر اللعب إذا لم يكن فيه ضرر ولا شغل عن واجب، فالأصل إباحتُه؛ ذكره في "الشرح" و"شرح المنتهى".
(أو سأل من غير أن تَحِلَّ له المسألةُ، فأكثَرَ) من السؤال، رُدَّت شهادته؛ لأنه فَعَل مُحَرَّمًا، وأكل سُحتًا، وأتى دناءة، فإن كان ممن تُباح له المسألة، لم تُرَدَّ شهادته إلا أن يكون أكثر عُمره سائلًا، فينبغي أن تُرَدَّ شهادته؛ لأن ذلك دناءة وسقوط مروءة؛ ذكره في "الشرح".
(أو بنى حَمَّامًا للنساء) فتردُّ شهادته بذلك كله، ونحوه، مما هو مُحَرَّم، أو فيه دناءة.
وأما ما اتَّخذه أرباب الدنيا من العادات والنزاهة، التي لم يُقَبِّحْها السلف، ولا اجتنبها أصحابُ رسول الله ﷺ ، مثل تقذّرهم من حمل
стр. 7284
الحوائج والأقوات للعيال، ولبس الصوف، وركوب الحمار، وحمل الماء على الظهر والرزمة إلى السوق، فلا يُعتبر شيء من ذلك في المروءة الشرعية، فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ هذا يحمل الماء لأهله، وهذا يحمل الرزمة للسوق، وقد ركِب النبيُّ ﷺ الحِمَار (١)، ولَبِس الصُّوف (٢)، واحتذى المخصوف (٣)، مع كونه قد أوتي مكارم الأخلاق، فلا ازدراء في ذلك ولا إسقاط مروءة؛ قاله في "المستوعب".
стр. 7285
فصل
(ومتى زالت الموانعُ منهم، فبلغ الصبيُّ، وعَقَل المجنونُ، وأسلمَ الكافرُ، وتاب الفاسِقُ؛ قُبِلت شهادتُهم بمجرَّد ذلك) لأن ردَّها إنما كان لمانع، وقد زال.
(ولا يُعتبر في التائبِ أصلاحُ العمل) لقوله ﷺ : "التائبُ من الذَّنب كمَن لا ذَنبَ لهُ" (١)؛ ولأن شهادة الكافر تُقبل بمجرد الإسلام، فلأَنْ تُقْبَلَ شهادةُ الفاسق بمجرَّد التوبة بطريق الأوْلى؛ ولقول عُمر لأبي بَكْرة: "تُبْ، أقبلْ شهادتك" (٢)؛ ولحصول المغفرة بها.
(وتوبة غيرِ قاذفٍ، ندمٌ) بقلبه على ما سبق من ذنبه (وإقلاعٌ) عن الذنب الذي تاب منه (وعَزْمٌ ألا يعودَ) إلى ذلك الذنب لله تعالى، لا لأجل نَفْع الدنيا أو أذى الناس، اختيارًا، لا بإكراه وإلجاء. وعُلم من كلامه: أنه لا يُشترط مع ذلك لفظ: إني تائب، أو: أستغفر الله ونحوه، وقيل: بلى.
(وإن كان فِسْقُه بترك واجبٍ؛ فلا بُدَّ من فِعْله) أي: الواجب الذي تركه (ويُسارع) بفعل ذلك الواجب، بل تجبُ التوبة فورًا من كلِّ معصية.
(ويُعتبر) لصحة توبة من نحو غصب: (رَدُّ مظلمة إلى رَبِّها) إن كان حيًّا (أو إلى ورثته إن كان ميتًا، أو) أن (يجعله منها) أي: المظلمة (في حِلٍّ) بأن يطلب منه أن يبرئه (ويستمهله معسِرٌ (٣)) أي: يستمهل التائبُ
стр. 7286
ربَّ المظلمة إنْ عَجَزَ عن ردِّها أو بدلها، لعسرته.
وتوبة المبتدع: الاعتراف ببدعته، والرجوع عنها، واعتقاد ضدّ ما كان يعتقده من مخالفة أهل السُّنة.
(وتوبة قاذف بزنىً) أو لواط (أن يُكَذِّب نفسه) ولو كان صادقًا، فيقول: كذبت فيما قلت (لِكَذِبه حكمًا) أي: في حكم الله تعالى بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١) فتكذيبُ الصادق نفسه يرجع إلى أنه كاذب في حكم الله تعالى، وإن كان في نفس الأمر صادقًا.
وروى الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعًا - في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) - قال: توبته إكذاب نفسه (٣).
(وتصحُّ توبته) أي: القاذف (قبل الحَدِّ) لعموم ما سبق، و (لصحَّتِها من قذف وغيبة ونحوهما) كسبٍّ (قبل إعلامه، و) قَبل (التحلُّل منه) أي: من المقذوف ونحوه.
(والقادف بالشتم تُرَدُّ شهادته وروايته وفُتياه حتى يتوب، والشاهد بالزنى إذا لم تكمل البينةُ تُقبل روايته، لا شهادته) لأن عُمر لم يقل شهادة أبي بكرة وقال له: "تُبْ، أقبلْ شهادتك" (٤). قال في "الشرح": ولا نعلم خلافًا في قَبول رواية أبي بكرة مع رَدِّ شهادته (وتقدم (٥) بعضُه في القذف)
стр. 7287
وتقدم (١) في مُحَرَّمات النكاح: توبة الزانية أن تُرَاوَد، فتمتنع، إلا أن يحمل على ما إذا أرادت النكاح خاصة.
(وتُقبل شهادةُ العبد حتى في) موجِب (حَدٍّ وقَوَد، كالحر، وتُقبل شهادة الأَمة فيما تُقبل فيه شهادة الحُرَّة) لعموم آيات الشهادة، وهو داخل فيها، فإنه مِن رجالنا، وهو عَدْل تُقبل روايته وفُتياه وأخباره الدينية، ورواه الخلال بإسناد جيد عن أنس (٢)، ورواه عن علي (٣)؛ ولحديث عقبة بن الحارث، قال: "تزوَّجتُ أمَّ يحيى بنت أبي إهاب، فَجاءت أمةٌ سوداءُ، فقالت: قد أرضَعتكُما. فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: كيف وقد زعمَت ذلكَ" متفق عليه (٤).
(ومتى تعيَّنت) الشهادةُ (عليه) أي: القِنّ (حَرُم على سَيّده مَنْعه منها) أي: من قيامه بالشهادة، كسائر الواجبات، فلو عَتَق بمجلس الحكم، فَشَهِد، حرم رَدّه. قال في "الانتصار" و"المفردات": فلو رَدّه مع ثبوت عدالته، فَسَق. والمُكاتَب، والمُدَبَّر، وأم الولد، والمُعتَق بعضه، كالقِنّ.
стр. 7288
(وتجوز شهادة الأصمِّ في المرئيات) لأنه فيها كغيره (و) تجوز شهادة الأصم (بما سَمِعه قبل صَمَمِهِ) لأنه في ذلك كَمَن ليس به صمم.
(وتجوز شهادةُ الأعمى في المسموعات، إذا تيقّن الصوت) أي: صوت المشهود عليه. رُوي عن علي (١) وابن عباس (٢) أنهما أجازا شهادة الأعمى، ولا يُعرف لهما مخالف في الصحابة؛ لحصول العلم له بذلك، كاستمتاعه بزوجته.
(و) تجوز شهادة الأعمى (بالاستفاضة) لأنه يعتمد القول، وشهادته فيه جائزة (و) تجوز شهادة الأعمى (بما رآه قبل عَمَاه، إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه) لأن العمى فَقْدُ حاسّة لا يُخِلُّ بالتكليف، فلا يمنع قَبول الشهادة، كالصمم (فإن لم يعرفه) أي: لم يعرف الأعمى الفاعل (إلا بعينه، قُبلت) شهادته (إذا وصفه) الأعمى (للحاكم بما يتميز به) لأن المقصود تميّز (٣) المشهود عليه من غيره، وقد حصل، فوجب قَبوله لذلك.
(قال الشيخ (٤): وكذا الحكم إن تعذَّرت رؤية العين المشهود لها، أو عليها، أو بها؛ لِغَيبة، أو موت، أو عَمىً) واقتصر عليه في "الفروع" وغيره، وجزم به في "المنتهى"، لكن تقدم (٥) في كتاب القاضي إلى
стр. 7289
القاضي ما يعارضه، فَلْيُراجع.
(وإن شَهِد عند الحاكم، ثم عَمِي، أو خَرِسَ، أو صُمَّ، أو جُنَّ، أو مات، لم يمنع الحكم بشهادته) إن كان عدلًا؛ لأن ذلك معنىً طرأ بعد أداء الشهادة، لا يقتضي تُهمة في حال الشهادة، فلم يمنع قَبولها، بخلاف الفسق، فإنه يورثُ تُهمةً حال الشهادة.
(وتُقبل شهادةُ ولد الزنى في الزنى وغيره) لعموم الأدلة؛ ولأنه عَدْل مقبول الرواية والشهادة في غير الزنى، فَتُقبل فيه كغيره؛ ولأن الفاعل للقبيح غيره.
(وتُقبل شهادةُ الإنسان على فِعْل نَفْسِه، كالمرضعة على إرضاعها، وإن كان) الإرضاع (بأجرة) لحديث عقبة السابق (١).
(و) كشهادة (القاسم على قسمته بعد فراغه) من القسمة (ولو) كان يقسم (بعوض، والحاكم على حكمه بعد العزل) قياسًا على المرضعة. وقيد في "المستوعب" و"المغني" والقاضي وأصحابه في القاسم: إذا كان بغير عوض.
(و) تُقبل (شهادة القروي على البدوي، وعكسه) أي: شهادة البدوي على القروي؛ لأن من قُبلت شهادته على أهل البدو، قُبلت على أهل القرى، وحديث أبي داود وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ على صَاحبِ قرْيَةٍ" (٢) محمول على ما إذا جُهِلت
стр. 7290
عدالته الباطنة، وخصّه بهذا لأن الغالب أنه لا يكون من يسأله الحاكم عنه.
стр. 7291
باب موانع الشهادة
الموانع: جمع مانع، من منع الشيء إذا حال بينه وبين مقصوده، فهذه الموانع تحول بين الشهادة ومقصودها، فإن المقصود منها قَبولها والحكم بها.
(وهي ستة) أشياء:
(أحدها: قرابة الولادة، فلا تُقبل شهادةُ عمودَيِ النَّسَب بعضِهم لبعضٍ، مِن والد وإنْ علا، ولو من جهة الأم) كأبي الأم وأبيه، وجده (و) من (وَلَد وإنْ سَفَلَ من ولد البنين والبنات) لأن كلًا من الوالدين والأولاد مُتَّهم في حَقّ صاحبه؛ لأنه يميل إليه بطبعه، بدليل قوله ﷺ : "فاطِمَةُ بَضْعةٌ مِني، يُريبُني ما أرَابها" (١)، وسواءٌ اتفق دينُهم أو اختلف، وسواءٌ جَرَّ بها نفعًا للمشهود له أو لا، كَبِقَذْفٍ (٢) وعقد نكاح (إلا من زنىً أو رضاع) فَتُقبل شهادةُ الولد لأبيه من زنىً ورَضاع وعكسه؛ لعدم وجوب الإنفاق والصِّلة، وعتق أحدهما على صاحبه.
(وتُقبل شهادةُ بعضِهم على بعضٍ) لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٣)؛ ولأن شهادته عليه لا تُهمة فيها، وهي أبلغ في الصِّدق، كشهادته على نفسه.
(و) تُقبل شهادةُ العدل (لباقي أقاربه) الذين ليسوا من عمودي نسبه
стр. 7292
(كـ) ـــشهادته لـ (ــأخيه وعمّه، وابن عمّه، وخاله، ونحوهم) كابن أخيه، وابن أخته.
(و) شهادة (الصَّدِيق لصَدِيقه، و) شهادة (المولَى لعتيقه، وعَكْسُه) كشهادة العتيق لمولاه.
(ولو أعتق عَبْدَين، فادَّعى رَجُلٌ أنَّ المُعْتِق غَصَبَهما منه، فشَهِد العتيقان بصِدْق المُدَّعي؛ لم تُقبل شهادتُهما؛ لردِّهما إلى الرّقّ، وكذا لو شَهِدا بعدَ عِتْقهما أن مُعْتِقَهُما كان غيرَ بالغ حال العتق، أو) شَهِدا (بجرح شاهدي حُرّيتهما. وكذا لو عتقا بتدبير أو وصية، فشَهِدا بدَيْنٍ يستوعب التَّرِكة، أو وصية مؤثِّرة في الرِّق) كما لو شهدا بوصية تستوعب التَّرِكة، لم تُقبل شهادتهما؛ لإقرارهما بعد الحرية برقهما لغير سيدهما.
المانع (الثاني: الزوجيّة، فلا تُقبل شهادة أحدُ الزَّوجين لصاحبه) لأنه ينتفع بشهادته، لتبسُّط كلِّ واحدٍ في مال الآخر، واتّساعه بسعته، وإضافة مال كلّ واحدٍ إلى الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ (١) و ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ (٢)؛ لأن يسار الرجل يزيد في نفقة امرأته، ويسارها يزيد في قيمة البُضع المملوك لزوجها؛ ولأن كلَّ واحد منهما يرث الآخر من غير حَجْب، فأوجب التُّهمة في شهادته (ولو) كانت شهادةُ أحدِهما لصاحبه (بعد الفِراق) بطلاق، أو خُلع، أو فسْخٍ لنحو عُنَّةٍ (إن كانت) الشهادة (رُدَّت قبله) أي: قبل الفراق؛ للتُّهمة (وإلا) أي: وإن لم تكن رُدت قبله، وإانما شَهِدا ابتداء بعد الفراق (قُبلت) الشهادة؛ لانتفاء التُّهمة. وقال في "التنقيح": ولو في الماضي. وتبعه في
стр. 7293
"المنتهى" ولم يُفرّق بين أن تكون الشهادة رُدَّت قبلُ أو لا. قال المصنف في "حاشيته": وهو غريب مناقضٌ لكلامه. انتهى. لكن كلامه في "المبدع" موافق لـ "التنقيح" قال: وظاهره: ولو بعد الفراق. انتهى. ويؤيدهما ما ذكره المصنف وغيره: لا تُقبل شهادته لموكّله فيما هو وكيل (١) فيه، ولو بعد العزْل من الوكالة.
(وتُقبل) شهادةُ أحدِ الزوجين (عليه) أي: على صاحبه، كما تقدَّم في عمودي النسب (في غير الزنى) فلا تُقبل شهادته عليها بالزنى؛ لأنه يقرّ على نفسه بعداوته لها، لإفسادها فراشه.
(ولا) تُقبل (شهادةُ السيدِ لعبده) لأن مالَ العبدِ لسيده، فشهادتُه له شهادةٌ لنفسه. قال في "الشرح": لا تُقبل شهادتُه لعبدِه بنكاحٍ، ولا لأمَته بطلاقٍ (ولا العبدِ لسيده) لأنه يتبسَّط في ماله، وتجب فيه نفقته، فهو كالأب مع ابنه. زاد في "الرعاية الكبرى": بمال.
(قال ابنُ نصر الله: لو شَهِد عند الحاكم مَن لا تُقبل شهادةُ الحاكمِ له، كشهادة ولد الحاكم عنده لأجنبيٍّ، أو) شهادة (والده) أي: الحاكم (أو) شهادة (زوجته فيما تُقبل فيه شهادةُ النِّساء: يتوجَّه عَدَم قَبولها) أي: تلك الشهادة، ولعل وجهه عدم تحرّيه في عدالتهم، لكن تقدم (٢) في القضاء: يحكم بشهادتهم، كما جزم به المصنف، وصاحب "المنتهى"، وغيرهما هناك.
(وقال) ابنُ نصر الله: (لو شَهِد على الحاكم بحكمه مَن شَهِد عنده بالمحكوم فيه، الأظهر: لا تُقبل، وقال: تزكيةُ الشاهدِ رفيقَه في الشهادة
стр. 7294
لا تُقبل. انتهى) أما في الثانية، فلأنه يشهد على الحاكم أنه قَبِل شهادته، وحكم بما ثبت عنده بشهادته، فيكون قد شَهِدَ لنفسه بأن الحاكم قَبِله، وأما في الأخيرة، فلإفضائه إلى انحصار الشهادة في أحدهما.
(ولو شَهِد اثنان على أبيهما) أو على زوج أمهما الأجنبي (بقذف ضَرَّةِ أُمِّهما، وهي) أي: أمهما (تحته، أو) شَهِدا على زوجِ أمهما بـ (ــطلاقها) أي: طلاق ضَرَّةِ أُمِّهما (قُبلت) شهادتهما؛ لأنها شهادةٌ على الأب، كما لو لم تكن أُمُّهما تحته؛ ولأن حقَّ أمهما لا يزداد بذلك، وتوفير الميراث لا يمنع قَبول الشهادة، بدليل شهادة الوارث لموروثه.
(قال في "الترغيب": ومن موانعها) أي: الشهادة (العَصبيَّةُ) وجزم به في "المنتهى" (فلا شهادة) مقبولة (لمن عُرِف بها، وبالإفراط في الحَميَّة كتَعَصُّبِ قبيلةٍ على قبيلةٍ، وإن لم تبلغ) العصبيةُ (رتبةَ العداوة.
ومن حلف مع شهادته لم تُردّ) شهادته.
(الثالث) من موانع الشهادة: (أن يجر) الشاهدُ (إلى نَفْسِه نفعًا) بشهادته (كشهادة السيد لمُكاتَبِه، و) شهادة (المُكاتَب لسيده) لأن المُكاتَب رقيقٌ؛ لحديث: "المكاتَبُ عبدٌ ما بَقِيَ عليه درهمٌ" (١)، (و) كشهادة (الوارث بجرح موروثه قبل اندماله، فلا تُقبل) لأنه رُبَّما يسري الجرح إلى النفس، فتجب الدية للشاهد بشهادته، فيصير كأنه شَهد لنفسه.
(وتُقبل) شهادة الوارث (له) أي: لموروثه (بدَيْنه في مرضه) لأن هذا الدَّيْن يجوز أن ينتقل إلى الشاهد، ويجوز ألا ينتقل إليه، والمانع من قَبول الشهادة ما يحصُل للشاهد به نفعٌ حال أداء الشهادة (فلو حكم بهذه
стр. 7295
الشهادة) ثم مات المشهود له، فورثه الشاهد (لم بتغيَّر الحكم بعد موته) لوقوعه صحيحًا، ولم يطرأ عليه ما يفسده.
(ولا تُقبل شهادةُ الوصي للميت، ولو بعد عَزْله، و) لا شهادةُ (الوكيل لموكّله، و) لا شهادة (الشريك لشريكه، والأجير لمستأجره فيما هو وكيلٌ) فيه (أو شريك) فيه (أو مستأجر فيه، ولو بعد العَزْل) في الوكالة (وفراغ الإجارة، وانفصال الشريك) من شريكه المشهود له؛ لاتّهامهم، والوصي يثبت له فيما يشهد به حقّ التصرُّف.
(ولا) شهادة (أحد الشفيعين بعفو الآخر عن شُفعته) لأنه مُتَّهم (أو) أي: ولا تُقبل شهادةُ الشفيع بـ (ـبيع الشّقص الذي تجب فيه الشُّفعة) للتُّهمة.
(وإن أسقط) الشفيعُ (شُفعته قبل الحكم بشهادته) بعفوِ شريكه، أو بببيع الشِّقص (قُبلت) شهادته؛ لانتفاء التُّهمة، و (لا) تُقبل شهادته إن عَفَا عن شُفعته (بعد الردِّ) لشهادته؛ لأنه مُتَّهم، لكونه إنما عَفَا لتُقبل شهادته.
(ولا) تُقبل شهادةُ (غريمٍ لمفلس بمال بعد الحَجْرِ) على المَدين للفَلَس (أو) أي: ولا تقبل شهادةُ الغريم (لميتٍ له عليه دَيْن بمال (١)) لأن ذلك المال يعود إلى الغريم، فكأنه شَهِد لنفسه.
(ولا) تُقبل شهادةُ (مضارِب بمالِ المضاربة، ولا حاكمٍ، و) لا (وصيٍّ لمَن في حَجْرِه) لأنه مُتَّهم.
(وتُقبل) شهادةُ الوارث ومَن بعده ممن تقدَّم ذكرهم (عليه) أي: على من تقدَّم أنها لا تُقبل له؛ لانتفاء التُّهمة.
(ولا تُقبل) شهادةٌ (لمن له كلام واستحقاق في شيء، وإن قلّ)
стр. 7296
للجهة الموقوف عليها (كرباط ومدرسة) قال الشيخ تقي الدين في قوم في ديوان أجروا شيئًا: لا تُقبل شهادةُ أحدٍ منهم على مستأجره؛ لأنهم وكلاء أو ولاة. قال: ولا شهادة الأموال (١) السلطانية على الخصوم (٢).
(الرابع: أن يدفع عن نفسه) بشهادته (ضَرَرًا، كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ) لما فيه من التهمة بدفع الدية عن أنفسهم، فإن كان الجارح فقيرًا أو بعيدًا، فاحتمالان، أحدهما: تُقبل؛ لأنه لا يحمل شيئًا من الدية، والثاني: لا؛ لجواز أن يوسر أو يموت من هو أقرب منه قبل الحول، فيحملها.
(و) كشهادة (الغرماء بجرح شهود الدَّين على المُفلِس) لما فيه من توفير المال عليهم.
(و) كشهادة (السيد بجَرْح مَن شَهِد على مكاتبه أو عبده، بدَيْن) لأنه مُتَّهم فيها؛ لما يحصُل بها من دَفَع الضَّرر عن نفسه، فكأنه شَهِد لنفسه. قال الزهري: مضت السُّنة في الإسلام: لا تجوزُ شهادة خَصْم ولا ظَنِيْن (٣). والظَّنين: المتهم.
(و) كشهادة (الوصي بجرح الشاهدِ على الأيتام، والشريكِ بجرح الشاهد على شريكه، كشهادة من لا تُقبل شهادته لإنسان اذا شَهِد بجرح الشاهد عليه) كعمودَيِ النسب، والزوج، والوكيل؛ لأنهم مُتَّهمون في دفع الضرر عنهم.
стр. 7297
(ولا تُقبل شهادة الضَّامن للمضمون عنه بقضاء الحَقّ، أو الإبراء منه) أي: من الحق؛ لأنها شهادة لنفسه ببراءته.
(ولا شهادةُ بعض غُرماء المفلِس على بعضٍ بإسقاط دَيْنه، أو استيفائه) لأن قسطه يتوفَّر عليهم.
(ولا) تُقبل شهادة (مَن أوصي له بمال على) موصىً له (آخر بما يُبطِل وصيَّته، إذا كانت وصيَّتُه يحصُل بها مزاحمةٌ، إما لضيق الثلث عنها، أو تكون الوصيتان (١) بمعيَّن) لما روى سعيد بإسناده عن طلحة بن عبد الله بن عوف مرسلًا قال: قضى رسول الله ﷺ : "أن اليَمينَ على المدَّعى عليه" (٢). "ولا تجوز شهادة خصم ولا ظَنين" (٣).
(و تُقبل فُتيا مَن يدفع عن نفسه ضررًا بها) أي: بفُتياه، كما تُقبل على عدوه ولولده ووالده، وتقدَّم (٤).
(الخامس) من الموانع: (العداوة الدنيوية) لحديث عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا قال: "لا تجوزُ شَهادةُ خائنٍ ولا خائنَة ولا زان ولا زانيَة ولا ذي غِمرٍ على أخيهِ" رواه أبو داود (٥). والغَمْر: الحقد؛ ولأن العداوة تورث تُهمة شديدة، فمنعتِ الشهادة، كالقرابة القريبة (كشهادة المقذوف على قاذفه، والزوج على امرأته بالزنى) لأنه معترف بعداوته لها، بفساد فراشه.
(و) لا شهادة (المقتولِ وليُّه على القاتل، و) لا شهادة (المجروح
стр. 7298
على الجارح، و) لا شهادة (المقطوع عليه الطريق على قاطعه) لما تقدم.
(فلو شَهِدا (١) أن هؤلاء قطعوا الطريق علينا، أو على القافلة؛ لم تُقبل) شهادتهم.
(وإن شَهِدا (١) أن هؤلاء قطعوا الطريق على هؤلاء؛ قُبلت) شهادتهم.
(وليس للحاكم أن يسألهم هل قطعوا الطريق عليكم معهم) أو لم يقطعوها عليكم معهم؛ لأنه لا يبحث عما شهدت (٢) به الشهود.
(وإن شَهِدوا أنهم عرضوا لنا، وقَطَعوا الطَّريق على غيرنا؛ قُبِلت) شهادتهم؛ قَدمه في "الفصول" قال: وعندي: لا تُقبل.
(و يُعتبر في عدم قَبول الشَّهادة) للعداوة (كونُ العداوة لغير الله) تعالى (سواء كانت) العداوة (موروثة، أو مكتسبة) وفي الحديث: "ثلاثَةٌ لا ينجُو منهُنَّ أحدٌ: الحسَدُ، والظّنُّ، والطِّيرةُ، وسأُحدثكم بالمخرَج من ذلك: إذا حسدت فلا تَبْغِ، وإذا ظننتَ فلا تُحقّق، وإذا تَطيرتَ فامضِ" (٣).
стр. 7299
(فأما العداوة في الدِّين، كالمُسْلِم يشهد على الكافر، والمُحق من أهل السُّنة يشهد على المبتدع، فلا تُرَدُّ شهادته؛ لأن الدِّين يمنعُه من ارتكاب محظور في دِينه، وتُقبل شهادة العدو لعدوه) لعدم التُّهمة.
(وتُقبل) شهادةُ العدو (عليه) أي: على عدوه (في عَقْدِ نكاح) بأن يكون الشاهد عدوًّا للزوجين، أو أحدهما أو الولي. وتقدم (١) في النكاح.
(ومن شَهِد بحقٍّ مشترك بين مَن تُرد شهادته له، وبين مَن لا تُرد) شهادته له (لم تُقبل) الشهادة (لأنها لا تتبعَّض في نفسها.
ومن سَرَّتْهُ مساءةُ أحد، أو غمّه فَرَحُهُ أو طلب له الشر ونحوه، فهو عدوّه) لا تُقبل شهادته عليه؛ للتُّهمة.
(السادس: من شَهِد عند حاكم، فرُدَّت شهادته بتهمة؛ لرحمٍ، أو زوجيّة، أو عداوة، أو طلب (٢) نفع، أو دفع ضرر، ثم زال المانع، فأعادها؛ لم تُقبل، كما لو رُدّت لِفسق، ثم أعادها بعد التوبة) للتُّهمة في أدائها؛ لكونه يُعيَّر بردها، فربما قصد بأدائها أن يقبل؛ لإزالة العار الذي لحقه بردّها؛ ولأنها رُدت باجتهاد، فَقَبولها نقضٌ لذلك الاجتهاد.
стр. 7300
"تنبيه": يتصور زوال الرحم في نحو ما لو شَهِد ابنٌ لأبيه الغائب بحق، ثم حضر ولا عن على نفيه بشرطه، فإنه ينتفي عنه باللعان، فإذا أعاد الشهادة بعدُ؛ لم تُقبل؛ لما تقدَّم.
(ولو لم يشهد بها الفاسق عند الحاكم حتى صار عدلًا؛ قُبلت) شهادته. قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأن التهمة إنما كانت من أجل العار الذي يلحقه في الردِّ، وهو منتفٍ هنا.
(وإن رُدَّت) الشهادة (لكفرٍ، أو صغر، أو جنون، أو خرس، ثم أعادها بعد زوال المانع؛ قُبلت) شهادته؛ لأن التُّهمة هنا منتفية، لأن رَدَّ الشهادة في تلك الحالات لا غضاضة (١) فيه؛ ولأن الصبيان في زمنه ﷺ كانوا يروون بعد ما كَبِرُوا، كابن الزبير، والشهادة في معنى الرواية (٢).
(وإن شهد) الشاهد (عنده) أي: الحاكم (ثم حَدَث مانعٌ) من عمىً، أو خرسٍ، أو صمم، أو جنون، أو موت، من قَبول شهادته (لم يمنع الحكم) لأنه معنىً لا يقتضي تُهمة في حال الشهادة، فلم يمنع قَبولها (إلا كفر، أو فسق، أو تُهمة) فيمنع الحكم بشهادته؛ لاحتمال وجود ذلك عند الشهادة، وانتفاء ذلك حال الشهادة شرطٌ لصحة الحكم، فوجب أن يمنعه.
(فأما عداوة ابتدَأَها مشهود عليه، كقَذْفه البينة لمّا شَهِدت عليه، لم تردّ شهادتها بذلك، وكذا مقاولته) أي: المشهود عليه للبينة (وقت غضب، ومحاكمة بدون عداوة ظاهرة سابقة) فإنها لا تمنع الحكم، وإلا
стр. 7301
لتمكَّن كلُّ مشهود عليه من إبطال الشهادة عليه بابتداء عداوة الشاهد، فوجب ألا تمنع لذلك. قال في "الترغيب": ما لم يَصل إلى حَدّ العداوة أو الفسق، وحدوث مانع في شاهد أصلي كحدوثه في من أقام الشهادة.
(وإن حَدَث مانعٌ بعد الحكم، لم يُستوفَ حَدٌّ، ولو قذفًا) لأن الحدود تُدرأ بالشُّبهات وهذا منها (ولا قَوَدَ) لأنه إتلاف لا يمكن تلافيه (بل) يُستوفى (مال) حُكِم به؛ لنفوذ الحكم ظاهرًا.
(وإن شَهِد) السيد (لمكاتبه، أو) شَهِد الوارث (لمورثه بجرح قبل برئه، فرُدت) الشهادة (ثم أعادها بعد العتق والبرء؛ لم تُقبل) الشهادة؛ لأنها رُدَّت للتُّهمة، أشبهت المردودة لفسق؛ ولأن ردَّها كان باجتهاد، فلا ينقض باجتهاد آخر، وكذا لو ردت شهادته لدفع ضرر، أو جلْب نفع، أو عداوة، ثم زال المانع وأعادها.
стр. 7302
(باب ذكر) أقسام (المشهود به، و) ذكر (عدد شهوده)
أي: شهود كلّ قسم منه، لأن عدد الشهود يختلف باختلاف أقسام المشهود به، كما ستراه.
وأقسامُ مشهود به سبعة:
أحدها: الزنى واللواط، فـ (ـلا يُقبل في الزنى واللواط أقلُّ من أربعةِ رجالٍ) عدول، يشهدون به؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ .... ﴾ الآية (١)، فجعلهم كاذبين، إن لم يأتوا بالأربعة، فوجب ألا تُقبل الثلاثة. وقال ﷺ لهلال بن أمية: "أربعَةُ شُهداء، وإلا حَدٌّ في ظهركَ" (٢) واللواط من الزنى.
(وكذا الإقرارُ به) أي: بالزنى أو اللواط، فلابُدّ فيه من أربعةٍ (يشهدون أنَّه أقرَّ أربعًا) لأنَّه إثباتٌ للزنى، فاعتُبر فيه أربعة، كشهود الفعل.
(فإن كان المُقِرُّ بهما) أي: الزنى واللواط (أعجميًا، قُبل فيه تَرجُمانان) قدَّمه في "الرعاية" وتقدَّم (٣) في طريق الحكم وصفته: أن الترجمة كالشهادة، فلابُدَّ هنا من أربعة.
(ومن عُزِّرَ بوَطء فَرج، من بهيمةٍ، أو أمَة مشتركة) بين الواطئ
стр. 7303
وغيره (ونحوها) كأمة لولده كلها، أو بعضها (ثبت) موجب تعزيره (برَجُلين) كظلم النَّاس، فإن كان الوطء مباحًا، كوطء زوجته، أو أَمَته، إذا احتيج إلى إثباته. قال ابن نصر الله: فالظاهر أن حكمه كذلك، وهو أن يثبت برجلين؛ لأنَّه لا يوجب حدًّا، وليس مما يختص به النساء غالبًا حتَّى يكتفى فيه بامرأة، ولم أجد هذه المسألة في كلام الأصحاب.
(و) القسم الثاني: دعوى الفقر، فـ (ـلا يُقبل قول من عُرِف بالغنى: أنَّه فقيرٌ) ليأخذ من نحو زكاة (إلَّا بثلاثة) رجال؛ لحديث مسلم: "حتَّى يشهدَ ثلاثة من ذَوي الحجا من قومِه، لقد أصابَت فُلانًا فاقَةٌ" (١) (وتقدم) في باب أهل الزكاة (٢).
(و) القسم الثالث: بقية الحدود؛ فـ (ـلا تثبت بقية الحدود) كحد القذف، والشرب، وقطع الطريق (بأقل من رجُلين) لقول الزُّهْرِيّ: مضت السُّنةُ على عَهْدِ النبيِّ ﷺ ألا تُقبلَ شهادة النساء في الحدود (٣).
(وكذا القَوَد) فيثبت برجلين؛ لأنَّه أحدُ نوعي القِصاص، فَيُقبل فيه اثنان، كقَطْعِ الطريق، بخلاف الزنى.
(ويثبت القَودَ بإقراره مَرَّة) لأن القتل فيه حَقُّ آدمي، أشبه المال،
стр. 7304
وكذا القذف والشرب، بخلاف الزنى، والسرقة، وقطع الطريق، وتقدم.
القسم الرابع: ما أشار إليه بقوله: (ولا يُقبل فيما ليس بعقوبة ولا مال، ويطَّلعُ عليه الرجالُ غالبًا، كنكاحٍ، وطلاق، ورجعة، ونسبٍ، وولاء، وإيصاء) في غير مال (وتوكيل في غير مال، وتعديل شهود وجَرْحهم، أقل من رجلين) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) قاله في الرجعة، والباقي قياسًا؛ ولأنَّهُ ليس بمال، ولا يُقصد به المال، أشبه العقوبات.
وذكر القسم الخامس بقوله: (ويُقبل في موضِحَةِ ونحوها) كهاشمةٍ، ومنقِّلةٍ، وداءٍ بعين (٢) (وداء دابة: طبيبٌ واحد، وبَيْطار واحد مع عدم غيره) لأنه مما يعسر إشهاد اثنين عليه، فكفى الواحد، كالرضاع (فإن لم يتعذر) غير الواحد (فاثنان) لأنَّه الأصل.
(فإن اختلفا) بأن قال أحدهما بوجود الدَّاء، والآخر بعدمه (قُدِّم قول مثبت) لأنَّه يشهد بزيادة لم يدركها النافي.
القسم السادس: ذكره بقوله: (ويُقبل في مال، وما يُقْصَد به المال، كالبيع، وأجله) أي: أَجل الثمن في البيع، أو الثمن (٣) إذا كان في الذِّمة (وخياره) أي: خيار الشرط في البيع (ورهن، ومَهْر، وتسميته، ورِقِّ مجهولِ النسب، وإجارة، وشركة، وصلح، وهِبة، وإيصاء في مال، وتوكيل فيه، وقَرض، وجناية الخطأ، ووصية لمعين، ووَقْف عليه، وشُفعة، وحوالة، وغصب، وإتلاف مال، وضمانه، وفَسْخ عقد معاوضة، ودعوى قَتْل كافر لأخذ سَلَبه، ودعوى أسير تقدَّم إسلامُه لمنع
стр. 7305
رِقّه، وعِتق، وكتابة، وتدبير، ونحو ذلك) مما يُقصد به المال (رَجُلان، أو رَجلٌ وامرأتان) فاعل: "يُقبَل"؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١) وسياق الآية يدلُّ على اختصاص ذلك بالأموال، والإجماع (٢) منعقدٌ على ذلك.
(أو رجلٌ ويمين المُدَّعِي) لما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ : "قضى باليَمينِ مع الشاهدِ" رواه أَحْمد والتِّرمذيّ وابن ماجه (٣)، ولأحمد من حديث عمارة بن حزم (٤)، وحديث سعد بن عبادة (٥)، مثله. وعن جعفر بن محمَّد عن أَبيه عن علي: أن النَّبِيّ ﷺ قضى بشهادة شاهدٍ ويمين صاحب الحق. وقَضَى به عليٌّ بالعراق؛ رواه أَحْمد والدارقطني، وذكره التِّرْمِذِيّ (٦)، وروي هذا الحديث عن ثمانية من الصَّحَابَة:
стр. 7306
علي (١)، وابن عباس (٢)، وأبي هريرة (٣)، وجابرٍ (٤)، وعبد الله بن
стр. 7307
عُمَر (١)، وأبيٍّ (٢)، وزيد بن ثابت (٣)، وسعدِ بن عبادة (٤)، وعن عُمارة بن حزم (٤) أَيضًا، كما سبق (٥).
ولأن المُدعِي هنا قوِي جانبُه بالشاهد، وظَهَر صدقه، أشبه صاحب اليد والمُنكر؛ لقوة جانبه.
(ويجب تقديم الشهادة (٦) على اليمين) لأن اليمين إنما شُرعت في حَقه؛ لقوَّة جانبه، ولا يقوى جانبه إلَّا بشهادة الشاهد (ولا يُشترط في يمينه) أي: المُدعي (أن يقول: وإن شاهِدِي صادقٌ في شهادته) لأنَّه لا
стр. 7308
يُعتبر يمين المشهود له في ثبوت شهادة الشاهد، ولذلك لو طلب المشهودُ عليه ذلك لم يلزمه أن يجيبه، وقد ثبتت شهادة الشاهد، فلم يجب حلف المشهود له على صِحَّتها، كما لو كان مع الشاهد غيره.
(وكلُّ موضع قُبل فيه شاهد ويمين، فلا فرقَ بين كون المُدَّعي مسلمًا أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا، رجلًا أو امرأة) لأن مَن شُرِعت اليمين في حَقه لا يختلف حكمه باختلاف هذه الأوصاف، كالمُنكِر.
(ولا تُقبل شهادةُ امرأتين ويمين المدَّعي) لأن شهادة المرأة ناقصة، وإنما انجبرت بانضمام الرَّجل إليهما.
(ولا) شهادةُ (أربعِ نسوةٍ، فأكثرَ مقامَ رَجُلين) إجماعًا؛ قاله في "المبدع" (قال القاضي: يجوز أن يَحلِفَ على ما لا تجوزُ الشهادة عليه، مثل أن يجد بخطه دينًا له على إنسان، وهو يعرِف أنَّه لا يكتب إلَّا حقًّا، ولم يذكُرهُ، أو يجد في رُوزمانج (١) أَبيه بخطه دينًا له على إنسان، ويعرف من أبيه الأمانة، وأنه لا يكتب إلَّا حقًا، فله أن يَحلِفَ عليه) مع شاهد أقامه به.
(ولا يجوز أن يشهد به) أي: بما وَجَدَه بخطِّهِ من شهادته، أو شهادة أَبيه، وتقدَّم (٢) (ولو أخبره بحَقّ أَبيه ثقة) أي: عدل ضابط (فَسَكَن إليه، جاز أن يحلف عليه) إذا أقام به شاهدًا (ولم يجز أن يشهَدَ به).
و الفرق بين اليمين والشهادة من وجهين:
أحدهما: أنَّ الشهادة حقٌّ لغيره، فيحتمل أن من له الشهادة قد زوَّر على خطه.
стр. 7309
الثاني: أن ما يكتبه الإنسان من حقوقه يكثر، فينسى بعضه، بخلاف الشهادة.
(والأولى الورع عن) الحلف على (ذلك) احتياطًا.
(ولو نَكَلَ عن اليمين من أقام شاهدًا، حلف المُدَّعَى عليه) لأنَّه مُنكِر (وسَقَطَ الحق) هكذا في "المبدع" و"المنتهى" وغيرهما، ولعل المراد: انقطعت الخصومة فقط، كما يُعلم مما يأتي.
(فإن نكَلَ) المُدَّعَى عليه عن اليمين (حُكم عليه) بالنكول، ولا تُرد اليمين على المُدعِي؛ لأنها كانتَ في جنبته، وقد أسقطها بنكوله عنها، وصارت في جنبة غيره، فلم تَعُدْ إليه، كالمُدَّعى عليه إذا نَكل عنها.
(ولو كان لجماعةٍ حَقٌّ بشاهدٍ، فأقاموه) بعد دعواهم (فمَن حَلَفَ منهم أخذ نصيبه) من الحقِّ؛ لكمال النصاب من جهته (ولا يُشارِكه) فيما أخذه (مَن لم يحلف) لأنه لا حَق له فيه؛ لأنَّه لم يجب له شيء قبل حلفه.
(ولا يحلف ورثة (١) ناكل، إلَّا أن يموت قبل نُكُوله) فيحلف وارثه، ويأخذ ما شهِد به الشاهد.
(ويُقبَل في جناية عَمْدٍ موجَبُها المالُ، دون قصاص في بعضِها قوَد، كمأمومة، وهاشمة، ومنقِّلة، له قَوَد موضِحة في ذلك) لو ثبت بشاهدين (و) يُقبل أَيضًا (في عَمدٍ لا قِصاص فيه بحال) كالجائفة، رجُلان، ورجُلٌ وامرأتان، و (شاهد ويمين) لأنَّه يوجب المال، أشبه البيع، وكذا جناية أبٍ على ولده، وقتل مسلم لكافر، وحر لعبد (فيثبت المال) بشهادة الرجُل والمرأتين، أو الرَّجل واليمين دون قوَد الموضِحة، فلابُدَّ فيه من رَجُلين؛ لما تقدم.
стр. 7310
(وإن ادَّعى أن زيدًا ضَرَبَ أخاه بسهمِ عَمدًا، فقتله، ونَفَذَ) السهم (إلى أخيه الآخر، فقتله خطأ، وأقام بذلك شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا وحلف معه، ثبت قتل الثاني فقط) لأنَّه موجب للمال، بخلاف الأول، فإن قتْلَه موجب للقود، ولا يثبت إلَّا برجلين كما تقدم.
القسم السابع: هو المشار إليه بقوله: (ويُقبل فيما لا يطلع عليه الرجال، كعيوب النساء تحت الثياب، والبكارة، والثيوبة، والحيض، والولادة، والرضاع، والاستهلال، ونحوه) قال في "شرح المنتهى": فيدخل في ذلك البَرَصُ في الجسد تحت الثياب، والقَرَن والرًتَق والعَفَل (شهادةُ امرأةٍ واحدةٍ عَدلٍ.
وكذا جراحة وغيرها في حمَّام، وعرس، ونحوهما مما لا يحضره رجال) لما روى حذيفة "أن النَّبِيّ ﷺ أجازَ شَهادة القابِلَةِ وحدَها" (١)؛
стр. 7311
ذكره الفقهاء في كتبهم، وروى أبو الخَطَّاب عن ابن عمر ﵄، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "يُجزِئ في الرَّضَاع شَهادةُ امرأةٍ واحِدةٍ" (١)؛ ولأن ذلك معنًى ثبت بقول النساء منفردات، فلا يشترط فيه العدد، كالرواية وأخبار الديانات.
(والأحوط اثنتان) خروجًا من الخلاف.
(وإن شَهِدَ به رجلٌ كان أولى؛ لكماله) أي: لأنَّه أكمل مِن المرأة، وكالرواية.
(وإن شَهِد رجلٌ وامرأتان، أو) شَهِد (رجلٌ مع يمين فيما يوجِب (٢) القَوَدَ) من قتلٍ، أو قطع طرف (لم يثبت به قوَد ولا مال) لأن العمد يوجب القِصاص، والمال بَدَلٌ منه، فإن لم يثبت الأصل، لم يثبت بدله، وإن قلنا: موجبه أحد الشيئين، فأحدهما لا يتعين إلَّا بالاختيار، فلو أوجبنا بذلك الدية، أوجبنا معيّنًا بدون الاختيار.
(وإن أتى بذلك) أي: برجُلٍ وامرأتين، أو رَجُل مع يمين (في) دعوى (سَرَقة؛ ثَبَت المال) المسروق؛ لكمال بينته (دون القطع) لأن السرقة توجب المال والقطع، فإذا قصرت البينة عن أحدهما ثبت الآخر.
(وإن أتى بذلك) أي: برجُلٍ وامرأتين، أو رجُلٍ ويمينٍ (رَجُلٌ في) دعوى (خُلْع؛ ثبت له العِوض) لأنَّه يدعى المال الذي خالع به، وهو يثبت بذلك (وتثبت البينونة بمجرَّد دعواه) لأنَّه أقرَّ على نفسه، فيؤاخذ بإقراره.
стр. 7312
(وإن ادَّعت امرأة) على زوجها (الخُلْع، لم يُقبل فيه إلَّا رجُلان) لأنها لا تقصد بذلك إلَّا الفَسْخ، ولا يثبت إلَّا بعَدْلين، فإن اختلفا فِي عِوض الخُلع، ثبت برجُلين، ورجل وامرأتين، أو ويمينٍ.
(ولو أتت) من ادَّعت أنَّه تزوَّجها على كذا (برجُلٍ وامرأتين) أو رجُل وحَلَفَت معه (١) (أنَّه تزوَّجها بمهرٍ، ثبت المهرُ) دون النكاح (لأن النكاحَ حَقٌّ له) أي: للرجل، فلا تصِحُّ إقامةُ البينة به من قِبَلِ المرأة، ولا الدعوى به منها إلَّا لإثبات المهر.
(ولو ادَّعى شخصٌ على رجُلٍ أنَّه سَرَق منه) مالًا (أو غصبه مالًا، فحلف) المُدَّعَى عليه (بالطلاق والعَتَاق ما سرق منه ولا غصبه، وأقام المُدَّعي شاهدًا وامرأتين شَهِدا بالسرقة والغصب، أو) أقام بذلك (شاهدًا وحَلَف معه، استحقَّ) المُدَّعِي (المسروق والمغصوب) لكمال بينته (ولم يثبت طلاق ولا عتق) لأنه لم تكمل البينة له، لكن العتق يثبت بالشاهد والمرأتين، أو واليمين، فيثبت العتق أَيضًا، بخلاف الطلاق، ولذلك اقتصر فِي "المنتهى" على الطلاق.
(وإن ادَّعَى رجُلٌ على آخرَ أَمَةً بيده -لها ولدٌ- أنها أمُّ ولدِه، وأن ولدَها ولدُه، وشَهِد بذلك رجُل وامرأتان) أو رجل وحلف معه (حُكِم له بالأمة، وأنَّها أمُّ ولدٍ له) لأنه يدَّعي ملكها، وقد أقام بينةً كافيةً فيه، وثَبَتَ لها حكم الاستيلاد بإقراره؛ لأن إقرارَه نافذٌ فِي ملكه، والملك يثبت بشهادة الرَّجل والمرأتين أو واليمين. قال في "المبدع": وظاهرُ كلام المؤلِّف أنَّه حصل بقول البينة؛ وليس هو بمراد، بل مراده الحكم بأنها أم ولده، مع قطع النظر عن علة ذلك. وعلته: أن المُدَّعي مقرٌّ بأن وطأها كان
стр. 7313
فِي ملكه (ولا يُحكمُ له بالولد ولا بحريته) لأن البينة لا تصلح لإثبات ذلك (ويقَرّ) الولدُ (فِي يد المُنْكِر مملوكًا له) لعدم ما يرفع يده.
(وإن ادَّعى أنها كانت ملكه فأعتقها، وشَهِد بذلك رَجُل وامرأتان) أو رَجُلٌ وحَلَف (لم يثبت ملك ولا عتق) قدَّمه فِي "الكافي" و"الشرح" و"الرعاية"؛ لأن البينةَ شَهِدت بملك قديم، فلم يثبت، والحرية لا تثبت برجُلٍ وامرأتين، وقيل: تثبت كالتي قبلها.
(ولو وُجِدَ على دابة مكتوبٌ: حَبيسٌ فِي سبيل الله، أو) وُجِد (على أسكفَّة دار أو) على (حائطها: وقفٌ، أو مسجدٌ، أو مدرسةٌ؛ حُكِم به) أي: بما هو مكتوبٌ على هذه الأشياء المذكورة؛ لأن الكتابة عليها أَمارة قوية، فَعُمل بها، لاسيما عند عدم المعارضة، وأما إذا عارض ذلك بينةٌ لا تُتَّهم، ولا تستند إِلَى مجرَّد اليد، بل تذكر سبب الملك واستمراره؛ فإنَّها تُقَدَّم على هذه الأمارات، وأما إن عارضها مُجَرَّد اليد لم يُلتفت إليها، فإن هذه الأماراتِ بمنزلةِ البينة والشاهد، واليدُ تُرفع لذلك.
قال ابنُ القيم فِي "الطرق الحكمية" (١) فِي آخر الطريق الثالث والعشرين: (ولو وجد على كتب علم فِي خِزانة) بكسر الخاء (مدة طويلة فكذلك) أي: حكم بوقفها، عملًا بتلك القرينة (وإلا) أي: وإن لم نعلم (٢) مقر الكتب، ولا عرف مَن كتب عليها الوقفية (تُوقِّفَ فيها، وعُمِل بالقرائن) فإن قويت حُكِم بموجبها، وإن ضَعُفت لم يُلتفت إليها، وإن توسَّطت طلب الاستظهار، وسلك طريق الاحتياط؛ ذكره ملخصًا فِي "الطرق الحكمية".
стр. 7314
(باب الشهادة على الشهادة، والرجوع عن الشهادة)
سواء كانت أصالة، أو على شهادة، ولذلك لم يضمر
(و) باب (أدائها)
أي: كيفية أداء الشهادة مطلقًا. قال جعفرُ بنُ محمَّد: سمعت أحمدَ سئل عن الشهادة على الشهادة، فقال: هي جائزة (١). وكان قومٌ يسمُّونها التأويل.
وقال أبو عبيد (٢): أجمعت (٣) العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة فِي الأموال، والمعنى شاهدٌ بذلك؛ لأن الحاجةَ داعية إليها؛ لأنها لو لم تُقبل لَبَطَلَتِ (٤) الشهادة علي الوقوف، وما يتأخر إثباته عند الحاكم لو ماتت شهوده، وفي ذلك ضررٌ على النَّاس، ومشقة شديدة، فوجب قَبولها كشهادة الأصل.
(لا تُقبلُ الشهادة على الشهادة إلَّا في حقِّ يُقبل فيه كتاب القاضي إِلَى القاضي) وهو حقوق الآدميين، من مال، وقِصاص، وحَدِّ قَذْفٍ.
(وتُرَدُّ) الشهادة على الشهادة (فيما يُرَدُّ فيه) كتاب القاضي إِلَى القاضي من حدودِ الله تعالى؛ لأنَّها فِي معناه؛ لاشتراكهما فِي كونهما فرعًا لأصلٍ؛ ولأن الحدود مبنية على الستر والدَّرءْ بالشُّبهات، والشهادة على الشهادة فيها شُبهة، فإنَّه يتطرَّق إليها احتمالُ الغَلَط والسهو والكذب
стр. 7315
فِي شهود الفرع، مع احتمال ذلك فِي شهود الأصل، وهذا احتمالٌ زائدٌ لا يوجد فِي شهود الأصل؛ ولأنها إنما تُقبل للحاجة، ولا حاجةَ إليها فِي الحَدِّ؛ لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه.
(ولا يحكم بها) أي: بالشهادة على الشهادة إلَّا بشروط:
أحدها ما ذكره بقوله: (إلا أن تتعذَّر شهادة شهودِ الأصل، بموتٍ، أو مَرَضٍ، أو غَيبة إِلَى مسافة قَصْر، أو خوفٍ من سلطان، أو غيره، أو حَبْسٍ. قال ابنُ عبد القوي: وفي معناه: الجهلُ بمكانهم، ولو فِي المصر) لأن شهادة الأصل أقوى؛ لأنها تُثبِتُ نفسَ الحَقِّ، وهذه لا تُثبته؛ ولأنه إذا أمكن أن يسمع شهادة شاهدي الأصل استغنى عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع، وكان أحوطَ للشهادة؛ فإن سماعه من شهودِ الأصلِ معلومٌ، وصدق شاهدي الفرع عليهما مظنون، والعملُ باليقين مع إمكانه أولى من اتباع الظَّنِّ.
(والمرأة المُخَدَّرَة) أي: الملازمة للخِدْر، وهو الستر -ويقال: امرأة خَفَرِة بفتح الخاء، وكسر الفاء، أي: شديدة الحياء، وهي ضدُّ البَرْزَةِ- (كالمريض) لأنها فِي معناه.
(و) الشرط الثاني: استرعاء الأصل الفرع على ما يذكره، فـ (ـــلا يجوز لشاهد الفَرْع أن يشهدَ إلَّا أن يستَرْعِيَه شاهدُ الأصل، أو يَسْتَرْعِيَ) الأصل (غيرَه) أي: غير الشاهد الفرع (وهو يَسْمعُ) وأصل الاسترعاءِ من قول المحَدِّث لمن يُحدثه: أرْعِني سمعَك، يريد: اسْمَعْ مني (فيقول) الأصل لغيره: (اشْهَدْ أنِّي أشْهَدُ على فلان بكذا، أو اشْهَدْ على شهادتي بكذا) قال أحمد: لا تكونُ شهادة إلا أن يُشهدَك (١)؛ لأن الشهادة على
стр. 7316
الشَّهادة فيها معنى النيابة، والنيابةُ بغير إذنٍ لا تجوز.
(أو يَسمعه يشهدُ عند الحاكم) لأن شهادته عند الحاكم تُزِيل الاحتمال، أشبه ما لو استرعاه.
(أو) يسمعه (يشهد بحقٍّ يَعْزِيه إِلَى سببٍ، من بيع، أو قرض، أو إجارة ونحوه، فله أن يشهد) على شهادته؛ لأنه بنسبته الحقَّ إِلَى سببه يزولُ الاحتمال، أشبه ما لو استرعاه.
(و) الشرط الثالث: أن (يؤدِّيها الفَرْع بصفةِ تَحَمُّلِهِ) لها (فيقول: أشْهَدُ أن فلان بن فلان -وقد عرفتُه بعينهِ، واسْمِه، ونسبِه، وعدالته- وإن لم يعرِفْ عدالَتَه لم يذكُرْها -أشهَدَني أنَّه يشهدُ أن لفلَان بن فلانٍ على فلان بن فلان كذا، أو) يقول: (أشْهَدَني أنَّه يشهَدُ أن فلانًا أقرَّ عندي بكذا.
وإن سَمِعه) شاهد الفرع (يُشهِدُ غيره، قال: أشهَدُ أنَّ فلان بن فلان أشهد على شهادته أنَّ لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا.
وإن كان سَمِعه يشهد عند الحاكم، قال: أشهد أنَّ فلان بن فلان شَهِد على فلان بن فلان عند الحاكم بكذا.
وإن كان) شاهد الأصل (نسب الحقَّ إِلَى سببه) من قرض، أو ثمن مبيع ونحوه، فسمعه شاهد الفرع (قال: أشهد أن فلان بن فلان، قال: أشهد أن لفلان بن فلان على فلان) بن فلان (كذا من جهة كذا).
فإن لم يؤدها الفرعُ على صفةِ تحمُّله؛ لم يحكم بها؛ للاختلافِ فِي كيفية الاسترعاء، فقد يرى الشاهدُ فِي الاسترعاء ما لا يراه الحاكمُ، فلا يسوغُ له الحكم.
стр. 7317
(وإن أراد الحاكم أن يكتب) أداء الفرع لشهادته (كَتَبه على ما ذكرنا فِي الأداء) أي: على صفة الأداء؛ ليكون ما يكتبه مطابقًا للواقع.
(وما عدا هذه المواضعَ) المذكورة فِي الاسترعاء (لا يجوز) للفرع (أن يشهد فيها على الشهادة، فإذا سَمِعه يقول) عند غير الحاكم: (أشهدُ أنَّ لفلان على فلان ألفَ دِرْهم؛ لم يَجُزْ) لمن سمعه (أن يشْهَدَ على شهادته؛ لأنه) أي: الأصل (لم يستَرْعِهِ) أي: الفرع (الشهادةَ، ولم يَعْزُها) الأصلُ (إِلَى سببٍ) من بيعٍ ونحوه؛ لأنه يحتمل أن ذلك وعْدٌ، ويحتمل أن يُريد بالشهادة العِلمَ، فلم يجز أن يشهد مع الاحتمال؛ بخلاف ما إذا استرعاه؛ فإنَّه لا يسترعيه إلَّا على واجب، وبخلاف الإقرار؛ فإنَّه يجوز للشاهد أن يشهد على إقراره؛ وإنْ لم يسترعه؛ لأن الإقرارَ قولُ الإنسان على نفسه، وهو غير مُتَّهم عليها.
(ولو قال شاهدُ الأصلِ: أنا أشهدُ أنَّ لفلانٍ على فلانٍ ألفًا، فاشْهَدْ به أنتَ عليه؛ لم يَجُزْ) للفرع (أن يشهَدَ على شهادته) لعدم الاسترعاء وإعزائها إِلَى سبب.
(و لا تثبت شهادةُ شاهدي الأصلِ إلَّا بشهادةِ شاهدين) فأكثر (يشهدان عليهما، سواءٌ شَهِدا علَى كلِّ واحدٍ منهما) أي: من الأصلين (أو شَهِد على كل شاهدِ) أصلٍ (شاهدُ) فرعٍ، كما لو شهدا بنفس الحق؛ ولأن شهود الفرع بدلٌ من شهود الأصل، فاكتفى بمثل عددهم.
(و للنساء مَدخلٌ فِي شهادة الأصل والفرع فِي كلِّ حَقٍّ يثبت بشهادتهنَّ) لأن المقصودَ من شهادتهنَّ إثبات الحقِّ الذِي يشهد به شهودُ الأصل، فيدخل النساء فيه، كما لو شهدن بأصل الحق (فيشهد رجلان على رجل وامرأتين، أو) يشهد (رجُلٌ وامرأتان على رجُلٍ وامرأتين، أو
стр. 7318
على رَجُلين) فِي المال وما يقصد به المال؛ لأنَّ لهنَّ مَدْخلًا فيه (فتصحُّ شهادة امرأة على امرأة) كالرجل على الرَّجل (وسأله) أي: الإمام (حربٌ عن شهادةِ امرأتين على شهادة امرأتين، فقال: يجوز (١)) لهن فيما للنساء مدخلٌ فيه.
(وإن شَهِد بالحقِّ شاهدُ) الـ (ـــأصل، وشاهدا فرعٍ، يشهدان) على أصلٍ آخر؛ جاز (أو) شَهِد بالحقِّ شاهدُ الأصل، وفرعٌ (واحدٌ على شهادة أصلٍ آخر؛ جاز) أي: قُبلت الشهادة، وحُكم بها؛ لأن شاهد الفرع بدلٌ عن شاهد الأصل، فيقومِ مقامَه.
(وإن شَهِد شاهدُ فَرْعٍ على أصلٍ، وتعذَّر) الأصلُ (الآخر) أو فَرْعه (حلف) المُدَّعي (واستحقَّ) فيما يقضى فيه بالشاهد واليمين؛ لقيام الفرعِ مقامَ الأصل.
(وتصحُّ شهادةُ فَرْعٍ على فَرْعٍ بشرطه) من التعذُّر والاسترعاء وغيرهما؛ لأن الحاجة تدعو إِلَى ذلك.
(و) الشرط الرابع: دوام تعذُّر شهود الأصل إِلَى صدور الحكم.
فـ (ـــإذا شَهِدَ الفروعُ، فلم يحكم الحاكمُ حتَّى حضر الأصولُ) من السفر (أو) حتَّى (صَحُّوا) من المرض (أو) حتى (زال خوفُهم) من سلطان ونحوه (وَقَف حكمُه على سماعِهِ شهادَتَهم منهم) لأنه قدر عَلى الأصل قبل العمل بالبدل، كالمتيمم يقدر على الماء. وإن كان ذلك بعد الحكم؛ لم يؤثّر فيه.
(وإن حَدَث فيهم) أي: الأصول (ما يمنعُ قَبول الشهادةِ) نحو رِدَّة أو فِسْق (لم يجز الحكم) بشهادة الفرع؛ لأن الحكم ينبني على شهادة
стр. 7319
الأصل، أشبه ما لو فسق شهود الفرع.
(و) الشرط الخامس: عدالةُ الأصول والفروع، فـ (ـــــلا يجوز أن يحكمَ بالفروع حتَّى تثبت عدالتُهم، وعدالةُ أصولِهم) لأنهما شهادتان، فلا يحكم بهما بدون عدالة الشهود، والحكم ينبني على كلٍّ من الشهادتين، فاعتبرت الشروط في كل منهما.
(ولا يجب على فرعٍ تعديلُ أصلِهِ) لأنه يجوز ألا يعرفه (ويتولى الحاكمُ ذلك) أي: البحث عن عدالة الأصول، كما لو شهدوا عنده ابتداء.
(وإن عدَّله) أي: الأصل (الفرع، قُبِل) اكتفاء، بما ثبت عند الحاكم من عدالة الفرع.
(ولا تصح تزكيةُ أصلٍ لرفيقه (١)) ولا أن يكون فرعًا عنه؛ لأنه يُفضي إِلَى انحصار الشهادة فِي أحدهما (وتقدم (٢)).
ويشترط -أَيضًا- تعيين أصلٍ لفرع، قال القاضي: حتَّى لو قال تابعيان: أشهدنا صحابيان؛ لم يجز، حتَّى يعيناهما. ودوام عدالة الجميع إِلَى صدور الحكم.
(وإذا حُكم بشهادة شهود الفَرْعِ، ثم رجعوا) عن شهادتهم (لزمهم الضمان) لأن الإتلاف حصل بشهادتهم، كما لو أتلفوا بأيديهم (ما لم يقولوا: بان) أي: ظهر (لنا كَذِب الأصول، أو غَلَطهم) لأن هذا القولَ منهم ليس برجوع عن الشهادة؛ لأنه لا يُنافي شهادة الأصول.
(وإن رجع شهودُ الأصلِ قبلَ الحُكمِ؛ لم يحكم بها) لتأكُّد
стр. 7320
الشهادة، بخلاف الرواية.
(وإن رجعوا) أي: شهود الأصل (بعدَه) أي: بعد الحكم (فقالوا: كَذَبْنا، أو غلطنا؛ ضمنوا) لاعترافهم بتعمُّد الإتلاف بقولهم: كذَبْنَا، أو بخطئهم بقولهم: غلطنا (ولو قالوا) أي: الأصول (بعد الحكم: ما أشهدناهم بشيء؛ لم يضمن الفريقان شيئًا) مما فات بالحكم؛ لأن شاهديِ الفرع لم يثبت كذبهما، وشاهديِ الأصل لم يثبت رجوعهما؛ لأن الرجوع إنما يكون بعد الشهادة، فإنكارُ الأصلِ الشهادةَ لا يكون رجوعًا عنها.
(ومن زاد في شهادته، أو نقص، بحضرة الحاكم قَبْلَ الحكمِ، مثل أن يشهد بمائة، ثم يقول: بل هي مائة وخمسون، أو) يقول: (بل هي تسعون) قُبِل، ويحكم بما شهد به أخيرًا؛ لأن شهادته الأخيرة شهادة من عدل غير مُتَّهم، لم يرجع عنها، فوجب الحكم بها كما لو لم يتقدمها ما يخالفها، ولا تعارضها الشهادة الأولى؛ لأنها قد بطلت برجوعِه عنها.
(أو أدَّى) الشهادةَ (بعد إنكارها) أي: الشَّهادة بأن قال: ليس لي عليه شهادةٌ، ثم أدَّاها، وقال: كنتُ أُنسيتها (قُبِل) نصَّ عليه (١)؛ لقوله تعالى فِي حَقِّ المرأتين: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢)، فقَبِلها بعد إثبات الضلال والنسيان فِي حقِّها، فوجب أن يقبل قول العدل فيما نسيه، ثم ذكره بعد ذلك (كقوله: لا أعرف الشهادةَ، ثم يشهد) فَتُقبل؛ لأن شهادتَه إذا قُبلت بعد إنكارها فهنا أولى (وإن كان)