Полный текст (71 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
عونك اللَّهُمَّ
قَالَ أَبُو عبد الله الْحَارِث بن أَسد بن عبد الله المحاسبي ﵀
الْحَمد لله القاهر بقدرته الظَّاهِر بعزته الْغَالِب بجبروته الَّذِي بَدَأَ خلق مَا خلق من غير سبق بل هُوَ الأول قبل الْأَبَد وَالْآخر إِلَى غير أمد المنشئ لما شَاءَ بمشيئته لما سبق ذَلِك من علمه واستتر فِي خَفِي غيبه فَكَانَ أمره جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ بمحكم من الصَّنْعَة وإتقان من الْحِكْمَة بتفصيل عقائد أحكمها بتدبيره وأجراها بِعِلْمِهِ وأبقاها بقدرته على مَا أَرَادَ من ذَلِك فِي اخْتِلَاف الْأَزْمِنَة وتقلب الدهور ليبدو المغيب الْمَعْلُوم عِنْد أَوَانه وَيَزُول الْكَائِن الموقوت لأَجله
فسبحان من ﴿بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَإِلَيْهِ ترجعون﴾
وَله الْحَمد جلّ ثَنَاؤُهُ وتقدست أسماؤه على مَا يسْتَحق من ذَلِك على خلقه وكما هُوَ أهل لذَلِك فِي كبريائه وعظمته وجلاله
جلّ الْمخبر عَن نظر خلقه لما كَانَ عَن الْعُقُول غَائِبا وَعَن الأوهام فِي غيبه محتجبا ليدل الْخلق بذلك على نَفسه وَإِلَى إِثْبَات توحيده
стр. 2
وينبههم بذلك على مَعْرفَته ليعرفوه بِالْقُدْرَةِ ويفردوه بِالْأَمر كُله وليعلموا أَنما هُوَ إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ فَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ فِي مُحكم نَاطِق من التَّنْزِيل ﴿وَلَقَد خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مسنا من لغوب﴾
وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ وتجعلون لَهُ أندادا ذَلِك رب الْعَالمين وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا وزينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وحفظا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه على المَاء ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾
فَأخْبر جلّ ثَنَاؤُهُ عَن بَدْء خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ من بَدَائِع الصَّنْعَة وعجائب التَّرْكِيب وَاخْتِلَاف الْأَلْسِنَة والألوان المتشابهة والصور المتباينة وافتراق عَظِيم مَا أنشأ جلّ ثَنَاؤُهُ من جليل خلقه ودقيقه وكبيره وصغيره من خلق السَّمَاوَات فِي عَظِيم خلقتها وارتفاع بنائها وكثيف أطباقها وثخن سمكها وسعة بسطها من غير عمد ترَاهَا الْعُيُون وَلَا تدركها الظنون
стр. 3
وَمَا فِيهَا من ساكنيها من الْمَلَائِكَة الَّذين لَا يفترون تسبيحا وتقديسا وتهليلا وتعظيما وسجودا وركوعا على مَا استعبدوا بِهِ من فنون الْعِبَادَة ودائم سرمد الْخدمَة
وَكَذَلِكَ الأرضون بِمَا فِيهَا من وحشيها وإنسيها ورواسي جبالها وعميق بحارها وبرها وطيرها وهوامها باخْتلَاف اللُّغَات المعبرة لكل صنف عَن مُرَاد مَعْقُول عِنْد جنسه مَجْهُول عِنْد ضِدّه من مُعْجم الْأَلْسِنَة ومعربها بمقادير مفوضة وأرزاق مقدرَة وأقوات مقسطة وآجال مُؤَجّلَة
أحَاط بذلك كُله جلّ ثَنَاؤُهُ علما وأحصاه عددا فَلَنْ يتَأَخَّر شَيْء مِنْهَا عَن وقته وَلم ينقص شَيْئا مِنْهَا من رزقه ثمَّ دعاهم جلّ ثَنَاؤُهُ إِلَى النّظر فِي عجائب مَا خلق فَقَالَ جلّ وَعز ﴿أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا خلق الله من شَيْء وَأَن عَسى أَن يكون قد اقْترب أَجلهم﴾
وَقَالَ جلّ وَعز ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآيَات لأولي الْأَلْبَاب﴾
حسن دلَالَة مِنْهُ سُبْحَانَهُ لَهُم على النّظر فِي آيَاته والفكر فِي عجائب صنعه وَفِي ذَلِك سَبِيل لَهُم إِلَى مَعْرفَته وَإِلَى الْعلم بِأَنَّهُ الْخَالِق الرازق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْوَاحِد سُبْحَانَهُ وَأَن من دونه لَهُ خلق وَأَن الْخلق كلهم مألهون مستعبدون
لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا
стр. 4
وَلَا يملكُونَ موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا
ثمَّ دعاهم بعد ذَلِك إِلَى النّظر فِي أنفسهم فَقَالَ جلّ وَعز ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب إِنَّه على رجعه لقادر﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه وَبَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين ثمَّ جعل نَسْله من سلالة من مَاء مهين ثمَّ سواهُ وَنفخ فِيهِ من روحه وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة قَلِيلا مَا تشكرون﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة مخلقة وَغير مخلقة لنبين لكم ونقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء إِلَى أجل مُسَمّى ثمَّ نخرجكم طفْلا ثمَّ لتبلغوا أَشدّكُم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر﴾
فَبين ﷻ بَدْء خلق الْإِنْسَان بمحكم من الْبَيَان ليعلموا بذلك كَيفَ أنشأهم وعَلى أَيَّة هَيْئَة هيأهم ليعترفوا بِالْعَجزِ ويقروا بالضعف ويفردوه جلّ ثَنَاؤُهُ بِالْأَمر حَتَّى تكون لَهُم معرفَة أنفسهم دَلِيلا على خالقهم وسببا إِلَى معرفَة صانعهم
وأعلمهم جلّ ثَنَاؤُهُ أَنه بَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين وَمن سلالة من مَاء مهين خلقا ضَعِيفا فِي أَصله ثمَّ قَلِيلا فِي عينه حَقِيرًا فِي رُؤْيَته
ثمَّ نَقله ﷻ وثناؤه بعد هَذِه المهانة إِلَى أَن صيره علقَة
стр. 5
يعاف عَن رؤيتها ويتنزه عَن لمسها
ثمَّ صيره مُضْغَة منقولة عَن بَدْء خلقهَا ثمَّ نقلهَا عَن هَيْئَة المضغة فصيرها بِحكم تَدْبيره وخفي تَقْدِيره عظما ثمَّ كَسَاه تَعَالَى لَحْمًا
ثمَّ صوره بِأَحْسَن صُورَة فشق سَمعه وبصره وَجعله بإنفاذه لما خلق مِنْهُ مُتَّصِلا مَوْصُولا ذَا لِسَان وشفتين ويدين وَرجلَيْنِ
ثمَّ نفخ فِيهِ من روحه ثمَّ جعل الْأَرْحَام لَهُ مسكنا والبطن لَهُ منزلا حَيْثُ لَا تُدْرِكهُ الْعُيُون فتصف كيفيته فِيهَا فِي ظلم الْأَرْحَام ومكنون الأحشاء وَمَا اضطمت عَلَيْهِ جوانح الْبَطن
وسَاق إِلَيْهِ فِي خَفِي مَكَانَهُ الرزق وَأدّى إِلَيْهِ على غامض مَوْضِعه الْغذَاء وَحفظه من الْآفَات وَدفع عَنهُ المكروهات حَيْثُ لَا يملك ذَلِك الْآبَاء والأمهات ليبلغ سَابق الْعلم فِيهِ وَيجْرِي قديم الحكم عَلَيْهِ
ثمَّ نَقله جلّ وَعز من هَذَا الْحَال إِلَى دَار الزَّوَال بعد أَن كتب لَهُ عمله وَضرب لَهُ أَجله وَقسم لَهُ رزقه
فسبحان من تقدم علمه بِمَا الْخلق عاملون وَإِلَى مَا هم إِلَيْهِ صائرون سُبْحَانَهُ من حَكِيم عليم لَا شريك لَهُ فِي ملكه وَلَا مقاوم لَهُ فِي عزه وَلَا مَانع لَهُ فِي أمره الْفَرد المتفرد بِالْأَمر كُله جلّ ثَنَاؤُهُ الْملك الْخَبِير الْعَالم الْقَدِير الَّذِي بفضله دلّ الْخلق على نَفسه وبكرمه دعاهم إِلَى عِبَادَته وبرأفته خوفهم من عُقُوبَته الْغَنِيّ عَن عبَادَة الْعَالمين وَعَن طَاعَة المطيعين الَّذِي عطف برأفته على الْخلق ودعاهم إِلَى عِبَادَته ليثيبهم على ذَلِك بعطيته ويكرمهم بالموافقة لجنته
سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ فقد علم جلّ ثَنَاؤُهُ أَن جَوَامِع عقول الْخلق من
стр. 6
أصل سماواته وأرضه وَمَنَافع نهايات صِفَات ألسنتهم وغايات عقائد مُحكم معرفتهم لَو جعلت فِي عبد وَاحِد من عبيده ثمَّ مثل عَطاء ذَلِك العَبْد فِي سَائِر خلقه ثمَّ أضعفوا وأضعف لَهُم الْعَطِيَّة وَقسم ذَلِك بَينهم بِالسَّوِيَّةِ ثمَّ أَدِيم ذَلِك لَهُم عَطاء وعددا كأسرع مَا أَدْرَكته الصّفة فِي دَائِم أَبَد الْأَبَد على بَقَاء الْخلد الَّذِي لَيْسَ لَهُ أمد ثمَّ أوقفوا ليبلغوا بذلك مَا يجب لَهُ لعجزوا عَن الْقيام بذلك ولرجعوا إِلَيْهِ بالصغر مقرين وبالعجز معترفين
فسبحان من هَذِه صفته على قدر إِدْرَاك مَا بلغت الْعُقُول وأومت إِلَيْهِ الْمعرفَة فَكيف بِمَا غَابَ عَن الْخلق من الْعلم بصفاته سُبْحَانَهُ
وَإِنَّمَا بلغت لَهُم عَظمته وَأدْركت أَيدي الظفر مِنْهُم بهيبته على قدر الْخلق وَمَا تحْتَمل من ذَلِك عُقُولهمْ وَتقوم لَهُ أَرْوَاحهم وتنهض بِهِ أبدانهم
وَلَو كشف سُبْحَانَهُ عَن بعض مَا ستره عَنْهُم لساخت بذلك أرضه ولتمزقت سماواته ولتلف سَائِر خلقه فسبحان الْحَكِيم الْخَبِير الَّذِي لطف بخلقه بِمَا ستر عَنْهُم من أمره ورحمهم بِمَا غيب عَنْهُم من قدرته ليتم أمره فِي خلقه وتنفذ مَشِيئَته عَلَيْهِم ويمضي قديم علمه فيهم
فَكَانَ مِمَّا دبرهم بِهِ الْحَكِيم سُبْحَانَهُ أَن جعلهم أجسادا لَا تقوم إِلَّا بالأغذية وَلَا يَدُوم بَقَاؤُهَا إِلَّا بالأطعمة فَضرب الْآجَال وَقسم الأرزاق وَختم أَمر الدُّنْيَا بالفناء
فَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿نَحن قسمنا بَينهم معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات﴾
стр. 7
وَقَالَ تَعَالَى ﴿الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها وَيعلم مستقرها ومستودعها كل فِي كتاب مُبين﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها الله يرزقها وَإِيَّاكُم﴾
وَقَالَ ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّه لحق مثل مَا أَنكُمْ تنطقون﴾
فَأخْبر جلّ ثَنَاؤُهُ بقسمة الرزق بَين خلقه وتولية ذَلِك فِي مَوَاضِع من كِتَابه جلّ وَعز كَثِيرَة ثمَّ دَعَا الْخلق سُبْحَانَهُ إِلَى التَّوَكُّل عَلَيْهِ بعد أَن أعلمكُم بكفالته لَهُم وتقسيمه بَينهم فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾
وَقَالَ ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل المتوكلون﴾
فَأوجب جلّ وَعز التَّوَكُّل وفرضه على الْخلق لِئَلَّا يتشاغلوا عَن الْعِبَادَة بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من ذَلِك فكفاهم بذلك الْمُؤْنَة وَأثبت بِهِ عَلَيْهِم الْحجَّة وَفرض عَلَيْهِم فَرَائض أحكمها وَبَين لَهُم مَا
стр. 8
استعبدهم فِيهَا من عَددهَا وأوقاتها وأحكامها من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَالْجهَاد وحدود مَا أحل وَحرم
فَفرض ذَلِك وَبَينه بمحكم من كِتَابه وَبَيَان من سنة رَسُوله ﷺ كثيرا
стр. 9
- بَاب بَيَان فرض التَّوَكُّل الَّذِي يجمع فِيهِ خَواص الْخلق وعوامهم مَعَ الحركات فِي احتباس الرزق وَتَركه
-
فَالَّذِي يجب على النَّاس فِي جُمْلَتهمْ من التَّوَكُّل المفترض عَلَيْهِم التَّصْدِيق لله فِيمَا أخبر من قسم وَضَمان الْكِفَايَة وكفالتها من سِيَاقه الأرزاق إِلَيْهِم واتصال الأقوات الَّتِي قسمهَا فِي الْأَوْقَات الَّتِي وَقتهَا بِتَصْدِيق تقوم الثِّقَة بِهِ فِي قُلُوبهم وتنتفي بِهِ الشكوك عَنْهُم والشبهات ويصفو بِهِ الْيَقِين وَتثبت بِهِ حقائق الْعلم أَنه الْخَالِق الرازق المحيي المميت الْمُعْطِي الْمَانِع المتفرد بِالْأَمر كُله
فَإِذا صَحَّ هَذَا الْعلم فِي الْقُلُوب وَكَانَ ثَابتا فِي عُقُود الْإِيمَان تنطق بِهِ الْأَلْسِنَة إِقْرَارا مِنْهَا بذلك لسَيِّدهَا وَترجع إِلَى ذَلِك بِالْعلمِ عِنْد تذكرها وَقع الِاسْم عَلَيْهَا بالتوكل
فَإِن فَارَقت الْقُلُوب اعْتِقَاد هَذِه الصِّفَات وفارقتها الْأَلْسِنَة بِالْإِقْرَارِ وَوَقع بهَا فِي شَيْء من ذَلِك شكّ وارتياب فَارَقت الِاسْم الْمَحْمُود وَقع بهَا مَا يحل عَنْهَا عقدتها وَحل بهَا مَا أوجب لَهَا الِاسْم المذموم
وَذَلِكَ أَن الَّذِي أوجب لَهَا الِاسْم الْمَحْمُود إِقْرَار الْأَلْسِنَة وَالْعلم الْقَائِم الَّذِي يزِيل الشكوك والشبهة وَإِنَّمَا كَانَ مَعهَا من ذَلِك الْإِقْرَار وَالْعلم مَا إِذا زَالَ الْيَسِير مِنْهُ عَن الْقُلُوب خرجت إِلَى ضد الشَّيْء الَّذِي كَانَت بِهِ مقرة وَله معتقدة
стр. 10
والضد من ذَلِك أَن تكون مكذبة بِمَا صدقت أَو شاكة فِيمَا أيقنت أَو مبطلة لما حققت فَإِذا وَقع بهَا شَيْء من هَذِه الأضداد الَّتِي تخرج بهَا من الْأَسْمَاء المحمودة خرجت إِلَى مَذْمُوم الْأَسْمَاء وَفَارَقت الْإِيمَان بِاللَّه والتوكل عَلَيْهِ
وَالَّذِي سلبها التَّوَكُّل على الله مَا وصفناه والاعتقاد لَهُ بالقلوب
فَمن صِفَات عوام النَّاس فِي فرض التَّوَكُّل وبدئه وَمَا استحقوا بِهِ الِاسْم من ذَلِك أَن تكون مَعَهم العجلة فِي الْقلب وَالِاضْطِرَاب عِنْد الْمَنْع والارتياب فِيهِ بِشَيْء من مصابه عِنْدهم وَالْوُقُوف مَعَ الْأَسْبَاب وَالنَّظَر إِلَيْهَا والمحبة للكثرة والادخار بالرغبة والشره والاغتمام على الْفَوْت وَالسُّرُور بالظفر
وَذَلِكَ كُله والعقود كَمَا وَصفنَا فِي الْإِيمَان قَائِمَة وَالْإِقْرَار بِهِ ثَابت وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم إِذا خَرجُوا بِالذكر فِي وَقت الطّلب من الله أذعنوا بالقلوب والألسنة أَنهم لَا يصلونَ إِلَى شَيْء من ذَلِك بالحيلة وَأَن الْحَرَكَة غير زَائِدَة لَهُم فِي أنفسهم وَلَا موصلة لَهُم إِلَى الزِّيَادَة وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه الحركات الْمَوْجُودَة مِنْهُم بحركات الطَّبْع الَّذِي عَلَيْهِ الْبَيِّنَة
وَذَلِكَ ان الله سُبْحَانَهُ وصف الْخلق فِي جُمْلَتهمْ فَقَالَ ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين والقناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْخَيْل المسومة والأنعام والحرث﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الْآخِرَة﴾
стр. 11
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان عجولا﴾
فَأخْبر سُبْحَانَهُ وَجل ثَنَاؤُهُ بِمَا فِي طبع الْإِنْسَان وَالْخَلَائِق من ذَلِك وَأَن هَذِه الصِّفَات قَائِمَة فِي البشرية فالمؤمنون فِي جُمْلَتهمْ موصوفون بالتوكل على الله تَعَالَى بِمَا اعتقدوا مِمَّا وَصفنَا وَإِن كَانَت هَذِه الحركات من الطَّبْع مَعَهم
وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَا أَن الْمُؤمنِينَ فِي جُمْلَتهمْ يسلم لَهُم عقد الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى والتوكل عَلَيْهِ كَمَا وَصفنَا من اعتقادات الْقُلُوب وَإِقْرَار الْأَلْسِنَة بِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّه لحق مثل مَا أَنكُمْ تنطقون﴾
فأقسم جلّ ثَنَاؤُهُ بِنَفسِهِ أَنه قسم الأرزاق بَين الْخلق وأمضى الضَّمَان بالكفاية لَهُم فَكَانَ على الْخلق تَصْدِيقه فِيمَا أخبر وَأقسم
فَمن صدق فِي ذَلِك كَانَ بتصديقه وإيمانه مُؤمنا متوكلا
وَمن كذب أَو شكّ كَانَ بذلك معاندا كَافِرًا بِمَا قصّ علينا جلّ ثَنَاؤُهُ فِي كِتَابه
وَإِن لم تزل حركات الطباع وَمَا فِي الخليقة من محبَّة الْكَثْرَة وتعجيل الْوَقْت والتسبب إِلَيْهِ بالأسباب فَلم يزل الله سُبْحَانَهُ عَنْهُم اسْم التَّوَكُّل إِذْ كَانَت الْعُقُود على مَا وَصفنَا ثَابِتَة فِي الْقُلُوب وَكَانَت الْمُوَافقَة لَهُم فِي حركات الطباع متبعة لِأَن مَا فِي الطباع من الْحَرَكَة لَا يخرجهم مِمَّا أَوجَبْنَا من التَّصْدِيق لَهُم لِأَن الله تَعَالَى لم يستعبدهم بإزالتها وَإِنَّمَا استعبدهم بِإِقَامَة الطَّاعَة وَأخذ الشَّيْء من حَيْثُ أَبَاحَ أَخذه
فَإِذا أَقَامُوا ذَلِك وَكَانُوا للموافقة لله فِي الحركات
стр. 12
متعبين فَلَا تَضُرهُمْ صِفَات الْخلقَة وَمَا فِي تركيب الطباع إِلَّا أَن يجاوزوا فِي ذَلِك حُدُود الله فيأخذوا الشَّيْء من حَيْثُ حظره الله عَلَيْهِم فَيَكُونُوا عصاة لله بذلك الْعلم وَلَا يخرجُوا من الِاسْم الْمَحْمُود إِلَّا بِحل الْعُقُود الَّتِي وَصفنَا أَو جَحدهَا بالألسنة
فَإِذا كَانَ الِاعْتِرَاف لله تَعَالَى ثَابتا والألسنة بِهِ مقرة فَلَمَّا جاوزوا الْحُدُود نقص اسْم التَّوَكُّل فَيكون توكلهم لذَلِك نَاقِصا وفرائضه غير تَامَّة لِأَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ أَبَاحَ لِلْخلقِ الْحَرَكَة فِي الطّلب وَلم يكلفهم إِزَالَة مَا فِي الطَّبْع
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الله جلّ وَعز قَالَ ﴿يَا أَيهَا النَّاس كلوا مِمَّا فِي الأَرْض حَلَالا طيبا﴾
وَقَالَ ﴿رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾
فأباح لَهُم الْحَرَكَة ومنعهم التَّعَدِّي لحدوده جلّ ثَنَاؤُهُ
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (أطيب مَا أكل الْمُؤمن من كَسبه)
فَكَانَ دَلِيلا على مَا وَصفنَا من إِبَاحَة الْحَرَكَة فِي طلب الرزق وَأَن المتحرك فِي طلبه لَا يخرج من فرض التَّوَكُّل فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أكَابِر أَصْحَابه ﵃
وَقد زعم قوم أَن التَّوَكُّل لَا يثبت لأَهله إِلَّا بترك الْحَرَكَة فِي طلب الرزق وَالْقعُود عَن الِاضْطِرَاب فمنعوا أَن يكون فِي ذَلِك إِبَاحَة من كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﵇
فجهلوا مَا أخبرنَا من
стр. 13
إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ (أفضل مَا أكل الرجل من كَسبه)
وَهَذَا خبر عَن رَسُول الله ﷺ لَا يَدْفَعهُ أهل الْعلم وَالنَّقْل وَلَا أعلمهم يَخْتَلِفُونَ فِيهِ
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا بعث الله نَبيا إِلَّا رعى الْغنم) قيل وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ (كنت أرعاها لأهل مَكَّة بالقراريط)
وَخرج النَّبِي ﷺ فِي بَدْء أمره يُرِيد الشَّام للتِّجَارَة
وَقَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ فِي قصَّة مُوسَى ﵇ ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عصاي أتوكأ عَلَيْهَا وأهش بهَا على غنمي ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى﴾
وَقَالَ فِي قصَّة شُعَيْب ومُوسَى ﵉ ﴿إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك وَمَا أُرِيد أَن أشق عَلَيْك﴾
وَقَالَ فِي قصَّة دَاوُد ﵇ ﴿وألنا لَهُ الْحَدِيد أَن اعْمَلْ سابغات وَقدر فِي السرد وَاعْمَلُوا صَالحا﴾
فَهَذَا فِي قصَص الْأَنْبِيَاء ﵈ مَوْجُود وهم صفوة الله من
стр. 14
خلقه مِمَّا قد كفينا بِهِ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَأَصْحَابه ﵃
وَأَنا واصف لَك بعض مَا كَانُوا عَلَيْهِ من ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 15
- بَاب الْحَرَكَة فِي الْكسْب لطلب الرزق وَاخْتِلَاف ذَلِك من محموده ومذمومه
-
فَأَما المذموم من الْحَرَكَة بعد اعْتِقَاد مَا وَصفنَا من الْعُقُود الَّتِي توجب لأَهْلهَا إِذا ثبتَتْ الْعُقُود بهَا اسْم التَّوَكُّل ويدخلون بهَا فِي جملَة فَرْضه فَهُوَ التَّعَدِّي لما أَمر الله والتجاوز لحدوده فِي الحركات وَالْأَخْذ والإعطاء
وَذَلِكَ أَن الله سُبْحَانَهُ لما فرض التَّوَكُّل على خلقه وأباح لَهُم الْحَرَكَة فِي ذَلِك وَلما غيب عَنْهُم التفرس من محبَّة تَعْجِيله حد لِلْخلقِ حدودا فِي الْحَرَكَة وَفرض عَلَيْهِم فروضا أحكمها وَبَينهَا فِي كِتَابه وعَلى لِسَان نبيه ﵇ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ وتدلوا بهَا إِلَى الْحُكَّام لتأكلوا فريقا من أَمْوَال النَّاس بالإثم﴾
وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾
стр. 16
وَقَالَ ﷺ (إِن الله حرم عَلَيْكُم دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ)
فَبين الله تَعَالَى الْفَرْض فِي ذَلِك على الْخلق فِي كِتَابه وَفِي سنة نبيه ﵇ وَفِيمَا اجْتمع عَلَيْهِ أهل الْعلم وَهُوَ أَن يوافقوه فِي الْحَرَكَة فَإِن خالفوا ذَلِك ثبتَتْ عَلَيْهِم بخلافة الْحجَّة
فَمن كَانَت حركاته فِي طلب الرزق على مَا وَصفنَا من إِقَامَة الْحق الْوُقُوف على تجَاوز الْحُدُود وَتَصْحِيح الْوَرع فِي المتجر وَفِي الصناعات وَفِي كل المضطرب فِيهِ كَانَ لله جلّ وَعز بذلك مُطيعًا مَحْمُودًا عِنْد أهل الْعلم
وَمن خَالف شَيْئا مِمَّا وَصفنَا فتعدى فِي الْحَرَكَة وتخلف عَمَّا يجب عَلَيْهِ من الصدْق كَانَ بذلك مذموما قد نقص بذلك توكله وَلم يؤد فَرْضه وَلم يَقع عَلَيْهِ الِاسْم الَّذِي يَقع بِإِقَامَة الْحق على غَيره
وَذَلِكَ أَن المذموم بتعدي الْحَد خَالف مَا أَمر بِهِ من إِقَامَة الْحق وَمَعَهُ الِاعْتِرَاف بخطأ فعله والتوبيخ لنَفسِهِ عِنْد الرُّجُوع إِلَى الفكرة فِي أمره مقرّ بِأَن ذَلِك الْفِعْل مَعْصِيّة لرَبه والعقود قَائِمَة بِمَا وَصفنَا بِمَا أثبت لَهُ الِاسْم وَلنْ يَزُول عَنهُ مَا أوجب لَهُ عقد الْقُلُوب وَالِاعْتِرَاف بالألسنة إِلَّا بالإنكار لذَلِك وَالْخُرُوج مِنْهُ بالجحد لَهُ وَالشَّكّ فِيهِ وَقد بَينا هَذَا فِي أول الْكتاب
فَهَذِهِ صِفَات المذموم فِي حركته
وَأما الْمَحْمُود من الْحَرَكَة فأولها مَا وَصفنَا من إِقَامَة الطَّاعَة لله
стр. 17
سُبْحَانَهُ فِي الْحَرَكَة وتحري الْمُوَافقَة لله سُبْحَانَهُ بِمَا فِيهَا وَالْوُقُوف عِنْد تجَاوز الْحُدُود حَتَّى يكون مَوْصُوفا فِي ذَلِك بإحكام الْوَرع وَشدَّة الحذر وَإِقَامَة التَّقْوَى فَإِذا قَامَ بذلك على شَرَائِطه كَانَت هَذِه أول الحركات المحمودة الَّتِي أَبَاحَهَا الله لَهُ
وَمن الحركات المحمودة مِمَّا هِيَ أرفع فِي الدرجَة وَأَعْلَى فِي الرُّتْبَة مَا وصف الله سُبْحَانَهُ بِهِ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ووصفهم من المقامات فِيهِ وَجلة التَّابِعين من بعدهمْ وخواص الْمُؤمنِينَ فِي سَائِر الْأَزْمِنَة والدهور الَّذين بانوا بِفضل الْخُصُوص فِي التَّوَكُّل وَفِي سَائِر الْمنَازل على عوام الْخلق فَكَانَ فَضلهمْ بذلك على غَيرهم مَعْرُوفا ومقامهم عِنْد الله رفيعا وَهُوَ حَقِيقَة التَّوَكُّل ومحكمه والتعالي فِي ذرْوَة مَا أقيم فِيهِ الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ وخواص الْمُؤمنِينَ
وَبعد إحكامهم لفرض التَّوَكُّل فِي أَصله بانوا بِفضل الْمعرفَة على غَيرهم وَالزِّيَادَة فِي الْعَمَل بهَا لله جلّ ثَنَاؤُهُ من طَهَارَة الْقُلُوب وإدامة الذّكر وَكَثْرَة التَّقَرُّب إِلَى الله سُبْحَانَهُ بالنوافل وبذل الطَّاقَة والجهد نصيحة لأَنْفُسِهِمْ وطلبا للحظوة عِنْد سيدهم
فَكَانَت هَذِه الْأَخْلَاق الْغَالِبَة عَلَيْهِم مَانِعَة من الْحَرَكَة الَّتِي أبيحت لَهُم وَقد حظرت عَنْهُم لقلَّة مَا فِيهَا من الذّكر للسَّيِّد الْكَرِيم وإيثارا مِنْهُم لما يقرب إِلَيْهِ من ذَلِك لما بَان لَهُم من فضل الْعَمَل لله جلّ وَعز بِطَاعَتِهِ وإيثارا مِنْهُم لما ندب إِلَيْهِ من ترك الشَّهَوَات والتجافي عَن دَار الْآفَات
فَكَانُوا بذلك عَن حركات الطَّبْع متجافين متشاغلين وَبِكُل دَاع يَدعُوهُم إِلَى غَيره مستثقلين وَعَن كل فَتْرَة تميل بهم إِلَى الرَّاحَة نافرين
стр. 18
وَإِلَى كل حاد يحدوهم إِلَى الزِّيَادَة ساكنين وعَلى الْعَمَل المقرب لَهُم إِلَى الله عاكفين
قد جمعت لَهُم الطَّاعَة مرادتهم فِيهَا على قدر الإقبال عَلَيْهَا وأوضحت لَهُم سبل الرشاد فِيهَا فَلم يُرِيدُوا بِمَا أدْركْت أَيدي الظفر مِنْهُم بَدَلا وَلم يبغوا عَن شَيْء من ذَلِك حولا
وَأَصْبحُوا فِي ذَلِك تَوْفِيقًا من سيدهم ومعونة قَائِمَة بالكفاية لَهُم وخفي لطف غير مقطع عَنْهُم فدام لَهُم الْحَال وزكت الْأَعْمَال ووجدوا الظفر بالآمال وَلم يَجدوا عِنْد ذَلِك هوى غَالِبا وَلَا عدوا مطالبا وَلَا أملا فِي النُّفُوس كَاذِبًا
أمات الْعلم بِاللَّه لَهُم أهواءهم وَغلب لَهُم أعداءهم وَجمع لَهُم شملهم وأحكمهم لَهُم أَمرهم وَكَانَ التَّوْفِيق لَهُم صباحا وخفي اللطف من الله دَائِما والتأييد لَهُم من سيدهم مرشدا
فَكَانَت هَذِه صفاتهم وَهِي فِي التعالي فِي ذَلِك على قدر أقدارهم وَمَا أداهم فضل الْعلم بِاللَّه تَعَالَى إِلَى سَبِيل الْعَمَل لَهُ بالاشتغال بدوام الْأَعْمَال على قدر الرّفْعَة فِي الْحَال
وَكَانَت هَذِه الحركات هِيَ الْغَالِبَة عَلَيْهِم دون غَيرهَا من الْحَرَكَة وَكَانَ الْغَالِب على قُلُوبهم محبتهم للموافقة وتحريهم للموصل إِلَى الله سُبْحَانَهُ من الْأَعْمَال دون ذكر مَا كفاهم وَضمن لَهُم من الأرزاق وَغَيرهَا
فَلم يَكُونُوا للأوقات مضيعين وَلَا باستجلاب مَا كفوا متشاغلين وَلَا لما أحب الْخلق من الاستثكار محبين
إِلَّا أَن يكون لسيدهم فِي ذَلِك أَمر جعل لَهُم الْفضل فِيهِ وندبهم إِلَى الْقيام بِهِ مثل قَول النَّبِي ﷺ (كفى بِالْمَرْءِ شرا أَن يضيع من
стр. 19
يعول) وَقَوله ﵇ (كلكُمْ رَاع وكلكم مسؤول عَن رَعيته)
فالرجل رَاع لما استرعى يجب عَلَيْهِ الْقيام بأمرهم من أَمر الدّين وَالدُّنْيَا وَكَذَلِكَ من أوجب الله تَعَالَى عَلَيْهِ عيلته وَفرض عَلَيْهِ الْقيام بأَمْره من الْآبَاء والأمهات والأزواج وصغار الْأَوْلَاد الَّذين لم يخْتَلف الْمُسلمُونَ فِي أَن أُمُورهم وَاجِبَة وَأَن تَركهم مَعْصِيّة إِذا كَانُوا فِي حَال الْحَاجة
وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ (كفى بِالْمَرْءِ شرا أَن يضيع من يعول)
وَلَا يكون قَول النَّبِي ﷺ كفى بِالْمَرْءِ شرا) وَهُوَ لَا يجب عَلَيْهِ عيلتهم وَلَا حينما تكون عيلتهم تَطَوّعا مِنْهُ يتَطَوَّع بِهِ لِأَن الشَّرّ بلَاء وَاقع وعقوبة نازلة وَالله جلّ ثَنَاؤُهُ لَا يُعَاقب على ترك مَا لَا يجب وَإِنَّمَا أخبرنَا أَن وعيده وعقوبته وَاقعَة على من عَصَاهُ وَخَالف أمره
فسعيهم فِي الْأُمُور تحر مِنْهُم للموافقة ورغبة مِنْهُم فِي الطَّاعَة وَلَيْسَ سَعْيهمْ فِي ذَلِك كسعي من أَرَادَ الْكَثْرَة لما بانوا بِهِ من الِاشْتِغَال بِمَا هُوَ أولى بهم وآثر فِي نُفُوسهم فَإِن وَجب شَيْء من ذَلِك وَسعوا فِيهِ كَانَ سَعْيهمْ والقلوب إِلَى الله جلّ وَعز فِي ذَلِك ناظرة وَإِلَيْهِ فِيهِ سَاكِنة بدوام ذكر مبَاشر لقُلُوبِهِمْ ودوام معرفَة مغشية لَهُم واستجابة لله مُتَّصِلَة بهم
قد نفرت الْقُلُوب لذَلِك من أَسبَاب الخليقة وانقطعت من مطامع الرِّيبَة وأعتقت من ربقة الْأَسْبَاب ورق أهل الدُّنْيَا وتفردت فِي كل
стр. 20
حَال بوليها والقائم عَلَيْهَا بِمَا كسبت والعالم بهَا فِي مَكْنُون ضميرها
لَا يفترون فِي سَعْيهمْ عَن مواصلته وَلَا يقصرون عَن شَيْء أَمر بِهِ من حَيْثُ بلغته الْعُقُول المذكاة بفطن الْفَهم عَنهُ وأوصل إِلَيْهِ غليان الْعلم والمعرفة بِهِ
وَكَانَ سَعْيهمْ فِي الْكسْب على وَصفنَا من أفضل الْقرب إِلَى سيدهم وأخص الْأَعْمَال فِي حَال مَنَازِلهمْ
فَكَانَت إِقَامَة الشّغل بِهِ عَلَيْهِم آثر عِنْدهم من التشاغل بِغَيْرِهِ لما بَان من فضل مُوَافَقَته فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ وَأمر بِهِ
فَهَذِهِ صفة سَعْيهمْ وَلم يكن السَّعْي فِي ذَلِك قادحا فِي صفاء الذّكر الْقَائِم لَهُم وَلَا منقصا مَا خصوا بِهِ من حَال قرب الْقُلُوب ومراتبها وَحَال الْمنَازل المرجوة لَهُم من السَّيِّد الْكَرِيم فَهَذِهِ صِفَات حركات الصديقين والأولياء فِي المكسب
وَالدَّلِيل على ذَلِك فعل أبي بكر الصّديق وَعمر الْفَارُوق وَعُثْمَان ذِي النورين وَعلي بن أبي طَالب وَأكْثر أَصْحَاب النَّبِي ﷺ من المختارين لصحبته المنتخبين لمعونته سرج الأَرْض ومصابيحها وزهرة الدُّنْيَا وَزينتهَا المقدمين بِالْفَضْلِ على خَواص الْأُمَم السالفة والسابقين غَدا بِالطَّاعَةِ فِي الْآخِرَة خلف الْأَنْبِيَاء ﵈ وأئمة الْحق وَحَملَة الْعلم ومعادن الْحِكْمَة ومناهل التَّقْوَى والقوام بنوائب الدّين وشرائعه الَّذين بَين الله فَضلهمْ بباطن الْحِكْمَة على لِسَان نبيه ﷺ فَقَالَ ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود﴾
стр. 21
)
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾
وَقَالَ ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾
فمدح أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من كِتَابه وهم أفضل أهل الأَرْض بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ وأعمالهم أفضل الْأَعْمَال وَأَشْرَفهَا ومقاماتهم أرفع المقامات وأعلاها وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ (لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه)
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (خير أمتِي أَولهَا)
وَقَالَ ﷺ (خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ)
وَقَالَ ﷺ (إِن الله اخْتَار أَصْحَابِي على جَمِيع الْأُمَم)
стр. 22
وَقَالَ ﷺ (خير النَّاس الْقرن الَّذين بعثت فيهم)
وَهَذَا يكثر فِي السّنة عَن رَسُول الله ﷺ
وَأول مَا نبدأ بِذكرِهِ ونحتج بِفِعْلِهِ الصّديق رضوَان الله عَلَيْهِ صدق رَسُول الله ﷺ حِين كذب وَأنْفق عَلَيْهِ مَاله حِين منع وأنيسه فِي الْغَار حِين أوذي وجليسه فِي الْعَريش يَوْم بدر حِين حورب وَأول من اتبعهُ وَصدقه وَمن فعائله تكْثر على لِسَان مُحَمَّد ﷺ وَمن أجمع لَهُ الْمُسلمُونَ بِالْفَضْلِ بعد نَبِيّهم ﷺ وَرَضوا بِهِ خَليفَة بعد رسولهم لما رَأَوْا من تَقْدِيمه ﷺ لَهُ فِي صلَاتهم وَفِي عَظِيم أَمر دينهم
فاحتذى فِي الْأَمر سَبِيل الْمُصْطَفى وسلك فِيهِ منهاج المرتضى وَقَامَ بِأَمْر الله قيام الْأَنْبِيَاء فَجمع من الْإِسْلَام شَمله حِين تفرق وَقَامَ بأوده حِين وهى وَمنع حريمه حِين اخترم ورتق بِالْحَقِّ خلله حِين انفتق جتى عَاد بعد الِافْتِرَاق مثقفا وَبعد الوهن قَوِيا وَبعد الْخلَل متسقا
وَأجْمع لَهُ الْمُسلمُونَ بِالصَّوَابِ فِي فعله وبالعدل فِي جَمِيع حكمه أَشد الْخلق بعد نبيه فِي دينه وأقومه بأَمْره رضوَان الله عَلَيْهِ وَرَحمته وَلم يزل على سَبيله المتين وقصده الْوَاضِح حَتَّى توفاه الله حميدا
وَكَانَ من فعله لما اسْتخْلف وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أمره أَن رأى الْكسْب على عِيَاله أفضل الْأَعْمَال وأوصل الْقرْبَة وَأَعْلَى الطَّاعَة فَمضى إِلَى السُّوق متكسبا عَلَيْهِم فأدركه أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي السُّوق فَقَالُوا لَهُ يَا خَليفَة رَسُول الله أَمر الْمُسلمين
стр. 23
فَقَالَ لَهُم (لَا يقر ذَنبي على عيالي افرضوا لي فرضا) وَكَانَ الْمُخَاطب لَهُ فِي ذَلِك عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب ﵄ ففرضوا لَهُ فرضا رَضِي بِهِ وَرجع إِلَى أُمُورهم بعد أَن أحكم أَمر عِيَاله ﵁
وَكَذَلِكَ كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ فِي الْفضل وَفِي شدَّة الْإِسْلَام وَالْقِيَام بأوده فَكَانَ يَأْخُذ قوته وقوت عِيَاله وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنهُ ﵁ أَنه قَالَ (أَتَدْرُونَ مَا اسْتحلَّ من هَذَا المَال ثَوْبَيْنِ للشتاء والقيظ وظهرا أحج عَلَيْهِ وقوت رجل من قُرَيْش لَيْسَ بأوضعهم وَلَا بأرفعهم)
ثمَّ رَجَعَ إِلَى الإشفاق على الْمُسلمين فَقَالَ (وَالله مَا أَدْرِي أَيحلُّ لي أم لَا)
وَكَذَلِكَ كَانَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ بعدهمَا فِي الْفضل وَالْقِيَام بِالْأَمر والمجتمع عَلَيْهِ فِي الْعدْل
وَكَذَلِكَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ بعدهمْ فِي الْفضل وَالدّين وَالْعلم والحلم كَانَ يَسْتَسْقِي دلوا بتمرة بعدهمْ وَكَانَ لَهُ ناضحان ينْقل عَلَيْهَا الْإِذْخر يَسْتَعِين بِهِ على تَزْوِيج فَاطِمَة ﵂
وآخى النَّبِي ﷺ بَين قيس بن الرّبيع وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَقَالَ قيس لعبد الرَّحْمَن هَذَا شطر مَالِي ولي امْرَأَتَانِ أنزل لَك عَن وَاحِدَة وَكَانَ مَال قيس المَال الصَّامِت الَّذِي يرغب فِي مثله
стр. 24
فَقَالَ عبد الرَّحْمَن لَا حَاجَة لي بذلك دلَّنِي على السُّوق فَمضى إِلَى السُّوق متكسبا على نَفسه فَعَاد وَقد أصَاب شَيْئا من سمن وإقط وَذَلِكَ لما عِنْد عبد الرَّحْمَن من فضل الْكسْب وَفضل الْحَرَكَة لطلب الثَّوَاب
وَكَذَلِكَ يرْوى للنَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه)
فآثر عبد الرَّحْمَن الْكسْب على مَال طيب هُوَ مَال رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لَا شكّ فِي أمره وَلَا فِي النَّفس مِنْهُ شُبْهَة عرض عَلَيْهِ من غير مَسْأَلَة وَلَا إشراف من نفس
فَهَذِهِ حجتنا فِي الْحَرَكَة من الْكتاب وَالسّنة وَفعل أكَابِر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ
وَكَذَلِكَ كَانَ التابعون من بعدهمْ مِمَّن يجب علينا تقليدهم وَالْأَخْذ عَنْهُم وهم الَّذين ألزم الْخلق طاعتهم والاقتداء بهم فَقَالَ جلّ وَعز ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾
وهم أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وَمن بعدهمْ من صالحي الْعلمَاء والأخيار فِي هَذَا والاحتجاج بهَا يكثر
وَفِيمَا أوردنا وَذكرنَا من ذَلِك كِفَايَة إِن شَاءَ الله
ونسأل الله جلّ وَعز خير التَّوْفِيق لإصابة الْحق
стр. 25
- بَاب ترك الْحَرَكَة فِي الْكسْب وَمَا فِي ذَلِك من محموده ومذمومه
-
وَقد ترك الْحَرَكَة فِي الْكسْب أَقوام على أُمُور مُخْتَلفَة وَأَنا واصف بَعْضهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَمن ذَلِك مَا زعم شَقِيق وَاتبعهُ على ذَلِك أَقوام زعم شَقِيق فِيمَا يرْوى عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول إِن الْحَرَكَة فِي الْكسْب مَعْصِيّة
وَذَلِكَ أَنه قَالَ لما ضمن الله تَعَالَى الرزق والكفاية كَانَت الْحَرَكَة شكا فِيمَا ضمن فَحمل الْأَمر فِي ذَلِك على رَأْيه وَقَالَ فِيهِ بزلله فَخَالف الْكتاب وَالسّنة وَمَا عَلَيْهِ أكَابِر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَجلة التَّابِعين من بعدهمْ
وَجلسَ أَقوام تعرضوا للكسب قبل جلوسهم فَلم يُمكنهُم إِقَامَة الْحق فِي كسبهم وَضَاقَتْ عَلَيْهِم المطالب فِي ذَلِك فجلسوا فطعنوا فِي المتكسبين وَجعلُوا ضعفهم عَن الْقيام بِالْحَقِّ فِيمَا جعل الْفضل فِيهِ لأَهله إِذا قَامُوا بأحكامه
وَأخذُوا من كسب المخلطين والمقدمين على الشُّبْهَة وَجعلُوا الْأَخْذ من أهل هَذِه الصّفة أفضل عِنْدهم من التَّحَرِّي فِي المكسب وَأخذ الْأَمر حَتَّى يبلغهم الإجهاد
стр. 26
فَكَانَ مقامهم فِي ذَلِك مقَام من تنزه عَن شَيْء من كَسبه وَأخذ من كسب غَيره مَا هُوَ أشر مِنْهُ وأخبث فِي الطعمة فغلطوا فِيمَا أقاموه دينا
أما الْحجَّة على شَقِيق وَأَصْحَابه فَمن كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﵇ والنبيين من قبله وَخيَار أَصْحَابه من بعده ﵃
فَأَما الْحجَّة من كتاب الله فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾
وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ فمدح إقامتهم لذكر الله فِي وَقت التِّجَارَة
وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾
فَأَمرهمْ بترك البيع فِي وَقت مَحْدُود يَوْم الْجُمُعَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾
فعلمهم كَيفَ يصنعون فِي متاجرهم وبصرهم فِي مكاسبهم
وَأما الْحجَّة من سنَن رَسُول الله ﷺ فَقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 27
(أفضل مَا أكل الرجل من كَسبه)
وَقد ذكرنَا مَا كَانَ عَلَيْهِ أكَابِر أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وَفِي هَذَا آيَات كَثِيرَة من كتاب الله وأخبار عَن رَسُول الله ﷺ متواترة وَفِي أقل مِمَّا ذكر يتَبَيَّن خطأ هَذِه الْمقَالة
وَأما الْمقَالة الثَّانِيَة فَإِن الْحجَّة عَلَيْهِم فِي ذَلِك أَخذهم الَّذِي تَرَكُوهُ من أَيدي غَيرهم فَإِن كَانَ أَخذهم لذَلِك من أَيدي الأقوياء الَّذين كسبوا الشَّيْء عِنْدهم على حكم كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ فقد سقط عَنْهُم الْعذر فِي الْقعُود وَعَلَيْهِم طلب الشَّيْء من حَيْثُ طلبه هَؤُلَاءِ
وَإِن كَانَ الْأَمر عِنْدهم لضعف عَن الْقيام بأحكامه غَيرهم فقد أخذُوا مَا تركُوا من أَيدي أَقوام يُمكن عَلَيْهِم التَّعَدِّي فِي الطّلب والتجاوز للحد من الْكسْب
فَأَي الْحَالَتَيْنِ كَانَت حَالهم فَهُوَ خطأ وَالله أعلم
وَجلسَ قوم آخَرُونَ وَزَعَمُوا أَن الْجُلُوس عَن الطّلب أفضل عِنْدهم من الْحَرَكَة
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَن قَالُوا لما ضمن الله لِلْخلقِ أَرْزَاقهم وَتَوَلَّى فِي ذَلِك كفايتهم وَأخْبر بقسم الشَّيْء فِي الْأَوْقَات الَّتِي قدر إيصالها إِلَيْهِم فِيهَا كَانَ انْتِظَار الْوَقْت وَترك الْحَرَكَة أفضل وَكَانَت الْحَرَكَة إِبَاحَة لِضُعَفَاء الْخلق
وَالْحجّة عَلَيْهِم فِي ذَلِك بَيِّنَة بِمَا بَينا من فعل النَّبِي ﷺ وَمَا كَانَ أكَابِر الصَّحَابَة عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ جعل رَسُوله فِي أَعلَى الدَّرَجَات وَأَرْفَع الْمنَازل وَأتم المعارف وأكمل الْعلم وَخَصه من جزيل خصوصيته ورفيع هباته وسني عطاياه مَا بَين بِهِ فَضله على
стр. 28
أكبر الْأَوْلِيَاء وَكَذَلِكَ حركاته وَسَائِر أَعماله جعلهَا الله على قدر الْموضع الَّذِي جعله فِيهِ
وَكَانَت أَصْحَابه رضوَان الله عَلَيْهِم على فَضلهمْ وَمَا ذكر من تقدمتهم كَانَت أَعْمَالهم على قدر مواضعهم
وَفِيمَا وَصفنَا من ذَلِك واحتججنا بِهِ مَا يتَبَيَّن مِنْهُ خطأ أَصْحَاب هَذِه الْمقَالة
وَكَانَ مَا احتجت بِهِ هَذِه الطَّائِفَة الَّتِي زعمت أَن الْقعُود عَن الْحَرَكَة أفضل عِنْدهم وَإِنَّمَا الْحَرَكَة فِي ذَلِك رخصَة لِضُعَفَاء الْخلق عَن الْقعُود حَتَّى يكون الْوَقْت عَلَيْهِم وَأَرَادَ بِمَا فِي أنفسهم فقدموا أنفسهم بخطأ التَّأْوِيل وبزلل الْهوى والرأي على أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وعَلى سيرة الْمُرْسلين وَأَقَامُوا الأكابر مثل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي رضوَان الله عَلَيْهِم مقَام الضعْف والوهن تَقْدِيمًا مِنْهُم لأَنْفُسِهِمْ وإيمانا مِنْهُم بخطأ مِنْهُم بِصِحَّة رَأْيهمْ بِلَا خبر عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا آيَة من كتاب الله
وَهَذَا قَول قد تبين خَطؤُهُ من وُجُوه شَتَّى
فَأَما أَولهَا فَمَا بَين الله من ذَلِك فِي كِتَابه فَأمر الْمُؤمنِينَ أَن يكون مَأْكَلهمْ من طَيّبَات مَا يَكْسِبُونَ
وَأما الْمَعْنى الثَّانِي فَمَا ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَن (أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه)
وَأما الْوَجْه الثَّالِث فَمَا كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّد ﷺ وأكابر أَصْحَابه رَضِي الله عَنْهُم
стр. 29
وَأما الْوَجْه الرَّابِع فَمَا دلّ عَلَيْهِ الْعلم وَثبتت عَلَيْهِ الْمعرفَة وَذَلِكَ أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ لما دَعَا إِلَى الثِّقَة بِهِ والتوكل عَلَيْهِ بَين الْعلم عَمَّا أَرَادَهُ من ذَلِك وَالَّذِي بَين الْعلم عَنهُ من ذَلِك من معنى الثِّقَة أَن تكون الْقُلُوب لله مصدقة وَتَكون بوعده موقنة وَتَكون إِلَيْهِ فِي كل حَال سَاكِنة قد أغناها بضمانه عَن النّظر إِلَى شَيْء دونه
فَإِذا ملك خَاصَّة الْقُلُوب ذَلِك وأقرت بِهِ الْأَلْسِنَة وحذره الْعلم بِاللَّه تَعَالَى والمعرفة بِهِ جلّ وَعز من أَن يمِيل إِلَى شَيْء دونه فأمنت الْقُلُوب فِي التَّوَكُّل فِي حَقِيقَة من حقائقه وَفِي مقَام شرِيف من مقاماته
فَإِن أوجدها الله جلّ ثَنَاؤُهُ فضلا مِنْهُ فِي سعي جارحه أَو دلها الرَّسُول ﷺ عَلَيْهَا وَأَنَّهَا إِلَى الله تَعَالَى مقربة وَفِي حَال السَّعْي بسعيها زَائِدَة بِمَا تعبدت بِهِ أَو ندبت إِلَيْهِ أسرعت إِلَى ذَلِك لما ملكهَا من مُوَافقَة سَيِّدهَا وَجل عِنْدهَا من قدر مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِمَّا يقرب مِنْهُ فَكَانَ السَّعْي عَن تمكن الرَّغْبَة فِي الطَّاعَة الجامعة للقلوب من غير سآمة مِنْهَا لما شَمل فاقتها من خَالص الموهبة وجزيل سناء الخصوصية وَكَانَ السَّعْي فِي ذَلِك لصفاء مَا فِي الْقُلُوب من تمكن السكينَة وحقائق الثِّقَة
وَكَانَت الْقُلُوب بسعي الْجَوَارِح فِي ذَلِك زَائِدَة بسعيها متمكنة فِي مرتبتها وَلَا ينقص السَّعْي عَلَيْهَا حَالهَا وَلَا يجرها ذَلِك إِلَّا إِلَى مَا يقْدَح فِي ذكرهَا فَكَانَ هَذَا السَّعْي على مَا وَصفنَا زَائِدَة لَهَا فِي مواصلتها فِي الْقرب إِلَى علو الدَّرَجَات فِي قربهَا وَكَانَ السَّعْي على مَا بَين الله وَرَسُوله من فضل السَّعْي على مَا وَصفنَا مِمَّا افْترض على الْخلق وندبوا إِلَيْهِ على مَعَاني
أَحدهَا أَن يكون السَّعْي بالجوارح بَعْدَمَا وَصفنَا من قيام الثِّقَة فِي الْقُلُوب وَتمكن السكينَة منغصا عَلَيْهَا حَال الْقلب موجدا لَهَا النُّزُول عَن مرتبتها فَيكون تَركهَا للسعي لما تَجِد من النَّقْص
فَهَذِهِ حَال دون حَال الأقوياء الَّذين سعوا فِي ذَلِك وهم يَجدونَ
стр. 30
فِي ذَلِك الزِّيَادَات والتعالي فِي الْحَالَات وَهَذَا ضعف بَين فِي الْحَال
وَإِمَّا أَن يكون مَا وَصفنَا من حَال الْقُلُوب ثَابتا وهم فِيهِ متمكنون وَالسَّعْي زَائِد لَهُم فِي أَحْوَالهم فَيكون التّرْك لَهُم بذلك لِأَن حَال الْفضل فيهم لم تثبت عِنْدهم وَحَال الْقرْبَة فِي ذَلِك لم تبلغهم
فَهَذَا تَقْصِير فِي الْعلم
أَو تكون الْحَال قد ثبتَتْ عِنْدهم وَالْعلم بِالْفَضْلِ فِي السَّعْي قد بَلغهُمْ وهم يؤثرون الْقعُود
فَهَذَا حَال تكلّف وَخلاف لما بَين الله تَعَالَى من الْفضل وَدلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَكَانَ عَلَيْهِ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وَمَا بَينه الْعلم ودلت عَلَيْهِ الْمعرفَة
فقد تبين فضل السَّعْي وَالْحَرَكَة على مَا وَصفنَا وَهِي أَعلَى الدَّرَجَات فِي كل حَال عندنَا وَالله أعلم
فَإِذا أردْت أَن تَأتي سوقك أَو شَيْئا لمعاشك أَو صَنْعَة أَو وكَالَة أَو غير ذَلِك لطلب الْحَلَال والاتباع لسنة رَسُول الله ﷺ وللثواب فِي نَفسك وَعِيَالك والاكتساب عَلَيْهِم والاستغناء عَن النَّاس والتعطف على الْأَخ وَالْجَار وَأَدَاء الزَّكَاة وكل حق وَاجِب فأمل فِي ذَلِك أَن تلقى الله ووجهك كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر
كَمَا روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من طلب حَلَالا استعفافا عَن الْمَسْأَلَة وكدا على عِيَاله وتعطفا على جَاره لَقِي الله وَوَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر)
وتنوي الْوَرع فِي سوقك وَأَن تدع كل ربح أَو أجر أَو إِصَابَة تعرض لَك فِيهِ وَلَو كَانَت الدُّنْيَا كلهَا إِن عرض لَك فِيهَا مَا كره الله تَعَالَى
стр. 31
وتنوي الْإِخْلَاص فِي ورعك فِي تجارتك وَمن تشتري مِنْهُ أَو تعامله فِي صَنْعَة أَو وكَالَة
وتنوي عون الْمُسلم فِي تجارتك إِذا اسْتَعَانَ بجاهل أَو بنصرك أَو غير ذَلِك
وَأَن تذكر الله تَعَالَى فِي سوقك محتسبا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث (إِن الله تعجب من الَّذِي يذكرهُ فِي السُّوق)
стр. 32
- بَاب صفة الْوَرع
-
قلت رَحِمك الله مَا الْوَرع
قَالَ المجانبة لكل مَا كره الله من مقَال أَو فعل بقلب أَو جارحة والحذر من تَضْييع مَا فرض الله عَلَيْهِ فِي قلب أَو جارحة
قلت وبماذا ينَال قَالَ بالمحاسبة قلت وَمَا المحاسبة قَالَ التثبت فِي جَمِيع الْأَحْوَال قبل الْفِعْل وَالتّرْك من العقد بالضمير أَو الْفِعْل بالجارحة حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ مَا يتْرك وَمَا يفعل فَإِن تبين لَهُ مَا كره الله جَانِبه بِعقد ضمير قلبه وكف جوارحه عَمَّا كره الله وَمنع نَفسه من الْإِمْسَاك عَن ترك الْفَرْض وسارع إِلَى أَدَائِهِ
قلت وَمَا يتْرك وَمَا يجانب قَالَ أَرْبَعَة أَشْيَاء شَيْئَانِ وَاجِب تَركهمَا وشيئان ترك أَحدهمَا اسْتِبْرَاء خوف أَن
стр. 33
يكون مِمَّا كره الله وَالْآخر يتْرك احْتِيَاطًا وتحرزا
فَأَما الشيئان الْوَاجِب تَركهمَا
فأحدهما مَا نهى الله من العقد بِالْقَلْبِ على الضلال والبدع والغلو فِي القَوْل عَلَيْهِ بِغَيْر الْحق وَلَا يعْتَقد إِلَّا الصَّوَاب
وَالْآخر مَا نهى الله عَنهُ من الْأَخْذ وَالتّرْك من الْحَرَام بالضمير والجوارح
وَأما أحد الشَّيْئَيْنِ الآخرين فَترك الشُّبُهَات خوف مواقعة الْحَرَام وَهُوَ لَا يعلم اسْتِبْرَاء لذمته لتَمام الْوَرع كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ (من ترك الشُّبُهَات اسْتَبْرَأَ لذمته وَدينه وَعرضه من وَاقع الشُّبُهَات فَكَأَنَّمَا وَاقع الْحَرَام)
وَقَالَ زَكَرِيَّا عَن الشّعبِيّ عَن النُّعْمَان عَن النَّبِي ﷺ زَاد عَلَيْهِ غَيره فَقَالَ النَّبِي ﷺ (فقد وَاقع الْحَرَام كَالرَّاعِي حول الْحمى يُوشك أَن يَقع فِيهِ)
وَأما الشَّيْء الرَّابِع فَترك بعض الْحَلَال الَّذِي يخَاف أَن يكون سَببا وذريعة إِلَى الْحَرَام كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَا يكون العَبْد من الْمُتَّقِينَ حَتَّى يدع مَا لَا بَأْس بِهِ حذرا لما بِهِ بَأْس)
وَذَلِكَ كتركه فضول الْكَلَام لِئَلَّا يُخرجهُ ذَلِك إِلَى الْكَذِب والغيبة وَغَيرهمَا مِمَّا حرم الله تَعَالَى القَوْل بِهِ وَيتْرك بعض المكاسب مِمَّا تقل
стр. 34
فِيهِ السَّلامَة للمكتسبين ويدع طلب الْإِكْثَار من المَال خوفًا أَلا يقوم بِحَق الله جلّ وَعز فِيهِ إِذا عزت فِيهِ أَسبَاب الْحَلَال وَقل الْعَامِلُونَ بالورع وَالتَّقوى وَترك مجالسة من قد جرب أَنه لَا يسلم مَعَه وفراره من الشُّبْهَة خوفًا أَلا يسلم ويقل من معرفَة النَّاس خوفًا أَلا يسلم ويغض عَن بعض الْمطعم إِذا أحس من نَفسه أَن ذَلِك يبطرها
فَهَذِهِ الْخلَّة عون على الْوَرع لَا وَاجِب عَلَيْهَا تَركهَا ومجانبتها
وكما قَالَ عون بن عبد الله قَالَ بعض الْحُكَمَاء دع أَن تحلف صَادِقا وَهُوَ لَك حَلَال مَخَافَة أَن تعود لسَانك الْيَمين فتحلف كَاذِبًا ودع النُّصْرَة مِمَّن ظلمك مَخَافَة أَن تعتذر
وَقَالَ الله ﴿وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ فقد سمى الْعَفو حَسَنَة والنصرة للنَّفس سَيِّئَة فَمَا زَالَت التَّقْوَى بالمتقين حَتَّى تركُوا الْكثير من الْحَلَال مَخَافَة الْحَرَام
وَأهْدى رجل لِابْنِ عمر أثوابا مروية فَردهَا وَقَالَ مَا رددناها عَلَيْك إِلَّا مَخَافَة الْكبر
وَكَانَ ابْن عمر ﵁ يسْرع الْمَشْي وَيَقُول هُوَ أبعد لي من الزهو
وَعمر ﵁ طلق امْرَأَته وَكَانَت أحب النَّاس إِلَيْهِ حِين ولي الْخلَافَة مَخَافَة أَن يطيعها فِي غير الْعدْل فَلَمَّا قواه الله أرسل يخطبها فَوَجَدَهَا الرَّسُول قد مَاتَت وَغير ذَلِك تركنَا ذكره لكثرته
وَاعْلَم أَن أصل أمورك كلهَا وتمامها وَالَّذِي يرْتَفع بِهِ الْعَمَل ويزكو هُوَ أصلان
стр. 35
أَحدهمَا سَلامَة الصَّدْر لجَمِيع الْمُسلمين
وَالثَّانِي إصْلَاح الكسرة والمعرفة من أَيْن قرصتك
والْآثَار فِي تَصْحِيح هذَيْن الْأَصْلَيْنِ تروى من طرق شَتَّى كَثِيرَة وَلَكِن أردنَا الِاخْتِصَار فتجار هَذَا الزَّمَان كَأَنَّهُمْ لَا يُؤمنُونَ بِيَوْم الْحساب من الدُّخُول فِي كل مَا لَا يجوز والتسارع إِلَى كل مأثم وَإِلَى كل مَا لَا يجوز من المكاسب وَترك مَا تعهدوا بِهِ وركوب مَا نهوا عَنهُ لَا يتورعون عَن مكاسب أَمْوَال الظَّالِمين وَلَا يجانبون أهل الرِّيَاء وَلَا أهل قطع الطَّرِيق وَالسَّلب
وَلَو قيل لَهُم هَل لكم فِي الدُّنْيَا حَرَامًا وتعذبون عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة وتنغص عَلَيْكُم عيشتكم فِي الدُّنْيَا بالهموم وَالْأَحْزَان والآلام بعد أَن تَكُونُوا مكثرين مِنْهَا لرضوا بعد أَن تكون الدُّنْيَا عَلَيْهِم موسعة إِلَّا من شَاءَ الله مِنْهُم فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
فَإِذا رَأَوْا رجلا ترك مَا أَقبلُوا عَلَيْهِ من هَذِه الْفُنُون توجوه وأكرموه وَهَذَا فعل الْعُقَلَاء مِنْهُم وَأما الحمقاء فَإِنَّهُم يزدرونه ويؤنبونه
وَإِذا مدحه أهل الْعقل مِنْهُم وَرفعُوا قدره أحب الثَّنَاء فَهَلَك وَهُوَ لَا يعلم
فَكُن حذرا متيقظا فِي جَمِيع أمورك واستعن بِاللَّه فِي طلب السَّلامَة واسأل الله الْعَافِيَة من فتنته وبليته
وَقَالَ ثَلَاث خلال تلزمها قَلْبك
الْخلَّة الأولى الْيَقِين بِأَن الْمَقْدُور يَأْتِيك وَإِن لم يقدر لَا يَأْتِي فَمن أَيقَن بذلك أورث الله جلّ وَعز قلبه خَصْلَتَيْنِ
стр. 36
إِحْدَاهمَا أَن يَأْمَن قلبه من أَن يفوتهُ مَا قدر لَهُ
وَالثَّانيَِة أَن ييأس من أَن ينَال مَا لم يقدر لَهُ
فَمن لزم قلبه الْأَمْن أَلا يفوتهُ رزقه وَإِلَّا يأس من أَن ينَال مَا لم يقدر لَهُ قل همه وغمه وخضوعه لِلْخلقِ والمدارة لَهُم لِأَن ينَال بهم مَنْفَعَة فَهَذَا الْغنى بِاللَّه
والخلة الثَّانِيَة ذكر اطلَاع الله على ضَمِيره وجوارحه فَإِن ذَلِك يُورث لَهُ الْحيَاء
فَإِذا عرض لَهُ شَيْء مِمَّا يكره الله ذكر النّظر وَخَافَ المقت إِن ركن إِلَى ذَلِك
وَإِن عرض لَهُ مَا فِيهِ النَّقْص وَإِن لم يكن محرما استحيى من الله تَعَالَى أَن يرَاهُ مقصرا عَمَّا يحب مَوْلَاهُ مَعَ مَا قد استودعه من الْعلم وعرفه من عَظِيم قدره وكبرياء جَلَاله جلّ وَعز
وَجُمْلَة ذَلِك أَن تَغْدُو إِلَى سوقك وَأَن تكون فِي جَمِيع أحوالك فِي سوق كنت أَو فِي غَيرهَا فتلزم قَلْبك الْيَقِين والحذر وتذكر الِاطِّلَاع بِالنّظرِ
فباليقين تستريح وبالحذر تتيقظ وبذكر النّظر تستحيي من النَّاظر الْأَعْلَى تبَارك وَتَعَالَى
стр. 37
- بَاب مَذَاهِب السّلف فِي الْوَرع
-
سَأَلت أَبَا جَعْفَر عَن الْوَرع فَقَالَ فِيهِ ثَلَاثَة أقاويل
أَحدهمَا ترك مَا حاك فِي الصُّدُور من جَمِيع الحكايات وَالْقَوْل
وَالثَّانِي الْوُقُوف عِنْد كل شُبْهَة إِذا لم يتَبَيَّن فِيهَا الْحَلَال من الْحَرَام
وَالْقَوْل الثَّالِث مَا رَوَاهُ عَطِيَّة السَّعْدِيّ عَن النَّبِي ﷺ (تكون حَقِيقَة من الْمُتَّقِينَ حَتَّى تدع مَا لَا بَأْس بِهِ مَخَافَة مَا بِهِ الْبَأْس)
وَهَذِه الثَّلَاثَة الْأَقَاوِيل قد قصد إِلَيْهَا وَإِلَى مَعَانِيه أَصْنَاف من الْعلمَاء وَأهل الحَدِيث والقراء والمتصوفة
فَأَما ترك مَا حاك فِي الصُّدُور فَهُوَ مَذْهَب أبي عبد الله سُفْيَان بن سعيد بن مَسْرُوق بن مُنْذر الثَّوْريّ وَإِبْرَاهِيم بن أدهم ووهيب بن
стр. 38
الْورْد وَمُحَمّد بن يُوسُف الْأَصْبَهَانِيّ ويوسف بن أَسْبَاط وَعبد الله بن الْوَلِيد الْمدنِي وَشُعَيْب بن حَرْب
وَالْقَوْل الثَّانِي يذهب إِلَيْهِ جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث وناس صلحاء مِمَّن سكن الثغر مِنْهُم مخلد بن الْحُسَيْن وَعلي بن بكار وَقد رَوَاهُ عَن الْأَوْزَاعِيّ وَيُقَال أَنه فتيا ابْن الْمُبَارك بِالْمصِّيصَةِ وَمذهب طوائف من أهل الْبَصْرَة وَقد ذكر ذَلِك عَن عبد الله بن دَاوُد وَهُوَ مَذْهَب مُحَمَّد بن مقَاتل بعبادان وَكثير من المتفقهة فِي سَائِر الْأَمْصَار
وَالْقَوْل الثَّالِث قد ذكر عَن طَاوس وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَيوب وَابْن عون وَيُونُس بن عبيد وواصل مولى ابْن عُيَيْنَة
стр. 39
وَهُوَ مَذْهَب عَمْرو بن مرّة وَقد ذهبت إِلَيْهِ أنَاس بأطراف الثغور فَلم يَأْخُذُوا مِنْهَا شَيْئا لَا من حلالها وَلَا من حرامها وَلَا من شبهاتها إِلَّا خرقا تستر الْعَوْرَة وفلقا تسد الجوعة
ثمَّ تَفَرَّقت بهم الطّرق للآخرة فِي اخْتِيَار المآكل والملابس
فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى الرُّخْصَة وَرَأَتْ طَرِيق الْفقر والتقلل فِيمَا لم يكن حَرَامًا إِمَّا نصا فِي التَّنْزِيل وَإِمَّا ثَابتا فِي سنة رَسُول الله ﷺ أَو إِجْمَاع الْمُسلمين وصاروا إِلَى الرُّخْصَة فِيهِ
واختارت طَائِفَة من الْقُرَّاء والمتصوفة التقلل من كد الْيَد وعرق الجبين وَالسَّعْي فِي طلب الْأَسْبَاب ليأخذوا الكسرة واجتهدوا فِي طلب ذَلِك مَعَ أهل الثغور خوفًا أَن يَكُونُوا من أعوان الظَّالِمين
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بآيَات من التَّنْزِيل مِنْهَا قَوْله ﴿وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾
وأخبار الْمُصْطَفى ﷺ (فَمن أعانهم وَصدقهمْ فلست مِنْهُ وَلم يرد على الْحَوْض)
وَذَهَبت طَائِفَة من أهل الْفِقْه إِلَى أَنه لَا بَأْس بمعاونتهم إِذا لم يكن ظلما بِعَيْنِه وَذَلِكَ أَنهم تأولوا الحَدِيث على معنى من أعانهم على ظلمهم فَمن لم يُعِنْهُمْ على الظُّلم وَأَعَانَهُمْ على سوى ذَلِك فَهُوَ مُطلق حَلَال عِنْدهم
وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى ترك المعونة لَهُم والمباينة لَهُم وَاحْتَجُّوا بأخبار كَثِيرَة فِي المباينة
من ذَلِك حَدِيث النَّبِي ﷺ (لعنت الْخمر وبائعها ومبتاعها
стр. 40
وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنهَا)
وَاحْتَجُّوا بِأَن سعد أحرق كرمه وَقَالَ بئس الشَّيْخ أَنا إِن أَنا بِعْت الْخمْرَة
وَنهى رَسُول الله ﷺ عَن الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا عَن كَلَامهم وَعَن مُبَايَعَتهمْ وَأمرهمْ أَن يعتزلوا نِسَاءَهُمْ وَلم يكن التَّخَلُّف مِنْهُم على نفاق وَإِنَّمَا كَانَ ذَنبا حَتَّى أنزل الله جلّ وَعز تَوْبَتهمْ
وَقَالَت فرقة المعونة لَهُم حرَام فِي كل مَكَان لَهُم فِيهِ مَنْفَعَة وَهُوَ مَذْهَب طَائِفَة من المتصوفة مَعَهم جهل كَبِير وغلظة
وَقَالَت طَائِفَة بيع السِّلَاح والكراع مِنْهُم مَعْصِيّة وَمَا سوى ذَلِك فَترك المعونة لَهُم وَترك متابعتهم أفضل
وهم طوائف النساك والقراء مِمَّن ينتحل مَذْهَب أبي عبد الله سُفْيَان بن سعيد الثَّوْريّ والفضيل بن عِيَاض والمعافى بن عمرَان ووكيع بن الْجراح وَأبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ وَعِيسَى بن يُوسُف ويوسف بن أَسْبَاط وَابْن الْمُبَارك وَإِبْرَاهِيم بن أدهم وَعباد بن عتبَة الْخَواص ومخلد بن الْحُسَيْن
следующие страницы →