Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَهُوَ حسبي وَعَلِيهِ أتوكل
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم القَاضِي صدر الدّين عَليّ بن الْعِزّ الْحَنَفِيّ ﵀
أما بعد فَإِنِّي وقفت على رِسَالَة لبَعض الْحَنَفِيَّة رجح فِيهَا تَقْلِيد مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ وحض على ذَلِك وَوجدت فِيهَا مَوَاضِع مشكلة فَأَحْبَبْت أَن أنبه عَلَيْهَا خوفًا من التَّفَرُّق الْمنْهِي عَنهُ وَاتِّبَاع الْهوى المردي امتثالا لقَوْله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ آل عمرَان ١٠٣ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء﴾ الْأَنْعَام ١٥٩ وَقَوله تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ الشورى ١٣ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ الْمُؤْمِنُونَ ٥٣ زبرا أَي كتبا وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا تفَرقُوا إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم﴾ الشورى ١٤ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾
стр. 2
الْآيَة (ص ٢٦) وَلقَوْل النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ (فَإِنَّهُ من يَعش بعدِي فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة) رَوَاهُ ابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وأمثال ذَلِك فِي الْكتاب وَالسّنة كَثِيرَة فِي النَّهْي عَن التَّفَرُّق وَاتِّبَاع الْهوى
أَقُول هَذَا وأعتقد أَن أَبَا حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِمَام جليل من كبار أَئِمَّة الْمُسلمين ﵃ أَجْمَعِينَ
مِنْهَا قَوْله فِي أول الْخطْبَة م: الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا إِلَى اتِّبَاع الْملَّة الحنيفية وأرشدنا إِلَى سلوك طَريقَة الْعلمَاء الْحَنَفِيَّة
ش: فَإِنَّهُ إِن كَانَ يُرِيد بطريقة الْعلمَاء الْحَنَفِيَّة اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس الصَّحِيح فَلَيْسَ ذَلِك مُخْتَصًّا بالعلماء الْحَنَفِيَّة بل سَائِر عُلَمَاء الْمُسلمين على هَذِه الطَّرِيقَة وَإِنَّمَا خَالف فِي اعْتِبَار الْقيَاس أهل الظَّاهِر وَإِن كَانَ يُرِيد بذلك تقليدهم للْإِمَام أبي حنيفَة فَفِيهِ تَفْصِيل فَإِن من قلد إِمَامًا معينا فِيمَا وَقع لَهُ وَلم يتَبَيَّن لَهُ فِيهِ الدَّلِيل فَذَلِك سَائِغ بل وَاجِب
стр. 3
عَلَيْهِ عِنْد الضَّرُورَة إِذا وَقعت لَهُ كائنة لَا يعلم حكم الله فِيهَا وبلغه قَوْله فِيهَا وَلم يعلم لَهُ فِيهَا مُخَالفا وَإِن قَلّدهُ فِيمَا تبين لَهُ فِيهِ الدَّلِيل مُوَافق لَهُ فَلَيْسَ ذَلِك بتقليد لَهُ بل يكون فِي ذَلِك مُتبعا للدليل إِلَّا أَن يَنْوِي تَقْلِيد الإِمَام دون مُتَابعَة الدَّلِيل إِذْ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ
وَإِن قَلّدهُ فِيمَا تبين لَهُ فِيهِ أَن الدَّلِيل مُخَالف لَهُ أَو قدر على النّظر فِي الدَّلِيل وفهمه وَلم يفعل فَهَذَا هُوَ التَّقْلِيد المذموم فَإِن صَاحبه دَاخل فِي زمرة الَّذين قَالُوا ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون﴾ الزخرف ٢٣ وَالَّذين قَالَ الله عَنْهُم ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ الْبَقَرَة ١٧٧ وَسَيَأْتِي لهَذَا الْمَعْنى زِيَادَة بَيَان إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمِنْهَا قَوْله م: وَجَعَلَنِي مِمَّن عرف مَرَاتِب أَدِلَّة الشَّرْع وَكَيْفِيَّة دلالتها
ش
: فَإِن هَذَا يُنَاقض مَقْصُوده بِهَذِهِ الرسَالَة فَإِن من عرف مَرَاتِب أَدِلَّة الشَّرْع وَكَيْفِيَّة دلالتها يكون من أهل الإجتهاد فَلَا يسوغ لَهُ تَقْلِيد إِمَام معِين وَلَا الْأَمر بذلك إِلَّا أَن يُرِيد أَنه عرف صناعَة الإستدلال بالأدلة الشَّرْعِيَّة أصُول الْفِقْه وَلم يعرف الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة نَفسهَا الَّتِي هِيَ الْكتاب وَالسّنة وَمَا أَظُنهُ يرضى لنَفسِهِ بِهَذِهِ الْمنزلَة بل الظَّاهِر أَن مُرَاده أَنه يعرف الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة ومراتبها وَكَيْفِيَّة دلالتها وَحِينَئِذٍ فَلَا يسوغ لَهُ التَّقْلِيد لإِمَام معِين وَلَا غير معِين إِلَّا فِيمَا خفى عَنهُ وَلَا الْأَمر بتقليد إِمَام معِين من الْأَئِمَّة
وَهُوَ فِي هَذِه الرسَالَة يَدْعُو إِلَى تَقْلِيد الإِمَام أبي حنيفَة ﵀ دون غبره وَيُقِيم الدَّلِيل على ذَلِك وَهَذَا تنَاقض بَين وَلَيْسَ هَذَا من طَريقَة
стр. 4
الْعلمَاء الْحَنَفِيَّة بل ابو يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهمَا من أَصْحَاب أبي حنيفَة خالفوا ابا حنيفَة فِيمَا ظهر لَهُم فِيهِ الدَّلِيل على خلاف قَوْله وَلم يخرجُوا بذلك عَن كَونهم من أَصْحَابه بل الَّذِي ذكره غير وَاحِد من أهل الْعلم إِذا كَانَ لَهُ نوع تميز يتبع أَي الْقَوْلَيْنِ أرجح عِنْده وأقربه إِلَى الدَّلِيل بِحَسب تميزه فَإِنَّهُ خير لَهُ من الْخَيْر الْمُطلق فَكيف من يعرف أَدِلَّة الشَّرْع وَكَيْفِيَّة دلالتها وَلم يقل أحد من الْعلمَاء أَنه يجب أَو يشرع الْتِزَام قَول شخص معِين فِي كل مَا يُوجِبهُ ويحرمه ويبيحه عَن رَسُول الله ﷺ بل قد قَالَ الشَّافِعِي ﵀ أجمع الْمُسلمُونَ على أَن من استبانت لَهُ سنة رَسُول الله ﷺ لَا يحل لَهُ أَن يَدعهَا لقَوْل أحد
وَمِنْهَا قَوْله م: وجبلني على التعصب لمجتهد كَانَ من قورن شهد النَّبِي ﷺ بخيرها وعدالتها
ش: فَإِن فِي هَذَا الْكَلَام نظرا من وَجْهَيْن
أَحدهمَا دَعْوَاهُ أَنه جبل على الْوَصْف الَّذِي ذكره وَهَذَا الْوَصْف وَهُوَ التعصب لمجتهد معِين مكتسب وَلَيْسَ فِي الطَّبْع السَّلِيم مَا يَقْتَضِي
стр. 5
التعصب لهَذَا الْعَالم دون هَذَا الْعَالم وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِك غَالِبا من هوى النَّفس فَيكون حِينَئِذٍ قد جبل على خلق ذميم وَلَو ادّعى أَنه جبل على اتِّبَاع الْحق وَقَول هَذَا الإِمَام الْمعِين هُوَ الْحق لكَانَتْ الْمُقدمَة الأولى مسلمة وَالثَّانيَِة مَحل النزاع فَإِن كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ الْآيَة الرّوم ٣٠ فَفِي الْفطر مركوز معرفَة حسن اتِّبَاع الْحق لَا أَن اتِّبَاع هَذَا الْعَالم مُتَعَيّن دون هَذَا الْعَالم إِلَّا أَن يَدعِي أَن هَذَا الْعَالم مَعْصُوم عَن الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده دون غَيره وَلَا يَدعِي هَذَا عَاقل فَإِنَّهُ يكون قد أنزلهُ منزلَة الرَّسُول صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه فَإِن الْغَضَب والتعصب لوَاحِد معِين من الْأَئِمَّة وصف مَذْمُوم من جنس فعل الرافضة وَهُوَ من أَفعَال الْجَاهِلِيَّة كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَسنَن النَّسَائِيّ عَن جُنْدُب بن عبد الله البَجلِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من قتل تَحت راية عمية يَدْعُو عصبية وينصر عصبية فَقتلته جَاهِلِيَّة)
وروى أَبُو دَاوُد عَن جُبَير بن مطعم ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَيْسَ منا من دَعَا إِلَى عصبية وَلَيْسَ منا من قَالَ بعصبية وَلَيْسَ منا من مَاتَ على عصبية)
стр. 6
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جَابر ﵁ حِين قَالَ الْأَنْصَار يَا للْأَنْصَار وَقَالَ بالمهاجرون فَخرج رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مَا بَال دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وَفِي رِوَايَة مُنْتِنَة الحَدِيث
وَعَن أبي بن كَعْب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سمعتموه يدعوا بدعوة الْجَاهِلِيَّة فاعضوه بِهن أَبِيه وَلَا تكنوا) وَفِي لفظ
من سمعتموه يتعزى بعزاء الْجَاهِلِيَّة فأعضوه بِهن أَبِيه وَلَا تكنوا فَسمع أبي رجلا يَقُول يَا لفُلَان فَقَالَ أعضض أير أَبِيك فَقَالُوا يَا ابا الْمُنْذر مَا كنت فحاشا فَقَالَ بِهَذَا أمرنَا رَسُول الله ﷺ رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ ﷺ (عَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فَإِن يَد الله على الْجَمَاعَة)
الثَّانِي: إستدلاله على تَقْدِيمه لَهُ على غَيره بِكَوْنِهِ من خير الْقُرُون فَإِن هَذَا لَا يلْزم تَقْدِيم هَذَا الإِمَام وَحده على غَيره مِمَّن كَانَ فِي زَمَانه وَقَبله بل وَلَا على من بعده فَإِن تَفْضِيل الْجُمْلَة على الْجُمْلَة لَا يَقْتَضِي تَفْضِيل كل فَرد على كل فَرد بل قد يتنازع الْعلمَاء هَل فِي غير الصَّحَابَة من هُوَ خير من
стр. 7
بَعضهم على قَوْلَيْنِ ذكرهمَا القَاضِي عِيَاض وَغَيره وَالْأَكْثَر على تَفْضِيل كل فَرد وَلَكِن من بعد الصَّحَابَة لَيْسَ مثلهم فقد كَانَ فيهم مثل الْحجَّاج بن يُوسُف وَفضل الْأَفْرَاد إِنَّمَا هُوَ بالتقوى كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ الحجرات ١٣ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (لَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لعجمي على عَرَبِيّ وَلَا لأسود على أَبيض وَلَا لأبيض على أسود إِلَّا بالتقوى) (النَّاس كلهم بَنو آدم وآدَم من تُرَاب)
وَلَو قابله مالكي الْمَذْهَب بِمثل مثل قَوْله وَادّعى أَن الإِمَام مَالك بن أنس أولى بالاتباع من أبي حنيفَة رحمهمَا الله تَعَالَى فَإِن مذْهبه مَذْهَب أهل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أصح مَذَاهِب أهل الْمَدَائِن فَإِنَّهُم كَانُوا يتأسون بآثار رَسُول الله ﷺ أَكثر من سَائِر الْأَمْصَار وَكَانَ غَيرهم من أهل الْأَمْصَار دونهم فِي الْعلم بِالسنةِ النَّبَوِيَّة واتباعها حَتَّى أَنهم يفتقرون إِلَى نوع من سياسة الْمُلُوك وآراء الْعلمَاء ومقاصد الْعباد أَكثر من افتقار أهل الْمَدِينَة وَلِهَذَا لم يذهب أحد من عُلَمَاء الْمُسلمين إِلَى أَن إِجْمَاع أهل مَدِينَة من الْمَدَائِن
стр. 8
حجَّة يجب اتباعها لَا فِي تِلْكَ الْأَعْصَار وَلَا بعْدهَا غير الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَإِنَّهُ قد اخْتلفت فِي إِجْمَاع أَهلهَا إِلَّا استدلاله بذلك على تَقْدِيم مَذْهَب مَالك نَظِير اسْتِدْلَال على تَقْدِيم مَذْهَب أبي حنيفَة وَمن مثل هَذَا الإستدلال نَشأ الإفتراق فِي هَذِه الْأمة فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَمِنْهَا قَوْله م: والصلوة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي الْمَبْعُوث إِلَى النَّاس كَافَّة بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله باذنه وسراجا منيرا وعَلى آله وَأَصْحَابه وعترته الَّذين أذهب الله عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا أما بعد فَإِن الزَّمَان لما انْتهى إِلَى وَقت تضعضع فِيهِ أَرْكَان رباع الْعُلُوم وتقعقع فِيهِ بُنيان بقاع الْمَعْلُوم وخلت غاياتها عَن أُسَامَة أبي الشبلين حَتَّى ضج فِيهَا ثعالبة أَبُو الْحصين وشاع الحَدِيث والطعن على مَذْهَب الأقدمين وذاع ادِّعَاء أَن ابا حنيفَة الَّذِي هُوَ أقدم الْمُجْتَهدين لم يعلم أَحَادِيث البُخَارِيّ وَخَالف سيد الْمُرْسلين وَكَانَ ذَلِك موهما لوهن مذْهبه عِنْد ضعفاء الْيَقِين أَشَارَ إِلَيّ بعض الإخوان الَّذين هم بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان للعين وَالْعين للْإنْسَان أَن اكْتُبْ رِسَالَة تقَوِّي اعْتِقَاد ضعفة الْحَنَفِيَّة فِي مَذْهَب إمَامهمْ وتعرف مَا للنَّاس عَلَيْهِ فِي غَالب الْبلدَانِ من الِاحْتِيَاج إِلَى مذْهبه من خَلفهم وإمامهم فكتبتها مُشْتَمِلَة على مُقَدّمَة ومقصد وخاتمة الْمُقدمَة فِي بَيَان سَبَب تَرْجِيح تَقْلِيده على غَيره
ش: وفيهَا مبَاحث فَقَوله ذاع ادِّعَاء فَإِن فِي هَذَا الْكَلَام مُقَابلَة الْفَاسِد بالفاسد وَالْوَاجِب رد الْبَاطِل بِحَق وَلَا يجوز رد الْبَاطِل بِالْبَاطِلِ فَإِن الْبَاطِل لَا يرد الْبَاطِل وَإِنَّمَا يردهُ الْحق قَالَ الله تَعَالَى ﴿بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق﴾ الْأَنْبِيَاء ٢١
وَالْوَاجِب أَن يُقَال لمن قَالَ إِن ابا حنيفَة خَالف سيد الْمُرْسلين هَذَا القَوْل كذب وبهتان وَسَب لهَذَا الإِمَام الْجَلِيل يسْتَحق قَائِله الردع والزجر عَن هَذِه الْمقَالة الْبَاطِلَة إِن أَرَادَ بِهِ أَنه خَالفه عَن قَصده وَإِن أَرَادَ بِهِ أَنه خَالفه عَن تَأْوِيل أَو ذمّ القَوْل وَلم يذكر قَائِله فَهُوَ هَين كَمَا يُوجد فِي كَلَام
стр. 9
الْمُخْتَلِفين فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد من كَلَام البُخَارِيّ ﵀ وَقَالَ بعض النَّاس كَذَا وَقَالَ فِي بعض الْمَوَاضِع فَخَالف الرَّسُول وَلم يسم الْمُخَالف من هُوَ وَذكر فِي الشَّرْط أَن مُحَمَّد بن الْحسن استبعد قَول أبي حنيفَة ﵀ فِي عدم لُزُوم الْوَقْف وَسَماهُ تحكما من غير حجَّة وَالْمُصَنّف فِي هَذِه الرسَالَة فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشر قد نسب إِلَى الشَّافِعِي مُخَالفَة قَول الله ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ الْبَقَرَة ٢٢٨
لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله
وَالْقَوْل قد يكون مُخَالفا للنَّص وقائله مَعْذُور فَإِن الْمُخَالفَة بِتَأْوِيل لم يسلم مِنْهَا أحد من أهل الْعلم وَذَلِكَ التَّأْوِيل وَإِن كَانَ فَاسِدا فصاحبه مغْفُور لَهُ لحصوله عَن اجْتِهَاده فَإِن الْمُجْتَهد إِذا اجْتهد وَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ أجر على اجْتِهَاده وَأجر على إِصَابَته الْحق وَإِذا اجْتهد وَأَخْطَأ فَلهُ أجر على اجْتِهَاده وَخَطأَهُ مغْفُور لَهُ
فمخالفة النَّص إِذا كَانَت عَن قصد فَهِيَ كفر وَإِن كَانَت عَن إجتهاد فَهِيَ من الْخَطَأ المغفور
стр. 10
فَلَا يجوز أَن يُقَال عَن أبي حنيفَة وَلَا عَمَّن دونه من أهل الْعلم فِيمَا يُوجد من أَقْوَاله مُخَالفا للنَّص أَنه خَالف الرَّسُول قصدا بل إِمَّا أَن يُقَال إِن النَّص لم يبلغهُ أَو لم يظْهر لَهُ دَلِيل على ذَلِك الحكم أَو عَارضه عِنْده دَلِيل آخر أَو غير ذَلِك من الْأَعْذَار ﵏ وَرَضي عَنْهُم أَجْمَعِينَ
وَقد انحرف فِي شَأْن أبي حنيفَة ﵀ طَائِفَتَانِ فطائفة قد غلبت فِي تَقْلِيده فَلم تتْرك لَهُ قولا وأنزلوه منزلَة الرَّسُول ﷺ وَإِن أورد عَلَيْهِم نَص مُخَالف قَوْله تأولوه على غير تَأْوِيله ليدفعوه عَنْهُم وَلم يكن أَصْحَابه مَعَه كَذَلِك بل رجعُوا عَن كثير مِمَّا كَانُوا قلدوه فِيهِ لما ظهر لَهُم فِيهِ الدَّلِيل على خلاف قَوْله وَطَائِفَة تنقصته وَادعت أَنه أَخذ بِالرَّأْيِ وَترك النَّص هُوَ وَأَصْحَابه وسموهم أَصْحَاب الرَّأْي وهم مَا بَين مُسْتَقل فِي ذَلِك من الطَّرفَيْنِ ومستكثر فتراهم مَا بَين قَادِح تَارَة بِحَق وَتارَة بباطل وَالله يغْفر لنا وَلَهُم
وَأما الْمَعْنى الْفَاسِد الَّذِي قوبل بِهِ هَذَا القَوْل الْبَاطِل فَهُوَ دَعْوَى أَن أَبَا حنيفَة أقدم الْمُجْتَهدين فَإِنَّهُ إِن أَرَادَ أقدم الْمُجْتَهدين من هَذِه الْأمة فَهَذَا بَاطِل قطعا فكم قبله من مجتهدي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَإِن أَرَادَ أقدم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الْمَشْهُورين وَهَذَا هُوَ مُرَاده فالإمام مَالك كَانَ معاصرا لَهُ فَإِن مولد أبي حنيفَة ﵀ سنة ثَمَانِينَ من الْهِجْرَة ووفاته سنة خمسين
стр. 11
وَمِائَة ومولد مَالك ﵀ سنة ثَلَاث وَتِسْعين ووفاته سنة تسع وَسبعين وَمِائَة فتعاصرا سبعا وَخمسين سنة وَلم يثبت أَن أَحدهمَا تأهل للِاجْتِهَاد قبل صَاحبه وعَلى تَقْدِير ثُبُوته لَا يلْزم مِنْهُ جَوَاز التَّقْلِيد لوَاحِد مِنْهُمَا دون الآخر فضلا عَن الْوُجُوب بل الْوَاجِب فِي مسَائِل النزاع الرَّد إِلَى الله وَالرَّسُول قَالَ الله ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ النِّسَاء ٥٩ وَالرَّدّ إِلَى الله إِلَى كِتَابه وَالرَّدّ إِلَى الرَّسُول الرَّد إِلَيْهِ فِي حَيَاته وَإِلَى سنته بعد وَفَاته
وَأهل التَّقْلِيد لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك بل يَأْخُذ أحدهم بِمَا يجد فِي كتب أَصْحَاب ذَلِك الإِمَام الَّذِي قَلّدهُ وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من خَالفه كَائِنا من كَانَ وَنَصّ ذَلِك الإِمَام والكتب عِنْده بِمَنْزِلَة نَص الشَّارِع وَكَثِيرًا مَا يكون ذَلِك النَّص من كَلَام بعض الْأَصْحَاب فِي الْفَتَاوَى وَلم يكن لذَلِك الإِمَام فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة قَول مَنْقُول
وَيلْزم الْقَائِل بترجيح الْمُجْتَهد الأقدم أَن يرجح قَول زيد (رض) وَعمر (رض) وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة أَو قَول سعيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد أَو غَيرهمَا من التَّابِعين على قَول
стр. 12
إِمَامه وَهَذَا لَا يَفْعَله كثير من المقلدين وَلَا شكّ أَن هَذَا تَرْجِيح لم ينشأ عَن دَلِيل بل هُوَ فَاسد فكم من تلميذ أعلم من شَيْخه وَأفضل مِنْهُ فَهَذَا أَبُو حنيفَة ﵀ شَيْخه حَمَّاد وَلَا يذكر حَمَّاد عِنْد مقلدي أبي حنيفَة ﵀
وَأَيْضًا فقد يُعَارضهُ من يُقَلّد الإِمَام الْمُتَأَخر بِأَن يَقُول الإِمَام الْمُتَأَخر اطلع على أَقْوَال الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين وَنظر فِي أدلتهم وَاخْتَارَ الصَّحِيح وَالأَصَح فَيكون تَقْلِيده أولى لجمعه مَا كَانَ مُتَفَرقًا عِنْد الْأَئِمَّة الَّذين كَانُوا قبله وإطلاعه على مَا يطلع عَلَيْهِ كل فَرد مِنْهُم فَظهر سُقُوط الِاسْتِدْلَال بفدم الْمُجْتَهد
وَمِنْهَا قَوْله م: المبحث الأول فِي بَيَان فَضله نقلا وعقلا اما النَّقْل فَهُوَ مَا اشْتهر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ خير الْقُرُون الَّذين أَنا فيهم ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ يفشو الْكَذِب فَإِن فِيهِ دلَالَة على خيرية
стр. 13
التَّابِعين وَلم يكن ذَلِك إِلَّا لعلمهم بأحوال الدّين وَأَتْبَاع مَا ورثوا من سيد الْمُرْسلين من علم الْكتاب وَالسّنة وآثار الصَّحَابَة الطاهرين وجدهم فِي الشّعْر شكّ عَمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْقيَاس لحفظهم عَمَّا يُوجب الْجرْح والالتباس وفرط تحرزهم عَن تَغْيِير مَا وجدوه من الْحق وَعَن إِلْحَاق غير الْحق بِالْحَقِّ وَكَانَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِمَامًا صَادِقا وفقيها فائقا عَالما بِالْكتاب وَالسّنة سالكا محجة أهل السّنة مُتبعا للنَّبِي ﷺ فِيمَا أَمر وَسنة ذَا أَصْحَاب عُلَمَاء أنقياء لَا من أهل الْبدع وَلَا من أهل الْأَهْوَاء مجتهدين بذلوا وسعهم فِي تَحْقِيق الْحق فِيمَا عزلهم من المسالك جلّ أَو دق وَمن شهد النَّبِي ﷺ بخيره أولى بالتقليد من مُجْتَهد غَيره انْتهى
ش: فَإِن هَذَا الإستدلال غير صَحِيح لِأَن النَّبِي ﷺ بَين الْقُرُون فِي الْجُمْلَة وَقد يكون فِي التَّفْضِيل من غَيره أفضل مِنْهُ كالحجاج فَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال على تَفْضِيل فَرد مِنْهُم على من بعده بِكَوْنِهِ مِنْهُم وَإِنَّمَا يرجح بِالسَّبقِ إِلَى الْإِصَابَة مَعَ التَّسَاوِي فِي الزَّمَان كَمَا يرجح أول من أسلم على من تَأَخّر إِسْلَامه لَا بِالسَّبقِ فِي الْوُجُود قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ الحجرات ١٣ وَقَالَ ﷺ (مثل أمتِي كَمثل الْمَطَر لَا يدْرِي آخِره خير أم أَوله) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَلما كَانَ هَذَا الِاسْتِدْلَال صَحِيحا فَهُوَ مُشْتَرك بَين الْحَنَفِيَّة والمالكية فقد تقدم أَن مَالِكًا عاصر أَبَا حنيفَة ﵀ سبعا وَخمسين سنة وَلم يثبت أَن أَحدهمَا تأهل للِاجْتِهَاد قبل صَاحبه وكل مِنْهُمَا من الْقُرُون المفضلة
стр. 14
ورسخوا ذَلِك بِأَن قَالُوا مَذْهَب مَالك مَذْهَب أهل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة دَار الْهِجْرَة وَدَار النُّصْرَة الَّتِي من الله فِيهَا لرَسُوله ﷺ الاسلام وشرائعه وإليها هَاجر الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الله وَرَسُوله وَبهَا كَانَ للْأَنْصَار وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم أصح الْمذَاهب أهل الْمَدَائِن الاسلامية وَلَا شكّ أَن مَالِكًا ﵀ كَانَ من تَابِعِيّ التَّابِعين من الْقُرُون المفضلة وفلي هَذِه الْقُرُون الَّتِي أثنى عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وَمذهب أهل الْمَدِينَة أصح مَذَاهِب أهل الْمَدَائِن إِذْ آثَار النُّبُوَّة فِيهَا بَاقِيَة لم تَتَغَيَّر كَمَا تقدم التَّنْبِيه على بعض ذَلِك من قَوْلهم وَهُوَ فِي الْقُوَّة كَمَا ترى يحكون عَن الشَّافِعِي ﵀ أَنه قَالَ لَهُ مُحَمَّد بن الْحسن أَيهمَا أعلم صَاحبكُم أَو صاحبنا يَعْنِي أَبَا حنيفَة ومالكا رحمهمَا الله قلت على الْإِنْصَاف قَالَ نعم قلت فأنشدك الله من أعلم بِالْقُرْآنِ صاحبنا أَو صَاحبكُم قَالَ اللَّهُمَّ صَاحبكُم قلت أنْشدك الله من أعلم بِالسنةِ صاحبنا أَو صَاحبكُم قَالَ اللَّهُمَّ صَاحبكُم قلت فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ صاحبنا أَو صَاحبكُم قَالَ اللَّهُمَّ صَاحبكُم قَالَ الشَّافِعِي ﵀ فَلم يبْق إِلَّا الْقيَاس وَالْقِيَاس لَا يكون إِلَّا على هَذِه الْأَشْيَاء فعلى أَي شَيْء تقيس ويستدلون أَيْضا من الْمَنْقُول بِمَا هُوَ أخص من هَذَا الحَدِيث وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (يُوشك أَن يضْرب النَّاس أكباد الْإِبِل فِي طلب الْعلم فَلَا يَجدونَ عَالما أعلم من عَالم
стр. 15
الْمَدِينَة) وَقد روى عَن غير وَاحِد كَابْن جريج وَابْن عُيَيْنَة وَغَيرهم أَنهم قَالُوا هُوَ مَالك وَالَّذين نازعوا فِي ذَلِك لَهُم مأخذان أَحدهمَا الطعْن فِي الحَدِيث فَزعم بَعضهم أَن فِيهِ انْقِطَاعًا وَالثَّانِي أَنه أَرَادَ غير مَالك كالعمري الزَّاهِد وَقد أجابوا عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لم يكن فِي عصر مَالك أحد ضرب النَّاس أكباد الْإِبِل إِلَيْهِ أَكثر من مَالك فِي ذَلِك الْعَصْر فَإِنَّهُ ﵀ تَأَخّر مَوته عَنْهُم وَلَا رَحل إِلَى أحد من عُلَمَاء الْمَدِينَة مَا رَحل إِلَى مَالك ﵀ لَا قبله وَلَا بعده وَمَعَ هَذَا فقد عرض عَلَيْهِ الرشيد وَغَيره أَن يحمل النَّاس على موطأه فَامْتنعَ من ذَلِك وَقَالَ إِن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ تفَرقُوا فِي الْأَمْصَار وَإِنَّمَا جمعت علم أهل بلدي أَو كَمَا قَالَ ﵀
وَمِنْهَا قَوْله م: وَأما الْعقل فلتقدمه واختصاصه بتدوين علم الْفِقْه وإشخاصه فَإِنَّهُ صور الْمسَائِل وَأجَاب عَنْهَا وأوضح الْأَسْبَاب والعلل وَبنى عَلَيْهَا وَقد حكى أَن بعض الشَّافِعِيَّة فِي زمن الْمُزنِيّ كَانَ يغض من أبي حنيفَة ﵀ فَبلغ ذَلِك الْمُزنِيّ فَقَالَ لَهُ مَالك وامرءا سلم لَهُ الْعلمَاء ثَلَاثَة أَربَاع الْعلم وَهُوَ لَا يسلم لَهُم ربعه فَقَالَ الرجل كَيفَ ذَلِك يَا إِمَام فَقَالَ الْعلم نصفه سُؤال وَنصفه جَوَاب فَأَما النّصْف الأول فقد اخْتصَّ بِهِ أَبُو حنيفَة ﵀ لم يُشَارِكهُ فِيهِ أحد وَأما النّصْف الآخر فَهُوَ يَقُول كُله لَهُ لِأَنَّهُ أصَاب فِي اجْتِهَاده وَغَيره يَقُول الْمُجْتَهد يخطىء
стр. 16
ويصيب أصَاب فِي بعض وَأَخْطَأ فِي بعض فقد سلمُوا لَهُ ثَلَاثَة أَربَاع الْعلم كَمَا ترى وَهُوَ لَا يسلم لَهُم ربعه فَتَابَ الرجل عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ هَذَا معنى قَول الإِمَام الشَّافِعِي ﵀ النَّاس عِيَال على أبي حنيفَة ﵀ فِي الْفِقْه وتقليد الأقدم فِي الاستنباط أولى لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَخذ مَا أَخذ من المآخذ وعض عَلَيْهَا بالنواجذ والأضراس وَغَيره الْتقط مَا من أقلامه سقط وَحَازَ مَا افرط مِنْهُ أَن أفرط وَهَذَا أَمر يعرفهُ ذَوُو التَّحْصِيل فَلَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَلَا تَعْلِيل وَكفى استياسا وتنبيها بِمَا أنْشدهُ الحريري فِي مقاماته الَّذِي حَاز قصبات السَّبق فِي مقالاته
(فَلَو قبل مبكاها بَكَيْت صبَابَة ... للسعدى شفيت النَّفس قبل المتندم)
(وَلَكِن بَكت قبلي فهيج لي الْبكاء ... بكاءها فَقلت الْفضل للمتقدم)
انْتهى ش: فَأَما استدلاله بالتقدم فقد تقدم التَّنْبِيه على بعض مَا فِيهِ وَأما استدلاله باختصاصه بتدوين علم الْفِقْه فَمَمْنُوع لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَنه لم يدون بِنَفسِهِ فِي الْفِقْه مصنفا ينْسب إِلَيْهِ وَإِنَّمَا صنف أَصْحَابه بعده على مذْهبه مَا صنفوه
وَالثَّانِي أَنه غير مُخْتَصّ بتصوير الْمسَائِل وَالْجَوَاب عَنْهَا إِن كَانَ هَذَا هُوَ مُرَاده بتدوين علم الْفِقْه فقد فعل هَذَا غَيره من عُلَمَاء الْمُسلمين وعابه بَعضهم وَقَالَ إِن الْوَاجِب ضبط أصُول ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة حَتَّى إِذا وَقعت حَادِثَة طلب معرفَة الحكم فِيهَا من مظانه وَالْعُلَمَاء مُخْتَلفُونَ فِي بيع الْكتب الَّتِي فِيهَا الْعلم بِالرَّأْيِ هَل يجوز أم لَا على قَوْلَيْنِ
وَعَن عَليّ ﵁ أَنه كَانَ إِذا أرسل إِلَيْهِ بعض نوابه يسْأَله عَن قَضِيَّة من قضايا الْجد مَعَ الاخوة يَأْمر فِيهَا بِاجْتِهَادِهِ وَيَقُول قطع
стр. 17
الْكتب كَأَنَّهُ ﵁ رأى إِنَّه إِنَّمَا يتَكَلَّم فِيهَا بِالِاجْتِهَادِ للضَّرُورَة فالضرورة تبيحه كالميتة وَكره أَن يُقَلّد غَيره من غير اجْتِهَاده فَأمر بتقطيع الْكتاب لذَلِك بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ مَعَه نَص فَإِنَّهُ يبلغهُ وَيَأْمُر بتبليغه وَلَا يَأْمر بِقطع كِتَابه
وَأما قَوْله إِن تَقْدِيم الأقدم فِي الإستنباط أولى فَإِن ذَلِك غير مُسلم بل قد يكون التلميذ أفضل من شَيْخه كَمَا تقدم
فَيُقَال لَهُ إِن كنت قلدته لكَونه أقدم فِي الإستنباط فقلد شَيْخه لإنه أقدم مِنْهُ وَكَذَلِكَ من هُوَ أقدم حَتَّى يَنْتَهِي الْأَمر إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ
فَإِن أَبى قيل لَهُ كَيفَ يجوز تَقْلِيد من هُوَ أَصْغَر وَأَقل علما وَلَا يجوز تَقْلِيد من هُوَ أكبر وَأكْثر علما وَهَذَا تنَاقض بَين
وَإِن قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ جمع علم من قبله إِلَى علمه قيل لَهُ فَمن جَاءَ بعد أبي حنيفَة ﵀ قد جمع علمه إِلَى علمه فيلزمك تَقْلِيده
فَإِن قَالَ نعم فقد جعل صغَار الْعلمَاء أولى بالتقليد من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ورضى عَنْهُم وَإِلَّا تنَاقض
وَأما قَوْله فِي الْحِكَايَة الَّتِي تنْسب إِلَى الْمُزنِيّ أَنه قَالَ إِن أَبَا حنيفَة ﵀ سلم لَهُ النَّاس إِلَى فِيهِ أحد فَإِن هَذِه الْحِكَايَة لَا أَظن انها
стр. 18
تصح عَن الْمُزنِيّ لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن قَوْله أَن ابا حنيفَة اخْتصَّ بِالنِّصْفِ الأول الَّذِي هُوَ السُّؤَال لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد لَا يَصح لِأَن الْحَوَادِث لَا زَالَت تتجدد وَيسْأل عَنْهَا وتصور أسئلة وَيُجَاب عَنْهَا قبل أبي حنيفَة ﵀ وَمَعَهُ وَبعده وَلَا يَدعِي الإختصاص وَعدم الْمُشَاركَة فِي ذَلِك إِلَّا متعصب جَاهِل
وَالثَّانِي إِن السُّؤَال لَا يَصح أَن يكون نصف الْعلم وَلَا شَيْئا مِنْهُ وَإِنَّمَا الْعلم الشَّرْعِيّ وَمَعْرِفَة الْأَحْكَام فِي الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة بأدلتها وَلَا يدْخل السُّؤَال بِوَجْه والتشقيق فِي الأسئلة وتوليدها يُدْرِكهُ عوام النَّاس وَإِنَّمَا يخْتَص الْعلمَاء بِمَعْرِِفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بأدلتها وإستنباطها
وَمِنْهَا قَوْله م: المبحث الثَّانِي فِي فضل اجْتِهَاده اعْلَم أَن الْأمة إِذا اخْتلفُوا فِي مَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ وَاسْتقر خلافهم على ذَلِك لَا يجوز لأحد بعد ذَلِك أَن يحدث قولا ثَالِثا عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَأما قبل الِاسْتِقْرَار فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف وَأَبُو حنيفَة ﵀ اجْتهد قبل اسْتِقْرَار الْمذَاهب وصادف اجْتِهَاده مَحَله فَكَانَ جَائِزا بِلَا خلاف ثمَّ من اجْتهد بعد ذَلِك فَإِنَّمَا اجْتهد بعد اسْتِقْرَار الْمذَاهب وَذَلِكَ لَا يجوز عِنْد أَكثر الْعلمَاء كَمَا مر وَمَا كَانَ جَائِزا بِلَا خلاف فَهُوَ أفضل مِمَّا كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ والمنازع مكابر وَقد صرح أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي شرح آثَار الطَّحَاوِيّ بِأَن اجْتِهَاد من بعد أبي حنيفَة ﵀ غير مُعْتَد بِهِ وتقليد الْأَفْضَل أفضل وَإِن لم يكن وَاجِبا فان بعض الْعلمَاء ذهب إِلَى أَن تَقْلِيد الْأَفْضَل أفضل انْتهى
ش: فَإِن الَّذِي ذكره أهل الْأُصُول فِي هَذَا الأَصْل أَن الصَّحَابَة ﵃ إِذا اخْتلفُوا فِي مسئلة على قَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لمن بعدهمْ أَن يَقُول قولا ثَالِثا إِن كَانَ ذَلِك بعد اسْتِقْرَار مذاهبهم فِيمَا قَالُوا وَكَذَلِكَ اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي كل عصر على أَقْوَال رد القَوْل الْحَادِث بعد اسْتِقْرَار الْخلاف على
стр. 19
مَا فِي هَذَا الأَصْل من الْخلاف وعَلى تَقْدِير صِحَّته لَا يلْزم مِنْهُ رد قَول مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وأمثال هَؤُلَاءِ المعاصرين لأبي حنيفَة إِذا خالفوه فِي مَسْأَلَة فَإِن الْمَذْهَب لم يسْتَقرّ بِزَعْمِهِ وَإِنَّمَا يلْزم مِنْهُ أَن الصَّحَابَة إِذا اتَّفقُوا فِي مَسْأَلَة على حكم أَو اخْتلفُوا فِيهَا على قَوْلَيْنِ أَو أَكثر أَنه لَيْسَ لمن بعدهمْ أَن يحدث فِيهَا قولا آخر
وَهَذَا الأَصْل مُشكل على الْمُقَلّد فِي مسَائِل
مِنْهَا مَسْأَلَة الحكم بالنظير فِي قتل الصَّيْد حَالَة الْإِحْرَام فَإِنَّهُ حكم اتّفقت الصَّحَابَة عَلَيْهِ وَالْقَوْل بِالْقيمَةِ حَادث وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف خلافًا لمُحَمد
وَمِنْهَا مَسْأَلَة اللوطي فَإِن أَبَا حنيفَة يرى تعزيزه دون حَده وَلم يقل أحد من الصَّحَابَة ﵃ بالاكتفاء بتعزيزه وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة قَتله فَمُقْتَضى هَذَا الأَصْل أَنه لَا يجوز الإكتفاء بتعزيزه لِأَنَّهُ قَول
стр. 20
حَادث بعد إستقرار الْخلاف بَين الصَّحَابَة على أَقْوَال لَيْسَ هُوَ مِنْهَا ونظائر هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ كَثِيرَة فَظهر أَن هَذَا الأَصْل الَّذِي ذكره حجَّة عَلَيْهِ فِي تَقْلِيده لَا لَهُ
وَكم قد خَالف أَبَا حنيفَة أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَغَيرهم من أَصْحَابه فِي مسَائِل لَا تكَاد تحصى وَكم قد رجعُوا عَن مَسْأَلَة لما ظهر لَهُم فِيهَا الدَّلِيل على خلاف مَا كَانُوا وافقو فِيهِ وَقد قَالَ ابو يُوسُف لما رَجَعَ عَن قَوْله فِي مِقْدَار الصَّاع وَعَن صَدَقَة الخضروات وَغَيرهَا لَو رأى صَاحِبي مَا رايت لرجع كَمَا رجعت وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ يعلم من أبي حنيفَة ﵀ أَنه إِذا ظهر لَهُ الدَّلِيل رَجَعَ إِلَيْهِ
وَمن ظن أَن أَبَا حنيفَة أَو غَيره من أَئِمَّة الْمُسلمين يتَعَمَّد مُخَالفَة الحَدِيث الصَّحِيح أَو غَيره أَو أَنه إِذا قَالَ بِالْقِيَاسِ ثمَّ ظهر لَهُ النَّص لَا يرجع إِلَيْهِ فقد أَخطَأ عَلَيْهِم بل لَو تبين لَهُ خطأ ذَلِك الْقيَاس لرجع عَنهُ إِلَى مَا هُوَ أصح مِنْهُ وَإِن لم يكن ثمَّ نَص فَكيف إِذا ظهر لَهُ النَّص فاذا سَاغَ هَذَا لأَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀ كَيفَ لَا يسوغ لغَيرهم وَالرُّجُوع إِلَى الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل فَقَوله وَأَبُو حنيفَة اجْتهد قبل
стр. 21
اسْتِقْرَار الْمذَاهب وصادف اجْتِهَاده مَحَله إِلَى آخِره لَا يلْزم مِنْهُ تَقْلِيد أبي حنيفَة وَحده وَلَا يلْزم مِنْهُ أَنه لَا يجوز الإجتهاد فِي مَسْأَلَة لَا يعرف عَن السّلف فِيهَا قَول وَلَا أَن أحدا إِذا ظهر لَهُ رُجْحَان قَول أحد أَنه لَا يَأْخُذ بِهِ إِلَّا مَا وَافق قَول أبي حنيفَة ﵀ والمنازع فِي هَذَا هُوَ المكابر
وَمَا نسبه إِلَى أبي بكر الرَّازِيّ من أَن اجْتِهَاد من بعد أبي حنيفَة ﵀ غير مُعْتَد بِهِ قَول سَاقِط لِأَنَّهُ مُجَرّد دَعْوَى قد ادّعى نظيرها غَيره من المتعصبين وَاخْتلفُوا مَتى انسد بَاب الِاجْتِهَاد على أَقْوَال مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان فَمنهمْ من قَالَ بعد الْمِائَتَيْنِ من الْهِجْرَة وَمِنْهُم من قَالَ بعد الشَّافِعِي ﵀ وَمِنْهُم من قَالَ بعد الْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان وَعند هَؤُلَاءِ أَن الأَرْض قد خلت من قَائِم لله بِحجَّة وَلم يبْق فِيهَا من يتَكَلَّم بِعلم أَو ينظر فِي كتاب الله أَو سنة رَسُوله لأخذ الْأَحْكَام مِنْهُمَا وَلَا يحكم وَلَا يُفْتِي بِمَا فيهمَا حَتَّى يعرضه على قَول مقلده ومتبوعه فَإِن وَافقه حكم بِهِ وَأفْتى بِهِ وَإِلَّا رده وَلم يقبله وَهَذِه أَقْوَال كَمَا ترى فِي غَايَة الْفساد وَالْقَوْل على الله بِغَيْر علم وَأَيْضًا فَإِن الْحَوَادِث متعاقبة الْوُقُوع فَإِذا وَقعت حَادِثَة غير منصوصة فَلَا بُد فِيهَا من الإجتهاد أَو حَادِثَة فِي الحكم فِيهَا خلاف بَين السّلف فَلَا بُد فِيهَا من الِاجْتِهَاد ليظْهر أَي الْأَقْوَال فِيهَا أقرب إِلَى مُوَافقَة الدَّلِيل من الْكتاب وَالسّنة وَإِن كَانَت تِلْكَ الْمَسْأَلَة إجماعية فَلَا يسوغ فِيهَا الإجتهاد سَوَاء ذَلِك كُله زمَان أبي حنيفَة وَبعده وَمَا يَقُول غير هَذَا إِلَّا صَاحب هوى وعصبية نسْأَل الله السَّلامَة والعافية
وَقَوله م: وتقليد الْأَفْضَل أفضل إِلَى آخِره
стр. 22
ش: على تَقْدِير صِحَّته يلْزم مِنْهُ أَن لَا يُقَلّد أَبَا حنيفَة فِيمَا خَالفه فِيهِ شُرَيْح وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وخارجة ابْن زيد فضلا عَن الصَّحَابَة ﵃ والمقلد لَو تعَارض عِنْده قَول أبي حنيفَة وَقَول أحد من هَؤُلَاءِ بل لَو عَارض قَول أبي حنيفَة ﵀ حَدِيث صَحِيح لما أَخذ إِلَّا بقول أبي حنيفَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة أخبر بِهَذَا وَلَوْلَا أَن هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ لما خَالفه أَبُو حنيفَة ﵀ وَإِن كَانَ عِنْده معرفَة بِوُجُوه التَّأْوِيل أَخذ يؤول ذَلِك الحَدِيث ويحرفه مَا اسْتَطَاعَ وَإِن كَانَ الحَدِيث مُوَافقا لما قَالَه أَبُو حنيفَة قَالَ هَذَا لنا وَيكون أَخذه لذَلِك الحَدِيث على وَجه الاعتضاد بِهِ لَا على وَجه الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون مَعَ أَن الْأَفْضَل من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى هُوَ أعلم بِمن اتَّقى وَالْعلم برجحان قَول على قَول أيسر من الْعلم بِفضل أحد الْإِمَامَيْنِ على الآخر فَإِن الْأَحْكَام عَلَيْهَا أَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع والإستنباط وَقد تكلم فِيهَا الصَّحَابَة والتابعون وتابعوهم وَالْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء إِلَى الْيَوْم
وَأما تَفْضِيل شخص على شخص من الْعلمَاء فَلَيْسَ مَنْصُوصا عَلَيْهِ وَلَا مجمعا عَلَيْهِ وغالب الخائضين فِيهِ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بهوى وتعصب وَهل قلد أحد من المقلدين إِمَامًا من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة لما بدا لَهُ انه أفضل من
стр. 23
البَاقِينَ وَلَا أَظُنهُ ذَلِك بل لِأَن وَالِده أَو وليه أَو صديقه شغله فِي كتاب من ذَلِك الْمَذْهَب أَو أَشَارَ عَلَيْهِ أَن يشْتَغل فِيهِ فقلده فِي ذَلِك وَقد يحملهُ على ذَلِك إِرَادَة ولَايَة أَو وَظِيفَة أَو نَحْو ذَلِك ثمَّ بعد ذَلِك يحملهُ الْهوى على التعصب لذَلِك الْمَذْهَب وَحده وَالْأَخْذ بِجَمِيعِ أَقْوَال ذَلِك الإِمَام وَإِن ظهر لَهُ الدَّلِيل فِي خِلَافه فِي بعض الْمسَائِل مَعَ علمه أَن الْمُجْتَهد يخطىء ويصيب وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ ص ٢٦
وَلَا نقُول إِن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وأمثالهم لَا يجوز تقليدهم لآحاد الْعَوام وَأَنه يجب على آحَاد الْعَوام أَن يكون مُجْتَهدا فِي كل مَسْأَلَة تنزل بِهِ فان هَذَا قَول ضَعِيف قَالَه بعض أهل الْكَلَام وَجُمْهُور الْأَئِمَّة وَالْأمة على خِلَافه وَهُوَ خطأ لِأَن أَكثر الْعَوام عاجزون عَن معرفَة الإستدلال على كل مَسْأَلَة
وَهَؤُلَاء الْأَئِمَّة المشهورون كَانَ لَهُم من الِاجْتِهَاد فِي معرفَة الْأَحْكَام وَإِظْهَار الدّين للأنام مَا فَضلهمْ الله بِهِ على غَيرهم
وَمن ظن أَنه يعرف الْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة بِدُونِ معرفَة مَا قَالَه هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وأمثالهم فَهُوَ غالط مخطىء وَلَكِن لَيْسَ الْحق وَقفا على وَاحِد مِنْهُم وَالْخَطَأ وَقفا بَين البَاقِينَ حَتَّى يتَعَيَّن اتِّبَاعه دون غَيره كَمَا هُوَ ظَاهر مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّيْخ فِي هَذِه الرسَالَة
وَمِنْهَا قَوْله م: المبحث الثَّالِث فِي قُوَّة اجْتِهَاده لم يسْتَدلّ أَبُو حنيفَة ﵀ على حكم مَسْأَلَة بِغَيْر الْكتاب مَا دَامَ الِاسْتِدْلَال بِالْكتاب مُمكنا وَلَا يخفى
стр. 24
التَّنَاقُض وَالِاخْتِلَاف قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ النِّسَاء ٨٢ انْتهى
ش: أنظر إِلَى ركاكة هَذِه الْعبارَة وخلطها وفسادها وَمرَاده أَنه يسْتَدلّ بِالْكتاب ثمَّ بِالسنةِ ثمَّ بِالْإِجْمَاع ثمَّ بِالْقِيَاسِ وَهَذَا الْوَصْف الَّذِي قَالَه فِي الإِمَام أبي حنيفَة صَحِيح لَا ريب فِيهِ عِنْد الْمنصف وَلَكِن لَا يلْزم مِنْهُ أَن غَيره من الْأَئِمَّة لَيْسَ مَوْصُوفا بِهَذَا الْوَصْف وَلم يصر أحد مِنْهُم إِمَامًا من أَئِمَّة الْمُسلمين لَهُ لِسَان صدق فِي الْأمة إِلَّا لاتصافه بِهَذَا الْوَصْف وَلَكِن مَا من وَاحِد مِنْهُم إِلَّا وَقد فَاتَهُ معرفَة بعض النُّصُوص أَو خَفِي عَنهُ وَجه الصَّوَاب فِي الاستنباط مِنْهَا أَو لم يحضرهُ النَّص حِين أفتى بِخِلَافِهِ إِذْ كل مِنْهُم بشر ينسى كَمَا ينسى الْبشر وَمن هَذَا يحصل الْخَطَأ فِي الإجتهاد وَيَقَع الْخلاف من الْعلمَاء ﵃ من هَذَا أَن يُؤْخَذ بقَوْلهمْ فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ ينظر فِيهِ فَمَا كَانَ أقرب إِلَى مُوَافقَة الدَّلِيل فَهُوَ الَّذِي يتَعَيَّن الْأَخْذ بِهِ وَمن لم يكن أَهلا للنَّظَر فِي دَلِيل الْقَوْلَيْنِ فليسكت وليكف النَّاس شَره وَإِن نظر فِي الْقَوْلَيْنِ وَلم يظْهر لَهُ رُجْحَان أَحدهمَا فَحِينَئِذٍ يجوز لَهُ الْأَخْذ بالقولين وَلَيْسَ قَول فلَان وَالْحَالة هَذِه بِأولى من قَول فلَان وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
قَوْله م: وَلم يسْتَدلّ بِالْحَدِيثِ إِلَّا مَا ثَبت عِنْده صِحَّته بمتنه وَمَعْنَاهُ وَكَانَ إِمَامًا حاويا بِمَا يتَعَلَّق بالأركان فِي الحَدِيث انْتهى
ش: وَإِن كَانَ فِي لَفظه قُصُور فَفِي مَعْنَاهُ نظر فَإِنَّهُ لَا يلْزم ثُبُوت صِحَة الحَدِيث لصِحَّة الِاسْتِدْلَال بِهِ بل يَصح الِاسْتِدْلَال بِمَا يحْتَمل الصِّحَّة عِنْد عدم الْمعَارض فَكيف بِمَا ترجح صِحَّته وَإِن لم يثبت
стр. 25
قَوْله وَقد روى عَن يحيى بن نصر رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ سَمِعت أَبَا حنيفَة ﵀ قَالَ عِنْدِي صناديق من الحَدِيث مَا أخرجت إِلَّا الْيَسِير مِنْهَا أَرَادَ مَا سلم عَن النّسخ والمعارضة فروى عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ احفظ عشْرين ألف حَدِيث مَنْسُوخ وَلَا بُد لَهَا من نَاسخ فَأَيْنَ انصاف من يتفقه أَن أَبَا حنيفَة وَأَصْحَابه لم يصلهم مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه هَل ذَلِك إِلَّا زيغ وتعصب بَاطِل نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك انْتهى
ش: فَإِنَّهُ لَا يَصح نِسْبَة هَذَا الْكَلَام إِلَى الْإِمَامَيْنِ أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله وَإِن مَا حَكَاهُ عَن أبي حنيفَة قد ذكره البُخَارِيّ فِي مُسْند أبي حنيفَة بِمَعْنَاهُ لَكِن رُوَاته ضِعَاف وَيحيى بن نصر صَاحب هَذَا ضَعِيف قَالَ أَبُو زرْعَة لَيْسَ بِشَيْء
وَأَيْضًا فَإِن الْأَحَادِيث كلهَا ناسخها ومنسوخها لم تجمع فِي زمن أبي حنيفَة ﵀ وَلَقَد رَحل أهل الحَدِيث فِي جمعهَا فِي زمن أبي حنيفَة
стр. 26
وَبعده حَتَّى جمعوها ودونت وَهَذَا مُسْند الإِمَام أبي حنيفَة الَّذِي خرجه البُخَارِيّ مَوْجُود روينَاهُ مَعَ جملَة تيَسّر رِوَايَته من كتب الحَدِيث ومسند الإِمَام أَحْمد أكبر مِنْهُ بِلَا ريب بأضعاف كَثِيرَة وَكَذَلِكَ موطأ مَالك أكبر مِنْهُ ومسند الشَّافِعِي أَيْضا وَقد ألف غَيرهم من أهل الحَدِيث من السّنَن وَالْمَسَانِيد مؤلفات عديدة وَلم يلْتَزم أحد مِنْهُم ﵏ جمع الصَّحِيح بمفرده كَمَا الْتَزمهُ الشَّيْخَانِ البُخَارِيّ وَمُسلم رحمهمَا الله وَإِن كَانَ غَيرهمَا قد جمع الصَّحِيح وَلَكِن الصحيحان اللَّذَان جَمعهمَا البُخَارِيّ وَمُسلم أصح الْكتب المصنفة هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْإِسْلَام وَلَفظ بَعضهم وَلَيْسَ بعد الْقُرْآن كتاب أصح من كتاب مُسلم وَالْبُخَارِيّ وجمهورهم على أَن البُخَارِيّ أصح من مُسلم وَاتَّفَقُوا على أَن البُخَارِيّ أجل من مُسلم وَأعلم بصناعة الحَدِيث مِنْهُ رجح مِنْهُ وَمن رجح مُسلما فَإِنَّمَا رَجحه بجمعه لألفاظ الحَدِيث فِي مَكَان وَاحِد فان ذَلِك أيسر على من يُرِيد جمع أَلْفَاظ الحَدِيث قَالُوا وَلم يَقع للْبُخَارِيّ غلط إِلَّا وَقد بَين فِيهِ الصَّوَاب فان من عَادَته انه إِذا وَقع من الروَاة غلط فِي لفظ ذكر أَلْفَاظ سَائِر الروَاة الَّتِي يعلم فِيهَا الصَّوَاب كَمَا وَقع لَهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا
стр. 27
يزَال يلقى فِي النَّار وَهِي تَقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع رب الْعِزَّة فِيهَا قدمه فَتَقول قطّ قطّ وينزوي بَعْضهَا إِلَى بعض وَأما الْجنَّة فَيبقى فِيهَا فضل فينشيء الله لَهَا خلقا فيسكنهم فضول الْجنَّة هَكَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات وَوَقع فِي بعض طرقه غلط قَالَ فِيهِ وَأما النَّار فَيبقى فِيهَا فضل فَالْبُخَارِي رَوَاهُ فِي سَائِر الْمَوَاضِع على الصَّوَاب ليبين غلط هَذَا الرَّاوِي بِخِلَاف مُسلم فَإِنَّهُ وَقع لَهُ فِي عدَّة أَحَادِيث غلط أنكرها عَلَيْهِ الْحفاظ
وَالَّذِي أنكر على الشَّيْخَيْنِ أَحَادِيث قَليلَة جدا وَأَحَادِيث البُخَارِيّ وَمُسلم لم يقل أهل الحَدِيث أَنَّهَا صَحِيحَة بِمُجَرَّد رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم لَهَا بل لِأَنَّهُ قد رَوَاهَا غَيرهمَا من الْعلمَاء والمحدثين من لَا يُحْصى عَددهمْ إألا الله تَعَالَى وَلم ينْفَرد وَاحِد مِنْهُم بِحَدِيث بل مَا من حَدِيث رَوَاهُ إِلَّا وَقد رَوَاهُ قبل زَمَانه وَمن زَمَانه وَبعد طوائف وَلَو لم يخلق البُخَارِيّ وَمُسلم لم ينقص من الدّين شَيْء وَكَانَت تِلْكَ الْأَحَادِيث مَوْجُودَة بأسانيد يحصل بهَا الْمَقْصُود وَفَوق الْمَقْصُود
وَإِنَّمَا قَوْلنَا رَوَاهُ البُخَارِيّ ة وَمُسلم كَقَوْلِنَا رَوَاهُ الْقُرَّاء السَّبْعَة وَالْقُرْآن مَنْقُول بالتواتر لم يخْتَص هَؤُلَاءِ السَّبْعَة بِنَقْل الشَّيْء مِنْهُ
وَكَذَلِكَ التَّصْحِيح لم يُقَلّد أهل الحَدِيث فِيهِ البُخَارِيّ وَمُسلمًا بل جُمْهُور مَا صَحَّحَاهُ وَمَا كَانَ قبلهمَا عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث
стр. 28
صَحِيحا متلقى بِالْقبُولِ وَكَذَلِكَ فِي عصرهما وَبعده وَقد نظر أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ فِي كِتَابَيْهِمَا ووافقوهما على تَصْحِيح مَا صَحَّحَاهُ إِلَّا مَوَاضِع يسيرَة نَحْو عشْرين حَدِيثا غالبها فِي مُسلم إنتقدها عَلَيْهِمَا طَائِفَة من الْحفاظ وَقد انتصر طَائِفَة لَهما وَطَائِفَة قررت قَول المنتقد وَالصَّحِيح التَّفْصِيل فَإِن فِيهَا مَوَاضِع منتقدة بِلَا ريب فِي مُسلم مثل حَدِيث أم حَبِيبَة
стр. 29
وَحَدِيث خلق التربة يَوْم السبت وَحَدِيث صَلَاة الْكُسُوف بِثَلَاث رَكْعَات وَأكْثر وفيهَا مَوَاضِع لَا انتقاد فِيهَا وَأكْثر مَا لَا انتقاد فِيهِ البُخَارِيّ فَإِنَّهُ أبعد الْكِتَابَيْنِ عَن الإنتقاد وَلَا يكَاد يروي لفظا فِيهِ انتقاد إِلَّا ويروي اللَّفْظ الآخر الَّذِي يبين أَنه منتقد وَفِي الْجُمْلَة من نقد سَبْعَة آلَاف دِرْهَم فَلم يبهرج عَلَيْهِ فِيهَا إِلَّا دَرَاهِم يسيرَة وَمَعَ هَذَا فَهِيَ مُعْتَبرَة لَيست بمغشوشة مَحْضَة فَهَذَا إِمَام فِي صَنعته وَفِي كِتَابه سَبْعَة آلَاف
стр. 30
حَدِيث وَكسر وَهَذَا الَّذِي قَالَه أهل الْعلم من أَنه لَيْسَ بعد الْقُرْآن كتاب أصح من كتابي البُخَارِيّ وَمُسلم إِنَّمَا كَانَ لِأَن هذَيْن الْكِتَابَيْنِ جرد فيهمَا الحَدِيث الصَّحِيح الْمسند وَلم يكن الْقَصْد بتصنيفهما ذكر آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا تَمْيِيز الْحسن والمرسل وَشبه ذَلِك وَمَا جرد فِيهِ الصَّحِيح الْمسند عَن رَسُول الله ﷺ فَهُوَ أصح الْكتب المصنفة لِأَنَّهُ أصح مَنْقُول عَن الْمَعْصُوم
فَأَما المسانيد وَالسّنَن فَإِنَّهَا لم يلْتَزم فِيهَا تَمْيِيز الصَّحِيح من غَيره وَمن الْتزم تَجْرِيد الصَّحِيح غَيرهمَا حصل عِنْده تساهل وتسامح لم يسلم لأحد كِتَابه من الانتقاد وَأَيْنَ صناديق حَدِيث مَنْسُوخ أَو عشرُون ألف حَدِيث مَنْسُوخ وَقد جمع ابْن الْجَوْزِيّ الْمَنْسُوخ من الْأَحَادِيث فِي وَرَقَات وَقَالَ إِنَّه أفرد فِيهَا قد ر مَا صَحَّ نسخه أَو احْتمل وَأعْرض عَمَّا لَا
стр. 31
وَجه لنسخه وَلَا احْتِمَال وَقَالَ فَمن سمع بِخَبَر يدعى عَلَيْهِ النّسخ وَلَيْسَ فِيهَا فَيعلم وهاء تِلْكَ الدَّعْوَى ثمَّ قَالَ وَقد تدبرته فاذا هُوَ أحد وَعِشْرُونَ حَدِيثا وَذكرهَا وَالَّذِي صَحَّ نسخه مِنْهَا أقل من عشرَة أَحَادِيث وَهَذَا هُوَ الَّذِي يشْهد الْعقل لصدقة إِذا سلم من الْهوى وَقد ادّعى كثير من الْفُقَهَاء فِي كثير من السّنة أَنَّهَا مَنْسُوخَة وَذَلِكَ إِمَّا لعَجزه عَن الْجمع بَينهمَا وَبَين مَا يظنّ أَنه يعارضها وَإِمَّا لعدم علمه بِبُطْلَان ذَلِك الْمعَارض وَأما لتصحيح مذْهبه وَدفع مَا يرد عَلَيْهِ من جِهَة مُخَالفَة وَلَكِن يجد غَيره قد بَين الصَّوَاب فِي ذَلِك لِأَن هَذَا الدّين مَحْفُوظ وَلَا تَجْتَمِع هَذِه الْأمة على الضَّلَالَة وَكَيف ينْسب مثل هَذَا إِلَى الإِمَام أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله وَهُوَ يُؤَدِّي إِلَى الطعْن فِي رَسُول الله ﷺ وَفِي دينه لِأَن لَازمه أَنه ﷺ كَانَ يَأْمر بأَشْيَاء متعارضة ويشرع كل وَقت شَيْئا ثمَّ ينسخه حَتَّى بلغ ذَلِك مَا يحتوي عَلَيْهِ صناديق وَهل هَذَا إِلَّا قَول مجازف صَاحب هوى نسْأَل الله الْعَافِيَة
وَلَو قَالَ إِن تِلْكَ الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة لم يُخرجهَا لاحْتِمَال كَونهَا ضَعِيفَة أَو مَوْضُوعَة لَكَانَ أقرب إِلَى الصدْق من قَوْله إِنَّهَا مَنْسُوخَة أَو متعارضة فَإِن نقاد الحَدِيث إِنَّمَا امتازوا بتمييزهم الصَّحِيح من غَيره أما معرفَة النَّاسِخ والمنسوخ مهما أيسر وأصل اخْتِلَاط الصَّحِيح بِغَيْرِهِ من ظُهُور الْكَذَّابين والمتعصبين وَأَكْثَرهم من الرافضة بالعراق وهم أكذب الطوائف حَتَّى تعدى شرهم إِلَى أَهلهَا وَلِهَذَا كَانَ أهل الْمَدِينَة يتوقفون فِي أَحَادِيثهم
وَكَانَ مَالك يَقُول أنزلوا أَحَادِيثهم منزلَة أَحَادِيث أهل الْكتاب لَا تكذبوهم وتصدقوهم وَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يَا ابا عبد الله
стр. 32
سمعنَا فِي بلدكم أَربع مائَة حَدِيث فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَنحن فِي يَوْم وَاحِد نسْمع هَذَا كُله فَقَالَ يَا عبد الرَّحْمَن وَمن أنزلنَا دَار الضَّرْب يضْربُونَ بِاللَّيْلِ وينفقون بِالنَّهَارِ هَذَا مَعَ أَنه كَانَ بِالْكُوفَةِ وَغَيرهَا من الثِّقَات الأكابر كثير وَلَكِن لِكَثْرَة الْكَذِب الَّذِي كَانَ أَكْثَره من الشِّيعَة صَار الْأَمر يشْتَبه على من لَا يُمَيّز بَين هَذَا وَهَذَا بِمَنْزِلَة الْغَرِيب إِذا دخل إِلَى بلد يصف أَهله كذابون خوانون فَإِنَّهُ يحترس مِنْهُم حَتَّى يعرف الصدوق الثِّقَة وبمنزلة الدَّرَاهِم الَّتِي كثر فِيهَا الْغِشّ فانه يحترس عَن الْمُعَامَلَة بهَا من لَا يكون نقادا
وَمِنْهَا قَوْله م: وَالَّذِي يقْضِي مِنْهُ الْعجب حَال هَؤُلَاءِ فِي قلَّة أَنْصَافهمْ وفرط جَوْرهمْ واعتسافهم أَن البُخَارِيّ نَشأ ببخارى وَحصل مَا حصل من الحَدِيث بهَا وَأَهْلهَا حنفيون كلهم ثمَّ إِنَّهُم ينفون الحَدِيث عَنْهُم وَذَلِكَ دَلِيل وَاضح على أَن الْأَحَادِيث الَّتِي جمعهَا البُخَارِيّ كَانَت عِنْد الْحَنَفِيَّة مَوْجُودَة إِلَّا أَنهم كَانُوا عُلَمَاء راسخين يسمون البُخَارِيّ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْقصاص ذكره صَاحب الْمُحِيط علمُوا النَّاسِخ والمنسوخ فَلم يعملوا بِمَا ثَبت عِنْدهم نسخه وَكَانَ أَبُو حنيفَة ﵀ رجلا كثير الاعتناء بِالْأَخْذِ بِالْحَدِيثِ حَتَّى جوز نسخ الْكتاب بِالْحَدِيثِ لقُوَّة منزلَة الحَدِيث وَعمل بالمراسيل وقدمها على الرَّأْي وَقدم رِوَايَة الْمَجْهُول على الْقيَاس وَقدم قَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس قَالَ نصر بن مُحَمَّد مَا رَأَيْت رجلا أَكثر أخذا للآثار من أبي حنيفَة وَأما الْإِجْمَاع فان أَبَا حنيفَة كَانَ أشده رِعَايَة لَهُ لم يَجْعَل الِاخْتِلَاف السَّابِق مَانِعا عَن الْإِجْمَاع اللَّاحِق وَاعْتبر الاجماع السكوتي أما
стр. 33
الْقيَاس فقد سلم لَهُ الْعلمَاء كلهم حَتَّى سموا اصحابه أَصْحَاب الرَّأْي قَالَ مَالك ﵀ حِين سُئِلَ عَن أبي حنيفَة ﵀ رَأَيْته رجلا لَو ادّعى أَن هَذِه السارية صَارَت ذَهَبا لأقام بِحجَّة وَقد هدى إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم انْتهى
ش: فَقَوله يسمون البُخَارِيّ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْقصاص ذكره صَاحب الْمُحِيط فَإِن هَذَا كَلَام من لم يبلغهُ سيرة البُخَارِيّ وَإِنَّمَا يبلغهُ قَول مبغضه عَنهُ وَلم يكن عِنْده مَا يسْتَدلّ بِهِ على صدق القَوْل من كذبه وَإِلَّا فَالْبُخَارِي ﵀ رَحل إِلَى الْبِلَاد فِي طلب الحَدِيث وَالْعلم إِلَى جَمِيع محدثي الْأَمْصَار وَهَذِه أسانيده تشهد لَهُ بذلك حَتَّى جمع من السّنة مَا فاق بِهِ على نظرائه وَلما قدم بَغْدَاد فَسمع بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث اجْتَمعُوا وعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد لإسناد آخر وَإسْنَاد هَذَا لمتن آخر ودفعوها إِلَى عشرَة أنفس لكل رجل عشرَة أَحَادِيث وَأمرُوهُمْ إِذا حَضَرُوا الْمجْلس أَن يلقوها على البُخَارِيّ فَحَضَرَ الْمجْلس جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث فَلَمَّا اطْمَأَن الْمجْلس بأَهْله انتدب إِلَيْهِ رجل من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث فَقَالَ لَا اعرفه حَتَّى فرغ من الْعشْرَة وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ فَأَما الْعلمَاء فعرفوا بإنكاره أَنه عَارِف وَأما غَيرهم فَلم يدركوا ذَلِك مِنْهُ ثمَّ انتدب رجل آخر من الْعشْرَة فَكَانَ حَاله مَعَه كَذَلِك ثمَّ انتدب آخر إِلَى اتمام الْعشْرَة وَالْبُخَارِيّ لَا يزيدهم على قَوْله لَا أعرفهُ فَلَمَّا فرغوا الْتفت إِلَى الأول مِنْهُم فَقَالَ أما حَدِيثك الأول فَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَالثَّانِي كَذَا على النسق إِلَى آخر الْعشْرَة فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وكل إِسْنَاد إِلَى مَتنه ثمَّ فعل
стр. 34
بالباقين مثل ذَلِك فَأقر لَهُ النَّاس بِالْحِفْظِ واذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ
وَمن نظر فِي تبويب صَحِيحه ظهر لَهُ فَضله وَقدرته على استنباط الاحكام وَإِن كَانَ فِي بعض تبويبه نظر وَلَو لم يكن قد أحَاط من السّنة بِأَكْثَرَ مِمَّا أحَاط بِهِ نظراؤه مِنْهَا لما قدر على جمع هَذَا الْمِقْدَار الَّذِي فِي جَامعه من الصَّحِيح وَهل سمع فِي أهل بُخَارى بنظيره من الْحَنَفِيَّة أَو غَيرهم حَتَّى يُقَال إِن الَّذِي حصله من الحَدِيث مِنْهُم وَلَو سمع أَسمَاء مشايخه الَّذين روى عَنْهُم لم يقل هَذِه الْمقَالة وكونهم يسمونه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْقصاص لَا يضرّهُ فَمَا هُوَ بِأول من تنقصه حساده
(كضرائر الْحَسْنَاء قُلْنَ لوجهها ... حسدا وبغيا إِنَّه لذميم)
وَإِذا سمعنَا من ذمّ الإِمَام أَبَا حنيفَة نردع من يذمه ونزجره ومدح البُخَارِيّ لَا نقابله بذم أبي حنيفَة بل نرد ذمّ الإِمَام أبي حنيفَة ﵀ ونقر مدح البُخَارِيّ ﵀ ﴿رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم﴾ الْحَشْر ١٠
وَمِنْهَا قَوْله م: وَأما الْمَقْصد فَفِي ذكر مسَائِل توجب تَقْلِيده الْمَسْأَلَة الأولى فِي الْإِيمَان ذهب أَبُو حنيفَة ﵀ إِلَى أَن الْإِيمَان التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَمن صدق مُحَمَّدًا بِقَلْبِه فِيمَا جَاءَ بِهِ من عِنْد ربه وَأخر بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن والأعمال أَي الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج غير دَاخل فِيهِ وَذهب الشَّافِعِي ﵀ إِلَى أَنَّهَا دَاخِلَة فِيهِ وَيلْزم من ذَلِك أَن من ترك الصَّلَاة وَالصَّوْم أَو منع الزَّكَاة أَو
стр. 35
ترك الْحَج لَا يكون مُؤمنا لِأَن الْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه بالِاتِّفَاقِ فَيكون فِي النَّار خَالِدا مخلدا وَلَا يخفى ضَرَره وبطلانه بالأحاديث الدَّالَّة على أَن من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله دخل الْجنَّة فلولا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ لَكَانَ كل من ترك فعلا من الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة آنِفا كَافِرًا تطلق امْرَأَته وبوطئها يكون زَانيا وَيبْطل حجه وجهاده انْتهى
ش: فَإِن أَكثر الْأَئِمَّة على أَن الْإِيمَان قَول وَعمل مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم رَحِمهم الله تَعَالَى فَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَيْسَ للشَّافِعِيّ بهَا اخْتِصَاص وَالْمُصَنّف لم يذكر فِي مسَائِله السِّتَّة عشرَة الْمَذْكُورَة كلهَا إِلَّا الشَّافِعِي ﵀ وَكَأن الَّذِي صنف لأَجله هَذِه الرسَالَة شَافِعِيّ الْمَذْهَب فَلذَلِك يخص الشَّافِعِي بِالذكر وَالله أعلم
وَالَّذِي قَصده المُصَنّف هُنَا أَن النَّاس محتاجون إِلَى تَقْلِيد أبي حنيفَة ﵀ فِي القَوْل بِأَن الْأَعْمَال غير دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْإِيمَان وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَنَّهُ يلْزم من القَوْل بِدُخُول الْأَعْمَال فِي مُسَمّى الْإِيمَان أَنه يَنْتَفِي بِانْتِفَاء بعض الْأَعْمَال وَهنا تَفْصِيل لَا بُد من التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَهُوَ أَنه ان ترك الصَّلَاة أَو الصَّوْم أَو الزَّكَاة أَو الْحَج إِلَّا أَن يكون قريب عهد بِالْإِسْلَامِ يجوز أَن يخفى عَلَيْهِ وُجُوبه جاحدا لَهُ فَهُوَ كَافِر بِالْإِجْمَاع إِن جحد ذَلِك وَإِن تَركه عمدا غير جَاحد فقد قيل إِنَّه يكفر وَقيل يكفر بِتِلْكَ الصَّلَاة دون غَيرهَا من أَرْكَان الدّين وَقيل إِنَّمَا يكفر إِذا تكَرر التّرْك مِنْهُ فيكفر بترك صَلَاتَيْنِ أَو ثَلَاث لَا بترك صَلَاة وَاحِدَة وَقيل يقتل بترك الصَّلَاة حدا لَا لكفره كل هَذِه أَقْوَال مَعْرُوفَة فِي مَذْهَب أَحْمد ﵀ وَبَعضهَا فِي مَذْهَب
стр. 36
الشَّافِعِي وَمَالك وَغَيرهم ﵃ وَلَا يَصح التَّرْجِيح لقَوْل أبي حنيفَة ﵀ بِأَن النَّاس محتاجون إِلَى تَقْلِيده فِي القَوْل بِأَن الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج غير دَاخل فِي الْإِيمَان إِلَّا أَن يُقَال إِن من ترك شَيْئا من ذَلِك عَامِدًا فَهُوَ كَافِر فَإِن هَذَا تَرْجِيح فَاسد فَلَا يكون التَّرْجِيح بِالدَّلِيلِ الصَّحِيح
وَلَو قيل إِنَّه يلْزم من قَوْلكُم أَن يتْرك النَّاس الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَيَقُولُونَ نَحن مُؤمنُونَ لَا يضر إيمَاننَا ترك هَذِه الْعِبَادَات لَكَانَ هَذَا أبلغ فِي التشنيع وَلَكِن مثل هَذَا لَا يرتضيه فَقِيه
وللقائل بِأَن الْأَعْمَال دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْإِيمَان أَن يَقُول لَا نسلم أَن الْإِيمَان يَزُول بِزَوَال عمل من الْأَعْمَال وَإِن كَانَت دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْإِيمَان فَإِن الْإِيمَان أصل لَهُ شعب كَمَا قَالَ ﷺ (الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة أَعْلَاهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق) مُتَّفق عَلَيْهِ
وَهَذِه الشّعب مِنْهَا مَا يَزُول الْإِيمَان بزواله كَشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَمِنْهَا مَا لَا يَزُول الْإِيمَان بزواله كإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق والشعب الَّتِي ينشأ بَينهمَا مِنْهَا مَا يقرب من شَهَادَة الوحدانية وَمِنْهَا مَا يقرب من إمَاطَة
стр. 37
الْأَذَى وَالْقَوْل بِأَن الْكل يَنْتَفِي جزئه مغلطة فَإِن أَرَادَ بِهِ قَائِله بِانْتِفَاء الْمَجْمُوع فَهَذَا غلط فَإِن من قطعت يَده مثلا لم يخرج عَن كَونه إنْسَانا وَلَا انْتَفَى وجوده وَإِن كَانَت يَده جُزْء مِنْهُ وَإِن أَرَادَ بِهِ انْتِفَاء الْهَيْئَة الاجتماعية فَمُسلم وَهَذَا هُوَ الَّذِي يعنونه بقَوْلهمْ انْتَفَت صفة الْكَمَال وَيشْهد لهَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم﴾ الْأَنْفَال ٢
وَقَوله ﷺ (لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ) وأمثال ذَلِك فِي الْكتاب وَالسّنة كَثِيرَة والمنفي فِي مثل هَذَا صفة الْكَمَال فينفي صِحَة الْإِيمَان الْمُطلق لَا مُطلق الْإِيمَان وَإِن أَرَادَ بِهِ انْتِفَاء الِاسْم كَمَا يَنْتَفِي الْعشْرَة بِانْتِفَاء جزئها وَإِن كَانَ الْمَجْمُوع لم ينتف فَهُوَ غلط أَيْضا فَإِن الْإِيمَان من أَسمَاء الْأَجْنَاس وَاسم الْجِنْس لم ينتف بِانْتِفَاء بعض الْمُسَمّى بِخِلَاف الْعشْرَة فانها اسْم لعدد خَاص وَإِنَّمَا نظيرها انْتِفَاء الْإِيمَان بجحود بعض مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول فَإِن الْإِيمَان اسْم خَاص لَهُ فَظهر بِهَذَا أَن قَوْله وَالْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه بالِاتِّفَاقِ غلط
وَقَوله وَلَا يخفى ضَرَره وبطلانه بالأحاديث الدَّالَّة على أَن من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله دخل الْجنَّة
ش: لَا حجَّة لَهُ فِي الْأَحَادِيث الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يلْزم من دُخُول الْجنَّة أَن لَا يدْخل النَّار وَلَا دُخُوله النَّار أَن يكون فِيهَا خَالِدا مخلدا وَحَدِيث الشَّفَاعَة الْمُتَّفق على صِحَّته يدل على ذَلِك وَيدل على زِيَادَة
стр. 38
الْإِيمَان ونقصانه فان فِيهِ انه يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من بر أَو شعير من إِيمَان تمّ من فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من إِيمَان ثمَّ من فِي قلبه أدنى من مِثْقَال حَبَّة من إِيمَان وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن وهب بن مُنَبّه أَنه قيل لَهُ أَلَيْسَ لَا إِلَه إِلَّا الله مِفْتَاح الْجنَّة قَالَ بلَى وَلَكِن لَيْسَ مِفْتَاح إِلَّا لَهُ أَسْنَان فَإِن جِئْت بمفتاح لَهُ أَسْنَان فتح لَك وَإِلَّا لم يفتح لَك وَلَا يلْزم من نقص الْإِيمَان بِانْتِفَاء بعض الْأَعْمَال أَو بضعفه فِي نَفسه زَوَاله كَمَا تقدم وَلِهَذَا وَالله أعلم قَالَ الطَّحَاوِيّ وَأَهله فِي أَصله سَوَاء وَيكون نَظِيره الْعقل وَالْبَصَر وَنَحْوهمَا فَإِن كلا مِنْهُمَا أَهله فِي أَصله سَوَاء وَإِن كَانَ الْعُقَلَاء والبصراء متفاوتين
وَمن لم يرجح الحكم بِالدَّلِيلِ لَا يَنْبَغِي لَهُ الِانْتِصَار لتاركي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج ويرجح مَذْهَب من قَالَ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُم بِمُجَرَّد التشنيع والتهويل فَإِن ذَلِك يَنْتَهِي إِلَى قَول المرجئة الَّذين قَالُوا لَا يضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة
وَمِنْهَا قَوْله م: لَوْلَا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ لَكَانَ كل من ترك فعلا من الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة آنِفا كَافِرًا إِلَى آخِره
стр. 39
ش: وَقد تكَرر مِنْهُ نَظِير ذَلِك لَوْلَا مَذْهَب أبي حنيفَة لَكَانَ كَذَا وَلَوْلَا مذْهبه لَكَانَ كَذَا وَهُوَ كَلَام سَاقِط لِأَن اعْتِقَاد المعتقد كفر مُسلم أَو بطلَان حق أَو تَحْرِيم حَلَال أَو عكس ذَلِك لَا يُغير الشَّيْء عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ أَلا ترى أَن الْكفَّار لما اعتقدوا فِي الْمَلَائِكَة أَنهم إناث لم يُغير ذَلِك الْمَلَائِكَة عَمَّا هم عَلَيْهِ وَلم يصيروا إِنَاثًا لاعتقاد الْكفَّار الْبَاطِل فيهم وَلَا يُقَال لَوْلَا الْمُسلمُونَ لكَانَتْ الْمَلَائِكَة إِنَاثًا
وَلَو لم يخلق أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لما ضرّ دين الْإِسْلَام وَلَيْسَ إِلَى الْعلمَاء من أَمر الدّين إِلَّا التَّبْلِيغ وإيضاح الْمُشكل وَأما أَمر التَّكْفِير والتفسيق والتحليل وَالتَّحْرِيم فَإلَى الله وَرَسُوله
وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي الطهارات قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ وَيجوز الِاغْتِسَال وَالْوُضُوء بِمَاء سخن بالروث والأخثاء وَنَحْوهمَا وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز فلولا مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ لم يطهر أحد مِمَّن دخل فَمَا مَاتَ هَذِه الْبِلَاد أبدا وَإِذا لم يتَطَهَّر لم تصح صلَاته فَلَا يجوز لَهُ مس الْمُصحف بِيَدِهِ وَلَا يجوز لَهُ دُخُول الْمَسْجِد وَلَا يجوز لَهُ قِرَاءَة الْقُرْآن وَإِذا زَالَ صلَاته زَالَ إيمَانه وَلَزِمَه مَا ذكرنَا فِي الْمَسْأَلَة الأولى انْتهى
ش: فان مَا نَقله عَن الشَّافِعِي ﵀ غير مُحَرر بل هُوَ غلط لِأَن المَاء المسخن بِالنَّجَاسَةِ إِذا كَانَ بَين المَاء وَبَين دُخان النَّجَاسَة حَائِل حُصَيْن لَا يَتَنَجَّس بالإتفاق وَلَكِن يكره اسْتِعْمَاله فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الْحَائِل غير حُصَيْن وَلم بتحقق وُصُول شَيْء إِلَى المَاء وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن دُخان النَّجَاسَة نجس عِنْده وَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب مَالك وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد أَصْحَاب أَحْمد ﵀ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنه طَاهِر كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك فِي إِحْدَى
стр. 40
الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ مَذْهَب أهل الظَّاهِر وَغَيرهم وَهُوَ وَجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي أَيْضا فَلَيْسَتْ هِيَ من مُفْرَدَات أبي حنيفَة كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام المُصَنّف مَعَ عدم تحريره للنَّقْل فِي الْمَسْأَلَة فَلَو عكس التشنيع بِمَا فِي مَذْهَب أبي حنيفَة من التَّشْدِيد فِي المَاء الدَّائِم وَالْقَوْل بِنَجَاسَتِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ وبقليل النَّجَاسَة وَإِن لم ير لَهَا فِيهِ أثر مَا لم يكن عشرَة أَذْرع بذلك بِغَيْر نقل شَرْعِي وَلَا هُوَ قَول أبي حنيفَة أَيْضا إِنَّمَا هُوَ اخْتِيَار أَصْحَابه وَفِي هَذَا من الْحَرج مَا لَا يخفى خُصُوصا بالبلاد الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا المُصَنّف وأمثالها لَكَانَ أظهر لَكِن لَا يستحسن مثل هَذَا وَلَو كَانَت من مُفْرَدَات أبي حنيفَة ودليلها قوي وَالنَّاس محتاجون إِلَيْهَا فَمَا من إِمَام إِلَّا وَله مُفْرَدَات مِنْهَا مَا دَلِيله قوي وَالنَّاس محتاجون إِلَيْهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ بِخِلَاف ذَلِك
وَكَذَلِكَ لما استحكم الِافْتِرَاق فِي هَذِه الْأمة نصبوا من كل طَائِفَة قَاضِيا لِئَلَّا يضيع كثير من حُقُوق النَّاس ومصالحهم باقامة عَالم زاهد مقَام رَسُول الله ﷺ وهجر أَقْوَال غَيره من الْعلمَاء وازداد بذلك استحكام التَّفَرُّق وَكَانَ الْوَاجِب النَّهْي عَن التَّفَرُّق لَا تقرره فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَقَوله إِذا زَالَ صلَاته زَالَ إيمَانه وَلُزُوم مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَة الأولى مَمْنُوع لما تقدم إِن الزائل صفة الْكَمَال وَإِن القَوْل بِأَن الْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء جزئه غلط وتشنيع غير صَحِيح
وَمِنْهَا قَوْله م: الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي الصَّلَاة قَالَ ابو حنيفَة ﵀ من نوى بِقَلْبِه صَلَاة يُصليهَا جَازَت إِن لم يذكرهَا بِاللِّسَانِ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لَا يجوز مَا لم يكن الذّكر اللساني مُقَارنًا للقلبي وَأكْثر النَّاس عاجزون عَن ذَلِك باعترافهم وَالَّذِي يدعى الْمُقَارنَة يَدعِي مَا يردهُ صَرِيح الْعقل وَذَلِكَ أَن اللِّسَان ترجمان مَا يحضر بِالْقَلْبِ والمترجم عَنهُ سَابق قطعا على أَن الْحُرُوف الملفوظ بهَا فِي
следующие страницы →