الشَّهادة فيها معنى النيابة، والنيابةُ بغير إذنٍ لا تجوز.
(أو يَسمعه يشهدُ عند الحاكم) لأن شهادته عند الحاكم تُزِيل الاحتمال، أشبه ما لو استرعاه.
(أو) يسمعه (يشهد بحقٍّ يَعْزِيه إِلَى سببٍ، من بيع، أو قرض، أو إجارة ونحوه، فله أن يشهد) على شهادته؛ لأنه بنسبته الحقَّ إِلَى سببه يزولُ الاحتمال، أشبه ما لو استرعاه.
(و) الشرط الثالث: أن (يؤدِّيها الفَرْع بصفةِ تَحَمُّلِهِ) لها (فيقول: أشْهَدُ أن فلان بن فلان -وقد عرفتُه بعينهِ، واسْمِه، ونسبِه، وعدالته- وإن لم يعرِفْ عدالَتَه لم يذكُرْها -أشهَدَني أنَّه يشهدُ أن لفلَان بن فلانٍ على فلان بن فلان كذا، أو) يقول: (أشْهَدَني أنَّه يشهَدُ أن فلانًا أقرَّ عندي بكذا.
وإن سَمِعه) شاهد الفرع (يُشهِدُ غيره، قال: أشهَدُ أنَّ فلان بن فلان أشهد على شهادته أنَّ لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا.
وإن كان سَمِعه يشهد عند الحاكم، قال: أشهد أنَّ فلان بن فلان شَهِد على فلان بن فلان عند الحاكم بكذا.
وإن كان) شاهد الأصل (نسب الحقَّ إِلَى سببه) من قرض، أو ثمن مبيع ونحوه، فسمعه شاهد الفرع (قال: أشهد أن فلان بن فلان، قال: أشهد أن لفلان بن فلان على فلان) بن فلان (كذا من جهة كذا).
فإن لم يؤدها الفرعُ على صفةِ تحمُّله؛ لم يحكم بها؛ للاختلافِ فِي كيفية الاسترعاء، فقد يرى الشاهدُ فِي الاسترعاء ما لا يراه الحاكمُ، فلا يسوغُ له الحكم.
стр. 7317
(وإن أراد الحاكم أن يكتب) أداء الفرع لشهادته (كَتَبه على ما ذكرنا فِي الأداء) أي: على صفة الأداء؛ ليكون ما يكتبه مطابقًا للواقع.
(وما عدا هذه المواضعَ) المذكورة فِي الاسترعاء (لا يجوز) للفرع (أن يشهد فيها على الشهادة، فإذا سَمِعه يقول) عند غير الحاكم: (أشهدُ أنَّ لفلان على فلان ألفَ دِرْهم؛ لم يَجُزْ) لمن سمعه (أن يشْهَدَ على شهادته؛ لأنه) أي: الأصل (لم يستَرْعِهِ) أي: الفرع (الشهادةَ، ولم يَعْزُها) الأصلُ (إِلَى سببٍ) من بيعٍ ونحوه؛ لأنه يحتمل أن ذلك وعْدٌ، ويحتمل أن يُريد بالشهادة العِلمَ، فلم يجز أن يشهد مع الاحتمال؛ بخلاف ما إذا استرعاه؛ فإنَّه لا يسترعيه إلَّا على واجب، وبخلاف الإقرار؛ فإنَّه يجوز للشاهد أن يشهد على إقراره؛ وإنْ لم يسترعه؛ لأن الإقرارَ قولُ الإنسان على نفسه، وهو غير مُتَّهم عليها.
(ولو قال شاهدُ الأصلِ: أنا أشهدُ أنَّ لفلانٍ على فلانٍ ألفًا، فاشْهَدْ به أنتَ عليه؛ لم يَجُزْ) للفرع (أن يشهَدَ على شهادته) لعدم الاسترعاء وإعزائها إِلَى سبب.
(و لا تثبت شهادةُ شاهدي الأصلِ إلَّا بشهادةِ شاهدين) فأكثر (يشهدان عليهما، سواءٌ شَهِدا علَى كلِّ واحدٍ منهما) أي: من الأصلين (أو شَهِد على كل شاهدِ) أصلٍ (شاهدُ) فرعٍ، كما لو شهدا بنفس الحق؛ ولأن شهود الفرع بدلٌ من شهود الأصل، فاكتفى بمثل عددهم.
(و للنساء مَدخلٌ فِي شهادة الأصل والفرع فِي كلِّ حَقٍّ يثبت بشهادتهنَّ) لأن المقصودَ من شهادتهنَّ إثبات الحقِّ الذِي يشهد به شهودُ الأصل، فيدخل النساء فيه، كما لو شهدن بأصل الحق (فيشهد رجلان على رجل وامرأتين، أو) يشهد (رجُلٌ وامرأتان على رجُلٍ وامرأتين، أو
стр. 7318
على رَجُلين) فِي المال وما يقصد به المال؛ لأنَّ لهنَّ مَدْخلًا فيه (فتصحُّ شهادة امرأة على امرأة) كالرجل على الرَّجل (وسأله) أي: الإمام (حربٌ عن شهادةِ امرأتين على شهادة امرأتين، فقال: يجوز (١)) لهن فيما للنساء مدخلٌ فيه.
(وإن شَهِد بالحقِّ شاهدُ) الـ (ـــأصل، وشاهدا فرعٍ، يشهدان) على أصلٍ آخر؛ جاز (أو) شَهِد بالحقِّ شاهدُ الأصل، وفرعٌ (واحدٌ على شهادة أصلٍ آخر؛ جاز) أي: قُبلت الشهادة، وحُكم بها؛ لأن شاهد الفرع بدلٌ عن شاهد الأصل، فيقومِ مقامَه.
(وإن شَهِد شاهدُ فَرْعٍ على أصلٍ، وتعذَّر) الأصلُ (الآخر) أو فَرْعه (حلف) المُدَّعي (واستحقَّ) فيما يقضى فيه بالشاهد واليمين؛ لقيام الفرعِ مقامَ الأصل.
(وتصحُّ شهادةُ فَرْعٍ على فَرْعٍ بشرطه) من التعذُّر والاسترعاء وغيرهما؛ لأن الحاجة تدعو إِلَى ذلك.
(و) الشرط الرابع: دوام تعذُّر شهود الأصل إِلَى صدور الحكم.
فـ (ـــإذا شَهِدَ الفروعُ، فلم يحكم الحاكمُ حتَّى حضر الأصولُ) من السفر (أو) حتَّى (صَحُّوا) من المرض (أو) حتى (زال خوفُهم) من سلطان ونحوه (وَقَف حكمُه على سماعِهِ شهادَتَهم منهم) لأنه قدر عَلى الأصل قبل العمل بالبدل، كالمتيمم يقدر على الماء. وإن كان ذلك بعد الحكم؛ لم يؤثّر فيه.
(وإن حَدَث فيهم) أي: الأصول (ما يمنعُ قَبول الشهادةِ) نحو رِدَّة أو فِسْق (لم يجز الحكم) بشهادة الفرع؛ لأن الحكم ينبني على شهادة
стр. 7319
الأصل، أشبه ما لو فسق شهود الفرع.
(و) الشرط الخامس: عدالةُ الأصول والفروع، فـ (ـــــلا يجوز أن يحكمَ بالفروع حتَّى تثبت عدالتُهم، وعدالةُ أصولِهم) لأنهما شهادتان، فلا يحكم بهما بدون عدالة الشهود، والحكم ينبني على كلٍّ من الشهادتين، فاعتبرت الشروط في كل منهما.
(ولا يجب على فرعٍ تعديلُ أصلِهِ) لأنه يجوز ألا يعرفه (ويتولى الحاكمُ ذلك) أي: البحث عن عدالة الأصول، كما لو شهدوا عنده ابتداء.
(وإن عدَّله) أي: الأصل (الفرع، قُبِل) اكتفاء، بما ثبت عند الحاكم من عدالة الفرع.
(ولا تصح تزكيةُ أصلٍ لرفيقه (١)) ولا أن يكون فرعًا عنه؛ لأنه يُفضي إِلَى انحصار الشهادة فِي أحدهما (وتقدم (٢)).
ويشترط -أَيضًا- تعيين أصلٍ لفرع، قال القاضي: حتَّى لو قال تابعيان: أشهدنا صحابيان؛ لم يجز، حتَّى يعيناهما. ودوام عدالة الجميع إِلَى صدور الحكم.
(وإذا حُكم بشهادة شهود الفَرْعِ، ثم رجعوا) عن شهادتهم (لزمهم الضمان) لأن الإتلاف حصل بشهادتهم، كما لو أتلفوا بأيديهم (ما لم يقولوا: بان) أي: ظهر (لنا كَذِب الأصول، أو غَلَطهم) لأن هذا القولَ منهم ليس برجوع عن الشهادة؛ لأنه لا يُنافي شهادة الأصول.
(وإن رجع شهودُ الأصلِ قبلَ الحُكمِ؛ لم يحكم بها) لتأكُّد
стр. 7320
الشهادة، بخلاف الرواية.
(وإن رجعوا) أي: شهود الأصل (بعدَه) أي: بعد الحكم (فقالوا: كَذَبْنا، أو غلطنا؛ ضمنوا) لاعترافهم بتعمُّد الإتلاف بقولهم: كذَبْنَا، أو بخطئهم بقولهم: غلطنا (ولو قالوا) أي: الأصول (بعد الحكم: ما أشهدناهم بشيء؛ لم يضمن الفريقان شيئًا) مما فات بالحكم؛ لأن شاهديِ الفرع لم يثبت كذبهما، وشاهديِ الأصل لم يثبت رجوعهما؛ لأن الرجوع إنما يكون بعد الشهادة، فإنكارُ الأصلِ الشهادةَ لا يكون رجوعًا عنها.
(ومن زاد في شهادته، أو نقص، بحضرة الحاكم قَبْلَ الحكمِ، مثل أن يشهد بمائة، ثم يقول: بل هي مائة وخمسون، أو) يقول: (بل هي تسعون) قُبِل، ويحكم بما شهد به أخيرًا؛ لأن شهادته الأخيرة شهادة من عدل غير مُتَّهم، لم يرجع عنها، فوجب الحكم بها كما لو لم يتقدمها ما يخالفها، ولا تعارضها الشهادة الأولى؛ لأنها قد بطلت برجوعِه عنها.
(أو أدَّى) الشهادةَ (بعد إنكارها) أي: الشَّهادة بأن قال: ليس لي عليه شهادةٌ، ثم أدَّاها، وقال: كنتُ أُنسيتها (قُبِل) نصَّ عليه (١)؛ لقوله تعالى فِي حَقِّ المرأتين: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢)، فقَبِلها بعد إثبات الضلال والنسيان فِي حقِّها، فوجب أن يقبل قول العدل فيما نسيه، ثم ذكره بعد ذلك (كقوله: لا أعرف الشهادةَ، ثم يشهد) فَتُقبل؛ لأن شهادتَه إذا قُبلت بعد إنكارها فهنا أولى (وإن كان)
стр. 7321
زادَ فِي شهادته أو نَقَصَ (بعد الحكم، لم يُقبل) منه؛ لأن الحكم قد تَمَّ، فلا ينقض بعد تمامه.
(وإن رجع) عن شهادته (قبله) أي: الحكم (لَغَت) شهادته؛ لأن الرجوع أوجب ظنًّا فِي شهادته ببطلانها، فلا يجوز العملُ بها (ولا حكم) بشهادته بعد رجوعه عنها، ولو أدَّاها بعد ذلك؛ قاله فِي "شرح المنتهى" (ولم يضمن) شيئًا؛ لأن الحكم لم يتمَّ.
(وإن لم يُصرِّح) الشاهدُ (بالرجوع) عن شهادته (بل قال للحاكم: توقفْ. فتوقف، ثم عاد إليها (١)، قُبلت) شهادته (ويُعتد بها) أي: فيجوز الحكم بها؛ لأن قوله توقف ليس برجوعٍ (٢).
فصل
(وإذا رجع شهودُ المالِ) بعد الحكم (أو) رجع شهودُ (العتقِ بعد الحكم قبل الاستيفاء أو بعدَه؛ لم يُنقض) الحكم؛ لأنه قد تَمَّ، ووجب المشهودُ به للمشهودِ له، ورجوع الشاهد عن شهادته المحكوم بها لا يوجب نقضه؛ لأنهما إنْ قالا: عمدنا؛ فقد شَهِدا على أنفسهما بالفسق، فهما مُتَّهمان بإرادة نَقْضِ الحكم، فلا ينقض، كما لو شَهِد فاسقان بما يوجب نقضه، وإن قالا: أخطأنا؛ لم يجب النقضُ أَيضًا؛ لجواز أن يكونا أخطأ فِي قولهما الثاني بأن اشتبه عليهما الحال.
(ويلزمهم) أي: الشهود (الضمانُ) أي: بدل المال الذي شهدوا به، وقيمة العبد المشهود بعتقه، قُبض أو لم يُقبض، تَلِف أو لا؛ لأنهما
стр. 7322
أخرجاه من يد مالكه بغير حقِّ، وحالا بينه وبينه، فلزمهما ضمانه، كما لو أتلفاه.
وكذا لو شَهِدا على موسِر أنَّه أعتق شِركًا له فِي عَبْدٍ، فسرى إِلَى نصيب شريكه، وغرم له قيمته، ثم رجعا؛ غرما قيمة العبد كله؛ لأنهما ضَيَّعا عليه نصيبه، وقيمة نصيب شريكه، اشبه ما لو فوتاه بفعلهما كجراحٍ (١) (ما لم يصدِّقْهم المشهودُ له) بالمال، فلا تضمنه الشهود. ثم إن كان قبض منه شيئًا؛ ردَّه للمحكوم عليه، أو بدله إن تلف؛ لاعترافه بأخذ ذلك بغير حقٍّ، وإن لم يكن قبض شيئًا، بطل حقُّه مِن المشهود به.
(ولا ضمان على مُزَكٍّ إذا رجع مزكّىً) لأن الحكم تعلَّق بشهادة الشُّهود، ولا تعلُّق له بالمزكين؛ لأن المزكين أخبروا بظاهر حال الشهود، وأما باطنه، فعلمُه إِلَى الله تعالى.
(وإن شهدوا بدَيْن) وحكم بشهادتهم (فأبرأ) المدينَ (منه مستحقُّه، ثم رجعا) أي: الشاهدان (لم يغرماه للمشهودِ عليه) لأنه لم يغرم شيئًا. وكذا لو شَهِدا على سيِّدِ عبدٍ أنَّه أعتقه على مائة، وقيمتُه مائة، ثم رجعا عن شهادتهما، لم يغرما شيئًا؛ لأنهما لم يفوِّتا على رَبِّ العبد شيئًا.
(ولو قبضه) أي: الدَّين (مشهودٌ له، ثم وهبه لمشهودٍ عليه، ثم رَجَعا) عن شهادتهما (غَرِماه) أي: غرما المال المشهودَ به، كما لو تنصَّف الصَّدَاق بعد هبتها إياه لزوجها، فإن المرأة تغرم للزوج نصفه كما تقدم (٢).
(وإن رجع شهودُ طلاقٍ قبل الدخول) بالمطلَّقة (وبعد الحكم، غَرِموا نصفَ المُسَمَّى، أو بدله) وهو المتعة لمن لم يُسَمَّ لها مَهْر؛ لأن
стр. 7323
الشهود ألزموه للزوج بشهادتهم بطلاقها، كما يغرم ذلك من فسخ نكاحه برضاع ونحوه.
(وإن كان) الطلاق المشهودُ به (بعدَه) أي: بعد الدُّخول، وحكم بشهادتهم، ثم رجعوا (ولو) كان الطلاق (بائنًا؛ لم يغرموا) أي: الشهود شيئًا من المهر؛ لأن المهر قد تقرَّر عليه كله بالدخول، فلم يقرروا عليه (شيئًا) بشهادتهم، ولم يُخْرِجوا عن ملكه شيئًا متقوّمًا، أشبهوا قاتلها.
(وإن رجع شهودُ قِصاصٍ، أو) شهود (حَدٍّ، بعد الحُكمِ) بشهادتهم (وقبلَ الاستيفاء، لم يُستوفَ) القَوَد ولا الحَدّ؛ لأن المحكوم به عقوبة لا سبيل إِلَى جَبْرها إذا استُوفيت؛ بخلاف المال؛ ولأن رجوعَ الشهود شُبهة لاحتمال صدقهم، والقَوَد والحَدُّ يُدرآن بالشُّبهة (ووجبت دِيةُ قَوَدٍ للمشهُودِ له) لأن الواجب بالعَمْد أحد شيئين، وقد سقط أحدُهما، فتعيَّن الآخرُ. ويرجع المشهودُ عليه بما غَرِمه من الدية على الشهود (ويُستوفى) القِصاص أو الحَدّ (إذا طرأ فِسقُهم) بعد الحكم بشهادتهم. هذا مقتضى كلامهم في "الإنصاف"، و"المبدع". وتقدَّم (١) فِي آخر الموانع أنَّه لا يُستوفى حَدٌّ ولا قَوَد إذًا، بل المال.
(وإن كان) رجوعهم عن الشهادة، أو فِسقُهم (بعد الاستيفاء) للمحكوم به (لم يبطل الحكم) لأنه قد تَمَّ بشروطِه (ولا يلزم المشهودَ له شيءٌ، سواءٌ كان المشهودُ به مالًا أو عقوبة) لأن قول الشهود غير مقبول فِي نقض الحكم؛ لما تقدم.
(فإن قالوا) أي: الشهود: (عَمَدْنا عليه بالزُّور ليُقتل، أو يُقطع،
стр. 7324
فعليهم القِصاص) فِي النفس أو الطَّرف، وتقدَّم (١) فِي الجنايات.
(وإن قالوا: عَمَدْنا الشهادةَ عليه، ولم نعلم أنَّه يُقتل بهذا، وكانا ممن يجوز أن يجهل ذلك، وجبت الدية فِي أموالهما مُغلَّظة) لإقرارهما بأن التلف حصل بسببهما، والعاقلة لا تحمل إقرارًا؛ كما تقدم (٢).
(وإن قالوا: أخطأنا، فعليهم دية ما تَلِف) مخفَّفة؛ لأنه خطأ، وتكون فِي أموالهم؛ لأنه بإقرارهم، والعاقلة لا تحمله (أو أرْشُ الضَّرْب) إن كان الحد جَلْدًا، أو حصل به نقص (وتقدم (٣) ذلك مستوفىً فِي كتاب الجنايات.
وكل موضع وجب) فيه (الضمان على الشهود بالرجوع، فإنَّه) أي: الغُرم (يوزَّع بينهم على عددهم، بحيث لو رجع شاهدٌ من عشرة، غَرِمَ العُشْر) لأن التفويتَ حصل منهم كلِّهم، فوجب التقسيط على عددهم، كما لو اتَّفق جماعةٌ وأتلفوا مالًا لإنسان.
(وتَغْرَم المرأةُ كنصفِ ما يَغْرَم الرجُل) فِي الشهادة بالمال؛ لأن المرأتين يعدلان فيه رجلًا (٤).
(وإن رجع رجلٌ وثمانِ نسوةٍ، لَزِمَ الرَّجُل الخُمس، وكلَّ امرأةٍ العُشر) من الغُرم بسبب شهادتهم.
(وإذا شَهِد أربعةٌ بأربعمائةٍ، فحكم الحاكمُ بها، ثم رجعَ واحدٌ عن مائة، و) رجع (آخر عن مائتين، و) رجع (آخر عن ثلاثمائة، و) رجع
стр. 7325
(الرابع عن أربعمائة، فعلى كلِّ واحدٍ مما رجع عنه بقِسْطِه، فعلى الأول خمسة وعشرون) ربع المائة التي رجع عنها؛ لأنه واحد من أربعة (وعلى الثاني خمسون) ربع المائتين اللتين رجع عنهما، وهو واحد من أربعة (وعلى الثالث خمسة وسبعون) ربع الثلاثمائة (وعلى الرابع مائة) ربع الأربعمائة؛ لأنَّ كلَّ واحد منهم مُقِرٌّ بأنه فوَّت على المشهود عليه رُبع ما شَهِد به عليه.
(وإن كان الحكم بشاهدٍ ويمين، ثم رجع الشاهدُ؛ غَرِم المالَ كله) لأن الشاهد حُجَّة الدعوى، فكان الضمان عليه كالشاهدين، يحقِّقُه: أنَّ اليمين قول الخصم، وقول الخصم ليس بحُجَّة على خصمه، وإنما هو شرط الحكم، فجرى مجرى مطالبته للحاكم بالحكم.
(وإن رَجَع أحدُ الشاهدين وحدَه، فكرُجُوعِهما، فِي أنَّ الحاكم لا يَحكُمُ بشهادتهما؛ إذا كان رُجُوعُه قبل الحكم) لأن رجوعه ألغى شهادته، وشهادةُ رفيقه وحدَه لا يُحكم بها. وإن كان رجوعه بعد الحكم، وقبل استيفاء الحد أو القِصاص؛ لم يُستوفَ، ووجبت دية قَوَدٍ (وإن كان) الرجوع (بعد الاستيفاء؛ لزمه حكم إقراره) كما لو رجع الشاهدان معًا.
(وإن شهد عليه ستةٌ بزنىً، فَرُجِم، ثم رجع منهم اثنان؛ غَرِما ثلث الدية) لأنهما ثلث البينة (و) إن رجع (ثلاثة) غرموا (النصف) لأنهم نصفُ البينة (و) إن رجع (الكلُّ تلزمهم الدية أسداسًا) لأنهم ستة، فتُقسَّط الغرامة عليهم.
(وإن شهد أربعة بزنىً، و) شهد (اثنان) آخران (بإحصان، فرجم، ثم رجعوا) أي: الستة (لزمتهم الدية أسداسًا) كشهود الزنى؛ لأن القتل
стр. 7326
حصل من جميعهم.
(وإن كان شاهدا الإحصان من الأربعة) الذين شهدوا بالزنى، ثم رجعوا بعد رجمه (فعليهما ثلثا الدية) ثلث لشهادتهما بالإحصان، وثلث لشهادتهما بالزنى (وعلى الآخرين) الشاهدين بالزنى فقط (الثلث) من الدية.
(ولو رجع شهودُ الزِّنى دون) شهود (الإحصان، أو بالعكس) بأن رجع شهود الإحصان دون الزنى (١) (لَزِم الراجعَ الضمانُ كاملًا) لأن القتل حصل بشهادتهم، إذ لولا ثبوت الزنى لم يقتل، ولو كان محصنًا، ولولا الإحصان لم يُقتل، ولو زنى.
(وإن رجع الزائدُ عن البينة) بأن شَهِد بالقتل ثلاثة، ثم رجع واحد، أو شَهِد بالزنى خمسةٌ، ثم رجع منهم واحد (قَبلَ الحكم أو بعده، استوفي) المشهود به؛ لأن ما بقي من البيت كاف فيه (ويُحَدُّ الراجع) عن شهادته بالزنى (لقَذْفِهِ) أي: لأنه قاذفٌ.
(ورجوعُ شهودِ تزكيةٍ كرُجوعِ من زكَّوْهم) فِي جميع ما تقدَّم من المسائل.
(وإن رجع شُهودُ تعليق عِتْقٍ، أو طَلاقٍ) قبل الدخول (و) رجع (شهودُ وُجودِ شَرْطِهِ) بأن شهد اثنان أنَّه قال لعبده أو زوجته: إذا جاء زيد، فأنتَ حَرٌّ أو فأنتِ طالقٌ، وشهد آخران بمجيء زيد، ثم رجع الأربعة بعد الحكم (فالغُرْم) لقيمهّ العبد، أو نصف المُسَمَّى، يُقَسَّط (على عددهم) كشهود الزنى مع شهود الإحصان؛ لأن شهود العتق أو الطلاق هنا كشهود الزنى، وشهود وجود الشرط كشهود الإحصان.
стр. 7327
(وإن رجع شهودُ قَرابةٍ) ولو مع شهود شراء، بأن شهد اثنان على إنسان أنَّه اشترى هذا العبد، وآخران أنَّه أبو المشتري أو ابنه ونحوه، وحكم الحاكم بعتقه، ثم رجع الأربعةُ (غَرِموا) أي: شهودُ القرابةِ وحدَهم (قيمتَه لعتقه) لأن شهود القرابة هم المفوِّتون عليه للعبد، كما لو شهدوا بعتقه.
(وإن رجع شهودُ كتابةٍ؛ غَرِموا ما بين قيمته سليمًا) أي: غير مُكاتَب (ومكاتبًا) لأن النقص فات بشهادتهم، فإن لم ينقص مالُ الكتابة عن قيمته؛ فلا غرم.
(فإن عَتَق) بأن أدَّى ما كُوتب عليه، أو أبرئ منه (غَرِموا ما بين قيمته ومال كتابته) إن كان ثَمَّ تفاوت -لما تقدَّم- وإلا فلا غُرم.
(وكذا شهودٌ باستيلاد أَمَتِهِ، فيضمنون نقصَ) وفي بعض النسخ: "نصف" (قيمتها) وهو غلط (فإن عتقت بالموت، فـ) ــــعلى الشهود (تمام قيمتها) لأنهم فوَّتوها بذلك، كما لو شهدوا بعتقها ابتداء. ولو شهدا بتأجيل وحكم، ثم رجعا؛ غرما تفاوت ما بين الحالِّ والمؤجَّل؛ نقله في "الفروع" عن بعضهم.
(وإن رجع شهودُ تأجيلِ ثَمَنِ مبيعٍ، ونحوه) كأجرة (بعد الحكم؛ غرموا ما تفاوت بين (١) الحالِّ والمؤجَّل) لأنه فات بسببِ شهادتهم.
(ولا ضمانَ برجوعٍ عن شهادةِ كفالة (٢) بنفس، أو) عن شهادة (براءةٍ منها، أو) عن شهادة بـ (ــــأنها زوجتُه، أو أنَّه عفا عن دَم عَمْدٍ؛ لعدم تضمُّنِه) أي: ما ذكر (مالًا) قال القاضي: هذا لا يصح؛ لأنَّ الكفالة قد تتضمَّن المال بهرب المكفول، والقَوَد قد يجب به مال.
وإذا شَهِد رجلان على آخرَ بنكاحِ امرأةٍ، بصداق ذكراه، وشهد
стр. 7328
آخران بدخوله بها، ثم رجعوا بعد الحكم، لزم شهود النكاح الضمان؛ لأنهم ألزموه المُسَمَّى. وقيل: عليهم النصف، وعلى الآخرين النصف. وإن شهد مع هذا شاهدان بالطلاق، لم يلزمهما شيء؛ لأنهما لم يوجبا عليه شيئًا لم يكن واجبًا عليه؛ ذكره في "الشرح".
(ومن شَهِد بعد الحكم بمنافٍ للشهادة الأَوّلة (١)، فكرجوع) عن شهادته (وأولى) بالضمان من الرجوع؛ قاله الشيخ تقي الدين (٢). وقال (٢) في شاهد قاس بكذا، وكتب خطه بالصحة، فاستخرج الوكيل على حكمه، ثم قاس، وكتب خطه بزيادة، فغَرِم الوكيل الزيادة. قال: يغرم الشاهد ما غَرِمه الوكيل من الزيادة بسببه، تعمَّد الكذبَ أو أخطأ، كالرجوع.
(وإن بان بعدَ الحكم أنَّ الشاهدين كافران، أو فاسِقَان؛ نُقِضَ) حكمه؛ لأن شَرْطَه كون الشاهد مسلمًا عدلًا، ولم يوجد (فينقضُه الإمامُ أو غيرُه) لفساده، لكن تقدم (٣) حيث قلنا: "ينقض" فالناقض له حاكمه إن كان (ورجع) المحكوم عليه (بالمال، أو ببدله) على المحكوم له؛ لأن الحكم قد نُقض، فيجب أن يرجع الحقُّ إِلَى مستحقه (و) رجع (ببدل قَوَدٍ مستوفىً على المحكوم له) لتعذُّر الرجرع بالقَوَد، فيتعيَّن بدله.
(وإن كان المحكوم به إتلافًا) كقتل (فالضَّمانُ على المُزكِّينَ، وكذا إن كان) الحكم (لله) تعالى (بإتلاف حِسِّيٍّ (٤)) كقتلِ لرِدَّة، أو رَجْمٍ لزنىً، أو قطع سرقة (٥) (أو) كان الحكم بـ (ـما سرى إليه) أي: إِلَى الإتلاف،
стр. 7329
بأنْ حكم عليه بحَدٍّ شُرْب، أو تعزير، فسرى إِلَى نفسه، أو عضوٍ منها، وبان كُفْرُ الشهودِ، أو فِسْقهم؛ فالضمان على المُزكِّين؛ لأن المحكوم به قد تعذَّر ردُّه، وشهود التزكية ألجؤوا الحاكم إِلَى الحكم، فلزمهم الضمان؛ لتفريطهم.
(فإن لم يكن مُزكُّون، فعلى الحاكم) لأنَّ التلف حصل بفعله، أو بأمره، فلزمه الضمان؛ لتفريطه، وكذا إن كان مُزكُّون فماتوا؛ ذكره في "الكافي" و"الرعاية"؛ قاله في "المبدع". قال: ولا قَوَدَ؛ لأنه مخطئ، وتجب الدِّية في بيت المال، وعنه (١): على عاقلته.
(وإن شهدوا عند الحاكم بحقٍّ، ثم ماتوا، أو جُنُّوا؛ حَكَم بشهادتهم؛ إذا كانوا عدولًا) لأن الموت أو الجنون لا يؤثِّر في الشهادة، ولا يدلُّ على الكَذِب فيها، ولا يحتمل أن يكون موجودًا حالَ أداء الشهادة، بخلاف الفِسق.
(وإن بان الشهود عبيدًا، أو والدًا، أو ولدًا، أو عدوًا، والحاكم لا يرى الحكم به؛ نقضه) بعد إثبات السبب (ولم يَنفُذْ) لأنه حَكَم بما لا يعتقده، أشبه ما لو كان عالمًا بذلك.
(وإن كان) الحاكم (يرى الحكمَ به) أي: بما ذكر من شهادة العبيد، أو الوالد، أو الولد، أو العدو (لم يُنقض) حكمه إذا بان الشاهدُ كذلك؛ لأنه حكم بما أدَّاه إليه اجتهادُه فيما هو سائغٌ فيه، أشبه باقي مسائل الخلاف، وهذا في المجتهد. وأما المُقلِّد، فتقدَّم (٢) أنَّه يُراعي ألفاظَ إمامه ومتأخرها، ويُقلِّد كبارَ مذهبه في ذلك. وإن حكم بغير
стр. 7330
مذهب إمامه؛ فإن كان قد وُلِّي على أن يحكم بمذهب معين؛ لم ينفذ حكمه؛ لقصور ولايته، وإلا انبنى نقضه على منع تقليد غيره، وتقدم (١).
(ويُعَزَّر شاهدُ زُورٍ) رواه سعيد عن عمر (٢)؛ ولأنه قولٌ محرَّم يضرُّ به النَّاسَ، أشبه السبب (-ولو تاب) في أحد الوجهين، وهما في كلِّ تائبٍ بعد وجوب التعزير. وتعزيره (بما يراه الحاكمُ- إن لم يُخالف نصًّا، أو معنى نصٍّ) قال في "الشرح": لا يزيد على عشر جلدات (ويُطاف به في
стр. 7331
المواضع التي يَشْتَهر فيها، فيقال: إنا وجدنا هذا شاهِدَ زُورٍ؛ فاجتنبوه) ليحصُل إعلامُ النَّاس بذلك، فإن تاب؛ قُبلت شهادته، كسائر التائبين.
(وله) أي: للحاكم (أن يجمع له) أي: لشاهد الزور (بين عقوبات، إن لم يرتدع إلَّا به) قاله ابن عقيل وغيره (ولا يُعزَّر حتَّى يتحقَّق أنَّه شاهدُ زُورٍ) وأنه (تعمَّد ذلك، إما بإقراره) بذلك (أو يشهد بما يَقطعُ بكَذِبه) فيه (مثل أن يشهد على رَجُلٍ بفعلٍ في الشَّام، ويُعْلَم أن المشهود عليه في ذلك الوقت في العراق، أو يَشهد بقتل رَجُلٍ، وهو حيٌّ، أو) يشهد (أن هذه البهيمة في يَدِ هذا منذ ثلاثة أعوام، وسِنُّهَا أقلُّ من ذلك، أو شهد على رجل أنَّه فعل) في وقت كذا (وقد مات قبل ذلك، وأشباه هذا مما يُعلم به كذبه، ويُعلم تعمُّده لذلك) وإلا لم يُعزَّر؛ لأنه يُدرأ بالشُّبهة (ويتبيَّنُ بذلك) أي: بما يُقطع بكذبه فيه (أن الحكم كان باطلًا) لعدم مطابقته للواقع (ولزم نقضه) لعدم نفوذه.
(وإن كان المحكومُ به مالًا؛ رد إلى صاحبه) لتبين عدم استحقاق المُدَّعي له.
(وإن كان) المحكومُ به (إتلافًا، فعلى الشاهدين ضمانُه) لحصول التلف بسببهما (إلا أن يثبت) زُورُ الشاهدين (بإقرارهما على أنفسهما من غير موافقة المحكوم له، فيكون ذلك رجوعًا منهما عن شهادتهما، ومضى) أي: تقدم (١) (حكم ذلك) أي: حكم الرجوع عن الشهادة آنفًا (وتقدم (٢) في) باب (التعزير) تعزير شاهد الزور.
(ولا يُعزَّر) الشاهدُ (بتعارض البيّنة) لأن التعارُضَ لا يُعلَم به كَذِب
стр. 7332
إحْدى البينتين بعينها (ولا) يُعزَّر (بغَلَطِهِ في شهادته) لأن الغَلَطَ قد يعرِض للصَّادق العدل، ولا يتعمّده.
(ولا تُقبل الشهادةُ مِن ناطقٍ إلا بلفظ الشهادة) لأن الشهادة مصدر، فلابُدَّ من الإتيان بفعلها المشتق منها؛ ولأن فيها معنًى لا يحصُل في غيرها، بدليل أنها تستعمل في اللعان، ولا يحصُل بغيرها (فإن قال: أعلم، أو أُحِقُّ، أو أتيقن، ونحوه) لم تُقبل؛ لأن الحكم يعتمد لفظ الشهادة، ولم يوجد.
(أو قال آخر) بعد شهادة الأول: (أشهد بمثل ما شَهِد به، أو) قال من كتب شهادته: أشهد (بما وضعت به خطي؛ لم يُقبل) فلا يحكم بها.
(وإن قال بعد الأول: وبذلك أشهدُ، أو: كذلك أشهدُ؛ قُبِلت) قال في "النكت": والقول بالصحة في الجميع أولى.
(وقال) أبو الخطاب و (الشيخ (١)، وابن القيم (٢): لا يُعتبر لفظ الشهادة) قال الشيخ تقي الدين (٣): ولا نعلم عن صحابى ولا تابعي لفظ الشهادة. وقال عليُّ بن المديني (٤): أقول: إن العشرة في الجنّة ولا أشهدُ، فقال له أحمد: متى قلتَ؛ فقد شهدتَ. ونقل الميموني عنه (٥) أنَّه قال: وهل معنى القول والشهادة إلا واحد؟! ونقل أبو طالب عنه (٦) أنَّه قال: العِلْمُ شهادة.
стр. 7333
باب اليمين في الدعاوى
أي: ذكر ما تجب فيه اليمين، وبيان لفظها وصفتها.
(اليمين تقطعُ الخصومة في الحالِ، ولا تُسقِطُ الحقَّ) فتُسمع البينة بعد اليمين، ولو رجع الحالف إلى الحق، وأدَّى ما عليه؛ قُبِلَ منه، وحلَّ لربِّه أخذه.
(ولا يُستحلَفُ المُنكِرُ في حقوق الله تعالى، كحَدٍّ، وعبادةٍ، وصَدَقةٍ، وكفَّارة، ونَذْرٍ (١) لأن الحدود المطلوب فيها الستر؛ والتعريض للمُقِرِّ ليرجع، فلأَن لا يُستحلف فيها أولى، وما عدا الحدود مما ذكر حقّ لله تعالى، فأشبه الحَدَّ.
(فإن تضمَّنت دعواه) أي: الحَدّ (حقًا له) أي: للآدمي (مثل أن يَدَّعي سرقةَ ماله، لتضمين السارق، أو ليأخذ منه ما سَرَقَه، أو يدَّعِي عليه الزنى بجاريته؛ ليأخذ مهرها منه، سُمعت دعواه، ويُستحلف المُدَّعَى عليه لحقِّ الآدمي، دون حَقِّ الله) تعالى، كما لو انفرد كلٌّ منهما.
(ويُستحلَفُ في كُلِّ حَقٍّ لآدمي) لقوله ﷺ : "لو يُعطى الناس بدعواهم؛ لادَّعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه" متفق عليه (٢) (غيرِ نكاحٍ، ورجعةٍ، وطلاقٍ، وإيلاءٍ، و) غيرِ (أصلِ رِقٍّ لدعوى رقِّ لقيط) فإنه لا يُستحلف إذا أنكر.
(و) غير (ولاءٍ واستيلادٍ) بأن يدَّعي استيلادَ أَمَة، فتنكِرُه. وقال
стр. 7334
الشيخ تقي الدين (١): هي المُدَّعية.
(و) غير (نَسَبٍ، وقَذْف، وقِصاص في غير قَسامة) فلا يمين في واحد من هذه العشرة؛ لأن ذلك لا يثبت إلا بشاهدين، فأشبه الحدود.
(وفي "الترغيب" وغيره: ولا يَحلِف شاهدٌ) على صِدْقِهِ (و) لا (حاكمٌ) على حُكمه أو نفيه (ولا وصيٌّ على نفي دَيْن على الموصي).
قال ابن حمدان: بل على نفي لزومه من التركة إلى المُدَّعي.
(ولا) يَحلِف (مُنكِرُ وكالةِ وكيلٍ) وتقدم في الوكالة (٢).
(وتَحلِف المرأة؛ إذا ادَّعت انقضاء عِدَّتها قبل رجعة زوجها، ويَحلِف المؤلي؛ إذا أنكر مضيَّ الأربعة أشهر) وتقدَّم ذلك موضحًا في مواضعه (٣).
(وما يُقضى فيه بالنُّكول هو المال وما يُقْصَد به المالُ) مما تقدَّم (٤) بيانه.
(ومَن لم يُقضَ عليه بنكولٍ) إذا نكل (خُلِّي سبيله) ولم يحكم عليه بالنكول في غير المال وما يُقصد به المال.
(ويثبت عِتقٌ بشاهدٍ ويمينِ العبد) لأن عتقه نَقْلُ ملك، أشبه البيعَ (وتقدم (٥)) في باب المشهود به.
(ومَنْ حلف على فِعْلِ غيره) بأن ادَّعى على آخر أنَّه غصبه -ونحوه- ثوبًا، وأقام بذلك شاهدًا، وأراد أن يَحلِف مع شاهده؛ حَلَفَ على البتِّ
стр. 7335
(أو ادَّعى عليه) أي: على غيره (في إثبات). بأن ادَّعى دَينًا على زيد مثلًا، فأنكر، وأقام المُدَّعي شاهدًا، وأراد الحلف معه؛ حلف على البتِّ (أو) حلف على (فِعْلِ نفسه) مثل أن ادَّعى عليه إنسان أنَّه غصبه -ونحوه- شيئًا،: فأنكر، وأراد المُدَّعي يمينه؛ حلف على البتِّ (أو) على (دعوى عليه) بأن ادُّعي عليه دَيْن، فأنكره، وطلب يمينه (حلف على البتِّ) أي: القطع؛ لحديث ابن عباس: "أن النبيَّ ﷺ قال لرجل حلَّفه: قُلْ: والله الَّذي لا إله إلا هو، ما لَهُ عندي شيءٌ" رواه أبو داود (١).
فلو ادَّعى عليه إنسانٌ عينًا في يده، فأنكره، وأراد تحليفه فيقول: والله هذه العين ملكي، ولا يكفي قوله: والله لا أعلم إلا أنها ملكي.
(ومَنْ حلف على نفي فِعْلِ غيره) نحو أن يدَّعي عليه أن أباه اغتصبه كذا وهو بيده، فأنكر، وأراد المُدَّعي يمينه؛ فعلى نفي العِلم؛ لأن النبيَّ ﷺ قال للحضرمي: "ألَكَ بينة؟ قال: لا، ولكن أُحَلِّفُه: والله ما يعلم أنها
стр. 7336
أرضي اغتصبها أبوه، فتهيَّأ الكندي لليمين" رواه أبو داود (١)، ولم ينكر ذلك النبيُّ ﷺ . ولأنه لا تُمكنه الإحاطة بفعل غيره، بخلاف فِعْلِ نفسه، فوجب ألا يكلف اليمين فيه على البتِّ.
(أو) حلف على (نفي دعوى عليه) أي: على غيره، كأن ادَّعى على أبيه دَينًا، فأنكر الوارث، وطلب يمينه (فعلى نفي العلم) لما تقدم.
(وعبدُه) وأَمَتُه (كأجنبيٍّ في حَلِفٍ على البتِّ، أو على نفي عِلْمه) فمن ادُّعي عليه أن عبده جنى عليه ونحوه، فأنكر، وطلب يمينه، حلف على نفي العلم.
و (أما بهيمتُهُ) أي: جناية بهيمة المُدَّعَى عليه (فما نُسِب إلى تقصيرٍ وتفريطٍ؛ فعلى البتِّ) كما لو ادُّعِي عليه أن بهائمه أكلت زرعه ليلًا بتفريطه؛ لتركها من غير ربط ولا حبس، فأنكر ذلك، وأراد المُدَّعي تحليفه؛ حَلَف على البتِّ؛ لأنه على فعل نفسه، وهو عدم التفريط.
(وإلا) أي: وإن لم ينسب المُدَّعي جنايةَ البهيمةِ إلى تقصير المُدَّعَى عليه وتفريطه، كما لو ادَّعى على سائق أو قائد، أو راكب، أن الدابة أتلفت شيئًا بوطئها عليه، فأنكره (فـ) ـإنه يحلف (على نفي العلم) لأنه ينفي فعلها.
(ومَنْ توجه عليه الحَلْفِ بحقِّ جماعة، فبذل لهم يمينًا واحدة ورضوا بها؛ جاز) لأن الحقَّ لهم، وقد رضوا بإسقاطه.
стр. 7337
(وإنْ أبَوُا) الاكتفاء (١) بيمينٍ واحدة (حلف لكلِّ واحدٍ) منهم (يمينًا) لأن حقَّ كل واحد غير حق الآخر، فإذا طلب كلُّ واحدٍ منهم يمينًا، كان له ذلك، كسائر الحقوق إذا انفرد بها.
(ولو ادَّعَى واحدٌ حقوقًا على واحدٍ، فعليه في كلِّ حقٍّ يمين) إذا تعددت الدعاوي، ولو اتَّحد المجلس. فإن اتَّحدت الدعاوى (٢)؛ فيمينٌ واحدةٌ للكُلِّ، كما في "المبدع".
فصل
(واليمين المشروعة هي اليمين بالله جلَّ اسمه) لقوله تعالى: ﴿وأقْسَمُوا بالله﴾ (٣)؛ وللأخبار (٤). وتجزئ بالله وحده؛ لما تقدم (٥). واستحلف النبيُّ ﷺ رُكانة بن عبد يزيد في الطلاق، فقال: والله ما أردتَ إلا واحدة (٦)؟ وقال عثمان لابن عمر: تحلف بالله لقد بعتَه وما به داء تعلمه (٧).
(فإن رأى الحاكمُ تغليظها بلفظ، أو زمان، أو مكان) فاضلين (جاز، ولم يُستحبَّ) لأنه أردع للمُنكِر.
(فـ) ـالتغليظ (في اللفظ) أن (يقول: والله الَّذي لا إله إلا هو، عالِمِ الغيبِ والشهادة الرحمنِ الرحيم، الطالبِ الغالبِ، الضارِّ النافعِ، الَّذي
стр. 7338
يعلم خائنة الأعين) أي: ما يضمر في النفْس، ويكف عنه اللسان، ويُومئ إليه بالعين (وما تُخفي الصدور) أي: تُضمره.
(و) التغليظ في (الزمان: أن يحلف بعد العصر) لقوله تعالى: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ (١)، قيل: المراد صلاة العصر؛ لأنه وقت تُعظِّمه أهل الأديان، كما تقدَّم (٢).
(أو بين الأذان والإقامة) لأنه وقت يُرجى فيه إجابة الدُّعاء، فتُرجى فيه معاجلة الكاذب.
(والمكان: بمكة بين الركن والمقام) لأنه مكان شريف زائد على غيره في الفضيلة (وببيت المقدس عند الصخرة (٣)) لأنه وَرَدَ في سُنن ابن ماجه أن النبيَّ ﷺ قال: "هي من الجنّة" (٤).
(و) بـ (ـسائر البلاد) كمدينته ﷺ وغيرها (عند مِنبر الجامع) لقوله ﷺ : "مَن حَلَف على منبري هذا بيمين (٥) آثمة، فليتبوَّأ مقعده من النار"
стр. 7339
رواه أبو داود (١) .. والباقي بالقياس عليه.
(وتقف الحائضُ عند بابِ المسجدِ) لأنه يحرم عليها اللُّبث فيه.
(ويحلف أهلُ الذِّمة في المواضع التي يُعظِّمونها) لأن اليمين تُغلَّظ في حقهم زمانًا، فكذا مكانًا.
(و اللفظ) الَّذي يغلَّظ به على أهل الذِّمة (أن يقول اليهودي: والله الذي أنزل التوراة على موسى، وفلَق له البحر، وأنجاه من فرعون ومَلَئِه) لحديث أبى هريرة: "أن النبي ﷺ قال لليهود: نشَدتكم بالله الَّذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على مَنْ زنى؟ " رواه أبو داود (٢).
стр. 7340
(و) يقول (النصرانيُّ: والله الذي أنزلَ الإنجيلَ على عيسى، وجعله يُحيى الموتى، ويُبرئ الأكمه والأبرص) لأنه لفظ تتأكَّدُ به يمينه، أشبه اليهوديَّ.
(و) يقول (المجوسيُّ: والله الذي خلقني وصوَّرني ورزقني) لأنه يُعظِّم خالقه ورازقه، أشبه كلمة التوحيد عند المسلم.
(و الوثنى والصابئ ومَنْ يعبد غير الله يَحلفُ بالله وحده) لأنه لا يجوز الحلف بغير الله؛ لما تقدم، ولأنه إن لم يعتقد هذه يمينًا؛ ازداد إثمًا، وربما عُجِّلت عقوبته، فيتيقظ (١) بذلك، ويرتدع به غيره. زاد بعضهم: وبهيئةٍ، كتحليفة قائمًا، مستقبل القبلة.
(ولا تغلَّظ) اليمين (إلا فيما له خَطَر؛ كجناية لا توجب قَوَدًا، و) كـ (ـعتق ونصاب زكاة) لأن التغليظ للتأكيد، وما لا خطر فيه لا يحتاج إلى تأكيد.
(و لو أبى مَنْ وجبت عليه اليمين التغليظ، لم يَصِرْ ناكلًا) عن اليمين؛ لأنه قد بَذَل الواجب عليه، فيجب الاكتفاء به، ويحرم التعرُّض له؛ قاله في "النُّكت". قال: وفيه نظر؛ لجواز أن يُقال: يجب التغليظ إذا رآه الحاكم وطلبه، وإلا لما كان فيه زجر (٢) قط. ومال إليه الشيخ تقي الدين (٣).
стр. 7341
(ولا يُحلَّف بطلاق (١)؛ وفاقًا للأئمة الأربعة (٢)؛ قاله الشيخ) (٣).
وقال ابن عبد البر: إجماعًا (٤).
قلت: ولا بعَتَاق؛ لحديث: "مَن كان حالفًا، فليحلف بالله" (٥).
(وفي "الأحكام السلطانية" (٦): للوالي إحلافُ الشُّهود استبراءً وتغليظًا في الكشف في حَقِّ الله وحَقِّ آدميٍّ، وتحليفه بطلاق وعتق وصدقة ونحوه، وسماع شهادة أهل المهن إذا كثروا، وليس للقاضي ذلك.
ومَنْ توجَّهت عليه يمين وهو فيها صادق، أو توجَّهت له) اليمين، بأن أقام شاهدًا بمال أو ما يقصد به المال، وهو صادقٌ (أُبيح له الحلف) لأنه مُحِقٌ (ولا شيء عليه من إثمٍ ولا غيره) لأن الله شرع اليمين؛ ولا يشرع محرَّمًا.
(والأفضل افتداءٌ يمينه) لأنه ربما صادف قَدَرًا، فيوجب ريبة. وتقدَّم في الأيمان (٧).
(ومن ادُّعي عليه دَيْن هو عليه، وهو مُعسِر؛ لم يحلَّ له أن يحلِفَ أنَّه لا حقَّ له عليَّ) ولو نوى الساعةَ؛ نقله الجماعة (٨). وسواء خاف حبسًا أو لا، وجوَّزه صاحب "الرعاية" بالنية: قال في "الفروع": وهو متجه.
стр. 7342
(و يمينُ الحالفِ على حَسَبِ جوابهِ، فهذا ادَّعى أنه غصبه، أو أوْدَعَه، أو باعَه، أو اقْتْرَض منه، فإن قال: ما غصبتُكَ، ولا استودَعْتَنِي، ولا بِعْتني، ولا أقرَضتَني، كُلِّف أن يحْلِفَ على ذلك) ليطابق جوابه (وإن قال: مالَكَ عليَّ حَقٌّ، أو: لا تستحقُّ عليَّ شيئًا، أو: لا تستحقُّ عليَّ ما ادَّعيْتَه، ولا شيئًا منه. كان جوابًا صحيحًا، ولا يُكلَّف الجوابَ عن الغصبِ وغيره؛ لجواز أن يكون غَصَبَ منه، ثم ردَّه، وكذلك الباقي) من الاستيداع والبيع والقرض (فلو كُلِّف جَحْدَ ذلك؛ لكان كاذبًا) مع حصول المقصود بجواب صادق.
(وإن أقرَّ به، ثم ادَّعّى الردَّ؛ لم يُقبل) منه بلا بينة، فيعود عليه بالضرر، وعدم قَبول دعوى الرَّدَّ في الوديعة؛ لتقدُّم إنكار ونحوه.
(و لا تدخل النيابة في اليمين، فلا يحلِفُ أحدٌ عن غيره، فلو كان المُدَّعَى عليه صغيرًا أو مجنونًا؛ لم يحلِفْ) لأنه لا يعوَّل على قوله (ووقفَ الأمرُ إلى أن يكلَّفا) فيقرا أو يحلفا، أو يقضى عليهما بالنكول.
(فإن كان الحقُّ لغير المُكَلَّف، وادَّعاه وليُّه، وأنكر المُدَّعَى عليه، فالقول قوله مع يمينه) حيث لا بينة للمدَّعي، كسائر الدعاوى (فإنْ نَكَلَ؛ قُضي عليه) بالنكول، كغيره.
(وإن ادُّعي على العبد دعوى، وكانت مما يُقبل قولُ العبدِ فيها) لو أقرَّ بها (كالقصاص) فما دون النفس (والطلاق، والقَذْف، فالخصومة معه دونَ سيده) لأن السيد لا يملك منه إلا المال؛ ولقوله ﷺ : "الطلاقُ لمن أخذ بالساق" (١)، ومَن ملك إنشاء شيء؛ ملك الإقرارَ به، والخصومة فيه.
(وإن كان) المُدَّعى به على العبد (مما لا يُقبل قولُ العبد فيه؛
стр. 7343
كإتلافِ مالٍ، أو جنايةٍ توجبُه، فالخصمُ)، فيه (سيِّدُه) لأنه المطالب به (واليمينُ عليه) أي: السيد إذا أنكر (ولا يحلفُ العبدُ فيها بحالٍ) لأنه لا يصحُّ طلبه بها، حتَّى لو أقرَّ؛ لم يُسمع إقراره، والقِصاص في النفس جوابه من العبد وسيده معًا؛ لأن إقرارَ أحدِهما به على الآخر غير مقبول.
(ومن حلف فقال: إن شاء الله، أُعيدت عليه اليمينُ) ليأتي يها من غير استثناء، وتقدم (١).
(وكذلك إن وَصَل كلامه بشرط، أو كلام غير مفهوم) لاحتمال أن يكون استثناءً أو نحوه.
(وإن حلف قبل أن يستحلفه الحاكمُ، أو استحلفه الحاكمُ قبل أن يسأله المُدَّعي) إحلافه (أُعيدت عليه) اليمين؛ لأنها حقٌّ للمُدَّعِي، فلا تُستوفى إلا بطلبه.
(ولو ادَّعى عليه حقًا، فقال) المُدَّعَى عليه: (أبرأتني منه، أو) قال: و (استوفيته مني، فأنكر) المُدَّعِي (فقوله مع يمينه) لأنه مُنكِر، والأصلُ بقاءُ الحقِّ (فيحلف) المُدَّعِي (بالله) تعالى: (إن هذا الحق -ويسميه بعينه- ما برئَتْ ذمَّتُكَ منه، ولا من شيء منه) ولأنه يحلف على فعل نفسه، فيحلف على البتِّ.
(وإن ادَّعى استيفاءَه، أو البراءةَ) منه (بجهةٍ معلومةٍ) كما لو قال المُدَّعَى عليه: برئتُ، لدفعه عنك في دين واجب عليك، أو في نفقة واجبة، أو لزيد بإذنك، ونحو ذلك (كفى الحِلفُ على تلك الجهة وحدَها) بأن يحلف بالله ما برئتَ منه، ولا من شيء منه في الجهة المُسَمَّاة؛ لأنه لا يدَّعي غيرها ليحلف عليه.
стр. 7344
كتاب الإقرار
стр. 7345
كتاب الإقرار
(وهو) لغة: الاعترافُ بالحقِّ. مأخوذ من المَقرِّ، كأن المُقِرِّ جعل الحق في موضعه.
وشرعًا: (إظهارُ مُكلَّفٍ مختارٍ ما عليه؛ لفظًا) أي: بلفظ (أو كتابةً، أو إشارةً) من (أخرسَ، أو على موكِّلَهُ، أو) على (مَوْلِيِّهِ) مما يمكن إنشاؤه لهما (أو) على (موروثه بما يمكن صدقُه) ويأتي محتَرَز قيوده. وهو ثابت بالإجماع (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أخَذَ اللَّهُ ميثَاقَ النبيين … ) الآية (٢)، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (٣)؛ و ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٤)؛ ورجم النبيُّ ﷺ ماعزًا (٥) والغامدية (٦) بإقرارهما؛ ولأنه إخبارٌ على وجهٍ ينتفي عمه التُّهمَة والرِّيبة، ولهذا كان آكدَ من الشهادة، فإنَّ المُدَّعَى عليه إذا اعترف لا تُسمع عليه الشهادة، وإنْ كذَّب المدعي بينتَه لم تُسمع، وإذا أنكر، ثم أقرَّ؛ سُمِع إقرارُه.
(وليس) الإقرار (بإنشاءٍ) بل هو إخبارٌ وإظهارٌ لما هو في نفس الأمر (فيصحُّ منه) أي: من المكلَّف المختار، الإقرارُ (بما يُتصوَّر منه
стр. 7346
التزامُه) بخلاف ما لو ادُّعِي عليه جنايةٌ منذ عشرين سنة، وعمرُه عشرون سنة أو أقلُّ، فهذا لا يصحُّ إقرارُه بذلك، صَرَّح به في "التلخيص"، وغيرِه، وهو معنى قولِه: "بما يمكن صدقُه".
(بشرط كونه) أي: المُقَرِّ به (بيده) أي: المُقِرِّ (وولايتِه واختصاصِه) قال في "شرح المنتهى": يعني: أو ولايته، أو اختصاصه، فلا يصحُّ إقراره بشيءٍ في يد غيرِه، أو في ولاية غيرِه، كما لو أقرَّ أجنبيٌّ على صغير، أو وقف في ولاية غيرِه، أو اختصاصه. انتهى.
فيصحُّ إقرارُه بما في ولايته، أو اختصاصِه، كأن يُقِرَّ وليُّ اليتيمِ ونحوه، أو ناظرُ الوقف، أنه أجر عقاره ونحوه؛ لأنه يملك إنشاءَ ذلك، فصحَّ إقراره به.
و (لا) يُشترط في المقَرِّ به أن يكون (معلومًا) فيصح بالمُجمَل، ويطالب بالبيان، ويأتي.
(ويصحُّ من أخرسَ بإشارة معلومة) لقيامها مَقامَ نطقِه.
و (لا) يصحُّ الإقرار (بها) أي: بالإشارة (مِن ناطقٍ) قال في "شرح المنتهى": بغير خِلافٍ في المذهب (ولا) يصح الإقرارُ بالإشارة (ممن اعتُقِل لسانه) لأنه غيرُ مأيوس من نُطقه، أشبهَ الناطق.
(ويصحُّ إقرار الصبيِّ) المأذون له (و) إقرارُ (العبدِ المأذونِ له في البيع والشراء، في قدر ما أُذن له فيه) كالحُر البالغ؛ لأنه لا حجْر عليه فيما أذن له فيه (دون ما زاد) على ما أذن فيه لهما؛ لأن مقتضى الدَّليلِ عدمُ صحةِ إقرارِهما، تُرِكَ العمل به فيما أذن له فيه، فيبقى ما عداه على مقتضاه.
(وإن أقرَّ مُراهِق غيرُ مأذونِ له) في التجارة (ثم اختلف هو والمقَرُّ له
стр. 7347
في بلوغه؛ فقرل المُقِرِّ) في عدم بلوغه؛ لأنه الأصل (ولا يُحلَّف) لأننا حكمنا بعدم بلوغه (إلا أن تقوم بينةٌ ببلوغه).
قلت: وعلى قياس ذلك: لو باع، أو وهب، أو وقف، أو أعتق، أو أجر ونحوه، ثم أنكر بلوغه حال الشك فيه؛ قُبل قولُه بلا يمين؛ لما تقدَّم. ويُحمل نصَّ أحمدَ في رواية ابنِ منصور (١): إذا قال البائع: بعتُك قبل البلوغ، وقال المشتري: بعد بلوغِك؛ أنَّ القول قولُ المشتري: على ما إذا كان الاختلاف بعد تيقُن بلوغِه.
(ويصحُّ إقرارُ الصبي أنه بلغ باحتلامِ؛ إذا بلغ عشرًا) أي: عشر سنين؛ لأنه لا يُعلم إلا عن جهته، وكذا الجارية إذا بلغت تسعًا.
(ولا يُقبل) منه أنه بلغ (بسنٍّ إلا ببينة) لأنه لا تتعذَّر إقامتُها على ذلك.
(وإن أقرَّ) شخصٌ (بمالٍ، أو بيع، أو شراء ونحوٍ، ثم قال بعد) تحقُّقِ (بلوغه: لم أكن حينَ الإقرار بالغًا؛ لم يُقبل) منه ذلك؛ لأن الأصل الصحة.
(وإن أقرَّ بالبلوغ مَن شُكَّ في بلوغِهِ، ثم أنكره مع الشَّك؛ صُدِّق) لأن الأصل الصِّغَر (بلا يمين) للحكم بعدم بلوغه.
(ولو شَهِد الشهودُ بإقرار شخصٍ؛ لم تفتقر صِحَّة الشهادة إلى أن يقولوا): أقرَّ (طوعًا في صحةِ عقلِه) عملًا بالظاهر، وتقدم (٢).
(ويصحُّ، إقرارُ سكرانَ) بمعصية؛ لأن أفعاله تجري مَجرى أفعالِ الصَّاحي (كطلاقه، وكذا مَن زال عقله بمعصية، كمَن شَرِب ما يُزيل
стр. 7348
عقله، عامدًا لغير حاجة) فيؤاخذ بإقراره.
و (لا) يصحُّ إقرارُ (مَن زال عقله بسببٍ مباح، أو) بسبب هو (معذور فيه) لأنه غيرُ عاقل، ولا معصيةَ يُغلَّظ عليه لأجلها.
(وإن ادَّعى الصبيُّ الذي أنبت) الشَّعر الخشِنَ حولَ قُبله (أنه أنبت بعلاج، كدواء، لا بالبلوغ؛ لم يُقبل) ذلك منه، ولزمه حكمُ تصرُّفه، من بيع، أو إقرارٍ ونحوِهما؛ لأن الأصل عدم ما يدَّعيه.
(ولا يصحُّ إقرارُ المجنون) لحديث: "رُفع القلمُ عن ثلاثٍ … " الخبر (١) (إلا في حال إفاقته) فيصحُّ إقرارُه؛ لأنه عاقلٌ، أشبه من لم يُجنَّ.
(وكذا المبَرسَم، والنائم، والمغمى عليه) لأنه التزامُ حقِّ بالقول، فلم يصحُّ منهم، كالبيع (وإن ادَّعى جنونًا؛ لم يُقبل إلا ببينة) لأن الأصلَ السلامةُ. وذكر الأزَجيُّ: يقبل -أيضًا- إن عُهد منه جنون في بعض أوقاتِه، وإلا؛ فلا.
قال في "الفروع": ويتوجَّه قَبوله ممن غلب عليه.
(ولا) يصحُّ (إقرارُ مُكرَهٍ) لحديث: "عُفي لأمّتي عن الخطأ والنِّسيان وما استكرهوا عليه" (٢) (إلا أن يُقِرَّ بغير ما أُكره عليه، مثل أنْ يُكرَه) على (أن يُقِرَّ لزيد، فيقرَّ لعمرو، أو على أن يقرّ بدراهم، فيقرَّ بدنانير، أو على الإقرار بطلاق امرأة، فيقرَّ بطلاق غيرِها، أو) على أن يقرَّ بطلاق امرأة، فـ (ـيقر بعتق عبدٍ، فيصح) إقراره (إذًا) لأنه أقرَّ بغير ما أُكره عليه، فصحَّ، كما لو أقرَّ به ابتداءً.
(وإن أُكره على وزن مالٍ، فباع مِلْكَه لذلك؛ صَحَّ) البيع؛ لأنه لم
стр. 7349
يُكره عليه، أشبه ما لو لم يُكره أصلًا، ويُكره الشراء منه (وتقدَّم أولَ كتابِ البيع (١).
ومن أقرَّ بحقٍّ، ثم ادَّعى أنه كان مُكرَهًا؛ لم يُقبل) منه دعوى الإكراه؛ لأن الأصل عدمُه (إلا ببينةٍ) لحديث: "البينةُ على المدَّعِي" (٢) (إلا أن تكون هناك دلالةٌ على الإكراه؛ كقيد، وحبسٍ، وتَوكُّلٍ به) أي: ترسيم عليه (فيكونَ القولُ قولَه مع يمينه) لأنه دليلُ الإكراه، قال الأَزَجيُّ: أو أقام بينةً بأمارة الإكراه، استفاد بها أنَّ الظاهر معه، فيحلف ويُقبلُ قوله.
قال في "النُّكت": وعلى هذا تحرم الشهادة عليه، وكَتْب حجة عليه، وما أشبه ذلك في هذه الحال.
(وتُقدَّم بينةُ إكراهٍ على بينةٍ طواعيةٍ) لأن معها زيادةُ علم.
(وإن قال مَن ظاهرُه الإكراه: علمتُ أنّي لو لم أقِرَّ -أيضًا- أطلقوني، فلم أكن مُكْرَهًا؛ لم يصحَّ) قوله ذلك، ولم يمنع كونه مكرهًا (لأنه ظنٌّ) منه (فلا يعارِض يقينَ الإكراه) لقوة اليقينِ.
قال في "الفروع": وفيه احتمالٌ؛ لاعترافه بأنه أقرَّ طوعًا.
ونقل ابن هانئ (٣): في من تقدَّم إلى سلطان، فهدَّده، فيدهشُ، فيقرُّ: يؤخذ به، فيرجع ويقول: هدَّدني، ودهشتُ: يؤخذُ. وما عِلْمُه أنه أقرَّ بالجزع والفزع.
(ومن أقرَّ في مرض موته بشيء، فكإقراره في صِحَّته) لأنه غيرُ
стр. 7350
مُتّهم فيه (إلا في إقراره بمال لوارث، فلا يُقبلُ إلا ببينة، أو إجازة) من باقي الورثة؛ لأنه إيصالٌ لمالهِ إلى وارثه، بقوله في مرض موته، فلم يصحّ بغير رضا بقية ورثتهِ، كهِبته؛ ولأنه محجور عليه في حَقه، أشبه تبرُّعَه له.
(ويلزمه) أي: المريض (أن يُقر) لوارثه بدَينه ونحوه (وإن لم يُقبل) منه الإقرار (إذا كان) إقرارُه (حقًا) كالأجنبي.
(وَإِنْ اشترى من وَارِثه شيئًا فأقرَّ لهُ بثمنِ مثلِه؛ قُبل) منه ذلك، ولزمه بعقد البيع لا بالإقرار (ولا يحاصُّ المقَرُ له) ولو أجنبيًّا (غرماء الصحة بل يقدمون عليه لأنه أقرَّ بعد تعلق الحق بماله) أشبه إقرارَ المفلِس.
(لكن لو أقرّ) لأجنبي (في مَرضه بعينٍ، ثم بدين أو عكسه) بأن أقرَّ بدَين ثم بعين (فَرَبُّ العَينِ أحقُ بها) من ربِّ الدين؛ لأن الإقرار بالدين يتعلَّق بالذِّمَّة، والإقرارُ بالعين يتعلق بذاتها فتعلّقه بالذات أقوى، ولهذا لو أراد بيعَ العين لم يصح، ومُنع منه لحقِّ المقَرِّ له بها.
"فرع" إذا خاف أن يؤخذ ماله ظلمًا (١) أو المال الذي بيده للناس إما بحجة أنه ميت لا وارثَ له، أو أنه مال غائب، أو بلا حُجة أصلا؛ جاز له الإقرار بما يدفع هذا الظلم، ويحفظ المالَ لصاحبه، مثل أن يقر بحاضر أنه ابنه، أو أنّ له عليه كذا، أو أن المال الذي بيده لفلان، ويتأوّل في إقراره، بأنْ يعنيَ بكونه ابنه: صغرَه أو بقوله: أخي أخوّةَ الإسلام، أو بقوله: الذي بيده له، أي: له ولايةُ قبضِه، لكوني قد وكَّلته في إيصاله إلى مستحقه ونحوه. لكن يشترط أنْ يكون المقرُّ له أمينا، والاحتياط أن يشهد على المقَرِّ له أنَّ هذا إقرار تلجئةٍ، تفسيره كذا وكذا؛
стр. 7351
قاله في "الاختيارات" (١) ملخصًا.
(ولو أعتق (٢) عبدًا لا يملك غيرَه أو وهبه، ثم أقرّ بدَيْن؛ نَفَذ عتقُه وهِبتُه ولم ينقضا بإقراره) نصًّا (٣) لأنه تصرُّف منجزٌ، تعلق بعين مالٍ أزاله عن مِلكه، فلم ينقضه ما تعلّق بذمته، كما لو أعتق أو وهب، ثم حُجِر عليه لِفَلَس.
(وتقدّم حكم إقرار مفلسٍ وسفيهٍ في) كتاب (الحجر (٤)) مفصَّلا.
(وإن أقرَّ لامرأته في مرضه (٥) بمهر؛ لم يُقبل) لأنه إقرارٌ لوارث (ويلزمه مهر مِثْلِها) إن ادعته (بالزوجيّة) أي بمقتضى كونِها زوجته (لا بإقراره) لأنّ الزوجيّة دلّت على المهر ووجوبه عليه، والأصل بقاؤه.
(ويصح إقرارُه) أي: المريض (بأخذ دَيْن) له (مِن أجنبي) لأنه إقرار لمن لا يُتَّهم في حقِّه.
(وإن أقرّ) المريض بدَين أو عين (لوارث وأجنبي؛ صحَّ) الإقرار (للأجنبي) بغير إجازة، كما لو انفرد؛ لعدم التُّهمة، بخلاف الشهادة؛ لأن الإقرار آكدُ منها، ولذلك لا تُعتبر فيه العدالة، ويوقف إقراره للوارث على إجازة باقي الورثة (والاعتبار) في كونه وارثا أو غير وارث (بحالة الإقرار) لأنه قولٌ تُعتبر فيه التُّهمة فاعتبُرت حالة وجوده دون غيرها كالشهادة (لا) بـ (ـحالة الموت) بخلاف الوصية (فلو أقرَّ لوارثٍ فصار عند الموت غير وارثٍ؛ لم يلزم إقراره) لاقتران التهمة به، فلا ينقلب
стр. 7352
لازمًا بعد ذلك (لا أنه) أي: الإقرار (باطل) كما تُوهِمه عبارةُ "المقنع" وغيره: "لم يصح" لأنه لا يزيد على الوصية، وهي موقوفةٌ على الإجازة لا باطلةٌ. وفي نسخ: "لأنه باطل" وليس بمناسب لقوله: "لم يلزم".
(وإن أقرَّ لغير وارثٍ) صَحَّ؛ وإن صار عند الموت وارثًا، كما لو أقرَّ لابن ابنهِ مع ابن، فمات ابنُه؛ لم يتغير حكمُ إقراره؛ لوقوعه من أهله خاليا من التُّهمَة يثبت الحقُّ به، ولم يوجد ما يسقطه (أو أعطاه) أي: أعطى غير وارث؛ لزمت العطيةُ، و (صحَّ) العقدُ (وإن صار) المعطى (عند الموت وارثًا) لما تقدّم ذكره في "الترغيب" وغيره، واقتصر على ذلك في "الفروع" و"شرح المنتهى"، وقد تقدَّم (١) في تبرُّعات المريض: أن المعتبر وقتُ الموت في العطية، كالوصية، وقطع به صاحب "الفروع" هناك كأكثر الأصحاب.
قال في "تصحيح الفروع": "وهذا هو المعتمد عليه، وكان الأولى والأحرى للمصنف أن يذكر كلام "الترغيب" وغيره في تبرُّع المريض عقب المسألة؛ ليعلم أن فيه خلافًا، ولا يقطع في مكان بشيء، ويقطع بضده في غيره".
(وإن أقرَّت) المريضةُ (في مرضها أن لا مهرَ لها عليه) أي: الزوج (لم يصحَّ) الإقرار إن لم يجزه باقي ورثتها؛ للتُّهمة (إلا أن يقيم بينة بأخذه) أي: الصَّداق مطلقًا (أو) بـ (ـإسقاطه) في غير مَرض الموت المَخوف وهذا معنى ما نقله مُهنَّا (٢).
ونقل إبراهيم (٣): لو كان مهرها عشرة آلاف، فقالت في
стр. 7353
مرضها: ما لي عليه إلا ستة آلاف: القضاء ما قضت. اقتصر عليه في "الفروع" في تبرُّعات المريض، ولعل المراد بـ: ما لي عليه إلا ستة (١)، أي: لم يتزوَّجني إلا عليها، لا أنها أقرّت بقبض أربعة، بخلاف ما هنا (وكذا حكم كلِّ دَيْنٍ ثابت على وارث) لا يصحُّ إقرار المريضِ بقبضه إلا بإجازة باقي الورثة.
(وإن أقرَّ المريض بوارثٍ، صحّ) إقرارهُ؛ لأنه إقرارٌ لغير وارثٍ، فصحَّ، كما لو لم يصر وارثًا؛ ولأنه غيرُ متَّهم فيه.
(وإن أقر) المريض (لامرأته بدين، ثم أبانها، ثم تزوجها) قلت: أو لم يتزوَّجْها (ومات من مرضه؛ لم يصحَّ إقراره) بغير إجازة الباقي؛ لأنه إقرارٌ لوارثٍ في مرض الموت؛ أشبه ما لم يبِنْها؛ ولأنَّ الاعتبارَ بحال الإقرار وهي وارثة حينَه.
وفي "الرعاية الكبرى": لو أقرَّ لها بدَيْن، ثم تزوَّجها، ومات؛ بطل إلا أن يُجيز الورثة.
(وإنْ أقرَّ أنه كان طَلَّقها في صِحَّته، لم يسقط ميراثها) لأنه مُتَّهم، وكما لو طَلَّقها في مرضه.
"تتمة": يصحُّ إقرارُ المريض بإحبال الأَمَة؛ لأنه يملك ذلك، فمَلك الإقرار به. وكذا كلّ ما مَلكه مَلَكَ الإقرارَ به، فإذا أقرَّ بذلك ثم مات، فإن بيَّن أنه استولدها في ملكه، فولدت حُرَّ الأصل؛ فأمُّ ولدٍ، تَعْتِقُ بموته من رأس المال. وإن قال: من نكاح، أو وطء شبهة (٢)؛ عَتَق الولد؛ ولم تصر أمّ ولد. وإن لم يُبيِّن السببَ، فالأصلُ الرق، ولا ولاءَ
стр. 7354
على الولد؛ لأن الأصل عدمه، فإن كان له وارثٌ قام مقامه في بيان كيفيةِ استيلادها.
فصل
(وإن أقرَّ عبدٌ) أو أمة (ولو آبقًا، بحدٍّ، أو) أقرَّ عبدٌ بـ (ـطلاقٍ، أو) أقر قِنٌّ بـ (ـقِصاص، فيما دون النفس؛ أُخذ به) أي: بإقراره (في الحال) لأنّ ذلك يُستوفى مِن بَدَنه، وهو له دون سيده؛ لأنَّ السيد لا يملك منه إلا المال؛ ولقوله ﷺ "الطلاق لمن أَخَذَ بالسّاق" (١) ومن ملك إنشاء شيءٍ، ملك الإقرارَ به.
(وإن أقرَّ) القِنُّ (بِقصاصٍ في النفس، لم يُقتصَّ منه في الحال) لأنه يُسقِطُ حقَّ السيدِ به، أشبه الإقرار بقتل الخطأ؛ ولأنه مُتَّهم في أن يقر لمن يعفو على مال، فيستحقُ رقبته لتتخلّص من سيده (ويُتبَع به) أي: بالقِصاص في النفس إذا أقرّ به في رِقِّه (بعد العتق) لزوال المعارض (وطلبُ جوابِ الدعوى) للقتل عمدًا (منه) أي: القِنّ (ومن سيده) جميعًا كما تقدم.
(وإن أقرَّ السيدُ عليه) أي: القِن (بمالٍ؛ أو بما يوجبه) أي: المال (كجناية الخطأ) والعمد الذي لا يوجب قِصاصًا بحال، كالجائفة والمأمومة (صَحَّ) إقراره؛ لأن المال يتعلق برقبته، وهي مالُ السيد، فصحَّ إقراره به (ويؤخذ منه) أي: السيد (دية ذلك) يعني أنه يُخيَّر بين فدائه، وبيعه وتسليمه في أرْشِ الجناية، كما يُعلم مما سبق، كما لو ثبت بالبينة.
و (لا) يصحُّ إقرارُ السيد على قِنِّه (بما يوجب قِصاصًا، ولو فيما
стр. 7355
دون النفس) لأنه لا يملك منه إلا المال.
(وإن أقرَّ العبدُ) ومثله الأَمَة (بجناية خطأ، أو شِبه عَمْدٍ، أو غَصْبٍ أو سرقة مال) لم يُقبل على السيد (أو) أقرَّ القِنُّ (غير المأذون له بمال عن معاملة، أو) أقرَّ بمال (مطلقًا) ولم يبين كونه عن معاملة أو غيرها؛ لم يُقبل على السيد (أو) أقرَّ قِنٌّ (مأذون له) ومثله حر صغير مأذون له في التجارة (بما لا يتعلّق بالتجارة) كقرض وجناية (وكذّبه السيدُ؛ لم يقبل) إقراره (على السيد) لأنه إقرارٌ من محجور عليه في حَقِّ غيره.
(وإن توجَّهت عليه) أي: القِن (يمينٌ على مالٍ، فَنَكَل عنها، فكإقراره، فلا يجب المال) لأنه كالإقرار على غيره (وسواءٌ كان ما أقرَّ) القِنُّ (بسرقته باقيًا، أو تالفًا في يدِ السيد، أو يدِ العبد، ويُتبع بما أقرّ به بعد العتق) لزوال المانع (ويُقطع للسرقة في المال) إذا أقرّ بها (في الحال) أي: حال الإقرار؛ لأن القطع حَقُّ له، فيُقبل إقراره به، كما لو أقر بِقصاصٍ بطرفٍ.
(قال) الإمام (أحمد (١) -في عبدٍ أقرَّ بسرقة دراهمَ في يده، أنه سَرقها من رُجلٍ، والرّجل يَدّعِي ذلك) أي: أنه سرق الدراهم منه (والسيدُ يكذِّبه-: فالدراهم لسيده) لأنَّ المال حقٌّ لسيده (٢)، فلم يُقبل إقرارُ العبد به، كما لو أقرّ العبدُ بمال في يده (ويُقطع العبدُ) لما تقدم (ويُتبَع بذلك) المال الذي أقرّ به (بعد العتق) لزوال المُعارض.
(وما صحَّ إقرارُ العبدِ به) كالحَدِّ والطلاق والقِصاص في الطرف (فهو الخصم فيه) وحده فطلبُ جواب دعواه منه (وإلا) أي: وإن لم