← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6238

الاستخراج لأحكام الخراج

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (149 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن طريق ثعلبة بن يزيد عن علي ﵁: "لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد بينكم". وهذا يدل على أنه لم ير قسمته لازمة بل رآها سائغة موكولة إلى اجتهاد الامام ولعله أراد قسمة بعضه بين بعض المسلمين كما أقطع عثمان ﵁ بعضهم. وقالت طائفة: إنما وقفه عمر ﵁ وجعله فيأ للمسلمين باستطابة نفوس الغانمين وعوض من لم يرض بترك حقه منه مجانا وهذا قول: الشافعي وأصحابه واستدلوا بما روي عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال رأيت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد فأخذوا سنتين أو ثلاثا قال: فوفد عمار بن ياسر إلى عمر ومعه جرير ﵃ فقال عمر لجرير ﵄ يا جرير لولا إني قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم وأرى الناس قد كثروا فأرى أن ترده عليهم ففعل ذلك جرير ﵁ بثمانين دينارا وروى إسماعيل أيضا عن قيس قال: قالت امرأة من بجيلة يقال لها ام كرز لعمر ﵁ يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد وإني لم أسلم فقال لها يا أم كرز إن قومك قد صنعوا ما قد علمت قالت إن كانوا صنعوا ما صنعوا فاني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا قال: ففعل عمر ﵁ ذلك فكانت الدنانير نحوا من ثمانين دينارا أخرجهما يحيى بن آدم وأبو عبيد وغيرهما وأجاب أبو عبيد عن ذلك بأن جريرا ﵁ وقومه كان عمر قد نفلهم ذلك قبل القتال ثم أمضى لهم نفلهم بعده فكانوا قد ملكوه بذلك ولم يأخذوه بالقسمة من الغنيمة ثم روي من طريق داود عن الشعبي أن عمر ﵁ كان أول من وجه إلى الكوفة جرير بن عبد الله ﵁ بعد قتل أبي عبيد فقال له هل لك في الكوفة وأنفلك الثلث بعد الخمس فقال: نعم فبعثه. وأجاب

стр. 37

ابن المذنر عما قال أبو عبيد بجوابين أحدهما أن أثر الشعبي منقطع فلا يعارض المتصل لأن الشعبي لم يسمع من عمر وإسماعيل بن أبي خالد سمع منه والثاني أنهما مختلفان في المعنى فلا تنافي بينهما فيجوز أن يكون عمر ﵁ جعل لهم الثلث نفلا ثم أعطاهم الربع قسمة حيث كانوا ربع أهل القتال ويمكن الجواب عن حديث إسماعيل بن أبي خالد بجواب آخر غير ما ذكره أبو عبيد وهو أنا نسلم أن جريرا وقومه من بجيلة قسم لهم عمر ﵁ ربع السواد لكونهم ربع المقاتلة فان الامام يجوز له أن يقسم الأرض بين الغانمين وأن لا يقسم كما سبق تقريره فما قسم لهم عمر ﵁ ذلك ملكوه بالقسمة ثم رأى عمر ﵁ أن ترك السواد كله فيأ أصلح للمسلمين فاحتاج الى استرضائهم وتعويض من لم يرض بترك حقه مما ملكه بغير عوض وهذا واضح لا إشكال فيه على قول من يرى أن الامام مخير بين القسمة وتركها وإنما يشكل على قول من يرى أن القسمة لا تجوز كمالك ومن وافقه ثم أن قصة جرير مع عمر ﵄ تدل على أن القسمة غير واجبة لأن عمر ﵁ لم يقسم بقية السواد بين الغانمين ولم يستطب نفوس بقية الغانمين ممن لم يقسم لهم فلو كانت الأرض حقا ثابتا للغانمين جميعهم لاحتاج عمر ﵁ إلى استطابة نفوس الغانمين جميعهم من قسم لهم ومن لم يقسم فلما استطاب نفوس من قسم له خاصة دل على أن من لم يقسم له لا حق له ثابت حتى يحتاج الى استطابة نفسه وأن المقسوم له كان له حق وقد ملكه بالقسمة. وقالت طائفة من أصحابنا منهم أبو بكر عبد العزيز: أن عمر ﵁ كان أقطعهم ذلك اقطاعا ثم رجع فيه وإنما عوضهم عنه لأن الاقطاع تملك وقدنقل حنبل عن أحمد أن عمر ﵁ كان أقطع بجيلة من السواد ثم رجع وروى أبو طالب عن أحمد كلاما فيه اشكال

стр. 38

قال في حربه كان لهم سهم في قرية فخرجوا يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون كيف تصنع بأرضهم هذه؟ قال هذه فيء المسلمين من قاتل عليه حتى أخذه فيؤخذ خمسة فيقسم بين خمسة واربعة اخمسا كاللذين أفاءوا ويكون سهم الأمير خراجا للمسلمين مثل ما أخذ عمر ﵁ السواد عنوة فأوقفه على المسلمين ذكره الخلال في كتاب الاجارة. وقوله يكون سهم الأمير خراجا يقتضي أنه لا يوقف إلا سهم الأمير الذي هو حقه ويقتضي أن عمر ﵁ صار السواد كله حقا له وقالت طائفة إنما لم يقسم عمر ﵁ الأرض بين الغانمين لأنهم لم يستولوا عليها قهرا ولم يملكوها عنوة وهذا قول ساقط ظاهر الفساد ومن أنكر أن يكون شيء من أرض السواد أو أرض العراق أو مصر أو الشام أخذ عنوة فهو مكابر مباهت فلا حاجة الى الكلام معه ومن تأمل كتب التواريخ والسير وغيرها علم بطلان ذلك قطعا وقالت طائفة ممن يقول إن الأرض فيء وليست غنيمة إنما ترك عمر ﵁ الخراج مع الدهاقين لأنه رد عليهم الأرض ملكا وضرب الخراج على أرضهم كما ضرب الجزية على رؤسهم فصارت الأرض ملكا لهم وللمسلمين عليهم الخراج وهو قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وسفيان في رواية عنه وهؤلاء وافقوا على أن الأرض فيء لا يقسم لكنهم زعموا أن الامام له ردها على أهلها والمن عليهم كما من النبي صلى الله عيه وسلم على أهل مكة إلا أنه لا يمن عليهم بذلك مجانا بل يضرب على أرضهم الخراج أو على رؤسهم الجزية إذا كانوا من أهل الجزية وهذا يرده قول عمر رضي الله لعتبة بن فرقد لما اشترى أرضا من أرض الخراج ممن هي في يده أذ باعه الأرض ليس مالكها انما مالكها أهل القادسية وسنذكره فيما بعذ إن شاء الله تعالى ويرده اقطاع عثمان ﵁ لبضع أرض السواد ويرده أيضا قول علي ﵁: "لتدعنني وإلا قسمته", يعني السواد فلو كان السواد ملكا

стр. 39

لمن هو في يده من الكفار لجاز الشراء منهم ولما جاز إقطاعه للمسلمين ولا قسمه بينهم. فصل: احتج من أوجب قسمة الأرض بين الغانمين بما في صحيح مسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "أيما قرية أقمتم بها فسهمكم فيها وأيما قرية عصت الله ورسوله فان جميعها لله وروسوله ثم هي لكم". قال ابن مشيش: سألت أحمد عن هذاالحديث ما معناه قال: "أيما قرية كانوا فيها ففتحوها فسهمكم فيها". قلت: فهذا خلاف ما حكم عمر ﵁ قال: أي لعمري انتهى. وقد يقال ليس في الحديث ان القرية التي سهمهم فيها كانوا قد افتتحوها ولهذا فرق بين القرية التي أقاموا فيها والتي عصت الله ورسوله فالمفتتحة هي الثانية دون الأولى فيمكن ان يراد بالاقامة في القرية إحياء الموات ونحوه وأما القرية التي عصت الله وروسوله فقوله أن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم لا يدل على أنها ملك للغانمين لوجوه أحدهما أنه يجوز ان يكون المراد أموال القرية المنقولة كمافي قوه تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (١) وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ (٢) الاية. وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ (٣) وأمثال هذا كثير في القرآن والمراد بذلك أهل القرى ومنه قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤). الثاني أنه إن كان المراد نفس الأرض فهذا الحديث يدل على جواز قسمة الأرض بين الغانمين وانتفاء وجوبه مدلول عليه بأدلة اخرى والثالث إن قيل إن

стр. 40

الحديث يدل على وجوب ذلك هو حجة على أنها ليست ملكا للغانمين بخصوصهم لأن قوله: "ثم هي لكم" خطاب لعموم المسلمين وهذا يقضي كونها فيأ إذ لو كانت مختصة بالغانمين لقال: ثم هي لمن قاتل عليها أو لمن أخذها ونحو ذلك فلما قال: "ثم هي لكم" دل على أنها مستحقة أو مملوكة لعموم المسلمين كقوله: "عادى الأرض لله ورسوله ثم هو لكم" فان هذا إباحة لعموم المسلمين أن يملكوه. "المسألة الثانية" أرض الخراج التي بيد الكفار نوعان أحدهما أرض صالحونا على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج فالمشهور عند أصحابنا أنها تصير وفقا على المسلمين بمجرد ملكنا لها وحكى طائفة منهم رواية أخرى أن الامام يخير فيها كما يخير في أرض العنوة وحقيقة القول في هذه الأرض عندنا أنا تملكناها منهم بشرط أن نكريها منهم قال الشيخ أبو العباس بن تيمية ﵀ وجواز مثل هذا في البيع قوي على أصلنا فإنا إذا جوزنا أن تشتري الأرض وتبقى منفعتها للبائع بلا عوض فكذلك بالعوض لكن فيه جمع بين عقدين "انتهى". وخرج ابن عقيل وجها بصحة الجمع بين بيع سلعة وإجارتها من المشتري مدة معينة في عقد واحد بناء على أنه استثنى المنفعة وأجره إياها فصح فإجارة المشتري للبائع أولى بالجواز قال القاضي أبو يعلى في كتاب الأحكام السلطانية ويكون الخراج المضروب على هذه الأرض أجرة لا تسقط باسلامهم وقر في أيديهم ما أقاموا على صلحهم ولا تنزع من أيديهم كما لا تنزع الأرض المستأجرة من مستأجرها وذكر القاضي وأبو الخطاب أنها تصير دار اسلام لا يقرون فيها يغير جزية سنة كاملة دون ما دونها وأخذ القاضي ذلك من قول أحمد في رواية حنبل: ما فتح عنوة فهو فيء المسلمين وما صولحوا عليه فهو لهم يؤدون الى المسلمين ما صولحوا

стр. 41

عليه ومن أسلم منهم تسقط عنه الجزية والأرض للمسلمين قال فقد بين أن الأرض فيء وهذا على أن الأرض لنا فتكون فيئا يعني وقفا وذكر ابن عقيل في التذكرة أنه روي عن أحمد ما يدل على أن خراجها يسقط باسلامهم. النوع الثاني أن يصالحونا على أن الأرض لهم على شيء معلوم من خراج أو غيره فالأرض ملكهم وما صولحوا عليه لازم لهم مدة بقائهم على كفرهم والدار دار كفر يقرون فيها بغير جزية سواء صولحوا على جزية رؤسهم أو على خراج أرضهم أو على عشر زرعهم وثمارهم أو على صدقة مواشيهم وسواء كان المصالح عليه قدر الجزية أو دونها أو أزيد منها هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء منهم مالك والشافعي. قال صالح بن أحمد: قلت لأبي ما يؤخذ من مواشي أهل الذمة وأراضيهم قال إن كانت أرض صلح فعليهم ما صولحوا وقال جعفر ابن محمد سمعت أبا عبد الله احمد يقول اذا صالح الكفار السلطان على شيء معلوم في أرض ثم أسلموا فعليهم العشر قال: وسمعت أبا عبد الله سئل عن الصلح فقال إذا صالح الامام قوما صلحا يؤدونه على أنفسهم يقرهم على كفرهم ثم اسلموا سقط عندي عنهم الصلح وعليهم العشر قيل فان صولحوا على شيء معلوم لم يزد الامام عليه شيئا؟ قال: لا وقال أبو حنيفة: هذه الدار دار اسلام كأرض العنوة فاذا صالحوا على خراج أرضهم وجزية رؤسهم كان حكم ذلك حكم أرض العنوة التي فتحت ثم ردها الامام الى أهلها وضرب عليهم الخراج وهذا بناء على أصله المتقدم في أرض العنوة وعلى قوله إذا أسلموا سقط عنهم جزية رؤسهم وبقي عليهم خراج الأرض كأرض العنوة سواء ووافقهم على

стр. 42

قولهم جماعة من الكوفيين منهم ابن شبرمة والحسن بن حي وأما على أصلنا وأصل مالك والشافعي فسقط ما صولحوا عليه من خراج أو غيره بالاسلام لأن حكمه حكم جزية الرؤوس وهو قول سفيان أيضا قال حرب سألت أحمد قلت أرض صلح على النصف أو أكثر أو أقل أخذ السلطان حقه هل فيما بقي العشر؟ قال: أرض الصلح هي أرض العشر كيف يؤخذ النصف قلت: إنهم يأخذون قال: يظلمون ولم ير عليه فيما بقي شيئا وقال: إذا أخذ منه السلطان فلا شيء عليه فأنكر أحمد أن يؤخذ منه بعد الاسلام شيء من الصلح وقال: أنه ظلم ثم أنه اعتد له بذلك من العشر إذا أخذه السلطان وهذا قد يقال: إنه يشبه ما إذا ظلم الساعي بأخذ زيادة في الزكاة هل يعتد به زكاة في سنة أخرى أو مال آخر أم لا؟ وفيه روايتان لأن هذا الذي أخذه السلطان كان مقاسمة فهو مأخوذ من نفس الزرع فيحسب به من عشرة والله أعلم قال ابن منصور: قلت لأحمد قول سفيان ما كان من أرض صولح عليها ثم أسلم أهلها بعد وضع الخراج عنها قال أحمد جيد قال سفيان وما كان من أرض أخذت عنوة ثم أسلم صاحبها وضعت عنها الجزية وأقر على أرضه بالخراج قال أحمد: جيد. ومما يدل على سقوط هذا الخراج عنهم بالاسلام ما روى موسى بن أعين عن ليث عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال لأهل الذمة: "ما أسلموا عليه من أموالهم وأرضهم وذراريهم وعبيدهم وماشيتهم ليس عليهم فيها إلا الصدقة". أخرجه الامام أحمد والبزاز وحكى طائفة من أصحابنا كأبي الخطاب وابن عقيل ومن تابعهما رواية عن أحمد أن خراج هذه الأرض لا يسقط بالاسلام مما نقله حنبل عن أحمد قال ما فتح عنوة فهو فيء للمسلمين وما صولحوا عليه فهو لهم

стр. 43

يؤدون عنه ما صولحوا عليه ومن أسلم منهم تسقط عنه الجزية والأرض للمسلمين يعني خراجها. ونقل عنه حنبل أيضا أنه قال: من أسلم على شيء فهو له ويؤخذ منه خراج الأرض وتأول القاضي هذه الرواية الثانية على أن الأرض كانت من أراضي العنوة التي عليها الخراج للمسلمين ورد ذلك أبو الخطاب وقال: لفظ الرواية الأولى يسقط تأويله يعني أن أحمد فرق بين أرض العنوة والصلح. وفي مسائل أبي داود قلت لأحمد أرض صولحوا على مال مسمى يؤدي كل سنة فيؤدون العشر أعني من غلاتهم من الزروع والتمر أيؤدون هذا الذي صولحوا عليه؟ قال: نعم يؤدونه. وفي كتاب زاد المسافر لأبي بكر قال أبو عبد الله في رواية حنبل الذي صولحوا عليهم فدمهم لهم وعليهم الجزية ويؤدون الى المسلمين الذي صولحوا عليه في رقابهم وهذا يدل على مثل قول أبي حنيفة أن أرض الصلح دار إسلام لا يقيمون فيها بدون جزية ونقل حرب عن أحمد أن الخراج لا يسقط بالاسلام إلا أنه قال هذا عندي وهم وقد سبق حكايته في أول هذا الباب. وحكى أبو عبيد في أهل الصلح اذا أسلموا قولين أحدهما أن الخراج باق حكاه عن الزهري وعمر بن عبد العزيز والثاني أنه يسقط عنهم الخراج حكاه عن ابن سيرين والحسن بن صالح ومالك وبني هذا الخلاف على أن أرض الصلح هل هي ملك للمسلمين أو للكفار كذا قاله وفيه نظر ولا يجيء هذا فيما إذا صولحوا على أن الأرض لهم وحكي عن أبي حنيفة أن الصلح باق بحاله بعد الاسلام وروى المغيرة عن محمد بن يزيد عن حيان الأعرج أن العلاء بن الحضرمي قدم البحرين فقال: تكون

стр. 44

الأرض بين رجل مسلم ومشرك فيأخذ من هذا الخراج ومن هذا العشر وأخرجه الحاكم من طريق أبي حمزة السكوني عن المغيرة الازدي عن محمد ابن يزيد عن حيان الأعرج عن العلاء بن الحضرمي قال قضى رسول الله ﷺ في الخليطين يكون أحدهما مسلما والآخر مشركا إن أخذ من المسلم العشر ومن المشرك الجزية وأرض البحرين صلح بغير خلاف ولم يفرق بين من أسلم ابتداء ومن أسلم بعد وضع الخراج عليه. وروى الحرث الكرماني حدثنا أبو معمر الرقاشي حدثنا أبو عمران الرازي حدثنا الحسن بن محمد التميمي حدثناابو جرير حدثنا عامر الشعبي أن حذيفة كتب إلى عمر ﵁ إني وضعت الخراج فأسلم رجال قبل أن أضع الخراج على أرضهم وعلى رؤسهم فكتب اليه عمر ﵁ أيما رجل أسلم قبل أن تضع الخراج على أرضه وعلى رأسه فخذ من أرضه العشر والغ عن رأسه ولا تأخذ من مسلم خراجا وأيما رجل أسلم بعدما وضعت الخراج على أرضه ورأسه فخذ من أرضه فقد أحرزنا أرضه في شركة قبل أن يسلم اسناده فيه نظر ولا يمكن حمله على أرض العنوة لأن أرض العنوة يوضع عليها الخراج بكل حال ولا عبرة باسلام من هي في يده وهذا بخلاف ما رواه يحيى بن آدم باسناده عن النخعي قال جاء رجل الى عمر ﵁ فقال إني أسلمت فضع عن أرضي الخراج قال لا لأن أرضك أخذت عنوة فان هذا صريح في أنه كان معه من أرض العنوة وروى يحيى بن آدم من طريق جابر عن الشعبي قال أسلم رجل فأعطاه عمر ﵁ أرضه بخراجها وفرض له العين فأرضه كانت صلحا كما رواه يحيى عن قيس بن الربيع عن ابراهيم بن مهاجر عن شيخ من بني زهرة أن الرفيل أتى عمر ﵁ فقال: يا أمير

стр. 45

المؤمنين على ما صالحتمونا قال: على أن تؤدوا الينا الجزية ولكم أرضكم وأموالكم وأولادكم وذكر الحديث. وحكى يحيى بن آدم في كتابه عن الحسن بن صالح أن من صولح من الكفار على شيء فعليه ما صولح عليه ويخلى بينه وبين أرضه ولا يوضع عليها شيء ما أقاموا بما صولحوا عليه فان عجزوا عن ذلك خفف عنهم وان احتملوا أكثر من ذلك فلا يزاد عليهم ولا يطرح عنهم شيء مما صولحوا عليه لموت من مات ولا لاسلام من أسلم منهم ويؤخذ بذلك جميعه من بقي منهم ما كانوا يطيقونه ويحتملونه فمن أسلم منهم رفع الخراج عن رأسه وأرضه وتصير أرضه أرض عشر إلا أن يكونوا صولحوا على أن توضع على رؤسهم الجزية وعلى أرضهم الخراج فمن أسلم رفعت الجزية عن رأسه وكان الخراج على أرضه بماله قال يحيى وسمعنا في بعض الحديث أن ر جلين من اهل الليس ماتا أو أسلما فرفع عمر ﵁ جزيتهما من جميع الخراج وذلك أن أهل الليس كانوا صلحا انتهى. ومراده أنه روي عن عمر ﵁ خلاف ما قاله الحسن بن صالح في أن الصلح لا يخفف عنهم بموت من مات منهم ولا باسلام من أسلم منهم وحاصل قول الحسن بن صالح هذا أنه يفرق بين أن يصالحوا على شيء مطلقا أما مع الجزية أو بدونها فسقط باسلام من أسلم منهم وبين أن يصالحوا على وضع الخراج على أرض فلا يسقط بالاسلام ووافقه يحيى على هذا في موضع آخر من كتابه وقال إذا وضع عليها الخارج فهي أرض خراج لا يغير وفي كلام ابن أبي موسى من أصحابنا في كتاب الارشاد ما يقتضي موافقة الحسن بن صالح على مقالته فانه قال وأما أرض الذمة فلا عشر فيها وإن كانت أرض صلح لم يكن عليهم إلا ما صولحوا عليه وشرط

стр. 46

لهم ما أقاموا على كفرهم فان أسلموا سقط عنهم الصلح ولزمهم العشر وإن كانت ارضهم أرض خراج قرره عليهم الامام لم يكن عليهم إلا الخراج ولا عشر عليهم وإن ابتاعها منهم مسلم كان عليه الخراج ومن أحيا من أهل الذمة مواتا فهي له ولا عشر عليه فيما أخرجت. وقد روي عنه رواية أخرى أنه لا خراج على أهل الذمة في أرضهم ويؤخذ منهم العشر فيما يخرج مضاعفا عليهم والأول عنه أظهر فهذا الكلام يدل على أن الصلح إن كان على شيء في الذمة سقط بالاسلام وإن كان على خراج مضروب على الأرض لم يسقط كما لا يسقط بانتقاله الى مسلم ولا يحمل ذلك على أرض العنوة لأن تلك ليس له بيعها ولا شراؤها وقد صرح بذلك ابن أبي موسى بعد هذا كله فقال وليس للذمي أن يبتاع أرضا فتحها المسلمون عنوة وحاصل الأمر أن هذه الأرض التي صالحونا عليها ملك لأهلها من الكفار لا نعلم في ذلك خلافا إلا ما حكاه أبو عبيد عن عمر بن عبد العزيز والزهري وليس كلامهما بالبين في ذلك أما الزهري فانه قال قبل رسول الله ﷺ الجزية من مجوس البحرين قال الزهري فمن أسلم منهم قبل اسلامه وأحرز نفسه وماله إلا الأرض فانها فيء للمسلمين من أجل أنه لم يسلم أول مرة وهو في منعة قال أبو عبيد ليس يريد بقوله أرضه فيء أنها تنتزع منه إنما يريد أنها تكون أرض خراج على حالها لأنها فيء للمسلمين وأما عمر بن عبد العزيز فانه قال أيما قوم صولحوا على جزية يعطونها فمن أسلم منهم كانت أرضه لبقيتهم قال أبو عبيد مراده أنه تكون سنته كسنتهم وحكمه في الأداء عنها كحكمهم وهذا فيه نظر وقد روي عن عمر ﵁ من وجوه أخر لكن في أهل الأرض العنوة وتلك لا إشكال فيها. واخرج يحيى بن آدم عن حفص بن غياث عن ابن أبي ذئب عن

стр. 47

الزهري قال قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم فيمن أسلم من أهل البحرين أنه قد أحرز دمه وماله إلا أرضه فإنها فيء للمسلمين لأنهم لم يسلموا وهم ممتنعون ورواية أبي عبيد المتقدمة رواها عن يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري وهي أصح ويزيد أحفظ من حفص وهو قد جعله من كلام الزهري لم يرفعه. وأرض صلح ليست عنوة وعلى قول الجمهور أنها ملك لأهلها فيجوز لهم بيعها وهبتها وسائر التصرفات فيها لكن هل يكره للمسلم شراؤها فيه قولان أحدهما يكره لما فيه من الدخول في الصغار وهو الخراج وهو قول شريك وغيره ممن يقول لا يسقط خراجها بالاسلام ونقل عن أحمد كراهية شراء أرض الخراج لأنه صغار وحمله القاضي في المجرد على أرض الصلح لأن أرض العنوة لا يصلح بيعها عنده بحال والقاضي وان كان يقول يسقط الخراج بالاسم المصالح إلا أنه يقول في كتاب المجرد إن للامام في أرض العنوة أن يردها إلى أهلها بخراج يضربه عليها فهذا لا يسقط بالاسلام. روى عن عمر وغيره من الصحابة ﵃ النهي عن شراء أرض الخراج لما فيه من الدخول في الصغار إلا أن الحسن علل نهي عمر ﵁ بأن الأرض فيء للمسلمين وهذا انما يكون في أرض العنوة. "والثاني" وهو قول الجمهور لا يكره بناء على أنها إذا انتقلت إلى مسلم لم يكن عليه خراج وهو قول مالك وأحمد والشافعي وروي عن عبد الله ابن معقل بن مقرن وهو قول الحسن بن صالح وحكى أبو الخطاب وغيره رواية أخرى عن أحمد أن خراجها باق عليها على الرواية التي تقول: أن

стр. 48

خراجها لا يسقط بالاسلام وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى الذي تقدم بلفظه. واخلتف أصحاب مالك فيما إذا باعها من مسلم أو ذمي فقال ابن القاسم الخراج باق على الكافر البائع إلا أن يسلم فيسقط عنه ولو شرط المسلم المشتري خراجها عليه لم يصح وقال أشهب بل الخراج على المشتري ويزول عنه باسلام البائع. وروى ابن نافع عن مالك في أهل الذمة إذا صالحوا على الجزية فان أرضهم يجوز لهم بيعها وهي كغيرها من أموالهم إذا لم يكن على الأرض جزية هذا كله نقله صاحب التهذيب البرادعي منهم ورواية ابن نافع تدل على أنه إذا كان عليها خراج لم يصح بيعها من مسلم وقال أصحاب الشافعي إذا ضرب الامام جزية الرقبة على ما يخرج من أرض الذمي من ثمر أو زرع جاز فإن باع الأرض من مسلم صح البيع لأنه ماله وينتقل ما ضرب عليها إلى رقبته ذكره صاحب المهذب وغيره. وعند أصحابنا إن باعها المصالح من أهل الصلح أيضا فالخراج بحاله وإن باعها من مسلم سقط على الصحيح وإن باعها من ذمي غير أهل الصلح فوجهان.

стр. 49

الباب الخامس: في معنى الخراج وهل هو أجرة أو ثمن أو جزية أرض الخراج نوعان: صلح وعنوة فأما أرض الصلح فقد سبق ذكرها وأن خراجها عند الجمهور في معنى الجزية فيسقط بالاسلام وعند أبي حنيفة هو في معنى ثمن للأرض كخراج العنوة عنده ولعل هذا أيضا مأخذ الكوفيين الذين قالوا إن الأرض متى وضع الخراج عليها لم يتغير عنها بحال. وأما أرض العنوة فاختلفوا في خراجها فقالت طائفة هو ثمن أيضا وهو قول الحنفية الذين قالوا: إن عمر ﵁ ملكهم الأرض بالخراج وقاله أيضا طائفة من الشافعية كابن سريج وأبي إسحاق المروزي وقالت طائفة: بل هو أجرة وهو قول من يقول: إن عمر ﵁ وقفها على المسلمين وجعل الخراج أجرة عليها يؤخذ ممن أقرت بيده من مسلم ومعاهد وهذا هو المشهور عند أصحابنا ونص عليه الشافعي في سير الواقدي واختاره الاصطخري وغيره من أصحابه وهو قول أبي عبيد والمالكية وغيرهم. قال يحيى بن آدم قال شريك: إنما الخراج على الذمي في أرضه بمنزلة الاجارة قال يحيى: لعله يعني أن عمر ﵁ مسح عليهم كل عامر وغامر يقدر على زرعه عمله صاحبه أو تركه فعليه خراجه ولكن عمر

стр. 50

رضي الله عنه لم يقدر مدة الاجارة بل أطلقها وهذا يخالف أصول الاجارات واختلف أصحابنا في الجواب عن هذا فمنهم من قال المعاملة بين المسلمين والمشركين أو ما كان في حكم أملاك المشركين يغتفر فيها من الجهالة ما لا يغتفر في عقود المسلمين بينهم كما قالوا في معاملة النبي ﷺ أهل خيبر من غير تقدير مدة المساقاة وهذا أجاب به القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم وهو جواب ضعيف جدا وقد رده أصحابنا على الحنفية في مسألة المساقاة ولأن أهل الذمة في المعاملات كالمسلمين سواء ومنهم من أجاب بأنه يجوز استئجار كل سنة بكذا من غير تقدير المدة عندنا وعند كثير من الفقهاء وهذا في معناه قاله أبو الخطاب ومنهم من أجاب بأن عمر ﵁ إنما لم يقدر المدة لما في ذلك من عموم المصلحة فاغتفر في هذا العقد قاله القاضي وغيره ومن أصحابنا من قال ليس بأجرة حقيقية وإنما هو في معنى الاجرة. قال ابن عقيل في عمد الأدلة: الخراج لا يتحقق أجرة بل عقد على المصلحة والنظر للاسلام ولذلك زاد عمر ﵁ عليه ولا يملك المؤجر الزيادة بغير رضاء المستأجر بالاجماع فعلم أنه لم يخرج ذلك مخرج عقود الاجارات. وقال الشيخ أبو العباس بن تيمية ﵀: التحقيق أن وضع الخراج معاملة قائمة بنفسها ذات شبه من البيع ومن الاجارة يشبه في خروجها عنهما المصالحة على منافع مكانه للاستطراق أو وضع الجذوع ونحوها بعوض ناجز فانه لم يملك العين مطلقا ولم يستأجرها وإنما منع هذه المنفعة مؤبدة وكذلك وضع الخراج لو كان إجارة محضة لدخل فيها المساكن ولكان دفعها مساقاة ومزارعة أنفع ولكان يعتبر فيها أجرة المثل فإن الخراج دونها بكثير ولو كانت بيعا لدخلت المساكن أيضا ولا بيع يكون بثمن مؤبد الى يوم القيامة فالخراج أصل ثابت بنفسه لا يقاس بغيره.

стр. 51

الباب السادس: فيما وضع عليه عمر ﵁ الخراج في الأرض الأرض قسمان: عنوة وصلح فأما ارض الصلح فقد سبق الكلام في حكم خراجها وأما أرض العنوة فيجوز وضع الخراج على جميع ما يفتحه الامام عنوة عند من لا يوجب قسمته على ما سبق تقريره وأما ما فعله عمر ﵁ فانه لم يثبت عنه أنه وضع خراجا على أرض صلح وأما ارض العنوة فان عمر ﵁ وضع على السواد الخراج وهذا متفق عليه. واختلف الناس في أرض مصر وغيرها لاختلافهم هل فتحت عنوة أو صلحا أو بعضها عنوة وبعضها صلحا قال أحمد في رواية حرب وغيره الأرض أرضان أرض خراج وأرض العشر قال وأرض العشر هي الصلح قال الأثرم سئل أبو عبد الله عن أرض العنوة من أين هي إلى أين وأرض الصلح من أين هي؟ قال: ومن يقوم على هذا؟ قال: وذكر أبو عبد الله أرض خراسان فقال: ما دون النهر صلح وما وراءه عنوة. ونقل حرب عن أحمد قال ما وراء النهر كله عنوة قال حرب قلت لأحمد كرمان عشرا أو خراج؟ قال: لا أدري. قال: وطبرستان خراج وقال أحمد في رواية جعفر بن محمد: أرض الشام عنوة الا حمص

стр. 52

وموضع آخر وقال في رواية المروزي أرض الذي خلطوا في أمرها فأما ما فتح عنوة فمن نهاوند وقال في رواية يعقوب بن شعيب خراسان أرضهم صلح وكلما كان صلحا فرقابهم وأموالهم حلال وكلما كان من أرض العنوة فانهم أرقاء لأن عمر ﵁ تركهم يؤدون الخراج وهذا يدل على أن عمر ﵁ وضع الخراج على كل الأرض العنوة. وهكذا ذكر أصحابنا في جميع ما فتحه عمر ﵁ ولم يقسمه كأرض الشام ومصر وأرض العراق إلا ما استثني منها من الجيزة والليس وبانقيا وأرض بني صلوبا فإنها أرض صلح. قال أحمد في رواية أبي طالب: السواد فتح بالسيف إلا الجيزة وبانقيا وبني صلوبا فهؤلاء صلح. ونقل ابن منصور عن أحمد وإسحاق السواد عنوة إلا ما كان منه صلحا وهي أرض الجيزة وأرض بانقيا فانها زعموا صلح وقال أحمد: اليمن كلها صلح وحضرموت صلح. ومن أصحابنا من ذكر أن مصر فتحت صلحا منهم الآمدي وغيره وقال أبو عبيد: أرض الشام عنوة ما خلا مدنها فانها فتحت صلحا إلا قيسارية افتتحت عنوة وأرض السواد والجبل ونهاوند والأهواز ومصر والمغرب. وقال موسى بن علي بن رباح عن أبيه: المغرب كلها عنوة وأما أرض الصلح فأرض هجر والبحرين وايلة ودومة الجندل وأدرج ومدن الشام كلها إلا قيسارية وبلاد الجزيرة كلها صلح وبلاد خراسان كلها صلح أو أكثرها. وذكر يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح قال: كنا نسمع ان ما دون الجبل من سوادنا فهو فيء وما وراء الجبل فهو صلح وأما أصبهان فقال أحمد: هي صلح وقال عبد الرحمن بن مهدي هي عنوة وقال بعضهم:

стр. 53

بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحا قال سليمان بن حرب: لا يباع فيها ولا يشترى يعني أنها عنوة وذكر ذلك الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان وأما نيسابور فروى أنه فتحت عنوة وقال الحاكم أما مشايخنا فأجمعوا أنها فتحت صلحا لكن كان فتحها زمن عثمان ﵁ وذكر أبو عمر ابن عبد البر أن عمر ﵁ لم يقسم أرض السواد ومصر والشام وجعلها مادة للمسلمين ولمن يجيء بعد الغانمين وقد تقدم أن معاذا أشار على عمر ﵁ بترك الشام مادة للمسلمين وان عمر قبل منه ذلك وأن عمر أرسل إلى عمرو بن العاص أن يترك مصر ولا يقسمها. وروى أبو عبيد عن أبي اليمان عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية ابن قيس أن ناسا سألوا عمر بن الخطاب أرضا من أرض اندركيسان لمربط خيلهم فأعطاهم طائفة منها فزرعوها فانتزعها منهم وأغرمهم وهذا يدل على أن الشام فيء إذ لو كانت صلحا لم يحتاجوا الى سؤال شيء منها ولما انتزعها عمر ﵁ منهم بعد اعطائهم. وحكى أبو عبيد في أرض مصر قولين: أحدهما أنها صلح سوى الاسكندرية وحكاه عن يزيد بن أبي حبيب والليث والثاني أنها عنوة وحكاه عن مالك وابن لهيعة ونافع بن يزيد وغيرهما من المصريين واختار أبو عبيد أنها أخذت صلحا ثم نقضوا العهد فأخذت منهم عنوة. قال أبو عبيد: وكان أبو اسحاق الفزاري يكره الدخول في بلاد الثغر لأنها عنوة ولم يتخذ بها زرعا حتى مات يعني ثغور الشام قال القاضي أبو يعلى ومن الصلح بيت المقدس افتتحه عمر صلحا وكذلك فسطاط مصر صالحهم عليها عمرو بن العاص ومن الناس من قال: لا خراج على غير السواد وحكي عن الشافعي وحكى الجرجاني من أصحابه أنه لا خلاف أنه يجوز بيع أراضي بالشام لأنها غير موقوفة وإنما صالح الامام

стр. 54

أهلها على أن تكون الأراضي لهم بخراج معلوم وهذا الذي قاله لا يصح فقد ذكرنا قول أحمد وأبي عبيد وابن عبد البر أن الشام كلها عنوة إلا ما استثنوه منها وقد سبق أن عمر أراد قسمتها لما قدم الجابية حتى أشار عليه معاذ بتركها ولو كانت مملوكة لأهلها لم تجز قسمتها بين المسلمين. وروى أبو عبيد عن أبي مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن عامر بن حديم مالك تبطىء بالخراج؟ فقال: أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم قال أبو مسهر ليس لأهل الشام حديث في الخراج غير هذا قلت وتسميتهم فلاحين يدل على أنهم متقلون للأرض بالخراج لاملاك لها وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الشام قد ذكر الامام احمد أنها فتحت عنوة ولم يستثن منها شيئا وأبو عبيد ذكر أن مدنها فتحت صلحا بخلاف مزارعها فيجب أن ينظر على قوله في مسألة وهي اذا حاصر الجيش بلدا واستولوا على ما حوله ثم فتح البلد صلحا فهل يكون ما حوله مأخوذا على وجه الصلح أو العنوة فذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أن الجيش قد ملكوا الأرض التي حوله بمجرد استيلائهم عليها حتى أجاز قسمتها وذكر أنه مذهب الشافعي ويستدل لهذا بما في سنن أبي داود من طريق حماد بن سلمة عن عبد الله بن عمر قال: أحسبه عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض وألجأهم الى قصرهم فصالحوه فذكر بقية الحديث وظاهر أنه ملك النخل والأرض قهرا وهم حصونهم الحديث وظاهر أنه ملك النخل والأرض قهرا وهم في حصونهم. وقال أبو العباس ابن تيمية لا يملك ما حول المدائن والحصون إلا بإزالة المنعة عن أهل الحصون ولو وقع الاستيلاء على ما حولها كأن يحرز بعض المنقول حال القتال قبل أن تقضى الحرب فما لم يحصل منع أهل

стр. 55

البلد من الأرض منعا مستقرا إما بفتح البلد أو باستيطان ما حوله لم يكن فتحا ولهذا حاصر النبي صلىالله عليه وسلم الطائف شهرا فلم يفتحها حتى أسلموا فكانت أرضهم لهم وكذلك أرض بني النضير لما حاصرهم النبي ﷺ ثم صالحهم على الجلاء فكانت فيئا لا غنيمة لأن أيدي أصحابها المحاصرين ما أزيلت "انتهى". وقد ذكرنا فيما تقدم أن المحاصرين إذا نزلوا خشية السيف فالمأخوذ منهم غنيمة عند أصحابنا وقد يقال إن الاستيلاء على ما حول الحصون مشروط بإزالة منعة أهل الحصون لأنه تابع للحصون في الصلح إلا أن يشترط لهم في عقد الصلح. "فرع" قال القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية إذا اختلف العامل ورب الأرض في حكمها فادعى العامل أنهاأرض خراج وادعى ربها أنها أرض عشر وقولهما ممكن فالقول قول المالك دون العامل فان اتهم استحلف قال ويجوز أن يعمل في دفع الخراج على البروزات يعني الوصولات السلطانية إذا عرف صحتها اعتبارا بالعرف المعتاد فيها انتهى فظاهر هذا أن ما لم يتحقق هل هو خراجي أو عشري من الأرض عمل فيه بما جرت به العادة المستمرة في ديوان السلطان؟ "فصل" وأرض العنوة تنقسم الى مساكن وأرض ذات شجر ومزارع وهي الأرض البيضاء التي لها ماء القابلة للزرع وأرض لا ينالها الماء وأرض موات فهذه خمسة أقسام. "القسم الأول" المساكن فلا خراج عليها هذا قول مالك والحنفية وأصحابنا وأحد وجهي أصحاب الشافعي ولهم وجه آخر أنها وقف أيضا فيكون حكمها حكم الزارع وقال أبو عبيد في المساكن ما علمنا أحدا كره بيعها قال وقد قسمت الكوفة خططا في زمن عمر رضي الله عنه

стр. 56

باذنه والبصرة وسكنها أصحاب رسول الله ﷺ وكذلك الشام ومصر وغيرهما من البلدان ولم ينكر ذلك أحد. وفي تاريخ الشام لأبي القاسم الدمشقي الحافظ من رواية الوليد بن مسلم بن عبد الرحمن بن عامر أخي عبد الله حدثتني ابنة واثلة بن الاسقع قالت سمعت رجلا يقول لواثلة أرأيت هذه المساكن التي اقتطعها الناس يوم فتحت مدينة دمشق أماضية هي لأهلها؟ قال: نعم, قال: فإن ناسا يقولون هي لهم سكنى وليس لهم بيعها ولا اتلافها بوجه من الوجوه من صدقة ولا مهر ولا غير ذلك فقال واثلة: ومن يقول ذلك؟ بل هي لهم ملك ثابت يسكنون ويمهرون ويتصدقون. وروي. عن أحمد ﵀ ما يدل على أن مساكن الامصار ليست وقفا بخلاف مساكن القرى المزروعة قال المروزي في كتاب الورع قيل لأبي عبد الله في رجل يبيع داره؟ قال: في السواد لا يعجبني أن يبيع شيئا قلت والبصرة والكوفة قال لا الكوفة والبصرة كانت عنده بمعنى آخر ثم قال السواد فيء للمسلمين وكذلك نقل محمد بن الحكم عن احمد قال أكره أن تباع الدار من أرض إلا أن يباع البناء يعني لا تباع نفس الأرض ونقل الأثرم وغيره عنه الفرق بين مساكن البصرة ومساكن الكوفة فقال الكوفة من السواد والبصرة موات أحيوها وهو يرجع الى أن المساكن كالأرض ثم الاعتبار بالمساكن التي وقع الفتح عليها فأما ما بني بعد ذلك من المساكن في مواضع الخراج فهل يجب الخراج عليها اعتبارا بموضعها وقت الفتح أم لا؟ فهذه المسألة تكلم العلماء فيها لما بنيت بغداد فانها كانت مزرعة من أرض السواد. وذكر الخطيب في تاريخه من طريق محمد بن خلف قال: زعم عبد الله بن أبي سعد حدثني أحمد بن حميد بن جبلة حدثني أبي عن جدي جبلة

стр. 57

قال: كانت مدينة أبي جعفر مزرعة للبغداديين يقال لها المباركة وكانت لستين نفسا من البغداديين فعوضهم عنها عوضا أرضا فأخذ جدي جبلة قسمة عليهم ولما بنيت مدينة بغداد وسكنها الناس تكلم في ذلك طائفة من أهل العلم والتدقيق في الورع فمنهم من قال هي مغصوبة. وقد روي ذلك عن الفضيل بن عياض وغيره وذكر أبو مزاحم الخاقاني حدثني أحمد بن محمد الصيداوي سمعت أبا بكر الدوري وهو محمد ابن حفص بن عمر أخو أبي جعفر يقول: خرج أحمد بن حنبل إلى مدينة الرسول ﷺ وبها نسل المبارك الذين افتتحوا الجانب الغربي فأرسل اليهم دراهم صالحة واستحلهم من نزوله وهذا غريب فان أحمد لا يرى اختصاص الفاتحين بالأرض إذا جعلها الامام فيئا للمسلمين والمشهور عن الامام أحمد وغيره من أهل الورع كبشر بن الحارث أنهم كانوا يعدونها من جملة أرض السواد الذي هو فيء للمسلمين وعليه خراج وكانوا يرون إخراج الخراج عنها. وذكر أبو جعفر بن المنادي عن جده عبد الله بن محمد قال: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أبيع هذه الدار التي أسكنها وأخرج الزكاة عنها في كل سنة أذهب في ذلك الى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد والله أعلم. القسم الثاني الأرض ذات الشجر إن عمر ﵁ و ضع على جريب الكرم شيئا معينا من الخراج وعلى جريب النخل أيضا وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. وكذلك روي عن علي ﵁ خرجه حرب من طريق

стр. 58

يونس بن أرقم الكندي عن مصعب بن بريدة الانصاري عن أبيه قال: بعثني علي بن أبي طالب ﵁ على ما سقي الفرات وأمرني أن أضع على كل جريب فذكر أرض الزرع ثم قال وأمرني أن أضع على البساتين التي تجمع النخل والشجر على كل جريب عشرة دراهم وعلى كل جريب الكرم إذا مضى عليه ثلاث سنين ودخل في الرابعة عشرة دراهم وأمرني أن الفيء كل نخل شاذ عن القرى يأكله من قربه وذكر بقية الحديث وقد أخذ الأئمة بهذا وجعلوا على جريب النخل والكرم خراجا معينا نص عليه أحمد وغيره لكن هذا على من يقول إن عمر ﵁ ملكهم الارض بالخراج غير مشكل لأن أصول الشجر تكون ملكا لمن يؤدي الخراج كما يقوله أبو حنيفة ومن وافقه من الكوفيين وغيرهم وأما على أصل من يرى ان عمر ﵁ ترك الارض فيئا للمسلمين وضرب عليها الخراج بالاجرة كما يقوله مالك والشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم فهو مشكل على أصولهم لأن من أصولهم انه لا تجوز اجارة الشجر لأخذ ثمرها إلا أنه حكي عن مالك أنه تجوز إجارة الشجر تبعا للأرض إذا كانت الشجر تقدر بالثلث فما دون كما يجوز بيع الثمر الذي لم يبد صلاحه تبعا لأصوله وعلى هذا فقد يقول في شجر أرض العنوة انه يجوز دخوله تعبا وأما على قول الجمهور بالمنع من ذلك فلا يتجه هذا وقد أنكر أبو عبيد أن يكون عمر ﵁ وضع الخراج على الشجر الذي في الأرض لهذا المعنى وقال إنما وضع على الأرض البيضاء وأما الشجر فانه ألغاه ولم يجعل له أجرة قال وهذا هو الثابت عندي قال ويجوز أني كون بعد ما دفعها اليهم بيضاء غرسوا فيها من ماله فصار الخراج على موضع ذلك الغرس من الأرض هذا مضمون ما ذكره وفيه نظر فإنه لا ريب أن أرض السواد كان فيها شجر عظيم جدا وقت فتحها وإنما سمي سوادا لكثرة خضرة شجره ورؤيته من بعد كالسواد فان أراد

стр. 59

أن عمر ﵁ أهمل ذلك وفوته على المسلمين ولم يأخذ له عوضا فهو بعيد جدا وهو مخالف لما روي عنه من الوضع على جريب النخل والكرم ولم ينقل أحد أن عمر ﵁ ساقى عليه ولا باعه بثمن آخر. وقد اختلف المتأخرون من أصحابنا وأصحاب الشافعي في حكم الشجر الذي يكون في أرض العنوة عند وضع الخراج عليها وحكوا فيه وجهين في المذهبين: أحدهما أن الشجر حكمه حكم الأرض يكون وفقا معها ولا يجوز لمن الأرض في يده الانتفاع بثمره بل يبيعه الامام ويصرفه في المصالح ولا عشر فيه لكونه وقفا على غير معين بل على عموم المسلمين وهو اختيار أبي الخطاب من أصحابنا وابن عقيل في كتاب عمد الأدلة منهم أيضا والثاني يكون لمن هو في يده تبعا للأرض كما يستحق النظر ويقع البئر تبعا للاجارة كذا علله القاضي في بعض تعاليقه وأما في كتاب الخلاف فانه قال الخراج على الأرض إلا أن الاجرة تختلف المنفعة بالأرض التي فيها الشجر أكثر فجعل الشجر من جملة منافع الارض التي وقع العوض عنها وعلى هذا فقد يقال: إنه إذا باد الشجر وغرس بدله من ماله كان تبعا للأرض وفيه نظر وقد صرح أبو الخطاب وابن عقيل بخلاف ذلك وإن ما غرسه من يؤدي الخراج من ماله فهو ملكه وقال ابن عقيل في الفنون إن لأحمد ما يدل على هذا الوجه وعلى هذا فيجب في ثمره العشر لأنه لمن عليه الخراج صرح به غير واحد من الأصحاب. وفي الأحكام السلطانية: للقاضي أن ما كان موجودا من الأشجار في الأرض العنوة إذا صارت وقفا معها ويضرب الامام عليها الخراج ولا يجب في ثمره عشر وقال في أرض بيت المال إذا صارت وقفا كان ما فيها من النخل وقفا معها لا يجب في ثمره عشر ويكون الامام الذي فتحها مخيرا

стр. 60

بين وضع الخراج عليها والمساقاة على ثمرها وقال في أرض بيت المال التي ليست بوقف كالتي يصطفيها الامام بتطييب نفوس الغانمين أو يأخذها بحق الخمس أنها تكون ملكا لكافة المسلمين و يصير حكم رقبتها كالوقف المؤبد أن الامام مخير بين أن يستغلها لبيت المال كما فعل عمر ﵁ وبين أن يضع عليها خراجا مقدرا يكون أجرة لها قال: فان كان ما وضعه من الخراج مقاسمة على شطر من الثمار والزروع جاز في النخل وجوازه في الزروع معتبر باختلاف الفقهاء في جواز المخابرة قال: وقيل بل يجوز الخراج هنا بها وإن منع من المخابرة عليها لما يتعلق بها من عموم المصالح التي يتسع حكمها عن أحكام العقود الخاصة ويكون العشر واجبا في الزروع دون الثمر لأن الزرع ملك لزارعه والمثر ملك لكافة المسلمين مصروفة في مصالحهم انتهى فقد صرح هنا بان خراج هذا الشجر هو مقاسمة بالمسافاة فيحمل قوله بوضع الخارج على أرض العنوة وشجر بيت المال الموقوف على مثل ذلك وإلا لو كان خراجه أجرة معينة لوجب العشر على مؤديه كما صرح به الأصحاب وأما ما حكاه من القول بجواز المقاسمة في الزرع ههنا وجعله خراجا وان منع من المزارعة في غير هذه الأرض معلللا بعموم المصلحة فيه فقد يقول هذا من يمنع المزارعة ويجيب بمثل ذلك عن معاملة النبي ﷺ لأهل خيبر وهو قريب من قول الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا في معاملة المسلمين مع الكفار في أموالهم وفي حكم أموالهم أنه يجوز فيها ما لا يجوز في معاملة المسلمين بينهم وقد سبق أنه قول ضعيف. وقد يقال مثل ذلك على الوجه الثاني في جواز جعل خراج الشجر هنا أجرة معينة ويكون لهذا الوجه مأخذان أحدهما أن مثل هذا جاز هنا لعموم المصلحة فيه للمسلمين وان لم يجز في غيره أو لكونه معاملة في حكم أموال المشركين والثاني ما تقدم من التعليل بالتبعية ولكن لا يستقيم

стр. 61

التعليل بها إلا أن يكون مع هذه الشجر أرض بيضاء أكثر منها إلا أن يقال أن شجر أرض الخراج تبع لبياضها في الجملة فيجوز وضع الخراج عليه تبعا ولو انفرد بتقبله وأخذه وفيه نظر وما ذكره ابن عقيل في فنونه أن لأحمد ما يدل على جواز مثله فقد رأيت في مسائل حرب الكرماني قيل لأحمد الرجل يستأجر الأرض وفيها شجرات قال أخاف أن يكون استأجر ثمرا لم يبد صلاحه وكأنه لم يعجبه أظنه إذا أراد الشجر لم أفهم من أحمد اكثر من هذا هكذا نقله حرب في مسائله فانه كان حفظ ذلك عن أحمد فانه يدل على أنه اجازه اذا كان الشجر تابعا غير مقصود كما يجوز اشتراط دخوله في عقد البيع مع أصله بشرط أن يكون غير مقصود أيضا وقد نص أحمد على هذا القيد في بيع الثمر الذي لم يبد صلاحه مع أصوله وكذلك ذكره ابن بطة وغيره لكن"....." (١) وحكى الشيخ أبو العباس ابن تيمية عن ابن عقيل أنه أجاز إجازة الشجر تبعا للأرض مطلقا ولم يعتبر قلة الشجر لأن الحاجة داعية الى إجارة الأرض البيضاء التي فيها شجر وافرادها عنها بالاجارة متعذر أو متعسر لما فيه من الضرر فأجاز دخول الشجر في الاجارة تبعا كما جوز الشافعي ذلك في المزارعة مع المساقاة وقد سبق عن مالك أنه جوزه إذا كان الشجر بقدر الثلث وذهب الأوزاعي الى جوازه اذا كان الشجر أقل من البياض تبعا فان كانا نصفين استأجر الأرض وساقى على الشجر وان كان الشجر أكثر دخل البياض في المساقاة تبعا كذلك ذكره حرب الكرماني عنه باسناده. ومن الناس من رخص في ذلك مطلقا وان كان الشجر مفردا وهم طائفتان طائفة زعموا أن نهي النبي ﷺ عن بيع الثمرة قبل اصلاحها كان

стр. 62

على التنزيه دون التحريم وحكى الطحاوي هذا القول عن قوم لم يسمهم وهو مذهب الشعية وذكروه عن جعفر بن محمد وذكروا عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد أنهما أجازا بيع ثمرة النخل سنين وقالوا إن لم تطلع في هذه السنة أطلعت في غيرها وكرهوه في سنة واحدة قبل صلاح التمر. وحكى ابن عبد البر عن عثمان الليثي أنه سئل عن بيع التمر قبل أن يزهى قال: لولا ما قال الناس فيه ما رأيت به بأسا وقد يحتج لهذا القول بما خرجه البخاري في صحيحه تعليقا فقال وقال لليث عن أبي الزناد كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الانصاري أنه حدثه عن زيد بن ثابت ﵁ قال كان الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون الثمار فاذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب الثمر الدمان وأصابه مراض أصابه قشام (١) عاهات يحتجون بها فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عند الخصومة في ذلك: "فأما لا فلا تبتاعوا حتى يبدو صلاح الثمر" كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم. وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر قال البخاري رواه علي ابن بحر حدثنا حكام حدثنا عنبسة عن زكريا عن أبي الزناد عن عروة عن سهل عن زيد هذا ما ذكره البخاري في صحيحه وخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح عن عنبسة بن خالد

стр. 63

حدثني يونس قال سألت أبا الزناد فذكره بنحوه وخرجه الطحاوي والدارقطني من طريق وهب الله بن راشد أبي زرعة الحجري عن يونس بن يزيد به وخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن أحمد بن صالح كما خرجه أبو داود عنه وزاد في حديثه قال أبو الزناد: لما توفي أسيد بن حضير أوصي إلى رجل وأشرك في الوصية عمر بن الخطاب ﵄ وكان عليه دين فبيعت رقاب تمره في دينه فرد عمر ﵁ البيع وباع سنين عددا قال أبو الزناد وكان أبو بكر بن عمرو بن حزم كتب إلى عمر بن عبد العزيز في بيع ثمر سنين فتوفي عمر بن عبد العزيز ﵀ قبل أن يرد جواب الكتاب. قال أبو الزناد: وكان ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن أبيه أنه ابتاع كذلك قال أحمد بن صالح فحدثت به أحمد بن حنبل فأعجبه واستزادني مثله فقلت ومن أين مثله؟ قال أبو زرعة قلت لأحمد بن صالح: فالحديث الذي يحدث به الوليد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن عروة قال: قال زيد بن ثابت: غفر الله لرافع بن خديج أنا أعلم بالحديث منه ما أراد قال: أراد هذا كذا قال: وحديث الوليد لفظه: إن زيدا قال: يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه إنما كان رجلان اقتتلا فقال رسول الله ﷺ : "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع". فسمعع رافع قوله لا تكروا المزارع خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والطائفة الثانية زعموا أن ضمان الشجرة وتقبلها لأمد ثمرها جائز لأن الأعيان المستخلفة شيئا فشيئا حكمها حكم المنافع قالوا وليس ذلك من البيع وانما هو من نوع الاجارة فيكون مؤنة العلم على المستأجر لا على المؤجر بخلاف بيع الثمر ولو تلف منه شيء ثبت له الفسخ أو الارش بمنزلة من استأجر منافع فتلف بعضها قبل استيفائه وليس هو من باب اجاحة المبيع في شيء وهذا اختيار أبي العباس ابن

стр. 64

تيمية وزعم أن ما فعله عمر والصحابة ﵃ هو من هذا الباب لا من باب البيع لان في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ نهى عن بيع المثرة حتى تصلح. وقد روي عن عمر ﵁ أنه ضمن حديقة سنين فدل على أنه كان يفرق بين البيع والتقبل وقد اختلف السلف في حكم تقبل الشجر فأكثرهم نهوا عنه وقالوا: هو ربا وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ﵃ وسعيد بن جبير والحسن وميمون بن مهران وعمر بن عبد العزيز وكتب الى أهل البصرة ينهاهم عن ذلك ونص عليه أحمد وغيره من الائمة وقال أبو عبيد: لا نعلم المسلمين اختلفوا في كراهة القبالات وقد روي عن طائفة منهم ما يقتضي الرخصة وقد سبق عن عمر وعبد الرحمن ابن عوف وروي عن عمر ﵁ من وجه آخر خرجه حرب الكرماني عن سعيد بن منصور حدثنا عباد بن عباد عن هشام بن عروة عن أبيه أن أسيد بن حضير ﵁ توفي وعليه ستة آلاف درهم دين فدعا عمر بن الخطاب ﵁ غرماءه فقبلهم أرضه سنين وفيها الشجر والنخل. وروى أبو القاسم البغوي حدثنا عبد الأعلى بن حماد عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أن أسيد بن حضير مات وعليه دين أربعة آلاف درهم فبيعت أرضه فقال عمر ﵁: لا أترك بني أخي عالة فرد الأرض وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف كل سنة بألف. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن عيينة عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر قال: كنت على صدقة النبي ﷺ فأتيت محمود بن لبيد فسألته قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يبيع مال يتيم عنده ثلاث سنين

стр. 65

يعني ثمره. قال: وأخبرنا ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر ﵁ كان يبيع مال يتيم عنده ثلاث سنين ولكن روى مالك عن يزيد بن قسيط عن محمود بن لبيد أن أسيد بن حضير هلك وترك دينا فكلم عمر ﵁ غرماءه فأخروه وروى محمد بن سعد في طبقاته حدثنا خالد بن مخلد حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال هلك أسيد بن الحضير وترك أربعة آلاف درهم دينا وكان ماله يغل كل عام ألفا فأرادوا بيعه فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ فبعث الى غرمائه فقال: هل لكم أن تقضوا كل عام ألفا فتستوفونه في أربع سنين؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين فأخروا ذلك وكانوا يقتضون كل عام ألفا وهذه الرواية متصلة وهي موافقة لرواية مالك بالتأخير فقط وإن كان يدفع الى الغرماء في كل عام بغلة وعروة بن الزبير لم يسمع من عمر ﵁ بل يرسل عنه قال أبو حاتم الرازي وغيره ورواية مالك مقدمة على رواية ابن اسحاق بلا ريب وروي أيضا عن ابن الزبير أنه كان يبيع ثمرة نخله سنين من وجوه متعددة وكان جابر ينكر ذلك عليه وأما ابن عمر ﵄ فانه قال: القبالات ربا رواه شعبة عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر ﵁ قال: من يقبل أرضا فلا يزدادن شيئا على رأس ماله فمن أزداد فهو ربا خرجه الأثرم وهذا يشعر بأن ابن عمر ﵄ إنما نهى عن الربح فيها لأنه من باب ربح ما لم يضمن كما كره من كره إجارة من استأجره بربح لهذا المعنى وهو رواية عن أحمد وذلك يدل على أنه يبيح أصل القبالة ويشهد له ما رواه أبو عبيد عن شريك عن الأعمش عن عبد الرحمن بن زياد قال: قلت لابن عمر: إنا نتقبل الأرض فنصيب من ثمارها قال أبو عبيد يعني الفضل قال ذلك الربا العجلان.

стр. 66

القسم الثالث الأرض البيضاء القابلة للزرع وهي التي بها ما يسقيها فهذه ضرب عمر ﵁ عليها الخراج ووافقه الصحابة ﵃ على ذلك ولم يعلم عن أحد إنكاره ولكن من السلف من كان يكره إجارة الأرض بالذهب والفضة كطاوس ولا يعلم قوله في الخراج إلا أن يكون يفرق بين معاملة المسلمين وأهل الذمة. وقد روي عن الحسن البصري ﵀ أنه كره المزارعة بجزء مشاع في أرض الصدقة العشرية وأجازها في أرض الخراج ولعل طاوسا يقول في الاجارة كذلك إلا أن طاوسا لم يكره المزارعة بحاله وكأنه لحظ أن المزارعة مشاركة فهي كالمضاربة وأما إجارة الأرض للزرع فتشبه بيع الزرع قبل صلاحه أو وجوده لأن الزرع منعقد من أجزاء الأرض ترابها وهوائها ومائها لا من البذر الذي يبذره المستأجر لأنه يستهلك. وينشيء الله تعالى من الأرض عينا أخرى وهذه أيضا حجة احتج بها من سوى بين المزارعة واستئجار الاشجار لثمرتها في الجواز وأيضا فان عمر ﵁ وضع على كل جريب من الزرع قفيزا ودرهما وهذه إجارة للأرض بجنس ما يخرج منها وفي ذلك خلاف مشهور بين الفقهاء. القسم الرابع الأرض التي لا ماء لها ويمكن زرعها في الجملة هل يوضع عليها خراج يؤخذ ممن كان في يده أم لا؟ في ذلك قولان للعلماء: أحدهما لا خراج عليه وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد نقلها عنه أبو الحارث قال الخراج يجب على أرض السواد على العامر إذا ناله الماء وهي اختيار الخلال والقاضي. والثاني عليه الخراج وهي الرواية الثانية عن أحمد قال

стр. 67

في رواية الميموني وإبراهيم بن هانىء يمسح العامر والجبال وان لم يبله الماء ماء السماء يناله. ونقل عنه الأثرم قال عمر ﵁: وضع على العامر والغامر قيل له وأنت تذهب إليه قال نعم واختلف أصحابنا في محل هاتين الروايتين فمنهم من قال محلها فيما يمكن زرعه بماء السماء ولا ماء له مستحق في أرضه وهو قول أبي الخطاب و صاحب المجرد وقالت طائفة بل ما يناله ماء السماء المعتاد يجب فيه الخراج رواية واحدة لأنه يصح استئجاره للزراعة وإنما الروايتان فيما يناله الأمطار النادرة من السيول التي لا تعتاد أو يمكن زراعته بالدواليب المستخرجة والكلف وهو قول ابن عقيل في كتاب الروايتين وفي كتاب الفنون وكذا ذكر صاحب الكافي أن ما يمكن زرعه والانتفاع به بأي وجه كان يجب فيه الخراج رواية واحدة وإنما الروايتان في موات لا يمكن زرعه وهو مضيعة يمكن بالبنيان وغيره وهذا فيه نظر فان الحوانيت والمساكن لا خراج عليها وأما وضع عمر الخراج على العامر والغامر فالعامر ما زرع والغامر ما لم يزرع لكن له ماء وسمي غامرا لأن الماء يبلغه فيغمره فاعل بمعنى مفعول وما لا يناله الماء من الأرض لا يقال له غامر كذا نقله صاحب الصحاح. وقال حرب: سمعت إسحاق يقول في حديث عمر ﵁ أنه وضع الخراج على العامر والغامر يعني من ماءيبلغه الماء وكذلك نقل الكوسج هذا التفسير عن أحمد واسحاق. وقال يحيى بن آدم: وضع عمر الخراج على كل عامر وغامر من أرضهم يناله الماء ويقدر على عمارته ولا فرق بين أن يكون الماء من أرض الخراج أو من غيرها عندنا وعند الأكثرين.

стр. 68

ونص أحمد على أن الخراج جزية على رقبة الأرض كجزية الروس على رقاب الآدميين. وقال أبو حنيفة: لا خراج فيما سقي من ماء الخراج وان كانت أرضه غير خراجية ومنع لمن يسقى بماء أحدهما من أرض الآخر وعند الجمهور لا يمنع ذلك فان الخراج على رقبة الأرض والعشر على رقبة الزرع والماء لا خراج عليه ولا عشر ولا اعتبار به وإذا قلنا لا خراج على ما لا ماء له فزرعه من هو بيده بماء نقله اليه بكلفة فقال ابن عقيل في الفنون خرجها بعض القضاة من أصحابنا على الروايتين قال ابن عقيل وهو غلط على المذهب لأن الروايتين في أرض لا ماء لها ولا زرعها من هي بيده فأما إذا زرعها فقد وجد سبب إيجاب الخراج لأنه كالأجرة والأجرة تجب بالتمكين أو بالفعل ولهذا اذا كان لها ماء ولم يزرع وجب الخراج فاذا زرع فقد وجد حقيقة التصرف بالمقصود فهو كالأرض المستأجرة إذا نضب ماء البئر أو النهر فأراد الفسخ كان له ذلك ولا أجرة فان زرع فيها لم تسقط الأجرة لحصول الانتفاع حقيقة "انتهى". وأيضا فيقال: منفعة هذه الأرض مملوكة للمسلمين فمن استوفاها كان عليه ضمانها بعوض مثلها إلا أن تكون مواتا ففي وجوب الخراج على من أحياها خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى وأما إذا استولى عليها من غير انتفاع ففي ضمانه الروايتان لأنه استولى على ما لا نفع فيه أو ليس له نفع مقصود وهذا إذا كانت الأرض على هذه الصفة من ابتداء وضع اليد عليها فأما إن طرأ لها ذلك بأن ذهب ماؤها فان كان بفعل من هي في يده لم يسقط الخراج ولم ينقض وألزم بعمارته لئلا يتعطل حق المسلمين وإن كان من غير جهته وجب على الامام عمله من بيت المال من سهم المصالح وسقط الخراج عنهم ما لم يعمل فان أمكن الانتفاع بها في غير

стр. 69

الزراعة لمصائد أو مراعي جاز أن يوضع عليها الخراج بحسب ما يحتمله الصيد والمراعي بخلاف أرض الموات لأن هذه الأرض مملوكة وأرض الموات مباحة فإن قلنا لا موات في أرض العنوة فهو مملوك يوضع عليه الخراج ذكر ذلك كله القاضي في كتاب الاحكام السلطانية. ونقل الكوسج عن اسحاق بن راهويه في موات العنوة أن للامام أن يدفعه لمن يشاء حتى يحييه إذا كان ذلك نظرا لأهل القرية قال لأنها لو تعلت يوما حتى لا يقدروا على احتمال خراجها كان على الامام التخفيف عنهم فكذلك له أن ينتج مواتها حتى يحيى ويضع عليه قدر طاقته وقدر ما يعرف من المؤنة التي تلزم في إحيائه عشرا كان أو غيره فان كل شيء يوظفه عليه كان عليه اسقاطه (١) من في إسقاطه من جملة خراج أهل القرية"....." (٢) إذا أخذ أرضا بخراجها للزرع فمضت مدة الزرع ولم يزرعع وجب عليه الخراج نص عليه أحمد في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب واستدل بوضع عمر ﵁ الخراج على العامر والغامر وقد سبق أن العامر هو ما يمكن زرعه ولم يزرع وهكذا قال يحيى بن آدم وإسحاق بن راهويه والحنفية وقالوا لو منعه مانع من الزرع آدمي أو غيره فلا خراج عليه قال أبو البركات بن تيمية ويحتمله مذهبنا أنه لا خراج عليه إذا منعه غيره من الزرع. وقال الحسن بن صالح إن لم يزرعه من غير عذر فعليه الخراج وإن تركه من عذر خفف عنه ولا يكلف فوق طاقته وقالت الحنفية أيضا يجب الخراج عند بلوغ الغلة ومتى أصاب الزرع آفة سقط الخراج عن صاحبه قالوا ولا يؤخذ منه الخراج كاملا إلا إذا أخرجت الأرض مثل قدره أو

стр. 70

أكثر فان أخرجت قدر الخراج أخذ منه نصفه لأن أخذ أكثر الغلة اجحاف هذا مع قولهم ان أرباب الخراج ملاك للأرض بالخراج وهذا عجيب وأما عند من يقول إن الخراج أجرة فلا يسقط منه شيء بذلك كما لا تسقط الأجرة للزرع بذلك ذكره أبو البركات بن تيمية قال فقد نص أحمد في رواية حنبل أن من استأجر أرضا للزرع فاصاب الزرع جائحة أو آفة ولم ينبت تلزمه الأجرة ذكر أبو بكر في الشافي وكذلك ذكر هذا النص صاحب المغني وذكر أنه لا يعلم فيه خلاف. ويشهد له ما روى اسرائيل عن عبد الأعلى التغلبي عن محمد بن علي عن علي ﵁ قال مر النبي ﷺ على رجلين أحدهما يلزم صاحبه فقال: "ما شأنكما؟ ", قال أحدهما: يا رسول الله استأجر مني أرضا بكذا وكذا وسقا فزرعها قال الآخر: يا رسول الله أصابت زرعي آفة قال رسول الله ﷺ : "إن صاحبك أصابه ما ذكر فان رايت أن تجاوز عنه فافعل" قال: فقد فعلت يا رسول الله, خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده والاسماعيلي في مسند علي وعبد الأعلى هذا فيه ضعب وقد روى عنه عن ابن الحنفية مرسلا. وأفتى جماعة من متأخري الشافعية والحنفية في الأجرة أنها تسقط أيضا بتلف الزرع لتعذر الانتفاع المقصود بالأرض. وقال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجب كمال الأجرة مع ذلك. واختار أبو العباس بن تيمية سقوطها لفوات المقصود في الاجارة وهو بقاء الزرع في الأرض إلى حين إمكان أخذه وهذا إذا أفسدت الجائحة الزرع وحده فان أفسدت الارض بان أخرجتها عن صلاحية الزرع فذكر صاحب التلخيص من أصحابنا في الاجارة وجهين: أحدهما ينفسخ العقد فيما بقي من الزمان الثاني له الخيار قال وهل يلزمه أجرة الماضي إذا تلف الزرع بعد فسادها؟ يحتمل

стр. 71

وجهين: إذ أول الزرع غير مقصود بخلاف الدار فان عليه أجرة الماضي وجها واحدا قال وكذلك إذا أفسدت بعض الارض انفسخت الاجارة فيما تعطل ويتخير في الباقي بين إمساكه بالحصة أو الفسخ فيه "انتهى". وعلى الوجه الآخر في الآدمي لا تنفسخ وله الخيار وعلى هذا فاذا حصلت هذه الافة في أرض الخراج فهل يسقط الخراج كله أو يجب منه بالحصة الى حين التلف يحتمل تخريجه على الوجهين المذكورين في لزوم أجرة الماضي. "فصل" ولو أخذ الارض للزرع فبنى فيها فعليه الخراج ذكره القاضي في الاحكام السلطانية وقال هو ظاهر كلام أحمد في رواية يعقوب بن بحتان وذكر روايته التي ذكرناها في المساكن فظاهر كلام أحمد في اخراجه خراج مساكنه أنه يخرج عن البناء خراج الزرع قفيزا ودرهما مع العلم بتفاوت الضرر بينهما وعلى قياسه لو أخذ للزرع فغرس فظاهر كلام أبي الخطاب وابن عقيل في خلافهما أنه يعتبر خراج الغراس وقياسه في البناء كذلك. وقال القاضي: لو زرع غير المنصوص على خراجه اعتبر بأقرب الزرع شبها ونفعا من المنصوص عليه وهذا أيضا يدل على اعتبار الخراج بما انتفع لا بما أخذ له وهو القياس ولو فوت الزرع بالكلية فعليه خراج أقل ما يزرع فيها وهو قفيز ودرهم ذكره القاضي وابن عقيل لأنه لو اقتصر على زرعه لم يمنع. القسم الخامس الموات في أرض العنوة هل هو ملك للمسلمين أو مباح؟ فيه قولان مشهوران وينبني عليهما هل يملك بالاحياء أم لا؟ أحدهما أنه مملوك

стр. 72

للمسلمين فلا يملك بالأحياء حكاه إسحاق عن المغيرة الضبي والأوزاعي وسفيان وغيرهم ونص أحمد أن لا موات في أرض السواد في رواية جماعة وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى وغيره واحد من الأصحاب واحتج أحمد والأصحاب بأن عمر ﵁ مسح العامر والغامر ووضع الخراج على الجميع. وروي حرب الكرماني من طريق أبي حدير عن الشعبي أن ناسا أتوا أبا بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ فقالوا: إن بأرضنا رسوما قد كانت أرحاء على عهد أهل عاد فإن أذنت لنا حفرنا آبارها وعملناها فأصبنا منها معروفا وانتفع بها الناس فأرسل إلى عمر ﵁ بعدما كتب لهم كتابا فقال عمر ﵁: إن الأرض فيء للمسلمين فان رضي جميع المسلمين بهذا فاعطهم وإلا فليس أحد أحق بها من أحد وليس لهؤلاء أن يأكلوها دونهم. وبه عن الشعبي عن عبد العزيز بن أبي أسماء أن ناسا قدموا من البحرين على ابن عباس ﵄ بالبصرة فقالوا: إن بأرضناأرضا ليس لأحد من الناس قد خربت منذ أباد الدهر فأعطناها فكتب لهم إلى علي ﵁ فلحقوه بالكوفة فقال الأرض فيء للمسلمين ما خرج منها فهو بينهم سواء ولو رضوا كلهم أعطيتكموه ولكن لا يحل لي أن أعطيكم ما لا أملك والثاني أنه مباح قال أحمد في رواية العباس بن محمد الخلال وسأله عما أحي من الأرض السواد يكون لمن أحياه؟ فقال: أما مثل التلول والرمال فيما بينك وبين الانبار فهو لمن أحياه وقال حرب سألت أحمد عن أرض العشر قال: ما أحيي الرجل من الموات قلت وان كانت تلك الأرضون من بلاد الخراج؟ قال: نعم إذا كان مواتا فليس إلا العشر. ورجحه القاضي وكثير من المتأخرين وهو قول الحسن وابن جريج وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي ثور.

стр. 73

وروى يحيى بن آدم باسناده عن محمد بن عبيد الله الثقفي أن رجلا أتى عمر ﵁ فقال: إن بالبصرة أرضا ليست من أرض الخراج ولا يضر بأحد من المسلمين فكتب عمر ﵁ إن كانت ليست تضر بأحد من المسلمين وليست من أرض الخراج فاقطعها إياه. وعن عوف الأعرابي قال: قرأت في كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁ إن أبا عبد الله سألني أرضا على شاطىء دجلة فيها خيله فان كانت ليست من أرض الجزية ولا يجري اليها ماء الجزية فأعطاها إياه. وروى حرب الكرماني من طريق المسيب بن شريك عن رزام أبي الحجاج النخعي عن أبيه قال: عند علي بن أبي طالب ﵁ فأتاه رجل فقال: إني آتي أرض الجزية من أرض السواد فأزرعها ببذري وبقري فيضعف أضعافا مضاعفة قال له: أنت معمر غير مخرب ومصلح غير مفسد فكل رغدا. وقد استدل بعضهم باقطاع عثمان ﵁ من السواد وفيه كلام نذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى. وأما وضع عمر ﵁ الخراج على العامر والغامر فقد سبق أن العامر ما ناله الماء ولم يزرع وليس هو البراري المقفرة التي لم يضع عمر ﵁ عليها الخراج ونحوها على أن من الأصحاب من قال: إن الرواية الأولى تخص بارض السواد دون بقية أرض العنوة فانه قد قيل أن السود كله كان عامرا في زمن عمر ﵁ فإذا خرب منه شيء بعد ذلك لم يكن مواتا لأنه ملك للمسلمين فإذا تقرر هذا فإن قلنا تملك بالاحياء فلا خراج عليها إذا أحياها مسلم وعليه العشر نص عليه أحمد في رواية حرب فيمن أحيي مواتا من أرض خراج أو عشر قال: إذا لم يكن لها

стр. 74

مالك فليس إلا العشر قال: وسألت إسحاق عن ذلك فقال إذا أتى جبالا ودكادك فأحيي مواتا فهو عشر وإن قلنا لا تملك بالاحياء ضرب عليها الخراج لأنها من أرض الفيء التي يستحقها المسلمون عموما وهو قول أبي عبيد ونقله ابن منصور عن إسحاق وقال لا يحييها أحد إلا باذن الامام هذا إذا كان المحبي لها مسلما فان كان ذميا وقلنا يملكها فاختلف العلماء فيه فقال طائفة لا شيء عليه وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه. وقالت طائفة عليه عشر لئلا يسقط حق المسلمين من عشر الأرض. نقله حرب عن أحمد أنه قال مرة: هو عشر وقال مرة: لا شيء عليه قال وقال مرة: أنا أقول لا شيء عليه وأهل الديونة يقولون في هذا قولا حسنا يقولون لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر قال: وأهل البصرة يقولون قولا عجبا يقولون يضاعف عليه العشر فجعل أحمد حكم أحياء الذمي لموات دار الاسلام فمن هنا حكي ابن أبي موسى رواية عنه أن عليه عشرين كما في قوله في الشراء على رواية عنه وفهم من قوله هنا هو عشر أي أنها تصير أرضا عشرية لا أن الواجب فيها عشر واحد وهذا أظهر والله أعلم. وخص القاضي في خلافه وصاحب المحرر هذه الرواية بما عدا أرض العنوة. وقالت طائفة يوضع على أرض الذمي المحيي للموات والخراج. وهو قول سفيان وابي حنيفة واسحاق بن راهويه نقله عن ابن منصور ونقل عنه حرب الكرماني لا يملك من ذلك فان فعل أخذت منه واعطي قيمتها من بيت المال وكل هؤلاء لم يخصوا ذلك بأرض العنوة ولا غيرها وذكر القاضي في خلافه وصاحب المحرر من أصحابنا أنه إذا أحيي موات العنوة فان عليه الخراج. وفرق صاحب المحرر بينه وبين المسلم وكأن الفرق بينهما أن المسلم

стр. 75

إذا قلنا يملك بالأحياء في أرض العنوة فقد زادهم خيرا لانتفاعهم بعشره وأما الذمي فلا ينتفعون بعشره فتعين تعويضه بالخراج وفيه نظر وقد تقدم أن صاحب الكافي ذكر أن موات العنوة إذا كان بحيث يمكن إحياؤه فهل يوضع عليه الخراج على الروايتين؟. ويشبه هذا ما قاله أبو حنيفة في رواية ابن المبارك عنه: إذا اشترى الذمي أرض العشر من مسلم وضع عليها الخراج فلا يسقط عنها باسلامه ولا ببيعها من مسلم. وقال سفيان: لا خراج عليها وهو قول الجمهور لكن اختلفوا هل يوضع عليه عشر مضاعف أم لا؟ على قولين هما روايتان عن أحمد هذا في إحياء موات العنوة فأما أرض الخراج إذا كانت صلحا فان صولحوا على أن الأرض لهم ولنا خراجها فهل يملك المسلم مواتها بالاحياء فيه قولان أحدهما لا يملك وهو قول جريج والشافعي والقاضي أبو يعلى ومن بعده من أصحابنا لأن الصلح أوجب اختصاصهم ببلادهم معمورها ومواتها والثاني يملك بالاحياء وهو قول بعض الشافعية قال بعض متأخري أصحابنا: وهو الأقوى لأن الموات على الاباحة والصلح إنما ينصرف على ابقاء أملاكهم فلا يدخل الموات بدون شرطه وأما إن صولحوا على أن الأرض لنا ونقرها بأيديهم بالخراج فان قيل تصير بذلك وقفا فحكمها حكم أرض العنوة كما سبق وإلا فهي كأرض المسلمين العشرية يملك مواتها بالاحياء.
следующие страницы →