Полный текст (76 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ ﵀
وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَكَانَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي يصحح ذَلِك، ويرجحه، وَيعْمل بِهِ فِي الْخلْوَة من الْحمام ﵀
وَكَأَنَّهُ جمع بَين حَدِيث جرهد، وَغَيره، بِهَذَا الْوَجْه، وَالله أعلم. وَالَّذِي يظْهر وَالله أعلم أَن الْفَخْذ عَورَة، لحَدِيث جرهد، وَمُحَمّد ابْن جحش، وَابْن عَبَّاس وَلَكِن لَيست كالسوأتين، لحَدِيث أنس، وَعَائِشَة، وَحَفْصَة. وَحَاصِل ذَلِك أَن الْفَخْذ عَورَة مُخَفّفَة، وَالله أعلم.
(فرع) إِذا قيل بِأَن الْفَخْذ عَورَة، فَهَل تكون السُّرَّة وَالركبَة داخلتين فِي حكمه
فِيهِ أَرْبَعَة أوجه: أَحدهمَا: تدخلان، لِأَنَّهُمَا يكشفان الْعَوْرَة، فجعلناهما مِنْهَا، لِأَن حكم حَرِيم الشَّيْء كحكمه. وَلِحَدِيث أبي مُوسَى: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ قَاعِدا، فِي مَكَان فِيهِ مَاء، قد كشف عَن رُكْبَتَيْهِ أَو ركبته فَلَمَّا دخل عُثْمَان غطاها
وَالثَّانِي: تدخل السُّرَّة دون الرّكْبَة، لِأَن السُّرَّة أشبه بالفخذ من الرّكْبَة، لحَدِيث أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد النَّبِي
стр. 37
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا أقبل أَبُو بكر آخِذا بِطرف ثَوْبه، حَتَّى أبدى عَن ركبته. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أما صَاحبكُم فقد غامر. . وَذكر الحَدِيث
رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَالْحجّة فِيهِ، أَنه لم يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك
وَلنَا وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ، وَالنَّوَوِيّ: أَن الرّكْبَة تدخل دون السُّرَّة وَهُوَ غَرِيب جدا. وَالله أعلم
وَنَقله فِي الشَّامِل عَن أبي حنيفَة، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح رحمهمَا الله وَاحْتج لَهما بِمَا روى أَبُو الْجنُوب عقبَة بن عَلْقَمَة عَن عَليّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : الرّكْبَة من الْعَوْرَة
ثمَّ قَالَ: وَأَبُو الْجنُوب لَا تثبته أهل النَّقْل.
وَالرَّابِع لَا تدخلان. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح مذهبا ودليلا، وَهُوَ قَول مَالك ﵀، وَرِوَايَة عَن أَحْمد. لحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِذا زوج أحدكُم عَبده، أَو أمته، أَو أجيره، فَلَا ينظر إِلَى شَيْء من عَوْرَته، فَإِن مَا أَسْفَل من سرته إِلَى ركبته، من عَوْرَته.
стр. 38
رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه، وَأَبُو دَاوُد قَالَ: فَلَا ينظر إِلَى مَا دون السُّرَّة وَفَوق الرّكْبَة. ونسخة عَمْرو بن شُعَيْب، من حسان [الْأَحَادِيث] عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء إِذا صَحَّ الْإِسْنَاد إِلَيْهِ. وَقد اعتضد هَا هُنَا، بِحَدِيث أبي الدَّرْدَاء الْمُتَقَدّم، وَبِمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد عَن عُمَيْر بن إِسْحَاق قَالَ: كنت مَعَ الْحسن بن عَليّ ﵄، فلقيا أَبُو هُرَيْرَة، فَقَالَ لِلْحسنِ: أَرِنِي أقبل مِنْك حَيْثُ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقبل فَرفع قَمِيصه فَقبل سرته
стр. 39
فصل
وَمِمَّا ينْهَى عَنهُ نهيا شَدِيدا، الإغتسال وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ فَإِن هَذَا من فعل الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ من شَرِيعَة بني إِسْرَائِيل، فنسخ الله ذَلِك فِي هَذِه الْملَّة المحمدية. كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا ينظر الرجل إِلَى عَورَة الرجل، وَلَا الْمَرْأَة إِلَى عَورَة الْمَرْأَة. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا أسود بن عَامر [حَدثنَا] أَبُو بكر ابْن عَيَّاش عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلي بن أُميَّة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله حييّ ستير، فَإِذا أَرَادَ أحدكُم أَن يغْتَسل فليتوار بِشَيْء. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي خلف. وَالنَّسَائِيّ عَن أبي [بكر [بن إِسْحَاق.
стр. 40
كِلَاهُمَا عَن أسود بن عَامر
وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن يعلي أَن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا يغْتَسل بالبراز، فَصَعدَ الْمِنْبَر، [فَحَمدَ الله] ، وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن الله حييّ ستير، يحب الْحيَاء والستر، فَإِذا اغْتسل أحدكُم فليستتر. رَوَاهُ النَّسَائِيّ، هَكَذَا عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الْجوزجَاني عَن النُّفَيْلِي وَهُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن نفَيْل الْحَرَّانِي، أحد الْأَثْبَات. [لَكِن سقط من رِوَايَته ذكر صَفْوَان بن يعلي بن أُميَّة، وَالصَّوَاب إثْبَاته لِأَنَّهُ حَدِيث جيد فِي الْجُمْلَة يحْتَج بِهِ، وَالله أعلم] .
стр. 41
وَقَالَ الإِمَام مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الصَّلَاة: حَدثنَا إِسْحَاق يَعْنِي ابْن رَاهَوَيْه [أخبرنَا] عرْعرة بن البرند السَّامِي [حَدثنَا] زِيَاد بن الْجَصَّاص عَن زُرَارَة بن أوفى أَن رَسُول الله ﷺ رأى ثَلَاثَة يغتسلون من حَوْض عُرَاة
فَقَالَ: أما تستحيون الله أما تستحون من الْحفظَة الْكِرَام أما يستحي بَعْضكُم من بعض
وَقَالَ زُرَارَة أَيْضا: وَرَأى رَسُول الله ﷺ أَجِيرا لَهُ فِي غنم الصَّدَقَة قَائِما، عُريَانا فَقَالَ لَهُ: كم عملت لنا قَالَ: وَلم يَا رَسُول الله قَالَ: مَا أُرِيد أَن يَلِي لي عملا، من لَا يستحي من الله إِذا خلى. وَهَذَا حَدِيث مُرْسل، وزرارة بن أوفى قَاضِي الْبَصْرَة هُوَ تَابِعِيّ جليل.
стр. 42
فصل
فَإِن كَانَ الْغَرَض من دُخُول الْحمام الإغتسال من الْجَنَابَة بَادر إِلَى ذَلِك من غير أَن يوسوس فِي طَهَارَة المَاء
وَلَا يغْتَسل الجرن، وَمَا حوله بِمَاء كثير يسرف فِيهِ. فقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن إِضَاعَة المَال. [وَمن ذَلِك] : المَاء المسخن لَا سِيمَا فِي الشتَاء، فَإِنَّهُ مَال للحمامي، وَلَا يحل إضاعته فِي غير فَائِدَة
وَلَا يجب غسل الجرن، أَو الْحَوْض، إِلَّا أَن يرى فِيهِ نَجَاسَة مُحَققَة. وَأما بِمُجَرَّد الوسوسة، فَلَا يحل لَهُ التَّصَرُّف فِي مَال الحمامي بِغَيْر رِضَاهُ. وَلَا يشْتَرط فِي صِحَة الْغسْل أَن يفِيض الجرن، أَو الْحَوْض وَأَن لَا يمسهُ أحدا كَمَا قد يَفْعَله بعض من ينتسب إِلَى الْعلم فقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يتَوَضَّأ بِالْمدِّ، ويغتسل بالصاع إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد.
стр. 43
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة ﵂: أَنَّهَا كَانَت تَغْتَسِل هِيَ وَالنَّبِيّ ﷺ من إِنَاء وَاحِد يسع ثَلَاثَة أَمْدَاد أَو قَرِيبا من ذَلِك
وَالْمرَاد بِالْمدِّ هَا هُنَا: مد أهل الْحجاز، وَهُوَ رَطْل وَثلث بالبغدادي وَأكْثر مَا قيل فِي الرطل الْبَغْدَادِيّ أَنه وزن مائَة وَثَلَاثِينَ درهما وَفِي هَذَا كِفَايَة لِذَوي البصائر، الَّذين يقتدون بِأَفْعَال النَّبِي ﷺ ، وشمائله. وَلَا يُبَالغ فِي اسْتِعْمَال المَاء زِيَادَة على الْحَاجة، فقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله تَوَضَّأ مرّة مرّة
وَعَن جُبَير بن مطعم ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه ذكر عِنْده الْغسْل من الْجَنَابَة، فَقَالَ: أما أَنا، فأفيض عَليّ رَأْسِي ثَلَاثًا وَأَشَارَ بيدَيْهِ كلتيهما
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَهَذَا لَفظه
وَأما لفظ مُسلم: أما أَنا، فأفيض على رَأْسِي ثَلَاثَة أكف. و [زَاد] الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل: ثمَّ أفيض بعد على سَائِر جَسَدِي. وَقد ورد أَن الْإِسْرَاف فِي المَاء من الشَّيْطَان:
стр. 44
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا ﵀ فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب مَكَائِد الشَّيْطَان: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار [حَدثنَا] أَبُو دَاوُد حَدثنَا خَارِجَة بن مُصعب عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن عَن [عتي] بن ضَمرَة عَن أبي بن كَعْب ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: إِن [للْوُضُوء] شَيْطَانا يُقَال لَهُ الولهان. فَاتَّقُوا وساوس المَاء. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَابْن ماجة عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه. وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا بِسَنَدِهِ عَن الْحسن قَالَ: شَيْطَان الْوضُوء يدعى الولهان يضْحك بِالنَّاسِ فِي الْوضُوء
وَبِه عَن الثَّوْريّ قَالَ: بَلغنِي عَن طَاوس أَنه كَانَ يَقُول: هُوَ أَشد الشَّيَاطِين. وَقد روى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن ماجة عَن عبد الله بن
стр. 45
مُغفل يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: سَيكون فِي هَذِه الْأمة قوم يعتدون فِي الطّهُور وَالدُّعَاء
وروى أبوعبيد فِي كتاب الطّهُور: عَن هشيم وَمُحَمّد بن يزِيد عَن الْعَوام بن حَوْشَب [عَمَّن حَدثهُ] قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁: اقتصد فِي الْوضُوء، وَلَو كنت على شاطيء نهر وَعَن هشيم عَن حُصَيْن عَن هِلَال بن يسَاف قَالَ: كَانَ يُقَال إِن فِي كل شَيْء سَرفًا، حَتَّى [فِي] المَاء فَلَا تسرف، وَإِن كنت على شاطيء نهر وَعَن هشيم عَن الْعَوام عَن محَارب بن دثار قَالَ: كَانَ يُقَال: من وَهن علم الرجل: ولوعة بِالْمَاءِ فِي الطّهُور وَعَن هشيم عَن الْعَوام عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ قَالَ: كَانَ يُقَال: إِن أول مَا يبْدَأ الوسواس من قبل الطّهُور. وَعَن وَكِيع وَابْن أبي زَائِدَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: إِنِّي لأتوضأ بكوز الْحبّ مرَّتَيْنِ
стр. 46
قَالَ أَبُو عبيد: يَعْنِي [أَن يتَوَضَّأ بالكوز الْوَاحِد] وضوئين
وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا ﵏ فِي الْإِسْرَاف فِي الْوضُوء وَالْغسْل على وَجْهَيْن: الْجُمْهُور على كَرَاهَة ذَلِك. وَقَالَ الْبَغَوِيّ، وَالْمُتوَلِّيّ: هُوَ حرَام. وَالله أعلم. فَيَنْبَغِي أَن يتَجَنَّب الْإِسْرَاف فِي الْوضُوء وَالْغسْل. وَلَا سِيمَا فِي الْحمام فَإِن المَاء المسخن مَال، والتفريط فِيهِ خلاف الْمُعْتَاد، وَهُوَ تصرف فِي ملك الْغَيْر يَنْبَغِي الِاحْتِرَاز فِيهِ. وَإِن فضلت فضلَة عَن حَاجته، فَالْأولى ردهَا إِلَى الْحَوْض لينْتَفع النَّاس بهَا، وَذَلِكَ خير من إراقتها بِغَيْر انْتِفَاع وَقد قَالَ الإِمَام أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام ﵀ فِي كتاب الطّهُور: حَدثنَا أَبُو أَيُّوب الدِّمَشْقِي ونعيم بن حَمَّاد عَن بَقِيَّة بن الْوَلِيد حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم قَالَ أَبُو أَيُّوب: عَن شُرَيْح بن عبيد، وَقَالَ نعيم: عَن حبيب بن عبيد عَن أبي الدَّرْدَاء عَن رَسُول الله ﷺ أَنه مر بنهر فَنزل، وَأخذ قَعْبًا مَعَه، فملأه من المَاء، ثمَّ تنحي عَن النَّهر، ثمَّ
стр. 47
تَوَضَّأ من الْقَعْب، وَفضل من ذَلِك المَاء قَلِيل، فَرده إِلَى النَّهر وَقَالَ: يبلغهُ الله إنْسَانا، أَو دَابَّة، وأشباهه، يَنْفَعهُمْ الله بِهِ.
وَأحسن مَا رُوِيَ فِي صفة الْغسْل حَدِيث عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة، يبْدَأ فيغتسل يَدَيْهِ، ثمَّ يفرغ بِيَمِينِهِ على شِمَاله، فَيغسل فرجه، ثمَّ يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، ثمَّ يَأْخُذ المَاء فَيدْخل أَصَابِعه فِي أصُول الشّعْر، حَتَّى إِذا رأى أَنه [قد اسْتَبْرَأَ، حفن] على رَأسه ثَلَاث حفنات، ثمَّ أَفَاضَ على سَائِر جسده، ثمَّ غسل رجلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَمُسلم وَهَذَا لَفظه.
(مَسْأَلَة) فَإِن كَانَت امْرَأَة تَغْتَسِل، ورأسها مظفور، فَإِن وصل المَاء إِلَى بَاطِن الشّعْر من غير نَقصه فَلَا يلْزمهَا نَقصه
لما رَوَاهُ مُسلم عَن أم سَلمَة أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُول الله إِنِّي امْرَأَة أَشد ظفر رَأْسِي، أفأنقصه لغسل الْجَنَابَة فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تحثي على رَأسك ثَلَاث حثيات، ثمَّ تفيضي عَلَيْك المَاء فتطهرين.
стр. 48
وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق. أفأنقصه للحيضة والجنابة فَقَالَ لَا
وَيكرهُ أَن يتَوَضَّأ بعد الْغسْل إِن لم يحدث. لما روته عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَا يتَوَضَّأ بعد الْغسْل. رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن ماجة، وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. هَذَا أَن كَانَ إِنَّمَا يتَوَضَّأ على وَجه الوسوسة
أما إِن تَوَضَّأ نَاوِيا بذلك تَجْدِيد الْوضُوء، فَفِيهِ خلاف، هَل يسْتَحبّ تَجْدِيد الْوضُوء أم لَا فِيهِ خَمْسَة أوجه.
стр. 49
فصل
فِي الإطلاء بالنورة هَل يجوز أم لَا
أما الْمَرْأَة: فَيجوز لَهَا ذَلِك بِلَا نزاع، لِأَنَّهُ من بَاب الزِّينَة، وَهِي مأمورة بهَا للزَّوْج
وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عبد الله ابْن شَدَّاد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة وكشفت عَن سَاقيهَا﴾ فَإِذا الْمَرْأَة شعراء فَقَالَ سُلَيْمَان ﵇: مَا يزِيل هَذَا قَالُوا: النورة. قَالَ: فَجعلت النورة يَوْمئِذٍ. وَأما الرجل: فروى الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُصَنفه: عَن وَكِيع عَن مُحَمَّد بن قيس الْأَسدي عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: كَانَ عمر ﵁ رجلا أهلب يَعْنِي كثير الشّعْر، وَكَانَ يحلق عَنهُ الشّعْر، فَذكرت لَهُ النورة، فَقَالَ النورة من النَّعيم
وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ لَا يطلي
وَقَالَ أَيْضا: حَدثنَا حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة عَن هِشَام عَن الْحسن
стр. 50
الْبَصْرِيّ ﵀ قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر، لَا يطلون
وَهَذَا من مَرَاسِيل الْحسن، وَقد تكلم بَعضهم فِيهَا
وروى ابْن ماجة فِي سنَنه بِإِسْنَاد جيد وَعبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن الثَّوْريّ بِإِسْنَاد جيد
أَن رَسُول الله طلى بالنورة
يَعْنِي فِي غير الْحمام وروى ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَادِهِ عَن حبيب: أَن عَطاء، وَطَاوُس، ومجاهدا، دخلُوا الْحمام فأطلوا فِيهِ.
стр. 51
فصل
وَإِن اغْتسل بالسدر، والخطمي وَنَحْوهمَا، فِي الْغسْل، اسْتحبَّ لَهُ أَن يعم جَمِيع رَأسه وبدنه، وَأَن يُعْطي كل عُضْو حَقه من التدلك، وَالْغسْل.
فَإِنَّهُ قد جَاءَت السّنة بالتسوية بَين الْأَعْضَاء، كَمَا فِي من انْقَطَعت إِحْدَى نَعْلَيْه أَن [لَا] يمشي فِي النَّعْل الآخر
قَالَ رَسُول الله ﷺ : لينتعلهما جَمِيعًا، أَو ليحفهما جَمِيعًا.
وَقد كره بعض الْفُقَهَاء أَن يغسل بعض أَعْضَائِهِ فِي الْوضُوء أَكثر من بعض.
مِثَاله: أَن يغسل إِحْدَى يَدَيْهِ، أَو رجلَيْهِ ثَلَاثًا، وَالْأُخْرَى غسلتين، بل يُسَوِّي بَينهمَا
وَقد اسْتدلَّ بَعضهم فِي ذَلِك بقوله ﵊: وَإِن لجسدك عَلَيْك حَقًا، فأت كل ذِي حق حَقه. وَالله أعلم.
وَالْأولَى أَن يبْدَأ بِغسْل أَعْضَائِهِ الأيامن.
وَأَن يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ، لِأَنَّهُ أبعد عَن الْكبر، إِلَّا أَن يضعف عَن ذَلِك. وَيجب أَن يتَوَلَّى هُوَ غسل عَوْرَته، وَيحرم عَلَيْهِ أَن يتَوَلَّى ذَلِك أَجْنَبِي، كَمَا قد يَفْعَله بعض السُّفَهَاء وَمن لَيْسَ لَهُ حَيَاء من الله فَيمكن الْقيم من غسل عَوْرَته
стр. 52
فَإِن ذَلِك لَا يجوز، وَيحرم عَلَيْهِ ذَلِك.
وَيسْتَحب أَن يتَوَلَّى غسلهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى، لقَوْل عَائِشَة ﵂: كَانَت يَمِين رَسُول الله ﷺ لطعامه وَشَرَابه وَطهُوره، وشماله لما سوى ذَلِك.
وَجَرت الْعَادة بِأَن الْقيام يدلكون النَّاس بِأَيْدِيهِم، وَيخرجُونَ الْوَسخ بِأَيْدِيهِم وأكفهم.
وَلَا بَأْس بذلك إِذا لم يمس الْعَوْرَة، فَإِن ذَلِك لَا يجوز.
والتكبيس لَا بَأْس بِهِ أَيْضا، لِأَن فِيهِ مصلحَة للجسد، فقد روى الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن زِيَاد أخبرنَا خَالِد بن خِدَاش بن عجلَان عَن عبد الله بن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن جده عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: دخلت على النَّبِي ﷺ فَإِذا غُلَام أسود يغمز ظَهره أَي يكبس ظَهره، فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِن النَّاقة اقتحمت بِي
ثمَّ قَالَ: [وَهَذَا الحَدِيث لَا يرْوى عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا عَن عمر عَنهُ، وَلم يروه عَن عمر إِلَّا أسلم] وَرَوَاهُ عَن زيد هِشَام بن سعد، [وَعبد الله بن زيد] .
стр. 53
فصل
وَإِن أدْركهُ وَقت الصَّلَاة فِي الْحمام:
فَالْأولى أَن يخرج إِلَى الْمَسْجِد، ثمَّ يعود إِلَى الْحمام إِن كَانَ قد بَقِي لَهُ فِيهِ تعلق.
فَإِن فِي الصَّلَاة فِي الْحمام خلافًا بَين الْعلمَاء:
فَمنهمْ من ذهب إِلَى صِحَّتهَا مَعَ الْكَرَاهَة.
إِمَّا لِأَنَّهَا مَحل النَّجَاسَات، وَقد يترشش الْمُصَلِّي بِنَجَاسَة وَهُوَ لَا يشْعر وَإِمَّا لِأَنَّهَا مأوى الشَّيَاطِين أَو لمجموع الْأَمريْنِ.
وعَلى هَذَا فَظَاهر الْحمام أسهل من دَاخله.
وَهَذَا قَول جُمْهُور الْعلمَاء.
وَمِنْهُم من قَالَ: إِن ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْت صلى فِيهِ وَإِلَّا فَلَا، لِأَن مُرَاعَاة الْوَقْت أولى من مُرَاعَاة الْمَكَان.
وَمِنْهُم من ذهب إِلَى أَنَّهَا لَا تصح مُطلقًا، وَهُوَ الْمَشْهُور فِي مَذْهَب الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵀.
واعتمدوا فِي ذَلِك على أَحَادِيث وَردت فِي النَّهْي عَن ذَلِك:
(أَحدهَا) حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ وَله طرق جَيِّدَة. قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ فِي مُسْنده:
стр. 54
حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْملك الْحَرَّانِي [حَدثنَا] مُحَمَّد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن عمر بن يحيى [بن] عمَارَة عَن أَبِيه عَن أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : كل الأَرْض مَسْجِد وطهور، إِلَّا الْمقْبرَة وَالْحمام.
وَقَالَ أَحْمد أَيْضا:
حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة الْغلابِي وَهُوَ غَسَّان بن [الْمفضل] الْبَصْرِيّ حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : الأَرْض كلهَا مَسْجِد إِلَّا الْحمام والمقبرة.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد: عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد [ (ح) و] عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة كِلَاهُمَا: عَن عَمْرو بن يحيى
стр. 55
عَن أَبِيه عَن أبي سعيد بِهِ.
وَرَوَاهُ عَليّ بن عبد الْعَزِيز فِي مُسْنده: عَن حجاج بن منهال عَن حَمَّاد بن سَلمَة مُسْندًا من غير شكّ.
وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار: عَن أبي كَامِل الجحدري عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد بِهِ.
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن أبي بكر بن خُزَيْمَة عَن بشر بن معَاذ عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد بِهِ.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه: عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن يزِيد بن هَارُون عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَحَمَّاد بن سَلمَة كِلَاهُمَا: عَن عَمْرو بن يحيى بِهِ مُسْندًا.
стр. 56
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بكر الشَّافِعِي من حَدِيث الثَّوْريّ مُتَّصِلا.
وَأما التِّرْمِذِيّ فروى هَذَا الحَدِيث: عَن ابْن أبي عمر وَأبي عمار الْمروزِي [كِلَاهُمَا عَن الدَّرَاورْدِي رِوَايَتَيْنِ: مِنْهُم من ذكره عَن أبي سعيد، وَمِنْهُم من لم يذكرهُ] [وروى سُفْيَان الثَّوْريّ وَحَمَّاد بن سَلمَة عَن
стр. 57
عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ مُرْسل] .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب الْعِلَل: رَوَاهُ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، والدراوردي وَمُحَمّد بن إِسْحَاق عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن أبي سعيد مُتَّصِلا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو نعيم عَن الثَّوْريّ عَن عَمْرو بن يحى عَن أَبِيه عَن أبي سعيد، وَتَابعه سعيد بن سَالم القداح وَيحيى ابْن آدم عَن أَبِيه الثَّوْريّ فوصلوه وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه مُرْسلا، والمرسل هُوَ الْمَحْفُوظ.
[فَهَذَا ملخص] طرقه وَعلله. وَحَاصِله أَنه قد اخْتلف فِي وَصله وإرساله، فوصله ثِقَات، وأرسله آخَرُونَ وعَلى طَريقَة كثير من الْفُقَهَاء يجب الحكم بِهِ، وَهُوَ اخْتِيَار شَيخنَا الْحَافِظ أبي الْحجَّاج الْمزي، بعد أَن سَأَلته عَنهُ، وَعرضت عَلَيْهِ طرقه
стр. 58
وَعلله، فصمم عَليّ بِصِحَّتِهِ.
وَأما طوائف من أهل الحَدِيث فيحكمون بإرساله، إِلَّا أَنه من أحْسنهَا. وَالْغَرَض مِنْهُ أَنه أخرج الْمقْبرَة، وَالْحمام، من أَن يَكُونَا كَحكم سَائِر الأَرْض فِي كَونهَا جعلت مَسْجِدا وَطهُورًا لهَذِهِ الْأمة
وَالْمرَاد من كَون الأَرْض مَسْجِدا: أَنَّهَا جعلت محلا للصَّلَاة
فَإِن من كَانَ قبلنَا لم تكن تُبَاح لَهُم الصَّلَاة إِلَّا فِي كنائسهم فَقَط فَجعل الله سَائِر الأَرْض لهَذِهِ [الْأمة] مَسْجِدا
وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث باستثناء الْمقْبرَة وَالْحمام مِنْهَا، فَظهر أَنَّهُمَا ليستا محلا للصَّلَاة. وَالله أعلم.
وَقد جَاءَت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، تَتَضَمَّن النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْمقْبرَة، فَهِيَ كالشاهد لصِحَّة هَذَا الحَدِيث، وَالله أعلم
وَالْغَرَض أَن الْحمام هُوَ بَيت الشَّيَاطِين، ومأواهم، وَلَا شكّ فِي كَرَاهَة الصَّلَاة فِي مثل ذَلِك، لما جَاءَ فِي الحَدِيث: أَنهم لما نَامُوا عَن صَلَاة الصُّبْح، فِي ذَلِك الْوَادي حَتَّى طلعت الشَّمْس، فَأَمرهمْ النَّبِي ﷺ أَن يقتادوا رواحلهم حَتَّى جاوزوه، وَقَالَ: إِن هَذَا مَوضِع حَضَرنَا فِيهِ
стр. 59
الشَّيَاطِين
فَلم يصل فِيهِ ﵊، وَعلل بِهَذِهِ الْعلَّة، وَأمرهمْ أَن لَا يصلوا فِي ذَلِك الْموضع الَّذِي [مر أَو حضر] فِيهِ الشَّيْطَان. فَمَا ظَنك بِمَا هُوَ منزل للشياطين قَالُوا: وَهَذَا كَمَا ورد فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنه ﵊ نهى عَن الصَّلَاة فِي أعطان الْإِبِل. وَقد ورد ذَلِك من حَدِيث جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم جَابر بن سَمُرَة وَعمر بن الْخطاب، وَعقبَة بن عَامر، وَعبد الله بن الْمُغَفَّل، والبراء ابْن عَازِب، وسبرة بن معبد، وَابْن عمر، وَأسيد بن [الْحضير] ، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَذُو الْغرَّة ﵃ أَجْمَعِينَ. وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَنَّهَا خلقت من الْجِنّ كَمَا قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ فِي مُسْنده:
стр. 60
حَدثنَا وَكِيع عَن أبي سُفْيَان بن الْعَلَاء وَهُوَ أَخُو أبي عَمْرو بن الْعَلَاء عَن الْحسن عَن عبد الله بن مُغفل ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا حضرت الصَّلَاة وَأَنْتُم فِي مرابض الْغنم فصلوا، وَإِذا حضرت وَأَنْتُم فِي أعطان الْإِبِل فَلَا [تصلوا] ، فَإِنَّهَا خلقت من الشَّيَاطِين. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ: عَن [الفلاس] عَن يحيى الْقطَّان عَن أَشْعَث ابْن عبد الْملك. وَابْن ماجة: عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن هشيم عَن يُونُس ابْن عبيد. كليهمَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن عبد الله بن مُغفل بِهِ. وَلَفظ ابْن ماجة: صلوا فِي مرابض الْغنم، وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل، فَإِنَّهَا خلقت من الشَّيَاطِين. وَقَالَ أَحْمد:
стр. 61
حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا الْأَعْمَش عَن عبد الله بن عبد الله هُوَ الرَّازِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل، فَقَالَ: لَا تصلوا فِيهَا فَإِنَّهَا من الشَّيَاطِين
هَذَا إِسْنَاد صَحِيح.
وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن ماجة من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة بِهِ نَحوه
وَمن هَذَا الْقَبِيل الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيقين:
من حَدِيث أبي صَالح الْغِفَارِيّ أَن عليا ﵁ مر بِبَابِل وَهُوَ يسير، فَجَاءَهُ الْمُؤَذّن يُؤذنهُ بِصَلَاة الْعَصْر، فَلَمَّا مر عَنْهَا، أَمر الْمُؤَذّن فَأَقَامَ الصَّلَاة، فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة قَالَ: إِن حَبِيبِي نهاني أَن أُصَلِّي فِي الْمقْبرَة، ونهاني أَن أُصَلِّي فِي أَرض بابل، فَإِنَّهَا ملعونة.
فَهَذِهِ أَدِلَّة من منع الصَّلَاة فِي الْحمام، وَأوجب أَن تفعل فِي غَيره، وَالْأولَى الْخُرُوج من اخْتِلَاف الْعلمَاء، مَا أمكن، وَالله الْمُوفق للصَّوَاب.
стр. 62
(مَسْأَلَة) إِذا صلى فِي الْحمام ستر عَوْرَته، وَوضع على مَنْكِبَيْه شَيْئا، كمنديل، أَو مئزر، أَو منشفة، وَنَحْو ذَلِك.
وَيكرهُ أَن يُصَلِّي ومنكباه مكشوفتان، عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء.
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: يحرم، وَلَا تصح الصَّلَاة حَتَّى يفعل ذَلِك. لما رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَا يصلين أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد، وَلَيْسَ على عَاتِقه مِنْهُ شَيْء.
وَلمُسلم: لَيْسَ على عَاتِقيهِ.
стр. 63
فصل
وَيَنْبَغِي أَن يُعَامل النَّاس فِي الْحمام بالرفق، والمروة، وإعانة الضَّعِيف، وَالشَّيْخ الْكَبِير
فقد جَاءَ فِي الحَدِيث: من لم يرحم صَغِيرنَا، وَيعرف حق كَبِيرنَا، فَلَيْسَ منا. وَإِن اعتزل النَّاس وَجلسَ فِي خلْوَة وحدة، فَهُوَ أولى، لِئَلَّا يرى شَيْئا من الْمُنْكَرَات، الَّتِي قد لَا يَسْتَطِيع إِزَالَتهَا. وَيكرهُ كَثْرَة الْمكْث فِي الْحمام فَوق الْحَاجة، لِأَنَّهُ موطن يحضرهُ الشَّيَاطِين، وَيكثر فِيهِ اللَّغط، وكشف العورات، وَفِيه مضرَّة طبيعية، وَالله أعلم
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ حق على كل مُسلم أَن يغْتَسل فِي كل سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا، فَيغسل فِيهِ رَأسه وَجَسَده. مُتَّفق عَلَيْهِ.
مَسْأَلَة وَجَرت عَادَة النَّاس بالإستحمام فِي آخر الْحمام عِنْد الْخُرُوج، وَهُوَ نوع من التَّدَاوِي فَيجوز مَا جرت بِهِ الْعَادة، من غبر إِسْرَاف.
стр. 64
وَيَنْبَغِي أَن لَا يزِيد على سبع طاسات، لِأَنَّهَا مَظَنَّة الشِّفَاء.
كَمَا فِي الحَدِيث: صبوا عَليّ، من سبع قرب، لم تحلل أوكيتهن.
وَقَالَ: من تصبح بِسبع تمرات من تمر الْمَدِينَة، لم يضرّهُ ذَلِك الْيَوْم سم وَلَا سحر.
وَقد نَص جمَاعَة من الْأَطِبَّاء مِنْهُم مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ: أَن من كَانَت بِهِ نزلة، فصب على رَأسه سبع مَرَّات مَاء حارا معتدلا، فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ الشِّفَاء. وَالله أعلم.
وَجَرت الْعَادة بِأَن الْقيم يمسك بيدَيْهِ المئزر، وَيسْتر بِهِ الَّذِي يغْتَسل، فَإِن حصل بذلك ستر مَا بَين الْحَاضِرين، من غير أَن ينظر الَّذِي يمسك الستْرَة، إِلَى عَورَة الَّذِي يغْتَسل فَلَا بَأْس بذلك.
فقد ثَبت فِي الصَّحِيح: أَن رَسُول الله ﷺ اغْتسل يَوْم الْفَتْح، وَفَاطِمَة تستره بِثَوْب ﵂.
وَقد روى أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن يحيى بن الْوَلِيد عَن مَحل بن خَليفَة قَالَ: حَدثنِي أَبُو السَّمْح قَالَ: كنت أخدم النَّبِي ﷺ وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يغْتَسل قَالَ:
стр. 65
ولني قفاك قَالَ: فأوليته قفاي أستره. الحَدِيث
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد:
حَدثنَا حجاج حَدثنَا شريك عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَمر عليا فَوضع لَهُ غسلا، ثمَّ أعطَاهُ ثوبا، وَقَالَ: استرني وولني ظهرك. وَهَذَا إِسْنَاد جيد، وَهُوَ فِي شَيْء من الْكتب السِّتَّة من هَذَا الْوَجْه. وَالله أعلم.
стр. 66
فصل
وَقد اسْتحبَّ بعض الْعلمَاء الِاغْتِسَال من دُخُول الْحمام.
فَمِمَّنْ نَص على اسْتِحْبَابه الْمحَامِلِي، من أَصْحَابنَا فِي كتاب لباب الْفِقْه.
وروى ذَلِك عَن طَائِفَة من السّلف.
قَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم أَن عليا كَانَ لَا يغْتَسل إِذا خرج من الْحمام.
قَالَ عبد الرَّزَّاق: وَكَانَ معمر يَفْعَله.
وَقَالَ أَيْضا: أخبرنَا معمر عَن إِسْرَائِيل عَن أَبِيه عَن مُجَاهِد أَن عليا قَالَ الطهارات سِتّ: من الْجَنَابَة، وَمن الْحمام، وَمن غسل الْمَيِّت، وَمن الْحجامَة، وَغسل الْجُمُعَة، وَغسل الْعِيدَيْنِ.
стр. 67
وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: إِنِّي لأحب أَن أَغْتَسِل من خمس: من الْحجامَة، وَالْحمام، والجنابة، وَمن غسل الْمَيِّت، وَيَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: فَذكرت ذَلِك لإِبْرَاهِيم فَقَالَ: مَا كَانُوا يرَوْنَ غسلا وَاجِبا، إِلَّا غسل الْجَنَابَة وَكَانُوا يستحبون غسل الْجُمُعَة.
قلت: وَكَأن من رأى الْغسْل من الْحمام، أَن علته عِنْده أَن مَاء الْحمام يسخن بالنجاسات غَالِبا، وَأَنه من الْحَمِيم، وَقد أَمر بِالْوضُوءِ مِمَّا مست النَّار
وَهُوَ مَذْهَب غَرِيب فِي الْجُمْلَة.
وَقَول الْجُمْهُور من الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف على خِلَافه، وَكَانَ الشّعبِيّ ﵀ يُنكر قَول من يرى الْغسْل من ذَلِك، وَيَقُول: فَلَمَّا أدخلهُ إِذا
وَرُوِيَ عَنهُ مَا هُوَ أبلغ من ذَلِك
قَالَ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر بن أبي شيبَة ﵀:
حَدثنَا هشيم عَن سيار قَالَ: رَأَيْت الشّعبِيّ خرج من الْحمام، فَجعل يَخُوض فِي مَاء الْحمام، وَلم يغسل قَدَمَيْهِ قَالَ: فَقلت لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: إِنِّي رجل ينظر إِلَيّ
стр. 68
فصل
وَجَرت الْعَادة بالتنشف من الْحمام.
وَقد اخْتلف الْأَصْحَاب ﵏ فِي كَرَاهَة التنشف بعد الْوضُوء وَالْغسْل على ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن ذَلِك يكره، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عمر، وَابْن أبي ليلى، لِأَن فِيهِ تبريا من الْعِبَادَة.
وَقد جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَن مَيْمُونَة بنت الْحَارِث أَتَت النَّبِي ﷺ بِخرقَة بعد الْغسْل فَلم يردهَا وَجعل ينفض المَاء بِيَدِهِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا أ [وعوانة عَن الْأَعْمَش عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة أَن رَسُول الله ﷺ اغْتسل عِنْدهَا فَأَتَتْهُ بمنديل فَرمى بِهِ قَالَ الْأَعْمَش: فَذَكرته يَعْنِي الحَدِيث لإِبْرَاهِيم فَقَالَ: الحَدِيث هَكَذَا وَلَا بَأْس بِالْمَسْحِ بالمنديل وَإِنَّمَا هُوَ عَادَة.
الثَّانِي: أَن ذَلِك لَا يكره مُطلقًا وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالثَّوْري، وَلَعَلَّ رد الْخِرْقَة لسَبَب خَاص، أَو أَنه أَرَادَ بَقَاء المَاء على جِسْمه.
стр. 69
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِحَسب ذَلِك الْوَقْت، وَلَعَلَّه كَانَ حرا وَنَحْوه وَالله أعلم.
الثَّالِث: وَهُوَ يحْكى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن ذَلِك يجوز فِي الْغسْل دون الْوضُوء، لِأَن مَاء الْغسْل قد يضر لكثرته، بِخِلَاف مَاء الْوضُوء. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث: أَنه ﵇ تنشف بعد الْغسْل.
مِنْهَا: حَدِيث أم هَانِئ قَالَت: لما كَانَ يَوْم الْفَتْح، فَذكرت الحَدِيث إِلَى أَن قَالَت: فَقَامَ إِلَى غسله وسترته ابْنَته فَاطِمَة، ثمَّ أَخذ ثَوْبه فالتحف بِهِ، ثمَّ صلى ثَمَان رَكْعَات سبْحَة الضُّحَى - رَوَاهُ مُسلم.
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد ﵀:
حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ سَمِعت يحيى بن أبي كثير يَقُول: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أسعد بن زُرَارَة عَن قيس بن سعد بن عبَادَة قَالَ: زارنا رَسُول الله ﷺ فِي منزلنا فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فَأمر لَهُ سعد بِغسْل، فَوضع فاغتسل، ثمَّ نَاوَلَهُ أَو قَالَ: ناولوه ملحفة مصبوغة بزعفران وَوَرس، فَاشْتَمَلَ بهَا ثمَّ رفع رَسُول الله ﷺ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبَادَة ... وَذكر تَمام الحَدِيث.
وَهَذَا إِسْنَاد جيد، رِجَاله ثِقَات.
стр. 70
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ.
لَكِن قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ عمر بن عبد الْعَزِيز وَابْن سَمَّاعَة عَن الْأَوْزَاعِيّ مُرْسلا، وَلم يذكر قيس بن سعد.
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث شُعَيْب بن إِسْحَاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أسعد بن زُرَارَة قَالَ: زار النَّبِي ﷺ سعد بن عبَادَة ... فَذكر مُرْسلا.
وَرَوَاهُ أَيْضا فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة: من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن أبي ليلى عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل أبي ميسرَة عَن قيس بن سعد قَالَ: أَتَانَا رَسُول الله ﷺ فَوَضَعْنَا لَهُ المَاء، فاغتسل ثمَّ أتيناه بملحفة ورسية فَاشْتَمَلَ بهَا، فكأننا نَنْظُر إِلَى أثر الورس على عكنة - جنبه -.
стр. 71
فصل
وَقد رخص قوم من الصَّحَابَة ﵃ وَمن بعدهمْ فِي التمندل بعد الْوضُوء.
وَمن كرهه إِنَّمَا كرهه من قبل أَن الْوضُوء يُوزن.
وَرُوِيَ ذَلِك عَن سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ، ثمَّ رَوَاهُ بِسَنَد جيد عَن الزُّهْرِيّ. وَالله أعلم.
وَأما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ ﵀ حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا نصر بن أبي النَّصْر الطوسي حَدثنَا عُثْمَان بن أَحْمد الدقاق حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الحنكي حَدثنَا أَبُو نصر أَحْمد بن مُحَمَّد حَدثنَا مُوسَى بن إِبْرَاهِيم عَن إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى عَن صَالح مولى التَّوْأَمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ ﷺ : غسل الْقَدَمَيْنِ بِالْمَاءِ الْبَارِد بعد الْخُرُوج من الْحمام أَمَان من الصداع.
стр. 72
فَهُوَ حَدِيث مَوْضُوع، وَإِنَّمَا ذَكرْنَاهُ ليعرف أمره، وَلَا يغتر بِهِ
وَالْمُتَّهَم بِهِ الرَّاوِي عَن إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى، أَو الرَّاوِي عَنهُ فَإِنَّهُمَا مَجْهُولَانِ.
وَأما إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى، وَشَيْخه صَالح مولى التَّوْأَمَة فضعيفان عِنْد أهل الحَدِيث. وَالله أعلم.
стр. 73
فصل
فَإِذا خرج من دخل الْحمام وفى الحمامي حَقه، كَمَا جرت بِهِ الْعَادة من غير نُقْصَان. فالعادة كالشرط فِي ذَلِك وَيكرم قيمه.
وبادر فِي إِعْطَائِهِ أجرته، للْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ بن مَاجَه: عَن ابْن عمر مَرْفُوعا فِي قَوْله: أعْطوا الْأَجِير أجرته قبل أَن يجِف عرقه.
وَلَكِن فِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم وَهُوَ ضَعِيف.
إِلَّا أَن لهَذَا الحَدِيث شَوَاهِد من وُجُوه.
(مَسْأَلَة) وَالْأُجْرَة الْمَأْخُوذَة فِي الْحمام، عَمَّا هِيَ فِيهِ خلاف بَين الْأَصْحَاب ﵏، يرجع حَاصله إِلَى ثَلَاثَة أوجه. أَصَحهَا أَنَّهَا فِي مُقَابلَة: المَاء وَاسْتِعْمَال الأصطال، وسكنى الْمَكَان وَحفظ الثِّيَاب. واغتفر فِي هَذَا الْبَاب، مَا لم يغْتَفر فِي غَيره لِأَن مِنْهُ مَا لَيْسَ بمقدر: كَالْمَاءِ، وَمِقْدَار الْإِقَامَة، والمتبع فِي ذَلِك عرف النَّاس، وتسامحهم بِمثل ذَلِك، لِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ ويعسر ضَبطه على النَّاس. وَالله أعلم.
وَقد حُكيَ عَن بعض المتقشفين، أَنه كَانَ يشارط الحمامي، على قدر مَا
стр. 74
يَسْتَعْمِلهُ من المَاء
وَلَا يحْتَاج الْأَمر إِلَى ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى، لِأَن فَاعله يعد مستهجنا وَكَانَ يلْزمه أَن يجلس فِي الْحمام بالمنكام، لينضبط لَهُ مِقْدَار الزَّمَان.
وَلم يَجْعَل الله علينا فِي الدّين من حرج.
بل أَمْوَال الْيَتَامَى الَّتِي من تعمد أكلهَا، أطْعم يَوْم الْقِيَامَة نَارا قد أَبَاحَ الله تَعَالَى شركتهم، فِي أطعمتهم من غير تَقْدِير بل بِمَا جرت بِهِ الْعَادة، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح وَلَو شَاءَ الله لأعنتكم إِن الله عَزِيز حَكِيم﴾ .
стр. 75
فصل
وَيسْتَحب إِذا خرج من الْحمام، أَن يَقُول: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين.
كَمَا يسْتَحبّ أَن يَقُول ذَلِك بعد فرَاغ الْوضُوء - لما ذَكرْنَاهُ ثمَّ فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك السَّابِقَة -.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يكثر من التَّحْمِيد وَالشُّكْر وَالْعِبَادَة يَوْمه ذَلِك لتجدد هَذِه الرَّاحَة وَالنعْمَة عِنْده.
وَقد كَانَ كثير من السّلف إِذا تَجَدَّدَتْ لَهُ نعْمَة أَكثر من الْعَمَل شكرا لذَلِك
وَقد ورد فِي الحَدِيث: إِن الله ليرضى عَن العَبْد أَن يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا، وَيشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا.
وَجَاء فِي قَوْله تَعَالَى عَن نوح ﵇: ﴿إِنَّه كَانَ عبدا شكُورًا﴾ أَنه كَانَ يحمد الله عِنْد طَعَامه وَشَرَابه.
وروى الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمته عَن روح بن زنباع الجذامي الدِّمَشْقِي أحد أمرائها وكبرائها وعلمائها وعقلائها، فِي زمَان بني أُميَّة، وَكَانَ مكينا عِنْدهم مُعظما لديهم، وَمن طَرِيق عَبَّاس الدوري عَن
следующие страницы →