← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6238

الاستخراج لأحكام الخراج

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (149 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وجهين: إذ أول الزرع غير مقصود بخلاف الدار فان عليه أجرة الماضي وجها واحدا قال وكذلك إذا أفسدت بعض الارض انفسخت الاجارة فيما تعطل ويتخير في الباقي بين إمساكه بالحصة أو الفسخ فيه "انتهى". وعلى الوجه الآخر في الآدمي لا تنفسخ وله الخيار وعلى هذا فاذا حصلت هذه الافة في أرض الخراج فهل يسقط الخراج كله أو يجب منه بالحصة الى حين التلف يحتمل تخريجه على الوجهين المذكورين في لزوم أجرة الماضي. "فصل" ولو أخذ الارض للزرع فبنى فيها فعليه الخراج ذكره القاضي في الاحكام السلطانية وقال هو ظاهر كلام أحمد في رواية يعقوب بن بحتان وذكر روايته التي ذكرناها في المساكن فظاهر كلام أحمد في اخراجه خراج مساكنه أنه يخرج عن البناء خراج الزرع قفيزا ودرهما مع العلم بتفاوت الضرر بينهما وعلى قياسه لو أخذ للزرع فغرس فظاهر كلام أبي الخطاب وابن عقيل في خلافهما أنه يعتبر خراج الغراس وقياسه في البناء كذلك. وقال القاضي: لو زرع غير المنصوص على خراجه اعتبر بأقرب الزرع شبها ونفعا من المنصوص عليه وهذا أيضا يدل على اعتبار الخراج بما انتفع لا بما أخذ له وهو القياس ولو فوت الزرع بالكلية فعليه خراج أقل ما يزرع فيها وهو قفيز ودرهم ذكره القاضي وابن عقيل لأنه لو اقتصر على زرعه لم يمنع. القسم الخامس الموات في أرض العنوة هل هو ملك للمسلمين أو مباح؟ فيه قولان مشهوران وينبني عليهما هل يملك بالاحياء أم لا؟ أحدهما أنه مملوك

стр. 72

للمسلمين فلا يملك بالأحياء حكاه إسحاق عن المغيرة الضبي والأوزاعي وسفيان وغيرهم ونص أحمد أن لا موات في أرض السواد في رواية جماعة وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى وغيره واحد من الأصحاب واحتج أحمد والأصحاب بأن عمر ﵁ مسح العامر والغامر ووضع الخراج على الجميع. وروي حرب الكرماني من طريق أبي حدير عن الشعبي أن ناسا أتوا أبا بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ فقالوا: إن بأرضنا رسوما قد كانت أرحاء على عهد أهل عاد فإن أذنت لنا حفرنا آبارها وعملناها فأصبنا منها معروفا وانتفع بها الناس فأرسل إلى عمر ﵁ بعدما كتب لهم كتابا فقال عمر ﵁: إن الأرض فيء للمسلمين فان رضي جميع المسلمين بهذا فاعطهم وإلا فليس أحد أحق بها من أحد وليس لهؤلاء أن يأكلوها دونهم. وبه عن الشعبي عن عبد العزيز بن أبي أسماء أن ناسا قدموا من البحرين على ابن عباس ﵄ بالبصرة فقالوا: إن بأرضناأرضا ليس لأحد من الناس قد خربت منذ أباد الدهر فأعطناها فكتب لهم إلى علي ﵁ فلحقوه بالكوفة فقال الأرض فيء للمسلمين ما خرج منها فهو بينهم سواء ولو رضوا كلهم أعطيتكموه ولكن لا يحل لي أن أعطيكم ما لا أملك والثاني أنه مباح قال أحمد في رواية العباس بن محمد الخلال وسأله عما أحي من الأرض السواد يكون لمن أحياه؟ فقال: أما مثل التلول والرمال فيما بينك وبين الانبار فهو لمن أحياه وقال حرب سألت أحمد عن أرض العشر قال: ما أحيي الرجل من الموات قلت وان كانت تلك الأرضون من بلاد الخراج؟ قال: نعم إذا كان مواتا فليس إلا العشر. ورجحه القاضي وكثير من المتأخرين وهو قول الحسن وابن جريج وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي ثور.

стр. 73

وروى يحيى بن آدم باسناده عن محمد بن عبيد الله الثقفي أن رجلا أتى عمر ﵁ فقال: إن بالبصرة أرضا ليست من أرض الخراج ولا يضر بأحد من المسلمين فكتب عمر ﵁ إن كانت ليست تضر بأحد من المسلمين وليست من أرض الخراج فاقطعها إياه. وعن عوف الأعرابي قال: قرأت في كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁ إن أبا عبد الله سألني أرضا على شاطىء دجلة فيها خيله فان كانت ليست من أرض الجزية ولا يجري اليها ماء الجزية فأعطاها إياه. وروى حرب الكرماني من طريق المسيب بن شريك عن رزام أبي الحجاج النخعي عن أبيه قال: عند علي بن أبي طالب ﵁ فأتاه رجل فقال: إني آتي أرض الجزية من أرض السواد فأزرعها ببذري وبقري فيضعف أضعافا مضاعفة قال له: أنت معمر غير مخرب ومصلح غير مفسد فكل رغدا. وقد استدل بعضهم باقطاع عثمان ﵁ من السواد وفيه كلام نذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى. وأما وضع عمر ﵁ الخراج على العامر والغامر فقد سبق أن العامر ما ناله الماء ولم يزرع وليس هو البراري المقفرة التي لم يضع عمر ﵁ عليها الخراج ونحوها على أن من الأصحاب من قال: إن الرواية الأولى تخص بارض السواد دون بقية أرض العنوة فانه قد قيل أن السود كله كان عامرا في زمن عمر ﵁ فإذا خرب منه شيء بعد ذلك لم يكن مواتا لأنه ملك للمسلمين فإذا تقرر هذا فإن قلنا تملك بالاحياء فلا خراج عليها إذا أحياها مسلم وعليه العشر نص عليه أحمد في رواية حرب فيمن أحيي مواتا من أرض خراج أو عشر قال: إذا لم يكن لها

стр. 74

مالك فليس إلا العشر قال: وسألت إسحاق عن ذلك فقال إذا أتى جبالا ودكادك فأحيي مواتا فهو عشر وإن قلنا لا تملك بالاحياء ضرب عليها الخراج لأنها من أرض الفيء التي يستحقها المسلمون عموما وهو قول أبي عبيد ونقله ابن منصور عن إسحاق وقال لا يحييها أحد إلا باذن الامام هذا إذا كان المحبي لها مسلما فان كان ذميا وقلنا يملكها فاختلف العلماء فيه فقال طائفة لا شيء عليه وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه. وقالت طائفة عليه عشر لئلا يسقط حق المسلمين من عشر الأرض. نقله حرب عن أحمد أنه قال مرة: هو عشر وقال مرة: لا شيء عليه قال وقال مرة: أنا أقول لا شيء عليه وأهل الديونة يقولون في هذا قولا حسنا يقولون لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر قال: وأهل البصرة يقولون قولا عجبا يقولون يضاعف عليه العشر فجعل أحمد حكم أحياء الذمي لموات دار الاسلام فمن هنا حكي ابن أبي موسى رواية عنه أن عليه عشرين كما في قوله في الشراء على رواية عنه وفهم من قوله هنا هو عشر أي أنها تصير أرضا عشرية لا أن الواجب فيها عشر واحد وهذا أظهر والله أعلم. وخص القاضي في خلافه وصاحب المحرر هذه الرواية بما عدا أرض العنوة. وقالت طائفة يوضع على أرض الذمي المحيي للموات والخراج. وهو قول سفيان وابي حنيفة واسحاق بن راهويه نقله عن ابن منصور ونقل عنه حرب الكرماني لا يملك من ذلك فان فعل أخذت منه واعطي قيمتها من بيت المال وكل هؤلاء لم يخصوا ذلك بأرض العنوة ولا غيرها وذكر القاضي في خلافه وصاحب المحرر من أصحابنا أنه إذا أحيي موات العنوة فان عليه الخراج. وفرق صاحب المحرر بينه وبين المسلم وكأن الفرق بينهما أن المسلم

стр. 75

إذا قلنا يملك بالأحياء في أرض العنوة فقد زادهم خيرا لانتفاعهم بعشره وأما الذمي فلا ينتفعون بعشره فتعين تعويضه بالخراج وفيه نظر وقد تقدم أن صاحب الكافي ذكر أن موات العنوة إذا كان بحيث يمكن إحياؤه فهل يوضع عليه الخراج على الروايتين؟. ويشبه هذا ما قاله أبو حنيفة في رواية ابن المبارك عنه: إذا اشترى الذمي أرض العشر من مسلم وضع عليها الخراج فلا يسقط عنها باسلامه ولا ببيعها من مسلم. وقال سفيان: لا خراج عليها وهو قول الجمهور لكن اختلفوا هل يوضع عليه عشر مضاعف أم لا؟ على قولين هما روايتان عن أحمد هذا في إحياء موات العنوة فأما أرض الخراج إذا كانت صلحا فان صولحوا على أن الأرض لهم ولنا خراجها فهل يملك المسلم مواتها بالاحياء فيه قولان أحدهما لا يملك وهو قول جريج والشافعي والقاضي أبو يعلى ومن بعده من أصحابنا لأن الصلح أوجب اختصاصهم ببلادهم معمورها ومواتها والثاني يملك بالاحياء وهو قول بعض الشافعية قال بعض متأخري أصحابنا: وهو الأقوى لأن الموات على الاباحة والصلح إنما ينصرف على ابقاء أملاكهم فلا يدخل الموات بدون شرطه وأما إن صولحوا على أن الأرض لنا ونقرها بأيديهم بالخراج فان قيل تصير بذلك وقفا فحكمها حكم أرض العنوة كما سبق وإلا فهي كأرض المسلمين العشرية يملك مواتها بالاحياء.

стр. 76

الباب السابع: في مقدار الخراج خرج البخاري في صحيحه من طريق حصين عن عمرو بن ميمون قال رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال كيف فعلتما؟ أخاف أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قال: قالا: حملناها أمر هي له مطيقة ما فيها كثير فضل قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قالا: لا, فقال عمر ﵁: لئن سلمني الله لادعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا قال: فما أتت عليه إلا أربعة أيام حتى أصيب ﵁. وروى شعبة عن الحكم قال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر بن الخطاب ﵁ وأتاه ابن حنيف فجعل يقول: والله لئن وضعت على كل جريب من الأرض درهما وقفيزا من طعام لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم. قال الامام أحمد وأبو عبيد أصح شيء في الخراج عن عمر ﵁ حديث عمرو بن ميمون هذا رواه عمر بن شبة باسناده وزاد فيه أنه وضع على القادسية درهما وعلى الدقلتين درهما. وروى أبو عبيد حدثنا أسماعيل بن مجالد عن أبيه مجالد بن سعيد

стр. 77

عن الشعبي أن عمر ﵁ بعث عثمان بن حنيف فسمح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما وقفيزا قال: وحدثنا معاوية عن الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي قال: وضع عمر ﵁ على أهل السواد على كل جريب عامر درهما وقفيزا وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة أقفزة وعلى جريب الشجرة عشرة دراهم وعشرة أقفزة قال: ولم يذكر النخل. وقد روي في حديث عثمان بن حنيف حين بعثه عمر ﵁ قال: فكان لا يعد النخل خرجه عمر بن شبة في كتاب أخبار الكوفة وروى صالح بن أحمد في مسائلة حدثنا هشيم بن خالد عن الشعبي أن عمر ﵁ بعث عثمان بن حنيف فأمره أن يمسح السواد ففعل قال فبلغت مساحته بضعة وثلاثين ألف ألف جريب قال: وأمره أن يضع على كل جريب قفيزا ودرهما قال: إني أخشى أن لا يكون سمعه يعني هشيما ليس فيه خير. قال: وحدثني أبي حدثنا بهز بن أسد حدثني سلمة بن علقمة حدثنا داود عن عامر قال: بعث يعني عمر ﵁ الى جرير وإلى الأشعث ان ردا علي ما كنت جعلت لكما قال: فكتبا اليه أن قد رددناه عليك فبعث عثمان بن حنيف الى السواد قال: طرز عليهم خراجا ودع لأهل الأرض ما يصلحهم قال فقدم عثمان فطرز الخراج فوضع على جريب الشعير درهمين وعلى الحنطة أربعة وعلى القضب يعني الرطبة ستة وعلى النخل ثمانية وعلى الكرم عشرة وعلى الزيتون اثني عشر ووضع على الرجال درهمين في الشهر قال فجبيا الأموال. ورووي عن عمر ﵁ وجه آخر من رواية قتادة عن أبي مجلز لا حق ابن حميد أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث عثمان

стр. 78

ابن حنيف على مساحة الأرض قال: فمسح الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب النخل خمسة دراهم وعلى جريب القضب ستة دراهم وعلى جريب البر أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين خرجه أبو عبيد وخرجه حرب ولم يذكر فيه أبا مجلز وقال فيه جريب العنب ثمانية دراهم وعلى جريب النخل عشرة دراهم والباقي بمعناه. وروي عن علي أنه وضع الخراج على وجه آخر خرجه حرب الكرماني حدثنا أبو أمية الطرسوسي حدثنا علي بن عبد الله عن يونس بن أرقم الكندي حدثنا يحيى بن أبي الأشعث الكندي عن مصعب بن يزيد الأنصاري عن أبيه قال: بعثني علي بن أبي طالب ﵁ على ما سقي الفرات وأمرني علي أن أضع على كل جريب زرع من البر غليظ الزرع درهما ونصفا وصاعا من طعام وعلى كل جريب زرع من البر وسط الزرع درهما وعلى كل جريب زرع من البر رقيق الزرع ثلثي درهم ومن الشعير نحو ذلك وأمرني أن اضع على البساتين التي تجمع النخل والشجر على كل جريب عشرة دراهم وعلى كل جريب من الكرم اذا مضى عليه ثلاث سنين ودخل في الرابعة عشرة دراهم وأمرني أن ألغي كل نخل شاذ عن القرى يأكله من مربه وأمرني أن لا أضع على الخضروات شيئا على المقاثي وعلى الحبوب والسماسم والقطن ثم ذكر جزية الرؤس قال فجبيتها على ما أمرني به ثمانية ألف ألف وخمسمائة ألف ونيف. قال الامام أحمد في رواية مثنى: وظيفة عمر ﵁ في أرض السواد في الكرم عشرة وفي النخل ثمانية وفي القضب ستة وفي الحنطة أربعة ومن الشعير درهمان من كل جريب والقضب الرطبة وعلى الدقلتين درهم وعلى القادسية درهم واختار حديث عمرو بن ميمون على الجريب قفيزا ودرهما وقال في رواية الأثرم ومحمود بن داود: في الخراج في كل جريب في

стр. 79

البر والشعير قفيز ودرهم وقال في رواية ابن منصور وضع عمر ﵁ على أرض السواد الخراج على كل جريب درهم وقفيز من الحنطة والشعير وما سوى ذلك من القضب والزيتون والنخل أشياء موظفة يؤدونها ونقل صالح أيضا عن أبيه قال لكل جريب من الحنطة قفيز ودرهم وعلى جريب الكرم عشرة وعلى جريب الرطبة خمسة قال: وقال الشعبي: وضع على جريب الشعير درهمين وعلى الحنطة أربعة وعلى اقضب ستة و على النخل ثمانية وعلى الكرم عشرة وعلى الزيتون أثني عشر و قال أبو مجلز: بعث عمر عمارا وابن مسعود وعثمان بن حنيف فوضع عثمان على جريب الكرم عشرة وعلى النخل ثمانية وعلى القضب ستة وعلى جريب البر أربعة وعلى جريب الشعير درهمين: قال أبو الحسن الآمددي: الصحيح من المذهب أن المأخوذ من جريب النخل عشرة دراهم ومن الكرم وعلى الشجر والرطب ستة وعلى الزرع درهم وقفيز من حنطة ان كان حنطة وشعير ان كان شعيرا وقد قيل الخراج على الشعير درهمان وعلى البر أربعة وعلى الرطبة ستة وعلى النخل ثمانية وعلى الكرم عشرة وهذا أكبر ما فيه قال والأول أصح. وقالت الحنفية في أرض الزرع قفيز ودرهم وعلى الرطبة خمسة دراهم وما سوى ذلك من الأصناف يوضع عليه بحسب الطاقة. وقال الشافعي في جريب الحنطة أربعة دراهم وفي الشعير درهمان وفي الرطبة ستة دراهم وكذلك الشجر كالرطبة واختلف أصحابه فمنهم من وافقه ومنهم من قال في جريب النخل عشرة دراهم وفي الكرم ثمانية دراهم وقال الماوردي جميع ما جاء عن عمر ﵁ صحيح وإنما اختلف لاختللاف النواحي فوضع على كل موضع قدر ما يحتمله ويليق به وحكي يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح قال: إن أرض الخراج عليها الخراج الذي وضعه عمر ﵁ على الجريب قفيز ودرهم

стр. 80

وعلى النخل والرطب والكرم والشجر ما وضعه عليهم عمر ﵁ قال: ولا نعلم عليا خالف عمر ﵄ ولا غير شيئا مما صنع حين قدم الكوفة. وروى يحيى بن آدم باسناده عن الشعبي قال: قال علي ﵁ حين قدم الكوفة: ما كنت لأحل عقدة شدها عمر ﵁ وانكر أبو عبيد وضع عمر ﵁ على جريب الاشجار شيئا كما تقدم وثبت أنه وضع على جريب الزرع قفيزا ودرهما إذا تقرر هذا فهل يتقرر خراج أرض السواد وغيره من أرض العنوة الذي وضعه عمر ﵁ ولا تجوز الزيادة عليه ولا النقص منه أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال أحدهما أنه يتقرر ذلك بما وضعه عمر ﵁ من غير زيادة ولا نقص وحكي هذا عن مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد بل روي عنه أنه رجع اليها فنقل العباس بن محمد بن موسى الخلال عن أحمد أنه قال الخراج يقرر في أيديهم مقاسمة على النصف وأقل إذا رضي بذلك الأكره (١) يحملهم بقدر ما يطيقون وقال بعد ليس للامام أن يغيرها على ما أقرها عليه عمر ﵁ قال الخلال هذا قول أولى لأبي عبد الله وذكر غير واحد عنه أن للامام النظر في ذلك فيزيده وينقص وهذا الذي قاله الخلال عجيب فان العباس هذا روى عن أحمد أنه كان يقول بذلك ثم رجع عنه فكيف يكون ما رجع اليه هو قوله الأول؟ وهذه الرواية هي اختيار الخرقي في جزية الرؤس واختيار القاضي في خفه وهو آخر كتبه ومن اتبعه عليه ووجه ذلك ان هذا ضربه عمر ﵁ بمحضر من الصحابة ﵃ وعمل به الخلفاء الرشدون ﵃ بعده فيصير اجماعا لا يجوز نقضه ولا تغيره

стр. 81

وقد تقدم عن الحسن بن صالح أنه قال: لا نعلم أن عليا ﵁ غير ما صنع عمر ﵁ ولا غير شيئا مما صنع حين قدم الكوفة وهذا يدل على ضعف ما روي عن علي ﵁ أنه وضع الخراج على غير ما وضع عمر ﵁ ويدل أيضا على منع الزيادة ما روي منصور عنه هلال بن يساف عن رجل من ثقيف عن رجل من جهينة قال قال رسول الله ﷺ : "لعلكم تقاتلون قوما فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم فيصالحونكم على صلح فلا تصيبوا منهم فوق ذلك فانه لا يصح لكم" خرجه أبو داود. وقال يحيى بن آدم هذا يشبه بحال سواد أهل الكوفة وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر فان الحديث إنما هو ظاهر فيمن صولح على حقن دمه وماله بشيء وأما رفع السواد اليهم فهو عقد معاوضة لم يجبروا عليها إنما أخذوها باختيارهم فليس هذا من الصلح بسبيل وعلى مثل هذا حمله أبو عبيد وذكر باسناده عن الزهري أن عمر ﵁ كان يأخذ ممن صالحه من أهل العهد ما صالحهم عليه لا يضع عنهم شيئا ولا يزيد عليهم ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئا نظر عمر ﵁ في أمورهم فان احتاجوا خفف عنهم وان استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم. وخرج أبو داود أيضا من طريق ابن وهب حدثني أبو صخر المدني ان صفوان بن سليم أخبره عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ عن آبائهم ﵃ دنية عن رسول الله ﷺ قال: "ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة". وهذا مع ضعف اسناده محمول على الأخذ بغير حق فأما الأخذ بحق فلا يدخل تحت هذا الوعيد وهذا كالحديث الذي خرجه أبو داود من حديث خالد بن الوليد عن النبي ﷺ قال: "ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها". ويروي نحوه من حديث المقدام بن معدي كرب

стр. 82

عن النبي ﷺ . والقول الثاني تجوز الزيادة عليه والنقص منه بحسب ما يرى الامام المصلحة وهذا هو المشهور عن أحمد نقله عنه الأثرم وابن مشيش وغير واحد اختاره الخلال وجماعة من الاصحاب واستدل احمد بأن عمر ﵁ إنما وضعها بحسب الطاقة كما في حديث عمرو بن ميمون عنه وإذا كان وضعها بحسب الطاقة فذلك يختلف باختلاف الازمان. قال أحمد: كان عمر ﵁ قد زاد عليهم وقال: ما أرى هذا يضر بهم. وروى شعبة عن الحكم قال: سمعت عمرو بن ميمون قال دخل عثمان بن حنيف على عمر ﵁ فسمعه يقول لئن زدت على كل راس درهمين وعلى كل جريب أرض درهما وقفيزا من طعام لا يضرهم ذلك ولا يجهدهم أو كلمة نحوها قال: نعم, قال: فكان على كل رأس ثمانية وأربعون فجعلها خمسين خرجه الأثرم وخرج أيضا من طريق شعبة عن أبي عمران الجوني قال: سئل عائذ بن عمرو عن الزيادة على أهل فارس فلم ير بذلك بأسا وقال: إنما هو حق لكم واحتج به احمد أيضا. وقد تقدم عن علي ﵁ أنه وضع الخراج على وجه يخالف ما وضعه عمر ﵁ قال أحمد في رواية منصور إنما أقرهم عمر ﵁ ليعملوا فيها ويعمروها وما أخرج الله من شيء أخذوا منه ما يقيمهم وردوا سائر ذلك الى المسلمين قال: ومما يبين ذلك قوله لعثمان ابن حنيف: لئن وضعت على كل جريب قفيزا ودرهما لا يجهدهم ولا يضرهم. وروى يحيى بن آدم عن وكيع عن المسعودي عن أبي عون قال: أسلم دهقان من أهل عين النمر فقال له علي ﵁: أما جزية

стр. 83

رأسك فنرفعها وأما أرضك فللمسلمين فان شئت فرضنا لك وان شئت جعلناك قهرمانا لنا فما أخرج الله من شيء ائتنا به وهذا يدل على أن من بيده شيء من أرض الخراج إنما هو عامل للمسلمين يترك له كفايته بعمله ويؤخذ منه ما فضل وحكي هذا القول عن الثوري واسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن وأبو عبيد إنما ذكره في الجزية ولم أر له في الخراج كلاما. والقول الثالث: تجوز الزيادةعليهم دون النقص. وهو رواية عن أحمد قال القاضي: نقلها يعقوب بن بحتان وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى ونقل أبو طالب عن أحمد إن زاد أرجو أن لا بأس إذا كانوا يطيقون مثل ما قال عمر ﵁ وقال في رواية ابن مشيش: إن أخذ منه أقل من قفيز ودرهم اخرج من عنده التمام ونقل ابن مشيش عنه ان أخذ السلطان منه الخراج وكان أقل مما وضع عمر ﵁ فقد أجزأ وقد يستدل لذاك بأن عمر ﵁ زاد عليهم ولم ينقص وفيه نظر. والقول الرابع عكسه يجوز النقض إذا عجزوا عن التمام دون الزيادة وهو قول الحسن بن صالح وأبي يوسف. وكتب عمر بن عبد العزيز الى عامله بالكوفة لا يأخذ من الخراج الا ما يطيق ولا من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض خرجه أبو عبيد. قال أبو بكر الخلال: الامام الذي يعبر الخراج هو الخليفة ولا يجوز لمن دونه النقص بحال ثم ذكر عن الميموني قال قلت لأبي عبد الله الوالي قبلنا يدع خراجا أقبله؟ قال لي: إنما الخراج فيء فكيف يدعه لك لو تركه هذا يعني أمير المؤمنين كان فاما من دونه فلا ولكن هذه الرواية

стр. 84

إنما تدل على ان تركه بالكلية يختص بالامام لأنه تصرف في الفيء وهذه المسألة غير مسألة تنقيصه وزيادته وذكر الاثرم في مسائله أن مراد أحمد بقوله هو على قدر ما يرى الامام أنه الامام العادل قال لأنه أنكر على من في زمانه أنهم لا يجعلون على الغامر شيئا لمخالفتهم لعمر ﵁. وقال أبو الحسن الآمدي إنما يملك الزيادة في الجزية والخراج على أصلنا العادل من الأئمة دون من كان جائرا هذا هو ظاهر المذهب قال: ولا يجري هذا مجرى جباية الزكاة والخراج لأن الجباية ليس تغيير لما فرضه الأئمة والشرع قد أمرنا بالدفع اليهم وليس كذلك التغيير بالزيادة والنقص لأن فيه ازالة حكم اجتهدت فيه الأئمة ومن تأمل هذا القيد الذي قيد به محققو الاصحاب علم أنه لا تجوز الفتيا في كثير من هذه الأزمان المتأخرة بتغيير الخراج سدا للذريعة لأن ذلك يتطرق به كثيرا إلى الظلم والعدوان فان غالب الملوك في الأزمان المتأخرة استأثروا على المسلمين بمال الفيء وصار كثير من الأرض الخراجية املاكا للمسلمين ويؤدى عنها خراج يسير وكثير ممن هو في يده مستحق من مال الفيء فلو فتح للمستأثرين بالفيء أبواب زيادة الخراج أو انتزع هذه الأراضي لبيت المال لأدى ذلك إلى ضرر عظيم على المسلمين وقد ينزل القول الراجح المجتهد فيه الى غيره من الأقوال المرجوحة اذا كان في الافتاء بالقول الراجح مفسده وقرأت بخط القاضي مما كتبه من خط أبي حفص أن ابن بطة كان يفتي أن الرهن أمانة فقيل له إن ناسا يعتمدون على ذلك ويجحدون الرهون فأفتى بعد ذلك بأنه مضمون. واعلم أن هذه المسألة أصولية اختلف الناس فيها وهي أن ما عقده بعض الخلفاء الأربعة هل يجوز لمن بعدهم نقضه كصلح بني تغلب وخراج الجزية والرؤس؟ وفيه قولان لأصحابنا أشهرهما المنع لأنه صادف

стр. 85

اجتهادا سائغا فلا ينقض وهذا يرجع الى أن فعل الامام كحكمه وفيه خلاف أيضا واختار ابن عقل جواز تغييره بالاجتهاد لاختلاف المصالح باختلاف الأزمنة ومن الأصحاب من استثنى من ذلك ما علم أن ما عقده لعلة فيزول بزوالها ويتغير بتغيرها كضرب عمر ﵁ الخراج فانه ضربه بحسب الطافة وهي تختلف باختلاف الأوقات ذكره الحلواني وغيره. "فصل" ويعتبر الخراج الى المقاسمة على الثمر والزرع هو من أنواع تغير الخراج بالزيادة تارة وبالنقص أخرى وفيه زيادة تغيير بنقل الخراج من الذمة الى المشاركة في عين الثمرة والزرع وقد تقدم عن أحمد من رواية العباس الخلال أنه أجازه إذا رضي به الاكره وكانوا يطيقونه ثم رجع الى أنه لا يجوز تغيير ما وضعه عمر ﵁ ومعلوم أن المذهب عند أكثر الأصحاب أو كثير منهم بجواز تغيير ما وضعه عمر ﵁ بزيادة ونقص فينبغي أن يكون المذهب عندهم جواز المقاسمة ولا سيما إذا كانت أصلح للمسلمين وقد تقدم أن أوائل خلفاء بني العباس نقلوا الخراج الى المقاسمة. قال القاضي في الأحكام السلطانية: اختلف كلام أحمد في المقاسمة فقال في رواية العباس بن محمد الخلال فيمن كانت في بديه أرض من أرض السواد هل يأكل مما أخرجت من زرع أو تمر إذا كان الامام يأخذهم بالخراج مساحة أو صيرها في أيديهم مقاسمة على النصف أو الربع؟ فقال: يأكل إلا أن يخالف السلطان قال القاضي فظاهر هذا أنه قد أجاز المقاسمة في الخراج قال: وقال في رواية هارون الجمال: السواد كله أرض خراج فذكر له المقاسمة فقال: المقاسمة لم تكن انما هو شيء حدث قال القاضي: وظاهر هذا أنه لم ير ذلك إلا أنه لم يصرح بالمنع لكنه أخبر أنه لم يكن في وقت عمر ﵁ قال القاضي والذي يوجبه الحكم ان

стр. 86

خراجها هو المضروب عليها أولا وتغير إلىا لمقاسمة إذا كان بسبب حادث اقتضاه اجتهاد الائمة أمضى مع بقاء سببه وأعيد الى حكمه الأول عند زوال سببه إذ ليس للامام أن ينقض اجتهاد من تقدم من الأئمة "انتهى". فجعل هذا من باب نقض الاجتهاد لما فيه من تحويل الحق من محل الى محل بخلاف مجرد الزيادة والنقص ورجح الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية جواز المقاسمة إذا رأى الامام مصلحة قال: فان النبي ﷺ ترك خيبر في أيدي اليهود مقاسمة. وعن عمر ﵁ أنه جعل الأرض مخارجة ثم استغنى المسلمون عن يهود خيبر فأجلاهم عمر ﵁ منها وصار المسلمون يعمرونها فصار عمر ﵁ يخير من له سهم بخيبر بين أن يعطيه الأرض يستغلها وبين أن يستغلها هو ويعطيه مقدارا معينا وذلك استئجار لها من صاحبها بجنس ما يخرج منها وهو الطعام وهو جائز في أصح الروايتين وقول أكثر العلماء "انتهى". "تنبيه" تجويز أحمد الأكل لمن عليه الخراج من الثمر والزرع سواء كان خراجه مقاسمة ومماسحة يدل على أن الشريك في المال أوالعامل فيه له الأكل منه بالمعروف بغير أذن ونظيره أكل الوكيل والأجير وقدنقل جنبل عن أحمد جوازه والعامل في المساقاة أولى لأن الثمر والزرع يجوز عندنا الأكل منه للمارة إذا كان غير محفوظ بحائط أو ناظر كما دلت عليه السنة فجوازه للحافظ والناظر أولى مع جريان العادة به وتسامح الملاك به غالبا. "فصل" وهذا الذي تقدم كله في أرض الخراج التي وضع خراجها أحد من أئمة الهدى فأما لو فتح الآن أرض عنوة وأراد الامام وضع الخراج عليها ابتداء فذكر القاضي في كتاب الأحكام السلطانية أنه يضعه بحسب ما يحتمله الأرض فانها تختلف من ثلاثة أوجه يؤثر كل منها في زيادة الخراج

стр. 87

ونقصانه أحدها ما يختص بالأرض من جودة يزكو بها زرعها أو رداءة يقل بها ريعها والثاني ما يختص بالزرع من اختلاف أنواعه فان من الحبوب والثمار ما يكثر ثمنه ومنه مايقل ثمنه فيكون الخراج بحسبه والثالث ما يختص بالسقي والشرب لأن ما يسقى بمؤونة وكلفة لا يحتمل من الخراج ما يحتمله ماسقي بغير مشقة وكلفة فلا بد لواضع الخراج من اعتبار ذلك كله ليعلم قدر ما تحتمله الأرض فيقصد العدل فيها بين أهلها وأهل الفيء من غير زيادة تجحف بأهل الخراج ولا نقصان يضر بأهل الفيء ولا يستقصي في وضع الخراج غاية ما يحتمله وليجعل فيه لأرباب الأرض بقية يجبرون بها النوائب والجوايح. ويعتبر واضع الخراج أصل الأمور من ثلاثة أحوال أحدها أن يضعه على مشايخ الأرض الثاني أن يضعه على مشايخ الزرع (١). الثالث أن يجعله مقاسمة. فان وضعه على مشايخ الأرض كان معتبرا بالسنة الهلالية وإن وضعه على مشايخ الزرع فقد قيل يكون معتبرا بالسنة الشمسية وإن جعله مقاسمة كان معتبرا بكمال الزرع وتصفيته فاذا استقر على أحدها مقدرا بشروطه المعتبرة فيه صار ذلك مؤبدا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص منه ما كانت الأرضون على أحوالها في شروطها ومصالحها فان تغيرت شروطها ومصالحها الى زيادة أو نقصان فذلك ضربان احدهما أن يكون حدوث ذلك بسبب من جهة أهل الارض كزيادة حدث بشق أنهار واستنباط مياه أو نقصان حدث لتقصير في عمارة ولعدول عن مصلحة فيكون الخراج عليهم بحالة لا يزاد عليهم فيه لزيادة عمارتهم ولا ينقص منه لنقصانها ويؤخذون بالعمارة نظرا لهم ولأهل الفيء لئلا يستدام خرابه

стр. 88

فيتعطل. والثاني أن يكون حدوث ذلك من غير جهتهم فان كان نقصا فانه يجب على الامام عمله لهم من بيت المال من سهم المصالح وسقط عنهم خراجه ما لم يعمل اذا كان انتفاعهم به ممتنعا وان كان زيادة كعين أحدثها الباري جلت قدرته أو حفرها سيل فان كان ذلك عارضا لا يوثق بدوامه لم تجز الزيادة لأجله في الخراج وان وثق بدوامه راي الامام فيه المصلحة لأهل الأرض وأهل الفيء وعمل في الزيادة أو المتاركة بما يكون عدلا بين الفريقين هذا ما ذكره القاضي ﵀ ويؤخذ منه أنه لا تجوز زيادة لزيادة الاسعار ولا نقص لنقصها وفي ذلك نظر فان خلفاء بني العباس إنما غيروا السواد من الخراج الى المقاسمة لذلك. وقوله إنه ان وضع الخراج مقاسمة اعتبر بكمال الزرع وتصفيته وان وضع على مساحة الأرض اعتبر بالسنة الهلالية أو على مساحة الزرع فقيل إنه يعتبر بالسنة الشمسية يدل على أنه إذا وضع مقاسمة لم يعتبر إلا بكمال الزرع وتصفيته دون السنة الهلالية بخلاف ما إذا وضع على مساحة الأجربة وقالت الحنفية يجب الخراج عند بلوغ الغلة قالوا وللعامل أن يحول بينه وبين غلته حتى يستوفي الخراج ولم يفرقوا بين أن يكون مماسحة أو مقاسمة بل لم يذكروا الخراج إلا مماسحة وذكروا أنه لو تعجل الامام الخراج قبل وجوبه ثم انقطع وجوبه عنه رد عليه ان كان باقيا وان كان قد صرف إلى القابلة فلا شيء له كالزكاة المعجلة. وذكره صاحب المحيط وغيره وكأنهم جعلوه من حقوق الله فهو كالزكاة قال أبو البركات بن تيمية في تعليقه على الهداية وقياس مذهبنا أنه يرد عليه مطلقا لأنه أجرة محضة وليس بقربه ليقع نفلا إذا بطل الوجوب ليشير إلى الفرق بينه وبين الزكاة المعجلة على أحد الوجهين بهذا ولكنه مع قوله هذا ذكر في كتاب المحرر في الزكاة أن الخراج من قبيل

стр. 89

ديون الله تعالى يمنع الزكاة نظرا إلى أنه مستحق لعموم المسلمين المستحقين الفيء فهو كمال الكفارة المستحقة لجهة الفقراء وأما ابن عقيل وصاحب المغني فجعلاه من ديون الآدميين.

стр. 90

الباب الثامن: في حكم تصرفات أرباب الأرض الخراجية فيها قد ذكرنا أن الأرض الخراجية على ضربين مملوكة لأهلها وهي أرض الصلح بالخراج على ثبوت ملكهم فيها فهؤلاء ملاك يتصرفون فيها تصرف الملاك وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم وذكرنا حكم الشراء منهم وأن أبا عبيد حكى في ملكهم خلافا وقد سبق ذلك كله مستوفى في آخر الباب الرابع والثاني أرض العنوة فمن قال إن عمر ﵁ ملكهم أياها بالخراج فحكمها عنده حكم أرض الصلح المذكور وهو قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وسفيان وغيرهم وأما من قال ليست ملكا لمن في يده وإنما هي فيء للمسلمين وهو قول العنبري وابن شبرمة ومالك والشافعي وأحمد واسحاق وأبي عبيد وعيرهم فهؤلاء يقولون هي لعموم المسلمين وأكثرهم يقول هي وقف على المسلمين عموما وقد ذكر أبو بكر في كتاب زاد المسافر أن أحمد قال: هي وقف وأن عمر ﵁ وقفها على المسلمين في رواية جماعة من أصحابه منهم الميموني وحنبل وغيرهما ولكن أكثر كلام أحمد إنما فيه أنها فيء وأنها مشتركة بين المسلمين فمن الأصحاب من قال إن عمر ﵁ وقفها وقفا خاصا على المسلمين بلفظه وادعوا أن الارض لا تصير وقفا بدون لفظ من الامام منهم القاضي وغيره إذا قلنا إن الامام مخير فيها بين القسمة والوقف بخلاف ما إذا قلنا يصير وقفا بمجرد الاستيلاء كما هو مذهب مالك فانها تصير وقفا بغير لفظ.

стр. 91

وقال المحققون كصاحب المغني وغيرهم من المتأخرين لا يحتاج إلى لفظ بكل حال بل وقفها هو تركها فيئا لجميع المسلمين يؤخذ خراجها يصرف في مصالحهم ولا يختص أحد بملك شيء منها وهذا معنى الوقف لا سيما على قول من يقول إن الوقف يصح بالفعل الدال عليه كفتح المساجد للصلاة ونحو ذلك فها هنا تركها من غير قسمة وضرب الخراج عليها فعل يدل على تحبيسها على المسلمين وان لم يكن بمعنى الوقف الخاص. وقد صرح أحمد بأنها وقف في رواية جماعة أيضا ويمكن أن يكون عنه في المسألة روايتان وإذا تقرر أنها ليست مملوكة لأحد معين من المسلمين ولا لمن هي في يده من الكفار أو غيرهم فيتفرع على ذلك مسائل كثيرة: الأولى: بيع رقبتها وهو ممتنع على هذا الأصل الذي قررناه لانتفاء الملك عليها المعني هذا قول من سمينا قوله إنها فيء وممن نهى عن شرائها من السلف عبد الله بن معقل بن مقرن والنخعي والحسن بن صالح وقال مجاهد لا تشترها ولا تبعها وقد نص أحمد على منع بيعها في رواية جماعة منهم حنبل فقال السواد وقفه عمر ﵁ على المسلمين فمثله كمثل رجل وقف أرضا على رجل وعلى ولده لاتباع وهو الذي أوقف عليه فاذا مات الموقوف عليه كان لولده بالوقف الذي أوقف الأب لا يباع كذلك السواد لا يباع ويكون الذي بعده يملك منه مثل الذي يملك الذي قبله على ذلك أبدا ويدل على ذلك ما روى الشعبي قال: اشترى عتبة بن فرقد أرضا على شط الفرات فذكر ذلك لعمر ﵁ فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أربابها فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر ﵁ قال: هؤلاء أهلها فهل اشتريت منهم شيئا؟ قال: لا, قال: فارددها على من اشتريتها منه وخذ مالك. خرجه أبو عبيد. وخرجه يحيى بن آدم عن الشعبي عن عتبة بن فرقد قال: اشتريت

стр. 92

عشرة أجربة من أرض السواد فذكرت ذلك لعمر ﵁ فقال لي اشتريتها من أصحابها؟ قلت: نعم. قال: رح إلى فرحت إليه فقال: يا هؤلاء أبعتموه شيئا؟ قالوا: لا, قال: ابغ مالك حيث وضعته. وروى ابن أبي شيبة عن حميد بن عبد الرحمن عن حسن بن صالح عن مطرف عن بعض أصحابه قال اشترى طلحة بن عبيدالله أرضا عند السيلحين فأتى عمر بن الخطاب ﵁ فذكر ذلك له فقال: إني اشتريت أرضا معجبة فقال له عمر ﵁ ممن اشتريتها؟ اشتريتها من أهل الكوفة؟ اشتريتها من القادسية؟ قال طلحة: وكيف اشتريتها من أهل القادسية كلهم؟ قال: إنك لم تصنع شيئا إنما هي فيء. وروى أبو عبيد باسناده عن الحسن قال قال عمر ﵁ لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أرضهم قيل للحسن ولم؟ قال: لأنهم فيء للمسلمين. وروى يحيى بن آدم باسناده عن قتاة عن علي ﵁ أنه كان يكره أن يشتري من أرض الخراج شيئا ويقول عليها خراج المسلمين. وروى الاحوص بن حكيم عن أبي عون عن سعيد بن المسيب قال أرسل ابن عمر إلى رافع بن خديج ﵁ يسأله عن قول رسول الله ﷺ في أرض العجم؟ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع أرض العجم وشرائها". وكرائها خرجه حرب عن إسحاق بن راهويه عن عيسى بن يونس عن الأحوص به والأحوص ضعيف جدا ولا ريب أن بيع رقبة أرض العنوة عند من يرى أنها فيء أو وقف لا يجوز لمن هي في يده لأنه غير مالك لها فان كان فيها بناء له فان

стр. 93

كان البناء من تراب الأرض فحكمه حكمها وإن كانت بناء بآلة مملوكة لصاحبها فهو مملوك له وحكى القاضي وابن عقيل وصاحب المغني وغيرهم من أصحابنا روايتين عن أحمد في جواز بيعه إحداهما المنع لأن أحمد قال في رواية المروزي وابن بختان إذا قال أبيعك النقض يعني البناء ولا أبيعك رقبة الارض هذا خداع والثانية الجواز نقلها محمد بن الحكم وروى أبو بكر الخطيب باسناده عن جعفر بن محمد المؤدب أنه سأل أحمد وبشر بن الحرث عن بيع أرض السواد فاتفق قولهما على بيع الانقاض دون الارض وهذه الرواية أصح عند القاضي وابن عقيل ولم يذكر ابن أبي موسى سواها لان هذا البناء مملوك له فجاز بيعه كبنائه في أرض الوقف المستأجرة ومن الاصحاب من تأول الأولى على أن البناء كان بآلات من الأرض وتأوله القاضي في كتاب الروايتين والآمدي على أن البناء لم يعلم هل كان قبل الوقف أو بعده فمنع من بيعه لعدم تحقق ملكه فأما أن تحقق أنه ليس بوقف جاز بيعه رواية واحدة قال الآمدي ونقل حنبل عن أحمد في النزول في السواد فقال: قد ورثت شيئا فأنا فيه أصلحه وأعمره ولا أرى بيعه ولا هبته لأحد فاذا مت تركته على وقفه والعمارات والبناء والغرس للذي أحدث فيها وإنما أوقف القرى والارضين وقال نقلها الخلال في كتاب الاموال والاظهر أن أحمد إنما أراد النهي عن أخذ العوض عن رقبة الارض بهذه الحيلة وبهذا قال هذا خداع وهذا يفيد أنه لا يجوز بيع آلاته بأكثر من قيمتها وقد صرح بذلك في رواية المروزي. قال في كتاب الورع: قلت لأبي عبد الله يبيع الرجل سكنى داره قال: أي شيء يبيع؟ قلت: ماله من الوقوف قال: يبيع الذي له بما يسوي وكره أن يبيع بأكثر من ذلك وأنكر هذا البيع.

стр. 94

وكذلك نقل ابن هاني عن أحمد قال يقوم دكان وما فيه من غلق وكل شيء يحدثه فيه فيعطي ذلك ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكان ولو كان له فيها غراس أو زرع فباعه بقيمته فلا يوقف في جوازه وقد ذكره القاضي في كتاب الروايتين وأما في الأحكام السلطانية فجعل الغراس كالبناء على الخلاف فيه وأما بيع ماله من الانتفاع بأرض العنوة كبيع سكنى دورها فقد أنكره أحمد وعلى قياسه بيع منافع أرض الزرع التي يستحقها بالخراج ومن الناس من أجاز بيعها وجعله اجارة لها حكاه القاضي في الأحكام السلطانية وذكر ان كلام أحمد يدل على خلافه لأنه فرق بين البيع والاجارة وكذلك حمل أبو عبيد شراء ابن مسعود أرض الخراج لى أن يكون خراجها على البايع على الكري وذكر باسناده عن الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن القرطبي قال: ليس بشرى أرض الجزية بأس يريد كراها قال: وقال: ذلك أبو الزناد وقول من قال: أن الشرى هنا يراد به الكري إن أراد به أن يكون إجارة إلى مدة معينة فاطلاق البيع ينافي ذلك وإنما الخلاف في صحة الاجارة بلفظ البيع اذا قدرت المدة وإن أريد به الاجارة إلى غير مدة فهذا في الحقيقة نقل اليد بعوض ومعاوضة عن المنافع المملوكة وقد رجح جواز ذلك الشيخ أبو العباس بن تيمية وخرجه من نص أحمد على جواز دفع هذه الارض عوضا عن الصداق الذي يستحقه قال: وقال: هذه الأرض إن قيل إنها وقف فإنها تخالف الوقف على معين لأن هذه توقف وتوهب ولا يبطل حق المسلمين من خراجها بانتقالها من يد إلى يد بخلاف الوقف على معين فإنه يبطل حق البطن الثاني بانتقاله إلى غيرهم ولهذا يورث المكاتب ويوهب ويجوز بيعه عندنا ويبقى مكاتبا على حاله. وأيضا فقد سبق أن التحقيق في معنى كونها وقفا أنها محبوسة عن القسمة متروكة فيئا مشتركة بين عموم المسلمين أولهم وآخرهم وحقهم في

стр. 95

خراجها وخراجها لا يبطل بانتقالها من رجل إلى آخر وأصل هذه المسألة مسألة بيع المنافع المجردة عن الأعيان وقد صرح طائفة من الأصحاب فيها بالمنع كالقاضي وابن عقيل والتحقيق في ذلك أن المنافع نوعان أحدهما منافع الأعيان المملوكة التي تقبل المعاوضة مع أعيانها فيجوز بيعها مفردة وذلك في صور منها أصل وضع الخراج على أرض العنوة على قولنا إنها فيء فإنه ليس بأجرة محضة بل شبيه بالأجرة ومتردد بينها وبين البيع كما سبق بل هو للبيع للإطلاق مدته أقرب ومنها المصالحة بعوض على وضع الاخشاب وفتح الابواب ومرور المياه في الاملاك وهو أيضا شبيه بالبيع ومنها لو أعتق عبده واستثنى خدمته سنة فهل له أن يبيعها منه على روايتين عن أحمد منصوصتين عنه فان هذه المنافع كان يملك المعاوضة عليها قبل العتق وقد استبقها في العتق بحق الملك فاستمر حكم المعاوضة عليها كما يستمر عندنا حكم وطء المكاتبة إذا استثناه في عقد الكتابة ثم إن الكتابة عقد معاوضة على المنافع أيضا. والنوع الثاني المنافع المملوكة مجردة عن الأعيان ومنافع الأعيان التي لا تقبل المعاوضة فإن كانت المعاوضة عنها مؤقتة جاز كإجارة العين المستأجرة والوقف ونحوه وإن كانت مؤبدة فالمذهب عدم جوازه كالمعاوضة عن الكلب المباح نفعه فإنه لا يجوز عندنا ان كانت المدة مطلقة وإن كانت مؤقته على وجه الاجارة فوجهان وجعلوا المعاوضة هنا على نقل اليد ولو كان ذلك صحيحا لجاز نقل اليد فيه بعوض مطلقا ولما ورد النهي عن بيعه دل على أنه لا يجوز أخذ العوض عنه إلا أن يقال هذا لا مالية فيه ولا يملك منفعته بل الانتفاع به وكذا من يحجر مواتا أو قطعه له الامام فانه لا يملكه بذلك ويثبت له فيه حق التملك وينتقل عنه بهبة وميراث وفي نقله بعوض وجهان إلا أن يقال هنا ثبت له حق التملك لا ملك شيء من المنافع ولا غيرها وهذا بخلاف منافع الأرض الخراجية فإنها مملوكة لمن هي

стр. 96

في يده كمنافع الوقف وأم الولد لكن لم يثبت لنا إلى الآن جواز المعاوضة عن هذه المنافع المملوكة وحدها على وجه التأبيد بل على وجه الاجارة لكن قد يقال إن من بيده الأرض الخراجية مستأجرة على التأبيد فله أن يؤجر على التأبيد كما هو مستأجر عليه وأما الكلام في إصداقها فسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. وعن أحمد رواية أنه يجوز الشري دون البيع فمن الأصحاب من حكاها مطلقة لأن أحمد أطلق جواز الشراء دون البيع في رواية منها وغيره ومنهم من قيد ذلك بالحاجة بقدرها ومنهم القاضي في الأحكام السلطانية لأن أكثر نصوص أحمد مقيدة بذلك. وقال في رواية المروزي لا يشترى إلا مقدار القوت فإن كان أكثر من القوت تصدق به وقال أيضا في روايته لمن سأله عن الشراء: إن كنت في كفاية فلا وقال في رواية أبي طالب: يشترى ما يقوم به ويوقت عياله فما كان أكثر من القوت فلا وقال في رواية المروزي ليس هنا قياس إنما هو استحسان وذكر أن أصله أن الصحابة ﵃ رخصوا في شراء المصاحف دون بيعها وقال في رواية الأثرم كان الشري أسهل يشتري الرجل بقدر ما يكفيه عن الناس هو رجل من المسلمين كأنه يقول إنما هي أرض المسلمين فهذا إنما في يديه ما يستغني به وهو رجل من المسلمين. وكره البيع في أرض السواد قال الأصحاب لأن المشتري مستنقذ لها من الظالم البايع فهو كافتداء الأسير ونحوه قال القاضي وهذا العقد بين المسلمين و المشركين فهو كافتداء الأسير وفي هذا التعليل ضعف سبق التنبيه عليه. وقال ابن عقيل: إنما يصح الشراء للافتكاك لا للتمليك وهو أيضا مخالف لنص أحمد فإن أحمد أجاز شراء قدر القوت قدل على أنه أراد الشراء

стр. 97

للاشتغال ووجه اعتبار الحاجة أنه قد يجوز في حال الحاجة من العقود مالا يجوز مع عدمها كما في بيع العرايا قال صاحب المغني: وشراؤها هو نقل لليد فيها بعوض لا نقل بملك الرقبة. وروي عن الحسن والحسين أنهما اشتريا من أرض الخراج وهو مشهور عنهما ذكره يحيى بن آدم وأبو عبيد في كتابيهما. وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁ قال عمرو بن علي الفلاس: سمعت عبد الله بن داود قال: سمعت إسحاق بن الصباح من ولد الاشعث بن قيس يحدث عن عبد الملك بن عمير قال: اشترى موسى ابن طلحة أرضا من أرض السواد فأرسل الى القاسم بن عبد الرحمن يستشهده فأبى فقال موسى: فأنا أشهد على أبيك يعني عبد الله بن مسعود ﵁ أنه اشترى أرضا من أرض السواد واشهدني عليها وذكر عن يحيى القطان كلاما يدل على أنه أنكره من أجل إسحاق بن الصباح فانه ليس بمشهور. ومن الاصحاب من حكى رواية بجواز البيع والشراء منهم الحلواني وابنه ولعلها تؤخذ من مفهوم قول أحمد في رواية حنبل ليس لأهل الذمة أن يشتروا ما فتحه المسلمون عنوة وكذا وقع في كلام أبي بكر تخصيص أهل الذمة بالمنع معللا بأن الأرض ملك للمسلمين فلا يثبت للكفار معهم ملك لكن مقتضى هذا منع أهل الذمة من شرائها دون المسلمين. وقد قال أحمد في رواية جماعة لا يعجبني بيعها وقوله: لا يعجبني يقتضى الكراهة على أحد طريقي الأصحاب وابن عقيل يشير إلى أن لنا رواية أنه قسمت وملكت وسنذكر ذلك فيما بد إن شاء الله تعالى. وللمنع من شراء أرض العنوة مأخذ آخر وهو أن المسلم إن اشتراها

стр. 98

فان التزم خراجها فقد ألزم نفسه جزية وصغارا وإن أسقط خراجها فقد أسقط حق المسلمين من فيئهم. وروى يحيى بن آدم من طريق قتادة عن سفيان العقيلي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه نهى أن يشتري أحد من أرض الخراج أو رقيقهم شيئا وقال: لا ينبغي للمسلم أن يقر بالصغار في عنقه. ومن طريق كليب بن وائل قال: قلت لابن عمر ﵄: اشتريت أرضا قال: الشراء حسن, قلت: فإني أعطي من كل جريب درهما وقفيزا من طعام قال: لا تجعل في عنقك الصغار. ومن طريق ميمون بن مهران عن عمر ﵄ قال ما يسرني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة دراهم أقر فيها بالصغار على نفسي. ومن طريق جابر الجعفي عن القاسم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار يعني بالطسق الخراج وخرج أبو عبيد من طريق شعبة عن حبيب بن أبي ثابت قال: تبعنا ابن عباس ﵄ فسأله رجل قال: إني أكون بهذا السواد فاتقبل ولست أريد أن أزداد ولكني أدفع عني الضيم؟ فقرأ عليه ابن عباس: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). قال ابن عباس ﵄ لا تنزعوه من أعناقهم وتجعلوه في أعناقكم. وروي باسناده عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "ألا أخبركم بالراجع على عقبيه؟ رجل أسلم فحسن إسلامه وهاجر وحسنت

стр. 99

هجرته وجاهد فحسن جهاده فلما فعل حمل أرضا بجزيتها فذلك الراجع على عقبيه". وعن قبيصة بن ذؤيب قال: "من أخذ أرضا بجزيتها فقد باء بما باء به أهل الكتابين". وقال الأوزاعي: جمع أصحابنا بين خصلتي سوء دخلوا في الخراج وهو شريعة من شريعة الكفر ومنعوا به فريضة من فرائض الاسلام. أخرجه حرب الكرماني وكأنه يريد به من قال إن العشر لا يؤخذ مع الخراج. وقد سبق في الباب الثاني عن خالد بن معدان وغيره التغليظ في ذلك مع أحاديث مرفوعة وقد علل بهذا الامام أحمد وأبو عبيد أيضا. قال أحمد في رواية حنبل: لا تشتري الضياع بالسواد يؤدي الخراج هو من الصغار. وقال في رواية حرب في المسلم يشتري من أرض الخراج ويؤدي الخراج قال مكروه. وذكر عن عمر ﵁ أنه قال: هو صغار. وفسر إسحاق بن راهويه في كتاب الجامع القبالات التي كرهها الصحابة ﵃ كأبن عمر وابن عباس بتقبل أرض الخراج لما فيه من الصغار وعلى هذا المأخذ فلو اشتراها المسلم بشرط أن يكون خراجها على البائع فقد أجازه ابن مسعود ﵁ وفعله كما روى يحيى بن آدم من طريق حجاج عن القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء دهقان إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: اشتر مني أرضي, فقال عبد الله: على أن تكفيني خراجها قال: نعم فاشتراها منه وقد سبق قول ابن مسعود: من أقر بالفسق فقد أقر بالصغار فإذا اشتراها على أنه لا يؤدي الخراج فقد تخلص من

стр. 100

الصغار. وتأوله أبو عبيد على أنه استأجرها لأنه لو اشتراها لم يكن خراجها على البايع ولكن لعل ابن مسعود ﵁ رأى جواز هذا الشرط في البيع وينبني على هذا المأخذ أيضا جواز بيع أرض الخراج دون شرائها وهو مذهب إسحاق نقل عنه حرب أنه قال في بيع أرض الخراج رخص فيه سفيان واشترى الحسن والحسين من أرض الخراج قلت أتكرهه؟ قال: إنما كرهوا الشراء فأما البيع فلا بأس به ورخص فيه وينبني عليه أيضا أنه لو باعها من وصي لم يكره وأنكر آخرون أن يكون الخراج جزية وقالوا بل هو أجرة محضة كأجرة أرض الوقف. وذكل الليث بن سعد عن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال إنما الجزية على الرؤوس وليس على الأرض جزية خرجه أبو عبيد قال وحدثنا ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن رجاء أبي المقدام عن نعيم بن عبد الله أن عمر بن عبد العزيز أعطاه أرضا بجزيتها قال عبد الرحمن يعني من أرض السواد. ويدل على أن الخراج ليس جزية أنه يستدام على الكافر بعد إسلامه فلو كان جزية لسقط باسلامه فدل على أنه أجرة وقد أقر عمر وعلي وغيرهما من الصحابة ﵃ الدهاقين بعد إسلامهم على أرضهم بخراجها ولا نعلم في هذا خلافا إلا ما سنذكره على الأوزاعي ﵀ ولما كان أكثر أصحابنا يقولون إن الخراج أجرة أشكل على بعضهم كراهة الدخول في الخراج فقال ابن عقيل في كتاب عمدة الأدلة لم يكرهه أحمد لكونه ليس بأجرة وإنما كرهه لما كان من زيادة السلاطين في زمنه على وظيفة عمر ﵁ وحبسهم وضربهم على ذلك وأخذه وصرفه فيما لا يشرع صرفه قال: ولا يجوز أن ينصرف كراهته الى الخراج الذي دخلت فيه الصحابة ﵃ ورضيت به أداء وأخذا ولكن الحوادث حدثت أو جبت معاونة ومشاركة في الباطل "انتهى".

стр. 101

وهذا تعليل غريب وهو مخالف لنفي أحمد. قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن الذي يأخذ السلطان من الخراج من أصحاب القرى أيدخل في المعونة لهم؟ قال: لا, ثم قال: أرجو أن لا يدخل ثم قال الخراج لا بد منه والخراج مكروه قال: وسئل عن المؤدي اليهم آثم في جور السلطان قال: أرجو أن لا يكون عونا لهم. وذكر بعضهم مأخذا آخر لكراهة شراء المسلم الأرض الخراجية وهي أنه يسقط خراجها فيسقط بذلك حق المسلمين فينهي عنه كما ينهي الذمي عن شراء الأرض العشرية لما فيه من إسقاط حق المسلمين من العشر ثم هل يسقط عنه العشر إذا فعل أو يضاعف عليه أو يبطل بيعه؟ على أقوال معروفة وهذا إن أريد به أن المسلم إذا اشتراها فلا خراج عليه فهذا لا نعلم به قائلا وإن أريد الواقع كان بينهم كذلك فالمنهي عنه هو إسقاط حق المسلمين من الخراج لا اشتراء الأرض الخراجية وقد روي عن عمر ما يشهد لهذا من رواية مجالد عن الشعبي أن عتبة بن فرقد اشترى أرضا من أرض الكوفة فطلب إلى عمر بن الخطاب ﵁ أن يجعلها صدقة فقال اشتريتها من أهلها؟ قال: اشتريتها ممن كانت في يده, قال: اشتريتها من أهلها ثم أدى عنها الخراج خرجه حرب الكرماني. وذكر بعضهم مأخذا آخر للكراهية وهو الاشتغال بالفلاحة عن الجهاد وذلك مذموم وقد سبق عن عبد الله بن عمرو بن العاص ما يدل عليه ولكن على هذا المأخذ لا فرق بين أرض الخراج وأرض العشر وقد وردت أحاديث تدل على كراهة الاشتغال عن الجهاد بالحراثة والتجارة كما ورد في سنن أبي داود عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنهم لما أرادوا أن يثمروا أموالهم ويدعوا الجهاد نهوا عن ذلك وأنزل الله : ﴿وَأَنْفِقُوا

стр. 102

فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١). وفيها أيضا عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا تبايعتم بالعينة وتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم". وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه رأى سكة حرث فقال: "ما دخلت هذه دار قوم إلا دخلهم الذل". وخرج الاسماعيلي من طريق بكر بن عمرو المعافري عن عبد الله بن هبيرة السبائي عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بنكثان الهجرة بينما الرجل في أريضته وبقيراته وغنيماته إذ وقع في نفسه الهجرة فخرج حتى إذا استحر بدار الهجرة قال: لو رجعت فاتخذت أريضة إلى أريضتي وبقيرة إلى بقيراتي وغنيمة الى غنيمتي فذلك نكثان الهجرة". غريب ومنكر ولعله موقوف. وقد روي عن علماء الشاميين لكراهة شراء الأرض الخراجية مأخذا آخر غير ما تقدم فروى أبو القاسم بن عساكر من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي وغيره أن عمر وأصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمع رأيهم على إقرار ما كان بأيديهم من أرضهم يعمرونها ويؤدون عنها خراجا إلى المسلمين فمن أسلم منهم رفع عن راسه الخراج وصار ما كان في يده من الأرض وداره بين أصحابه من أهل قريته يؤدون عنها ما كان يؤدي من خراجها ولا يرون أنه وإن أسلم أولى بما كان في يديه من ارضه من أصحابه من أهل بيته وقرابته لا يجعلونها صافية للمسلمين ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الأرض كرها لما احتجوا به على المسلمين من إمساكهم عن قتالهم فهابوا لذلك قسمتهم وأخذ ما في أيديهم من الأرض وكرهوا للمؤمنين شراءها طوعا لما كان من ظهور المسلمين على البلاد وعلى من كان يقاتلهم عنها ولتركهم

стр. 103

فان البعث إلى المسلمين وولاة الأمر في طلب الآمان قبل ظهورهم عليه قالوا: كرهوا شراها منهم طوعا لما كان من وقف عمر ﵁ وأصحابه الأرض محبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين المجاهدين لا تباع ولا تورث قوة على جهاد من لم يظهروا عليه بعد من المشركين "نتهى". وهذا الكلام يتضمن أن من أسلم من أهل الخراج تؤخذ الأرض منه وتنقل إلى أهل قريته من أهل الذمة وهو غريب جدا وهو خلاف المروي عن عمر وعلي ﵄ من وجوه متعددة أنهما كان يقران من أسلم منهم في أرضه يؤدي عنها خراجا إذا اختار ذلك وعليه جمهور العلماء ويتضمن أيضا أن الأرض الخراجية لا تورث وسيأتي الكلام في إرثها إن شاء الله تعالى ويتضمن أن منع الصحابة من قسمتها بين الغانمين إنما هو لأن الدهاقين الذين كانت أرض الخراج بأيديهم ادعوا أنهم لم يقاتلوا المسلمين وقد روي عن عمر ﵁ أنه كان ينهي عن قتل الفلاحين لكن هب أنهم لم يقاتلوا أليسوا كفارا والكافر وإن لم يحارب يجوز أخذ ماله وإنما يمتنع قتل من لا أهلية فيه للقتال كالشيوخ ونحوهم ولا يمنع ذلك أخذ أموالهم ولعل الأوزاعي وأهل الشام يقولون من امتنع قتله لعدم أهليته للقتال يمتنع أخذ ماله وهو غريب وظاهر قول الأوزاعي أن الأرض كانت لهم وأنها تركت لهم ملكا وقد سبق ما يدل على أن الأرض لم تكن للفلاحين إنما كانت معهم مخارجة كما كانت معهم في حال الاسلام ويتضمن أيضا أن منع المسلمين من شرائها منهم له مأخذان أحدهما أنه لما تعارض في حقهم أمارتان أحدهما يقتضي حقن دمائهم وأموالهم وهو ما تقدم والثانية يقتضي إباحتها وهي ظهور المسلمين على البلاد عموما وترك هؤلاء طلب الأمان قبل الفتح وذلك يقتضي أن الأرض فيء للمسلمين أو غنيمة لهم فلما تعارضت هاتان الأمارتان تركت

стр. 104

الأرض لهم ولم يتعرض عليها بعد ذلك بشراء منهم ولا غيره وهذا فيه نظر فان الأرض إذا كانت في الظاهر للمسلمين وقامت شبهة فيها للكفار فاذا تركت الأرض لهذه الشبهة لم يمتنع ذلك أخذنا لها منهم بعقد تراض من شراء أوغيره والمأخذ الثاني هو مأخذ الوقفية الذي نص عليه أحمد وغيره وقد سبق تقريره. وتوقف الشعبي في شراء أرض الخراج وقال لا آمر به ولا أقول هو ربا وروي عن شريح أنه اختصم اليه في ذلك فلم يقض فيه بشيء وقال عبد الله العنبري إذا جوزه السلطان فهو جائز يشير إلى أنه عقد مختلف فيه والسلطان له الحكم في المختلفات وكذلك قال صاحب المغني من أصحابنا أنه لو باع منه الامام شيئا لمصلحة عمارة ونحوها جاز قال ولو حكم بصحة البيع مطلقا حاكم نفذ حكمه للاختلاف فيه وهذا في الحكم بالصحة لا إشكال فيه. وأما بيع الامام فينبني على أن فعله هل هو حكم أم لا وفيه وجهان أحدهما هو حكم وهو قول أبي الخطاب وغيره فينفذ ولا يجوز نقضه والثاني ليس بحكم قاله القاضي في خلافه وصاحب المحرر فيحتاج الى حكم به منه أو من غيره ليمتنع نقضه وكلام صاحب المغني هاهنا أنه حكم إلا أن يفرق بين الامام الأعظم ومن دونه ولو أذن الامام في بيع بعض أراضي بيت المال فقد قيل إنه ينفذ إما لأن أذنه حكم في مختلف فيه وإما لوجوب طاعته فيما لا يعلم أنه معصية. وقد وقع في كلام طائفة من أصحابنا وغيرهم ما يقتضي وجوب طاعة السلطان فيما لا يعلم أنه محرم واعترض ذلك بعض أئمتنا المتأخرين وقال إنما يطاع في الأمر المجهول من علم علمه وعدله وأما من ليس كذلك فلا يطاع إلا فيما علم أنه ليس بمعصية وهذا أشبه بكلام الامام أحمد والله أعلم.

стр. 105

وها هنا فرع قرأته بخط القاضي أبي يعلى قال إنسان ابتاع من أرض الخراج في نصف الحول احتمل أن يسقط خراج هذه السنة كما لو أسلم في أثناء الحول سقط الجزية وهما سؤالان هذا خراج الرؤوس وهذا خراج الأرض "انتهى". ولعل مراده أنه يسقط الخراج عن البائع ويستأنف المشتري حولا وظاهره أنه يسقط خراجها مطلقا فأما سقوط الخراج عن البائع بالبيع في أثناء الحول فظاهر لأن الخراج إنما يجب في آخر الحول إذا كان مماسحة وإن كان مقاسمة فيجب عند تصفية الزرع كما سبق فاذا زال الملك قبل ذلك فلا وجوب كما لا يجب الزكاة على النصاب إذا زال الملك قبل الحول فيه وأما التعليل بأنه جزية فيسقط بالاسلام فضعيف لوجهين: أحدهما أن الخراج أجرة عند أصحابنا لا جزية والأجرة لا تسقط بانتقال الملك لكن ظاهر كلام أصحابنا أنه لا تسقط على مدة الحول كالأجرة وإنما يجب بآخر المدة ويدل عليه مسألة تعجيل الخراج التي ذكرناها في آخر الباب الماضي. والثاني أن الاسلام لا يسقط الخراج فيكف يصح إلحاقه بالجزية وأما المشتري فظاهر كلام القاضي أنه لا خراج عليه في هذه السنة ولا يستألف حولا من حين ملكه بخلاف مشتري نصاب الزكاة والفرق بينهما أن الخراج مضروب على عموم الأرض في وقت واحد وكل أهله مشتركون في وقت وجوبه فلا يفرد بعضهم فيه بحول عن بعض بخلاف أموال الزكاة وفي هذا نظر ولا يبعد أن المشتري أن كان اشتغل في مدة ملكه أن الخراج عليه لأن الخراج عليه معتبر بالتمكن من الانتفاع وقد تمكن وانتفع وكذا لو تمكن ولم ينتفع وأما ان كان الخراج مقاسمة فلا إشكال في وجوبه على المشتري اذا اشتغل في مدته وهذا حكم الوارث اذا انتقل إليه أرض موروثه الخراجية في أثناء الحول. "فصل" قد سبق قول أحمد إن أرض السواد لا يشتري منها أكثر من

стр. 106

القوت وأن ما زاد عليه يتصدق به وله مثل ذلك نصوص كثيرة قال المروزي عن كتاب الورع قال أبو عبد الله: هذه الغلة ما يكون قوتنا وإنما ذهب فيه إلى أن لنا فيه شيئا قال: ودار بيني وبينه كلام وأخبرته عن رجل قال لو أن أبا عبد الله ترك الغلة وكان يبضع له صديق كان أعجب إلي فقال أبو عبد الله: هذه طعمة سوء أو قال: ردية من تعود هذا لم يصبر عنه ثم قال: هذا اعجب إلي يعني الغلة ثم قال لي أنت تعلم إلى أن هذه الغلة لا تقيمنا وإنما آخذها على الاضطرار وذهب إلى أن يأخذ الرجل من السواد القوت ويتصدق بالفضل قلت له: وترى أن يتخذ الرجل الضيعة في السواد؟ قال: حسبك يكون الرجل يتخذ القوت قال: وقال لي أبو عبد الله بشر بن الحارث كان يأكل من غلة بغداد؟ قلت: لا هو كان ينكر على من يأكل قال: إنما قوي بشر لأنه كان وحده لم يكن له عيال ليس من كان معيلا كمن كان وحده لو كان إلى ما بالبيت ما أكلت قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: لو وجدت السبيل لخرجت من ها هنا. قال: وسئل أحمد عن مسألة من الورع فقال أنا لا ينبغي لي أن اتكلم فيها أنا آكل من غلة بغداد لو كان بشر كان ينبغي أن يتكلم. وقال أحمد في رواية أبي طالب: لا يتمول الرجل من السواد فان عمر ﵁ أوقفه على المسلمين وإنما يجوز له قوته وقوت عياله وقال في رواية حنبل أقمت ما ورثت من السواد مقام المضطر الذي ليست له حيلة أن يأكل ما لا بد له منه من الميتة فعلى هذا المعني أنزل السواد والمقام فيه وأحمد ﵀ كان قد ورث من أبيه دورا وحوانيت ببغداد فكان ينزل الدور ويكري الحوانيت ويقتات منها وعنده أن بغداد من جملة أرض السواد نص على ذلك في رواية صالح وغيره لأنها كانت من أرض الخراج في زمن عمر ﵁.

стр. 107

قال القاضي في الأحكام السلطانية: الأصل في بغداد أنها وقف وقد تداولتها أيدي السلاطين وغيرهم بالبيع والاقطاع ورفع أيدي القوم الذين أقرهم فيها بالخراج الذي هو أجره فتحصل في حكم المغصوبة ومن أصله أن الزرع في الأرض المغصوبة لصاحب الأرض ولهذا اختار التقلل منها لأنها حال ضرورة والضرورة قد تؤثر في الاباحة "انتهى". فالقاضي ظن أن غلة بغداد التي كرهها أحمد زرعها وليس كذلك ولم يكن لأحمد بها زرع ولا بالسواد وإنما كان له ببغداد حوانيت يؤجرها فما وجه القاضي به كلام أحمد ها هنا غير متوجه وقال في كتاب المجرد قال أحمد: التجارة أحب الي من غلة بغداد وإنما أخذها على الاضطرار فقيل له: لم كرهتها وقد وقفها عمر ﵁ فقال من أجل ما غير هؤلاء قال القاضي: فقد بين علة الكراهة وهو ان حكم هذه الأرض أنها وقف على جماعة المسلمين لا يجوز لأحد أن ينفرد منها بزيادة على الحاجة وقد حدث من لم يعتبر هذا بل يملكها واستكثر منها فما يكون من غلتها يكون في أرض بغير حق ولهذا كرهه انتهى وهو عائد الى ما قبله من أن الغلة هي الزرع المزروع في الأرض وقد بينا أنه ليس ذلك مراد احمد وقال في كتاب الخلاف كلام أحمد هذا يدل على أن الفيء يصرف في الحاجات قال في رواية المروزي: من كان في العطا إنما أخذوا على الفقر وأعجبه حديث طلحة قال مالك: قلت لطلحة: يا أبا عبد الله لو وجدت غنا عن العطاء لتركته قال: طلحة هكذا نقول قال وقال في رواية بكر بن محمد الفيء لكل مسلم فيه حق إن رآه الامام وإعطاء الناس وأن يبلغ ذلك ولم يعط الامام وكان عدلا وهو على ما يرى فيه ويجتهد وهذا المحمل أشبه بكلام أحمد مما قبله وإن الفيء عنده يتقدم فيه ذوو الحاجات بقدر حاجاتهم وأنه على حسب اجتهاد

стр. 108

الامام العادل ولكن الامام العادل يتعذر وجوده في أغلب الأوقات فيأخذ كل مستحق منه بقدر حاجته عند الضرورة وليس له الزيادة على الحاجة ولهذا قال لا يتمول الرجل من السواد فإن عمر ﵁ أوقفه على المسلمين وإنما يجوز له قوته وقوت عياله وهذا يدل على أن الأموال المشتركة إما بين عموم المسلمين أو بين قوم موصوفين بصفة كالوقف على الفقهاء ونحوهم لا يتمول منه وإنما يأخذ الانسان منه قدر قوته وقوت عياله لا سيما ان لم يوجد أمام عادل يقسمه بالعدل وذلك هو الغالب ولا يقال إن منه ما يوجد أجرة عن عمل كالتدريس ونحوه لا أولا لا نسلم أن ذلك أجرة محضة بل هو رزق وإعانة على العلم بهذه الأموال وأيضا فلو سلم أنه أجرة فالواقفون إنما أرادوا به إعانة جنس طلبة العلم مثلا لتكثيره ونشره فلا يجوز لواحد الاستبداد بالجميع فان هذا ينعكس به المقصود وأيضا فلو كان قوم من العمال يطلبون العمل في موضع فجاء من يستعملهم فطلب واحد منهم أن يتقبل جميع الأعمال في ذمته ويقيم من يعملها ويمنع بقية رفقائه من العمل فان هذا لا يخفي قبحه وتحريمه وهو أشد تحريما من احتكار الأقوات المحتاج اليها ومن تلقي الأجلاب وبيع الحاضر للبادي ونحو ذلك مما نهي عنه للتضيق على الناس. ولكن المشهور عن أحمد أن الفيء مشترك بين الغني والفقير نقله عنه جماعة من أصحابنا فعلى هذا ينبغي أن يجوز الأخذ منه للغني والفقير لا سيما إن أعطاه الامام لكن مع تخصيص الامام لم توجد القسمة المعتبرة ولهذا اختلف في ذلك الحسن وابن سيرين فتورع ابن سيرين من الأخذ لكونهم لم يعملوا بالقسمة وأخذ الحسن لأن الامام له ولاية التخصيص وان كان غير عدل ثم إن ههنا حالتين إحداهما أن يحصل للانسان من مال بيت المال بقسمة من هو غير عادل فهنا توقف أحمد وغيره من أهل التدقيق في الورع كابن سيرين كما توقفوا في أخذ العطاء من المملوك.

стр. 109

وعلل أحمد بأن الثغور معطلة غير مشحونة والفيء غير مقسوم بين أهله وهذا لأن الفيء يجب فيه البداءة بمهمات المسلمين العامة ثم الباقي يقسم بين عموم المسلمين على رواية عنه وعلى أخرى يقدم ذوو الحاجات بقدرها ويقسم بالسوية من غير تفاضل على إحدى الروايتين فإذا خص بعضهم قبل سد مهمات المسلمين لم يعلم أنه يستحق بقدر ما أخذه وأيضا فهو كتخصيص المدين لبعض غرمائه بالعطاء دون بعض وهو غير جائز ولهذا يثبت للآخر حق الرجوع عليه وقد يجاب عن هذا بأن الفيء إذا علم أن فيه فضلا عن المهمات وقلنا يجوز قسمته على التفاضل فلا مانع حينئذ من الأخذ. والحالة الثانية أن يحصل في يد الانسان شيء بغير قسمة فسنذكره في باب مفرد إن شاء الله تعالى فمن ها هنا كان أحمد يتورع عن أجرة دور بغداد فتارة كان يخرج منها الخراج وتارة كان لا يخرج ويقدم حاجته ويتصدق بالفضل وأما أرض السواد فان كان الملوك يعطونها بغير خراج فهي كدور بغداد إلا أن يضعوا عنه الخراج فان فيه خلافا بين أحمد وإسحاق وسنذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى. وأما إن كانوا يعطونها بالخراج فهذه مأخوذة معاوضة والأئمة لهم ولاية ذلك فلا ينبغي التوقف في جوازه وإنما وقعت الكراهة في كلام أحمد على الحالة الأولى لأن الغالب كان في زمانه استيلاء الملوك على السواد واستقطاعه واستصفاؤه لأنفسهم وأعوانهم ولهذا كان أهل الورع الدقيق من العلماء كابن سيرين والثوري وأحمد يتشددون في قطائع الأمراء وصوافهم لأنفسهم وأعوانهم ولا يرون السكنى فيها ولا الأكل من زعرها لأنها في أيديهم كالغصب لأنها من مال الفيء وهم مستولون عليها بغير حق ولا يعطون المسلمين بخراج ولا غيره.

стр. 110

وفي زاد المسافر قال أبو عبد الله في رواية حنبل: مكة إنما كره إجارة بيوتها لأنها عنوة دخلها النبي ﷺ بالسيف فكلما كان عنوة كان المسلمون فيه شرعا واحدا وعمر ﵁ إنما ترك السواد لذلك وقال عمر ﵁: لا يمنعوا نازلا بليل أو نهار لأهل مكة لأنه لم يجعل لهم ملكا دون الناس فالحاج فيه سواء العاكف فيه والباد المقيم فيه والقادم والسواد وكل عنوة كذلك انتهى وتمام هذه الرواية ذكرها غير أبي بكر وهو قال: ولا يعجبني بيع منازل السواد ولا أرضهم قيل لأبي عبد الله فأراد السلطان أن يفعل ذلك؟ قال: كل إمام يقوم بذلك وكان له ذلك إلى السلطان الامام يصرف كيف شاء إلا الصلح لهم ما صولحوا عليه وهذا غريب جداأن السواد وكل عنوة لا يؤجر كبيوت مكة ويكون الناس فيه شرعا واحدا والمعروف من مذهب أحمد أن مكة لا تباع دورها ولا تؤجر فمن الأصحاب من بني ذلك على القول بأنها فتحت عنوة كما دل عليه كلام أحمد. هذا وقال: إن قلنا فتحت صلحا فهي ملك لأهلها فتباع وتؤجر ومنهم من قال بل تباع وتؤجر على القولين لأن النبي ﷺ فتحها عنوة ثم ردها إلى أهلها ولم يقسمها فصارت ملكا لهم وهو اختيار صاحب المغني وقد أنكر أحمد في رواية الميموني قول من قال إن دورهم ليست لهم ومنهم من علل بأنها بقاع المناسك ويحتاج المسلمون كلهم الى نزولها فيشتركون فيها للحاجة الى ذلك ثم منهم من يقول هذا على كلا القولين سواء قلنا فتحت عنوة أو صلححا ويجب بذل الفاضل من المساكن عليهم مجانا للواردين كما يجب بذل فضل الأموال في مواضع ومنهم من يقول بل النبي ﷺ أزال ملكهم عنها بعد الفتح وجعلها مشتركة بين المسلمين وأما الحاق أراضي العنوة بها في ذلك وأنه لا يمنع منازلها ولا أرضها فهو غريب جدا وإنما يكون ذلك في فاضل المنازل المتسعة للسكنى خاصة كما في بيوت
следующие страницы →