Полный текст (76 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِه نستعين
قَالَ الشَّيْخ ﵀:
الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد، وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.
وَبعد. .
فَهَذِهِ أَحَادِيث ومسائل وآداب، تتَعَلَّق بِدُخُول الْحمام، فَإِنَّهُ مِمَّا تمس إِلَيْهِ الْحَاجة فِي هَذِه الْبلدَانِ، وَقد جَاءَت فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة عَن النَّبِي ﷺ وَعَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ.
وسأذكرها لَك مفصلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي هَذَا الْجُزْء وَبِه الثِّقَة وَعَلِيهِ التكلان.
стр. 2
فصل
ذكر كثير من عُلَمَاء التَّفْسِير والتاريخ أَن أول من بني لَهُ الْحمام سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇، وَكَانَ سَبَب ذَلِك قدوم بلقيس عَلَيْهِ، لما رأى فِي سَاقهَا شعرًا كثيرا، فَسَأَلَ الجان عَن مَا يُزِيلهُ، فصنعوا لَهُ النورة، وصنعوا لَهُ الْحمام وَالله أعلم. وَقيل: إِن سُلَيْمَان ﵉ لما دخله فَوجدَ حره فَقَالَ: أوه من عَذَاب الله أوه قبل أَن لَا ينفع أوه.
ثمَّ لَا تزَال الْأَعَاجِم من ذَلِك الزَّمَان يعتادونه، وَكَذَلِكَ الرّوم والقبط، وَغَيرهم من الْأُمَم.
وَأما الْعَرَب بِبِلَاد الْحجاز وَنَحْوهَا، فَلم يَكُونُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، وَلم يعرف ببلادهم إِلَّا بعد موت النَّبِي ﷺ فِي زمن الصَّحَابَة.
والْحَدِيث الَّذِي يرْوى أَن النَّبِي ﷺ دخل حمام الْجحْفَة، مَوْضُوع بِاتِّفَاق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ، وَلَيْسَ بِصَحِيح.
وَإِنَّمَا روى الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي كِتَابه الَّذِي صنفه: عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة: أَن ابْن عَبَّاس ﵄، دخل حمام الْجحْفَة، وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح.
стр. 3
فصل
وَقد اخْتلف الْعلمَاء ﵏ فِي دُخُول الْحمام على أَرْبَعَة أَقْوَال
القَوْل الأول أَنه ينْهَى عَنهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء
القَوْل الثَّانِي يُبَاح للرِّجَال، وَينْهى عَنهُ النِّسَاء
القَوْل الثَّالِث يُبَاح للرِّجَال، وَينْهى عَنهُ النِّسَاء، إِلَّا لمريضة أَو نفسَاء
فَأَما القَوْل الرَّابِع إِبَاحَته مُطلقًا للرِّجَال وَالنِّسَاء بِشُرُوط
فَأَما القَوْل الأول قَالَ ابْن أبي شيبَة ﵀: حَدثنَا جرير عَن عمَارَة عَن أبي زرْعَة قَالَ: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁: بئس الْبَيْت الْحمام
وَقَالَ عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه: عَن معمر عَن أَيُّوب عَن نَافِع أَن ابْن عمر ﵄ دخل الْحمام مرّة وَعَلِيهِ إِزَار، فَلَمَّا دخل رأى النَّاس وهم عُرَاة قَالَ: فحول وَجهه نَحْو الْجِدَار وَقَالَ: يَا نَافِع إيتني بثوبي قَالَ: فَأَتَيْته بِهِ، فالتف بِهِ وغطى على وَجهه، ثمَّ ناولني يَده فقدته حَتَّى خرج ثمَّ لم يدْخلهُ بعد ذَلِك
وَقَالَ أَيْضا: عَن ابْن عُيَيْنَة عَن شيخ من أهل الْكُوفَة قَالَ قيل لِابْنِ
стр. 4
عمر: مَالك لَا تدخل الْحمام فكره ذَلِك. فَقيل لَهُ: أَنَّك تستتر فَقَالَ: إِنِّي أكره أَن أرى عَورَة غَيْرِي.
وَقَالَ مَنْصُور عَن الْحسن وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا كَانَا يكرهان دُخُول الْحمام.
وَإِنَّمَا نهوا عَنهُ لما فِيهِ من كَثْرَة التنعم، وَلِأَنَّهُ مأوى الشَّيَاطِين، وَمحل تنكشف فِيهِ العورات، وتكثر فِيهِ مُخَالطَة النَّجَاسَات.
القَوْل الثَّانِي: أَنه يُبَاح للرِّجَال، وَينْهى عَنهُ النِّسَاء.
قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵀: حَدثنَا هَارُون حَدثنَا ابْن وهب حَدثنِي عَمْرو بن الْحَارِث أَن عمر بن السَّائِب حَدثهُ أَن الْقَاسِم ابْن أبي الْقَاسِم السبئي حَدثهُ عَن قاص الأجناد بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَنه سَمعه يحدث أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يقْعد على مائدة يدار عَلَيْهَا الْخمر، وَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام إِلَّا بإزار، وَمن كَانَت تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا تدخل الْحمام.
стр. 5
وَقَالَ ابْن جريح
أَخْبرنِي سُلَيْمَان بن مُوسَى أَن زِيَاد ابْن جَارِيَة حَدثهُ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ يكْتب إِلَى الْآفَاق لَا تدخل امْرَأَة مسلمة الْحمام إِلَّا من مرض، وَعَلمُوا نساءكم سُورَة النُّور.
وَعَن ابْن الْمُبَارك عَن هِشَام بن الْغَاز عَن عبَادَة بن نسي عَن قيس ابْن الْحَارِث قَالَ كتب عمر بن الْخطاب إِلَى أبي عُبَيْدَة بَلغنِي أَن نسَاء من نسَاء الْمُسلمين أَو الْمُهَاجِرين يدخلن الحمامات، ومعهن نسَاء من أهل الْكتاب فازجرهم عَن ذَلِك وامنعهم مِنْهُ قَالَ فَتكلم أَبُو عُبَيْدَة وَهُوَ غَضْبَان وَلم يكن ﵁ غضوبا وَلَا فَاحِشا فَقَالَ اللَّهُمَّ أَيّمَا امْرَأَة دخلت
стр. 6
الْحمام من غير عِلّة، وَلَا سقم، تُرِيدُ بذلك أَن تبيض وَجههَا فسود الله وَجههَا يَوْم تبيض الْوُجُوه.
وَعَن قيس بن الْحَارِث قَالَ كتب عمر إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ﵄ أَنه بَلغنِي أَن نسَاء من نسَاء الْمُسلمين يدخلن الحمامات مَعَ نسَاء الْمُشْركين فَإِنَّهُ عَن ذَلِك أَشد النَّهْي، فَإِنَّهُ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، أَن يرى عورتها غير أهل دينهَا.
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل حليلته الْحمام.
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵀: حَدثنَا عُبَيْدَة بن حميد حَدثنِي يزِيد ابْن أبي زِيَاد عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ أتين نسْوَة من نسَاء أهل حمص إِلَى عَائِشَة ﵂ فَقَالَت لَهُنَّ لعلكن من النِّسَاء اللواتي يدخلن الحمامات فَقُلْنَ لَهَا: نعم. فَقَالَت لَهُنَّ عَائِشَة ﵂ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَيّمَا امْرَأَة وضعت ثِيَابهَا فِي غير بَيت زَوجهَا هتكت مَا بَينهَا وَبَين الله
قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن سَالم بن أبي
стр. 7
الْجَعْد عَن أبي الْمليح واسْمه عُمَيْر بن أبي أُسَامَة قَالَ دخل نسْوَة من أهل الشَّام على عَائِشَة ﵂ فَقَالَت فَمن أنتنفقلن من أهل الشَّام. فَقَالَت: لعلكن من الكورة الَّتِي يدْخل نساؤها الحمامات قُلْنَ: نعم. قَالَت: أما إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من امْرَأَة تخلع ثِيَابهَا فِي غير بَيتهَا إِلَّا هتكت مَا بَينهَا وَبَين الله.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن أبي دَاوُد بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن. وَرَوَاهُ ابْن ماجة أَيْضا.
وروى الإِمَام أَبُو يعلي الْموصِلِي والحافظ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن حبَان فِي
стр. 8
صَحِيحه الملقب بالأنواع والتقاسيم من حَدِيث مُحَمَّد بن ثَابت ابْن شُرَحْبِيل عَن عبد الله بن يزِيد \ الخطمي عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر، وَمن كَانَت تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من نِسَائِكُم فَلَا تدخل الْحمام قَالَ فَقلت ذَلِك لعمر بن عبد الْعَزِيز فِي خِلَافَته فَكتب إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم: أَن سل مُحَمَّد بن ثَابت عَن حَدِيثه فَإِنَّهُ مرضى. فَسَأَلَهُ ثمَّ كتب إِلَى عمر فَمنع النِّسَاء عَن الْحمام.
стр. 9
فَهَذَا عمر بن عبد الْعَزِيز قد نفذ هَذِه السّنة عَن رَسُول الله ﷺ ، وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ : عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي. فأجمع الْمُسلمُونَ قاطبة على أَن عمر بن عبد الْعَزِيز من الْأَئِمَّة المهديين، وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين، الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ.
القَوْل الثَّالِث: أَنه يُبَاح للرِّجَال، وَينْهى عَنهُ النِّسَاء، إِلَّا لمريضة أَو نفسَاء. للْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عبد بن حميد: حَدثنَا جَعْفَر بن عون حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد أنعم عَن عبد الرَّحْمَن بن رَافع عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِنَّهَا ستفتح عَلَيْكُم أَرض الْعَجم، وستجدون فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا الحمامات، فَلَا يدخلهَا الرِّجَال إِلَّا بالإزار، وامنعوا النِّسَاء إِلَّا مَرِيضَة أَو نفسَاء
وَقد رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ستفتح عَلَيْكُم بِلَاد الشَّام، وستجدون فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا: الحمامات، فامنعوها النِّسَاء إِلَّا سقيمة أم نفسَاء.
وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة: حَدثنَا حَفْص بن غياث عَن أُسَامَة ابْن
стр. 10
زيد عَن مَكْحُول قَالَ: كتب عمر بن الْخطاب إِلَى أُمَرَاء الأجناد: أَن لَا يدْخل رجل الْحمام إِلَّا بمئزر، وَلَا امْرَأَة إِلَّا من سقم.
القَوْل الرَّابِع: إِبَاحَته مُطلقًا للرِّجَال وَالنِّسَاء بِشُرُوط.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَنه كَانَ يدْخل الْحمام قَالَ: وَكَانَ يَقُول: نعم الْبَيْت الْحمام: يذهب الْوَسخ، ويطيب النَّفس، وَيذكر النَّار.
ثمَّ روى الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر بن أبي شيبَة ﵀ فِي كِتَابه المُصَنّف: حَدثنَا جرير عَن عمَارَة عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: نعم الْبَيْت الْحمام: يذهب الدَّرن، وَيذكر النَّار.
وَقد حكى أَيْضا ابْن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الله البَجلِيّ، وَالْحُسَيْن ابْن عَليّ بن أبي طَالب، وَابْن عَبَّاس، وَأبي هُرَيْرَة أَنهم دخلُوا الْحمام. وَقد حكى غير وَاحِد الْإِجْمَاع على جَوَازه بِشَرْطِهِ، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن عَمْرو بن عبد الْخَالِق الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث طَاوس عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ احْذَرُوا بَيْتا يُقَال لَهُ الْحمام قَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّه ينقي
стр. 11
الْوَسخ. قَالَ: فاستتروا.
وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُصَنفه: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه رَفعه قَالَ: من دخله مِنْكُم فليستتر. وَهَذَا إِسْنَاد جيد.
وَكَذَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه عَن معمر وَالثَّوْري وَابْن جريج فرقهم عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ فَذكر مثله.
ثمَّ قَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن الثَّوْريّ عَن دثار عَن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: حرَام دُخُول الْحمام بِغَيْر إِزَار.
وَذكر أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق فِي أَحْكَامه حَدِيث الْبَزَّار، وَقَالَ: هَذَا أصح حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، على أَن النَّاس يرسلونه عَن طَاوس.
وَأما مَا خرجه أَبُو دَاوُد فِي هَذَا الْحَظْر وَالْإِبَاحَة فَلَا يَصح مِنْهُ شَيْء لضعف الْأَسَانِيد وَكَذَلِكَ مَا خرجه التِّرْمِذِيّ انْتهى كَلَامه
стр. 12
فصل
وينقسم دُخُول الْحمام بِاعْتِبَار أَحْوَال النَّاس إِلَى خَمْسَة أَقسَام: فقد يكون وَاجِبا، ومستحبا، ومباحا، ومكروها، وحراما.
فالقسم الأول: يتَصَوَّر فِي حق من وَجب عَلَيْهِ غسل من جَنَابَة، أَو حيض، أَو نِفَاس، أَو حُصُول نَجَاسَة على جِسْمه، أَو للْجُمُعَة على قَول من يُوجِبهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يُمكنهُ الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ الْبَارِد، وَلَا بِغَيْرِهِ فِي الْبَيْت، من مرض أَو شدَّة برد فَهَذَا يجب عَلَيْهِ الْمُضِيّ إِلَى الْحمام. لِأَن مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب.
وَالْقسم الثَّانِي: يتَصَوَّر فِي حق من اتَّسع رَأسه، أَو بدنه أوشك فِي حُصُول جَنَابَة، أَو أَرَادَ غسل الْجُمُعَة على جُمْهُور الْعلمَاء، أَو اغتسالا للعيد، وَنَحْوه من الاجتماعات الْعَامَّة، أَو للتداوي إِذا قيل باستحبابة وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يَسْتَطِيع الِاغْتِسَال فِي غير الْحمام، أَو يشق عَلَيْهِ، فَهَذَا يسْتَحبّ لَهُ الذّهاب إِلَيْهِ ليحصل هَذَا الْمَقْصُود لِأَنَّهُ وَسِيلَة إِلَى فعل الْمُسْتَحبّ فَيكون مُسْتَحبا.
وَالْقسم الثَّالِث: فِي حق من يدْخلهُ للترفه، والتلذذ، من غير إِسْرَاف، وَلَا إكثار أَو للتداوي إِذا قيل بِأَنَّهُ يُبَاح وَلَيْسَ بمستحب.
стр. 13
وَالْقسم الرَّابِع: فِي حق من يدْخلهُ لما تقدم فِي الثَّالِث، وَيكثر فِي ذَلِك من صب المَاء، ويسرف فِيهِ.
فقد روى عبد الله بن الْمُبَارك ﵀ فِي كِتَابه الزّهْد فَقَالَ: حَدثنِي بَعضهم أَن عمر ﵁ قَالَ إيَّاكُمْ وَكَثْرَة الْحمام، وَكَثْرَة طلي النورة، والتوطؤ على الْفرش فَإِن عباد الله لَيْسُوا بالمتنعمين. فقد زجر أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن ذَلِك، وَقد قَالَ ﵊: اقتدوا باللذين من بعدِي: أَبُو بكر وَعمر.
وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن الْحسن بن عَليّ عَن يزِيد بن هَارُون عَن سعيد الْجريرِي عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن فضَالة بن عبيد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ ينْهَى عَن كثير من الإرفاه
وَالْقسم الْخَامِس: فِي حق من يدْخلهُ أشرا، وبطرا، وبذخا، وفخرا، وإظهارا للزِّينَة الَّتِي أَمر الله بإخفائها إِلَّا فِي محلهَا، كَمَا يَفْعَله كثير من النِّسَاء فِي عصرنا هَذَا
стр. 14
وينضم إِلَى ذَلِك ترك الصَّلَوَات، وكشف العورات، فَهَذَا مِمَّا لَا يشك أحد من الْعلمَاء فِي تَحْرِيمه عَلَيْهِنَّ، وَالْحَالة هَذِه. فَالْوَاجِب على الكافة مَنعهنَّ من تعَاطِي مثل ذَلِك فَإِنَّهُ مِمَّا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْمَفَاسِد: الْخَاصَّة والعامة اللَّازِمَة والمتعدية مَا الله بِهِ عليم
وَقد قَالَت أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂: لَو رأى رَسُول الله ﷺ مَا أحدث النِّسَاء بعده، لمنعهن الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل فَهَذَا قَوْلهَا فِي الْمَسَاجِد الَّتِي زجر النَّبِي ﷺ الرِّجَال أَن يمنعوهن إِذا أردن الْخُرُوج إِلَيْهَا، فَكيف بالحمامات اللَّاتِي قد تقدم زَجره إياهن عَن دُخُولهَا إِلَّا لمريضة أَو نفسَاء لَا بل قد أنْكرت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِنَّ دُخُول الحمامات مُطلقًا، وَقَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: أَيّمَا امْرَأَة خلعت ثِيَابهَا فِي غير بَيت زَوجهَا هتكت مَا بَينهَا وَبَين الله . وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا الْحُسَيْن بن بَحر حَدثنَا عَمْرو بن عَاصِم حَدثنَا همام حَدثنَا قَتَادَة عَن مُورق الْعجلِيّ عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَرْأَة عَورَة، فَإِذا خرجت استشرفها الشَّيْطَان، وَأقرب مَا تكون من رَبهَا إِذا هِيَ فِي قَعْر بَيتهَا.
стр. 15
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه، من رِوَايَة عَمْرو بن عَاصِم الْكلابِي بِسَنَدِهِ نَحوه.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب النِّكَاح من جَامِعَة بَاب كَرَاهِيَة خُرُوج النِّسَاء فِي الزِّينَة يَعْنِي وَهِي مزينة حَدثنَا عَليّ بن خشرم أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن أَيُّوب بن خَالِد عَن مَيْمُونَة بنت سعد وَكَانَت خَادِمًا للنَّبِي ﷺ قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل الرافلة فِي الزِّينَة فِي غير أَهلهَا كَمثل ظلمَة يَوْم الْقِيَامَة لَا نور لَهَا.
وَقد رَوَاهُ بَعضهم عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة وَلم يرفعهُ. وَتقدم عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه مَنعهنَّ من دُخُول الْحمام، وَهُوَ أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وَالْأَئِمَّة المهديين، الَّذين قضوا بِالْحَقِّ، وَبِه كَانُوا يعدلُونَ، وَقد قَالَ ﵊:
стр. 16
عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي، عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ، وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور، فَإِن كل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وَفِي رِوَايَة وكل ضَلَالَة فِي النَّار. فَالْوَاجِب على وُلَاة الْأُمُور التَّمَسُّك بِهَذَا الحَدِيث، وَالْعَمَل بِهِ فِي جَمِيع أُمُورهم.
стр. 17
فصل
إِذا علم هَذَا فَالْوَاجِب: أَن يؤمرن إِذا أردن دُخُول الْحمام إِمَّا لمَرض، أَو نِفَاس، وَمَا يلْحق بذلك من كَثْرَة الْوَسخ والأذى أَن يخْرجن كَمَا أمرهن الله فِي تستر وَعدم تبرج بزينة، لَا يظهرن زِينَة من حلي، وَلَا قماش ملون، وخف، وبخور ثِيَاب وَغير ذَلِك مِمَّا يتَأَذَّى بِهِ الرِّجَال، وَيفتح طرق الشَّيْطَان. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ . وَقَالَ فِي سُورَة النُّور: ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم ذَلِك أزكى لَهُم إِن الله خَبِير بِمَا يصنعون وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا لبعولتهن أَو آبائهن أَو آبَاء بعولتهن أَو أبنائهن أَو أَبنَاء بعولتهن أَو إخوانهن أَو بني إخوانهن أَو بني أخواتهن أَو نسائهن أَو مَا ملكت أيمانهن أَو التَّابِعين غير أولي الإربة من الرِّجَال أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء وَلَا يضربن بأرجلهن ليعلم مَا يخفين من زينتهن وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ .
قَالَ الْعلمَاء: وَيسْتَحب أَن تمشي الْمَرْأَة إِلَى جَانب الطَّرِيق، كَمَا جَاءَ فِي
стр. 18
الحَدِيث أَنَّهُنَّ نهين أَن يحققن الطَّرِيق أَي لَا تمشى فِي وَسطه. وعَلى هَذَا فَيكْرَه أَن تمشي الْمَرْأَة إِلَى جَانب الْمَرْأَة صفا، بل تكون الْوَاحِدَة خلف الْوَاحِدَة، فِي تستر وحياء
وَيسْتَحب لَهُنَّ أَن تكون الجلابيب وَهِي الأزر غلاظا، لِئَلَّا يظْهر مَا تحتهَا للنَّظَر
وَلَا تتحيل فِي إِظْهَار زينتها كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يضربن بأرجلهن ليعلم مَا يخفين من زينتهن﴾ ، وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ كن يلبسن الخلاخيل فِي أرجلهن كَمَا تَفْعَلهُ نسَاء الْعَرَب وبلاد حوران وَغَيرهَا. فَكَانَت الْمَرْأَة إِذا أَرَادَت أَن يعلم أَن فِي رجلهَا خلخالا ضربت برجلها ليسمع صَوت الخلاخيل فنهين عَن ذَلِك مُطلقًا. ويؤمرن بالتستر فِي الْحمام، وَلبس المئزر، أَو الفوط وَنَحْوهَا، فِي أوساطهن. فَإِن عَورَة الْمَرْأَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْأَة، كعورة الرجل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرجل فَلَا بُد من مواراة الْقبل، والدبر، والفخدين على قَول جُمْهُور الْعلمَاء، والسرة على قَول بَعضهم كَمَا سَنذكرُهُ بعد إِن شَاءَ الله. وَيحرم عَلَيْهِنَّ كشف الْعَوْرَة، كَمَا يحرم على الرِّجَال بِلَا خلاف بَين
стр. 19
الْعلمَاء بل هن أَشد فِي ذَلِك من الرِّجَال كَمَا سَيَأْتِي دَلِيل ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقد ذهب جمَاعَة من الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف إِلَى أَنه لَا يحل للمسلمة أَن تكشف جسمها بِحَضْرَة ذِمِّيَّة، وَلَا تبدي لَهَا زينتها، لقَوْله تَعَالَى: ﴿أَو نسائهن﴾ فَدلَّ على أَن غير نسائهن من المسلمات لَا يبدين لَهُنَّ زينتهن، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب، وَغَيره من عُلَمَاء السّلف فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه: عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن هِشَام ابْن الْغَاز عَن عبَادَة بن نسي عَن قيس بن الْحَارِث قَالَ كتب عمر إِلَى أبي عُبَيْدَة ابْن الْجراح أَنه بَلغنِي أَن نسَاء الْمُسلمين قبلك يدخلن الحمامات مَعَ نسَاء المشركينفإنه عَن ذَلِك أَشد النَّهْي، فَإِنَّهُ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه، وَالْيَوْم الآخر، أَن يرى عورتها غير أهل دينهَا.
قَالَ وَكَانَ عبَادَة بن نسي، وَمَكْحُول، وَسليمَان يكْرهُونَ أَن تقبل الْمَرْأَة الْمسلمَة، الْمَرْأَة من أهل الْكتاب. وَيجب عَلَيْهِنَّ مُرَاعَاة الصَّلَاة فِي أَوْقَاتهَا، فِي كل وَقت، وَيَوْم الْحمام أَيْضا، ولهن الصَّلَاة فِي الْحمام إِذا تسترت إِمَّا خَارجه أَو دَاخله على قَول
стр. 20
جُمْهُور الْعلمَاء.
وَجوز بعض الْعلمَاء لَهُنَّ جمع الْعَصْر إِلَى الظّهْر فِي الْبَيْت لعذر الْحمام وَهُوَ قَول غَرِيب، وَله حَظّ من الْفِقْه وَهُوَ شَبيه بقول من ذهب من الْأَصْحَاب إِلَى صِحَة الْجمع فِي الْحَضَر من غير خوف وَلَا مطر كَمَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسلم.
وَقد حَكَاهُ الْخطابِيّ فِي المعالم عَن أبي بكر الْقفال الكبي عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي ﵀.
стр. 21
فصل
تورع جمَاعَة من الْعلمَاء عَن دُخُول الحمامات
مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ فِيمَا ذكره عَنهُ وَلَده صَالح. وَكَأَنَّهُ تَركه وَالله أعلم لما يرى فِيهِ من الْمُنْكَرَات، أَو لِأَنَّهُ مأوى الشَّيَاطِين، أَو لما يحصل فِيهِ من النَّعيم الدنيوي والرفاهة، أَو لمجموع ذَلِك وَالله أعلم. وَلَكِن الْجُمْهُور على دُخُوله، وَهُوَ من بَاب الضرورات لكثير من النَّاس كَمَا تقدم.
وَقد اسْتحبَّ كثير من السّلف دُخُول الْحمام خلْوَة لما فِيهِ من كَثْرَة النكرات، حَتَّى قَالَ بَعضهم: الدِّرْهَم الَّذِي أخلى بِهِ الْحمام، أحب إِلَيّ من الدِّرْهَم الَّذِي أَتصدق بِهِ
فعلى هَذَا فدخول النِّسَاء إِلَيْهِ خلْوَة مَعَ أَزوَاجهنَّ، أَو ذَوي أرحامهن، أَو نسْوَة تقاة، أولى وَأَحْرَى لما فِي ذَلِك من تقليل الْمَفَاسِد وَلَو لم يكن فِي ذَلِك إِلَّا أَلا يفوتن شَيْء من الصَّلَوَات عَن أوقاتهنولئلا يتَّخذ الْحمام أشرا، وبطرا، وفخرا، كَمَا هُوَ الْوَاقِع فِي هَذِه الْأَزْمَان بل مِنْهُنَّ من لَا تتمكن من فعل مَا تريده إِلَّا بِسَبَب الحمامكما قَالَ الشَّاعِر:
(دهتك بعلة الْحمام نعم ... وَمَال بهَا الطَّرِيق إِلَى يزِيد)
стр. 22
فصل
الأولى أَن يقْصد الدَّاخِل إِلَى الْحمام بِدُخُولِهِ الإغتسال من الْجَنَابَة إِن كَانَ عَلَيْهِ، أَو تنظيف رَأسه، وبدنه من الْوَسخ، والدرن، فَإِن ذَلِك مَأْمُور بِهِ مَنْدُوب إِلَيْهِ. فقد روى البُخَارِيّ، وَمُسلم: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ حق على كل مُسلم أَن يغْتَسل فِي كل سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا، وَيغسل فِيهِ رَأسه، وَجَسَده. وَهَذَا لفظ البُخَارِيّ.
وَالْأولَى أَن يكون ذَلِك يَوْم الْجُمُعَة، لحَدِيث جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : على كل مُسلم فِي سَبْعَة أَيَّام، غسل يَوْم، وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة. رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد، وَالنَّسَائِيّ وَهَذَا لَفظه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ غسل يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم أَخْرجَاهُ.
стр. 23
وَلَهُمَا عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ من جَاءَ مِنْكُم الْجُمُعَة فليغتسل. فَإِذا دخل الدَّاخِل الْحمام بِهَذِهِ النِّيَّة، حصل لَهُ الْأجر بامتثال أَمر الشَّارِع صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه.
قَالَ بعض الْعلمَاء ﵀: وَيسْتَحب إِذا دخل الْحمام أَن يقدم رجله الْيُسْرَى فِي الدُّخُول، ويتعوذ بِاللَّه مرّة من الشَّيْطَان. وَهَذَا الَّذِي قَالَه حسن، وَذَلِكَ أَن الْحمام يحضرهُ من الجان، وَالشَّيَاطِين، كَمَا يحضر الحشوش يَعْنِي بيُوت المَاء. وَقد ورد النَّص فِي الإستعاذة عِنْد دُخُول الحشوش، وَأَن يَقُول: بِسم الله، أعوذ بك من الْخبث والخبائث. فَكَذَا هَذَا سَوَاء. وَيسْتَحب لَهُ إِذا نزع ثِيَابه أَن يَقُول: بِسم الله. فقد قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كِتَابه مَكَائِد الشَّيْطَان: حَدثنَا إِسْمَاعِيل ابْن عبد الله حَدثنَا سعيد بن مسلمة حَدثنَا الْأَعْمَش عَن زيد [الْعمي] عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ستر مَا بَين أعين الْجِنّ، وَبَين عورات بني آدم إِذا نزع الرجل ثَوْبه أَن يَقُول: بِسم الله.
стр. 24
قَالَ: وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ مثله. وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ستر مَا بَين أعين الجان وعورات أمتِي، إِذا دخل أحدهم الْخَلَاء أَن يَقُول بِسم الله.
стр. 25
فصل
وَيحرم أَن يدْخل الْحمام بِلَا ستْرَة من مئزر وَنَحْوه كَمَا تقدم فِي الحَدِيث:. . وَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر. وَكتب عمر بن الْخطاب ﵁ إِلَى أُمَرَاء الأجناد: أَن لَا يدْخل الرجل الْحمام إِلَّا بمئزر، وَلَا امْرَأَة إِلَّا من سقم. وَكَذَلِكَ فعل عمر بن عبد الْعَزِيز.
وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة قَالَ: رَأَيْت عمر بن عبد الْعَزِيز يضْرب صَاحب الْحمام وَمن دخله بِغَيْر إِزَار.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: حرَام عَلَيْهِم دُخُول الْحمام بِغَيْر إِزَار. وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ بَين أحد من السّلف. وَأَيْضًا فَإِن ستر الْعَوْرَة عَن عُيُون النَّاس وَاجِب بِالْإِجْمَاع، وَالنَّص. قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا ينظر الرجل إِلَى عَورَة الرجل، وَلَا الْمَرْأَة إِلَى عَورَة الْمَرْأَة، وَلَا يُفْضِي الرجل إِلَى الرجل فِي ثوب وَاحِد، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَة إِلَى الْمَرْأَة فِي ثوب وَاحِد رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة أبي سعيد.
стр. 26
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْمَرَاسِيل: حَدثنَا ابْن [السَّرْح] عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن يَعْنِي ابْن سلمَان عَن عَمْرو ابْن أبي عَمْرو مولى الْمطلب: أَن رَسُول الله ﷺ لعن النَّاظر والمنظور إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا وَقع الْخلاف بَين الْعلمَاء فِيمَا إِذا كَانَ الشَّخْص خَالِيا وَحده، هَل يجب عَلَيْهِ التستر أم لَا
على قَوْلَيْنِ:
[أَحدهمَا] : نعم لحَدِيث بهز بن حَكِيم بن مُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قلت يَا رَسُول الله، عوراتنا مَا نأتي مِنْهَا وَمَا نذر فَقَالَ: احفظ عورتك إِلَّا من زَوجتك أَو مَا ملكت يَمِينك. قلت: فَإِذا كَانَ الْقَوْم بَعضهم فِي بعض قَالَ: إِن اسْتَطَعْت أَن لَا ترينها أحدا، فَلَا ترينها. قلت: فَإِذا كَانَ أَحَدنَا خَالِيا قَالَ: فَالله أَحَق أَن يستحى مِنْهُ.
رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده، وَأهل السّنَن الْأَرْبَعَة فِي كتبهمْ.
стр. 27
وعلقه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِصِيغَة الْجَزْم.
وَذكر ابْن أبي شيبَة بِسَنَدِهِ إِلَى عُرْوَة عَن أَبِيه أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ قَالَ وَهُوَ يخْطب النَّاس: يَا معشر النَّاس اسْتَحْيوا من الله فو الَّذِي [نَفسِي] بِيَدِهِ إِنِّي لأظل حِين أذهب إِلَى الْغَائِط فِي الفضاء مغطيا رَأْسِي استحياء من رَبِّي
وَقَالَ: حَدثنَا حَفْص بن غياث عَن الْحسن بن عبيد الله قَالَ: [برزت] إِلَى الْحمام، فرآني أَبُو صَادِق، فَقَالَ لي: مَعَك إزارا فإنني سَمِعت عَليّ بن أبي طَالب يَقُول: من كشف عَوْرَته أعرض عَنهُ الْملك.
وَقَالَ: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون [أخبرنَا] حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس عَن أبي مُوسَى قَالَ: إِنِّي لأغتسل فِي الْبَيْت المظلم، فأحني ظَهْري إِذا أخذت ثوبي حَيَاء من رَبِّي عز وَجل
стр. 28
وَقَالَ أَيْضا ﵁: مَا أَقمت صلبي فِي غسل مُنْذُ أسلمت.
وَهَذِه أَسَانِيد صَحِيحَة.
وَنَصّ الإِمَام أَحْمد ﵀ على كَرَاهَة دُخُول الْحمام بِغَيْر إِزَار.
وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، هُوَ بالإزار أفضل، لِأَن الْحسن وَالْحُسَيْن دخلا الْحمام وَعَلَيْهِمَا بردَان. فَقيل لَهما فِي ذَلِك فَقَالَا: إِن للحمام سكانا
(وَالْقَوْل الثَّانِي) : أَنه لَا يجب التستر فِي حَال الْخلْوَة، وحملوا هَذَا الحَدِيث على النّدب.
وَقد يسْتَأْنس لهَذَا القَوْل بقوله تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّهُم يثنون صُدُورهمْ ليستخفوا مِنْهُ أَلا حِين يستغشون ثِيَابهمْ يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور﴾ .
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄: نزلت هَذِه الْآيَة فِي أنَاس كَانُوا يستحيون أَن يتخلوا فيفضوا إِلَى السَّمَاء، وَأَن يجامعوا نِسَاءَهُمْ فيفضوا إِلَى السَّمَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ.
مَسْأَلَة: اخْتلف الْعلمَاء هَل يكره أَن يدْخل إِلَى الْحمام وَفِيه من لَيْسَ لَهُ إِزَار يستره
فروى الإِمَام الْحَافِظ ابْن أبي شيبَة: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين كَرَاهَة
стр. 29
ذَلِك لِئَلَّا يرى عَوْرَاتهمْ.
وَقَالَ سلمَان الْفَارِسِي ﵁: لِأَن أَمُوت ثمَّ أنشر ثمَّ أَمُوت ثمَّ أنشر ثمَّ أَمُوت، أحب إِلَيّ من أَن أرى عَورَة الرجل أَو يَرَاهَا مني
روى ذَلِك عَن وَكِيع عَن هِشَام بن الْغَاز عَن عبَادَة بن نسي عَن قيس بن الْحَارِث عَنهُ.
وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: رَأَيْت أَبَا جَعْفَر دخل الْحمام، وَعَلِيهِ إِزَار إِلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَفِيه أنَاس بِغَيْر أزر.
مَسْأَلَة هَل يسْتَحبّ أَن يسلم الدَّاخِل إِلَى الْحمام
فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنه يسلم كَسَائِر الْأَمَاكِن.
وَالثَّانِي: لَا يسلم، لِأَنَّهُ مَحل لَا يُرَاد لِلْعِبَادَةِ، فَلَا يسْتَحبّ فِيهِ السَّلَام كالحش.
وَالثَّالِث: أَنه يسلم على من هُوَ مستتر بمئزر، وَلَا يسلم على من هُوَ مَكْشُوف الْعَوْرَة.
стр. 30
وَهَذَا القَوْل هُوَ الَّذِي حَكَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵀ وَهُوَ أحْسنهَا.
(مَسْأَلَة) : وعورة الرجل قبله وَدبره بِاتِّفَاق الْعلمَاء، وَهل الْفَخْذ من الْعَوْرَة
فِيهِ أَقْوَال الْعلمَاء:
أَحدهَا: وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، وَمَالك، وَأبي حنيفَة، وَرِوَايَة عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه من الْعَوْرَة.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا [حُسَيْن] بن مُحَمَّد [حَدثنَا] ابْن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه عَن زرْعَة بن عبد الله بن جرهد عَن جرهد ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ مر على جرهد، وفخذ جرهد مكشوفة فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : غط فخذك فَإِن الْفَخْذ عَورَة. هَكَذَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل.
стр. 31
وَقد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: عَن الْحسن بن عَليّ عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أبي الزِّنَاد قَالَ: أَخْبرنِي ابْن جرهد وَلم يسمعهُ عَن أَبِيه: أَن النَّبِي ﷺ مر بِهِ فَذكر مَعْنَاهُ
وَقَالَ: حسن.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْحمام: حَدثنَا القعْنبِي عَن مَالك عَن أبي النَّضر عَن زرْعَة بن عبد الرَّحْمَن بن جرهد عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ جرهد من أَصْحَاب الصّفة، أَنه قَالَ: جلس رَسُول الله ﷺ عندنَا وفخدي منكشفة فَقَالَ: أما علمت أَن الْفَخْذ عَورَة
. وَهَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ فِي أَصله، وَإِن اخْتلف فِيهِ بعض الروَاة، وَقد دونه مَالك فِي موطئِهِ، وَمَالك لَا يروي إِلَّا الَّذِي لَهُ أصل فِي الْجُمْلَة. وَلِهَذَا علقه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، وَقَالَ: حَدِيث جرهد أحوط، وَحَدِيث أنس أسْند
стр. 32
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه. وَلَا نَعْرِف لجرهد سوى هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ جرهد بن رزاح بن عدي أَبُو عبد الرَّحْمَن الْأَسْلَمِيّ. وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من وُجُوه أخر:
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا [هشيم] [حَدثنَا] حَفْص بن ميسرَة عَن الْعَلَاء عَن أبي كثير مولى مُحَمَّد بن جحش [عَن مُحَمَّد ابْن جحش] ختن النَّبِي ﷺ عَن النَّبِي ﷺ أَنه مر على معمر وَهُوَ بِفنَاء الْمَسْجِد مُحْتَبِيًا، كاشفا عَن طرف فَخذه، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : خمر فخذك يَا معمر فَإِن الْفَخْذ عَورَة. انْفَرد بِهِ أَحْمد.
وَمُحَمّد بن جحش بن ربَاب أَبُو عبد الله الْأَسدي، ابْن أخي زَيْنَب بنت جحش أم الْمُؤمنِينَ زوج النَّبِي ﷺ ، لَهُ حديثان هَذَا أَحدهمَا، وَالْآخر رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث الْعَلَاء عَن أبي كثير عَنهُ فِي التَّشْدِيد فِي
стр. 33
الدّين. وَقد رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد عَن عبد الله بن عَبَّاس أَيْضا فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَابق [حَدثنَا] إِسْرَائِيل عَن أبي يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مر النَّبِي ﷺ على رجل وَفَخذه خَارِجَة فَقَالَ: غط فخذك، فَإِن فَخذ الرجل من عَوْرَته.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْفَخْذ لَيْسَ بِعَوْرَة، وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد، وَرِوَايَة عَن مَالك، وَوجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي، وَهُوَ اخْتِيَار الإِمَام أبي سعيد الْإِصْطَخْرِي، وَمذهب دَاوُد الظَّاهِرِيّ.
ويحتج لَهُ بِحَدِيث أنس ﵁ فِي غَزْوَة خَيْبَر حَيْثُ قَالَ فِيهِ: فَأجرى رَسُول الله ﷺ فِي زقاق خَيْبَر ثمَّ حسر الْإِزَار عَن فَخذه حَتَّى إِنِّي لأنظر إِلَى بَيَاض فَخذ نَبِي الله ﷺ وَذكر بَقِيَّة الحَدِيث
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم
وَفِي رِوَايَة لمُسلم: انحسر الْإِزَار عَن فَخذ نَبِي الله ﷺ .
стр. 34
قَالَ البُخَارِيّ: ويروى عَن ابْن عَبَّاس، وجرهد وَمُحَمّد بن جحش عَن النَّبِي ﷺ : الْفَخْذ عَورَة وَقَالَ أنس: حسر النَّبِي ﷺ عَن فَخذه وَحَدِيث أنس أسْند، وَحَدِيث جرهد أحوط حَتَّى يخرج من اخْتلَافهمْ. انْتهى كَلَامه
وَلَا شكّ فِيمَا قَالَه البُخَارِيّ ﵀ وَرَضي عَنهُ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْفَخْذ عَورَة فِي الْمَلأ، وَبَين الْجَمَاعَة وَأما مَعَ الرجل وَالرّجلَيْنِ فَلَا بَأْس بكشفهما
لحَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ النَّبِي ﷺ مُضْطَجعا فِي بَيته، كاشفا عَن فَخذيهِ أَو سَاقيه، فَاسْتَأْذن أَبُو بكر ﵁، فَأذن لَهُ وَهُوَ على تِلْكَ الْحَال، فَتحدث، ثمَّ اسْتَأْذن عمر ﵁، فَأذن لَهُ وَهُوَ كَذَلِك، فَتحدث، ثمَّ اسْتَأْذن عُثْمَان ﵁ فَجَلَسَ رَسُول الله ﷺ وَسوى ثِيَابه، فَدخل فَتحدث. فَلَمَّا خرج قَالَت عَائِشَة: دخل أَبُو بكر فَلم [تهش] لَهُ، وَلم تباله ثمَّ دخل عمر فَلم [تهش] لَهُ، وَلم تباله ثمَّ دخل عُثْمَان فَجَلَست، وسويت ثِيَابك فَقَالَ: أَلا أستحي من رجل تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة رَوَاهُ مُسلم.
стр. 35
وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فَقَالَ: كاشفا عَن فَخذه من غير شكّ. وروى أَيْضا: عَن حَفْصَة قَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم، فَوضع ثَوْبه بَين فَخذيهِ فجَاء أَبُو بكر يسْتَأْذن، فَأذن لَهُ وَهُوَ على هَيئته ... وَذكر نَحْو حَدِيث عَائِشَة فَلَمَّا اسْتَأْذن عُثْمَان، فتجلل بِثَوْبِهِ ثمَّ أذن لَهُ. فَقَالُوا: وَلِهَذَا أَمر جرهد الْأَسْلَمِيّ بتغطية فَخذه لما كَانَ فِي [مَلأ] من النَّاس. وَهَذَا الْمَذْهَب اخْتَارَهُ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة فِي كِتَابه مُشكل الحَدِيث، وَجمع بَين الْأَحَادِيث فِي ذَلِك بِهَذَا [الْجمع] وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ.
القَوْل الرَّابِع: أَن الْفَخْذ عَورَة فِي الْمَسْجِد، وَلَيْسَ بِعَوْرَة فِي الْحمام. وَهَذَا الْمَذْهَب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ: عَن أَحْمد بن المعلي الدِّمَشْقِي القَاضِي عَن هِشَام بن عمار عَن [إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن سَمَّاعَة] عَن أبي
стр. 36
عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ ﵀
وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَكَانَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي يصحح ذَلِك، ويرجحه، وَيعْمل بِهِ فِي الْخلْوَة من الْحمام ﵀
وَكَأَنَّهُ جمع بَين حَدِيث جرهد، وَغَيره، بِهَذَا الْوَجْه، وَالله أعلم. وَالَّذِي يظْهر وَالله أعلم أَن الْفَخْذ عَورَة، لحَدِيث جرهد، وَمُحَمّد ابْن جحش، وَابْن عَبَّاس وَلَكِن لَيست كالسوأتين، لحَدِيث أنس، وَعَائِشَة، وَحَفْصَة. وَحَاصِل ذَلِك أَن الْفَخْذ عَورَة مُخَفّفَة، وَالله أعلم.
(فرع) إِذا قيل بِأَن الْفَخْذ عَورَة، فَهَل تكون السُّرَّة وَالركبَة داخلتين فِي حكمه
فِيهِ أَرْبَعَة أوجه: أَحدهمَا: تدخلان، لِأَنَّهُمَا يكشفان الْعَوْرَة، فجعلناهما مِنْهَا، لِأَن حكم حَرِيم الشَّيْء كحكمه. وَلِحَدِيث أبي مُوسَى: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ قَاعِدا، فِي مَكَان فِيهِ مَاء، قد كشف عَن رُكْبَتَيْهِ أَو ركبته فَلَمَّا دخل عُثْمَان غطاها
وَالثَّانِي: تدخل السُّرَّة دون الرّكْبَة، لِأَن السُّرَّة أشبه بالفخذ من الرّكْبَة، لحَدِيث أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد النَّبِي
стр. 37
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا أقبل أَبُو بكر آخِذا بِطرف ثَوْبه، حَتَّى أبدى عَن ركبته. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أما صَاحبكُم فقد غامر. . وَذكر الحَدِيث
رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَالْحجّة فِيهِ، أَنه لم يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك
وَلنَا وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ، وَالنَّوَوِيّ: أَن الرّكْبَة تدخل دون السُّرَّة وَهُوَ غَرِيب جدا. وَالله أعلم
وَنَقله فِي الشَّامِل عَن أبي حنيفَة، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح رحمهمَا الله وَاحْتج لَهما بِمَا روى أَبُو الْجنُوب عقبَة بن عَلْقَمَة عَن عَليّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : الرّكْبَة من الْعَوْرَة
ثمَّ قَالَ: وَأَبُو الْجنُوب لَا تثبته أهل النَّقْل.
وَالرَّابِع لَا تدخلان. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح مذهبا ودليلا، وَهُوَ قَول مَالك ﵀، وَرِوَايَة عَن أَحْمد. لحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِذا زوج أحدكُم عَبده، أَو أمته، أَو أجيره، فَلَا ينظر إِلَى شَيْء من عَوْرَته، فَإِن مَا أَسْفَل من سرته إِلَى ركبته، من عَوْرَته.
стр. 38
رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه، وَأَبُو دَاوُد قَالَ: فَلَا ينظر إِلَى مَا دون السُّرَّة وَفَوق الرّكْبَة. ونسخة عَمْرو بن شُعَيْب، من حسان [الْأَحَادِيث] عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء إِذا صَحَّ الْإِسْنَاد إِلَيْهِ. وَقد اعتضد هَا هُنَا، بِحَدِيث أبي الدَّرْدَاء الْمُتَقَدّم، وَبِمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد عَن عُمَيْر بن إِسْحَاق قَالَ: كنت مَعَ الْحسن بن عَليّ ﵄، فلقيا أَبُو هُرَيْرَة، فَقَالَ لِلْحسنِ: أَرِنِي أقبل مِنْك حَيْثُ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقبل فَرفع قَمِيصه فَقبل سرته
стр. 39
فصل
وَمِمَّا ينْهَى عَنهُ نهيا شَدِيدا، الإغتسال وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ فَإِن هَذَا من فعل الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ من شَرِيعَة بني إِسْرَائِيل، فنسخ الله ذَلِك فِي هَذِه الْملَّة المحمدية. كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا ينظر الرجل إِلَى عَورَة الرجل، وَلَا الْمَرْأَة إِلَى عَورَة الْمَرْأَة. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا أسود بن عَامر [حَدثنَا] أَبُو بكر ابْن عَيَّاش عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلي بن أُميَّة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله حييّ ستير، فَإِذا أَرَادَ أحدكُم أَن يغْتَسل فليتوار بِشَيْء. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي خلف. وَالنَّسَائِيّ عَن أبي [بكر [بن إِسْحَاق.
стр. 40
كِلَاهُمَا عَن أسود بن عَامر
وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن يعلي أَن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا يغْتَسل بالبراز، فَصَعدَ الْمِنْبَر، [فَحَمدَ الله] ، وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن الله حييّ ستير، يحب الْحيَاء والستر، فَإِذا اغْتسل أحدكُم فليستتر. رَوَاهُ النَّسَائِيّ، هَكَذَا عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الْجوزجَاني عَن النُّفَيْلِي وَهُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن نفَيْل الْحَرَّانِي، أحد الْأَثْبَات. [لَكِن سقط من رِوَايَته ذكر صَفْوَان بن يعلي بن أُميَّة، وَالصَّوَاب إثْبَاته لِأَنَّهُ حَدِيث جيد فِي الْجُمْلَة يحْتَج بِهِ، وَالله أعلم] .
следующие страницы →