← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومحمد، والحاشر، والعاقب، والمقفي، وخاتم الأنبياء، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة، ونبي التوبة، والفاتح، وقال بعض الصوفية: لله ألف اسم، وللنبي ﷺ ألف اسم (١). قال أبو بكر بن العربي في "شرح الترمذي" (٢): أما أسماء الله تعالى فهذا

стр. 72

العدد حقير فيها، وأما أسماء النبي ﷺ فلم أحصها إلا من جهة الورود الظاهر بصيغة الأسماء البينة، فوعيت منها أربعة وستين اسمًا، ثم ذكرها مفصلة مشروحة فاستوعب وأجاد. (عبده) قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية. قال في "المُطْلع" (١): ولهذا وصف الله تعالى نبيه ﷺ بالعبودية في أشرف مقاماته حين دعا الخلق إلى توحيده وعبادته، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (٢) وحين أنزل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (٣)، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (٤)، وحين أسرى به إليه، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٥) قال بعضهم: (٦) لا تدْعُني إلا بِيَا عَبْدَها … فإِنَّه أشرفُ أسْمائي وله أحد عشر جمعًا أشار إليها ابن مالك في هذين البيتين: عِبادٌ عَبيدٌ جمع عَبدٍ وأعبدٌ … أعابدُ معبودا (٧) معبدةٌ عُبُد

стр. 73

كذلك عُبدانٌ وعبِدانُ أثبتا (١) … كذلك العُبُد (٢) وامدد إن شئت أن تمد (٣) (ورسوله) إلى الخلق أجمعين، والرسول: إنسان أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه أخص من النبي. (الذي مهد) يقال: مهد الفراش بسطه ووطأه، وبابه قطع، وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها، (قواعد الشرع) جمع قاعدة، وهي أمر كلي منطبق على جزئيات موضوعة. والشرع ما شرعه الله من الأحكام (وبينها أحسن تبيين) أي: أوضحه وأكمله، لأنه المخصوص بجوامع الكلم. ﷺ الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن غيرهم التضرع والدعاء. واختار ابن القيم في "جِلاء الأفهام" (٤) أن صلاة الله عليه ثناؤه عليه وإرادة إكرامه برفع ذكره ومنزلته وتقريبه، وأن صلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن

стр. 74

يفعل ذلك به، وردَّ قول من قال: صلاته عليه رحمته ومغفرته من خمسة عشر وجهًا، وقال بوجوب الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر اسمه جماعة؛ منهم ابن بطة (١) مِنَّا، والحَليمي (٢) من الشافعية، واللخمي من المالكية، والطحاوي (٣) من الحنفية. (وعلى آله) أي: أتباعه على دينه. وقيل مؤمنو بني هاشم وبني المطلب. وقيل: أهله. والصواب جواز إضافته للضمير، خلافًا للكسائي والنحاس والزبيدي فمنعوها لتوغله في الإبهام. (وصحبه) نقل الخطيب (٤) بإسناده عن الإمام أحمد قال: أصحاب رسول الله ﷺ كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، وهذا مذهب أهل الحديث نقله عنهم البخاري وغيره. وجمع بينهما ردًّا على المبتدعة الذين يوالون الآل دون الصحب، وأهل السنة يوالونهما. وقدم الآل للأمر بالصلاة عليهم في حديث: "كيف نصَلِّي عليْكَ؟ " (٥).

стр. 75

(أجمعين) تأكيد للآل والصحب لإفادة الإحاطة والشمول. (وتابعيهم) أي: تابعي الصحب، يقال: تبعه (١) من باب ضرب وسلم إذا مشى خلفه، أو مر به (٢) فمضى معه. (بإحسان) في الاعتقاد والأقوال والأفعال. (إلى يوم الدين) أي: القيامة لأنه يوم الجزاء يوم تجد كل نفس ما عملت. (وسلم) من السلام وهو التحية، أو السلامة عن النقائص والرذائل. (تسليمًا) مصدر مؤكد. (أما بعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر استحبابًا في الخطب والمكاتبات، لأنه ﷺ كان يقولها في خطبه وشبهها. نقله عنه خمسةٌ وثلاثون صحابيًّا. ذكره في شرح التحرير. وذكر ابن قندس في "حواشي المحرر": أن الحافظ عبد القادر الرهاوي رواه في الأربعين التي له عن أربعين صحابيًّا. وقيل: إنها فصل الخطاب الذي أوتيه داود. والصحيح أنه الفصل بين الحق والباطل. واختلف في أول من نطق بها. فقيل: داود ﵇. وقيل: يعقوب ﵇. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: كعب بن لؤي. وقيل: قس بن ساعدة. وقيل: سحبان بن وائل. قال الحافظ ابن حجر (٣): والأول أشبه، ويجمع بينه وبين غيره بأنه بالنسبة إلى الأولية المحضة، والبقية غير الثاني بالنسبة إلى العرب خاصة، ثم يجمع بينها بالنسبة إلى القائل.

стр. 76

والثاني ضعيف جدًّا فلا يحتاج إلى الجمع. والمعروف بناء "بعد" على الضم، وأجاز بعضهم تنوينها مرفوعة ومنصوبة والفتح بلا تنوين على تقدير المضاف إليه؛ وهي ظرف زمان، وربما استعملت ظرف مكان. و"أما" حرف تفصيل ضمن معنى الشرط. (فهذا) إشارة إلى ما استحضره في ذهنه، وأقامه مقام الملفوظ المقروء الموجود بالعيان، سواء كانت الخطبة قبل التأليف أو بعده، بناء على أن مسمى الكتب الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني. (كتاب) أي: مكتوب جامع. (في الفقه) وهو لغة: الفهم عند الأكثر، وعرفًا: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل، أو القوة القريبة، أو الأحكام المذكورة نفسها. والفقيه: من عرف جملة غالبة كذلك بالاستدلال. وموضوعه: أفعال العباد من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها. ومسائله: ما يذكر في كل باب من أبوابه. (على مذهب) بفتح الميم مفعل من ذهب يذهب إذا مضى بمعنى الذهاب أو مكانه أو زمانه، ثم نقل إلى ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلًا به، وكذا ما أجرى مجراه. (إمام الأئمة) أي: قدوتهم (ومجلي) أي: كاشف ومذهب (دجى) جمع دجية وهي: الظلمة (المشكلات) جمع مشكلة، من أشكل الأمر إذا التبس، كشَكَلَ وشكّل. وشكَل الكتاب أي: أزال إشكاله، (المدلهمة) أي: الشديدة الالتباس، من ادلهمّ الظلام أي: كثف واسود، وليلة مدلهمة أي: مظلمة. (الزاهد) من الزهد، وهو الإعراض بالقلب عن الدنيا. وقال الإمام أحمد: "الزهد قصر الأمل والإياس عما في أيدي الناس".

стр. 77

وقسمه إلى ثلاثة أوجه ذكرتها في الحاشية (١) (الرباني) أي: المتأله العارف بالله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (٢). (والصديق) البالغ في الصدق وهو ضد الكذب (الثاني) لقب به، لنصرته للسنة وصبره على المحنة، كصبر الصديق الأول أبي بكر ﵁ قال علي بن المديني: "أيد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة". قال إسحاق بن راهويه: "لولا أحمد بن حنبل وبذله نفسه لما بذلها له لذهب الإسلام". وعن بشر بن الحارث: أنه قيل له حين ضرب أحمد بن حنبل: أبا نصر (٣)، لو أنك خرجت فقلت إني على قول أحمد بن حنبل؟ فقال بشر: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء؟ إن أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء. نقله في "المُطْلع" (٤). (أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل) بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان - بالياء المثناة - ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب - بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها موحدة - ابن أفصى - بالفاء والصاد المهملة - ابن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (الشيباني) المروزي البغدادي. هكذا ذكره الخطيب الحافظ

стр. 78

أبو بكر البغدادي (١)، وأبو بكر البيهقي (٢)، وابن عساكر (٣)، وابن طاهر (٤). قال الجوهري: وشيبان حي من بكر، وهما شيبانان أحدهما: شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، والآخر: شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة انتهى. حملت به أمه بمرو، وولد ببغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، ودخل مكة والمدينة والشام واليمن والكوفة والبصرة والجزيرة. وتوفي ببغداد، يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول، والمشهور الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، وأسلم يوم موته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس. وفضائله كثيرة. ومناقبه شهيرة. من مصنفاته "المسند" ثلاثون ألفًا، و"التفسير" مائة وخمسون ألفًا، و"الناسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و"المقدم والمؤخر في كتاب الله سبحانه"، و"جوابات القرآن"، و"المناسك الكبير والصغير". قال القاضي أبو يعلى: إنما اخترنا مذهب أحمد على مذهب غيره من الأئمة، ومنهم من هو أسن منه وأقدم هجرة مثل مالك وسفيان وأبي حنيفة: لموافقته الكتاب والسنة (٥) والقياس الجلي. فإنه كان إمامًا في القرآن، وله فيه "التفسير العظيم"؛ وكتب من علم العربية ما اطلع به على كثير من معاني كلام الله .

стр. 79

(﵁ أي: أثابه (وأرضاه) أي: أحل به رضوانه الذي لا سخط بعده (وجعل جنة الفردوس) بكسر الفاء: هي (١) أعلى درجات الجنة، وأصله البستان الذي يجمع النخل والكرم، وإضافة الجنة إليه كشجر أراك (مأواه) أي: مكان إقامته. (اجتهدت) أي: بذلت وسعي (في تحرير نقوله) أي تهذيب مسائله المنقولة عن الإمام أو (٢) الأصحاب (واختصارها) أي: النقول، وفي نسخة بخطه: واختصاره: أي: الكتاب، والاختصار: تجريد اللفظ اليسير من اللفظ الكثير مع بقاء المعنى، والإيجاز تجريد المعنى من غير رعاية اللفظ (لعدم) أي: لأجل عدم (تطويله) لقصور الهمم وكثرة الموانع. (مجردًا) هذا الكتاب (غالبًا عن دليله) وهو لغة: المرشد حقيقة، وما به الإرشاد مجازًا. وعرفًا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري (و) مجردًا غالبًا عن (تعليله) أي: ذكر علة الحكم، والعلة لغة: عَرَض يوجب خروج البدن الحيواني عن الاعتدال الطبيعي. وشرعًا: ما أوجب حكمًا شرعيًّا لا محالة، أو حكمة الحكم، أو مقتضيه، وهي أخص من الدليل، إذ كل تعليل دليل ولا عكس، لجواز أن يكون نصًّا أو إجماعًا. (على قول واحد) من غير تعرض للخلاف طلبًا للاختصار، وكذلك صنعت في شرحه. والقول يعم ما كان رواية عن الإمام، أو وجهًا للأصحاب (وهو) أي: القول الواحد الذي يذكره ويحذف غيره هو (ما رجحه أهل الترجيح) من أئمة المذهب (منهم العلامة) الجامع بين علمي المعقول والمنقول (القاضي) الإمام الفقيه الأصولي المحدث النحوي الفرضي المقرئ

стр. 80

(علاء الدين) علي بن سليمان السعدي المرداوي، ثم الصالحي، المجتهد في التصحيح، أي: تصحيح المذهب (في كتبه: الإنصاف) في معرفة الراجح من الخلاف أربع مجلدات (وتصحيح الفروع) مجلد واحد مفيد بعد الإنصاف (والتنقيح) مجلد بديع لم يسبق إلى نظيره. وله أيضًا "تحرير المنقول في علم الأصول"، وشرحه في مجلدين، و"مولد"، وكتاب في الأدعية، وشرع في شرح الطوفي. وتوفي ليلة الجمعة سادس جمادى الأولى سنة خمس وثمانين وثمانمائة. وأما صاحب الفروع فهو الإمام الأوحد شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي تلميذ أبي العباس ابن تيمية، قال في حقه ابن القيم مع معاصرته له: "ما تحت أديم السماء أعلم بالفقه من شمس الدين بن مفلح، وناهيك بكتابه هذا الجامع". توفي ليلة الخميس ثاني رجب سنة ثلاث وستين وسبعمائة. (وربما ذكرت بعض الخلاف) في بعض المسائل (لقوته) تكثيرًا للفائدة ولتعلم رتبته. (و) ربما (عزوت) أي: نسبت (حكمًا إلى قائله) من العلماء (خروجًا من تبعته) قال في "القاموس" (١): كفرحة وكتابة: الشيء الذي فيه بغية، شبه ظلامة ونحوها انتهى. وقال بعضهم: التبعة ما اتبع به (٢). وقد يكون عزو القول لقائله ارتضاء له وموافقة، كما هو شأن أئمة المذهب، وصرّح به ابن قندس في حاشية "الفروع". (وربما أطلقت الخلاف) في بعض المسائل (لعدم) وقوفي على (مصحح) له من الأئمة المتقدمين.

стр. 81

(ومرادي بالشيخ) حيث أطلقته (شيخ الإسلام) بلا ريب (بحر العلوم) النقلية والعقلية (أبو العباس أحمد) تقي الدين بن عبد الحليم ابن شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي (بن تيمية) الحراني، ولد يوم الاثنين عاشر - وقيل: ثاني عشر - ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وتوفي ليلة الاثنين عشر (١) ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. كان إمامًا مفردًا أثنى عليه الأعلام من معاصريه فمن بعدهم، وامتحن بمحن، وخاض فيه أقوام حسدًا، ونسبوه للبدع والتجسيم، وهو من ذلك بريء، وكان يرجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين، فكان من أمره ما كان، وأيده الله عليهم بنصره، وقد ألف بعض العلماء في مناقبه وفضائله قديمًا وحديثًا ﵀ ونفعنا به. "تتمة" إذا أطلق المتأخرون كصاحب "الفروع" و"الفائق" و"الاختيارات" وغيرهم: الشيخ، أرادوا به الشيخ العلامة موفق الدين أبا محمد عبد الله بن قدامة المقدسيّ. وإذا قيل: الشيخان، فالموفق والمجد. وإذا قيل: الشارح، فهو الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي، وهو ابن أخي الموفق وتلميذه. وإذا أُطلق: القاضي، فالمراد به القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد الفراء. وإذا قيل: وعنه، أي: عن الإمام أحمد ﵀، وقولهم نصًّا: معناه نسبته إلى الإمام أحمد ﵀.

стр. 82

(وعلى الله) لا على غيره (أعتمد) أي: أتكل (ومنه) دون ما سواه (المعونة) أي: الإعانة (أستمد) أي: أطلب المدد (هو ربي) دون غيره، ورب كل شيء: مالكه. والرب من أسمائه تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة. وقد قالوه في الجاهلية للملك. (لا إله إلا هو) قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١) (عليه توكلت) أي: فوضت أمري إلى الله دون ما سواه (وإليه متاب) أي: توبتي، وتاب الله عليه: وفقه للتوبة. * * *

стр. 83

مقدمة لم يؤلف الإمام أحمد في الفقه كتابًا وإنما أخذ أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك، وإذا نقل عن الإمام في مسألة قولان فإن أمكن الجمع - وفي الأصح - ولو بحمل عام على خاص ومطلق على مقيد فهما مذهبه، وإن تعذر الجمع وعلم التاريخ فمذهبه الثاني لا غير، صححه في تصحيح "الفروع" وغيره، وإن جهل التاريخ فمذهبه أقربهما من الأدلة أو قواعد مذهبه، ويخص عام كلامه بخاصه في مسئلة واحدة في الأصح، والمقيس على كلامه مذهبه في الأشهر. وقوله: لا ينبغي، أو لا يصلح، أو أستقبحه، أو هو قبيح، أو لا أراه، للتحريم، لكن حمل بعضهم "لا ينبغي" في مواضع من كلامه على الكراهة. وقوله: أكره، أو لا يعجبني، أو لا أحبه، أو لا أستحسنه: للندب. قدمه في الرعاية الكبرى والشيخ تقي الدين. وقوله للسائل: يفعل كذا احتياطًا، للوجوب. قدمه في "الرعاية" و"الحاوي الكبير". وقال في "الرعايتين"، و"الحاوي الكبير" و"آداب المفتي": الأولى: النظر إلى القرائن في الكل، فإن دلت على وجوب، أو ندب، أو تحريم، أو كراهة، أو إباحة، حمل قوله عليه، سواء تقدمت أو تأخرت أو توسطت. قال في "تصحيح الفروع": "وهو الصواب، وكلام أحمد يدل على ذلك" انتهى.

стр. 84

وأُحب كذا، أو يعجبني، أو أعجب إليَّ، للندب. وقوله: أخشى، أو أخاف أن يكون، أو أن لا يجوز، أو لا يجوز، وأجبن عنه، مذهبه كقوة كلام لم يعارضه أقوى. وقول أحد صحبه في تفسير مذهبه، وإخباره عن رأيه، ومفهوم كلامه، وفعله، مذهبه في الأصح، كإجابته في شيء بدليل. والأشهر، أو قول صحابي، واختار ابن حامد: أو قول فقيه. قال في "تصحيح الفروع": وهو أقرب إلى الصواب، ويعضده منع الإمام أحمد من اتباع آراء الرجال. وما انفرد به واحد وقوى دليله، أو صحح الإمام خبرًا، أو حسنه، أو دوَّنه ولم يرده، فهو مذهبه، قدمه في الرعايتين وغيرهما. وإن ذكر قولين وحسن أحدهما أو علله، فهو مذهبه، بخلاف ما لو فرع على أحدهما. قال في "تصحيح الفروع": والمذهب لا يكون بالاحتمال، وإلا فمذهبه أقربهما من الدليل. وإذا أفتى بحكم فاعترض عليه فسكت ونحوه لم يكن رجوعًا، قدمه في تهذيب الأجوبة، وتابعه الشيخ تقي الدين. قال في "تصحيح الفروع": وهو أولى. وما علله بعلة توجد في مسائل فمذهبه فيها كالمعللة، ويلحق ما توقف فيه بما يشبهه. وإن اشتبهت مسألتان أو أكثر مختلفة بالخفة والثقل، فقال في "الرعاية الكبرى"، وتبعه في "الحاوي الكبير": الأولى العمل بكل منهما، لمن هو أصلح له. والأظهر عنه هنا التخيير. "فائدة" اعلم - رحمك الله - أن الترجيح إذا اختلف بين الأصحاب إنما يكون ذلك لقوة الدليل من الجانبين. وكل واحد ممن قال بتلك المقالة إمام يقتدى به، فيجوز تقليده والعمل بقوله، ويكون ذلك في الغالب مذهبًا لإمامه. لأن الخلاف إن كان للإمام أحمل فواضح، وإن كان بين الأصحاب فهو مقيس على قواعده وأصوله ونصوصه، قاله في "الإنصاف".

стр. 85

كتاب الطهارة

стр. 86

كتاب الطهارة بدأ بذلك اقتداءً بالأئمة كالشافعي، لأن آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة، والطهارة شرطها، والشرط مقدم على المشروط، وهي تكون بالماء والتراب، والماء هو الأصل. وبدأ بربع العبادات اهتمامًا بالأمور الدينية وتقديمًا لها على الأمور الدنيوية، وقدموا المعاملات على النكاح وما يتعلق به لأن سبب المعاملات - وهو الأكل والشرب ونحوهما - ضروري يستوي فيه الكبير والصغير، وشهوته مقدمة على شهوة النكاح. وقدموا النكاح على الجنايات والمخاصمات لأن وقوع ذلك في الغالب بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج. والكتاب: مصدر بمعنى المكتوب كالخلق بمعنى المخلوق، يقال: كتب كتبًا وكتابًا وكتابةً، ومعناها: الجمع، يقال: كتب البغلة إذا جمعت بين شفريها بحلقة أو سير، قال سالم بن دارة: لا تأمنن فزاريًا خلوت به … على قلوصك واكتبها بأسيار (١)

стр. 87

أي: واجمع بين شفريها. ومنه الكتيبة، وهي الجيش. والكتابة بالقلم لاجتماع الكلمات والحروف. وأما الكثيبة بالمثلثة: فالرمل المجتمع. واعترض القول بأن الكتاب مشتق من الكتب بأن المصدر لا يشتق من مثله. وجوابه: أن المصدر في نحو ذلك أطلق وأريد به اسم المفعول كما تقدم، فكأنه قيل: المكتوب للطهارة أو المكتوب للصلاة ونحوها. أو أن المراد به الاشتقاق الأكبر، وهو اشتقاق الشيء مما يناسبه مطلقًا، كالبيع مشتق من الباع أي: مأخوذ منه. أو أن المصدر المزيد مشتق من المصدر المجرد كما نص عليه بعضهم. وكتاب الطهارة: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا كتاب الطهارة، أو مبتدأ خبره محذوف (١). أو مفعول لفعل محذوف، وكذا تقدر في نظائره الآتية. (وهي) أي: الطهارة لغة النظافة والنزاهة عن الأقذار حسية كانت أو معنوية (٢)، ومنه ما في الصحيح عن ابن عباس أن النبي ﷺ "كان إذا دخل على مريض قال: لا بأسَ طَهُورٌ إن شاء الله" (٣)، أي: مطهر من الذنوب، والطهارة مصدر طهر يطهر بضم الهاء فيهما، وهو فعل لازم لا يتعدى إلا بالتضعيف. فيقال: طهرت الثوب، ومصدر طهر بفتح الهاء الطهر، كحكم حكمًا. وشرعا (ارتفاع الحدث) أكبر كان أو أصغر، أي: زوال الوصف المانع من الصلاة ونحوها باستعمال الماء في جميع البدن، أو في الأعضاء الأربعة على

стр. 88

وجه مخصوص. وعبر بالارتفاع ليطابق بين المفسِّر والمفسَّر، ولم يعبر بالرفع - كما عبر به جمع - لأنه تعريف للتطهير لا الطهارة، لكن سهله كون الطهارة أثره وناشئة عنه، وسمي الوضوء والغسل طهارة لكونه ينقي الذنوب والآثام كما في الأخبار. (وما في معناه) أي: معنى ارتفاع الحديث كالحاصل بغسل الميت لأنه تعبدي لا عن حدث، والحاصل بغسل يدي القائم من نوم الليل، والوضوء والغسل المستحبين، والغسلة الثانية والثالثة ونحو ذلك. (وزوال النجس) سواء كانت إزالته بفعل فاعل كغسل المتنجس، أو بنفسه كزوال تغير الماء الكثير، وانقلاب الخمرة خلًّا. (أو ارتفاع حكم ذلك) أي: الحدث وما في معناه، والنجس، إما بالتراب كالتيمم عن حدث، أو نجس ببدن، أو عن غسل ميت، أو عن وضوء، أو غسل مسنون، وإما بالأحجار ونحوها في الخارج من سبيل على ما يأتي تفصيله. و"أو" في كلامه للتنويع. وهذا الحد أجود ما قيل في الطهارة. وقد عرفت بحدود كثيرة وكلها منتقدة، وما حذفه من عبارة التنقيح والمنتهى ليس من الحد بل من المحدود، كما نبه عليه في حاشيته على التنقيح، وقوله: "أو ارتفاع حكم ذلك" أولى من قولهما: أو ارتفاع حكمهما، لما قدمته في تفسيره. وحيث أطلق لفظ الطهارة في كلام الشارع؛ إنما ينصرف إلى الموضوع الشرعي، حيث لا صارف، وكذا كل ماله موضوع شرعي ولغوي كالصلاة. فكتاب الطهارة هو الجامع لأحكام الطهارة من بيان ما يتطهر به، وما يتطهر له، وما يجب أن يتطهر منه إلى غير ذلك. (أقسام الماء ثلاثة) لأنه لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا. فإن جاز

стр. 89

فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس. أو تقول: إما أن يكون مأذونًا في استعماله أو لا، الثاني: النجس. والأول: إما أن يكون مطهرًا لغيره أو لا. الأول: الطهور، والثاني: الطاهر. وزاد ابن رزين: المشكوك فيه. وطريقة الشيخ تقي الدين (١): أنه ينقسم إلى طاهر ونجس. وقال: إثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة. القسم الأول: ماء (طهور) قدمه لمزيته بالصفتين وهو الطاهر في ذاته المطهر لغيره، فلهذا قال: (بمعنى المطهر) مثل: الغسول الذي يغسل به فهو من الأسماء المتعدية، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢) وقال ﷺ : "وجعلتْ لي الأرضُ مسْجِدًا وطَهُورًا" (٣). ولو أراد به الطاهر لم يكن له مزية على غيره لأنه طاهر في حق كل أحد. وروى مالك والخمسة وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة: "أن رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ عن الوضوءِ بماءِ البحرِ، فقال: هو الطّهورُ ماؤُه" (٤) ولو لم يكن متعديًا بمعنى

стр. 90

المطهر لم يكن ذلك جوابًا للقوم حين سألوه عن الوضوء به، إذ ليس كل طاهر مطهرًا. وأما قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (١). فقال ابن عباس: أي: مطهرًا من الغل والغش. قال في "الشرح": والنزاع في هذه المسألة لفظي. وقد ذكرت بقية كلامه في الحاشية. قال في "الاختيارات" (٢): وفصل الخطاب في المسألة أن صيغة التعدي واللزوم أمر مجمل يراد به [اللزوم الظاهر والتعدي] (٣) النحوي، ولم تفرق فيه العرب بين فاعل وفعول (٤). والفقهي: الحكمي. وقد فرق الشرع فيه بين طاهر وطهور. هذا ملخص كلامه. وقال القاضي: فائدة الخلاف أن النجاسة لا تزال بشيء من المائعات غير الماء عندنا، ويجوز عندهم أي: الحنفية (٥). قال الشيخ تقي الدين (٦): ولا تدفع النجاسة عن نفسها والماء يدفعها

стр. 91

لكونه مطهرًا. قال (١): وليس "طهور" معدولًا عن "طاهر" حتى يلزم موافقته له في التعدي واللزوم، بل هو من أسماء الآلات كالسحور والوجور. اهـ. وظاهر هذا أن الخلاف معنوي لا لفظي. والطُهور بضم الطاء المصدر قاله اليزيدي (٢). وحكي الضم فيهما والفتح فيهما (٣). (لا يرفع الحدث) (٤) وما في معناه غيره (ولا يزيل النجس الطارئ غيره) أي: غير الماء الطهور. وأما التيمم فمبيح لا رافع كما يأتي في بابه، وكذلك الحجر ونحوه في الاستجمار مزيل للحكم فقط. (وهو) أي: الماء الطهور (الباقي على خلقته) أي: صفته التي خلق عليها من حرارة، أو برودة، أو عذوبة، أو ملوحة، أو غيرها. (حقيقة) بأن لم

стр. 92

يطرأ عليه شيء، (أو حكمًا) كالمتغير بمكث، أو طحلب، والمتصاعد من بخارات الحمام ثم يقطر. والماء الطهور ما نزل من السماء كالمطر، وذوب الثلج، والبرد لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١) وقوله ﵇: "اللهم طهِّرني بالثلجِ والبردِ" رواه مسلم (٢). وماء الأنهار والعيون والآبار. (ومنه) أي: من الطهور (٣) (ماء البحر) (٤) لحديث أبي هريرة السابق (٥). (و) من الطهور (ما استهلك فيه مائع طاهر) بحيث لم يغير كثيرًا من لونه أو طعمه أو ريحه، كما يعلم مما يأتي في أقسام الطاهر. (أو) استهلك فيه (ماء مستعمل يسير) ولم يغيره، فهو باق على طهوريته، لأن ذلك لا يسلبه اسم الماء المطلق. أشبه الباقي على خلقته (فتصح الطهارة به. ولو كان الماء الطهور لا يكفي لها) أي: للطهارة (قبل الخلط) لأن المائع استهلك في الماء فسقط حكمه، أشبه ما لو كان يكفيه فزاده مائعًا وتوضأ منه وبقي قدر المائع. وعنه لا تصح الطهارة به، اختاره القاضي في "الجامع". وحمله ابن

стр. 93

عقيل على أن المائع لم يستهلك. وفرض الخلاف في "الرعايتين" و"الفروع" في زوال طهورية الماء وعدمه، ورده ابن قندس في "حواشي الفروع" برد حسن. (ومنه) أي: الطهور غير المكروه ماء (مشمس) مطلقًا. وما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال لعائشة، وقد سخنت ماء في الشمس: "لا تفعلي فإنه يورثُ البرصَ" (١)، قال النووي (٢): هو حديث ضعيف باتفاق المحدثين، ومنهم من يجعله موضوعًا. وكذا حديث أنس أنه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: "لا تغتسلوا بالماء الذي سُخن بالشمس فإنه يُعدِي من البرصِ" (٣) قال ابن المنجا: غير صحيح، ويعضد ذلك إجماع أهل الطب على أن ذلك لا أثر له في البرص، وأنه لو أثر لما اختلف بالقصد وعدمه، ولما اختص تسخينه في الأواني المنطبعة دون غيرها. (و) منه (متروِّح بريح ميتة إلى جانبه) قال في "الشرح" و"المبدع": بغير خلاف نعلمه لأنه تغير مجاورة. (و) منه (مسخن بطاهر) كالحطب نصًّا لعموم الرخصة. وعن عمر:

стр. 94

أنه كان يسخن له ماء في قمقم فيغتسل به. رواه الدارقطني (١) بإسناد صحيح، وعن ابن عمر أنه كان يغتسل بالحميم. رواه ابن أبي شيبة (٢)، ولأن الصحابة دخلوا الحمام ورخصوا فيه. قاله في "المبدع"، قال: ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة، أو قصد التنعيم به. (و) منه (متغير بمكثه) أي: الماء الآجن الذي تغير بطول إقامته في مقره باق على إطلاقه، لأنه ﵇ توضأ بماء آجن (٣)، ولأنه تغير عن غير مخالطة؛ أشبه المتغير بالمجاورة، وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ قوله من أهل العلم سوى ابن سيرين فإنه كره ذلك (٤)، وجزم به في "الرعاية". (أو) أي: ومن الطهور متغير (بطاهر يشق صون الماء عنه كنابت فيه) أي: في الماء، (و) كـ (ورق شجر) يسقط في الماء بنفسه، (و) كـ (طحلب، و) كـ (سمك ونحوه من دواب البحر، وجراد ونحوه مما لا نفس له سائلة) كالخنفساء، والعقرب، والصراصر - إن لم تكن من كنف ونحوها - لأن ذلك يشق الاحتراز عنه؛ أشبه المتغير بتبن أو عيدان. (و) من المتغير بما يشق صون الماء عنه المتغير في (آنية أدم) أو جلد (و) آنية (نحاس ونحوه) كحديد (و) متغير بـ (مقر، وممر) من كبريت ونحوه (فكله غير مكروه) لمشقة التحرز من ذلك (كماء الحمام) لما تقدم من أن الصحابة

стр. 95

دخلوا الحمام ورخصوا فيه. وظاهره ولو كان وقودها نجسًا. قال في "المبدع": لأن الرخصة في دخول الحمام تشمل الموقودة (١) بالطاهر والنجس. (وإن غيّره) أي: الماء طاهر (غير ممازج كدهن، وقطران، وزفت، وشمع) فطهور؛ لأن تغيره عن مجاورة مكروه للاختلاف في سلبه الطهورية، لكن القطران قسمه بعض العلماء إلى قسمين ما لا يمازج، - والكلام فيه لأنه في معنى الدهن -، وما يمازج الماء فيسلبه الطهورية، كسائر الطاهرات الممازجة. ولم أره لأصحابنا لكن كلامهم يدل عليه. (وقطع كافور، وعود قماري) بفتح القاف منسوب إلى قَمَار موضع ببلاد الهند، (و) قطع (عنبر إذا لم يستهلك في الماء ولم يتحلل فيه) فطهور مكروه لما تقدم. ومفهوم كلامه: أنه إذا استهلك في الماء أو انماع فيه وذاب وغير كثيرًا من صفة من صفاته أنه يسلبه الطهورية لممازجته له. وقال في "المبدع": "مفهوم كلامه في "المغني" و"الشرح": إن تحلل من ذلك شيء فطاهر وإلا فطهور، فلو خالط الماء بأن دق أو انماع فأقوال". اهـ. وقد أوضحت ذلك في الحاشية. (أو) غيّره (ملح مائي) فطهور، وهو الماء الذي يرسل على السباخ فيصير ملحًا؛ لأن المتغير به منعقد من الماء، أشبه ذوب الثلج، واقتضى ذلك أن الملح المائي لو انعقد من طاهر غير مطهر فحكمه كباقي الطاهرات، وأن الملح المعدني كذلك كما صرح به في الثانية في "المغني" وغيره، لأنه خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء؛ أشبه الزعفران. (أو سخن بمغصوب) فطهور؛ لأنه ماء مطلق لم يطرأ عليه ما يسلبه الطهورية، مكروه لاستعمال المغصوب فيه.

стр. 96

(أو اشتد حره) فطهور، لعموم الأدلة، مكروه لأنه يمنع كمال الطهارة. وعليه يحمل النهي عن الوضوء بالماء الحميم إن ثبت، لكونه مؤذيًا أو يمنع الإسباغ. (أو) اشتد (برده فطهور مكروه) لما تقدم. (وكذا مسخن بنجاسة) وإن برد كما في "الرعاية" فيكره مطلقًا. لحديث "دع ما يَرِيبُكَ" (١)، ولأنه لا يسلم غالبًا من دخانها صعوده بأجزاء لطيفة منها (٢). وإن تحقق وصول النجاسة إليه وكان يسيرًا نجس كما في "المغني" وغيره (إن لم يحتج إليه) أي: إلى المسخن بالنجس. فإن احتيج إليه تعين وزالت الكراهة لأن الواجب لا يكون مكروهًا. قلت: وكذا حكم كل مكروه احتيج إليه كما يدل عليه كلامه في "الاختيارات" (٣).

стр. 97

(ويكره إيقاد النجس) في تسخين الماء وغيره؛ لأنه لا يؤمن تعديه إلى المسخن فينجسه. (و) كذا (ماء بئر في مقبرة) فيكره استعماله مطلقًا في أكل وغيره، وكره الإمام أحمد بَقل المقبرة وشوكها. (و) كذا (ماء بئر في موضع غصب، أو) ماء بئر (حفرها) غصب، (أو أجرته) أي: الحفر (غصب) فيكره الماء؛ لأنه أثر غصب محرم. (و) كذا (ما ظن تنجيسه) فيكره، بخلاف ما شك في نجاسته فلا يكره، كما صرح به في "الشرح". (و) كذا يكره (استعمال ماء زمزم في إزالة النجس فقط) تشريفًا له، ولا يكره استعماله في طهارة الحدث، لقول علي: "ثم أفاضَ رسول الله ﷺ فدعا بسجلٍ من ماءِ زمزم فشربَ منهُ وتوضَّأ" رواه عبد الله بن أحمد (١) بإسناد صحيح. وما رُوي عن زِرّ بن حبيش قال: "رأيت العباسَ قائمًا عند زمزم يقول: ألا لا أُحِلُّه لمغتسلٍ، ولكنه لكل شاربٍ حلٌّ وبل (٢) " (٣)، وروى أبو عبيد في "الغريب" (٤): أن عبد المطلب بن هاشم قال ذلك حين احتفره، محمول على

стр. 98

من يضيق على الشراب، وكونه من منبع شريف لا يمنع منه، كعين سلوان (١)، إلا أن يقال له خصوصية انفرد بها، وهي كونه يقتات به، كما أشار إليه أبو ذر في بدء إسلامه (٢). (ولا يكره ما جرى على الكعبة في ظاهر كلامهم) وصرح به بعضهم، قاله في "الفروع"، وفي "المبدع"، وصرح به غير واحد. (فهذا كله يرفع الأحداث) لما تقدم، وهي (جمع حدث، وهو ما) أي: وصف يقوم بالبدن (أوجب وضوءًا) أي: اعتبره الشرع سببًا لوجوب الوضوء، ويسمى أصغر، (أو) أوجب (غسلًا) ويسمى أكبر، و"أو" لمنع الخلو لا الجمع؛ لأن ما أوجب الغسل أوجب الوضوء غير الموت، ويطلق الحدث على نفس الخارج. قال في "الرعاية": والحدث والأحداث ما اقتضى وضوءًا أو غسلًا أو هما، أو استنجاء أو استجمارًا، أو مسحًا أو تيممًا قصدًا، كوطء، وبول، ونجو، ونحوها، غالبًا أو اتفاقًا، كحيض، ونفاس، واستحاضة، ونحوها، واحتلام نائم، ومجنون، ومغمى عليه وخروج ريح منهم غالبًا. (إلا حدث رجل وخنثى) بالغ فلا يرتفع (بماء) قليل (خلت به امرأة) مكلفة لطهارة كاملة عن حدث (ويأتي) في القسم الثاني مفصلًا. (والحدث ليس نجاسة، بل معنى يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة)؛ لأن الطهارة شرط لها مع القدرة

стр. 99

(و) يمنع معه (الطواف) بالبيت لأنه صلاة، ويمنع معه أيضًا مس المصحف، ويمنع أيضًا قراءة آية فأكثر إن كان أكبر. (والمحدث ليس نجسًا) من حيث كونه محدثًا؛ لأن الحدث ليس نجاسة (فلا تفسد الصلاة بحمله)؛ لأنه لم يحمل نجسًا. (وهو) أي: المحدث (من لزمه للصلاة ونحوها) كالطواف ومس المصحف (وضوء أو غسل) مع القدرة، (أو) لزمه لذلك (تيمم لعذر) من عدم الماء أو عجزه عن استعماله ونحوه مما يأتي في بابه مفصلًا. (والطاهر) شرعًا (ضد النجس والمحدث) إذ الطهارة ارتفاع الحدث وزوال النجس كما تقدم، فالطاهر الخالي منهما. (ويزيل الأنجاس الطارئة) معطوف على: يرفع الأحداث لقوله ﷺ : "صبوا على بول الأعرابي ذَنُوبًا من ماء" (١). والأنجاس (جمع نجس، وهو) لغة: ما يستقذره ذو الطبع السليم، وعرفًا: (كل عين حرم تناولها) لذاتها (مع إمكانه) أي: إمكان التناول، خرج به ما لا يمكن تناوله كالصوان (٢) لأن المنع من الممتنع مستحيل (لا لحرمتها)

стр. 100

مخرج لصيد الحرم والإحرام، (ولا لاستقذارها) كالبزاق والمخاط فالمنع (١) لاستقذاره لا لنجاسته (ولا لضرر بها في بدن) احتراز عن السميات من النبات، (أو) ضرر بها في (عقل) خرج به نحو البنج (قاله في المطلع (٢). وهي) أي: النجاسة المعرفة في كلامه (النجاسة العينية ولا تطهر بحال) لا بغسل ولا باستحالة. قلت: فلا يرد نحو الخمرة، والماء المتنجس، لأنه عين حرم تناولها لكن لِمَا طرأ كما يأتي (٣). (وإذا طرأت النجاسة على محل طاهر فنجسته) لبللهما أو بلل أحدهما (ولو بانقلاب) الطاهر (بنفسه كعصير تخمر)، ومني صار نطفة (فمتنجس، ونجاسته حكمية يمكن تطهيرها) كانقلاب الخمرة بنفسها خلًّا، وصيرورة النطفة حيوانًا طاهرًا، (ويأتي) ذلك في باب إزالة النجاسة. (ولا يباح ماء آبار) ديار (ثمود غير بئر الناقة) لقول ابن عمر: "إن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود فاسْتَقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ : أن يُهرِيقوا ما استقوا من آبارها، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يَسْتَقُوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة" متفق عليه (٤) (قال الشيخ: وهي البئر الكبيرة التي يردها الحجاج في هذه الأزمنة. انتهى). قال في "الهدي" (٥) في غزوة تبوك: بئر الناقة استمر علم الناس بها قرنًا

стр. 101

بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا ترد الركوب بئرًا غيرها، وهي مطوية، محكمة البناء، واسعة الأرجاء، آثار العفو عليها بادية لا تشتبه بغيرها. (فظاهره) أي: ظاهر القول بتحريم ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود (لا تصح الطهارة) أي: الوضوء والغسل (به) لتحريم استعماله (كماء مغصوب، أو) ماء (ثمنه المعين) في البيع (حرام) فلا يصح الوضوء بذلك ولا الغسل به، لحديث "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (١) قال في "المبدع": "لا تصح الطهارة بماء مغصوب، كالصلاة في ثوب مغصوب انتهى". قلت: فيؤخذ منه تقييده بما إذا كان عالمًا ذاكرًا كما يأتي في الصلاة، وإلا صحت لأنه غير آثم إذن. (فيتيمم معه) أي: مع ماء غير بئر الناقة من ديار ثمود، ومع المغصوب، وما ثمنه المعين حرام (لعدم غيره) من المباح، ولا يستعمله لأنه ممنوع منه شرعًا، فهو كالمعدوم حسًّا. (ويكره ماء بئر ذروان) وهي التي ألقي فيها سحر النَّبيِّ ﷺ بالمدينة (٢)، وهي الآن مطمومة تلقى فيها القمامة والعذرات، ذكره في الحاشية. (و) يكره ماء (بئر برهوت) -بفتح الباء والراء ويقال: برهوت بضم الباء

стр. 102

وسكون الراء- رُوي عن علي: "شر بئر على الأرض برهوت" وهي بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها. أخرجه أبو عبيد عن علي (١) وأخرجه الطبراني في "المعجم" (٢) عن ابن عباس مرفوعًا. ذكره ابن الأثير في "النهاية" (٣). وهي البئر التي تجتمع (٤) فيها أرواح الفجار، ذكره ابن عساكر (٥) (٦).

стр. 103

فصل هو عبارة عن الحجز بين شيئين، ومنه فصل الربيع، لأنه يحجز بين الشتاء والصيف، وهو في كتب العلم كذلك؛ لأنه حاجز بين أجناس المسائل وأنواعها. القسم (الثاني) من أقسام الماء (طاهر) غير مطهر، وهو أنواع: منها المستخرج بالعلاج (كماء ورد ونحوه) كماء الزهر والخلاف (١)، والبطيخ؛ لأنه ليس بماء مطلق. (وطهور خالطه طاهر فغيّره) أي: غير اسمه حتى صار صبغًا أو خلا. ذكره في "الشرح"، فيصير طاهرًا غير مطهر إلا النبيذ إذا اشتد أو أتى عليه ثلاثة أيام فيصير نجسًا، ويأتي في باب حد المسكر (في غير محل التطهير، و) إن كان التغير (في محله) أي: التطهير فهو (طهور) كما لو تغير الماء بزعفران في محل الوضوء أو الغسل، فهو طهور مادام في محل التطهير لمشقة التحرز. (أو غلب) الطاهر (على أجزائه) أي: الطهور، بأن تكون أجزاء المخالط أكثر من أجزاء الماء -حتى يقال-: إذا كان المخالط خلا: هذا خل فيه ماء. فيكون الخل أغلب. ولو كان الماء أكثر لقيل: ماء فيه خل. (أو طبخ) الطاهر (فيه) أي: في الطهور (فغيره) كماء الباقلاء،

стр. 104

والحمص، فطاهر. فإن لم يغيره كما لو صلق (١) فيه بيض فطهور. ولا فرق فيما تقدم بين الطهور الكثير والقليل. (أو وضع فيه) أي: الطهور (ما يشق صونه عنه قصدًا) بأن وضع آدمي عاقل طحلبًا، أو ورق شجر، ونحوه بماء فتغير به عن ممازجه. (أو) خلط فيه (ملح معدني فغيره) فطاهر؛ (لأنه ليس بماء مطلق)، وإنما يقال: ماء كذا، بالإضافة اللازمة، بخلاف ماء البحر والحمام ونحوه، فإن الإضافة فيه غير لازمة. (و) لذلك (لو حلف لا يشرب ماء فشربه لم يحنث. ولو وكله في شراء ماء فاشتراه لم يلزم الموكل)؛ لأن اسم الماء المطلق لا يتناوله، ويلزم الوكيل الشراء إن علم الحال، وإلا فله الرد، كما يأتي تفصيله في الوكالة. (ويسلبه) أي: الماء (الطهورية إذا خلط يسيره) أي: الطهور، فإن كان كثيرًا لم يؤثر خلطه وصار الكل طهورًا، كالنجس وأولى (بمستعمل) في رفع حدث أكبر أو أصغر، أو إزالة نجاسة من آخر غسلة زالت بها النجاسة، ولا تغير (ونحوه) أي: نحو المستعمل في ذلك، كالذي غسل به الميت، لأنه تعبدي، لا عن حدث، والذي غمس أو غسل به يد القائم من نوم الليل (بحيث لو خالفه) أي؛ لو فرض بشيء يخالفه (في الصفة) كاللون والطعم (غيره) أي: غير اليسير الطهور، فيصير طاهرًا (ولو بلغا) أي: الطهور والطاهر (قلتين) كالطاهر من غير الماء إذا خالط (٢) الطهور (ويقدر المخالف بالوسط. قال) أبو الوفاء علي (بن عقيل) بفتح العين: (يقدر) المخالف (خلًا) قال المجد: ولقد تحكم، إذ الخل ليس بأولى من غيره. انتهى.

стр. 105

قلت: لعله أراد من حيث كونه وسطًا، فيكون الحكم للوسط لا له بخصوصه. وقال في "الشرح": وما ذكرنا من الخبر أي: أنه ﷺ "اغتسلَ هو وعائشةُ من إناءٍ واحدٍ، تختلف أيديهما فيه، كلُّ واحدٍ يقول لصاحبه: أبقِ لي" (١) فظاهر حال النبيِّ ﷺ وأصحابه يمنع من اعتباره بالخل، لسرعة نفوذه وسرايته، فيؤثر قليله في الماء؛ والحديث دل على العفو عن اليسير مطلقًا. فينبغي أن يرجع في ذلك إلى العرف، فما عد كثيرًا منع وإلا فلا. وإن شك في كثرته لم يمنع، عملًا بالأصل. (أو كانا) أي: المخلوطان (مستعملين فبلغا) بالخلط (قلتين) فهما باقيان على الاستعمال خلافًا لابن عبدوس. (أو غير) الطاهر المخالط للطهور، وظاهر كلامه ولو مستعملًا (أحد أوصافه) بأن غير (لونه، أو طعمه، أو ريحه، أو) غير (كثيرًا من صفة) من صفاته، كلونه، أو طعمه، أو ريحه، فيسلبه الطهورية لأنه ليس بماء مطلق، ولأن الكثير بمنزلة الكل فأشبه ما لو غير كل الصفة. و (لا) يسلبه الطهورية إن غير الطاهر المخالط (يسيرًا منها) أي: من صفة من صفاته (ولو) كان التغيير اليسير من صفة (في غير الرائحة) كالطعم، أو اللون، لما روت أم هانئ: أن النبي ﷺ "اغتسلَ من قصعة فيها أثرُ العجين" رواه أحمد وغيره (٢). وعلم من كلامه أنه لو كان التغير اليسير من صفاته الثلاث

стр. 106

أثر، وكذا من صفتين، على ظاهر ما قدمه في "الفروع"، ولعل المراد إذا كان اليسير من صفتين أو ثلاث يعدل الكثير من صفة واحدة. (ولا) يسلب الطهور طهوريته إذا خلط (بتراب) طهور (ولو وضع قصدًا) لأنه طاهر مطهر كالماء، فإن كان مستعملًا فكباقي الطاهرات، كما يدل عليه تعليلهم (ما لم يصر) الماء المخلوط بتراب طهور (طينًا) فلا تصح الطهارة به لعدم إسباغه وسيلانه على الأعضاء، (فإن صفي من التراب فطهور) مطهر لزوال المانع. (ولا) يصير الماء طاهرًا بتغيره (بما ذكر في أقسام الطهور) كالمتغير بطول المكث، أو ريح ميتة بجانبه، أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب، وورق شجر، أو في مقره، أو ممره، ونحوه، أو بمجاور لا يمازجه كعود قماري، وقطع كافور، ودهن، وشمع، ونحوه. (ويسلبه) أي: الطهور الطهورية (استعماله) أي: اليسير (في رفع حدث) أكبر أو أصغر، فهو طاهر؛ لأن النبي ﷺ "صبَّ على جابر من وضوئه" رواه البخاري (١)، غير مطهر لقول النبي ﷺ : "لا يغْتسِلَن أحَدُكُم في الماء الدائم وهو جُنُبٌ" رواه مسلم (٢) من حديث أبي هريرة. ولولا أنه يفيد منعًا لم ينه عنه، ولأنه أزال به مانعًا من الصلاة، أشبه ما لو أزال به النجاسة، أو استعمل في عبادة على وجه الإتلاف، أشبه الرقبة في الكفارة.

стр. 107

وفي أخرى: مطهرٌ، اختارها ابن عقيل وأبو البقاء والشيخ تقي الدين، لحديث ابن عباس مرفوعًا: "الماءُ لا يجنب" رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي (١). وفي ثالثة: نجس. كالمستعمل في إزالة النجاسة، وعليها يعفى عما قطر على بدن المتطهر وثوبه. (و) يسلبه الطهورية استعماله في (غسل ميت إن كان) الطهور (يسيرًا) لأنه في معنى المستعمل في رفع الحدث، وفيه ما سبق. و (لا) يسلب الطهورية باستعماله فيما ذكر إن كان (كثيرًا) لأنه يدفع النجاسة عن نفسه، فهذا أولى. (وإن غسل) به (رأسه بدلًا عن مسحه) فطهور، وإن قلنا بإجزاء الغسل عن المسح، لأنه مكروه فلا يكون واجبًا. صححه ابن رجب في آخر القاعدة

стр. 108

الثالثة. وقياسه ما غسل به نحو خف بدلا عن مسحه. (أو استعمل في طهارة مستحبة، كالتجديد وغسل الجمعة) والعيدين (والغسلة الثانية والثالثة) في الوضوء والغسل إذا عمت الأولى فطهور، لأنه لم يرفع حدثًا، ولم يزل نجسًا، أشبه التبرد. (أو) استعمل (في غسل ذمية) أو كافرة غيرها (لحيض ونفاس وجنابة) وعبارة المنتهى: أو غسل كافر، وهي أعم (فطهور) لأنه لم يرفع (١) حدثًا لفقد شرطه (مكروه) للاختلاف فيه. وظاهر المنتهى. كـ"التنقيح" و"الفروع" و"المبدع" و"الإنصاف" وغيرها، عدم الكراهة، لكن ما ذكره متوجه. (وإن استعمل) الطهور (في) طهارة (غير مستحبة كالغسلة الرابعة في الوضوء والغسل والثامنة في إزالة النجاسة) بعد زوالها (و) المستعمل في (التبرد والتنظيف ونحو ذلك فطهور غير مكروه) لعدم الاختلاف فيه. (ولو اشترى ماء فبان) أنه (قد توضئ به فعيب لاستقذاره عرفًا) قلت: وكذا لو بان أنه اغتسل به، أو أزال به نجاسة، وكان من الغسلة الأخيرة مع زوالها، وعدم التغير، أو غسل ميت، وظاهره أيضًا: ولو كان الوضوء أو الغسل مستحبًا. (ويسلبه) أي: اليسير الطهورية (إذا غمس غير صغير ومجنون وكافر) وهو المسلم البالغ العاقل، ولو ناسيًا أو مكرهًا أو جاهلًا في ظاهر كلامهم (يده كلها) إلى الكوع (لا عضوًا من أعضائه غيرها) أى: غير اليد كالوجه والرجل. (واختار جمع) منهم ابن حامد، وابن رزين في شرحه، وجزم به في "الكافي" وقدمه في الإفادات، وصححه الناظم (أنَّ غمس بعضها كغمس كلها) والمذهب ما قدمه كما في "الإنصاف"، وغيره، لكن لو نوى غسل يديه

стр. 109

وغسَل بعض يده فالظاهر أن المنفصل منه طاهر، لأنه استعمل في طهارة واجبة (في ماء يسير) لا كثير (أو حصل) اليسير (فيها) أي: في يد غير صغير ومجنون وكافر (كلها من غير غمس. ولو باتت) اليد (مكتوفة أو في جراب ونحوه) خلافًا لابن عقيل (قائم من نوم ليل) لا نهار خلافًا للحسن (ناقض لوضوء) لو كان بخلاف اليسير من قائم وقاعد (قبل غسلها) أي: اليد (ثلاثًا كاملة) لحديث أبي هريرة يرفعه: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يَده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يَدرِي أين باتَت يَدُه" متفق عليه (١). ولفظه لمسلم. وفي رواية "فليغْسِلْ يدَيه" (٢) ولأبي داود والترمذي وصححه "من الليل" (٣) وهو تعبدي. فيجب، وإن شدت يداه أو جعلت في جراب ونحوه، وسواء كان ذلك الغمس أو الحصول (بعد نية غسلها أو قبلها) أي: قبل النية لعموم ما سبق (لكن إن لم يجد) من وجبت عليه الطهارة (غيره) أي: غير ما

стр. 110

غمس فيه القائم من نوم الليل يده أو حصل في كلها (استعمله) وجوبًا. لأن القائل بطهوريته أكثر من القائل بطهارته (فينوي رفع الحدث) ويستعمله (ثم يتيمم) ليقع التيمم بعد عدم الماء بيقين وجوبًا؛ لأن حدثه لم يرتفع لأنه ماء طاهر غير مطهر. قلت: فإن كانت الطهارة عن خبث استعمله ثم تيمم إن كانت بالبدن (ويجوز استعماله) أي: الماء المستعمل في غسل يدي القائم. من نوم الليل (في شرب وغيره) كالمستعمل في رفع حدث، وأولى لطهارته. قلت: ومثله فيما تقدم ما غسل به ذكره وأنثييه لخروج مذي دونه. (ولا يؤثر غمسها) أي: يد القائم من نوم الليل (في مائع غير الماء) كاللبن والعسل والزيت، لأنها غير نجسة، لكن يكره غمسها في مائع، وأكل شيء رطب بها. قاله في "المبدع". (ولو استيقظ محبوس من نومه فلم يدر أهو) أي: الاستيقاظ (من نوم ليل أم نهار؛ لم يلزمه غسل يديه) لأنا لا نوجب بالشك، ولم يتحقق الموجب (ولو كان الماء في إناء لا يقدر على الصب منه) كحوض مبني (بل) يقدر (على الاغتراف) منه (وليس عنده ما يغترف به ويداه نجستان، فإنه يأخذ الماء بفيه) إن أمكنه (ويصب على يديه نصًّا) حتى يطهرهما (أو يبل ثوبًا أو غيره فيه) أي: الماء (ويصبه على يديه) حتى يطهرهما إن أمكنه ذلك (وإن لم يمكنه) ذلك (تيمم وتركه) لأنّه غير قادر على استعماله. أشبه ما لو وجد بئرًا ولم يجد آلة يستقي بها منها. فإن لم تكونا نجستين لكن لم يغسلهما من نوم ليل، ففي "الشرح" من قال: إن غمسهما لا يؤثر، قال: يتوضأ. ومن جعله مؤثرًا قال: يتوضأ ويتيمم معه انتهى. ولعله مبنى على أن غمس البعض كالكل، وإلا فالظاهر أنه يغترف ببعض يده، ويغسلهما ثلاثًا ثم يتوضأ بلا تيمم.
следующие страницы →