ـ[الاستخراج لأحكام الخراج]ـ
المؤلف: أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (المتوفى: ٧٩٥هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
[مقدمة المؤلف]
بسم اللّه الرحمن الرحيم، وبه توفيقي
قال الشيخ الِإمام العالم العلامة أبو الفرج عبد الرجمن بن الشيخ الِإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي، أمتع اللّه ببقائه:
الحمد للّه الذي مهد لبني- آدم قبل أن يخلقهم بساط الأرض وجعلهم فوق ظهورها خلائف يخلف بعضهم فيها البعض، ومكن لعباده المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها لِإقامة ما شرعه من السنن والفرض وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، المتصرف في خلقه بالِإبرام والنقض والعطاءوالمنع والرفع والخفض.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أشرف نبي حث على طاعة اللّه وحض، وأفضل رسول ظهر دينه على الدين كله في طول البلاد والعرض.
[صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة تدوم وتبقى، إلى يوم اللقاء والعرض] وسلم تسليماً.
أما بعد فإن اللّه تعالى خلق الخلق كلهم لعبادته. كما قال: (وما خلقت الجن والِإنس إلا ليعبدون). وأرسل الرسل كلهم للدعوة إلى توحيده وطاعته كما قال (وما أرسلنا من رسول إلا يوحى إليه، أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)
ولما أهبط آدم وزوجته وأسكنهما في الأرض، أخذ عليهما أن من أطاعه من ذريتهما واتبع رسله كان من السعداء، ومن أعرضِ عن ذلك كان من الأشقياء، كما قال تعالى (قلنا اهبطوا منها
جميعاَ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها
خالدون) وقال تعالى (قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى، فمن
стр. 3
اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى)
فلما افترق بنو آدم وصاروا فرقاً شتى بين مؤمن وكافر وبر وفاجر، أرسل اللّه الرسل وأنزل معهم الكتب، وأقام بهم الحجج، لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل، وأمر عباده المؤمنين بدعوة الكافرين، وشرع جهادهم بالسيف والسنان، وبإقامة الحجج والبراهين، وجعل العاقبة
لأهل التقوى وأتباع المرسلين، وسلط على من استنكف عن عبادته واستكبر عنها جنده الغالبين، حتى صاروا عبيداً للعبيد عقوبة على امتناعهم من عبادة رب العالمين، وأورث المؤمنين ما كان خولهم من الأموال والأولاد والديار والأراضين. كما قال تعالى حاكياً عن نبيه موسى ﵇ حيث قال لقومه (استعينوا باللّه واصبروا إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) وقال تعالى مخاطباً أمة محمد ﷺ : (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهمْ الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً
ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وقال النبي ﷺ : "إن الله
زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها. وقد صدق اللّه وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحدة، فمكن لأمة محمد ﷺ في البلاد، وملكهم رقاب غيرهم من العباد وأورثهم أرضهم وديارهمِ وأموالهم بسبب ما شرعه لهم من الجهاد، ولم يقبض اللّه نبيه محمدا ﷺ حتى فتح عليه جزيرة العرب، وكثيراً من بلاد اليمن وغيرها من البلاد، فمن ذلك ما أخذه صلحاً ومنه، ما فتحه بالسيف عنوة ومنه ما أسلم أهله طوعاً. ثم افتتح خليفته، الصديق الأكبر كثيراً من أرض فارس والروم. ثم اتسعت رقعة
стр. 4
الِإسلام وكثرت الفتوح على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فكان أكثرها عنوة وبعضها صلحا. وكثر في زمانه أهل الِإسلام، وملك المسلمون أكثر بلاد العراق، ومصر والشام، فكان من رأيه السديد وأمره
الرشيد أن ترك أراضي العنوة التي فتحها اللّه تعالى عليه فيئاً لعموم المسلمين، يشترك في الانتفاع بغلتها عموم المجاهدين إلى يوم الدين، وضرب عليها خراجاً يؤخذ ممن يقر بيديه يكون عدة للمقاتلين، وكان ذلك برضى من الأنصار والمهاجرين وبإشارة أكابرهم بذلك كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وغيرهما من أئمة أهل العلم والدين.
وقد استخرت اللّه تعالى في جمع كتاب يجمع أحكام الخراج، وما يتعلق به من تصوير المسائل وتقرير المذإهب وتحرير الدلائل والحجاج وسميته "كتاب الاستخراج لأحكام الخراج "، ورتبته على عشرة أبواب ليسهل كشف مسائله وتطلبها من الكتاب واللّه الموفق للصواب:
الباب الأول: في معنى الخراج في اللغة.
الباب الثاني: فيما ورد في السنة من ذكر الخراج.
الباب الثالث: في أصل وضع الخراج وأول من وضعه في الِإسلام.
الباب الرابع: فيما يوضع عليه الخراج من الأرض وما لا يوضع
الباب الخامس: في معنى الخراج وهل هو أجر أو ثمن [أو] جزية.
الباب السادس: فيما وضع عمر عليه الخراج من الأرض.
الباب السابع: في مقدار الخراج.
الباب الثامن: في حكم تصرفات أرباب الأرض الخراجية فيها.
стр. 5
الباب التاسع: في حكم تصرفات الِإمام في أرض العنوة إذا صارت وقفاً [أو فيئاً].
الباب العاشر: في حكم مال الخراج ومصارفه والتصرف فيه.
стр. 6
الباب الأول: في معنى الخراج
قال بعضهم: هو المال الذي يجبى ويؤتى به لأوقات محدودة ذكره ابن عطية قال وقال الأصمعي الخراج الجعل مرة واحدة والخراج ما ردد لأوقات ما قال ابن عطية هذا فرق استعمالي وإلا فهما في اللغة بمعنى وقد ورد في كتاب الله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ (١). هذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وقرأ حمزة والكسائي: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. وقرأ ابن عامر خرجا في الموضعين وقال تعالى في قصة ذي القرنين َ﴿فهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ (٢) وقرىء خراجا أيضا قال ابن عباس ﵁ خرجا يعني أجرا وقال أبو عبيد الخراج في كلام العرب إنما هو الغلة ألا تراهم يسمعون غلة الأرض والدار والمملوك خرجا ومنه حديث النبي ﷺ (٣) أنه قضى بالخراج بالضمان وحديث (٣) أن النبي ﷺ لما حجمه أبوطيبة كلم أهله فوضعوا عنه من خراجه فسمى الغلة خراجا وقال الأزهري الخراج اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال ويقطع على القرية وعلى مال الفيء ويقع على الجزية على الغلة والخراج المصدر انتهى والجزية تسمى خراجا وقد كتب النبي
стр. 7
صلى الله عليه وسلم إلى قيصر كتابا مع دحية يخبره بين إحدى ثلاث منها أن يقر له بخراج يجري عليه والحديث في مسند الامام أحمد وغيره.
стр. 8
الباب الثاني: فيما ورد في السنة من ذكر الخراج قد وردت أحاديث تدل على وقوعه
تقريره في صحيح مسلم من طريق اسماعيل (١) عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مديها ودينارها ومنعت مصر أردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه". وروى أبو اسحق الفزاري في كتاب السير له عن الأوزاعي عن عروة ابن رويم قال: جاء نفر إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا كنا حديثي عهد بجاهلية فكنا نصيب من الايتام والربا فأردنا أن نحبس أنفسنا في بيوت نعبد الله حتى نموت قال: فسر بذلك رسول الله ﷺ ثم قال: "إنكم ستجندون أجنادا ويكون لكم ذمة وخراج وستفتح لكم أرضون على سيف البحر منها مدائن وقصور فمن أدرك ذلك منكم فاستطاع أن يحبس نفسه في مدينة من تلك المدائن أو قصر من تلك القصور حتى يموت فليفعل". وكذلك رواه عمر بن عبد الواحد في مسائله عن الاوزاعي به وهو مرسل (٢).
стр. 9
وجاءت أحاديث آخر تدل على كراهة الدخول فيه قال أبو داود في سننه باب في الدخول في أرض الخراج حدثنا هارون بن محمد بن بكار ابن بلال حدثنا محمد بن عيسى يعني ابن سميع حدثنا زيد بن واقد حدثني أبو عبد الله عن معاذ أنه قال: "من عقد الجزية في عنقه فقد برىء مما عليه رسول الله ﷺ ". هذا موقوف وأبو عبد الله لا يعرف.
وأخرجه أبو عبيد عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد عن زيد بن واقد قال: حدثني أبو عبد الله مسلم بن مشكم قال: "من عقد الجزية في عنقه فقد برىء مما عليه رسول الله ﷺ ". هذه الرواية أصح وهي مرسلة وصدقة بن خالد أحفظ من ابن سميع ثم قال أبو داود حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي حدثنا بقية حدثني عمارة بن أبي الشعثاء حدثني سنان بن قيس حدثني شبيب بن نعيم حدثني يزيد بن خمير حدثني أبو الدرداء قال قال رسول الله ﷺ : "من أخذ أرضا بجزيتها فقد استقال هجرته ومن نزع صغار كافر من عنقه فجعله في عنقه فقد و لى الاسلام ظهره". قال: فسمع مني خالد بن معدان هذا الحديث فقال لي أشبيب حدثك قلت نعم قال فإذا قدمت فسله أن يكتب لي: بالحديث قال فكتبه له فلما قدمت سألني ابن معدان القرطاس فأعطيته فلما قرأه ترك ما في يده من الارض حين سمع ذلك قال أبو داود هذا يزيد بن خمير اليزني ليس هو صاحب شعبة انتهى ومراده أن يزيد بن خمير هذا غير الذي يروي عنه شعبة وهو كذلك ويزيد هذا يزني متقدم يحدث عنه بشير بن عبيدالله وغيره وشيخ شعبة يروي عنه صفوان بن عمرو ونحوه وشبيب بن نعيم الكلاعي يقال له أيضا شبيب بن أبي روح الوحاظي الحمصي يروي عنه حريز الرحبي وغيره ذكره ابن حبان في ثقاته وقال أبو داود شيوخ حريز كلهم ثقات وسنان بن قيس ويقال سيار ذكره ابن حبان في ثقاته
وروى عنه معاوية بن صالح أيضا وعمارة بن أبي الشعثاء وأخراج
стр. 10
هذا الحديث الحافظ أبو أحمد الحاكم في كتاب الكنى من طريق المعافي بن عمران عن أبي عبد الرحمن الشامي عن عمارة بن عثمان القرشي عن شبيب بن نعيم الكلاعي عن يزيد بن خمير عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه وقال هذا حديث منكر رواية من فوق المعافي الى يزيد بن خمير مجاهيل قال وأبو عبد الرحمن خليق أن يكون محمد بن قيس المصلوب والله أعلم وفي هذا الاسناد مخالفة لرواية بقية التي أخرجها أبو داود وفيه زيادة أم الدرداء.
وفيه حديث آخر من رواية نصير بن محمد الرازي صاحب ابن المبارك عن عثمان بن زائدة عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك ﵁ رفعه قال: "من أقر بالخراج وهو قادر على أن لا يقر به فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا". قال ابن أبي حاتم حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن هذا الحديث فقال هذا حديث منكر ما سمعنا بهذا وقال ابن أبي حاتم وقال أبي هذا حديث باطل لا أصل له وقال الميموني كتبت الى أحمد أسأله عن هذا الحديث فأتاني الجواب ما سمعنا بهذا هو حديث منكر.
وقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يكره الدخول في الخراج (١) وإنما كان الخراج في عهد عمر ﵁ ونقل صالح في مسائله عن أبيه نحو هذا الكلام وخرج هذا الحديث يحيى بن آدم في كتابه عن عبيد الله الاشجعي عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن رجل من جهينة عن النبي ﷺ وهذا أشبه والجهني مجهول لا يعرف.
стр. 11
الباب الثالث: في أصل وضع الخراج وأول من وضعه في الاسلام
ذكروا أن سواد العراق كان الخراج موضوعا عليه قبل الاسلام في زمن ملوك الفرس فذكر يحيى بن آدم في كتاب الخراج عن الحسن بن صالح قال: سوادنا هذا يعني سواد الكوفة سمعنا أنه كان في أيدي النبط فظهر عليهم أهل فارس فكانوا يؤدون اليهم الخراج فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من النبط والدهاقين على حالهم ووضعوا الجزية على رؤس الرجال ومسحوا عليهم ما كان في أيديهم من الارض ووضعوا عليها الخراج وقبضوا على كل أرض ليست في يد أحد فكانت صوافى إلى الامام قال الناصري من أصحابنا في كتاب المستوعب ذكر شيخنا في شرحه يعني أبا حكيم النهرواني أنه وجد في بعض الكتب عن أبي الحسين اسحاق بن يحيى بن شريح أن السواد كان في القديم علىالمقاسمة وأول من نقله من المقاسمة الى الخراج قباز بن فيروز وكان سبب نقله من المقاسمة الى الخراج أن كسرى قباز بن فيروز ركب في بعض الايام للتصيد فانفرد عن أصحابه في طلب طريدة فأشرف على بستان فيه ثمرة وامرأة تخبز ومعها ابن لها فكان الصبي كلما هم بأخذ شيء من الثمرة من البسان تركت خبزها ومنعته من تناول شيء من الثمرة فناداها كسرى قباز لم منعت الصبي من ذلك؟ فقالت: إنها مقاسمة للملك فيها حق ولم يأت عامله ليقبضه فرق لها قباز وأمر باطلاق
стр. 12
الغلات والثمار لأهل السواد ووضع على ذلك المسايح وألزم أهلها الخراج.
ولم يزل السواد على المساحة والخراج الى أن زال ملك الاكاسرة عنه وافتتحه عمر ﵁ على يد سعد بن أبي وقاص ﵁ وقد تقدم قول الامام أحمد ﵁ إنما كان الخراج على عهد عمر ﵁ يعني أنه لم يكن في الاسلام قبل خلافة عمر ﵁ ولا ريب أن عمر ﵁ وضع الخراج على أرض السواد ولم يقسمها بين الغانمين وكذلك غيرها من أراضي العنوة.
وذكر أبو عبيد أن علي بن أبي طالب ﵁ ومعاذ بن جبل أشارا على عمر ﵃ بذلك.
وروي من طريق اسرائيل عن أبي سحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر ﵁ أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين فأمر أن يحصوا فوجد الرجل نصيبه ثلاثة من الفلاحين فشاور في ذلك فقال له علي ابن أبي طالب دعهم يكونوا مادة للمسلمين فتركهم وبعث عليهم عثمان ابن حنيف فوضع عليهم ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثنى عشر (١).
ومن طريق يحيى بن حمزة حدثني تميم بن عطية العنسي أخبرني عبد الله بن قيس قال: قدم عمر ﵁ الجابية فأراد قسم الأرض بين المسلمين فقال معاذ ﵁ إذن والله ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك الى الرجل الواحد أو المرأة ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون في الاسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم وفي رواية أخرى له قال فصار عمر الى قول معاذ ﵄.
стр. 13
وروي أبو زرعة الدمشقي وأخرجه من طريقه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر عن هشام بن حماد عن الوليد بن مسلم عن تميم بن عطية حدثني عبد الله بن قيس الهمداني قال: كنت فيمن يلقي عمر بن الخطاب ﵁ مقدمة من الشام والجابية يريد قسم ما فتحناه من الأرضين قال فتلقيناه خلف أذرعات مع أبي عبيدة ﵁ فذكر الحديث وقال فيه فمضى عمر ﵁ حتى نزل الجابية فذكر عمر ﵁ قسم الأرضين فأشار عليه معاذ بن جبل ﵁ بايقافها فأجابه عمر ﵁ الى ايقافها وعبد الله بن قيس قال أحمد ثقة وقال أبو حاتم صالح وتميم بن عطية قال أبو حاتم محله الصدق.
قلت أما ما أشار به معاذ ﵁ فهو وضع الخراج على الأرض وتركها فيأ للمسلمين وأما ما أشار به علي ﵁ فإنما هو في رقاب الأسارى ولذلك بعث عثمان بن حنيف فوضع عليهم الجزية.
وقد جاء ذلك صريحا في رواية أخرى فرواه الحسن بن زياد اللؤلؤي في كتاب الخراج له عن اسرائيل باسناده المتقدم (١) ولفظه أنا عمر ﵁ لما افتتح السواد أراد أن يقسم رؤس الرجال بين المسلمين وذكر بقية الحديث وقال في آخره: بعث عثمان بن حنيف فوضع على رؤس الرجال من أهل السواد علىالموسر منهم ثمانية وأربعين درهما وعلى المقتصد أربعة وعشرين وعلى الدون احدى عشر درهما وجعل ذلك جزية عليهم يؤدونها في كل عام وقد روي أن عمر
стр. 14
رضي الله عنه خيرهم بين الاسلام والجزية فاختاروا الجزية فلم يضرب الجزية عليهم بغير اختيارهم.
فروى يحيى بن آدم في كتاب الخراج حدثني محمد بن طلحة بن مصرف عن محمد بن المساور عن شيخ من قريش عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أتاه رؤساء السواد وفيهم ابن الرفيل فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا قوم من أهل السواد وكان أهل فارس قد ظهروا علينا وأضروا بنا ففعلوا وفعلوا حتى ذكروا النساء فلما سمعنا بكم فرحنا بكم وأعجبنا ذلك فلم نرد كفكم عن شيء حتى أخرجتموهم عنا فبلغنا أنكم تريدون أن تسترقونا فقال عمر ر ضي الله عنه فالآن إن شئتم فالاسلام وإن شئتم فالجزية فاختاروا الجزية ولعل عمر ﵁ أراد قسمة الارض وأهلها جميعا ويدل عليه ما رواه الاعمش عن أبي اسحاق عن طلحة بن مصرف قال قسم عمر ﵁ السواد بين أهل الكوفة فأصاب كل رجل منهم ثلاثة فلاحين فقال له علي ﵁ فما يكون لمن بعدهم فتركهم أخرجه ابن أبي شيبة والاثرم.
وفي صحيح البخاري من رواية زيد بن أسلم عن ابيه أنه سمع عمر ابن الخطاب ﵁ يقول: أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس بيانا ليس لهم شيء ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خبير ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها.
ولم يزل أمر السواد على الخراج الى دولة بني العباس فجعله المنصور مقاسمة حيث رخصت الاسعار فلم تف الغلات بخراجها وخرب السواد فجعله مقاسمة ثم تبعه على ذلك ابنه المهدي وجعله مقاسمة بالثلث فيما سقي بالدوالي وبالربع فيما سقي بالدواليب والنواضح.
стр. 15
الباب الرابع: فيما يوضع عليه الخراج من الأرضين وما لا يوضع
الأرض أما أن تكون للمسلمين أو للكفار فأماأرض المسلمين فهي قسمان: أحدهماأرض لها مالك معين من المسلمين وهي ما أحياها المسلمون من غير أرض العنوة أو ما أسلم أهلها عليها ولم يكن ضرب عليهم خراج قبل الاسلام فهذه لاخراج عليها وكذلك ما ملكها بعض المسلمين من الكفار ابتداء كأرض قاتلوا عليها الكفار وقسمها الامام بين الغانمين فكل هذه من أراضي المسلمين مملوكة لمن هي في يده ولا خراج على المسلم في خالص ملكه الذي لا حق لأحد فيه وهذا لا يعلم فيه خلاف ونص عليه الامام أحمد في: إحياء الموات وفيمن أسلم على أرض بيده ونقل حنبل عنه فيمن أسلم على شيء فهو له ويؤخذ منه خراج الارض قال القاضي: هذا محمول على أنه كان في يده أرض من أرض الخراج فلا يسقط خراجها بإسلامه.
وفي مسائل حرب قال احمد مرة: أرض الصلح هي خراج قيل: كيف قال الرجل يكون في يده الأرض فيسلم ويصالح على أرضه؟! فهذا هو خراج قال حرب هذا عندي وهم ولا أدري كيف هذا لأن الرجل اذا لم يسلم وصالح على أرضه أخذ منه ما صالح عليه فإذا أسلم بعد الصلح فان أرضه عشر انما الخراج العنوة.
стр. 16
وقال لي أحمد مرة أخرى: أرض الصلح هي عشر كيف يؤخذ منها الخراج ولا أدري لعلي أنا لم أفهم عن أبي عبد الله القول الأول في أرض الصلح.
وسمعت أحمد مرة أخرى يقول: اذا فتح المسلمون الأرض عنوة فصارت فيأ لهم فهو خراج قال: وأرض العشر الرجل يسلم بنفسه من غير قتال وفي يده الأرض فهو عشر مثل المدينة ومكة.
وفي كتاب الخلال عن حرب ويعقوب بن بختان عن احمد في الذمي يسلم وله أرضون قال: يقوم بخراجها ويمكن تأويله على أنه كانت بيده أرض خراج كما تأول عليه القاضي رواية حنبل والله أعلم.
وذهب الحنفية الى أن من حيى مواتا في أرض الاسلام وسقاه من أرض الخراج أن عليه الخراج وهذا بنوه على أصلهم في أن الاعتبار في وجوب الخراج بالماء المسقي به لا بالارض.
القسم الثاني
أرض للمسلمين عموما ليس لها مالك معين فهذه التي يوضع عليها الخراج في الجملة وسواء كانت في أيدي المسلمين أو الكفار وأما أرض الكفار التي صالحونا على أنها لهم ولنا عليها الخراج فيثبت الخراج عليها أيضا بحسب ما صالحوا عليه وهذا كله مجمع عليه في الجملة لا يعلم فيه خلاف إلا أن يحيى بن آدم حكي في كتابه عن شريك أنه قال: إنما أرض الخراج ما كان صلحا على خراج يؤدونه الى المسلمين قال: وأما السواد فانه أخذ عنوة فهو فيء ولكنهم تركوا فيه ووضع عليهم شيء وليس بالخراج وكأن مأخذه في ذلك والله أعلم أن الخراج ما وضع على الكفار على وجه الصغار عليهم والذلة و هذا انما يكون فيما وضع على
стр. 17
أرضهم بسبب الكفر كالجزية الموضوعة على رؤسهم بسبب الكفر وسمى الجزية خراجا كما سبق ذكره بخلاف ما وضع على أرض المسلمين فانه ليس موضوعا على وجه الصغار وانما هو في الحقيقة كالاجرة له وهذا نزاع لفظي لا يترتب عليه حكم شرعي ويحتاج ههنا الى الكلام على مسألتين:
أحداهما الارض التي لعموم المسلمين نوعان: أحدهما أرض الفيء وهي ما لم يتعلق حق مسلم معين بها ابتداء كأرض هرب أهلها من الكفار واستولى المسلمون عليها فهذه فيء.
وأرض من مات من الكفار ولا وارث له فانها فيء عند الشافعي واحمد في المشهور عنه وكذا عند أبي حنيفة وأصحابه إلا أنهم جعلوها مصروفة في مصالخ خاصة وعند مالك والنخعي ماله لأهل ملته ودينه وعن احمد نحوه.
واختلف العلماء في حكم أرض الفيء هل تصير وقفا بمجرد انتقالها الى المسلمين أم لا؟ نص الشافعي أنها تصير وقفا ما عدا الخمس لأن الفيء عنده يخمس واختلف أصحابه على طريقين:
أحدهما أن يصير هذا بالوقفية على قوله أن مصرف الفيء المصالح فأماعلى قوله انه للمقاتلة فيجب قسمتها بينهم.
والثاني أنه وقف على القولين جميعا لكن ان قلنا مصرف الفي المصالح صرفت غلة هذه الأرض في المصالح وان قلنا المقاتلة خاصة صرفت الغلة في مصالحهم.
واختلف أصحابنا هل تصير أرض الفي وقفا بمجرد استيلاء المسلمين عليها أم لا على وجهين:
فمنهم من حكى هذا لخلاف في الارض التي جلى أهلها عنها خاصة
стр. 18
كأبي الخطاب ومن تبعه ومنهم من حكاه في أرض من مات ولا وارث له خاصة كالقاضي في الاحكام السلطانية وجعل حكمها حكم أرض العنوة على ما سيأتي ان شاء الله تعالى.
وذكر أن الامام له أن يصطفي لبيت المال من مال الغانمين باستطابة نفوسهم أو بحق الخمس ويكون ملكا لجميع المسلمين أو لأهل الخمس فان شاء الامام؟ استغله ومنهم من حكى في الارض التي جلى عنها الكفار حتى تصير وقفا بمجرد ذلك أم لا تصير وقفا بدون وقف الامام روايتين ولم يحك في أرض بيت المال الموروثة أنها لا تصير وقفا بدون وقف الامام كصاحب المحرر والمنصوص عن أحمد في ذلك ما نقله عنه صالح وأبو الحارث قال: كل أرض جلي عنها أهلها بغير قتال فهي فيء.
ونقل عنه المروزي انه قال: الأرض الميتة اذا كانت لم تملك فان ملكت فهي فيء للمسلمين مثل من مات وترك مالا لا يعرف له وارث والقاضي يتأول قول أحمد أنها فيء بأن المراد أنها وقف وظاهر كلام احمد يأبى ذلك ويدل على أنها مملوكة لعموم المسلمين.
ومن الأصحاب من جعل أرض العنوه المضروب عليها كذلك كما سنذكره ان شاء الله تعالى.
وإذا قلنا لا تصير وقفا بدون وقف الامام فحكمها قبل ذلك حكم مال الفيء المنقول صرح به صاحب المحرر وكذا ذكره القاضي في الأحكام السلطانية في أرض بيت المال الموروثة دون الارض التي اصطفاها الامام لبيت المال فانه جعلها كالوقف المؤبد وفي ذلك نظر.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر أن يزارع أرض الصوافي بجزء معلوم فان لم يوجد من يزارع عليها فلتمنح فان لم يوجد من يأخذها أنفق عليها من بيت المال ولا تبور أخرجه يحيى بن آدم.
стр. 19
ونقل يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح في جميع هذه الأراضي أن أمرها إلى الامام فان شاء أقام فيها من يعمرها ويؤدي الى بيت مال المسلمين عنها شيئا ويكون الفضل له وان شاء أنفق عليها من بيت المال واستأجر من يقوم فيها ويكون فضلها للمسلمين وإن شاء أقطعها رجلا ممن له غناء عن المسلمين.
وقد روي عن عمر ﵁ ما يدل على أنه جعلها كأرض العنوة في التخيير سواء.
قال الأثرم: حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أبو طلق حدثني أبو حنظلة بن نعيم أن سعدا كتب إلى عمر ﵁ إنا أخذنا أرضا لم يقاتلنا أهلها فكتب اليه عمر ﵁ إن شئتم أن تقسموها بينكم فاقسموها وإن شئتم أن تدعوها فيعمرها أهلها فمن جاء منكم بعد ذلك كان له فيها نصيب فإني أخاف أن تشاحنوا فيها وفي شربها فيقتل بعضكم بعضا.
ورورى الحسن بن زياد في كتاب الخراج عن الحسن بن عمارة عن محمد بن عبيد الله وعبد الرحمن بن سابط عن يعلى بن أمية أن عمر ﵁. استعمله على نجران وأوصاه أيما أرض جلي عنها أهلها فادفع الأرض وما فيها من النخيل والشجر إلى من يعملها ويقوم عليها على أن ما كان يسقى سيحا أو تسقيها السماء فلهم الثلث وللمسلمين الثلثان وما كان يسقى بغرب فلهم الثلثان وللمسلمين الثلث واسناده ضعيف جدا (١).
النوع الثاني: ما تعلق به ابتداء حق مسلم معين وهي أرض العنوة
стр. 20
التي قوتل الكفار عليها واخذت منهم قهرا فاختلف العلماء قديما وحديثا في حكم هذه الارض اختلافا كبيرا وحاصله يرجع الى أقول ثلاثة:
أحدهما أنه يتعين قسمتها بين الغانمين بعد اخراج الخمس منها كما تقسم المنقولات وهذا قول الشافعي وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور واختاره وحكاه الخلال في كتاب الاموال رواية عن أحمد من رواية عبد الله عنه وإلى الآن لم نقف على نقل صريح عن أحد معين قبل الشافعي بهذا القول إلا أن يحيى بن آدم حكاه عن قائل لم يسمه وحكاه أحمد عن أهل المدينة وأما ما روي عن الزبير ﵁ من طلب قسمة أرض مصر وعن بلال ﵁ من طلب قسمة أرض الشام فذاك إنما يدل على جواز قسمته لا على أنه لا يجوز غير ذلك ولهذا لما أبى عمر ﵁ عليهم القسمة لم ينكروا عليه ولا قال أحد منهم إن ذلك غير جائز (١) أو أنه مخالف لكتاب الله .
والقول الثاني أنها تصير فيأ للمسلمين بمجرد الاستيلاء عليها لا يملكها الغانمون ولا يجوز قسمتها عليهم وهذا قول مالك وأصحابه وهو رواية عن أحمد واختاره أبو بكر من أصحابنا قال أحمد في رواية حنبل ما كان عنوة كان المسلمون فيه شرعا واحدا وعمر ترك السواد لذلك ومما روي عنه أن أرض العنوة فيء من السلف الحسن البصري وعطاء بن السائب وشريك بن عبد الله النخعي والحسن بن صالح ويحيى بن آدم لكنه مع ذلك قال يتخير الامام بين قسمتها وتركها ولعل من قبله يقول كذلك الا مالكا فانه منع القسمة.
القول الثالث: أن الإمام يخير بين الأمرين إن شاء قسمها بين
стр. 21
الغانمين وان شاء لم يقسمها لعموم المسلمين وهذا قول أكثر العلماء في الجملة منهم أبو حنيفة والثوري وابن المبارك ويحيى بن آدم وأحمد في المشهور عنه وأبو عقيل وإسحاق واختلفوا في كيفية تخير الامام فقالت طائفة يخير بين أن يقسمها بين الغانمين وبين وقفها وهو المشهور عن أحمد.
وروي عن الثوري وابن المبارك وأبي عبيد واختلفوا هل تخمس اذا قسمها أم لا على قولين: حكاهما يحيى بن آدم والقول بالتخميس منصوص عن أحمد والثوري وعلى هذا فلا يجوز أن ترد على أهلها تمليكا بخراج ولا غيره ذكره القاضي أبو يعلى في خلافه وغيره وقالت طائفة يخير بين قسمتها وأهلها بين الغانمين وبين إقرار أهلها عليها ويجعل عليها وعليهم الخراج فتكون ملكا لهم هذا قول أبي حنيفة وحكاه الطحاوي عن الثوري.
وحكي عن أبي حنيفة أنه إن شاء أيضا صرف عنها أهلها ونقل إليها قوما بالخراج وليس له عنده وقفها.
وقالت طائفة يخير بين أربعة أشياء: الوقف والقسمة وإقرار أهلها على ملكهم بالخراج والجزية وأن يجلي أهلها عنها وينقل إليها قوما لذلك وهذا قول طائفة من أصحابنا كالقاضي في المحرر ومن تابعه واختلفوا هل يوضع الخراج على جميع أراضي العنوة أم يستثنى بعضها فمن أصحابنا من قال يوضع الخراج على جميع أراضي العنوة حتى على مزارع ملكة إذا قلنا فتحت عنوة وهو قول أبي الخطاب في كتاب الانتصار والسامري وغيرهما وقيل إن قولهما خلاف الاجماع وقالت طائفة لا خراج على مزارع مكة سواء قلنا فتحت عنوة أو صلحا وهو قول أبي عبيد واكثر أصحابنا فان النبي ﷺ لما رد مكة على أهلها لم يضرب عليهم خراجا وقد قيل في تعليله إن مكة لا يقر فيها كافر بحال فكذلك ما هو في الأصل على الكافر
стр. 22
والخراج في معنى الجزية فتصان مكة عنه. وإن قيل انه أجرة فبيوت مكة لا تؤجر لكن من منع إجارة بيونتها فأكثرهم خصوا ذلك بالمساكن إلا أن القاضي ابا يعلى ذكر في الاحكام السلطانية أن ما هو داخل في حدود الحرم كله لا يباع ولا يؤجر وذكر أن أحمد نص عليه في رواية مثنى الانباري.
وقيل في تعليل منع وضع الخراج على مزارع مكة إن العرب كما لا جزية على رقابهم فكذلك لا جزية على أرضهم ولكن في أخذ الجزية منهم نزاع مشهور ومقتضى هذا التعليل أنه لا يضرب الخراج على جميع أرض العرب الذي لا يؤخذ منهم الجزية وهذا قول الكوفيين الحسن بن صالح ويحيى بن آدم وحكي عن أبي حنيفة وفي كلام أبي عبيد ما يدل عليه.
وأعلم أن مآخذ الاختلاف بين العلماء في هذه المسألة ينبني على تحرير الكلام في ثلاثة أصول:
أحدهما أن الأرض المأخوذة عنوة هل هي داخلة في آية الغنيمة أو في آية الفيء؟
الثاني حكم خبير وهل قسمها النبي ﷺ أو لم يقسمها؟
الثالث ما فعله عمر ﵁ بأرض السواد وغيره من أرض العنوة.
الأصل الأول أن الأرض المعنوة هل هي داخلة في آية الغنائم المذكورة في سورة الانفاق وهي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١) الآية. أم هي داخلة في آية الفيء المذكورة في سورة الحشر وهي قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢) الآية. ثم
стр. 23
ذكر تلاوة اصناف المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم فقالت طائفة: الأرض داخلة في آية الغنيمة فانه تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. وشيءنكره في سياق النفي فيعم كل ما يسمى شيئا قالوا: وأية الفي لم يدخل فيها حكم الغنيمة كما أن آية الغنيمة لم يدخل فيها الفيء بل الغنيمة والفيء لكل واحد منهما حكم يختص به وهذا قول من قال من الفقهاء إن الأرض تتعين قسمتها بين الغانمين وقال طائفة بل الأرض داخلة في آية الفيء وهذا قول أكثر العماء صرحوا بذلك وممن روي عنه عمر بن عبد العزيز وقد سبق ذكر من قال من السلف إن السواد فيء ونص عليه الامام أحمد.
ووجه دخول الأرض في الفي أن الله تعالى قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية. فجعل الفيء لثلاثة أصناف المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم ولذلك لما تلا عمر ﵁ هذه الآية قال: "استوعبت هذه الآية الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق غلا بعض من تملكون من أرقائكم". أخرجه أبو داود من طريق الزهري عن عمر ﵁ منقطعا.
وروي من وجه آخر عن الزهري موصولا ورواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ﵁ أيضا ثم إن عمر ﵁ جعل أرض العنوة فيأ وأرصدها للمسلمين إلى يوم القيامة فدل على أنه فهم دخولها في آيات الفيء ولذلك قرره أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في رسالته المشهورة التي بين فيها أحكام الفيء وقد اعتمد عليها مالك وأخذ بها كما ذكر ذلك القاضي إسماعيل في كتاب أحكام القرآن وساقها بتمامها باسناده.
стр. 24
وذكر البخاري في صحيحه بعضها تعليقا وبين دخول الأرض في الفيء وان هذه الآيات ليست بسبب بني النضير وبنو النضير أجلاهم النبي ﷺ من المدينة بعد أن حاصرهم.
قال الزهري: حاصر رسول الله ﷺ بني النضير وهم سبط من اليهود بناحية من المدينة حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الابل من الأمتعة إلا الحلقة فأنزل الله فيهم يعني أول سورة الحشر. أخرجه أبو عبيد وخرجه أبو داود مطولا من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فذكر حديثا طويلا وفيه ان النبي ﷺ غزا على بني النضير بالكتاب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء فجلت بنو النضير واحتملوا ما أقلت الابل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها فدل أن نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة أعطاه الله إياها وخصه بها فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ (١) يقول فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين وقسمها بينهم وقسم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي في أيدي بني فاطمة ﵂ وهذا الكلام أكثره مدرج من قول الزهري والله أعلم.
وخرج أبو داود من قوله كانت بنو النضير للنبي ﷺ الى آخره من قول الزهري.
وثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ ان النبي ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزلت فيهم هذه الآية: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ (٢) الآية.
стр. 25
وفي الصحيحين أيضا عن عمر ﵁ أنه قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجب المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وكانت لرسول الله ﷺ خاصة فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة ثم ما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز و جل. وإذا علم أن الآية نزلت بسبب بني النضير فبنو النضير بما تركوا أرضهم ونخلهم و سلاحهم وقد جعله الله فيأ وخصه برسوله إما لأنه كان يملك الفيء في حياته أو لإنه كان يقسمه باجتهاد ونظره بخلاف الغنيمة.
ولا ريب أن بني النضير لم يتركوا أرضهم إلا بعد حصار ومحاربة ولم ينزلوا من حصونهم إلا خشية القتل ومع هذا فقد جعل الله أرض بني النضير فيأ وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ تذكير بنعمة الله عليهم في أنهم لم يحتاجوا في أخذ ذلك إلى كثير عمل ولا مشقة.
وقال مجاهد في قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ قال يذكرهم ربهم أنه نصرهم بغير كراع ولا عدة في بني قريضة وخيبر خرجه آدم بن أبي إياس عن ورقاء عن أبي نجيح عنه.
ومعلوم أن خيبر وقع فيها قتال لكن يسير فتكون الآية كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (١) وحينئذ فاما أن تكون الأرض تستثنى من عموم قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية! فيكون ذلك تخصيصا من العام وإما أن يكون هذا ناسخا لحكم الأرض من آية الغنيمة فان قصة بني النضير بعد قصة بدر بالاتفاق والأشبه التخصيص إلا أن يقال إن قصة بدر لم يدخل فيها إلا المنقولات إذ لم يكن في غنيمة بدر أرض وهذا على قول من يرى التخصيص
стр. 26
بالسبب ظاهر ومما يدل على تخصيص آية الغنيمة بالمنقولات أن الله تعالى خص هذه الأمة باباحة الغنيمة كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة.
والذي خصت باباحته هو المنقولات دون الأرض فان الله تعالى أورث بني إسرائيل أرض الكفار وديارهم ولم يكن ذلك ممتنعا عليها لأن الأرض ليست بداخلة في مطلق الغنيمة وإنما كان ممتنعا عليهم المنقولات ولهذا كانوا يحرقونها بالنار. وانما خص الغانمون من هذه الأمة بالمنقولات دون الأرض لأن قتالهم وجهادهم لله لا للغنيمة وانما الغنيمة رخصة من الله تعالى ورحمة بهم فخصوا بما ليس له أصل يبقى وأما ماله أصل يبقى فانه يكون مشتركا بين المسلمين كلهم من وجد منهم ومن لم يوجد بعد ذلك ويبين هذا أن الله تعالى نسب الغنيمة للغانمين فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فأما الأرض فاضافها الى الرسول لقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إشارة إلى أن كل قرية يفيئها الله على أمته الى يوم القيامة فهي مضافة الى الرسول غير مختصة بالغانمين والامام يقول مقام الرسول في قسمتها بالاجتهاد وقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ من الأرض خاصة. وقد صح عن عطاء بن السائب والحسن البصري وغيرهما من السلف انهم قالوا الأرض فيء وإن أخذت بقتال وتقدم ذكر ذلك عن جماعة من العلماء يدل على ذلك انه جعلها لثلاثة أصناف المهاجرين والانصار ومن جاء بعدهم من المسلمين وهذا لا يمكن في المنقولات قطعا لأن المنقولات تستهلك ويختص به من يأخذه فلا يمكن اشتراك جميع المسلمين فيه.
وقد قيل ان هذه الآية نزلت في قرى عرينة التي فتحت على النبي ﷺ أو فيها وفي قرى بني قريظة والنضير وحنين وقيل بل الآية تعم كل
стр. 27
ما فتح الى آخر الدهر وهو أصح وان كان سبب نزولها في قرى عرينة فان سبب النزول لا يخص الحكم العام قال معمر بلغنا أن هذه الآية نزلت في الجزية والخراج خراج القرى يعني القرى تؤدي الخراج ذكره ابن أبي حاتم..
وكذا قال الحسن بن صالح: إن الفيء ما أخذ من الكفار بصلح من جزية أو خراج وكذا فسر أحمد الفيء بأنه ما صولح عليه من الأرضين وجزية الرؤس وخراج الأرض. وقال: فيه حق لجميع المسلمين ولم يذكر في هذه الآية بغير إيجاف كما ذكره في الآية الأولى.
وقد تقدم عن مجاهد أنه حمل الآية الأولى على خيبر وقريظة مع ما فيها من نفي الايجاف فما لم يذكر فيه نفي الايجاف أولى أن يحمل على حالة القتال فمن هنا قالت طائفة من السلف المراد به ما أخذه المسلمون بقتال من الأرض.
ذكر ابن إسحاق عن أبيه عن المغيرة بن عبد الرحمن قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر دخل حديث أحدهما في الآخر قال أنزل الله تعالى في بني النضير سورة الحشر فكانت أموال بني النضير مما لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابا فجعل الله أموالهم لنبيه ﷺ يضعها حيث شاء ثم قال ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ما أوجف المسلمون عليه بالخيل والركاب وفتح بالحرب فلله وللرسول ولذي القربى فهذا قسم آخر بين المسلمين على ما وضعه الله فقسم الفيء لمن سمي من المهاجرين والأنصار ولمن جاء بعدهم أخرجه القاضي إسماعيل.
ونحو هذا قال قتادة ويزيد بن رومان وإن هذه القرى مما أخذ بالقتال لكنهم قالوا نسخ ذلك بآية الأنفال فان أرادوا النسخ الاصطلاحي وهو رفع الحكم فلا يصح لأن آية الأنفال نزلت عقب بدر
стр. 28
قبل بني النضير وإن أرادوا أنها بينت أمرها وأن المراد بأية الحشر خمس الغنيمة خاصة وهذا قول عطاء الخراساني ذكره آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي شيبة عنه على تقدير أن يكون المراد الخمس خاصة ولو قيل على تقدير أني كون المراد الخمس خاصة بآية الحشر أنها بينت ان خمس الغنيمة لا يختص بالاصناف الخمس بل يشترك فيها جميع المسلمين كان متوجها ويستدل بذلك على أن مصرف الخمس كله مصرف الفيء وهو أقوى الاقوال وهو قول مالك وقرره عمر بن عبد العزيز في رسالته في الفيء تقريرا بليغا شافيا ﵁ فهذه ثلاثة أقول في الآية.
إذا قلنا إن الفيء هنا ما أخذ بقتال هل هي منسوخة أو أن المراد بها خمس الغنيمة أو أن المراد بها الأرض خاصة وهذا الثالث أصح ويقرر هذا أن الفيء يستعمل كثيرا فيما أخذ بقتال.
وروى إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال أفاء الله على رسوله خيبر فأقرهم رسول الله ﷺ كما كانوا وذكر الحديث.
وروى يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن رسول الله ﷺ لما أفاء الله عليه خيبر قسمها ستة وثلاثين سهما وذكر الحديث خرجه أبو داود وإذا تقرر هذا فمن رأى دخول الأرض في أية الغنيمة خاصة أوجب قسمتها بين الغانمين ومن رأى دخولها في آية الفيء خاصة فمنهم من أوجب ارصادها للمسلمين عموما كقول مالك وأصحابه ومنهم من خير بين ذلك وبين قسمتها وهو قول الأكثرين.
ثم أن أبا عبيد زعم ان الصحابة ﵃ رأوا دخولها في كلتا الأثنتين فلذلك منهم من أشار بقسمتها ومنهم من أشار بحبسها ورد ذلك أصحاب مالك وقالوا: لو دخلت في آية الغنيمة لكانت حقا للغانمين
стр. 29
كالمنقولات فكيف يخير الامام بين اعطائها لأهلها المستحقين لها وبين منعهم حقهم؟! وقد يقال ان من رأى قسمتها كالزبير وبلال ﵄ وهو أول اختياري عمر ﵁ لم يكن مأخذه في ذلك دخولها في آية الغنيمة وإنما يكون مأخذهم في ذلك أنها لما كانت فيئا لجميع المسلمين وحقا مشتركا بينهم جاز تخصيص الغانمين بها لانهم من جملة المسلمين ولهم خصوصية على غيرهم بحصول هذه الارض بقتالهم عليها فإذا كانت المصلحة في تخصيصهم بها جاز وهذا كما أقطع عثمان ﵁ جماعة من الصحابة بعض أرض السواد إقطاع تمليك ونظيره وقف الامام بعض أراضي بيت المال على بعض المسلمين وقد أفتي بجواز ذلك ابن عقيل من أصحابنا وطوائف من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ومن الشافعية من منع ذلك وسنذكر ذلك مستوفى فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الأصل الثاني حكم خيبر وقد اختلف الناس فيما فعله فيها رسول الله ﷺ : فقالت طائفة قسمها جميعا بين أهل الحدبية ومن شهد خيبر ومن غاب عنها وهذا قول الزهري ذكره أبو داود في سننه وقد تقدم أن عمر ﵁ قال: "لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خيبر". وكذا روى ابن وهب في مسنده عن ابن لهيعة عن يزيد (١) بن أبي حبيب عمن سمع عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة يقول سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول لما افتتحت مصر قال الزبير بن العوام لعمرو بن العاص ﵄ أقسمها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إلى عمر ﵁ فكتب إليه عمر ﵁
стр. 30
أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة (١). وأخرجه الامام أحمد وأبو عبيد
وروى أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير عن ابن المبارك عن جرير ابن حازم قال: سمعت نافعا يقول: أصاب الناس فتحا بالشام فيهم بلال قال: وأظنه ذكر معاذا فكتبوا إلى عمر ﵁: إن الفيء الذي أصيب لك خمسه ولنا ما بقي ليس لأحد فيه شيء كما صنع النبي ﷺ بخيبر فكتب عمر ﵁ إنه ليس على ما قلتم ولكن أقفها للمسلمين فراجعوه الكتاب وراجعهم بأبون ويأبى فلما أبوا قام عمر ﵁ فدعا عليهم فقال اللهم اكفني بلالا وأصحاب بلال فما حال الحول حتى ماتوا جميعا.
وقالت طائفة: لم يقسم فيها شيء في عهد النبي ﷺ إنما قسمت في عهد عمر ﵁ فهذا قول الطحاوي قال وإنما كان النبي ﷺ يقسم غلاتها ولم يقسم الأرض وإنما قسم أرضها عمر ﵁ في خلافته حين أجلى اليهود عنها.
وقالت طائفة: بل قسم بعضها وترك بعضها بغير قسمة للمصالح وهذا هو الأظهر.
ويدل عليه ما خرجه أبو داود من رواية أسامة بن زيد عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر ﵁ أنه قال: جزأ رسول الله ﷺ خيبر ثلاثة أجزاء جزأين بين المسلمين وجزء نفقة لأهله فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين.
وخرج أيضا من طريق ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال: قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين نصف
стр. 31
لنؤائبه وحاجته ونصف بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما.
ومن طريق أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار قال: لما أفاء الله على نبيه ﷺ خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين.
وأخرجه أيضا من طريق أبي شهاب عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أنه سمع نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالو فذكر هذا الحديث. وقال كان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله ﷺ وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب.
وأخرجه أيضا من طريق محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن بشير ابن يسار عن رجال من أصحاب النبي ﷺ لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فكان لرسول الله ﷺ والمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والامور ونوائب الناس فهذا صريح في أن نصف خيبر قسم على أهلها ونصفها تركه النبي ﷺ فيأ يتصرف فيه تصرفه في الفيء.
وخيبر انما قسمت على أهل الحديبية خاصة.
وروى علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة ﵁ قال كانت خيبر فقال الزهري وابن اسحاق كان منهم من غاب عنها وأخذ من نصيبه وقال موسى بن عقبة لم يتخلف عن خيبر أحد من أهل الحديبية.
واختلفوا هل اعطى من القسمة من شهد خيبر ممن لم يشهد الحديبية على قولين حكاهما القاضي إسماعيل في كتاب الاموال له.
стр. 32
وذكر ابن إسحاق ان خيبر قسمت على نخل من شهدها من أهل الحديبية قال القاضي إسماعيل ولم تختلف الرواية أنها قسمت بين أهل الحديبية من شهد منهم خيبر ومن غاب عنها.
وفي صحيح البخاري أن عمر ﵁ لما أجلى اليهود من خيبر قال: "من كان له سهم بخيبر فليحضر", فقسمها عمر ﵁ بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية.
وهذا يدل بمفهومه على أنه لم يقسم منها لمن لم يشهد خيبر من أهل الحديبية وقد أشرك النبي ﷺ معهم جماعة جاءوا بعد الفتح منهم جعفر وأبو موسى وأصحابه وأبو هريرة وأصحابه فقيل: كان ذلك برضى من المستحقين قاله موسى بن عقبة ومحمد بن سعد.
وفي مسند أحمد حديث يدل على ذلك ويحتمل أن يكون أعطاهم من الخمس واختلفوا هل كانت خيبر كلها عنوة أم لا.
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال خرجت مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فأصبناها عنوة.
وقال الزهري: بلغني أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال خرجه أبو داود من طريق يونس عنه.
وخرج أيضا من طريق مالك عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحا.
وعن الزهري أن سعيد بن المسيب أخبره أن رسول الله ﷺ اففتح بعض خيبر عنوة.
وخرج أيضا من طريق ابن إسحاق عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر وبعض ولد محمد بن مسلمة قالوا: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا
стр. 33
فسألوا رسول الله ﷺ أن يحقن دماءهم ويسيرهم ففعل فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك فكانت لرسول الله ﷺ خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
قال القاضي إسماعيل: ما كان من خيبر أخذ من غير قتال جرى مجرى بني النضير.
وسئل الامام أحمد عن أرض خيبر فقال: ما صح لي من أمرها شيء. نقله عنه اسحق بن منصور وعن إسحاق بن راهويه مثله.
وإذا تقرر هذا فمن زعم أن خيبر كلها قسمت استدل بذلك على وجوب قسمة الأرض بين الغانمين ومن زعم أن النبي ﷺ لم يقسم شيئا من أرضها استدل بذلك على أن الأرض لا تقسم بل تترك فيأ وأما قسمة عمر ﵁ لها دون أرض العنوة التي فتحها فلأن المسلمين كثر فيهم من يعمل على الأشجار فاستغنوا عن اليهود وأرض خيبر من أرض الحجاز وهي أرض عرب فلا يضرب عليهم الخراج ولا يبقى فيها كافر بعد إجلاء عمر ﵁ اليهود عنها فتعين قسمتها بين أهلها ليشتغل كل واحد منهم نصيبه ومن رأى أن بعضها قسمه النبي ﷺ وبعضها تركه فيأ استدل بذلك على جواز الأمرين وزعم ابن جرير الطبري أن ما قسمه النبي ﷺ منها كان فتح عنوة وما لم يقسم منها كان أخذه صلحا واعترض القاضي إسماعيل على من استدل بقسمة خيبر على قسمة أرض الفيء بأن قسمة خيبر لا يجوز القياس عليها لأنها قسمت على أهل الحديبية من غاب منهم ومن حضر واشترك فيها من لم يحضر الوقعة من غير أهل الحديبية ومع هذا يمتنع الحاق غيرها بها ويجاب على ذلك بأنه يحتمل أن أهل الحديبية لم يتخلف منهم أحد عن شهود فتح خيبر كما ذكر موسى بن عقبة ويحتمل أن اعطاء أبي موسى وأبي هريرة وأصحابهما رضي الله عنهم
стр. 34
كان بطيب نفس الغانمين كما قاله موسى بن عقبة ومحمد بن سعد وأن يكون لحوقهم قبل احراز الغنيمة فاستحقوا مع الغانمين بناء على ان الغنيمة لا تملك بدون الحيازة فمن أدركهم قبل حال الملك ملك معهم وهو كلام الخرقي من أصحابنا.
وأيضا فان النبي ﷺ من غنائم بدر لبعض من كان غائبا عنها كعثمان وطلحة والزبير ﵃ وهذا يدل على أن الغنيمة ليست كمباح اشترك فيه ناس مثل الاصطياد والاحتطاب فان ذلك الفعل مقصوده هو اكتساب المال بخلاف الغنيمة فان المقصود للجهاد اعلاء كلمة الله والغنائم لم تبح لمن كان قبلنا وإنما ابيحت لنا معونة على مصلحة الدين وأهله فمن نفع المجاهدين بنفع استعانوا به على تمام جهادهم جعل منهم وان لم يحضر ولهذا قال النبي ﷺ "المسلمون يد واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ويرد مستريهم على قاعدهم فانما المتسري انما يسري بقوة القاعد" فالمعاونون للمجاهدين من المجاهدين فاذا رأىالامام اشراك من فيه منفعة للمسلمين في الغنيمة جاز كما يجوز أن يفضل بعض الغانمين على بعض للمصلحة في أصح القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد ويدل عليه اعطاء النبي ﷺ المؤلفة من غنائم حنين وكان شيئا كثيرا لا يحتمله الخمس
ومما يستدل به على أن الأرض لا يجب قسمتها فان النبي ﷺ فتح مكة وكان فتحه عنوة على أصح القولين كما دلت عليه النصوص الصحيحة ولم يقسمها بل أطلقها لأهلها ومن عليهم بأنفسهم وديارهم واموالهم حيث أسلموا قبل قسمة ذلك كله ولم يعوض أحدا من الجيس معه عن ذلك شيئا بخلاف مال هوازن لما رده عليهم بعد القسمة فانه عوض من لم يرض بالرد.
стр. 35
"الأصل الثالث" فعل عمر ﵁ في أرض العنوة التي فتحت في زمانه فانه لم يقسمها بين الغانمين وكان قد عزم على قسمة بعضها ثم رجع عن ذلك ورأى قسم بعضها ثم استردها قسمة كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وقد سبق بعض الآثار عن عمر ﵁ بذلك وسيأتي بعضها إن شاء الله تعالى فاختلف الناس في وجه ما فعله عمر ﵁ فقالت طائفة: رأى أن الأرض تكون فيأ للمسلمين فلا تقسم بين الغانمين وهذا قول جمهور العلماء كمالك وسفيان وأحمد وغيرهم وقد سبق عن عمر ﵁ ما يدل على ذلك وروى أبو عبيد من طريق الماجشون قال: قال بلال لعمر ﵁ في القرى التي فتحوها عنوة أقسمها بيننا وخذ خمسها فقال عمر ﵁ لا هذا عين المال ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين.
قال: وأخبرني زيد بن أسلم قال: قال عمر ﵁ فيما فعله أحد من الصحابة (١).
ولما ولي عثمان ﵁ بعده أقر الأمر على ما كان عليه ولكن أقطع من السواد لبعض الصحابة ﵃ وهذا يدل على أنه رأه فيأ ولم يره ملكا للغانمين وكذلك على بعذه أقر الأمر على ذلك ولم يغيره وروي أنه هم بقسمه ثم تركه فروى يحيى بن آدم في كتابه عن قران الأسدي عن أبي سنان الشيباني عن عميرة عن علي ﵁ قال: "لقدهممت أن أقسم السواد ينزل أحدكم القرية فيقول قريتي ليدعوني وإلا قسمته" (٢).
стр. 36
ومن طريق ثعلبة بن يزيد عن علي ﵁: "لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد بينكم". وهذا يدل على أنه لم ير قسمته لازمة بل رآها سائغة موكولة إلى اجتهاد الامام ولعله أراد قسمة بعضه بين بعض المسلمين كما أقطع عثمان ﵁ بعضهم.
وقالت طائفة: إنما وقفه عمر ﵁ وجعله فيأ للمسلمين باستطابة نفوس الغانمين وعوض من لم يرض بترك حقه منه مجانا وهذا قول: الشافعي وأصحابه واستدلوا بما روي عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال رأيت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد فأخذوا سنتين أو ثلاثا قال: فوفد عمار بن ياسر إلى عمر ومعه جرير ﵃ فقال عمر لجرير ﵄ يا جرير لولا إني قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم وأرى الناس قد كثروا فأرى أن ترده عليهم ففعل ذلك جرير ﵁ بثمانين دينارا وروى إسماعيل أيضا عن قيس قال: قالت امرأة من بجيلة يقال لها ام كرز لعمر ﵁ يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد وإني لم أسلم فقال لها يا أم كرز إن قومك قد صنعوا ما قد علمت قالت إن كانوا صنعوا ما صنعوا فاني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا قال: ففعل عمر ﵁ ذلك فكانت الدنانير نحوا من ثمانين دينارا أخرجهما يحيى بن آدم وأبو عبيد وغيرهما وأجاب أبو عبيد عن ذلك بأن جريرا ﵁ وقومه كان عمر قد نفلهم ذلك قبل القتال ثم أمضى لهم نفلهم بعده فكانوا قد ملكوه بذلك ولم يأخذوه بالقسمة من الغنيمة ثم روي من طريق داود عن الشعبي أن عمر ﵁ كان أول من وجه إلى الكوفة جرير بن عبد الله ﵁ بعد قتل أبي عبيد فقال له هل لك في الكوفة وأنفلك الثلث بعد الخمس فقال: نعم فبعثه. وأجاب
стр. 37
ابن المذنر عما قال أبو عبيد بجوابين أحدهما أن أثر الشعبي منقطع فلا يعارض المتصل لأن الشعبي لم يسمع من عمر وإسماعيل بن أبي خالد سمع منه والثاني أنهما مختلفان في المعنى فلا تنافي بينهما فيجوز أن يكون عمر ﵁ جعل لهم الثلث نفلا ثم أعطاهم الربع قسمة حيث كانوا ربع أهل القتال ويمكن الجواب عن حديث إسماعيل بن أبي خالد بجواب آخر غير ما ذكره أبو عبيد وهو أنا نسلم أن جريرا وقومه من بجيلة قسم لهم عمر ﵁ ربع السواد لكونهم ربع المقاتلة فان الامام يجوز له أن يقسم الأرض بين الغانمين وأن لا يقسم كما سبق تقريره فما قسم لهم عمر ﵁ ذلك ملكوه بالقسمة ثم رأى عمر ﵁ أن ترك السواد كله فيأ أصلح للمسلمين فاحتاج الى استرضائهم وتعويض من لم يرض بترك حقه مما ملكه بغير عوض وهذا واضح لا إشكال فيه على قول من يرى أن الامام مخير بين القسمة وتركها وإنما يشكل على قول من يرى أن القسمة لا تجوز كمالك ومن وافقه ثم أن قصة جرير مع عمر ﵄ تدل على أن القسمة غير واجبة لأن عمر ﵁ لم يقسم بقية السواد بين الغانمين ولم يستطب نفوس بقية الغانمين ممن لم يقسم لهم فلو كانت الأرض حقا ثابتا للغانمين جميعهم لاحتاج عمر ﵁ إلى استطابة نفوس الغانمين جميعهم من قسم لهم ومن لم يقسم فلما استطاب نفوس من قسم له خاصة دل على أن من لم يقسم له لا حق له ثابت حتى يحتاج الى استطابة نفسه وأن المقسوم له كان له حق وقد ملكه بالقسمة.
وقالت طائفة من أصحابنا منهم أبو بكر عبد العزيز: أن عمر ﵁ كان أقطعهم ذلك اقطاعا ثم رجع فيه وإنما عوضهم عنه لأن الاقطاع تملك وقدنقل حنبل عن أحمد أن عمر ﵁ كان أقطع بجيلة من السواد ثم رجع وروى أبو طالب عن أحمد كلاما فيه اشكال
стр. 38
قال في حربه كان لهم سهم في قرية فخرجوا يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون كيف تصنع بأرضهم هذه؟ قال هذه فيء المسلمين من قاتل عليه حتى أخذه فيؤخذ خمسة فيقسم بين خمسة واربعة اخمسا كاللذين أفاءوا ويكون سهم الأمير خراجا للمسلمين مثل ما أخذ عمر ﵁ السواد عنوة فأوقفه على المسلمين ذكره الخلال في كتاب الاجارة. وقوله يكون سهم الأمير خراجا يقتضي أنه لا يوقف إلا سهم الأمير الذي هو حقه ويقتضي أن عمر ﵁ صار السواد كله حقا له وقالت طائفة إنما لم يقسم عمر ﵁ الأرض بين الغانمين لأنهم لم يستولوا عليها قهرا ولم يملكوها عنوة وهذا قول ساقط ظاهر الفساد ومن أنكر أن يكون شيء من أرض السواد أو أرض العراق أو مصر أو الشام أخذ عنوة فهو مكابر مباهت فلا حاجة الى الكلام معه ومن تأمل كتب التواريخ والسير وغيرها علم بطلان ذلك قطعا وقالت طائفة ممن يقول إن الأرض فيء وليست غنيمة إنما ترك عمر ﵁ الخراج مع الدهاقين لأنه رد عليهم الأرض ملكا وضرب الخراج على أرضهم كما ضرب الجزية على رؤسهم فصارت الأرض ملكا لهم وللمسلمين عليهم الخراج وهو قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وسفيان في رواية عنه وهؤلاء وافقوا على أن الأرض فيء لا يقسم لكنهم زعموا أن الامام له ردها على أهلها والمن عليهم كما من النبي صلى الله عيه وسلم على أهل مكة إلا أنه لا يمن عليهم بذلك مجانا بل يضرب على أرضهم الخراج أو على رؤسهم الجزية إذا كانوا من أهل الجزية وهذا يرده قول عمر رضي الله لعتبة بن فرقد لما اشترى أرضا من أرض الخراج ممن هي في يده أذ باعه الأرض ليس مالكها انما مالكها أهل القادسية وسنذكره فيما بعذ إن شاء الله تعالى ويرده اقطاع عثمان ﵁ لبضع أرض السواد ويرده أيضا قول علي ﵁: "لتدعنني وإلا قسمته", يعني السواد فلو كان السواد ملكا
стр. 39
لمن هو في يده من الكفار لجاز الشراء منهم ولما جاز إقطاعه للمسلمين ولا قسمه بينهم.
فصل: احتج من أوجب قسمة الأرض بين الغانمين بما في صحيح مسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "أيما قرية أقمتم بها فسهمكم فيها وأيما قرية عصت الله ورسوله فان جميعها لله وروسوله ثم هي لكم". قال ابن مشيش: سألت أحمد عن هذاالحديث ما معناه قال: "أيما قرية كانوا فيها ففتحوها فسهمكم فيها". قلت: فهذا خلاف ما حكم عمر ﵁ قال: أي لعمري انتهى. وقد يقال ليس في الحديث ان القرية التي سهمهم فيها كانوا قد افتتحوها ولهذا فرق بين القرية التي أقاموا فيها والتي عصت الله ورسوله فالمفتتحة هي الثانية دون الأولى فيمكن ان يراد بالاقامة في القرية إحياء الموات ونحوه وأما القرية التي عصت الله وروسوله فقوله أن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم لا يدل على أنها ملك للغانمين لوجوه أحدهما أنه يجوز ان يكون المراد أموال القرية المنقولة كمافي قوه تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (١) وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ (٢) الاية. وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ (٣) وأمثال هذا كثير في القرآن والمراد بذلك أهل القرى ومنه قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤). الثاني أنه إن كان المراد نفس الأرض فهذا الحديث يدل على جواز قسمة الأرض بين الغانمين وانتفاء وجوبه مدلول عليه بأدلة اخرى والثالث إن قيل إن
стр. 40
الحديث يدل على وجوب ذلك هو حجة على أنها ليست ملكا للغانمين بخصوصهم لأن قوله: "ثم هي لكم" خطاب لعموم المسلمين وهذا يقضي كونها فيأ إذ لو كانت مختصة بالغانمين لقال: ثم هي لمن قاتل عليها أو لمن أخذها ونحو ذلك فلما قال: "ثم هي لكم" دل على أنها مستحقة أو مملوكة لعموم المسلمين كقوله: "عادى الأرض لله ورسوله ثم هو لكم" فان هذا إباحة لعموم المسلمين أن يملكوه.
"المسألة الثانية" أرض الخراج التي بيد الكفار نوعان أحدهما أرض صالحونا على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج فالمشهور عند أصحابنا أنها تصير وفقا على المسلمين بمجرد ملكنا لها وحكى طائفة منهم رواية أخرى أن الامام يخير فيها كما يخير في أرض العنوة وحقيقة القول في هذه الأرض عندنا أنا تملكناها منهم بشرط أن نكريها منهم قال الشيخ أبو العباس بن تيمية ﵀ وجواز مثل هذا في البيع قوي على أصلنا فإنا إذا جوزنا أن تشتري الأرض وتبقى منفعتها للبائع بلا عوض فكذلك بالعوض لكن فيه جمع بين عقدين "انتهى".
وخرج ابن عقيل وجها بصحة الجمع بين بيع سلعة وإجارتها من المشتري مدة معينة في عقد واحد بناء على أنه استثنى المنفعة وأجره إياها فصح فإجارة المشتري للبائع أولى بالجواز قال القاضي أبو يعلى في كتاب الأحكام السلطانية ويكون الخراج المضروب على هذه الأرض أجرة لا تسقط باسلامهم وقر في أيديهم ما أقاموا على صلحهم ولا تنزع من أيديهم كما لا تنزع الأرض المستأجرة من مستأجرها وذكر القاضي وأبو الخطاب أنها تصير دار اسلام لا يقرون فيها يغير جزية سنة كاملة دون ما دونها وأخذ القاضي ذلك من قول أحمد في رواية حنبل: ما فتح عنوة فهو فيء المسلمين وما صولحوا عليه فهو لهم يؤدون الى المسلمين ما صولحوا